← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

حسنٌ صحيحٌ، وإطلاق كونهما سواءً يرُدّ على الخطابيّ في جزمه بأن الحديث يدلّ على أن الغنيّ إذا قام بشروط المال، كان أفضل من الفقير، نعم يكون أفضل بالنسبة إلى مَن أعرض، ولم يَتَمَنَّ، لكن الأفضلية المستفادة منه هي بالنسبة إلى هذه الخصلة فقط، لا مطلقًا. انتهى (١). (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) كذا في معظم النسخ "اثنتين" بتاء التأنيث، أي لا حسد محمود في شيء إلا في خصلتين، وعلى هذا فقوله: "رجلٌ" بالرفع، والتقدير خصلةُ رجلٍ، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه، ووقع في بعض النسخ "إلا في اثنين" بالتذكير، وعلى هذا فقوله: "رجلٍ" بالجرّ على البدلية، أي خصلة رجلٍ، ويجوز النصب بإضمار "أعني"، وهي رواية ابن ماجه، كما قاله في "الفتح". و"في" سببيّة، أي بسبب حصول خصلتين اثنتين، ووقع عند البخاريّ بلفظ "على اثنتين" بـ "على" يقال: حسدته على كذا، أي على وجود ذلك له. وقال في "العمدة": قوله: (رَجُلٌ) يجوز فيه الأوجه الثلاثة من الإعراب: الرفع على تقدير: إحدى الاثنين خصلةُ رجلٍ، فلما حذف المضاف اكتَسَى المضاف إليه إعرابه، والنصبُ على إضمار: أعني رجلًا، وهي رواية ابن ماجه، والجرّ على أنه بدل من "اثنين"، وأما على رواية "اثنتين" بالتاء فهو بدل أيضًا على تقدير حذف المضاف، أي خصلةُ رجلٍ؛ لأن الاثنتين معناه خصلتين على ما يجيء. انتهى (٢). (آتَاهُ) بمدّ الهمزة، كأعطاه وزنًا ومعنًى (اللَّهُ الْقُرْآنَ) جملة من الفعل والفاعل والمفعولين، أحدهما الضمير المنصوب، والآخر "القرآن"، وهي في محل الرفع، أو الجرّ، أو النصب، على تقدير إعراب "رجل"؛ لأنها وقعت صفةً له. (فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) أي ساعاته، قال الفيّوميُّ: "الآناء" على أفعال، هي الأوقات، وفي واحدها لغتان: إِنًى بكسر الهمزة والقصر، وإِنْيٌ، وزانُ حِمْلٍ. انتهى (٣).

стр. 9382

وقال في "القاموس": و"الأَنْيُ" ويُكسر، و"الأَنَاءُ"، و"الإِنْوُ" بالكسر: الوَهْنُ، والساعة من الليل، أو ساعةٌ مّا منه، والإِنَى، كـ "إِلَى"، و"عَلَى" كلُّ النهار، جمعه آناءٌ، وأُنِيٌّ، وإِنِيٌّ، وأُنَا، كهُنَا. انتهى (١). (وَآنَاءَ النَّهَارِ) المراد بالقيام به العمل به مطلقًا، أعمّ من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها، ومن تعليمه، والحكم والفتوى بمقتضاه، وعند أحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلميّ: "رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ويتّبع ما فيه". (وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا) نكّره؛ ليشمل القليل والكثير (فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ") وفي الرواية التالية: "فتصدّق به آناء الليل، وآناء النهار"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٨٩٤ و ١٨٩٥] (٨١٥)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٥٠٢٥)، و"التوحيد" (٧٥٢٩)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٣٦)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٩٧)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٠٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥٥٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨ و ٣٦ و ٨٨ و ١٥٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٧٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٥٤ و ٣٨٥٥ و ٣٨٥٦ و ٣٩٥٧ و ٣٨٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤٥ و ١٨٤٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣١٦٢ و ١٣٣٥١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ١٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٣٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 9383

١ - (منها): بيان فضل من يقوم بالقرآن آناء الليل وآناء النهار. ٢ - (ومنها): بيان فضل إنفاق المال في وجوه الخير آناء الليل وآناء النهار. ٣ - (ومنها): الحثّ على الاغتباط في العلم، وعمل الخير، وأن ذلك ليس من التنافس المذموم. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: فيه من الفقه أن الغنيّ إذا قام بشروط المال، وفَعَلَ ما يُرْضِي ربه ﵎، فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا. ٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيُّ: معنى الحديث: الترغيب في طلب العلم، وتعلمه، والتصدق بالمال، وقيل: إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، كما رُخِّص في نوع من الكذب، قال ﷺ : "إن الكذب لا يحل إلَّا في ثلاث. . . " الحديث (١). والحسد على ثلاثة أضرب: محرَّم، ومباحٌ، ومحمودٌ، فالمحرم تمنّي زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها، وانتقالها إلى الحاسد، وأما القسمان الآخران، فغبطة، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ أن يكون له مثله، فإن كانت في أمور الدنيا فمباحٌ، وإن كانت من الطاعات فمحمودٌ، قال النوويّ: الأول حرام بالإجماع. وقال بعض الفضلاء: إذا أنعم اللَّه تعالى على أخيك نعمةً، فكَرِهتها، وأحببت زوالها فهو حرامٌ بكل حال، إلّا نعمة أصابها كافرٌ، أو فاجرٌ، أو من يستعين بها على فتنة أو فساد. انتهى (٢).

стр. 9384

٦ - (ومنها): ما قاله الطيبيُّ: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، فينبغي أن يُتَحَرَّى ويُجْتَهَد في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟، بل أقول: هو الطريق المحمود لذاته، والمأمور في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، فإن السبق هو رَوْمُ نَيْلِ ما لصاحبك، واختصاصك به، قالت الخنساء [من الطويل]: وَمَا بَلَغَتْ كَفُّ امْرِئٍ مُتَنَاوَلًا مِنَ الْمَجْدِ … إِلَّا وَالَّذِي نَالَ أَطْوَلُ وهو الحسد المباح الذي سبق ذكره، وكيف لا؟ وكلُّ واحدة من هاتين الخصلتين بلغت غايةً لا أمد فوقها، ولو اجتمعتا في امرئ بلغ من العَلْياء كل مكان. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عِمْران، أبو حفص التُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه تقدّم قبل باب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النَّجَاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح وقيل: (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.

стр. 9385

والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) أي على خصلتين اثنتين، و"على" هنا سببيّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٦] (٨١٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بهَا وَيُعَلِّمُهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ) بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء، مناقبه جمة، وأمَّره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين، أو في التي بعدها بالمدينة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، فـ "إسماعيل": هو ابن أبي خالد، و"قيس": هو ابن أبي حازم، و"ابن نُمير": هو محمد بن عبد اللَّه بن نُمير. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.

