وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ (١)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِنَّ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ) الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) وله أربع، أو خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثَّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتَّاب -بمثناة ثقيلة، ثم موحدة- الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلس [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فِي رَكْعَةٍ) وفي بعض النسخ: "في كلّ ركعة" في الموضعين.
وقوله: (سُورَتَيْنِ في رَكْعَةٍ) بنصب "سورتين" بفعل مقدّر دلّ عليه ما قبله؛ أي: يقرأ سورتين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 9487
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، قَالَ: فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنِ مُرَّةَ) الجملي الكوفي، ثقة عابد [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وفي السند الذي قبله.
وقوله: (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) وفي نسخة: "في ركعة".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥١) - (بَابُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ) (٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٤] (٨٢٣) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
стр. 9488
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أَدَالًا أَمْ ذَالًا؟ قَالَ: بَلْ دَالًا، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ دَالًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ الْيَرْبُوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو إِسحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الْهَمْدانيّ، أبو إسحاق السَّبِيعيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، واختلط بأخرة، وكان يدلّس [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النَّخَعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والصحابيّ: سبق في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع.
[تنبيه]: إن قلت: قد سبق في ترجمة زهير آنفًا أن سماعه من أبي إسحاق بعد اختلاطه، فلم أخرج المصنّف الحديث من روايته؟.
[أجيب]: بأنه لم ينفرد بروايته عنه، بل تابعه عليه شعبة، كما في الرواية
стр. 9489
التالية، وسفيان الثوريّ، كما في "صحيح البخاريّ" (١) وهما ممن روى عن أبي إسحاق قبل اختلاطه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي إسحاق السبيعيِّ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا) لا يُعرف اسمه (٢) (سَأَل الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ) جملة في محلّ نصب على الحال من "الأسود" (فِي الْمَسْجدِ) الظاهر أنه مسجد الكوفة (فَقَالَ) ذلك الرجل السائل (كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢]، أَدَالًا أَمْ ذَالًا؟) منصوب على الحاليّة لفعل محذوف، تقديره: أتقرؤها؟.
والمعنى: أتقرؤها بالدال المهملة، كما هو قراءة العامّة، أم تقرؤها بالذال المعجة، كما يقرؤها بعضهم؟ قال في "الفتح": قرأها بعض السلف بالمعجمة، وهو منقول أيضًا عن قتادة. انتهى (٣). (قَالَ) الأسود (بَلْ دَالًا) أي: بل أقرؤها بالدال المهملة، ثم دليله على هذا، فقال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿مُّدَّكِرٍ﴾ ودَالًا) أي: بالدال المهملة، وأصله مُذتكرٌ بتاء مثنّاة فوقيّة بعد ذال معجمة، من باب الافتعال، فأبدلت التاء دالًا مهملة، ثم أُهملت المعجمة، لمقاربتها، ثم أُدغمت، فصار النطق بدال مهملة، وإلى قاعدة تاء الافتعال أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ طْبَقِ … فِي "ادَّانَ" وَ"ازْدَدْ" وَادَّكِرْ" دَالًا بَقِي
وقال السمين الحلبيّ ﵀: قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ـ وأصله مُذتكر، فأُبدلت التاء دالًا مهملةً، ثم أُبدلت المعجمة مهملةً، لمقاربتها، قال: وقد قُرئ "مُذْتَكِر" بهذا الأصل، وقرأ قتادة فيما نَقَل عنه أبو الفضل "مذَكِّر" بفتح الذال مخفّفةً، وتشديد الكاف، من ذَكَّرَ بالتشديد، أي: ذَكَّرَ نفسه أو غيره بما مضى من قِصَص الأولين، ونَقَل عنه ابنُ عطيّة كالجماعة، إلَّا أنه بالذال المعجمة،
стр. 9490
وهو شاذّ؛ لأن الأول يُقلب للثاني، لا الثاني للأول. انتهى كلام السمين ﵀ (١).
وقد تكرّر قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُّدَكِرٍ﴾ في "سورة اقتربت" بحسب تكرّر القصص، من أخبار الأمم؛ استدعاءً لأفهام السامعين؛ ليعتبروا. قاله في "الفتح" (٢).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": ﴿وَلَقَدْ يَسَّرنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر] أي: سهّلناه للحفظ، وأَعَنّا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه، فيعانَ عليه، ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، مأخوذ مِن يَسَّرَ ناقته للسفر: إذا رَحَلَها، ويَسَّر فرسه للغزو: إذا أسرجه والجمه، قال [من الطويل]:
وَقُمْتُ إِلَيْهِ بِاللِّجَامِ مُيَسِّرًا … هُنَالِكَ يَجْزِينِي الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وقال سعيد بن جبير: ليس من كُتُب اللَّه كتاب يُقرأ كله ظاهرًا إلَّا القرآن، وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلَّا نظرًا، غير موسى، وهارون، ويوشع بن نون، وعُزير -صلوات اللَّه عليهم- ومن أجل ذلك افْتُتِنُوا بعزير لَمّا كَتَب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أُحرقت، فيَسَّرَ اللَّه تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه، ليذَّكَّروا ما فيه؛ أي: يفتعلوا الذكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات، وكالتركيب فيهم ﴿فَهَل مِن مُّدَكِرٍ﴾ قارئٍ يقرؤه، وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب: فهل من طالب خير وعلمٍ، فيعانَ عليه؟.
وكُرِّر في هذه السورة، للتنبيه والإفهام، وقيل: إن اللَّه تعالى اقتَصَّ في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم، وقِصَص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذِكْرٌ للمستمع أن لَوِ ادَّكَر، وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: ﴿فَهَل مِن مُّدَّكِر﴾؛ لأن "هل" كلمة استفهام، تستدعي أَفهامهم التي رُكِّبت في
стр. 9491
أجوافهم، وجعلها حجة عليهم، فاللام من "هل" للاستعراض، والهاء للاستخراج. انتهى كلام القرطبيُّ ﵀ (١)، وهو نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٩١٤ و ١٩١٥] (٨٢٣)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٤١ و ٣٣٤٥ و ٣٣٧٦) و"التفسير" (٤٨٦٩ و ٤٨٧٠ و ٤٨٧١ و ٤٨٧٢ و ٤٨٧٣ و ٤٨٧٤)، و (أبو داود) في "الحروف والقراءات" (٣٩٩٤)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١١٥٥٥)، و (الترمذيّ) في "القراءات" (٢٩٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٧١ و ٣٩٧٢ و ٣٩٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٦٢ و ١٨٦٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَكِرٍ﴾).
