يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لشقّ عليه غاية المشقة، فيسّر عليهم ذلك بمثّه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال مثلًا: أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة.
وقال ابن عبد البرِّ: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات؛ لما تقدم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو "أَقْبِلْ"، و"تَعَالَ"، و"هَلُمَّ"، ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك.
قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات.
لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نَبَّهَ عليه أبو عمرو الدانيّ أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة، فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة، لا بكلها، وهذا إنما يأتي على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر، فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السبعة في بعض القرآن، كما تقدم.
وقد حَمَل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء:
[الأول]: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الراء، ورفعها.
[الثاني]: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و"باعَدَ بين أسفارنا" بصيغة الطلب، والفعل الماضي.
[الثالث]: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة، مثل: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي.
[الرابع]: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة علي: و"طلع منضود".
стр. 9417
[الخامس]: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] في قراءة أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: "وجاءت سكرة الحق بالموت".
[السادس]: ما يتغير بزيادة، أو نقصان، مِثالُ الزيادة ما نقل عن ابن عباس ﵄: "وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين"، ومِثالُ النقص، قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء ﵄: "والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى".
[السابع]: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير: "كالصوف المنفوش".
وهذا وجه حسن، لكن استبعده قاسم بن ثابت في "الدلائل"؛ لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت، وأكثرُهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها، قال: وأما ما وُجِد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾، و (ننشرها) [البقرة: ٢٥٩]، فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط.
قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة؛ لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى.
وقال أبو الفضل الرازيّ ﵀: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف:
الأول: اختلاف الأسماء، من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض، ومضارع، وأمر.
الثالث: وجوه الإعراب.
الرابع: النقص والزيادة.
الخامس: التقديم والتأخير.
السادس: الإبدال.
стр. 9418
السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار، ونحو ذلك.
قال الحافظ: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقّحه.
وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا"، أخرجه أبو عبيد، وغيره.
قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يَلْقَ ابنَ مسعود، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران.
قال الحافظ: وأطنب الطبريّ في مقدمة تفسيره في الردّ على من قال به.
وحاصله: أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة، وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود.
وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيّد، ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: "سبعة أحرف"، أي سبعة أوجه، كما فُسِّرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الواحدة تقرأ على وجهين، وثلاثة، وأربعة إلى سبعة، تهوينًا وتيسيرًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة.
وقال أبو عليّ الأهوازي، وأبو العلاء الهمدانيّ: قوله: "زاجر، وآمر" استئناف كلام آخر، أي هو زاجر، أي القرآن، ولم يُرَدْ به تفسيرُ الأحرف السبعة، وإنما تَوَهَّمَ ذلك مَنْ توهمه من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده أنه جاء
стр. 9419
في بعض طرقه، "زاجرًا، وآمرًا". . . إلخ بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة.
وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله اللَّه على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب.
قال الحافظ ﵀: ومما يوضح أن قوله: "زاجر، وآمر". . . إلخ ليس تفسيرًا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس ﵄، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَلَخّص مما تقدم مما ساقه الحافظ ﵀ من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام -رحمهم اللَّه تعالى- أن الراجح هو قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة في حديث الباب هي أوجه القراءة التي تُؤَدَّى بها المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد يكون ذلك في لغة واحدة، كما وقع لعمر وهشام بن حكيم ﵄، فإنهما قرشيان.
وأما بقية الأقوال فلا تخلو من ضعف، وأضعفها قول من قال: إنه من المتشابه الذي لا يُعْرَف معناه، كما اختاره السيوطيّ في شرح النسائيّ، فإنه من المحال أن يكون القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ويؤمر الناس أن يقرؤوه على تلك الأحرف، ولا يدرون ما هي الأحرف؟ هذا من أغرب المحال، وأما تفسير من فسّره بالقراءة السبعة المشهورة فكونه غلطًا أظهر من أن يُشْهَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الأحرف السبعة المذكورة في الحديث مجموعة في المصحف الموجود اليومَ، أم لا؟:
قد جمع الحافظ ﵀ في "فتحه" أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستوفاها، مُلَخَّصةً، فأحببت إيرادها هنا لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها:
стр. 9420
قال ﵀: قال أبو شامة ﵀: وقد اختَلَف الناس في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟ مال الباقلاني إلى الأول، وصَرَّح الطبريّ وجماعة بالثاني، وهو المعتمد.
وقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف" عن أبي الطاهر بن السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟، قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل "هَلُمَّ"، و"تعالَ"، و"أقبل"، أيّ ذلك قلت أجزأك، قال: وقال لي ابن وهب مثله.
والحقّ أن الذي جُمِعَ في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبيّ ﷺ ، وفيه بعض ما اختُلِف فيه من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آخر براءة، وفي غيره بحذف "من"، وكذا وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمر النبيّ ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءة مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جُوّزت به توسعةً على الناس وتسهيلًا؛ فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
قال الطبريّ ﵀: وصار ما اتَّفَقَ عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خُيِّر فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة.
قال الحافظ ﵀: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: "فاقرؤوا ما تيسر منه".
وقد قرر الطبريّ ذلك تقريرًا أطنب فيه، ووَهَّى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس بن عمار في "شرح الهداية"، وقال: أصح
стр. 9421
ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها.
وضابطه: ما وافق رسم المصحف، فأما ما خالفه، مثل "أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج"، ومثل "إذا جاء فتح اللَّه والنصر"، فهو من تلك القراءات التي تُرِكت، إن صح السند بها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآنًا، ولا سيما والكثير منها مما يَحْتَمِل أن يكون من التأويل الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه.
وقال البغويُّ في "شرح السنة": المصحف الذي استقرّ عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول اللَّه ﷺ ، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجَمَعَ الناس عليه، وأذهَبَ ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نُسِخ ورُفِع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم.
وقال أبو شامة ﵀: ظَنّ قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يَظُنّ ذلك بعض أهل الجهل.
وقال ابن عمار أيضًا: لقد فعل مسبِّعُ هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قلَّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راوٍ ثالثٍ غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم، فخطأ، أو كفر.
وقال أبو بكر ابن العربيّ ﵀: ليست هذه السبعة متعينة للجواز، حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم، أو فوقهم.
وكذا قال غير واحد: منهم مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء.
وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات
стр. 9422
المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السُّوسي، والدُّوري، وليس لهما مزية على غيرهما؛ لأن الجميع مشتركون في الضبط، والإتقان، والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قُضِيَ من نقص العلم، فاقتصر هؤلاء على السبعة، ثم اقتصر من بعدهم من السبعة على النزر اليسير.
وقال أبو شامة ﵀: لم يُرد ابن مجاهد ما نُسِب إليه، بل أخطأ من نَسَب إليه ذلك.
وقد بالغ أبو طاهر ابن أبي هاشم صاحبه في الردّ على من نسب إليه أن مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها، أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حَمَل عنه أهل تلك الجهات، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط، امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار، مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة.
وقال مكي بن أبي طالب ﵀: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم، قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهِم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين -كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق القاضي- قد ذكروا أضعاف هؤلاء.
قال الحافظ ﵀: قلت: اقتصر أبو عبيدة في كتابه على خمسة عشر رجلًا، من كل مصر ثلاثة أنفس: فذكر من مكة ابنَ كثير، وابن محيصن،
стр. 9423
وحُميدًا الأعرج، ومن أهل المدينة أبا جعفر، وشيبة، ونافعًا، ومن أهل البصرة أبا عمرو، وعيسى بن عمر، وعبد اللَّه بن أبي إسحاق، ومن أهل الكوفة يحيى بن وَثّاب، وعاصمًا، والأعمش، ومن أهل الشام عبد اللَّه بن عامر، ويحيى بن الحارث، قال: وذهب عني اسم الثالث، ولم يذكر في الكوفيين حمزة، ولا الكسائي، بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة، ولم يجتمع عليه جماعتهم، قال: وأما الكسائيّ، فكان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة الكوفيين بعضًا، وترك بعضًا، وقال بعد أن ساق أسماء من نقلت عنه القراءة من الصحابة والتابعين: فهؤلاء هم الذين يُحكَى عنهم عُظْمُ القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث، قال: ثم قام بعدهم بالقراءات قوم ليست لهم أسنانهم، ولا تقدمهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت عنايتهم بها، وطلبهم لها، حتى صاروا بذلك أئمة يقتدي الناس بهم فيها، فذكرهم.
وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلًا، ولم يذكر فيهم ابن عامر، ولا حمزة، ولا الكسائي، وذكر الطبريّ في كتابه اثنين وعشرين رجلًا.
قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمرّوا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي، وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة -مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرًا، ومثلهم أكثر من عددهم- أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة، والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة، والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل ﵇ إمامًا واحِدًا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة به، كقراءة يعقوب، وعاصم الجحدري، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم.
قال: وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي أبو عبيد، وأبو
стр. 9424
حاتم، والمفضل، وأبو جعفر الطبري، وغيرهم، وذلك واضح في تصانيفهم في ذلك.
وقد صنف ابن جبير المكي، وكان قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك؛ لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وَجَّهَ بسبعة، هذه الخمسة، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، لكن لم نسمع لهذين المصحفين خبرًا، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف، فاستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين يكمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، وهو "أن القرآن أنزل على سبعة أحرف"، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم يكن له فطنة، فظن أن المراد بالقراءات السبع الأحرف السبعة، ولا سيما، وقد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة، فقالوا: قرأ بحرف نافع، وبحرف ابن كثير، فتأكد الظن بذلك، وليس الأمر كما ظنه، والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع، ويستقيم وجهه في العربية، ويوافق خط المصحف، وربما زاد بعضهم الاتفاق عليه، ونعني بالاتفاق كما قال مكي بن أبي طالب ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة، ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم، قال: وربما أرادوا بالاتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين، قال: وأصح القراءات سندًا نافع، وعاصم، وأفصحها أبو عمرو، والكسائيّ.
وقال ابن السمعانيّ في "الشافي": التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر، ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، قال: وقد صنف غيره في السبع أيضًا، فذكر شيئًا كثيرًا من الروايات عنهم غير ما في كتابه، فلم يقل أحد: إنه لا تجوز القراءة بذلك لخلو ذلك المصحف عنه.
وقال أبو الفضل الرازيّ في "اللوائح" بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أن أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث، وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك. قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك، وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفًا، وجرَّد طريقًا
стр. 9425
في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خروجًا عن الأحرف السبعة.
وقال الكواشي: كل ما صحّ سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا، أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة، فهو الشاذ.
قال الحافظ ﵀: وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل "التيسير"، و"الشاطبية"، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك، كأبي شامة، وأبي حيان، وآخرُ من صرح بذلك السبكي، فقال في "شرح المنهاج" عند الكلام على القراءة بالشاذ: صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذّ، توهمًا منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين:
الأول: ما يخالف رسم المصحف، فلا شك في أنه ليس بقرآن.
والثاني: ما لا يخالف رسم المصحف، وهو على قسمين أيضًا:
الأول: ما ورد من طريق غريبة، فهذا ملحق بالأول.
والثاني: ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا، فهذا لا وجه للمنع منه، كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وغيرهما. ثم نقل كلام البغوي، وقال: هو أولى من يعتمد عليه في ذلك، فإنه فقيه محدث مقرئ، ثم قال: وهذا التفصيل بعينه وارد في الروايات عن السبعة، فإن عنهم شيئًا كثيرًا من الشواذ، وهو الذي لم يأت إلا من طريق غريبة، وإن اشتهرت القراءة من ذلك المنفرد، وكذا قال أبو شامة، ونحن وإن قلنا: إن القراءة الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت، فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه. انتهى ما في "الفتح" (١).
وإلى الشروط الثلاثة المذكورة أشار المحقّق ابن الجزريُّ في "طيبة النشر" بقوله:
стр. 9426
وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهًا نَحْوِي … وَكَانَ لِلرَّسْم احْتِمَالًا يَحْوِي
وَصَحَّ إسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ … فَهذِهِ الثَّلَاثَةُ الأرْكَانُ
وَحَيْثُمَا يَخْتَلُّ شَرْطٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا خلاصة ما نقلوه، وتحقيق ما قالوه، وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس، لمن له رغبة في العلم، وتطلع إلى الفهم، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان الأحرف التي اختَلَف فيها القرّاء من "سورة الفرقان":
قال الحافظ ﵀: لم أَقِف في شيء من طرق حديث عمر ﵁ على تعيين الأحرف التي اختَلَف فيها عمر وهشام ﵄ من سورة الفرقان، وقد زَعَم بعضهم فيما حكاه ابن التين أنه ليس في هذه السورة عند القراء خلاف فيما ينقص من خط المصحف سوى قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾، وقرئ ﴿سِرَاجًا﴾ وجمع سراج، قال: وباقي ما فيها من الخلاف لا يخالف خط المصحف.
قال الحافظ: وقد تتبع أبو عمر بن عبد البرُّ ما اختَلَف فيه القراء من ذلك من لدن الصحابة ومن بعدهم من هذه السورة، فأوردته مُلَخَّصًا، وزدت عليه قدر ما ذكره وزيادةً على ذلك، وفيه تَعَقُّبٌ على ما حكاه ابن التين في سبعة مواضع أو أكثر.
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، قرأ أبو الجوزاء، وأبو السوار: "أنزل" بألف، قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، قرأ عبد اللَّه بن الزبير، وعاصم الجحدريّ: "على عباده"، ومعاذ أبو حليمة، وأبو نهيك: "على عبيده". قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، قرأ طلحة بن مُصَرِّف، ورويت عن إبراهيم النخعيّ بضم المثناة الأولى، وكسر الثانية، مبنيًا للمفعول، وإذا ابتَدَأ ضَمّ أوله.
قوله: ﴿مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ وقرأ عاصم الجحدريّ، وأبو المتوكل، ويحيى بن يعمر ﴿فَيَكُونَ﴾ بضم النون.
قوله: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قرأ الأعمش، وأبو حَصِين ﴿يَكُونَ﴾ بالتحتانية.
стр. 9427
قوله: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم ﴿نَّأْكُلُ﴾ بالنون، ونقله في "الكامل" عن القاسم وابن سعد وابن مقسم.
قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحميد، وتابعهم أبو بكر، وشيبان، عن عاصم، وكذا محبوب، عن أبي عمرو، ووَرْش ﴿يَجْعَلْ﴾ برفع اللام، والباقون بالجزم؛ عطفًا على محل ﴿جَعَلَ﴾، وقيل: لادغامها، وهذا يجري على طريقة أبي عمرو بن العلاء، وقرأ بنصب اللام عُمر بن ذَرّ، وابن أبي عَبْلَة، وطلحة بن سليمان، وعبد اللَّه بن موسى، وذكرها الفراء جوازًا على إضمار "أن"، ولم ينقلها، وضعّفها ابن جني.
قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قرأ ابن كثير، والأعمش، وعليّ بن نصر، ومسلمة بن محارب بالتخفيف، ونقلها عقبة بن يسار، عن أبي عمرو أيضًا.
قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قرأ عاصم الجحدريّ، ومحمد بن السميفع: "مقرنون".
قوله: ﴿ثُبُورًا﴾ قرأ المذكوران بفتح المثلثة.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، والأعرج، والجحدريّ، وكذا الحسن، وقتادة، والأعمش، على اختلاف عنهم بالتحتانية، وقرأ الأعرج بكسر الشين، قال ابن جني: وهي قوية في القياس، متروكة في الاستعمال.
قوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن مسعود، وأبو نهيك، وعمر بن ذَرّ: "وما يعبدون من دوننا". قوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ قرأ ابن عامر، وطلحة بن مصرف، وسلام، وابن حسان، وطلحة بن سليمان، وعيسى بن عمر، وكذا الحسن، وقتادة، على اختلاف عنهما، ورويت عن عبد الوارث، عن أبي عمرو، بالنون.
قوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾ قرأ أبو عيسى الأسواريّ، وعاصم الجحدريّ بضم الياء وفتح الغين.
قوله: ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ قرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، والباقر، وأخوه زيد، وجعفر الصادق، ونصر بن علقمة، ومكحول، وشيبة، وحفص بن حميد، وأبو جعفر القارئ، وأبو حاتم السجستانيّ، والزعفرانيّ، ورُوي عن مجاهد، وأبو
стр. 9428
رجاء، والحسن بضم أوله وفتح الخاء، على البناء للمفعول، وأنكرها أبو عبيد، وزعم الفراء أن أبا جعفر تفرد بها.
قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ حَكَى القرطبيّ أنها قرئت بالتخفيف.
قوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ قرأ ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والأعمش، وحميد بن قيس، وابن جريج، وعمر بن ذَرّ، وأبو حيوة، ورويت عن قنبل، بالتحتانية.
قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص في الأكثر عنه، عن عاصم، بالفوقانية، وكذا الأعمش، وطلحة بن مصرّف، وأبو حيوة.
قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ﴾ قرئ "يذقه" بالتحتانية.
قوله: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ قرئ "أنهم" بفتح الهمزة، والأصل: لأنهم، فحذفت اللام، نُقِل هذا والذي قبله من إعراب السمين.
قوله: ﴿وَيَمْشُونَ﴾ قرأ عليّ وابن مسعود، وابنه عبد الرحمن، وأبو عبد الرحمن السلميّ بفتح الميم، وتشديد الشين، مبنيًا للفاعل وللمفعول أيضًا.
قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قرأ الحسن، والضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، والأعمش، "حجرًا" بضم أوله، وهي لغة، وحَكَى أبو البقاء الفتح عن بعض المصريين، ولم أر من نقلها قراءةً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ قرأ الكوفيون، وأبو عمرو، والحسن في المشهور عنهما، وعمرو بن ميمون، ونعيم بن ميسرة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ووافقهم عبد الوارث، ومعاذ، عن أبي عمرو، وكذا محبوب، وكذا الحمصيّ من الشاميين في نقل الْهُذَليّ.
قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ الأكثر بضم النون، وتشديد الزاي، وفتح اللام، "الملائكة" بالرفع، وقرأ خارجة بن مصعب، عن أبي عمرو، ورويت عن معاذ أبي حليمة، بتخفيف الزاي، وضم اللام، والأصل: تنزل الملائكة، فحذفت تخفيفًا، وقرأ أبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وعُمر بن ذَرَ، ورويت عن ابن مسعود، ونقلها ابن مقسم عن المكيّ، واختارها الهذليّ، بفتح النون، وتشديد الزاي، وفتح اللام، على البناء للفاعل، "الملائكةَ" بالنصب، وقرأ جناح بن حبيش، والخفاف، عن أبي عمرو، بالتخفيف "الملائكة" بالرفع على البناء
стр. 9429
للفاعل، ورويت عن الخفاف على البناء للمفعول أيضًا، وقرأ ابن كثير في المشهور عنه، وشعيب، عن أبي عمرو، "وننزل" بنونين الثانية خفيفة "الملائكةَ" بالنصب، وقرئ بالتشديد عن ابن كثير أيضًا، وقرأ هارون، عن أبي عمرو بمثناة أوله، وفتح النون، وكسر الزاي الثقيلة، "الملائكة" بالرفع أي تنزل ما أُمِرت به، ورُوِي عن أُبيّ بن كعب مثله، لكن بفتح الزاي، وقرأ أبو السمال، وأبو الأشهب كالمشهور عن ابن كثير، لكن بألف أوله، وعن أُبيّ بن كعب "نزلت" بفتح وتخفيف، وزبادة مثناة في آخره، وعنه مثله، لكن بضم أوله مشددًا، وعنه تنزلت بمثناة في أوله، وفي آخره بوزن تفعلت.
قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ قرأ أبو عمرو بفتح الياء الأخيرة، من "ليتني".
قوله: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ قرأ الحسن بكسر المثناة بالإضافة، ومنهم من أمال.
قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ قرأ أبو عمرو، وروح، وأهل مكة، إلا رواية ابن مجاهد عن قنبل، بفتح الياء من "قومي".
قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ قرأ ابن مسعود بالتحتانية بدل النون، وكذا رُوي عن حميد بن قيس، وأبي حَصِين، وأبي عمران الْجَوْنيّ.
قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ قرأ عليّ ومسلمة بن محارب "فدمرانهم" بكسر الميم وفتح الراء، وكسر النون الثقيلة، بينهما ألف تثنية، وعن عليّ بغير نون، والخطاب لموسى وهارون.
قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص: "وثمود" بغير صرف.
قوله: ﴿أُمْطِرَتْ﴾ قرأ معاذ أبو حليمة، وزيد بن عليّ، وأبو نَهِيك "مطرت" بضم أوله، وكسر الطاء، مبنيًا للمفعول، وقرأ ابن مسعود: "أمطروا"، وعنه: "أمطرناهم".
قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قرأ أبو السمال، وأبو العالية، وعاصم الجحدريّ، بضم السين، وأبو السمال أيضًا مثله بغير همز، وقرأ عليّ، وحفيده زين العابدين، وجعفر بن محمد بن زين العابدين، بفتح السين، وتشديد الواو، بلا همز، وكذا قرأ الضحاك، لكن بالتخفيف.
стр. 9430
قوله: ﴿هُزُوًا﴾ قرأ حمزة، وإسماعيل بن جعفر، والمفضل بإسكان الزاي، وحفص بالضم بغير همز.
قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ قرأ ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب: "اختاره اللَّه من بيننا".
قوله: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قرأ ابن مسعود، وأُبي: "عن عبادة آلهتنا".
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ قرأ ابن مسعود بمد الهمزة، وكسر اللام، والتنوين، بصيغة الجمع، وقرأ الأعرج بكسر أوله، وفتح اللام، بعدها ألف وهاء تأنيث، وهو اسم الشمس، وعنه بضم أوله أيضًا.
قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ قرأ الشاميّ بفتح السين.
قوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ قرأ ابن مسعود: "أو يبصرون".
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ قرأ ابن مسعود: "جعل".
قوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وابن محيصن، والحسن: "الريح".
قوله: ﴿بُشْرًا﴾ قرأ ابن عامر، وقتادة، وأبو رجاء، وعمرو بن ميمون، بسكون الشين، وتابعهم هارون الأعور، وخارجة بن مصعب، كلاهما عن أبي عمرو، وقرأ الكوفيون، سوى عاصم، وطائفة بفتح أوله، ثم سكون، وكذا قرأ الحسن، وجعفر بن محمد، والعلاء بن شبابة، وقرأ عاصم بموحدة، بدل النون، وتابعه عيسى الهمدانيّ، وأبان بن تغلب، وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ في رواية، وابن السميفع بضم الموحدة، مقصور بوزن حبلى.
قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ قرأ ابن مسعود: "لننشر به".
قوله: ﴿مَيْتًا﴾ قرأ أبو جعفر بالتشديد.
قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، بفتح النون، وهي رواية عن أبي عمرو، وعاصم، والأعمش.
قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ قرأ يحيى بن الحارث بتخفيف آخره، وهي رواية عن الكسائيّ، وعن أبي بكر بن عياش، وعن قتيبة الميال، وذكرها الفراء جوازًا لا نقلًا.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ قرأ عكرمة بتخفيف الراء.
قوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم بسكون الذال مخففًا.
стр. 9431
قوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾ قرأ أبو حَصِين، وأبو الجوزاء، وأبو المتوكل، وأبو حيوة، وعُمر بن ذَرّ، ونقلها الْهُذَليّ عن طلحة بن مصرف، ورويت عن الكسائيّ، وقتيبة الميال، بفتح الميم، وكسر اللام، واستنكرها أبو حاتم السجستانيّ، وقال ابن جني: يجوز أن يكون أراد: مالح، فحذف الألف تخفيفًا، قال: مع أن مالح ليست فصيحة، قوله: ﴿وَحِجْرًا﴾ تقدم.
قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قرأ زيد بن عليّ بجر النون نعتًا للحيّ، وابن معدان بالنصب، قال: على المدح.
قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قرأ الميمون، والكسائيّ، وخلف، وأبان بن يزيد، وإسماعيل بن جعفر، ورويت عن أبي عمرو، وعن نافع: "فسل به" بغير همز.
قوله: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ الكوفيون بالتحتانية، لكن اختُلِف عن حفص، وقرأ ابن مسعود: "لما تأمرنا به".
قوله: ﴿سِرَاجًا﴾ قرأ الكوفيون سوى عاصم: "سُرُجًا" بضمتين، لكن سكّن الراء الأعمش، ويحيى بن وثاب، وأبان بن تغلب، والشيرازيّ.