стр. 9386

٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديثَ، والعنعنة، والسماع، وكلّها من صيغ الاتّصال. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس. ٦ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة، ولا مشارك له في ذلك، كما سبق قريبًا. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃ فقهًا وتجويدًا للقرآن، وتقدّمًا في الإسلام. شرح الحديث: (عَنْ قَيْسِ) بن أبي حازم أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ) الحسد تمني الرجل أن يُحَوِّل اللَّه إليه نعمة الآخر، أو فضيلته، ويسلبهما عنه، وفي "مجمع الغرائب": الحسد أن يرى الإنسان لأخيه نعمةً، فيتمنى أن تكون له، وتزول عن أخيه، وهو مذموم، والغبطةُ أن يرى النعمة، فيتمناها لنفسه من غير أن تزول عن صاحبها، وهو محمود، وقال ثعلب: المنافسة أن يتمنى مثل ما له من غير أن يفتقر، وهو مباح، ويقال: الحسد تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، وبعضهم خصه بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعمّ. ونقل الأزهريّ في "التهذيب" عن ابن الأعرابيّ أنه قال: الْحَسْدَلُ: الْقُرادُ، قال: ومنه أُخِذ الْحَسَدُ؛ لأنه يَقْشِر القلب، كما يَقْشِر القُرَاد الجلدَ، فَيَمتَصُّ دَمَه. انتهى (١)، وتقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي لا حسد في شيء إلَّا في اثنتين، أي في خصلتين، ويُرْوَى "إلا في اثنين" أي شيئين، قال في "العمدة" (٢):

стр. 9387

[فإن قلت]: الحسد موجود في الحاسد، لا في اثنتين، فما معنى هذا الكلام؟. [أجيب]: بأن المعنى لا حسد للرجل إلا في شأن اثنتين، لا يقال: قد يكون الحسد في غيرهما، فكيف يصحّ الحصر؛ لأنا نقول: المراد لا حسد جائزٌ في شيء من الأشياء إلَّا في اثنتين، أو المعنى: لا رُخْصَة في الحسد في شيء إلَّا في اثنتين. [فإن قلت]: ما في هذين الاثنين غِبْطَة، وهو غير الحسد، فكيف يقال: لا حسد؟. [أجيب]: بأنه أَطْلَق الحسد، وأراد الغبطة، من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب. وقال الخطابيُّ: معنى الحسد ههنا شِدّة الحرص والرغبة، كَنَى بالحسد عنهما؛ لأنهما سببه، والداعي إليه، ولهذا سماه البخاريّ اغتباطًا، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يُبَيِّن ذلك، فقال فيه: "ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعَمِلت مثل ما يعمل"، ذكره البخاري في "كتاب فضائل القرآن" في "باب اغتباط صاحب القرآن"، من حديث أبي هريرة ﵁، فلم يَتَمَنّ السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار. وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، وإخراج له عن جملة ما حُظِر منه، كما رُخِّص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة، فالمعنى: لا إباحة في شيء من الحسد، إلَّا فيما كان هذا سبيله، أي لا حسد محمودٌ إلَّا هذا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا رأي ضعيف، يظهر ضعفه بالتأمّل في سياق طُرُق الحديث، فإنه واضح في كون المراد الغبطة، لا الحسد المذموم، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: إنه استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنتين. وقال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن يكون من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي لا حسد إلَّا في هذين الاثنين، وفيهما لا حسد أيضًا، فلا حسد أصلًا.

стр. 9388

وتعقّبه العينيّ، فقال: المعنى في الآية: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوقع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ موقع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها في المستقبل، ولا يتأتى هذا المعنى في قوله: "لا حسد إلا في اثنين"، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة؟ وفي الآية جميع الموت منفيّ بخلاف الحسد، فإن جميعه ليس بمنفيّ، فإن الحسد في الخيرات ممدوحٌ، ولهذا نُكِّر الحاسد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ٥]؛ لأن كل حاسد لا يضرّ، قال أبو تمام: وَمَا حَاسِدٌ فِي الْمَكْرُمَاتِ بِحَاسِدٍ وكذلك نُكّر الغاسق؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشرّ، وإنما يكون في بعض دون بعض، بخلاف النفاثات، فإنه عُرِّف؛ لأن كل نفاثة شريرةٌ. انتهى (١). (رَجُلٌ) تقدّم أنه يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة (آتَاهُ اللَّهُ) بالمدّ في أوله: أي أعطاه اللَّه من الإيتاء، وهو الإعطاء (مَالًا) قال في "العمدة": إنما نَكّره، وعَرَّف الحكمة؛ لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، يعني الشريعة، فأراد التعريف بلام العهد، أو المراد منه القرآن، كما سيأتي، فاللام للعهد أيضًا، بخلاف المال، فلهذا دخل صاحبه بأيّ قدر من المال أهلكه في الحقّ تحت هذا الحكم. انتهى. (فَسَلَّطَهُ) عَبَّر بالتسليط؛ لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشحّ (٢). (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللام والكاف: أي إهلاكه، وعَبَّر بذلك؛ ليدل على أنه لا يُبقي منه شيئًا، وكَمَّله بقوله: (فِي الْحَقِّ) أي في الطاعات؛ ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم، قاله في "الفتح" (٣). (وَرَجُلٌ) عطف على "رجل" الأول، وإعرابه في الأوجه كإعرابه (آتَاهُ اللَّهُ

стр. 9389

حِكْمَةً) هكذا في رواية المصنّف بالتنكير، وعند البخاريّ "الحكمة" بالتعريف، قال في "الفتح": قوله: "الحكمة" اللام للعهد؛ لأن المراد بها القرآن، على ما أشرنا إليه قبلُ، وقيل: المراد بالحكمة كلُّ ما مَنَعَ من الجهل، وزَجَرَ عن القبيح. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون المراد بالحكمة القرآنَ هو الأرجح؛ لأن حديث ابن عمر ﵁ الماضي، أوضح ذلك، حيث قال: "رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به. . . "، واللَّه تعالى أعلم. (فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا") قال النوويّ: معناه: يَعمل بها، ويُعلّمها؛ احتسابًا. انتهى. وقال الطيبيُّ: قوله: "فسَلَّطَهُ على هلكته"، في هذه العبارة مبالغتان: إحداهما التسليط، فإنه يدلّ على الغلبة، وقهر النفس المجبولة على الشحّ البالغ، والأخرى قوله: "على هلكته"، فإنه يدلّ على أنه لا يُبقي من المال شيئًا، فلما أوهم القرينتان الإسراف والتبذير المقول فيهما: لا خير في السرف، كمّله بقوله: "في الحقّ" كما قيل: لا سرف في الخير. وكذا القرينة الأخرى اشتَمَلَت على مبالغات: إحداها: الحكمة، فإنها تدلّ على علم دقيتي مع إتقان في العمل، وثانيتها: القضاء بين الناس، وهي مرتبة النبيّ ﷺ ، وثالثتها: التعليم، وهي أيضًا من مرتبة النبيّ ﷺ ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية [الجمعة: ٢]. وقال أيضًا: الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحسن دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيمٌ. قال: وهذا الحديث على ما تقرّر شاهد صدقٍ على وجوب أداء لفظ الحديث من غير إبدال؛ إذ لو وُضع مكان "لا حسد" لا غبطة، ومكان "سُلِّط" ملك، وغيرهما، وأُبدلت الحكمة بالعلم، وهلُمّ جرّا لفاتت تلك الفوائد المقصودة. انتهى كلام الطيبيُّ (١). وقال في "العمدة": ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي،