رجال هذا الإسناد: سبعة.
وكلّهم تقدّموا في الإسناد الماضي، والذي قبله.
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ) المراد بالحرف الكلمة التي تُقرأ على الوجوه، قال في "اللسان": كلُّ كلمة تقرأ على الوجوه تُسمّى حَرْفًا، تقول: هذا في حرف ابن مسعود؛ أي: في قراءة ابن مسعود، وقال ابن سِيدَهْ: والحرف: القراءات التي تُقرأ على أوجه. انتهى (٢).
стр. 9492
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، وتخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٦] (٨٢٤) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا، قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ، يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ "وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى"، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، فَلَا أُتَابِعُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ جليلٌ، إلَّا أنه يرسل كثيرًا [٥] (٩٦) وهو ابن خمسين أو نحوها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٣ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُوَيمر بن زيد بن قيمس الأنصاريّ الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحُدٌ، وكان عابدًا، وقد اخْتُلِفَ في اسم أبيه، وأما هو فمشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامرٌ، وعُويمر لقب، مات في أواخر خلافة عثمان ﵄، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
стр. 9493
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس ﵀ أنه (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال؛ أي: دخلنا (الشَّامَ) بالهمز ودونه: البلد المعروف (فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ) ﵁، وفي الرواية التالية: "أتى علقمة الشام، فدخل مسجدًا، فصلى فيه، ثم قام إلى حلقة، فجلس فيها. . . "، وفي رواية للبخاريّ من طريق سفيان الثوريّ، عن الأعمش: "دخلت في نفر من أصحاب عبد اللَّه الشام، فسَمِع بنا أبو الدرداء، فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ؟. . . "، وفي رواية من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش: "قَدِمَ أصحاب عبد اللَّه على أبي الدرداء، فطلبهم، فوجدهم، فقال: أيّكم يقرأ على قراءة عبد اللَّه؟ "، (فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟) أي: ابن مسعود ﵁، قال علقمة (فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا) مبتدأ حُذف خبره؛ أي: أنا أقرأ قراءته، وفي رواية البخاريّ: "فقال: أيُّكم يقرأ على قراءة عبد اللَّه؟ قالوا: كلُّنا، قال: فأيكم أحفظ، وأشاروا إلى علقمة".
(قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ، يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟ قَالَ) علقمة (سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ "وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى") كذا في هذه
стр. 9494
الرواية بحذف ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، وفي رواية الشعبيُّ الآتية: "فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، "والذكر والأنثى"، فأثبتها، ولعلّ في هذه الرواية اختصارًا (قَالَ) أبو الدرداء ﵁ (وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا) أي: بلفظ: "والذكر والأنثى" (وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ) أي: أهل الشام (يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾) أي: كقراءة الجماعة (فَلَا أُتَابِعُهُمْ) أي: على ترك القراءة التي سمعتها منه ﷺ .
وفي رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة في هذا الحديث: "وأن هؤلاء يريدونني أن أزول عما أقرأني رسول اللَّه ﷺ ، ويقولون لي: اقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾، وإني واللَّه لا أطيعهم".
قال في "الفتح": وفي هذا بيانٌ واضحٌ أن قراءة ابن مسعود ﵁ كانت كذلك، والذي وقع في غير هذه الطريق أنه قرأ: "والذي خلق الذكر والأنثى"، كذا في كثير من كتب القراءات الشاذّة، وهذه القراءة لَمْ يذكرها أبو عبيد إلَّا عن الحسن البصريّ، وأما ابن مسعود فهذا الإسناد المذكور في "الصحيحين" عنه من أصح الأسانيد، يروي به الأحاديث.
قال: ثم هذه القراءة لَمْ تُنقَل إلَّا عمن ذُكر هنا، ومن عداهم قرؤوا: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (٣)﴾، وعليها استقرّ الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء، ومن ذكر معه، ولعل هذا مما نُسِخَت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء، ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة، وعن ابن مسعود ﵁، وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لَمْ يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حَمَلُوا القراءة عن أبي الدرداء ﵁، ولم يقرأ أحد منهم بهذا، فهذا مما يُقَوِّي أن التلاوة بها نُسخت. انتهى (١).
وقال النوويُّ ﵀ في "شرحه": قال القاضي: قال المازريّ: يجب أن يُعْتَقد في هذا الخبر، وما في معناه أن ذلك كان قرآنًا، ثم نُسِخ، ولم يَعْلَم من خالف النسخ، فبقي على النسخ.
стр. 9495
قال: ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان ﵁ المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان، فلا يُظَنّ بأحد منهم أنه خالف فيه، وأما ابن مسعود، فرويت عنه روايات كثيرة، منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفًا لما قلناه، فهو محمول على أنه كان يكتب في مصحفه بعض الإحكام والتفاسير، مما يعتقد أنه ليس بقرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه كصحيفة يُثْبِت فيها ما يشاء، وكان رأي عثمان والجماعة منع ذلك؛ لئلا يتطاول الزمان، ويُظَنّ ذلك قرآنًا.
قال المازريّ: فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية، وهي أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير في أثناء المصحف؟.
قال: ويَحْتَمِل ما رُوي من إسقاط المعوذتين من مصحف ابن مسعود ﵁ أنه اعتَقَد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكَتَبَ ما سواهما، وتركهما؛ لشهرتهما عنده وعند الناس، واللَّه أعلم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١٩١٦ و ١٩١٧ و ١٩١٨ و ١٩١٩] (٨٢٤)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٢٨٧ و ٣٧٤٢ و ٣٧٤٣ و ٣٧٦١) و"التفسير" (٤٩٤٣ و ٤٩٤٤) و"الاستئذان" (٦٢٧٨)، و (الترمذيّ) في "القراءات" (٢٩٣٩)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة" (١٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٩٥٩ و ٣٩٦٠ و ٣٩٦١ و ٣٩٦٢ و ٣٩٦٣ و ٣٩٦٤ و ٣٩٦٥ و ٣٩٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٦٤ و ١٨٦٥ و ١٨٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٣٠)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9496
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة التمسّك بما سمعوه من رسول اللَّه ﷺ ، وإن خالفهم الناس جميعًا.
٢ - (ومنها): بيان ما كانوا عليه من شدّة الحرص على تثبيت ما عندهم من العلم بموافقة غيرهم ممن سمع من النبيّ ﷺ مثلهم.