قوله: ﴿وَقَمَرًا﴾ قرأ الأعمش، وأبو حَصِين، والحسن، ورويت عن عاصم بضم القاف، وسكون الميم، وعن الأعمش أيضًا فتح أوله.
قوله: ﴿أَنْ يَذَّكَّر﴾ قرأ حمزة بالتخفيف، وأُبيّ بن كعب: "يتذكر"، ورويت عن عليّ، وابن مسعود، وقرأها أيضًا إبراهيم النخعيّ، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف، وعيسى الهمدانيّ، والباقر، وأبوه، وعبد اللَّه بن إدريس، ونعيم بن ميسرة.
قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ قرأ أُبيّ بن كعب بضم العين، وتشديد الموحدة، والحسن بضمتين، بغير ألف، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وأبو الجوزاء، بفتح، ثم كسر، ثم تحتانية ساكنة.
قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قرأ عليّ، ومعاذ القارئ، وأبو عبد الرحمن السلميّ، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وابن السميفع بالتشديد، مبنيًا للفاعل، وعاصم الجحدريّ، وعيسى بن عمر مبنيًا للمفعول.
قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قرأ إبراهيم النخعيّ: "سجودًا".
قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ قرأ أبو زيد بفتح الميم.
стр. 9432
قوله: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ قرأ ابن عامر، والمدنيون، وهي رواية أبي عبد الرحمن السلميّ عن عليّ، وعن الحسن، وأبي رجاء، ونعيم بن ميسرة، والمفضل، والأزرق، والجعفيّ، وهي رواية عن أبي بكر، بضم أوله من الرباعيّ، وأنكرها أبو حاتم، وقرأ الكوفيون إلا من تقدم منهم، وأبو عمرو في رواية، بفتح أوله، وضم التاء، وقرأ عاصم الجحدريّ، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر، وهي رواية عن أبي عمرو أيضًا، بضم أوله، وفتح القاف، وتشديد التاء، والباقون بفتح أوله، وكسر التاء.
قوله: ﴿قَوَامًا﴾ قرأ حسان بن عبد الرحمن، صاحب عائشة، بكسر القاف، وأبو حصين، وعيسى بن عمر، بتشديد الواو، مع فتح القاف.
قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: "يلقى" بإشباع القاف، وقرأ عمر بن ذَرّ بضم أوله، وفتح اللام، وتشديد القاف، بغير إشباع.
قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾ قرأ أبو بكر، عن عاصم برفع الفاء، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وشيبة، ويعقوب: "يضعف" بالتشديد، وقرأ طلحة بن سليمان بالنون، "العذاب" بالنصب.
قوله: ﴿وَيَخْلُدْ﴾ قرأ ابن عامر، والأعمش، وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقرأ أبو حيوة بضم أوله، وفتح الخاء، وتشديد اللام، ورويت عن الجعفيّ، عن شعبة، ورويت عن أبي عمرو، لكن بتخفيف اللام، وقرأ طلحة بن مصرف، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وعاصم الجحدري بالمثناة مع الجزم، على الخطاب.
قوله: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ قرأ ابن كثير بإشباع الهاء من "فيه" حيث جاء، وتابعه حفص عن عاصم هنا فقط.
قوله: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قرأ أبو عمرو، والكوفيون سوى رواية عن عاصم بالإفراد، والباقون بالجمع.
قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قرأ أبو الدرداء، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو المتوكل، وأبو نهيك، وحميد بن قيس، وعمر بن ذَرّ: "قرّات" بصيغة الجمع.
قوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ قرأ ابن مسعود: "يجزون الجنة".
стр. 9433
قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ قرأ الكوفيون سوى حفص، وابن معدان بفتح أوله، وسكون اللام، وكذا قرأ النميريّ عن المفضل.
قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قرأ ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير: "فقد كذب الكافرون"، وحَكَى الواقديّ عن بعضهم تخفيف الذال.
قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ قرأ أبو السمال، وأبو المتوكل، وعيسى بن عمر، وأبان بن تغلب بالفوقانية.
قوله: ﴿لِزَامًا﴾ قرأ أبو السمال بفتح اللام، أسنده أبو حاتم السجستانيّ، عن أبي زيد عنه، ونقلها الهذليّ عن أبان بن تغلب.
قال أبو عمر بن عبد البر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في "سورة الفرقان" من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن، واللَّه أعلم بما أَنكَر منها عُمر على هشام، وما قرأ به عمر، فقد يمكن أن يكون هناك حروف أخرى لم تصل إليّ، وليس كل من قرأ بشيء نُقِل ذلك عنه، ولكن إن فات من ذلك شيء فهو النزر اليسير.
قال الحافظ: كذا قال، والذي ذكرناه يزيد على ما ذكره مثله، أو أكثر، ولكنا لا نتقلد عهدة ذلك، ومع ذلك فنقول: يَحْتَمِل أن تكون بقيت أشياء لم يُطَّلَع عليها، على أني تركت أشياء مما يتعلق بصفة الأداء من الهمز والمد والروم والإشمام، ونحو ذلك، ثم بعد كتابتي هذا، وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمى بـ "الجامع الأكبر، والبحر الأزخر" تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللَّخْميّ، الذي ذكر أنه جمع فيه سبعة آلاف رواية، من طريق غير ما لا يليق (١) وهو في نحو ثلاثين مجلدة، فالتقطت منه ما لم يتقدم ذكره من الاختلاف، فقارب قدر ما كنت ذكرته أوّلًا، وقد أوردته على ترتيب السورة.
قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قرأ أدهم السدوسي بالمثناة فوق.
قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ قرأ سعيد بن يوسف بكسر الهمزة، وفتح اللام، بعدها ألف.
стр. 9434
قوله: ﴿وَيَمْشِي﴾ قرأ العلاء بن شبابة، وموسى بن إسحاق، بضم أوله، وفتح الميم، وتشديد الشين المفتوحة، ونُقِل عن الحجاج بضم أوله، وسكون الميم، وبالسين المهملة المكسورة، وقالوا: هو تصحيف.
قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ قرأ ابن أنعم بتحتانية أوله، وكذا محمد بن جعفر بفتح المثناة الأولى، وسكون الثانية.
قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ زهير بن أحمد بمثناة من فوق.
قوله: ﴿جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ سالم بن عامر: "جنات" بصيغة الجمع.
قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قرأ عبد اللَّه بن سلام: "مقرنين" بالتخفيف، وقرأ سهل: "مقرنون" بالتخفيف مع الواو.
قوله: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ قرأ أبو هشام: "أم جنات" بصيغة الجمع.
قوله: ﴿عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ قرأها الوليد بن مسلم بتحريك الياء.
قوله: ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ قرأ أبو مالك بضم النون، وتشديد السين.
قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ قرأ ابن مسعود: "فما يستطيعون لكم"، وأبي بن كعب: "فما يستطيعون لك"، حَكَى ذلك أحمد بن يحيى بن مالك، عن عبد الوهاب، عن هارون الأعور، وروي عن ابن الأصبهانيّ، عن أبي بكر بن عياش، وعن يوسف بن سعيد، عن خلف بن تميم، عن زائدة، كلاهما عن الأعمش، بزيادة: "لكم" أيضًا.
قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ قرأ يحيى بن واضح: "ومن يكذب" بدل "يظلم" ووزنها، وقرأها أيضًا هارون الأعور: "يكذب" بالتشديد.
قوله: ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ قرأ شعيب عن أبي حمزة بالمثلثة بدل الموحدة.
قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ قرأ جعفر بن محمد بفتح الهمزة والزاي، ونصب "الملائكة".
قوله: ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قرئ: "عتيًا" بتحتانية بدل الواو، وقرأ أبو إسحاق الكوفيّ: "كثيرًا" بالمثلثة بدل الموحدة.
قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قرأ عبد الرحمن بن عبد اللَّه: "ترون" بالمثناة من فوق.
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ قرأ هشيم عن يونس: "وتقولون" بالمثناة من فوق أيضًا.
стр. 9435
قوله: ﴿وَقَدِمْنَا﴾ قرأ سعيد بن إسماعيل بفتح الدال.
قوله: ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ قرأ الوكيعي: "من عمل صالح" بزيادة "صالح".
قوله: ﴿هَبَاءً﴾ قرأ محارب بضم الهاء مع المد، وقرأ نصر بن يوسف بالضم والقصر والتنوين، وقرأ ابن دينار كذلك، لكن بفتح الهاء.