стр. 9390

ويفضى إلى الكمال العملي، وبكليهما إلى التكميل، والفضيلةُ إما داخلية، وإما خارجية، وأصلُ الفضائل الداخلية العلمُ، وأصلُ الفضائل الخارجية المالُ، ثم الفضائل إمَّا تامّة، وإمَّا فوق التامّة، والأخرى أفضل من الأولى؛ لأنها كاملة متعدية، وهذه قاصرة غير متعدية. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٨٩٦] (٨١٦)، و (البخاريّ) في "العلم" (٧٣)، و"الزكاة" (١٤٠٩)، و"الأحكام" (٧١٤١)، و"الاعتصام" (٧٣١٦)، و (ابن ماجه) في "كتاب الزهد" (٤٢٠٨)، و (النسائيّ) في "العلم" من "الكبرى" (٥٨٤٠)، و (ابن المبارك) في "الزهد" (١٢٠٥)، و (وكيع) في "الزهد" (٤٤٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٥ و ٤٣٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٦٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤٧ و ١٨٤٨)، و (الطحاوفي) في "مشكل الآثار" (١/ ١٩٠)، و (البيهقيّ) في "كتاب آداب القاضي" (١٠/ ٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣٨)، و (ابن عبد البرّ) في "جامع بيان العلم" (ص ١٤)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٧] (٨١٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ (٢) عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ

стр. 9391

الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُّمْ ﷺ قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) بن عبد اللَّه بن عمرو بن جَحْش الليثيّ، أبو الطفيل، وربما سُمِّي عَمْرًا، وُلد عام أحد، ورأى النبيّ ﷺ ، ورَوَى عن أبي بكر ﵁، فمن بعده وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃، قاله مسلم وغيره، (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٧/ ١٦٣١. ٤ - (عُمَرُ) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العزى بن رِيَاح بن عبد اللَّه القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، مشهورٌ جمّ المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، جمّ المناقب ﵁، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9392

شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ) ﵁ (أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ) بن خالد بن عُمير بن الحارث الخزاعيّ، رَوَى عن النبي ﷺ ، ورَوَى عنه أبو الطُّفَيل، وجَمِيل بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن فَرُّوخ، مولى عمر ﵁، قال ابن عبد البرّ: كان من كبار الصحابة وفضلائهم، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، ولم يهاجر، قال: وأنكر الواقديّ أن تكون له صحبة، وذكره ابن سعد في طبقة الْفَتْحِيين، وذكره ابن حبان، والعسكريّ، وجماعة في الصحابة، أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ. (لَقِيَ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (بِعُسْفَانَ) -بضم العين، وسكون السين المهملتين-: موضع بين مكة والمدينة، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة، وهو يُذكّر ويؤنّث (١). (وَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (يَسْتَعْمِلُهُ) وفي نسخة: "استعمله" (عَلَى مَكَّةَ) أي جعله أميرأ عليها (فَقَالَ) له عمر ﵁ (مَنِ اسْتَعْمَلْتَ) وفي رواية النسائيّ: "من استخلفت؟ " (عَلَى أَهْلِ الْوَادِي) أي على أهل مكة (فَقَالَ) نافع ﵁ (ابْنَ أَبْزَى) بالنصب مفعول لفعل مقدّر، دلّ عليه السؤال، أي استعملتُ ابنَ أبزى -بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها زاي، مقصورًا- وهو: عبد الرحمن بن أبزى الْخُزَاعيّ، مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، استخلفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال البخاريّ: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ ، وصَلَّى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله عليّ على خراسان، وذكره ابن سعد فيمن مات رسول اللَّه ﷺ ، وهم أحداث الأسنان، وممن جزم بأن له صحبةً خليفةُ بن خياط، والترمذيّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو عروبة، والدارقطني، والْبَرْقيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم، أخرج له الجماعة، وتقدّمت ترجمته في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٦. (قَالَ) عمر ﵁ (وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ) نافع (مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا) -بفتح

стр. 9393

الميم-: جمع مولًى، يُطلق على الْمُعْتِق، بكسر التاء، والْمُعْتَق، بفتحها، وهو المراد هنا، وفي رواية النسائيّ: "رجلٌ من موالينا" (قَالَ) عمر ﵁ (فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفاستخلفت إلخ، والاستفهام للإنكار، وليس إنكار عمر ﵁ توليته عليهم؛ استخفافًا به، واحتقارًا له، وإنما أنكر فوات غرض التولية، وذلك أن المقصود من التولية ضبط أمور الناس، وسياستهم، وهذا يَحتاج أن يكون الْمُوَلَّى عليهم رجلًا مُهابًا، له عظمةٌ وشرفٌ في قلوب العامّة، وذلك أن يكون حرًّا نسيبًا ذا وَجاهة، وإلا استخفّوا به، ولم يُطيعوه، فيفوت بذلك غرض الولاية، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) نافع ﵁ مبيّنًا سبب توليته عليهم، وأنه له مؤهّلًا لذلك (إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ أي عالم بالقرآن، وعاملٌ به (وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ) أي بقسمة المواريث على كتاب اللَّه، زاد في رواية النسائيّ: "قاضٍ": أي عالم بالقضاء بين الناس بالعدل، والمعنى أن هذا الأمير رفعه اللَّه تعالى عليهم بهذه الأمور، وهم يعرفون منه ذلك، فيحترمونه، ويُعظّمونه، ويطيعون أمره، فتستقيم أمورهم، وتستقرّ أحوالهم، ولذلك (قَالَ عُمَرُ) ﵁ مستحسنًا فعل نافع، وأنه قد ولّى عليهم مَن يستحقّ الولاية (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ "ألا" (إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ ) بكسر همزة "إن"؛ لوقوعها في الابتداء (قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ) أي يشرّف، ويكرم في الدنيا والآخرة، بأن يحييهم حياةً طيّبةً في الدنيا، كما قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] الآية، ويجعلهم في الآخرة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (بِهَذَا الْكِتَابِ) أي القرآن الكريم البالغ في الشرف، وظهور البرهان مبلغًا لم يبلغه غيره من الكتب المنزّلة على الرسل المتقدّمة، قال الطيبيُّ: أطلق الكتاب على القرآن، ليثبت الكمال؛ لأن اسم الجنس إذا أُطلق على فرد من أفراده يكون محمولًا على كماله، وبلوغه إلى حدّ هو الجنس كلّه، كان غيره ليس منه. انتهى (١). (أَقْوَامًا) أي يرفع درجة أقوام بسبب الإيمان به، وتعظيم شأنه، والعمل

стр. 9394

بما فيه (وَيَضَعُ بِهِ) أي يُحقّرهم، ويُصغّر قدرهم في الدنيا والآخرة، بسبب إعراضهم عنه، وعدم عنايتهم به، وتضييعهم حدوده، وجهلهم بما فيه (آخَرِينَ") وهم الذين لم يؤمنوا به،، أو آمنوا، ولم يعملوا به، كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٨٩٧ و ١٨٩٨] (٨١٧)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢١٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٩٤٤)، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ١/ ٣٥، و (الدارميّ) في "سننه" (٣٣٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٦٢ و ٣٧٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١١٨٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من تعلم القرآن وعلّمه، وهو واضح. ٢ - (ومنها): بيان أن من قرأ كتاب اللَّه، وعمل بمقتضاه، مخلصًا رفعه اللَّه تعالى فوق كثير من عباده المؤمنين، ومن قرأه مرائيًا، غير عامل به، وضعه اللَّه أسفل السافلين. ٣ - (ومنها): ما كان عليه عمر ﵁ من متابعة أمرائه في سياستهم لرعيتهم؛ لئلا يضيعوا حقوقهم، فيكون هو المسئول عن ذلك؛ لأنه الراعي الأول، وقد قال ﷺ : "كلّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، متّفقٌ عليه. ٤ - (ومنها): أن من كان عالِمًا بكتاب اللَّه، وبالفرائض، وعرف أحكام القضاء هو الذي يستحقّ أن يتولّى أمور المسلمين، وإن كان دنيء النسب، وأن من كان جاهلًا بهذه الأمور لا يستحقّ ذلك، وإن كان شريف النسب.

