قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأولى من دعوى الإشباع أن تكون "لا" نافية، والفعل مرفوع، وهو خبر، فيكون النفي بمعنى النهي المؤكّد؛ لأن النفي المستفاد من النهي آكد، كما أسلفناه غير مرّة.
قال السهيليّ ﵀: يجوز الخبر عن مستقرّ أمر الشرع؛ أي: لا يكون إلَّا هذا. انتهى (١).
وأما حذفها، فتكون "لا" فيه ناهية، والفعل مجزوم بها، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الكاشف": "لا يتحرّى" نفي بمعنى النهي، يقال: فلان يتحرّى الأمرَ: أي: يتوخّاه ويقصده، ومن الحرَى اشتُقّ التحريّ في الأماكن ونحوها، وهو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظنّ، كما اشتُقّ التقمّنُ من القَمَن، ولفظ الحديث يَحْتَمل وجهين: التحرّي بمعنى التوخّي والقصد؛ أي: لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشممس، أو تغرب، ويتوخّاه، فيصلي فيه، والآخر: التحرّي بمعنى طلب ما هو أحرى بالاستعمال؛ أي: لا يصلّي في ذلك الوقت ظنًّا منه أنه قد عَمِل بما هو الأحري، والأول أوجه، وأبلغ في معنى المراد. انتهى (٢).
(فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) قال في "الفتح": بنصب "يُصَلِّي"، والمراد نفي التحرّي والصلاة معًا، ويجوز الرفع: أي: لا يتحرَّى أحدكم الصلاة في وقت كذا، فهو يصلي فيه، وقال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة أوجه: الجزم على العطف؛ أي: لا يتحرَّ، ولا يصلِّ، والرفع على القطع؛ أي: لا يتحرَّي، فهو يصلي، والنصب على جواب النهي، والمعنى: لا يتحرَّى مصليًا.
وقد وقع في رواية القعنبيّ في "الموطأ": "لا يتحرَّى أحدكم أن يصلي"، ومعناه: لا يتحرى الصلاة، قاله في "الفتح" (٣).
стр. 9522
وقال الطيبيّ: قوله: "فيصلي" نصب على إضمار "أن" وهو جواب النهي، ويجوز أن يتعلّق بالفعل المنهيّ عنه أيضًا، فالفعل المنهيّ معلّلٌ في الأول، والفعل المعلّل منهيّ في الثاني، أما تقدير الثاني: فلا يتحرّى أحدكم فِعلًا يكون سببًا لوقوع الصلاة في زمان الكراهية، وعلى الأول كأنه لَمّا قيل: "لا يتحرّى أحدكم"، قيل: لماذا نهينا عن ذلك؛ فقيل: خِيفة أن تصلُّوا أوان الكراهية. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٤ و ١٩٢٥] (٨٢٨) و [٥٢/ ٩٢٦] (٨٢٩)، (والبخاريّ) في "المواقيت" (٥٨٥) و (٥٨٩) و"فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة" (١١٩٢) و"الحجّ" (١٦٢٩) و"بدء الخلق" (٣٢٧٢)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٤١٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦٣ و ٥٦٤) و"الكبرى" (١٥٤٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ١٩ و ٢٤ و ٢٩ و ٣٣ و ٣٦ و ٦٣ و ١٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١١٣٠ و ١١٣١ و ١١٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧١ و ١٨٧٢ و ١٨٧٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ").
стр. 9523
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٦ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأَسَديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٧ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم قبل بابين.
٨ - (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ذُكر قبله.
وقوله: (لَا تَحَرَّوْا) أصله لا تتحرّوا بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يَقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
وقوله: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب قعد (بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "بقرني شيطان" في حديث ابن عمر، وفي حديث عمرو بن عَبَسَة: "بين قرني شيطان"، قيل: المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه، وقيل: قُوّته وغلبته، وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى، قالوا: ومعناه أنه يُدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكّن من أن يُلَبِّسوا على المصلين صلاتهم، فكُرهت الصلاة حينئذ؛ صيانةً لها، كما كُرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان.
وفي رواية لأبي داود، والنسائيّ في حديث عمرو بن عَبَسَة: "فإنها تطلُع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار".
وفي بعض أصول مسلم في حديث ابن عمر هنا: "بقرني الشيطان" بالألف واللام.
стр. 9524
وسُمِّي شيطانًا؛ لتَمَرُّده وعُتُوِّه، وكلُّ ماردٍ عاتٍ شيطانٌ.
والأظهر أنه مُشتقّ من شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لبعده من الخير والرحمة، وقيل: مشتق من شاط: إذا هلك واحترق. انتهى كلام النوويُّ ﵀ (١).