٣ - (ومنها): بيان أنه لا ينبغي للإنسان الالتفات إلى من خالفه إذا تأكّد أن الذي عليه هو الحقّ، ولا سيّما إذا وجد من يوافقه عليه.
٤ - (ومنها): بيان أن الاعتماد في القرآن على التلقّي من النبيّ ﷺ ، والأخذ عن حفّاظ أمته، ففي عهد النبيُّ ﷺ كان الصحابة ﵃ حريصين على التلقي من فِيه ﷺ بدون واسطة، ومن لم يستطع منهم ذلك أخذ عمن أخذه عنه ﷺ ، وقد اشتَهَرَ في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة بحفظهم القرآن، وتحفيظه، ولما كان الصحابة ﵃ قد اختَلَف أخذهم عن النبيّ ﷺ ، ثم انتشَرُوا في الأمصار اختلف الآخذون عنهم من التابعين، ثم تصدّى في كل مصر قوم للقراءات، يضبطونها، ويعتنون بها، ويعلّمونها إلى أن أُلّفت في ذلك كتب القراءات المشهورة، فحُفظ بذلك القرآن الكريم، فكان ذلك مصداقًا للَّه : ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى حَلْقَةٍ، فَجَلَسَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَعَرَفْتُ فِيهِ تَحَوُّشَ الْقَوْمِ وَهَيْئَتَهُمْ، قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، ثُمَّ قَالَ: أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
стр. 9497
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلَّا أنه كان يُدَلِّس، ولا سيما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَتَى عَلْقَمَةُ الشَّامَ. . . إلخ) لا يقال: هذا فيه إرسال؛ لأن إبراهيم ما حضر القصّة؛ لأنا نقول: إنه رواه عن علقمة، كما بيّنته الروايات الأخرى، وأيضًا قوله: "فعرفت فيه تحوّش القوم. . . إلخ" ظاهر في كونه أخذه عنه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَدَخَلَ مَسْجِدًا) أي: مسجد دمشق، ففي رواية أحمد: "عن علقمة، أنه قَدِمَ الشام، فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين، وقال: اللهم ارزقني جليسًا صالحًا. . . " الحديث.
وقوله: (إِلَى حَلْقَةٍ) بإسكان اللام في اللغة المشهورة، قال الجوهريّ وغيره: ويقال في لغة رديئة بفتحها، قاله النوويّ (١).
وقوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو أبو الدرداء ﵁، كما بُيّن في الروايات الأخرى.
وقوله: (تَحَوُّشَ الْقَوْمِ) بمثنّاة في أوّله مفتوحة، وحاء مهملة، وواو مشدّدة، وشين معجمة: أي: انقباضهم، قال القاضي عياض ﵀: ويَحْتَمِل أن يريد الْفِطْنة والذكاء، يقال: رجلٌ حَوْشُ الفؤاد: أي: حديده. انتهى.
стр. 9498
وقال في "النهاية": يقال: احتوش القومُ على فلان: إذا جعلوه وَسْطَهُم، وتحوَّشُوا عنه: إذا تنحَّوْا. انتهى (١).
والمعنى المناسب هنا هو الانقباض، يعني: أن القوم منقبضون عنه، وذلك أنهم يريدونه أن يتابعهم على هذه القراءة، فلا يوافقهم، فهم يعتزلونه، ويبتعدون، وينقبضون عن مجالسته، ومتابعته، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَهَيْئَتَهُمْ) بالنصب عطفًا على "تحوّشَ القوم"؛ أي: ورأيت حالهم معه من المجانبة له.
وقوله: (أَتَحْفَظُ كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ؟) يعني: عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير مغيرة، أي: ذكر مغيرة الحديث عن إبراهيم، بمثل ما ذكره الأعمش عنه.
[تنبيه]: رواية مغيرة، عن إبراهيم هذه ساقها الإمام البخاريُّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٣٧٤٢) حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قَدِمُت الشأم، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسِّر لي جليسًا صالحًا، فأتيت قومًا، فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت اللَّه أن ييسر لي جليسًا صالحًا، فيسّرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أوَليس عندكم ابن أم عبد، صاحب النعلين والْوِسَاد والْمِطْهَرة، وفيكم الذي أجاره اللَّه من الشيطان؟؛ يعني: على لسان نبيه ﷺ ، أوَليس فيكم صاحب سر النبيّ ﷺ "الذي لا يعلمه أحد غيره؟ ثم قال: كيف يقرأ عبد اللَّه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؟، فقرأت عليه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، "والذكر والأنثى"، قال: واللَّه لقد أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ من فِيه إلى فِيَّ.
وفي رواية: قال: ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
стр. 9499
وفي رواية لأحمد: "فما زال هؤلاء حتى شَكَّكوني، ثم قال: ألم يكن فيكم صاحب الوِسَاد، وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبيّ ﷺ ؟ صاحب الوساد ابن مسعود، وصاحب السر حذيفة، والذي أجير من الشيطان عمّار. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، قال: فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾، "وَالذَّكَرِ وَالْأَنثَى"، قَالَ: فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) بن إياس السَّعْدي المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ المعروف بابن علية، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
стр. 9500
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يهم بأَخَرَة [٥] (ت ١٤٥) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَضَحِكَ) أي: تعجّبًا وفرحًا بموافقة ابن مسعود لقراءته التي سمعها، وحفظها من في رسول اللَّه ﷺ .
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصريّ الساميّ -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب، و"داود" هو ابن أبي هند المذكور في السند الماضي، و"عامر" هو الشعبيّ المذكور فيه أيضًا.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبد الأعلى.
[تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن داود هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9501
(٥٢) - (بَابُ بَيَانِ الأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٠] (٨٢٥) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄[٧] (١٧٩)، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح المهملة، وتشديد الموحدة- ابن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى رَبِيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
стр. 9502
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بفتح همزة "أَنَّ"؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدّ مَصْدَرِ … مَسَدَّها وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
فقد وقعت هنا مفعول "قرأتُ"؛ أي: قرأت نهي رسول اللَّه ﷺ ("نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: بعد أداء صلاة العصر (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ) أي: بعد أداء صلاة الصبح (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ") قال القرطبيّ ﵀: مذهب أبي حنيفة ﵀ حَمْلُ هذا النهي على عمومه في النوافل كلّها، والفرائض المقضيّات، ولم يَستثن من الصلوات شيئًا، وخصّ الجمهور من ذلك المقضيّات، وخصّ الشافعيّ ما كان من النوافل معلَّقًا على سبب، فتُصلَّى لحضور سببها، كتحيّة المسجد، وسجود التلاوة، وركعتي الطواف، والإحرام، وغير ذلك. انتهى (١).