стр. 9395

٥ - (ومنها): فضل علم الفرائض، وشرفه، فإنه العلم الذي أعلى اللَّه تعالى قدره، حيث تولّى بنفسه قسمته في كتابه العزيز، ولم يكله إلى أحد. ٦ - (ومنها): فضل معرفة أحكام القضاء؛ لأن به تنحلّ المشكلات بين الناس، وتصلح أحوالهم، ويستقيم معاشهم، ويحسن معادهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثيُّ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّ، لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقَنْديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (٢٥٥) وله أربع وسبعون (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، أبو بكر، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦. ٣ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولةٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦. ٤ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يعني أن حديث شعيب عن الزهريّ، مثل حديث إبراهيم بن سعد عنه المذكور قبله.

стр. 9396

[تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه ساقها الدارميُّ في "سننه"، فقال: (٣٢٣١) أخبرنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، حدّثني عامر بن واثلة، أن نافع ابن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعُسْفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فسلم على عمر، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ فقال نافع: استَخْلَفتُ عليهم ابن أبزى، فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا، فقال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب اللَّه، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٩) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَبَيَانِ مَعْنَاهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٩] (٨١٨) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ (٢)، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَآتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ"، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ"، ثُمَّ قَالَ لِي: "اقْرَأ"، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ").

стр. 9397

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكَير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄[٧] (١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُوَيلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان ﵁ (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِيُّ) بتشديد الياء، يقال: له رؤية، وذكره العجليّ في ثقات التابعين، واختَلَف قول الواقديّ فيه، قال تارة: له صحبة، وتارة تابعيّ [٢] (ت ٨٨) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٠/ ١٧٤٥. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الزهريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد جُمعوا في قوله:

стр. 9398

إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) -بتشديد الياء التحتانية-: نسبة إلى القَارَة، بطن من خُزيمة بن مُدركة، والقارَة لقب، واسمه أُثَيع -بالمثلثة مصغرًا- ابن مُلَيح -بالتصغير، وآخره مهملة- ابن الْهُون -بضم الهاء- ابن خُزيمة، وقيل: بل القارّةُ هو الدِّيش -بكسر المهملة، وسكون التحتانية، بعدها معجمة- من ذرية أُثيع المذكور، وليس هو منسوبًا إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زُهْرة، وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام، وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذُكِر في الصحابة؛ لكونه أُتِي به إلى النبيّ ﷺ ، وهو صغير، أخرج ذلك البغويّ في "مسند الصحابة" بإسناد لا بأس به، ومات سنة ثمان وثمانين، في قول الأكثر، وقيل: سنة ثمانين، قاله في "الفتح" (١). (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) الأسديّ، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، وليس له في البخاريّ روايةٌ، وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا مرفوعًا من رواية عروة عنه (٢)، وهذا يدلّ على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي ﵄، وَوَهِمَ مَن زَعَمَ أنه استُشْهِد في خلافة أبي بكر، أو عمر ﵄، وأخرج ابن سعد، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن الزهريّ: كان هشام بن حكيم يأمر بالمعروف، فكان عمر يقول إذا بلغه الشيء: أَمّا ما عِشْتُ أنا وهشام فلا يكون ذلك (٣).

стр. 9399

(يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) قال "الفتح": كذا للجميع، وكذا في سائر طُرُق الحديث، في المسانيد والجوامع، وذكر بعض الشُّرّاح أنه وقع عند الخطيب في "المبهمات": "سورة الأحزاب" بدل "الفرقان"، وهو غلط من النسخة التي وَقَفَ عليها، فإن الذي في كتاب الخطيب "الفرقان"، كما في رواية غيره (١). (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا) أي على الوجه الذي أقرؤها به أنا، فـ "ما" موصولة (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا) يعني أنه أخذ تلك السورة من في رسول اللَّه ﷺ مباشرةً، ولم يأخذها بواسطة، ولهذا شدّد النكير عليه؛ لتأكّده من صحّة قراءة نفسه دون صاحبه (فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) وفي بعض النسخ: "أعجل عليه" بدون "أن"، وهو الغالب في الاستعمال. ومعناه: قاربت أن آخذه بعَجَلَة، وأجُرّه في الصلاة، وكاد يَفْعَل كذا يكاد، من باب تَعِبَ: قارب الفعل، قال ابن الأنباري: قال اللغويون: كِدتُ أفعلُ: معناه عند العرب قاربت الفعل، ولم أفعل، وما كِدتُ أفعل: معناه فَعَلْتُ بعد إبطاء، قال الأزهري: وهو كذلك، وشاهده قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، معناه ذبحوها بعد إبطاء؛ لتعذر وِجْدان البقرة عليهم، وقد يكون "ما كدتُ أفعلُ" بمعنى ما قاربت. وهي من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويكون خبرها غالبًا فعلًا مضارعًا، ولا يقترن غالبًا بـ "أن"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا ومن اقتران خبرها بـ "أن" قول الشاعر [الخفيف]: كَادَتِ النَّفسُ أن تَفِيضَ عَلَيْهِ … إذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ وبعضهم خص اقترانه بالشعر، والصحيح الأول. (شُمَّ أَمْهَلْتُهُ) أي تركته (حَتَّى انْصَرَفَ) أي سلّم من صلاته، وفي رواية البخاريّ: "فكدت أُساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم" (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ)

стр. 9400

بفتح اللام، وموحّدتين الأولى مشدّدة، والثانية ساكنة: أي جعلت رداءه في عنقه، ثم جَرَرته، قال ابن منظور: ولَبَّبَ الرجلَ: جعل ثيابه في عنقه وصَدْرِهِ في الخصومة، ثم قبضه وجرّه، وأخذ بتلبيبه كذلك. انتهى. وقال القرطبيُّ: "فلبّبته": أي جمعت ئوبه على حلقه، وأصله من اللبّة، وهي الثغرة التي في أسفل الحلق، وهذا من عمر ﵁ غَيْرةٌ على كتاب اللَّه تعالى، وقوّة في دينه. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "فلببته بردائه": أي جمعت عليه ثيابه عند لَبَّته؛ لئلا يتفلت مني، وكان عمر ﵁ شديدًا في الأمر بالمعروف، وفَعَلَ ذلك عن اجتهاد منه؛ لظنه أن هشامًا خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبيّ ﷺ ، بل قال له: أرسله. انتهى (٢). زاد في رواية البخاريّ: "فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول اللَّه ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ". قال في "الفتح": قوله: فإن رسول اللَّه ﷺ قد أقرأنيها" هذا قاله عمر ﵁ استدلالًا على ما ذهب إليه من تخطئة هشام، وإنما ساغ له ذلك؛ لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فَخَشِي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة، بخلاف نفسه، فإنه كان قد أتقن ما سَمِعَ، وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول اللَّه ﷺ قديمًا، ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشامًا من مسلمة الفتح، فكان النبيّ ﷺ أقرأه على ما نزل أخيرًا، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرةُ عمر للإنكار محمولةٌ على أنه لم يكن سمع حديث: "أُنْزِل القرآنُ على سبعة أحرف" إلا في هذه الوقعة. انتهى (٣). (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا) يعني هشام بن حكيم (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 9401