وقال الخطابيّ ﵀: اختلفوا في تأويله على وجوه: فقال قائل: معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوّها للغروب على معنى ما رُوي: "إن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها"، فحُرِّمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك، وقيل: معنى قرن الشيطان قوّته من قولك: أنا مُقْرِن لهذا الأمر؛ أي: مطيق له، قويّ عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]: أي: مطيقين، وذلك أن الشيطان إنما يَقْوَى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يُسَوّل لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة.
وقيل: قرنه حزبه، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرنٌ؛ أي: نَشْءٌ جاؤوا بعد قرن مضى.
وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم، وتسويفه، وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تُعالج الأشياء، وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دَفَعُوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرَّت الشمس، صار ذلك منهم بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدافعه، بأرواقها، واللَّه أعلم.
وفيه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار عبادةً له. انتهى كلام الخطابيّ ﵀ (٢).
وهذا الوجه الخامس هو الراجح، كما سبق ترجيح النوويُّ ﵀ له؛ لكونه أوفق لظاهر النصّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن قُتيبة ﵀ في "تأويل مختلف الحديث" في الردّ على من أنكر
стр. 9525
الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس؛ لطلوعها بين قرني الشيطان: قال:
فَكَرِه لنا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي في الوقت الذي يَسْجُد فيه عَبَدَة الشمس للشمس، وأعلمنا أن الشياطين حينئذ، أو أن إبليس في ذلك الوقت في جهة مطلع الشمس، فهم يسجدون له بسجودهم للشمس، ويَؤُمُّونه، ولم يُرِدْ بالقرن ما تَصَوَّروا في أنفسهم من قرون البقر، وقرون الشاء، وإنما القرن ههنا حرف الرأس، وللرأس قرنان؛ أي: حرفان وجانبان، ولا أرى القرن الذي يطلع في ذلك الموضع سُمِّي قرنًا إلَّا باسم موضعه، كما تسمي العرب الشيءَ باسم ما كان له موضعًا أو سببًا، فيقولون رَفَعَ عَقِيرته، يريدون صوته؛ لأن رجلًا قُطِعت رجله فرفعها، واستغاث من أجلها، فقيل لمن رفع صوته: رفع عقيرته، ومثلُ هذا كثير في كلام العرب، وكذلك قوله في المشرق: "من ههنا يطلع قرن الشيطان"، لا يريد به ما يَسْبِق إلى وهم السامع من قرون البقر، وإنما يريد: من ههنا يطلع رأس الشيطان.
وكان وهب بن منبّه يقول في ذي القرنين: إنه رجل من أهل الإسكندرية، واسمه الإسكندروس، وأنه كان حَلَمَ حُلْمًا رأى فيه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقَصَّ رؤياه على قومه، فسَمَّوه ذي القرنين، وأراد بأخذه بقرنيها أنه أخذ بجانبيها.
والقرون أيضًا خُصَل الشعر، كل خُصْلة قَرْن، ولذلك قيل للروم: ذات القرون، يراد أنهم يطوّلون الشعور، فأراد ﷺ أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع الشمس، وعند سجود عَبَدَتها لها مائل مع الشمس، فالشمس تجري من قبل رأسه، فأَمَرَنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه هؤلاء، ويصلّون للشمس وللشيطان، وهذا أمر مُغَيَّبٌ عنا، لا نعلم منه إلَّا ما عُلِّمنا، والذي أخبرتك به شيء يحتمله التأويل، ويباعده عن الشناعة، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن قتيبة ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح التأويل في
стр. 9526
هذا الحديث أن المراد بقوله ﷺ : "بين قرني شيطان" على ظاهره، وأنه يدني رأسه للشمس في تلك الأوقات حتى تقع عبادة الشمس له، وهذا معنى ظاهر ملائم للنصّ، بل منصوص عليه، وكذا نصّ أيضًا بأن في نصف النهار تُسجر جهنم، فلا ينبغي العدول عما جاء عن الشارع من التعليل إلى التكلّفات بالتأويلات المظنونة.
ومن الغريب ما نقله الصنعانيّ في "حاشية العمدة" عن ابن عبد السلام أنه قال: لَمْ أقف على معنى كراهة الصلاة في الأوقات الخمس، ولا على معنى التعليل بطلوعها بين قرني الشيطان، ومقاربتها إياه في الاستواء، والتضيّف للغروب، وقد عُلّل ذلك بأن عُبّادها يصلّون في هذه الأوقات، وهذا لا يصحّ. إلى آخر كلامه (١).