وسيأتي البحث في هذا مُستوفًى مع ترجيح مذهب الشافعي قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9503
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٠] (٨٢٥)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٨٤ و ٥٨٨)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦١) وفي "الكبرى" (١٥٤٥)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٥٢)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٢١)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٤٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٦٢ و ٥٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٧٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٤٣ و ١٥٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٧٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في أوقات النهي:
قال النوويّ ﵀: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب، كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة، جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبيّ ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة. انتهى (١).
وما ادعاه من الإجماع والاتفاق مُتَعَّقب، فقد حَكَى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وقالوا بالنسخ لأحاديث النهي، وهو مذهب داود، وعن طائفة المنع مطلقًا، وحَكَى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في هذه
стр. 9504
الأوقات، ولكنه متعقب بما سيأتي في بابه، أفاده في "الفتح" (١).
وقال في "الطرح": صح النهي عن الصلاة في حالتين أُخريين، وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ففي "الصحيحين" عن ابن عباس ﵄، قال: "شهِدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس"، وفي رواية: "حتى تطلع، وبعد العصر حتى تغرب"، وهو في "الصحيحين" أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد بلفظ: "حتى تطلع الشمس".
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وهو مذهب الحنفية أيضًا، إلَّا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في الصُّوَرِ المتقدمة -يعني: الطلوع، والاستواء، والغروب- كما سنحكيه عنهم.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عمر، وابن مسعود، وخالد بن الوليد، وأبي العالية، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم، وقال الترمذي: وهو قول أكثر الفقهاء، من الصحابة، فمن بعدهم، وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وسعد، ومعاذ بن عفراء، وابن عباس ﵃، قال: وحسبك بضرب عمر ﵁ على ذلك بالدِّرَّة؛ لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلَّا لصحة ذلك عنده.
وذهب آخرون، إلى أنه لا تكره الصلاة في هاتين الصورتين -يعني: بعد صلاتي الصبح، والعصر- ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره ثبوت النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فدلّ قوله ﷺ : "لا تصلوا بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعة"، وقوله: "لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان"، مع قول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات، كان رسول اللَّه ﷺ يَنْهَى أن يُصَلَّى فيهنّ" الحديث، مع سائر الأخبار المذكورة في غير هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة.
стр. 9505
قال: فممن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر عليّ بن أبي طالب، ورَوَينا معنى ذلك عن الزبير، وابن الزبير، وتميم الداريّ، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعائشة أم المؤمنين ﵃، وفَعَلَ ذلك الأسودُ بنُ يزيد، وعمرو بن ميمون، ومسروق، وشُريح، وعبد اللَّه بن أبي الهُذَيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن البيلمانيّ، والأحنف بن قيس.
وقال أحمد: لا نفعله، ولا نعيب فاعله، وبه قال أبو خيثمة، وأبو أيوب.
وحكى ابن بطال إباحةَ الصلاة بعد الصبح، والعصر عن ابن مسعود، وأصحابه، وبلال، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس ﵃.
قال العراقي: الذي في "مصنف ابن أبي شيبة" عن أكثر هؤلاء المذكورين فعلُ الركعتين بعد العصر، ولا يلزم من إباحتهم الركعتين بورود النصّ فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقًا، فيكون هذا مذهبًا ثالثًا مفصلًا بين الركعتين، وما زاد عليهما.
وقال ابن عبد البرّ: قال قائلون: لا بأس بالتطوع بعد الصبح والعصر؛ لأن النهي إنما قُصِد به ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها.
واحتجُّوا بقوله ﷺ : "لا تصلوا بعد العصر، إلَّا أن تصلوا، والشمس مرتفعة"، وبقوله ﷺ : "لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها"، وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح، والعصر، إذا لَمْ يكن عند الطلوع، والغروب، قالوا: فالنهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر هذا معناه، وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع الذريعة؛ لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح، والعصر، لَمْ يُؤْمَنْ التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس، وحين غروبها، هذا مذهب ابن عمر، قال: أما أنا فلا أنهى أحدًا يصلي من ليل، أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، فإن رسول اللَّه ﵃ عن ذلك، ذكره عبد الرزاق، قال العراقيّ: وهو في "صحيح البخاريّ".
قال ابن عبد البرّ: هو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ورُوِيَ عن ابن مسعود مثله، وهو مذهب عائشة، قالت: أوهم عمر،
стр. 9506
إنما نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس، أو غروبها.
وقال محمد بن سيرين: تكره الصلاة في ثلاث ساعات: بعد صلاة العصر، وبعد الصبح، ونصف النهار في شدة الحرّ، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها، وحين تصفر حتى يستوي غروبها. انتهى.
وهو مذهب رابع؛ لأن المذكورين قبله لَمْ يكرهوا الصلاة بعد الصبح، والعصر، وهذا كرهها.
قال في "الطرح": فإن قلت: هذا مذهب الحنفية؛ لأنهم اقتصروا في كتبهم على الكراهة في هاتين الصورتين، وعَبَّرُوا في الصور الأخرى بعدم الجواز.
قلت: هو كذلك، ومع ذلك، فيخالفهم؛ لأنه ضم حالة الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة، وهم ضمّوها إلى طلوع الشمس وغروبها في عدم الجواز.
وذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى التحريم في حالتي الطلوع، والغروب، والكراهة فيما بعد العصر، والصبح.
ثم قال ابن عبد البرّ: وقال آخرون: لا يجوز بعد الصبح؛ أي: ويجوز بعد العصر، وممن ذهب إليه ابن عمر، ثم روى بإسناده عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: ماتت عمتي، وقد أوصت أن يصلي عليها عبد اللَّه بن عمر، فجئته حين صلينا الصبح، فأعلمته، فقال: اجلس، فجلست حتى طلعت الشمس، وصَفَت، ثم قام، فصلى عليها، قالوا: فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر، قد كرهها بعد الصبح.