"أَرْسِلْهُ) أي أطلقه من تلبيبك له، وإنما أمره بالإرسال؛ ليتمكّن من القراءة (اقْرَأْ") أي قال ﵇ لهشام: "اقرأ" بوصل الهمزة؛ لأنه ثلاثيّ، فعل أمر من قرأ يقرأ، كفتح يفتح، أمره بالقراءة؛ ليسمع ما ادُّعي عليه إفساده، ليتّضح ذلك (فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ") بالبناء للمفعول، أي أنزلها اللَّه تعالى عليّ مثل ما قرأها هشام (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لِي: "اقْرَأْ") وفي رواية البخاريّ: "ثم قال: اقرأ يا عمر"، أمره بالقراءة؛ لتجويز الغلط عليه، أو ليبيّن أن كل واحدة من القراءتين جائزة، كما صوّبه بقوله لكلّ منهما: "هكذا أُنزلت" (فَقَرَأْتُ) وللبخاريّ: "فقرأت القراءة التي أقرأني" (فَقَالَ) ﷺ ("هَكَذَا) أي مثل قراءتك هذه (أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، وهو استئناف بيانيّ، وهو ما وقع جوابًا عن سؤل مقدّر، فكأنه قيل له: ما وجه قولك في هاتين القراءتين: هكذا أُنزلت؟، فأجاب بقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي على سبعة أوجه، يجوز أن يُقْرَأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة، ولا جملة منه تُقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة. [فإن قيل]: فإنا نَجِد بعض الكلمات يُقرأ على أكثر من سبعة أوجه. [فالجواب]: أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المدّ، والإمالة، ونحوهما. وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقةُ العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يُطْلَق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يُطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جَنَحَ عياض، ومن تبعه. وذكر القرطبيّ عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولًا، ولم يذكر القرطبيّ منها سوى خمسة. وقال المنذريّ: أكثرها غير مختار، قال الحافظ: ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من "صحيحه"، وسأذكر ما انتهى إليّ من

стр. 9402

أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود -إن شاء اللَّه تعالى- في آخر هذا الباب. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سأذكر هذا البحث مستوفًى في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ") قال القرطبيّ ﵀: الضمير في "منه" للقرآن، لا على الأحرف؛ إذ لو كان عائدًا على الأحرف لقال: "منها"، وإنما أعاده على القرآن ليُبيّن أنه يجوز أن يُقرأ بما تيسّر من الأحرف، ومن القرآن؛ لأنه إذا أباح الاقتصار على قراءة بعض القرآن فلأن يجوز الاقتصار على بعض الأحرف أولى. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "فاقرءوا ما تيسّر منه": أي من المُنزَلِ، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يُقَوّي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، نَبَّهَ على ذلك ابن عبد البرّ، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة، وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٨٩٩ و ١٩٠٠ و ١٩٠١] (٨١٨)، و (البخاريّ) في "الخصومات" (٢٤١٩) و"فضائل القرآن" (٤٩٩٢ و ٥٠٤١) و"استتابة المرتدّين" معلّقًا (٦٩٣٦) و"التوحيد" (٧٥٥٠)، و (أبو داود) في (١٤٧٥)، و (الترمذيّ) في "القراءات" (٢٩٤٣)، و (النسائيّ) في "الافتتاح"

стр. 9403

(٩٣٦ و ٩٣٧ و ٩٣٨) و"الكبرى" (٧٩٨ و ١٠٠٠ و ١٠٠٨ و ١٠٠٩ و ١١٣٦٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٥٦)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٣)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٣٦٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢/ ٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٥١٧ - ٥١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤ و ٤٠ و ٤٢ و ٤٣)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١/ ١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٤١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٨٤٩ و ٣٨٥٠ و ٣٨٥١ و ٣٨٥٢ و ٣٨٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٥١ و ١٨٥٢ و ١٨٥٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، قال النوويّ ﵀: قال العلماء: سبب إنزال القرآن على سبعةٍ التخفيفُ والتسهيل، ولهذا قال النبيّ ﷺ : "هَوّن على أمتي"، كما صُرِّح به في الرواية الأخرى. انتهى (١). ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من تعليم أصحابه ﵃ كتاب اللَّه تعالى كما أمره بالتبليغ. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر ﵁ من الصَّلابَةِ في الدين، فقد كاد يقطع الصلاة على هشام؛ لشدة غضبه عليه. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه بيان ما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن، والذبّ عنه، والمحافظة على لفظه، كما سمعوه من غير عدول إلى ما يجوز في العربية. قال: وأما أمر النبيّ ﷺ عمر بإرساله فلأنه لم يثبت عنده ما يقتضي تعزيره، ولأن عمر إنما نسبه إلى مخالفته في القراءة، والنبيّ ﷺ يعلم من جواز القراءة ووجوهها ما لا يعلمه عمر، ولأنه إذا قرأ وهو مُلَبَّبٌ لم يتمكن من حضور البال، وتحقيق القراءة تمكّن المطلَق. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): جواز تلبيب المجرم إذا خيف أن يَتَفَلَّت. ٦ - (ومنها): جواز إطلاق الكذب على الخطأ، فقد قال عمر ﵁ كما

стр. 9404

في رواية البخاريّ لما قاله له هشام ﵁: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ قال له: كذبت، أي أخطأت وهو لغة أهل الحجاز؛ فإنهم يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، أو أطلق عليه الكذب بناءً على غلبة ظنّه. ٧ - (ومنها): بيان سعة رحمة اللَّه تعالى وكرمه على عباده؛ إكرامًا لنبيّها ﷺ ، حيث كانت رسالته رحمة للعالمين، كما قاله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فقد وسّع عليهم قراءة كتابه الكريم، فأنزله على سبعة أحرف، حتى لا تتضايق على حرف واحد. ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله ﷺ : "فاقرءوا ما تيسّر منه" على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن بالشروط التي تقدّمت، وهي شروط لا بدّ من اعتبارها، فمتى اختلّ شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة. وقد قرّر ذلك أبو شامة في "الوجيز" تقريرًا بالغًا، وقال: لا يُقطَع بالقراءة بأنها منزلة من عند اللَّه إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامة المصر بالقراءة، وأجمع أهل عصره، ومن بعدهم على إمامته في ذلك، قال: أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا، فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءة مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت القراءة بها بشرط أن لا يختل المعنى، ولا يتغير الإعراب. وذكر أبو شامة في "الوجيز" أن فتوى وردت من العجم لدمشق، سألوا عن قارئ يقرأ عشرًا من القرآن، فيخلط القراءات؟. فأجاب ابن الحاجب، وابن الصلاح، وغير واحد من أئمة ذلك العصر بالجواز بالشروط التي ذكرناها، كمن يقرأ مثلًا ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فلا يقرأ لابن كثير بنصب "آدم"، ولأبي عمرو بنصب "كلمات"، وكمن يقرأ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١] بالنون ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ بالرفع. قال أبو شامة: لاشك في منع مثل هذا، وما عداه فجائز، واللَّه أعلم. قال الحافظ ﵀: وقد شاع في زماننا من طائفة من القراء إنكار ذلك، حتى صرَّح بعضهم بتحريمه، فظنّ كثير من الفقهاء أن لهم في ذلك معَتمَدًا، فتابعوهم، وقالوا: أهل كل فنّ أدرى بفنهم، وهذا ذهول ممن قاله، فإن علم الحلال والحرام إنما يُتَلَقَّى من الفقهاء، والذي منع ذلك من القراء إنما هو