قوله: ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ قرأ طلحة بن موسى بكسر القاف.
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ قرأ أبو ضمام: "ويومٌ" بالرفع والتنوين، وأبو وجرة (١) بالرفع بلا تنوين، وقرأ عصمة عن الأعمش: "يوم يرون السماء تشقق" بحذف الواو، وزيادة "يرون".
قوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ قرأ سليمان بن إبراهيم: "الملك" بفتح الميم وكسر اللام.
قوله: ﴿الْحَقُّ﴾ قرأ أبو جعفر بن يزيد بنصب الحق.
قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ قرأ عامر بن نصير: "تخذت".
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾ قرأ المعلى عن الجحدريّ بفتح النون والزاي مخففًا، وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد اللَّه بن خليد كذلك، لكن مثقلًا.
قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأها الحسن بن محمد بن أبي سعدان، عن أبيه بالرفع.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ قرأ حامد الرمهرمزيّ (٢): "آيات" بالجمع.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ قرأ سورة بن إبراهيم: "القريات" بالجمع، وقرأ بهرام: "الْقُرية" بالتصغير مثقلًا.
قوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قرأ أبو حمزة عن شعبة بالمثناة من فوق فيهما.
стр. 9436
قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ﴾ وقرأ عثمان بن المبارك بالمثناة من فوق فيهما.
قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ قرأ حمزة بن حمزة بضم التحتانية، وفتح السين المهملة.
قوله: ﴿سُبَاتًا﴾ وقرأ يوسف بن أحمد بكسر المهملة أوله، وقال: معناه الراحة.
قوله: ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ وقرأ محمد ابن الحنفية بالمثلثة.
قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قرأ ابن عرفة: "مرّج" بتشديد الراء.
قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ وقرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان بكسر الذال المعجمة.
قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ قرأ الحجاج بن يوسف: "سببًا" بمهملة ثم موحدتين.
قوله: ﴿أَنَسْجُدُ﴾ وقرأ أبو المتوكل بالتاء المثناة من فوق.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ وقرأ الحسن بن محمد بن أبي سعدان عن أبيه: "خلفه" بفتح الخاء، وبالهاء، ضمير يعود على الليل.
قوله: ﴿عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وقرأ ابن السميفع بضم الهاء.
قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ قرأ حمزة بن عروة: "سلمًا" بكسر السين، وسكون اللام.
قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قرأ جعفر بن إلياس بضم النون، وقال: هو اسم "كان".
قوله: ﴿لَا يَدْعُونَ﴾ قرأ جعفر بن محمد بتشديد الدال.
قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ﴾ قرأ ابن جامع بضم أوله، وفتح القاف، وتشديد التاء المكسورة، وقرأها معاذ كذلك، لكن بألف قبل المثناة.
قوله: ﴿أَثَامًا﴾ قرأ عبد اللَّه بن صالح العجليّ، عن حمزة: "إثمًا" بكسر أوله، وسكون ثانية، بغير ألف قبل الميم، ورُوي عن ابن مسعود بصيغة الجمع "آثامًا".
قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ قرأ عبد الحميد، عن أبي بكر، وابن أبي عبلة،
стр. 9437
وأبان، وابن مجالد، عن عاصم، وأبو عمارة، والبرهميّ، عن الأعمش بسكون الموحدة.
قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قرأ أبو المظفر بنون بدل الراء.
قوله: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قرأ تميم بن زياد بفتح الذال والكاف.
قوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قرأ سليمان بن يزيد: "بآية" بالإفراد.
قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قرأ معروف بن حكيم: "قرة عين" بالإفراد، وكذا أبو صالح من رواية الكلبيّ عنه، لكن قال: "قرّات عين".
قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ﴾ قرأ جعفر بن محمد: "واجعل لنا من المتقين إمامًا".
قوله: ﴿يُجْزَوْنَ﴾ قرأ أُبيّ في رواية: "يجازون".
قوله: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ قرأ أبو حامد: "الغرفات".
قوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ قرأ ابن عمير: "تحيات" بالجمع.
قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾ قرأ الحارث: "وسلمًا" في الموضعين.
قوله: ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قرأ عمير بن عمران: "ومقامًا" بفتح الميم.
قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ قرأ عبد ربه بن سعيد بتخفيف الذال.
فهذه ستة وخمسون موضعًا ليس فيها من المشهور شيء، فليُضَف إلى ما ذكرته أوّلًا، فتكون جملتها نحوًا من مائة وثلاثين موضعًا، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحث مفيد، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ، أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
стр. 9438
هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: "فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخَرَمَةَ) بن نوفل بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، الباب الماضي.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ) فاعل "ساق"، و"زاد" ضمير يونس، وهو ابن يزيد الأيليّ، يعني أنه ساق الحديث عن ابن شهاب بمثل ما ساقه مالك عنه، وزاد فيه قوله: "فكدت إلخ".
وقوله: (فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ) بالسين المهملة: أي أعاجله، وأواثبه، قاله النوويُّ.
وقال الفيوميّ ﵀: سارَ يَسُورُ: إذا غَضِبَ، والسَّوْرَة اسم منه، والجمع سَوْرَاتٌ، بالسكون للتخفيف، وقال الزُّبَيدِيّ: السَّوْرة: الْحِدَّة، والسَّوْرَة البَطْش، وسار الشرابُ يَسُور سَوْرًا، وسَوْرَةً: إذا أخذ الرأسَ، وسَوْرة الجُوعِ والخَمْرِ: الحِدَّةُ أيضًا، ومنه الْمُسَاوَرَةُ، وفي "التهذيب": والإنسان يُسَاوِر إنسانًا: إذا تناول رأسه، ومعناه المغالبة. انتهى (١).
وقوله: (فتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ) أي تكلّفت الصبر حتى سلّم من صلاته، قال في "القاموس": الصبرُ: نقيض الْجَزَعِ، صَبَرَ يَصْبِرُ، فهو صابرٌ، وصَبِير، وصَبُورٌ، وتَصَبَّرَ، واصطبر، واصَّبَر. انتهى (٢).
والمعنى هنا: أنه حبس نفسه، ومنعها عن التعرّض لهشام بالتلبيب ونحوه إلى أن فرغ من صلاته بالتسليم.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيُّ في "المجتبى"، فقال:
стр. 9439
(٩٣٨) أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن المسور بن مَخْرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول اللَّه ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلما سلم لَبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ فقال: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: كذبت، فواللَّه إن رسول اللَّه ﷺ هو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول اللَّه ﷺ : "هكذا أُنزلت"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، قال رسول اللَّه ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
стр. 9440
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
وقوله: (كَرِوَايَةِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ) يعني أن رواية معمر، عن الزهريّ كرواية يونس عنه بإسناده السابق، وهو عن عروة بن الزبير، والمسور بن مخرمة، كلاهما عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، عن عمر بن الخطّاب ﵁.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤٦٧) فقال:
(٣٨٥٣) حدّثنا إسحاق، قال: قرأنا على عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: مررت بهشام بن حكيم بن حِزَام، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فاستمعت قراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول اللَّه ﷺ ، فكِدْتُ أن أسوره (١) في الصلاة، فنظرت حتى سَلَّم، فلما سلم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي أسمعك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، فقلت له: كذبت، فواللَّه إن رسول اللَّه ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها، قال: فانطلقت أقوده إلى النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، إني سمعت هذا يقرأ سورة على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال النبيّ ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني النبيّ ﷺ ، فقال: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "إن القرءان أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9441
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠٢] (٨١٩) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ، فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلَفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة (٦٨) بالطائف (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون ذُكروا قبل إسناد.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، إلا في موضع.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه عبيد اللَّه أحد الفقهاء السبعة المشهورين، وقد تقدّموا في شرح حديث أول الباب.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فإنه ابن عم
стр. 9442
رسول اللَّه ﷺ ، ودعا له رسول اللَّه ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والْحَبْر؛ لسعة علمه، وقال عمر ﵁: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عَاشره منا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة المشهورين بالفتوى ﵃.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود حفيد عتبة بن مسعود الصحابيّ، أخي عبد اللَّه بن مسعود ﵄ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (حَدَّثَهُ) أي حدّث عبيدَ اللَّه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) قال في "الفتح": هذا مما لم يُصَرِّح ابن عباس بسماعه له من النبيّ ﷺ ، وكأنه سمعه من أبي بن كعب، فقد أخرج النسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبَيّ بن كعب نحوه، والحديث مشهور عن أُبّيّ، أخرجه مسلم وغيره من حديثه، وهو الحديث التالي لهذا ("أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ ﵇ القرآن (عَلَى حَرْفٍ) واحد، أي في الأمر (فَرَاجَعْتُهُ) أي جبريل ﵇، أي طلبت منه أن يراجع اللَّه في التخفيف على أمتي، وليس المراد أنه ﷺ راجع جبريل حتى يُخفّف له من عنده؛ لأنه لا يستطيع ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وفي حديث أُبيّ ﵁ الآتي: "أُرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هَوِّن على أمتي"، وفي رواية: "وإن أمتي لا تطيق ذلك".
(فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) أي أطلب منه الزيادة في التخفيف، والتوسعة.
وقال النوويّ ﵀ معناه: لم أزل أطلب منه أن يطلب من اللَّه تعالى الزيادة في الحرف، للتوسعة والتخفيف، ويسأل جبريل ربه ، فيزيده حتى انتهى إلى السبعة. انتهى (١).
وفي رواية أبي داود من حديث أُبَيّ ﵁: "فقال لي الملك الذي معي: قل: على حرفين، حتى بلغت سبعة أحرف"، وفي رواية للنسائيّ من طريق أنس، عن أُبيّ بن كعب: "أن جبريل وميكائيل أتياني، فقال جبريل: اقرأ
стр. 9443
القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده"، ولأحمد من حديث أبي بكرة نحوه.
(فَيَزِيدُنِي) أي ويسأل جبريل ﵇ ربّه في الزيادة (حَتَّى انْتَهَى) أي بلغ طلبه من الزيادة (إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي أوجه يجوز أن يُقرأ بكلّ وجه منها، كما تقدّم بيان ذلك، وتحقيقه قريبًا.
وقال في "الفتح": قوله: "فلم أزل أستزيده، ويزيدني" في حديث أُبَيّ: "ثم أتاه الثانية، فقال: على حرفين، ثم أتاه الثالثة، فقال: على ثلاثة أحرف، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تُقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأَيُّما حرف قرؤوا عليه، فقد أصابوا".
وفي رواية للطبريّ: "على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة"، وفي أخرى له: "من قرأ حرفًا منها فهو كما قرأ".
وفي رواية أبي داود: "ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب".
وللترمذيّ من وجه آخر أنه ﷺ قال: "يا جبريل إني بُعِثتُ إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط. . . " الحديث.
وفي حديث أبي بكرة ﵁ عند أحمد: "كلها كافٍ شافٍ، كقولك: هَلُمَّ، وتَعَالَ، ما لم تختم. . . " الحديث.
قال الحافظ ﵀: وهذه الأحاديث تُقَوِّي أن المراد بالأحرف اللغات، أو القراءات، أي أُنزل القرآن على سبع لغات، أو قراءات، والأحرف جمع حرف، مثل فَلْس وأَفْلُس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازًا؛ لكونه بعضها. انتهى (١)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى قريبًا، فلا تنس نصيبك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
стр. 9444
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريُّ راوي الحديث عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه (بَلَغَنِي) هذا صريح في أن الزهريّ أخذه من غيره، وأن الذي وقع في رواية أحمد، والبيهقيّ من نسبة هذا الكلام إلى الزهريّ نفسِهِ، حيث وقع عقب الحديث: قال الزهريّ: وإنما هذه الأحرف. . . إلخ فيه اختصار من بعض الرواة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ) بالنصب على البدل (إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ) قال الطيبيّ ﵀: معناه أن ذلك الاختلاف يرجع إلى معنى واحد، وإن اختلف اللفظ من هيئته إلى سبعة أنحاء، وأما إذا اختلف اللفظ بحسب الاختلاف في الأداء إلى أن يصير المنفيّ مثبتًا، والمثبت منفيًّا، والحرام حلالًا، والحلال حرامًا مثلًا، فلا يجوز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. انتهى (١)، أي وهذا لَمّا كان من عند اللَّه تعالى لم يجدوا فيه اختلافًا يسيرًا، وكأن ابن شهاب ﵀ قصد بذلك ردّ ما سبق في شرح حديث عمر ﵁ من قول طائفة في بيان معنى الحديث: إن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن أُنزل على سبعة أصناف من الكلام، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٩٠٢ و ١٩٠٣] (٨١٩)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢١٩) و"فضائل القرآن" (٤٩٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٦٣ و ٢٩٩ و ٣١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٤٥ و ٣٨٤٦ و ٣٨٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٥٤)، وفوائده تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9445
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلّهم ذُكروا قبل حديث.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن معمرًا روى هذا الحديث عن الزهريّ بإسناده الماضي، وهو: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عبّاس ﵄.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٨٥٥) حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني، فانتهى إلى سبعة أحرف"، قال الزهريّ: وإنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، وليس يختلف في حلال ولا حرام. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٠٤] (٨٢٠) - (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ (٣)، فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ، دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ، فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 9446
فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ﷺ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ (١) عَلَى أُمِّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ (٢) عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ (٣) بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (جَدُّهُ) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين، قيل: إنه غَرِقَ (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) ﵁ تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجاله الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، والراوي عن جدّه.
٤ - (ومنها): أن رواية إسماعيل، عن عبد اللَّه بن عيسى من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن إسماعيل من الطبقة الرابعة، وعبد اللَّه من السادسة، وتقدّم الكلام في أُبيّ ﵁ قريبًا.
стр. 9447
شرح الحديث:
(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ (فَدَخَلَ رَجُلٌ) يَحْتَمِلُ أن يكون ابن مسعود ﵁، فقد أخرج الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" من طريق يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صُرَد، عن أُبيّ بن كعب ﵄ قال: قرأت آيةً، وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى"، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: "بلى، كلاكما محسن مُجْمِل"، قال: فقلت له، فضرب صدري. . . الحديث.
(يُصَلِّي) جملة في محلّ نصب على الحال المقدرّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. (فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ) أي بالقلب، أو اللسان (ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ) وفي نسخة: "رجلٌ آخر" (فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ) أي فأنكرتها عليه أيضًا، وقيل: الظاهر أنه لم تكن قراءة هذا الآخر منكرةً عند أُبيّ ﵁، وإلا لذكر الإنكار عليه أيضًا (فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ) هذا يدلّ ظاهره على أن أُبيًّا ﵁ أيضًا كان في الصلاة، قال القاري ﵀: والظاهر أنها الضحى، أو نحوها من النوافل (دَخَلْنَا جَمِيعًا) أي حال كوننا مجتمعين (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي في حُجْرة من حُجَره، وهو متعلّق بـ "دَخَلنا" (فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا) مشيرًا إلى الرجل الأول الذي أنكر قراءته (قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ) حيث خالفت قراءته قراءتي (وَدَخَلَ آخَرُ) قال الطيبيّ ﵀: هذا عطف على مقدّر، أي قلتُ: إن هذا دخل في المسجد، فقرأ قراءةً أنكرتها عليه، ودخل آخر (فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي بالقراءة حتى يسمع وتأكّد من كون قراءتهما صحيحة، أو خطأ (فَقَرَآ) بلفظ التثنية، أي قرأ الرجلان (فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ) بتشديد السين المهملة، من التحسين (شَأْنَهُمَا) أي حالهما، والمراد قراءتهما، أي قال: كلامكما محسنٌ، أو قال لكلّ واحد منهما: أحسنت، وعند البيهقيّ: "فقال: أحسنتما، أو أصبتما"، وفي رواية لعبد اللَّه بن أحمد: "قال: قد أحسنتم" (١).
(فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ) أي اعتراني، وأصابني، حَيْرَةٌ ودَهْشَةٌ،
стр. 9448
يعني أنه وقع في خاطره من تكذيب النبيّ ﷺ في تحسينه لشأنهما ما لم يقع له مثله في الإسلام ولا في الجاهليّة.