وهذا أمر غريب، فهل هناك توضيح من أكثر توضيح النبيّ ﷺ وتعليله النهي عن الصلاة في هذه الأوقات بطلوع الشمس بين قرني الشيطان، وبكون الكفّار يسجدون لها حينئذ، فنهى عن التشبّه بهم في تلك الأوقات؟، فهذا أوضح تعليل، وأبين معنى للنهي المذكور، فتأمله تجده أوضح كالشمس، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وتخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٦] (٨٢٩) - (وَحَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَابْنُ بِشْرٍ (٣)، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا بَدَا حَاجِبُ
стр. 9527
الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ").
هذا الإسناد هو الإسناد الماضي بعينه.
وقوله: (إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ) "بدا" هنا غير مهموز، ومعناه: ظهر، و"حاجب الشمس": كناية عن طرفها الذي يبدو أَوّلًا، وقال القرطبيّ: حاجب الشمس: أول ما يبدو منها في الطلوع، وهو أول ما يغيب منها. انتهى (١).
وقوله: (حَتَّى تَبْرُزَ) بالتاء المثنّاة فوقُ: أي: حتى تصير الشمس بارزةً ظاهرةً، والمراد أن ترتفع، ويخرج وقت كراهة الصلاة، بأن تكون قدر رمح، كما سبق تحقيقه.
والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم الكلام قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٧] (٨٣٠) - (وَحَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم" (٣)، فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
стр. 9528
٣ - (خَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ) هو: خَيْر بن نُعَيم بن مرة بن كُريب، أبو نعيم، ويقال: أبو إسماعيل الحضرميّ المصريّ، القاضي بمصر وببَرْقَة، صدوقٌ فقيهٌ [٦].
رَوَى عن عبد اللَّه بن هُبيرة، وسهل بن مُعَلَّى بن أنس، وأبي الزبير، وعطاء، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، والليث، ويزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي أيوب، في آخرين.
قال أبو زرعة: صدوقٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ضمام بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب: ما أدركت من قُضاة مصر أفقه منه.
وقال ابن يونس: تُوُفِّي سنة (١٣٧).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، وله عند النسائيّ حديثان: هذا، وحديث في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ٢].
[تنبيه]: "الْحَضْرَميّ": -بفتح أوله، والراء، وسكون المعجمة- نسبة إلى حضرموت، بلد بأقصى اليمن، وقبيلة، قاله في "لب اللباب" ١/ ٢٤٩.
٤ - (ابْنُ هُبَيْرَةَ) هو: عبد اللَّه بن هُبيرة بن أسعد بن كهلان السَّبئيّ -بفتح المهملة والموحدة، ثم همزة مقصورة- الحضرميّ المصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مَسْلَمة بن مُخَلَّد، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبي تَمِيم الْجَيشانيّ، وعبد الرحمن بن جُبير، وبلال بن عبد اللَّه بن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم.
ورَوَى عنه بكر بن عمرو، وحيوة بن شُريح، وخير بن نُعَيم، وابن لَهِيعة، وجماعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال أبو داود: معروفٌ، ووثقه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 9529
وفي "صحيح مسلم" (١) من طريق ابن إسحاق: حدّثني يزيد، عن خير بن نُعَيم، عن عبد اللَّه بن هُبيرة، وكان ثقةً.
وقال ابن يونس: وُلد سنة الجماعة، ومات سنة ست وعشرين ومائة.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٥ - (أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ) -بجيم، وياء ساكنة، بعدها معجمة- عبد اللَّه بن مالك بن أبي الأسحم -بمهملتين- مشهور بكنيته الرُّعَينيّ المصريّ، أصله من اليمن، وُلِد هو وأخوه سيف في حياة النبيّ ﷺ ، وهاجر زمن عمر ﵁، ثقةٌ مخضرمٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وأبي بَصْرَة، وأبي ذر الغفاريين، وقيس بن سعد بن عُبادة، وعقبة بن عامر الجهنيّ.
ورَوى عنه عبد اللَّه بن هُبيرة، وبكر بن سَوَادة، وجعفر بن ربيعة، وأبو الخير مَرْثَد بن عبد اللَّه، وكعب بن علقمة التَّنُوخيّ، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد: كان من أعبد أهل مصر، وقال أبو يونس: قرأ القرآن على معاذ باليمن، وشَهِدَ فتح مصر، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات عن أهل مصر، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، مات قديمًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره الدُّولابيّ في الصحابة من "كتاب الكنى"، ولعل ذلك لإدراكه.
وقال ابن يونس: مات سنة سبع وسبعين.