стр. 9405

محمول على ما إذا قرأ برواية خاصة، فإنه متى خلطها كان كاذبًا على ذلك القارئ الخاص الذي شرع في إقراء روايته، فمن أقرأ رواية لم يحسن أن ينتقل عنها إلى رواية أخرى، كما قاله الشيخ محيي الدين، وذلك من الأولوية، لا على الحتم، أما المنع على الإطلاق فلا، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة -رحمهم اللَّه تعالى- من جواز قراءة الآية الواحدة بالروايات المختلفة بالشروط المذكورة هو الصواب الحقيق بالقبول، وما عداه مردود مخذول؛ لمخالفته للنص الصحيح المنقول: "فاقرؤوا ما تيسر منه"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٩ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرُّ: فيه ما يدلّ على أن في جبلة الإنسان وطبعه، وإن كان فاضلًا أن ينكر ما يَعْرِف خلافه، وإن جَهِلَ ما أنكر من ذلك؛ لأن الذي بيده من ذلك علم يقينٌ، فلا يزول عنه إلى غير إلا بمثله من العلم واليقين، وكذلك لا يسوغ خلافه إلا بمثل ذلك. ١٠ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرُّ أيضًا: فيه بيان ما كان عليه عمر ﵁ من أنه لا يراعي في ذات اللَّه قريبًا ولا بعيدًا، ولا عدوًّا، ولا صديقًا، وقد كان شديد التفضيل لهشام بن حكيم بن حزام ﵁، فقد روى مالك قال: كان عمر إذا خَشِي وقوع أمر قال: أَمّا ما بَقِيتُ أنا وهشام بن حكيم فلا، ولكنه إذ سمع منه ما أَنكره لم يسامحه، حتى عَرَفَ موضع الصواب فيه، وكان لا يخاف في اللَّه لومة لائم (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى بُعد هذا البحث على من تأمله؛ لأن تفضيل عمر لهشام لم يكن في وقت اختلافهما في القراءة؛ لأنه كان في ذلك الوقت حديث عهد بالإسلام، وإنما كان تفضيله بعد أن رسخ قدمه في الإسلام، وتفقّه في دين اللَّه، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أن فيه بيانَ استعمالهم لمعنى الآية العامة لهم ولمن بعدهم، وهي قوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]

стр. 9406

يعني: إن كان حيًّا، فإن مات فإلى سنّته، كذا قال أهل العلم بالتأويل، قاله ابن عبد البرُّ أيضًا (١). ١٢ - (ومنها): أنه إنما قال النبيّ ﷺ : "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف"؛ تطييبًا لقلب عمر ﵁؛ لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين. وقد وقع عند الطبريّ من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قرأ رجل، فَغيَّرَ عليه عمر، فاختصما عند النبيّ ﷺ ، فقال الرجل: ألم تقرئني يا رسول اللَّه؟ قال: "بلى"، قال: فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبيّ ﷺ في وجهه، قال: فضرب في صدره، وقال: "أبعد شيطانًا"، قالها ثلاثًا، ثم قال: "يا عمر، القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمةً عذابًا، أو عذابًا رحمة". ومن طريق ابن عمر: "سمع عمر رجلًا يقرأ"، فذكر نحوه، ولم يذكر: "فوقع في صدر عمر"، لكن قال في آخره: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ". ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام ﵄. [فمنها]: لأبَي بن كعب مع ابن مسعود ﵄ في سورة النحل، أخرجه الطبري. [ومنها]: ما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو: أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تُمارُوا فيه"، قال الحافظ: إسناده حسن. ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمة: "إن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول اللَّه ﷺ "، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبريّ والطبرانيّ عن زيد بن أرقم ﵁، قال: "جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبيّ بن

стр. 9407

كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ وعليّ إلى جنبه- فقال عليّ: ليقرأ كل إنسان منكم كما عُلِّمَ، فإنه حسن جميل". ولابن حبان، والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁: "أقرأني رسول اللَّه ﷺ سورة من آل حم، فَرُحتُ إلى المسجد، فقلت لرجل: اقرأها، فإذا هو يقرأ حروفًا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، فانطلقنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرناه، فتغير وجهه، وقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف"، ثم أسرّ إلى عليّ شيئًا، فقال علي: إن رسول اللَّه ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّمَ، قال: فانطلقنا، وكلُّ رجل منّا يقرأ حروفًا، لا يقرؤها صاحبه". وللبخاري في "صحيحه" عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً، سمع النبيّ ﷺ قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبيّ ﷺ ، فقال: "كلاكما محسن، فاقرآ"، قال شعبة: أكبر علمي قال: "فإن من كان قبلكم اختلفوا، فأهلكهم" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالأحرف السبعة: قال العلامة أبو عبد اللَّه القرطبيُّ في مقدمة تفسيره: قد اختَلَف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستيّ، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال: [الأول]: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، كسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن وهب، والطبريّ، والطحاويّ، وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقْبِلْ، وتَعَالَ، وهَلُمَّ، قال الطحاويّ: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة ﵁، قال: "جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: اقْرَأ على حرف؛ فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف؛ فقال: اقرأ، فكلٌّ شافٍ كافٍ، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة"؛ على نحو

стр. 9408

"هلُمَّ"، و"تعال"، و"أقبل"، و"اذهب"، و"أسرع"، و"عجِّلْ". ورَوَى وَرْقَاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣] "للذين آمنوا أمهلونا"، "للذين آمنوا أخرونا"، "للذين آمنوا ارقُبُونا". وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] "مرُّوا فيه"، "سَعَوْا فيه". وفي "الصحيحين": قال الزهريّ: إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال، ولا حرام. قال الطحاويّ ﷺ : إنما كانت السعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين، لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوُسِّع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول اللَّه ﷺ ، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها. قال ابن عبد البرُّ: فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاصّ لضرورة دَعَت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الطحاويّ، وابن عبد البر بعيد من الصواب؛ لأنه يستلزم النسخ لحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. روى أبو داود عن أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبيّ إني أُقرِئت القرآن، فقيل لي: على حرف، أو حرفين؟، فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين، أو ثلاثة؟، فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شافٍ، كافٍ، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب"، حديث صحيح.