فهذه مذهب خامس في المسألة، وبه قال ابن حزم الظاهري: مَنَعَ الصلاةَ بعد صلاة الصبح، وجوّزها بعد صلاة العصر إلى الاصفرار؛ لحديث الركعتين، ولحديث عليّ ﵁: "أن النبيّ ﷺ نَهَى عن الصلاة بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعةٌ"، وهو في "سنن أبي داود"، وإسناده صحيح، وزاد عليه داود
стр. 9507
الظاهريّ، فجوّزها إلى غروب الشمس، ورأى النهيَ عن ذلك منسوخًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوعة، مطلقًا، إلَّا ذوات الأسباب، وهذا مذهب الشافعي، وطائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
والمراد بذوات الأسباب: هي التي لها سبب متقدّم عليها، مثل الفائتةِ، فريضةً كانت أو نافلةً، وصلاةِ الجنازة، وسجودِ التلاوة، والشكرِ، وصلاةِ الكسوف، وصلاةِ الاستسقاء، وصلاةِ الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، ونحوِ ذلك.
وكذا يستثنى من النهي الصلاةُ بعد الحصر، والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ.
أما استثناء ذوات الأسباب؛ فللأدلة الكثيرة:
(منها): حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "من نَسِيَ صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يُصَلِيها إذا ذكرها"، متفق عليه، واللفظ لمسلم، ففيه دلالةٌ على أن من تذكر، أو استيقظ في هذه الأوقات، فعليه أن يصلي الصلاة.
(ومنها): حديث أم سلمة ﵂ أن النبيّ ﷺ : صلى ركعتين بعد العصر، فلما انصرف، قال: "يا بنت أبي أمَيَّةَ سألتِ عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان، بعد العصر"، رواه الشيخان.
(ومنها): أن عائشة ﵂ قالت: "صلاتان لَمْ يكن النبيّ ﷺ يدعهما سرًا، ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد صلاة العصر"، رواه الشيخان.
(ومنها): حديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لَمْ يصليا معه، قال: "عَلَيَّ بهما"،
стр. 9508
فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول اللَّه إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة"، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى (١).
أقول: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح؛ لما ذكرنا.
قال الإمام ابن حبان ﵀ في "صحيحه": أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ووصيف بن عبد اللَّه الحافظ بـ "أنطاكية"، قالا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جدّه قيس بن قهد "أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلّم رسول اللَّه ﷺ ، قام يركع ركعتي الفجر، ورسول اللَّه ﷺ ، ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه". انتهى (٢).
أقول: هذا إسناد صحيح.
وكذا ما ورد في تحية المسجد يوم الجمعة، والإمام يخطب، مع أن الوقت وقت استماع، للخطبة، ففي رواية الشيخين من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي رواية مسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
فأمرُه ﷺ الداخل حال الخطبة بصلاة ركعتين، والتجوّز فيهما يدل على أن تحية المسجد تجوز، وإن كان الوقت وقت استماع الخطبة، ومثله الأوقات المذكورة، واللَّه -تعالى- أعلم.
وأما استثناء الصلاة بعد العصر، والشمسُ مرتفعة، فلحديث عليّ ﵁ قال: "نَهَى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة بعد العصر، إلَّا أن تكون الشمس بيضاءَ نَقِيَّة مرتفعة"، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح.
والحاصل أن أقوى المذاهب في هذه المسألة مذهب من قال: إن ذوات
стр. 9509
الأسباب تجوز في هذه الأوقات دون ما سواها؛ للأدلة التي ذُكِرَتْ وغيرها، وكذا الصلاةُ بعد العصر، والشمس مرتفعة؛ لما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ قد حقّق هذا الموضوع في "الفتاوى الكبرى" أحببت أن أختم البحث به؛ لنفاسته، قال ﵀:
ومن هذا الباب فعل الصلاة التي لها سبب، مثل تحية المسجد بعد الفجر والعصر، فمن العلماء من يستحب ذلك، ومنهم من يكرهه كراهة تحريم، أو تنزيه، والسنة إما أن تستحبه، وإما أن تكرهه، والصحيح قول من استحب ذلك، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها طائفة من أصحابه، فإن أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، مثل قوله ﷺ : "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"، عموم خصوص خُصَّ منها صلاة الجنائز باتفاق المسلمين، وخُصّ منها قضاء الفوائت بقوله: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح"، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه قضى ركعتي الظهر بعد العصر، وقال للرجلين اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر في مسجد الخيف: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة"، وقد قال: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى فيه أية ساعة شاء، من ليل أو نهار".
فهذه النصوص تُبَيِّن أن ذلك العموم خرجت منه صُوَرٌ، وأما قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فهو أمر عامّ لَمْ يُخَصّ منه سورة، فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص، بل العموم المحفوظ أولى من العموم المخصوص.
وأيضًا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشدّ من الصلاة بعد الفجر والعصر، وقد ثبت عنه في "الصحيح" أنه ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهي، فكذلك في وقت ذلك النهي وأولى، ولأن أحاديث النهي في بعضها: "لا تتحرَّوا بصلاتكم"، فنهى عن التحري للصلاة ذلك الوقت، ولأن
стр. 9510
من العلماء من قال: إن النهي فيها نهي تنزيه لا تحريم، ومن السلف من جوَّز التطوع بعد العصر مطلقًا، واحتجوا بحديث عائشة ﵂؛ لأن النهي عن الصلاة إنما كان سدًّا للذريعة إلى التشبه بالكفار، وما كان منهيًّا عنه للذريعة، فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة، كالصلاة التي لها سبب، تفوت بفوات السبب إن لَمْ تفعل فيه، وإلا فاتت المصلحة، والتطوع المطلق لا يحتاج إلى فعله وقت النهي، فإن الإنسان لا يستغرق الليل والنهار بالصلاة، فلم يكن في النهي تفويت مصلحة، وفي فعله فيه مفسدة، بخلاف التطوع الذي له سبب يفوت كسجدة التلاوة، وصلاة الكسوف، ثم إنه إذا جاز ركعتا الطواف مع إمكان تأخير الطواف، فما يفوت أولى أن يجوز.
وطائفة من أصحابنا يجوّزون قضاء السنن الرواتب دون غيرها؛ لكون النبي ﷺ قضى ركعتي الظهر، ورُوي عنه أنه رَخَّص في قضاء ركعتي الفجر، فيقال: إذا جاز قضاء السنة الراتبة مع إمكان تأخيرها، فما يفوت كالكسوف، وسجود التلاوة، وتحية المسجد أولى أن يجوز، بل قد ثبت بالحديث الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت، مع أنه قد يُستحب تأخير قضائها، كما أخّر النبيّ ﷺ قضاء الفجر لَمّا نام عنها في غزوة خيبر، وقال: "إن هذا وادٍ حضرنا فيه الشيطان"، فإذا جاز فعل ما يمكن تأخيره، فما لا يمكن، ولا يستحب تأخيره أولى. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ يؤيّد ما أسلفته من ترجيح القول بجواز ذوات الأسباب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢١] (٨٢٦) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ دَاوُدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 9511
مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بالتصغير الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] من أفراد المصنّف ﵀ تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٨.