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لَمْ يُعْلِم له المزيّ علامة البخاريّ، وقد أخرج له أثرًا، من رواية أبي الخير اليزنيّ عنه، وهو في الصلاة، وقد ذكره المزيّ في
стр. 9530
"الأطراف" في ترجمة أبي الخير، عن عقبة بن عامر. انتهى (١).
[تنبيه آخر]: "الجَيْشانيّ" -بفتح أوله، والمعجمة- نسبة إلى جيشان قبيلة من اليمن، وموضع. انتهى. "لب اللباب" ١/ ٢٢٩.
٦ - (أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ) هو: حُمَيل -مثلُ حُمَيد، لكن آخره لام، وقيل: بفتح أوله، وقيل: بالجيم- ابن بَصْرة -بفتح الموحدة- ابن وَقّاص بن حاجب بن غِفَار، أبو بصرة الغِفَاريّ الصحابيّ، سكن مصر، ومات بها.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي ذرّ ﵁.
ورَوَى عنه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو الخير مَرْثَد الْيَزَنيّ، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وأبو تميم الجيشانيّ، وغيرهم.
قال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، واختطّ بها، ومات بها، ودُفن في مقبرتها.
[تنبيه]: وقع في اسم أبي بصرة اختلاف، قيل: حَمِيل -بفتح الحاء- قاله الدراوَرْديّ في روايته، وذكر ابن المدينيّ عن بعض الْغِفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاريّ أنه وَهَمٌ.
وقيل: حُمَيل بالضمّ، وعليه الأكثر، وصححه ابن المدينيّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وابن ماكولا، ونَقَل الاتفاق عليه وغيرهم.
وقيل: جَمِيل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاريّ، وابن حبان أنه وَهَمٌ.
وقيل: اسمه زيد، حكاه الباروديّ، وقد قيل فيه: بصرة بن أبي بصرة، كأنه قلب، قاله في "التهذيب" (٢). واللَّه أعلم
أخرج له البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٣٠)، وحديث (٢٥٤٣): "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط. . . " الحديث.
[تنبيه]: "الغفاريّ": بالكسر، وتخفيف الفاء، وراء: نسبة إلى غفار بن
стр. 9531
مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. انتهى. "لب اللباب" ٢/ ١٣٤، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، إلَّا شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل مصر.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ابن هُبَيرة، عن أبي تَميم.
٤ - (ومنها): أن خير بن نعيم، وابن هُبَيرة، وأبا تَمِيم، وأبا بَصْرة، هذا الباب أول محل ذكرهم، وليس لهم في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، إلَّا أبا بصرة، فله حديث آخر، كما أسلفته آنفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَصْرَةَ) بالموحّدة، والصاد المهملة، تقدّم الخلاف في اسمه آنفًا (الْغِفَارِيِّ) أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ) -بميم مضمومة، وخاء معجمة مفتوحة، ثم ميم مفتوحة مشدّدة، وقيل: بميم مفتوحة، وخاء ساكنة، وميم مكسورة بعدها، وفي آخرها صاد مهملة-: اسم موضع معروف (١).
وفي "القاموس" وشرحه: و"المَخْمِص"، كَمَنْزِل، وضبطه الصاغاني، كمَقْعَد: اسم طريق في جبل عَيْرٍ إلى مكة -حرسها اللَّه تعالى-.
وقد جاء ذكره في الحديث، قال أبو صَخْرٍ الْهُذَلِيّ [من الطويل]:
فَجَلَّلَ ذَا عَيْرٍ وَوَالَى رهَامُهُ … وَعَن مَخْمِصِ الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِنَاكِبِ
انتهى (٢).
وعند أحمد من طريق ابن لَهِيعة، عن ابن هُبَيرة: "صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في واد من أوديتهم، يقال له المخمص صلاة العصر".
стр. 9532
(فَقَالَ) ﷺ ، ولأحمد "فلما انصرف قال": ("إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) أي: صلاة العصر (عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول، يقال: عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إِيَّاه (١). (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) وفي نسخة: "على من قبلكم"؛ أي: اليهود، والنصارى قاله القاري (فَضَيَّعُوهَا) أي: لَمْ يقوموا بحقّها، وما حافظوا على مراعاتها، فأهلكهم اللَّه تعالى، فاحذروا أن تكونوا مثلهم، ولذا قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: العصر على الصحيح، خصت بالمحافظة، قاله القاري.
وفي رواية لأحمد: "فَتَوَانَوْا فيها، وتَرَكُوها".
(فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا) ولأحمد: "فمن صلاها منكم" (كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) إحداهما: للمحافظة عليها، خلافًا لمن قبلهم، والثانية أجر عمله كسائر الصلوات، قاله الطيبيُّ ﵀، أو أجر للمحافظة على العبادة، وأجر لترك البيع والشراء بالزَّهَادة، فإن وقت العصر كان زمان سوقهم، وأوان شغلهم، وقال ابن حَجَرٍ الهَيْتَمِيّ: مرةً لفضلها؛ لأنَّها الوُسْطَى، ومرة للمحافظة عليها، ومشاركةُ بقية الصلوات لها في هذا لا يؤثر في تخصيصها بمجموع الأمرين، قاله في "المرقاة" (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الطيبيُّ ﵀ أظهر، فتأمل، واللَّه أعلم.
(وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا) أي: بعد صلاة العصر (حَتَّى يَطْلُعَ) تقدّم أنه بضمّ اللام، من باب قعد (الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ") مبتدأ وخبره، سُمِّي شاهدًا؛ لأنه يَشْهَدُ الليلَ؛ أي: يَحْضُر ويظهر فيه، ومنه قيل لصلاة المغرب: صلاة الشاهد، ويجوز أن يُحْمَل على الاستعارة، شُبِّهَ النجمُ عند طلوعه دليلًا على وجود الليل بالشاهد الذي تَثبتُ به الدَّعَاوِي، قاله الطيبيُّ ﵀ (٣).
وقال في "اللسان": ورَوَى شَمِر فِي حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁: أنه ذكر صلاة العصر، ثم قال: ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد، قال: قلنا لأبي أيوب: ما الشاهد؟ قال: النجم، كأنه يَشْهَدُ في الليل؛ أي: يَحْضُرُ،
стр. 9533
ويَظهَرُ، وصلاةُ الشاهد: صلاة المغرب، وهو اسمها، قال شَمِر: هو راجع إلى ما فسره أبو أيوب أنه النجم.
وقال غيره: وتسمى هذه الصلاة صلاة البَصَرِ؛ لأنه تُبْصَر في وقته نجوم السماء، فالبَصَرُ يدرك رؤية النجم، ولذلك قيل له: صلاة البصر.
وقيل في صلاة الشاهد: إِنَّها صلاة الفجر؛ لأن المسافر يُصَلّيها كالشاهد، لا يَقْصُرُ منها، قال [من الرجز]:
فَصَبَّحَتْ قَبْلَ أَذَانِ الأوَّلِ … تيْمَاءَ وَالصُّبْحُ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ
قَبْلَ صَلاةِ الشَّاهِدِ الْمُسْتَعْجِلِ
ورُويَ عن أبي سعيد الضرير أنه قال: صلاة المغرب تسمى شاهدًا؛ لاستواء المقيم والمسافر فيها، وأنها لا تقصر. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: اختلف العلماء في تأويل قوله: "حتى يطلع الشاهد"، فمنهم من حمله على كراهة التنفّل قبل المغرب حتى تُصلَّي، وهو قول من كَرِهَ ذلك من العلماء، وقال: قوله: "لا صلاة بعدها" إنما هو نهي عن التنفّل بعد العصر، فيستمرّ النهي حتى يُصلِّي المغربَ، فإذا فَرَغ منها جاز التنفّل، وحينئذ تطلُع النجوم غالبًا.
ومنهم: من قال: إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس، وإنما علّقه بطلوع الشاهد؛ لأنه مظنّةٌ له، والحكم يتعلّق بالغروب نفسه.
ومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفيٌّ يراه من كان حديد البصر بمجرّد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها.
وزعم بعضهم أن المراد بالشاهد الليل، وفيه بُعْدٌ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأظهر والأرجح أنه عَنَى بقوله: "حتى يطلع الشاهد" غروب الشمس؛ وذلك لأن ظهور النجم ورؤيته لا يكون إلَّا بغروبها، وهذا لا ينافي النصوص الثابتة أنه ﷺ صلى المغرب بغروب الشمس، كما في "الصحيحين" وغيرهما.
فلا حاجة لتضعيف هذا الحديث بالأحاديث التي دلّت على استحباب
стр. 9534
التعجيل في المغرب، كما أبداه في "الفتح"، حيث قال: واستُدلّ بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة الغفاريّ ﵁ رفعه في أثناء حديث: "ولا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد"، والشاهد النجم. انتهى (١).
فإن المراد برؤية الشاهد غروب الشمس، كما قرّرته آنفًا، فلا تنافي بين الأحاديث، فتبصّر.
والظاهر أن الحافظ ما استحضر إخراج مسلم له في "صحيحه"، ولذا لَمْ يتعرّض لإخراجه له، واللَّه تعالى أعلم.