стр. 9409

وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وذكر من كلام ابن مسعود ﵁ نحوه. قال القاضي ابن الطيب (١) ﵀: وإذا ثبتت هذه الرواية -يريد حديث أبَيّ- حُمِلَ على أن هذا كان مطلقًا، ثم نُسِخَ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسمًا للَّه تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعواه النسخ غير صحيح، بل الذي دلّ عليه هذا الحديث أن اللَّه أمر نبيه ﷺ أن يُقْرِئ أمته على سبعة أحرف، ووَسَّع عليه أن يبدل اسمًا باسم آخر، وأما غيره فلا يجوز له أن يبدل اسمًا باسم آخر، كان كان بمعناه، إلا إذا كان ذلك التبديل منقولًا عنه ﷺ ، فإذا أقرأ صحابيًا "سميعًا عليمًا"، وأقرأ آخر "عزيزًا حكيمًا"، جازت القراءة بهذا وبهذا، واللَّه تعالى أعلم. [القول الثاني]: قال قوم: هي سبع لغات في القرآن على لغات العرب كلها، يَمَنِها، ونِزَارِها؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يجهل شيئًا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هُذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابيّ ﵀: على أن في القرآن ما قد قُرئ بسبعة أوجه، وهو قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] وذكر وجوهًا، كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف، لا كله. وإلى هذا القول -أي إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، على سبع لغات- ذهب أبو عبيد، القاسم بن سلام، واختاره ابن عطية، قال أبو عبيد: وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظًا فيها من بعض. وذكر حديث ابن شهاب، عن أنس أن عثمان ﵄، قال لهم حين أمرهم

стр. 9410

أن يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل بلغتهم، ذكره البخاريُّ. وذكر حديث ابن عباس ﵄، قال: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب قريش، وكعب خُزَاعَة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة، قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران قريش، فأخذوا بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب: معنى قول عثمان ﵁: فإنه نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره مُنزل بلغة قريش فقط؛ إذ فيه كلمات، وحروف هي خلاف قريش، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ولم يقل: قرشيًا، وهذا يدلّ على أنه منزل بجميع لسان العرب، وليس لأحد أن يقول: إنه أراد قريشًا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول: أراد لغة عدنان، دون قحطان، أو ربيعة، دون مضر؛ لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولًا واحدًا. وقال ابن عبد البرِّ: قول من قال: إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب، واللَّه أعلم؛ لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات، من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية: معنى قول النبيّ ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، أي فيه عبارة عن سبع قبائل، بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هُذيل، ومرة بغير ذلك، بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ. ألا ترى أن "فطر" معناه عند غير قريش: ابتدأ خلق الشيء، وعمله، فجاءت في القرآن، فلم تَتَّجِهْ لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فَطَرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال أيضًا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتِحْك؛ أي أحاكمك.

стр. 9411

وكذلك قال ﵇ بن الخطاب ﵁، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أي على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك ﵁، إذ سمع النبيّ ﷺ يقرأ في الصلاة: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]. ذكره مسلم في "باب القراءة في صلاة الفجر" إلى غير ذلك من الأمثلة. [القول الثالث]: أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مُضَر، قاله قوم، واحتجوا بقول عثمان ﵁: نزل القرآن بلغة مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضَبَّة، ومنها لقيس. قالوا: هذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحبّ أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر، وقالوا: في مضر شواذّ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل كَشْكَشَة قيس، وتَمْتَمَة تميم، فأما كشكشة قيس، فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينًا، فيقولون في ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] جعل ربش تحتش سريًا، وأما تمتمة تميم، فيقولون في الناس: النات، وفي أكياس: أكيات، قالوا: وهذه لغات يُرْغَب عن القرآن بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شيء. وقال آخرون: أما إبدال الهمزة عينًا، وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض، فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتجوا بقراءة ابن مسعود ﵁: "ليسجننه عَتَّى حين"، ذكرها أبو داود، وبقول ذي الرُّمَّة [من الطويل]: فَعَيْنَاكِ عَيْنَاهَا وَجِيدُكِ جِيدُهَا … وَلَوْنُكِ إلا عَنَّهَا غَيْرُ طَائِلِ يريد "إلا أنها". [القول الرابع]: ما حكاه صاحب "الدلائل" عن بعض العلماء، وحَكَى نحوه القاضي ابن الطيب، قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة، فوجدتها سبعًا: منها: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و"أطْهَرَ"، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] و"يُضيق".

стр. 9412

ومنها: ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه بالإعراب، مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و"رَبُّنَا بَاعَدَ". ومنها: ما تبقى صورته، ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و"ننشُرُها". ومنها: ما تتغير صورته، ويبقى معناه: مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، و"كالصوف المنفوش". ومنها: ما تتغير صورته، ومعناه، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩]، "وطلع منضود". ومنها: بالتقديم والتأخير، كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، "وجاءت سكرة الحق بالموت". ومنها: بالزيادة والنقصان، مثل قوله: "تسع وتسعون نعجة أنثى"، وقوله: "وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين"، وقوله: "فإن اللَّه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم". [القول الخامس]: إن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب اللَّه تعالى، وهي أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذا لا يسمى أحرفًا، وأيضًا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثًا عن النبيّ ﷺ ، ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. وقد قيل: إن المراد بقوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف": القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة؛ لأنها كلها صحّت عن رسول اللَّه ﷺ ، وهذا ليس بشيء؛ لظهور بطلانه. انتهى كلام القرطبيُّ ببعض تصرف (١).

стр. 9413

وقد طوّل الكلام في تحقيق هذه المسألة الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتحه"، أحببت إيراده هنا لكونه مكملًا لما نقلته من القرطبيّ، وشارحًا له: قال ﵀ عند قول البخاريّ ﵀: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه تيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما. نبّه على ذلك ابن عبد البرّ، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة. وذهب أبو عبيد، وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية. وتُعُقِّب بأن لغات العرب أكثر من سبعة. وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄، قال: نزل القرآن على سبع لغات: منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال: والعجز: سعد بن بكر، وجثيم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عُلْيا هوزان، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن، وسُفلى تميم. يعني بني دارم. وأخرج أبو عبيد من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄، قال: نزل القرآن بلغة الكَعْبين، كعبِ قريش، وكعبِ خزاعة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة. يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش، فسهلت عليهم لغتهم. وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. واستنكره ابن قتيبة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش. وبذلك جزم أبو علي الأهوازي. وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع متفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض، وأكثر نصيبًا.