٣ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (منصورُ) بن زاذان -بزاي، وذال معجمة- الواسطيّ، أبو المغيرة الثّقَفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠١٩.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس، وهو رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفَيع -بالتصغير- ابن مِهْران، أبو العالية الرياحيّ -بكسر الراء، والتحتانية- ثقةٌ كثير الإرسال [٢] مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٢٥.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه البحر الحبر ﵄، تقدّم قبل بابين.
٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁، تقدّم قبل بابين أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين بغداديين، وهما شيخاه، وواسطيين وهما هشيم ومنصور، وبصريِّينَ وهم قتادة، وأبو العا لية، وابنُ عباس، ومدنيّ، وهو عمر بن الخطاب ﵃.
стр. 9512
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أنه (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ) هو: الرِّياحيّ -بالياء التحتانية- رُفَيع بن مهران، قال الحافظ ﵀: وقع مُصَرحًا به عند الإسماعيليّ من رواية غندر، عن شعبة. انتهى.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (وَكَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ) جملة "كان" معترضة بين العامل ومعموله، ولفظ البخاري: "شَهِدَ عندي رجال مرضيُّون، وأرضاهم عندي عمر".
قال ابن دقيق العيد ﵀: في هذا الحديث ردّ على الرافضة فيما يدّعونه من المباينة بين أهل البيت، وأكابر الصحابة ﵃. انتهى (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": لَمْ يقع لنا تسمية الرجال الذين حَدَّثوا ابنَ عباس بهذا الحديث، وبلغني أن بعض من تكلم على "العمدة" تجاسر، وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب عن فلان، وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بَيّنًا، فلا حول ولا قوة إلَّا باللَّه. انتهى (٢).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ) أي: بعد أداء صلاة الصبح؛ لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه متعلقًا بالوقت، إذ لا بد من أداء الصبح، فتعيّن التقدير المذكور، أفاده في "الفتح".
(حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، كلاهما عن قتادة التالية: "حتى تُشْرِقَ الشمس"، وكذا هو عند البخاريّ، قال في "الفتح": بضم أوله من أشرق، يقال: أشرقت الشمس: ارتفعت، وأضاءت، قال الحافظ: ويؤيده حديث أبي سعيد بلفظ: "حتى ترتفع الشمس"،
стр. 9513
ويروى بفتح أوله، وضم ثالثه بوزن تَغْرُبَ، يقال: شَرَقَت الشمس: أي: طلعت.
ويجمع بين روايتي الطلوع والإشراق بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي: حتى تطلع مرتفعةً، أفاده في "الفتح".
(وَ) نهى أيضًا عن الصلاة (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: سد أداء صلاة العصر (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ") قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "نَهَى عن الصلاة بعد الصبح" أي: بعد صلاة الصبح، و"بعد العصر" أي: بعد صلاة العصر، فإن الأوقات المكروهة على قسمين:
[منها]: ما تتعلق الكراهة فيه بالفعل، بمعنى أنه إن تأخر الفعل لَمْ تُكره الصلاة قبله، وإن تقدم في أول الوقت كُرهت، وذلك في صلاة الصبح، وصلاة العصر، فعلى هذا يَختَلف وقت الكراهة في الطول والقصر.
[ومنها]: ما يتعلق فيه الكراهة بالوقت، كطلوع الشمس إلى الارتفاع، ووقت الاستواء، ولا يحسن أن يكون في هذا الحديث الحكم مُعَلَّقًا بالوقت، بل لا بد من أداء صلاة الصبح، وصلاة العصر، فتعيّن أن يكون المراد بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
قال: وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وعن بعض المتقدمين، والظاهرية فيه خلافٌ من بعض الوجوه. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢١ و ١٩٢٢] (٨٢٦)، و (البخاريّ) في (٥٨١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٧٦)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/
стр. 9514
١٨ و ٢٠ و ٣٩ و ٥٠ و ٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٢٣ و ١١٢٤ و ١١٢٥ و ١١٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٦٨ و ١٨٦٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ع) وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (ع) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سَعِيدٍ وَهِشَامٍ: "بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شَدّاد، أبو خثيمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدْوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله ثمان وسبعون (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج ﵀، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِي) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٥ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (سَعِيدُ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيفُ، كثير التدليس، واختَلَطَ، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
стр. 9515
٨ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ) بن أبي عبد اللَّه الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٩ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر، وزانُ جعفر، أبو بكر البصريّ الدّستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) وله ثمان وسبعون سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
١٠ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة، ذُكر قبله.
وقوله: (حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بضم التاء، وكسر الراء، وهكذا أشار إليه القاضي عياض في "شرح مسلم"، وضبطناه أيضًا بفتح التاء، وضم الراء، وهو الذي ضبطه أكثر رواة بلادنا، وهو الذي ذكره القاضي عياض في "المشارق"، قال أهل اللغة: يقال: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق: أي: طلَعَت، على وزن طَلَعَت تَطْلُعُ، وغَرَبت تَغْرُب، ويقال: أشَرَقَت تُشْرِقُ: أي: ارتفعت، وأضاءت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]؛ أي: أضاءت، فمن فتح التاء هنا احتَجّ بأن باقي الروايات قبل هذه الرواية وبعدها: "حتى تطلُع الشمس"، فوجب حمل هذه على موافقتها، ومن قال بضم التاء احتَجَّ له القاضي بالأحاديث الأُخَر في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تَبْرُز، وحديث "ثلاثُ ساعاتٍ. . . " وفيه: "حين تطلُع الشمس بازغَةً حتى ترتفع"، قال: وهذا كله يبيّن أن المراد بالطلوع في الروايات الأُخَر ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قُرْصها، وهذا الذي قاله القاضي صحيحٌ متعينٌ، لا عدول عنده؛ للجمع بين الروايات. انتهى كلام النوويُّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) الضمير لشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ؛ يعني: أن كل هؤلاء الثلاثة رووا عن قتادة، بإسناده الماضي، وهو: عن أبي العالية، عن ابن عبّاس، عمن حدّثه من الصحابة، ومنهم عمر بن الخطّاب ﵁، وهو أحبّهم إليه.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣١٦) فقال:
стр. 9516
(١١٢٣) حدّثنا أبو قلابة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: أخبرني قتادة، قال: سمعت أبا العالية يحدِّث عن ابن عباس، قال: شَهِدَ عندي رجال مرضيون، فيهم عمر، وأرضاهم عندي عمر: "أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس". انتهى.