وكذلك لا وجه لاستدلال النسائيِّ ﵀ بهذا الحديث على تأخير المغرب، وقد أوضحت ذلك في "شرح المجتبى" (٢)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قوله: "والشاهِدُ النجم"، يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا، كما هو ظاهر رواية المصنّف والنسائيّ.
ويَحْتَمِل أن يكون مُدرجًا من أحد الرواة، ويدل عليه ما في "المسند":
(٦/ ٣٩٧) قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، ثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني ابن لَهِيعة، أنا عبد اللَّه بن هُبَيرة، قال: سمعت أبا تميم الجَيْشَاني، عن أبي بَصْرَة الغِفَارِي، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في وادٍ من أوْدِيَتِهِمْ يقال له: المخمص صلاة العصر، فقال: "إن هذه الصلاة صلاةَ العصر عُرِضَت على الذين من قبلكم، فضيعوها، إلا ومن صلاها ضُعِّف له أجره مرتين، إلا ولا صلاة بعدها حتى تَرَوُا الشاهدَ".
قلت لابن لهيعة: ما الشاهد؟ قال: الكوكب، الأعرابُ يُسَمُّون الكوكب شاهد الليل. انتهى (٣).
فهذا يدلّ على أن التفسير من ابن لهيعة، وفيه ابن لهيعة؛ وهو متكلم فيه.
وما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" قال: حدّثنا أحمد بن
стр. 9535
عبد الوهاب بن نَجْدَة الحوطيّ، ثنا أحمد بن خالد الوَهْبي، ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي تميم الجيشانيّ، عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: قال النبيّ ﷺ : "إن هذه الصلاة -يعني: العصر- فرضت على من كان قبلكم، فضيّعوها، فمن حافظ منكم اليوم عليها، أعطي أجرها مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد"؛ يعني: النجم.
فظاهر هذا أنه مدرج، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو معروف بالتدليس، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بصرة الغفاريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٧ و ١٩٢٨] (٨٣٠)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١/ ٥٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٩٦ و ٣٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٢٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٨ و ٢/ ٤٥٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٨٧٤ و ١٨٧٥)، و (الحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عِظَم شأن صلاة العصر، وشدّة الحثّ عليها، حيث إنها عُرضت على الأمم السابقة، وأمروا بالمحافظة عليها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذه الأمة، حيث إنها قامت بالمحافظة على صلاة لَمْ يقم بها من تقدّمها من الأمم، وهذا فضل من اللَّه عظيم، وتوفيقٌ منه جسيم، فله الحمد أوّلًا وآخرًا.
٣ - (ومنها)؛ بيان مضاعفة الأجر لمن حافظ على صلاة العصر مرّتين.
٤ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، ولكن ليس على إطلاقه، فقد صحّ إباحة الصلاة بعد العصر، والشمس بيضاء
стр. 9536
مرتفعة، في حديث عليّ ﵁، وكذا إباحة ذوات الأسباب كما أسلفت تحقيق ذلك كلّه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٢ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطَّلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق، يُدَلِّس، ورُمِي بالتشيع والقدر، من صغار [٥] (ت ١٥٠) ويقال: بعدها (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريّ، أبو رجاء، واسم أبيه سُوَيد، ثقةٌ فقيهٌ، يُرْسِل [٥] (ت ١٢٨) وقدَ قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَكَانَ ثِقَةً) الظاهر أنه من كلام خير بن نُعيم.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث الليث؛ يعني: أن حديث يزيد بن أبي حبيب، عن خير بن نُعيم مثلُ حديث الليث بن سعد الماضي عنه.