فلفظ "سَقَطَ" من السقوط بمعنى الوقوع، وهو مبنيّ للفاعل، والفاعل محذوفٌ، وحذف الفاعل المعلوم جائز عند بعض النحاة (١)، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل الجارّ والمجرور، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض ﵀ في "المشارق": قوله: "فسُقِط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية"، كذا قيدناه عن شيوخنا "سُقِطَ" على ما لم يسم فاعله، ومعناه: تحيرت، يقال: "سُقِط في يده": إذا تحير في أمره، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾، وقيل: نَدِمُوا. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "فسقط في نفسي. . . إلخ" معناه: وَسْوَس لي الشيطان تكذيبًا للنبوة، أشدّ مما كنت عليه في الجاهلية؛ لأنه في الجاهلية كان غافلًا أو متشككًا، فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب، فمعنى قوله: "سقط في نفسي" أنه اعْتَرَتْهُ حَيْرَةٌ، ودَهْشَةٌ. انتهى (٣).
وعبّر عن الخاطر المستعمل في المعاني بـ "سَقَطَ" المستعمل في الأجسام؛ إشعارًا بشدّة هذا الخاطر وثقله ووقوعه من غير اختيار.
ونقل القاري عن شُرّاح "المصابيح" ضبطهم "سُقِطَ" بصيغة المجهول، واستصوبه، وقال: إن لفظ "سُقِط" جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] بالقراءة المتواترة على الضمّ، فتُحمَل رواية الحديث عليه مطابقة بينهما، ولا شكّ أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله في الحديث: "في نفسي" بمعنى واحد؛ لأنه كثيرًا ما يُعبّر عن النفس بالأيدي، فالمعنى: ندِمتُ من تكذيبي وإنكاري قراءتهما نَدَامةً ما نَدِمتُ مثلها لا في الإسلام ولا إذ كنت في الجاهليّة. انتهى.
стр. 9449
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن ما قاله القاري من حمل معنى الحديث على معنى الآية، وأنه أراد الندم هنا مما لا يخفى بعده؛ إذ سياق الحديث بخلافه، فالحقّ أنه أراد به الإخبار عما وقع في نفسه من التكذيب، لا الإخبار عن ندمه، كما هو في الآية، وقد تقدّم عن القاضي عياض ﵀ أنه ضبطه بالبناء للمفعول، وفسّره بمعنى تحيّر في أمره، وكذلك قيل هذا المعنى في الآية أيضًا، فهذا معنى صحيح، لا يخالف تفسيره بأنه أصابته وسوسة، ودهشة، كما لا يخفى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: وقيل: فاعل "سقط" محذوف، أي فوقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر على وصفه، ولم أعهد بمثله، ولا إذ كنت في الجاهليّة، قال: قد أحسن هذا القائل، وأصاب في هذا التقدير، ويشهد له قوله: "فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ما قد غَشِيني "أي من التكذيب، فـ "مِنْ" على هذا بيانيّة، والواو في "ولا إذ كنت" تستدعي معطوفًا عليه، و"لا" المؤكّدة توجب أن يكون المعطوف عليه منفيًّا، وهو هذا المحذوف، وهذا أسدّ في العربيّة من جعل "ولا إذ كنت" صفة لمصدر محذوف كما سبق؛ لأن واو العطف مانعة، ولو ذهب إلى الحال لجاز على التعسّف. انتهى (١).
وقوله: (وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) معناه: أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيبًا لم يعتقده حينما كان في الجاهليّة، وهذه الخواطر إذا لم يستمرّ عليها لا يؤاخذ بها.
قال المازريّ ﵀: معنى هذا أنه وقع في نفس أُبَيّ بن كعب ﵁ نزغة من الشيطان غير مستقرّة، ثم زالت في الحال حين ضرب النبيّ ﷺ بيده في صدره، ففاض عَرَقًا. انتهى (٢).
وفي رواية عند أحمد بسند صحيح: "ما تخلج في نفسي من الإسلام ما تخلج يومئذ"، وفي أخرى: "ما حك في صدري شيء منذ أسلمت إلا أني قرأت آيةً. . . " الحديث (٣).
стр. 9450
وفي رواية عند الطبريّ: "فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمرّ وجهي، فعَرَف ذلك رسول اللَّه ﷺ في وجهي، فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهم أخسئ الشيطان عنه. . . " الحديث (١).
وعند الطبري من وجه آخر، عن أُبَيّ ﵁ أن ذلك وقع بينه وبين ابن مسعود ﵁، وأن النبيّ ﷺ قال: "كلاكما محسن"، قال أُبَيّ: فقلت: ما كلانا أحسن، ولا أجمل، قال: فضرب في صدري. . . الحديث.
وبيّنت الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا من طريق مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبيّ ﵁ المكان الذي نَزَل فيه ذلك على النبيّ ﷺ ، وهو أنه ﵇ كان عند أَضَاة بني غِفَار، فأتاه جبريل، فقال: "إن اللَّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. . . " الحديث.
وبيّن الطبريّ من هذه الطريق أن السورة المذكورة هي "سورة النحل" (٢).
(فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي) أي اعتراني، وأصابني من وسوسة الشيطان، ونزغته (ضَرَبَ فِي صَدْرِي) قال القاضي عياض ﵀: ضربه ﷺ في صدره تثبيتًا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم (فَفِضْتُ) بكسر الفاء، بعدها ضاد معجمة، من باب ضرب، قال الفيّوميّ ﵀: فاض السيل يَفِيضُ فَيْضًا: كَثُرَ وسال من شَفَة الوادي، وأفاض بالألف لغةٌ، وفاض الإناءُ فَيْضًا: امتلأ، وأفاضه صاحبه: ملأه، وفاض الماء والدم: قَطَرَا، وفاض كلُّ سائل: جَرَى، وفاض الخيرُ: كَثُرَ، وأفاضه اللَّه: كَثَّرَهُ. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: ويقال: فِضْتُ عَرَقًا، وفِصْتُ بالضاد المعجمة، والصاد المهملة، قال القاضي عياض ﵀: وروايتنا هنا بالمعجمة، قال النوويّ: وكذا هو في معظم أصول بلادنا، وفي بعضها بالمهملة. انتهى (٤).
وقوله: (عَرَقًا) بالتحريك، قال في "القاموس": الْعَرَق: محرّكةً: رَشْحُ جِلْد الحيوان، ويُستعار لغيره. انتهى (٥).
стр. 9451
وهو منصوب على التمييز، أي فجرى وسال عَرَقي من جميع بدني، وهذا أبلغ من فاض عَرَقي؛ لأن الأول إشارة إلى أن العرَقَ فاض منه حتى كأن النفْسَ فاضت منه، ومثله قول القائل: سالت عيني دمعًا (١).
(وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا) بفتحتين: أي خوفًا، يقال: فَرَق فَرَقًا، من باب تَعِبَ: خاف، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أفرقته (٢).
قيل: هو منصوب على التمييز أيضًا، قال الطيبيّ ﵀: والظاهر أن يكون مفعولًا له، أو حالًا؛ لأنه لا يجوز أن يقال: نظر في فرَقي. انتهى (٣).
وقال التوربشتيّ ﵀: الفرق بالتحريك: الخوف، أي أصابني من خشية اللَّه تعالى والهيبة فيما قد غشيني ما أوقفني موقف الناظر إلى اللَّه تعالى؛ إجلالًا وحياءً.
وقال الطيبيّ ﵀: كان أُبيّ ﵁ من أكابر الصحابة ﵃، ومن الموقنين، وكان طَرَيان ذلك التكذيب بسبب الاختلاف نزغةً من الشيطان، فلما أصاب بركة يده ﷺ بضربه على صدره زالت تلك الهاجسة إلى الخارج مع الْعَرَق، فرجع الشكّ المسبوق بعلم اليقين إلى عين اليقين، فنظر إلى اللَّه تعالى خوفًا وخجلًا مما غشيه من الشيطان. انتهى (٤).
(فَقَالَ لِي) ﷺ تسكينًا وتثبيتًا ("يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ) بالبناء للمفعول، أي أرسل اللَّه تعالى جبريل إليّ، وفي رواية لأحمد: "إن ربي ﵎ أرسل إليّ" (أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ) بلفظ الأمر، أو المتكلّم المعلوم، قال الطيبيّ: "أن" مفسّرة، وجُوّز كونها مصدريّةً على مذهب سيبويه، وإن كانت داخلة على الأمر (عَلَى حَرْفٍ) تقدّم البحث في معنى الحرف مستوفًى في شرح حديث عمر ﵁ أول الباب (فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ) أي إلى اللَّه تعالى بواسطة جبريل ﵇ (أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي) بصيغة الأمر، أي سَهِّل ويسّر عليهم، وفي بعض النسخ: "أن يُهوّن" بصيغة المضارع.