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها أبو عوانة أيضًا (١/ ٣١٧) فقال:
(١١٢٥) حدّثنا أبو عليّ الزعفرانيّ، قال: ثنا عبد الوهاب (ع) وحدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا رَوْحُ بن عُبَادة، قالا: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، فيهم عمر، وأرضاهم عندي عمر: "أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس". انتهى.
وأما رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٥٨١) حدّثنا حفص بن عمر، قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: "أن النبيّ ﷺ نَهَى عن الصلاة بعد الصبح حتى تُشْرِق الشمسُ، وبعد العصر حتى تغرب"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٣] (٨٢٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ").
стр. 9517
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) وقد جاز الثمانين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٦.
٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، استُصْغِر بأُحد، ثم شَهِد ما بعدها، ومات بالمدينة سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقون تقدّموا قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) سعد بن مالك ﵄ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أي: بعد أدائها (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: بعد أدائها (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ") قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: "صيغة النفي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل، كان الأولى حَمْلُها على نفي الفعل الشرعيّ، لا على نفي الفعل الوجوديّ، فيكون قوله: "لا صلاة بعد الصبح" نفيًا للصلاة الشرعية، لا الحسية، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظاهر أن الشارع يُطْلِق ألفاظه على عُرْفه، وهو الشرعيّ، وأيضًا فإنا إذا حملناه على الفعل الحسيّ، وهو غير منتفٍ احتجنا إلى إضمار؛ لتصحيح اللفظ، وهو المسمى بدلالة الاقتضاء، وينشأ النظر في أن
стр. 9518
اللفظ يكون عامًّا، أو مجملًا، أو ظاهرًا في بعض المحامل، أما إذا حملناه على نفي الحقيقة الشرعية لَمْ نَحتج إلى إضمار، فكان أولى.
ومن هذا البحث يُطَّلَع على كلام الفقهاء في قوله ﷺ : "لا نكاح إلَّا بوليّ"، فإنك إذا حملته على الحقيقة الشرعية لَمْ تحتج إلى إضمار، فإنه يكون نفيًا للنكاح الشرعيّ، وإن حملته على الحقيقة الحسية، وهي غير منتفية عند عدم الوليّ حسًّا احتجت إلى إضمار، فحينئذ يُضْمِر بعضهم الصحة، وبعضهم الكمال، وكذلك قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل". انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وقال في "الفتح": وحَكَى أبو الفتح اليَعْمُريّ عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يُتَطَوَّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي، كما قَصَدَ به وقت الطلوع، ووقت الغروب.
قال: ويُؤَيِّد ذلك ما رواه أبو داود، والنسائيّ في سناد حسنٍ (٢) عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُصَلُّوا بعد الصبح، ولا بعد العصر، إلَّا أن تكون الشمس نقيَّة"، وفي رواية: "مرتفعةً".
فدَلَّ على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع، ووقت الغروب، وما قاربهما واللَّه أعلم. انتهى (٣).
[تنبيه]: لفظ البخاريّ في هذا الحديث: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس"، قال ابن دقيق العيد ﵀: وفي هذا الحديث زيادة على الأول -يعني حديث عمر ﵁ فإنه مدّ الكراهة إلى ارتفاع الشمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنده صفرة الشمس أو حمرتها،
стр. 9519
وهو مقدَّر بقدر رُمْحٍ أو رمحين. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٣] (٨٢٧)، و (البخاريّ) في "المواقيت" (٥٨٦) و"فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة" (١١٨٨ و ١١٩٧) و"كتاب جزاء الصيد" (١٨٦٤) و"الصوم" (١٩٩٢ و ١٩٩٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦٧ و ٥٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٤] (٨٢٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَحَرَّى (٢) أَحَدُكُمْ، فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوَعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٢ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ أبو عبد الرحمن الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
стр. 9520
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٢٠) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد على الإطلاق عند الإمام البخاريُّ، كما أخرجه الحاكم عنه، وروى الخطيب البغداديّ بسنده عن يحيى بن بكرٍ أنه قال لأبي زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زعزعة عن زَوْبعة، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبيّ ﷺ والصحابة، حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ (١).
٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة من الصحابة ﵃، وُلد بعد المبحث بيسير، واستُصغِر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة، وكان من أشدّ الناس اتّباعأ للأثر، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ) كذا في معظم النسخ "يَتَحَرَّى" بإثبات الألف، ووقع في بعضها بلفظ: "لا يتحرَّ" بحذف الألف، وهو الذي في نسخة "شرح الأبّيّ".
وقال في "الطرح": قوله: "لا يتحرى" وكذا وقع في "الموطأ" و"الصحيحين" بإثبات الألف، وكان الوجه حذفها؛ ليكون علامة جزمه، ولكن الإثبات إشباع، فهو على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، فيمن قرأ بإثبات الياء. انتهى (٢).
стр. 9521
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى من دعوى الإشباع أن تكون "لا" نافية، والفعل مرفوع، وهو خبر، فيكون النفي بمعنى النهي المؤكّد؛ لأن النفي المستفاد من النهي آكد، كما أسلفناه غير مرّة.
قال السهيليّ ﵀: يجوز الخبر عن مستقرّ أمر الشرع؛ أي: لا يكون إلَّا هذا. انتهى (١).
وأما حذفها، فتكون "لا" فيه ناهية، والفعل مجزوم بها، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الكاشف": "لا يتحرّى" نفي بمعنى النهي، يقال: فلان يتحرّى الأمرَ: أي: يتوخّاه ويقصده، ومن الحرَى اشتُقّ التحريّ في الأماكن ونحوها، وهو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظنّ، كما اشتُقّ التقمّنُ من القَمَن، ولفظ الحديث يَحْتَمل وجهين: التحرّي بمعنى التوخّي والقصد؛ أي: لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشممس، أو تغرب، ويتوخّاه، فيصلي فيه، والآخر: التحرّي بمعنى طلب ما هو أحرى بالاستعمال؛ أي: لا يصلّي في ذلك الوقت ظنًّا منه أنه قد عَمِل بما هو الأحري، والأول أوجه، وأبلغ في معنى المراد. انتهى (٢).
(فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) قال في "الفتح": بنصب "يُصَلِّي"، والمراد نفي التحرّي والصلاة معًا، ويجوز الرفع: أي: لا يتحرَّى أحدكم الصلاة في وقت كذا، فهو يصلي فيه، وقال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة أوجه: الجزم على العطف؛ أي: لا يتحرَّ، ولا يصلِّ، والرفع على القطع؛ أي: لا يتحرَّي، فهو يصلي، والنصب على جواب النهي، والمعنى: لا يتحرَّى مصليًا.
وقد وقع في رواية القعنبيّ في "الموطأ": "لا يتحرَّى أحدكم أن يصلي"، ومعناه: لا يتحرى الصلاة، قاله في "الفتح" (٣).
стр. 9522
وقال الطيبيّ: قوله: "فيصلي" نصب على إضمار "أن" وهو جواب النهي، ويجوز أن يتعلّق بالفعل المنهيّ عنه أيضًا، فالفعل المنهيّ معلّلٌ في الأول، والفعل المعلّل منهيّ في الثاني، أما تقدير الثاني: فلا يتحرّى أحدكم فِعلًا يكون سببًا لوقوع الصلاة في زمان الكراهية، وعلى الأول كأنه لَمّا قيل: "لا يتحرّى أحدكم"، قيل: لماذا نهينا عن ذلك؛ فقيل: خِيفة أن تصلُّوا أوان الكراهية. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٤ و ١٩٢٥] (٨٢٨) و [٥٢/ ٩٢٦] (٨٢٩)، (والبخاريّ) في "المواقيت" (٥٨٥) و (٥٨٩) و"فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة" (١١٩٢) و"الحجّ" (١٦٢٩) و"بدء الخلق" (٣٢٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤١٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦٣ و ٥٦٤) و"الكبرى" (١٥٤٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ١٩ و ٢٤ و ٢٩ و ٣٣ و ٣٦ و ٦٣ و ١٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٣٠ و ١١٣١ و ١١٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧١ و ١٨٧٢ و ١٨٧٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ").
стр. 9523
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٦ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأَسَديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٧ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل بابين.
٨ - (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ذُكر قبله.
وقوله: (لَا تَحَرَّوْا) أصله لا تتحرّوا بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يَقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
وقوله: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب قعد (بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "بقرني شيطان" في حديث ابن عمر، وفي حديث عمرو بن عَبَسَة: "بين قرني شيطان"، قيل: المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه، وقيل: قُوّته وغلبته، وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يُدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكّن من أن يُلَبِّسوا على المصلين صلاتهم، فكُرهت الصلاة حينئذ؛ صيانةً لها، كما كُرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان.
وفي رواية لأبي داود، والنسائيّ في حديث عمرو بن عَبَسَة: "فإنها تطلُع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار".
وفي بعض أصول مسلم في حديث ابن عمر هنا: "بقرني الشيطان" بالألف واللام.
стр. 9524
وسُمِّي شيطانًا؛ لتَمَرُّده وعُتُوِّه، وكلُّ ماردٍ عاتٍ شيطانٌ.
والأظهر أنه مُشتقّ من شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لبعده من الخير والرحمة، وقيل: مشتق من شاط: إذا هلك واحترق. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١).
وقال الخطابيّ ﵀: اختلفوا في تأويله على وجوه: فقال قائل: معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوّها للغروب على معنى ما رُوي: "إن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها"، فحُرِّمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك، وقيل: معنى قرن الشيطان قوّته من قولك: أنا مُقْرِن لهذا الأمر؛ أي: مطيق له، قويّ عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]: أي: مطيقين، وذلك أن الشيطان إنما يَقْوَى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يُسَوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة.
وقيل: قرنه حزبه، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرنٌ؛ أي: نَشْءٌ جاؤوا بعد قرن مضى.
وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتسويفه، وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تُعالج الأشياء، وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دَفَعُوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرَّت الشمس، صار ذلك منهم بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدافعه، بأرواقها، واللَّه أعلم.
وفيه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار عبادةً له. انتهى كلام الخطابيّ ﵀ (٢).
وهذا الوجه الخامس هو الراجح، كما سبق ترجيح النوويُّ ﵀ له؛ لكونه أوفق لظاهر النصّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن قُتيبة ﵀ في "تأويل مختلف الحديث" في الردّ على من أنكر
стр. 9525
الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس؛ لطلوعها بين قرني الشيطان: قال:
فَكَرِه لنا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي في الوقت الذي يَسْجُد فيه عَبَدَة الشمس للشمس، وأعلمنا أن الشياطين حينئذ، أو أن إبليس في ذلك الوقت في جهة مطلع الشمس، فهم يسجدون له بسجودهم للشمس، ويَؤُمُّونه، ولم يُرِدْ بالقرن ما تَصَوَّروا في أنفسهم من قرون البقر، وقرون الشاء، وإنما القرن ههنا حرف الرأس، وللرأس قرنان؛ أي: حرفان وجانبان، ولا أرى القرن الذي يطلع في ذلك الموضع سُمِّي قرنًا إلَّا باسم موضعه، كما تسمي العرب الشيءَ باسم ما كان له موضعًا أو سببًا، فيقولون رَفَعَ عَقِيرته، يريدون صوته؛ لأن رجلًا قُطِعت رجله فرفعها، واستغاث من أجلها، فقيل لمن رفع صوته: رفع عقيرته، ومثلُ هذا كثير في كلام العرب، وكذلك قوله في المشرق: "من ههنا يطلع قرن الشيطان"، لا يريد به ما يَسْبِق إلى وهم السامع من قرون البقر، وإنما يريد: من ههنا يطلع رأس الشيطان.
وكان وهب بن منبّه يقول في ذي القرنين: إنه رجل من أهل الإسكندرية، واسمه الإسكندروس، وأنه كان حَلَمَ حُلْمًا رأى فيه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقَصَّ رؤياه على قومه، فسَمَّوه ذي القرنين، وأراد بأخذه بقرنيها أنه أخذ بجانبيها.
والقرون أيضًا خُصَل الشعر، كل خُصْلة قَرْن، ولذلك قيل للروم: ذات القرون، يراد أنهم يطوّلون الشعور، فأراد ﷺ أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع الشمس، وعند سجود عَبَدَتها لها مائل مع الشمس، فالشمس تجري من قبل رأسه، فأَمَرَنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه هؤلاء، ويصلّون للشمس وللشيطان، وهذا أمر مُغَيَّبٌ عنا، لا نعلم منه إلَّا ما عُلِّمنا، والذي أخبرتك به شيء يحتمله التأويل، ويباعده عن الشناعة، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن قتيبة ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح التأويل في