стр. 9537
[تنبيه]: رواية يزيد بن أبي حبيب، عن خير بن نُعيم هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٦٦٨٣) حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن حبيب، عن خير بن نُعَيم الحضرميّ، عن عبد اللَّه بن هُبَيرة السبائيّ، وكان ثقةً، عن أبي تميم، عن أبي بَصْرة الغِفاريّ، قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة العصر، فلما انصرف قال: "إن هذه الصلاة عُرِضت على من كان قبلكم، فتَوَانَوْا فيها، وتركوها، فمن صلاها منكم ضُعِّف له أجرها ضعفين، ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد"، والشاهد: النجم. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٢٩] (٨٣١) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ) بالتصغير ابن رَبَاح -بموحدة- اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوقٌ، ربما أخطأ [٧] (ت ١٦٣) وله نيف وسبعون سنةً (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٢/ ١٨٧٣.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن رَبَاح بن قَصِير -ضدّ الطويل- اللخميّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ، والمشهور فيه عُلَيّ بالتصغير، وكان يغضب منها، من كبار [٣] مات سنة بضع عشرة ومائة (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٢/ ١٨٧٣.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ) الصحابي المشهور اختُلِف في كنيته على
стр. 9538
سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، وَليَ إِمْرَة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات ﵁ في قرب الستين (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل مصر.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وأن عُلَيَّ بن رَبَاح بالضم لا نظير له في هذا الاسم، واللَّه -تعالى- أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ) تقدّم آنفًا أن المشهور تصغيره، وأنه كان يكره ذلك (عَنْ أَبِيهِ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ) بضم الجيم، وفتح الهاء، نسبة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضَاعَة (١). (يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ) مبتدأ خبره جملة "كان. . . إلخ"؛ أي: ثلاثة أوقات (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ) هو بإطلاقه يَشمَل صلاة الجنازة؛ لأنَّها صلاة، قاله في "المرعاة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لكن المراد تأخيرها إلى هذه الأوقات، وتحرِّي أدائها فيها، بدليل حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَتَحَرَّى أحدكم، فيصليَ عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها"، متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "ولا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان"، فإنه يدلّ على أن المنهي عنه هو القصد للصلاة في هذه الأوقات، لا أداء ما حضر فيها، كالصلاة على الجنازة الحاضرة في تلك الأوقات، فتنبّه، واللَّه -تعالى- أعلم.
(أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا) قال في "المصباح": وقَبَرتُ المَيْتَ، قَبْرًا، من
стр. 9539
بابي قَتَلَ وضَرَبَ؛ دَفَنْتُهُ، وأقبرته بالألف: أمرت أنْ يُقْبَرَ، أو جعلت له قبرًا. انتهى. والمَوْتَى، جمع مَيْت.
قال القرطبيّ ﵀: رُوي بـ "أو"، وبالواو، وهي أظهر، ويكون مراد النهي الصلاةَ على الجنازة والدفنَ؛ لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية "أو" ففيها إشكال، إلَّا إذا قلنا: إن "أو" بمعنى الواو، كما قال الكوفيّون. انتهى (١).
وفيه دليلٌ على أن دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة منهي عنه، وإليه ذهب أحمد، وهو الحقّ؛ لظاهر الحديث.
قال السنديّ ﵀: ظاهر الحديث كراهة الدفن في هذه الأوقات، وهو قول أحمد، وغيره، ومن لا يقول به يؤَوِّل الحديث بأن المراد صلاة الجنازة على الميت بطريق الكناية؛ للملازمة بين الدفن والصلاة، ولا يخفى أنه تأويل بعيد، لا ينساق الذهن إليه من لفظ الحديث، يقال: قبره: إذا دفنه، ولا يقال: قبره: إذا صلى عليه، قال: والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد، وغيره: أن الدفن مكروه في هذه الأوقات. انتهى.
وقال البيهقيّ ﵀: نهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة، وهو عند كثير من أهل العلماء محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات. انتهى.
قال في "المرعاة": قلت: حمله أبو داود على الدفن الحقيقيّ حيث بوّب عليه في الجنائز: "باب الدفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها"، وإليه يظهر ميل النسائيّ، حيث عقد عليه في أثناء أبواب الدفن: "باب الساعات التي نُهِي عن إقبار الموتى فيها"، وحمله ابن ماجه على الصلاة والدفن كليهما، فقد بوَّب عليه في الجنائز: "باب الأوقات التي لا يُصَلَّى فيها على الميت، ولا يُدْفَن"، وحمله الترمذيّ على الصلاة، ولذلك بوَّب عليه: "باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس، وعند غروبها"، وأيَّده بما نُقِل عن ابن المبارك، قال: معنى هذا الحديث: "أو أن نقبر فيهنّ موتانا"؛ يعني: الصلاة
стр. 9540
على الجنازة. انتهى. وقد ضعَّف النووي هذا التأويل، وزيَّفه، كالسنديّ، هذا.
وقد علمتَ مما قدمنا أن صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات عند مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، واستدَلَّ هؤلاء بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الساعات خلافًا للشافعيّ، والقول الأول هو الظاهر.
قال الخطابيّ ﵀: قول الجماعة أولى؛ لموافقة الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ ﵀ عندي هو الأولى؛ لما عَرَفت من أن الراجح أن ذوات الأسباب لا تُمنَعُ في تلك الأوقات؛ إذ النهي محمول على التحرِّي فيها، في كان ذا سبب، ليس فيه تَحَرٍّ، فتفطن، واللَّه تعالى أعلم.