قال الطيبيّ ﵀: "أن" يجوز أن تكون مفسّرةً؛ لما في "رددتُ" من معنى
стр. 9452
القول، ويجوز أن تكون مصدريّة، ولا يضرّ كون مدخولها أمرًا؛ لأنها تدخل عليه عند سيبويه، والرّدّ هنا ليس ضدّ القبول، وإنما هو رجع وردٌّ للجواب، ولذلك سُمّي إجابةُ اللَّه تعالى أيضًا ردًّا. انتهى.
وقال الأبيّ ﵀: "أن" مفسّرة؛ لأن "رددت" في معنى القول، وهو رجع، أي فرجعت إليه القول أن هوّن" من معنى قوله في الحديث الآتي: "فقلت: أسأل اللَّه معافاته ومغفرته". انتهى (١).
(فَرَدَّ إلَيَّ الثَّانِيَةَ) قال الطيبيّ ﵀: فإن قلت: هذا يستدعي الردّة الأولى، وليس في الكلام ما يُشعر به.
قلت: قوله: "فأرسل إليّ" سُمّي ردًّا، إما مُشاكلةً، أو يكون مسبوقًا بطلب من الرسول كيفيّة القراءة. انتهى (٢).
(اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ) بصيغة الأمر، أو المتكلّم المبنيّ للمعلوم، وهو بدون "أن"، وفي بعض النسخ: "أن اقرأ" بإثباتها.
(فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) كذا هو في هذه الرواية، وهي رواية عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب ﵁، ووقع في رواية مجاهد، عن ابن أبي ليلى الآتية بعد هذا ما نصّه: "ثم جاءه الرابعة، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف".
قال النوويّ ﵀: هذا مما يُشْكِل معناه، والجمع بين الروايتين، وأقرب ما يقال فيه: إن قوله في الرواية الأولى: "فرَدَّ إليّ الثالثةَ" المراد بالثالثة الأخيرة، وهي الرابعة، فسماها ثالثةً مجازًا، وحَمَلَنا على هذا التأويل تصريحه في الرواية الثانية أن الأحرف السبعة إنما كانت في المرة الرابعة، وهي الأخيرة، ويكون قد حُذِف في الرواية الأولى أيضًا بعض المرات. انتهى (٣).
(فَلَكَ (٤) بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا) وفي بعض النسخ: "رددتها"، قال
стр. 9453
النوويّ ﵀: هذا يدلّ على أنه سقط في الرواية الأولى ذكر بعض الردّات الثلاث، وقد جاءت مبيّنة في الرواية الثانية. انتهى (١).
والمعنى: لك بمقابلة كل رجعة رجعت إليّ، ورددتكها، بمعنى رجعتها إليه، فلم أُهَوِّن على أمتك من أول الأمر (مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا) أي إجابة مسألة تسألنيها، وقال النوويّ ﵀: معناه: مسألةٌ مجابةٌ قطعًا، وأما باقي الدعوات فمرجوَّة ليست قطعية الإجابة، وقد سبق بيان هذا الشرح في كتاب الإيمان. انتهى.
وقال الأبيّ ﵀: تقدّم في "كتاب الإيمان": حديث: "لكلّ نبيّ دعوة" أن معناه أن تلك الدعوة محقّقة الإجابة، وأن غيرها على الرجاء، وأن كونها محقّقة الإجابة لا يمنع من قبول غيرها، ومن قبول غيرها هذا الحديثُ؛ لأنه لو لم تكن الأولى والثانية هنا مقبولتين لم يكن لقوله: "فلك بكلّ ردّة مسألة" فائدةٌ، ولأن الدعوات ثلاث، فيتعيّن أن متعلّق الثانية غير متعلّق الأولى؛ لأنه لو اتّحد متعلّقهما كانتا دعوةً واحدة، فلم تكن الدعوات ثلاثًا، فمتعلّق الأولى الدعاء لمن وُجد من الأمة، ومتعلّق الثانية من سيوجد، وقيل: الأولى للمفرّطين في الطاعة، والثانية للمفرّطين في المعصية، والثالثة للجميع. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "تسألنيها" صفة مؤكّدة لـ "مسألةٌ"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، أي مسألةٌ ينبغي لك أن تسألها، وأنك لا تَخِيب فيها. انتهى (٣).
قال ﷺ : (فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي) قالها مرّتين، قيل: الأولى لأهل الكبائر، والأخرى لأهل الصغائر، وقيل: بالعكس، وقيل: لَمّا انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مُفَرِّطٍ، ومُفْرِّطٍ استغفر ﷺ للمقتصد الْمُفَرِّطِ في الطاعة، وأخرى للظالم المفْرِطِ في المعصية، أو الأولى للخواصّ؛ لأن كلّ أحد لا يخلو عن تقصيبر مّا في حقّ اللَّه تعالى، كما قال
стр. 9454
تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ٢٣]، والثانية للعوامّ، أو الأولى في الدنيا، والأخرى في الأخرى (١).
(وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ) أي المسألة الثالثة، وهي الشفاعة الكبرى (لِيَوْمٍ) أي لأجل يوم، أو إلى يوم (يَرْغَبُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميّ ﵀: رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْته يتعدّى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا، بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى، بفتح الراء وضمّها، ورَغْبَاءً بالفتح والمدّ، ورَغِبْتُ عنه: إذا لم تُرده. انتهى (٢).
وقال المجد ﵀: رَغِبَ، كسَمِعَ رَغْبًا، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغب، وعنه: لم يُرِده، وإليه رَغَبًا مُحَرَّكةً، ورَغْبَى -بالفتح- ويُضمّ، ورَغْبَاءَ، كصحرءَ، ورَغَبُوتًا، ورَغَبُوتَى، ورَغَبَانًا، محرّكات، ورُغْبةً بالضمّ، ويُحرّك: ابْتَهَلَ، وهو الضَّرَاعةُ، والمسألة. انتهى (٣).
فمعنى قوله: (يَرْغَبُ إلَيَّ) بتشديد الياء (الْخَلْقُ كُلُّهُمْ) أي يحتاجون إلى شفاعتي (حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ ") بالرفع عطفًا على "الخلق"، وهو غاية للعموم المستفاد من"كلّهم"، وفيه دليلٌ على رفعة إبراهيم ﵇ على سائر الأنبياء ﵈ وتفضيل نبيّنا ﷺ عليهم أجمعين.
وقال الطيبيّ ﵀: جعل رسول اللَّه ﷺ المسائل الثلاث مقصورة على واحدة، لكن جعل تعدادها بحسب الزمان، مرّتين في الدنيا، ومرّة في الآخرة، يوم يقول الأنبياء كلّهم: "نفسي نفسي"، وهو يقول: "أمتي أمتي".
فقوله: "يرغب إليّ الخلق" صفة لـ "يوم"، أي أخرّت قولي: "اللهم اغفر لأمتي"؛ لأجل يومٍ هذا صفته، وينصر هذا التأويل ما رواه أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكلّ نبيّ دَعْوةٌ مستجابةٌ، فتعجّل كلُّ نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء اللَّه- من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئًا"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
стр. 9455
انظر إلى هذه الرأفة والمرحمة والْحَدَبَ (١) لأمته ﷺ . انتهى (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٩٠٤ و ١٩٠٥] (٨٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٢٧)، و (عبد اللَّه بن أحمد) في "زوائده" (٥/ ١٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣٨٠٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن القرآن أُنزل على سبعة أحرف.
٢ - (ومنها): بيان رأفة اللَّه بهذه الأمة بسبب نبيّها ﷺ حيث وسّع عليها أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف.
٣ - (ومنها): شدّة عناية اللَّه بحبيبه ﷺ حيث أعطاه بكلّ ردّ دعوةً مستجابةً.
٤ - (ومنها): بيان أنه ﷺ طلب من اللَّه تعالى لأمته السهولة والتيسير في القراءات ثلاث مرّات، فأسعفه اللَّه تعالى، وأنجح مطلوبه، ولم يكتف بذلك، بل أمره بأن يزيد على المسألة بما يسهّل عليهم في الآخرة؛ ليجمع لهم التيسير والتسهيل في الدارين، فاللَّه تعالى أرأف، وأرحم بهم.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة رأفته بأمته، حيث يدّخر لهم دعواته التي وعده اللَّه بإجابتها إلى يوم شديد الهول، فما أشدّ رأفته،