стр. 9414

وقيل: نزل بلغة مضر خاصة، لقول عمر: نزل القرآن بلغة مضر. وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضَبَّة، وتيم الرباب، وأسد خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات. ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أوّلًا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يُكَلَّف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولِمَا كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيلِ فهمِ المرادِ، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة، كما تقدم، وتصويب رسول اللَّه ﷺ كلًّا منهم. قال الحافظ: وتَتِمَّةُ ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبيّ ﷺ ، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأني النبيّ ﷺ ، لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف، ولو لم يكن مسموعًا له، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته "عتى حين" أي "حتى حين"، وكتب إليه: "إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس لغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل"، وكان ذلك قبل أن يَجْمَع عثمانُ الناسَ على قراءة واحدة. قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يَحْتَمِل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز، قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبو شامة: ويَحْتَمِل أن يكون مراد عمر، ثم عثمان بقولهما: "نزل بلسان قريش" أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن اللَّه تعالى سهّله على الناس، فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب، ليكون بلسان عربي مبين، فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش؛ لأنه الأولى.

стр. 9415

وعلى هذا يُحْمَل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود؛ لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذًا لا بد من واحدة، فلتكن بلغة النبيّ ﷺ ، وأما العربي المجبول على لغته، فلو كلف قراءته بلغة قريش لعسر عليه التحول مع إباحة اللَّه له أن يقرأ بلغته، ويشير إلى هذا قوله في حديث أبيّ ﵁ كما تقدم: "هوّن على أمتي"، وقوله: "إن أمتي لا تطيق ذلك". وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالبًا، وليس المراد كما تقدم أن كل لفظة منه تقرأ منه على سبعة أوجه. قال ابن عبد البرِّ: وهذا مجمع عليه، بل هو غير ممكن، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه، إلا الشيء القليل، مثل ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه. ورَدَّ عليه ابنُ الأنباري بمثل ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. ويدلّ على ما قرره أنه أنزل أوّلًا بلسان قريش، ثم سهّل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديث أبيّ بن كعب ﵁: "أن جبريل لقي النبيّ ﷺ ، وهو عند أضَاة بني غِفَار، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تُقرِئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل اللَّه معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك. . . " الحديث. أخرجه مسلم. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، أي أنزل موسعًا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أنزل على هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم. قال ابن قتيبة ﵀ في أول تفسير المشكل له: كان من تيسير اللَّه تعالى أن أمر نبيه ﷺ أن يُقرئ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ "عَتَّى حين" يريد "حتى حين"، والأسدي يقرأ "تِعلَمون" بكسر أوله، والتميمي يهمز، والقرشي لا

стр. 9416

يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لشقّ عليه غاية المشقة، فيسّر عليهم ذلك بمثّه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال مثلًا: أنزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة. وقال ابن عبد البرِّ: أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات؛ لما تقدم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو "أَقْبِلْ"، و"تَعَالَ"، و"هَلُمَّ"، ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات. لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نَبَّهَ عليه أبو عمرو الدانيّ أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة، فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة، لا بكلها، وهذا إنما يأتي على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر، فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السبعة في بعض القرآن، كما تقدم. وقد حَمَل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء: [الأول]: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الراء، ورفعها. [الثاني]: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و"باعَدَ بين أسفارنا" بصيغة الطلب، والفعل الماضي. [الثالث]: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة، مثل: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي. [الرابع]: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة علي: و"طلع منضود".

стр. 9417

[الخامس]: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] في قراءة أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: "وجاءت سكرة الحق بالموت". [السادس]: ما يتغير بزيادة، أو نقصان، مِثالُ الزيادة ما نقل عن ابن عباس ﵄: "وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين"، ومِثالُ النقص، قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء ﵄: "والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى". [السابع]: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير: "كالصوف المنفوش". وهذا وجه حسن، لكن استبعده قاسم بن ثابت في "الدلائل"؛ لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت، وأكثرُهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها، قال: وأما ما وُجِد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾، و (ننشرها) [البقرة: ٢٥٩]، فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة؛ لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى. وقال أبو الفضل الرازيّ ﵀: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء، من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض، ومضارع، وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: الإبدال.

стр. 9418

السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار، ونحو ذلك. قال الحافظ: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقّحه. وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا"، أخرجه أبو عبيد، وغيره. قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يَلْقَ ابنَ مسعود، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. قال الحافظ: وأطنب الطبريّ في مقدمة تفسيره في الردّ على من قال به. وحاصله: أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة، وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيّد، ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: "سبعة أحرف"، أي سبعة أوجه، كما فُسِّرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الواحدة تقرأ على وجهين، وثلاثة، وأربعة إلى سبعة، تهوينًا وتيسيرًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة. وقال أبو عليّ الأهوازي، وأبو العلاء الهمدانيّ: قوله: "زاجر، وآمر" استئناف كلام آخر، أي هو زاجر، أي القرآن، ولم يُرَدْ به تفسيرُ الأحرف السبعة، وإنما تَوَهَّمَ ذلك مَنْ توهمه من جهة الاتفاق في العدد، ويؤيده أنه جاء

стр. 9419

في بعض طرقه، "زاجرًا، وآمرًا". . . إلخ بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله اللَّه على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. قال الحافظ ﵀: ومما يوضح أن قوله: "زاجر، وآمر". . . إلخ ليس تفسيرًا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس ﵄، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَلَخّص مما تقدم مما ساقه الحافظ ﵀ من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام -رحمهم اللَّه تعالى- أن الراجح هو قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة في حديث الباب هي أوجه القراءة التي تُؤَدَّى بها المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد يكون ذلك في لغة واحدة، كما وقع لعمر وهشام بن حكيم ﵄، فإنهما قرشيان. وأما بقية الأقوال فلا تخلو من ضعف، وأضعفها قول من قال: إنه من المتشابه الذي لا يُعْرَف معناه، كما اختاره السيوطيّ في شرح النسائيّ، فإنه من المحال أن يكون القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ويؤمر الناس أن يقرؤوه على تلك الأحرف، ولا يدرون ما هي الأحرف؟ هذا من أغرب المحال، وأما تفسير من فسّره بالقراءة السبعة المشهورة فكونه غلطًا أظهر من أن يُشْهَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الأحرف السبعة المذكورة في الحديث مجموعة في المصحف الموجود اليومَ، أم لا؟: قد جمع الحافظ ﵀ في "فتحه" أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستوفاها، مُلَخَّصةً، فأحببت إيرادها هنا لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها:

стр. 9420

قال ﵀: قال أبو شامة ﵀: وقد اختَلَف الناس في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟ مال الباقلاني إلى الأول، وصَرَّح الطبريّ وجماعة بالثاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف" عن أبي الطاهر بن السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟، قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل "هَلُمَّ"، و"تعالَ"، و"أقبل"، أيّ ذلك قلت أجزأك، قال: وقال لي ابن وهب مثله. والحقّ أن الذي جُمِعَ في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبيّ ﷺ ، وفيه بعض ما اختُلِف فيه من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آخر براءة، وفي غيره بحذف "من"، وكذا وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمر النبيّ ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءة مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جُوّزت به توسعةً على الناس وتسهيلًا؛ فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي. قال الطبريّ ﵀: وصار ما اتَّفَقَ عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خُيِّر فيه على خصلة واحدة؛ لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة. قال الحافظ ﵀: ويدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: "فاقرؤوا ما تيسر منه". وقد قرر الطبريّ ذلك تقريرًا أطنب فيه، ووَهَّى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس بن عمار في "شرح الهداية"، وقال: أصح
следующие страницы →