ثم بيّن تلك الساعات، فذكر الأولى بقوله:
(حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً) أي: طالعةً، ظاهرةً لا يخفى طلوعها، وهي حال مؤكِّدة لعاملها، كما قال في "الخلاصة":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أكِّدَا … فِي نَحْوِ لا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا
(حَتَّى تَرْتَفِعَ) أي: إلى أن ترتفع كرُمح في رأي العين، كما بيّنته رواية عمرو بن عَبَسَة ﵁ عند النسائيّ، بلفظ: "فَدَعِ الصلاةَ حتى ترتفع قِيدَ رمح، ويَذْهَبَ شعاعها".
(وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) هي شدة الحرّ، وقيل: حَدُّ انتِصَافِ النهار؛ أي: يَقِف، ويستقرّ الظلُّ الذي يَقِفُ عادةً حسب ما يبدو، فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له حركة سريعة، حتى يظهر بِمَرْأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة.
قال في "المجمع": إذا بلغت الشمس وسط السماء، أبطأت حركتها إلى أن تزول، فيحسب الناظر المتأمل أنها وقفت، وهي سائرة، ولا شكّ أن الظل تابع لها.
والحاصل: أن المراد: وعند الاستواء. وقيل: المراد بقائم الظهيرة
стр. 9541
الشخص القائم في الظهيرة، فإن الناس في السفر يَقِفُون في هذا الوقت؛ لشدة الحرّ، ليستريحوا.
وقال النوويّ ﵀: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظلّ في المشرق، ولا في المغرب.
وقال ابن حجر الهيتميّ ﵀: الظهيرة: هي نصف النهار، وقائمها، إمَّا الظلّ، وقيامُهُ: وقوفه؛ من قامت به دابته: وقفت، والمراد بوقوفه بطء حركته الناشئُ عن بطء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر ببادئ الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها، وإمَّا القائمُ فيها؛ لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق، ولا جهة المغرب، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء، أفاده في "المرعاة" (١).
(حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ) أي: عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وميلها هذا هو الزوال، قال ابن حجر ﵀: ووقتُ الاستواء المذكور، وإن كان وقتًا ضيقًا لا يسع صلاة، إلَّا أنه يسع التحريمة، فيحرُم تعمُّد التحريم فيه. انتهى.
ثم ذكر الثالثة بقوله:
(وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ) -بتشديد الياء بعد الضاد المفتوحة، صيغة مضارع، أصله تتضيف بالتاءين، حذفت إحداهما، كـ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، و ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، أي: تميل، وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد المكسورة، يقال: ضاف يضيف: إذا مال.
وقال في "القاموس": وضاف: مال، كتَضَيَّفَ، وضَيَّفَ، وأضَفْتُهُ: أمَلْتُهُ. انتهى.
وقال التوربشتيّ: أصل الضيف: الميل، يقال: ضِفْتُ إلى كذا: مِلت إليه، وسمّي الضيف ضيفًا، لميله إلى الذي نزل عليه. انتهى.
والمعنى: وحين تميل، وتجنح الشمس (لِلْغُرُوبِ) أي: تبدأ في الغروب (حَتَّى تَغْرُبَ) أي: إلى أن يتكامل غروبها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9542
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٩] (٨٣١)، و (أبو داود) (٣١٩٢)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (١٠٣٠)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (٥٦٠ و ٥٦٥) وفي "الجنائز" (٢٠١٣) وفي "الكبرى" (١٥٤٣) و (١٥٤٨)، و (ابن ماجه) في إقامة الصلاة" (١٥١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٥٢).
وفوائد الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٣٠] (٨٣٢) - (حَدَّثَنِي (١) أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ، وَصَحِبَ أَنَسًا إِلَى الشَّامِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ (٢) يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ (٣) بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: "أَنَا نَبِيٌّ"، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: "أَرْسَلَنِي اللَّهُ"، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ" (٤)،
انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (١)، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا (٢)، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) (٣) نزيل مكة، صدوقٌ (٤) [١١] (ت ٢٥٥) (م) تقدم في "الصلاة" ١١/ ٨٨٦.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشِيّ -بالجيم المضمومة، والشين المعجمة- أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، صدوقٌ يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٤ - (شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَمَّارٍ) القرشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٣٧.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يُدَلِّس ويُرْسِل [٥] (ت ١٣٢) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
стр. 9545
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان الباهليّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات ﵁ بها سنة (٨٦) (ع) تقدم في "المسافرين" ٤٣/ ٨٧٤.
٧ - (عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ) هو: عمرو بن عبسة -بموحّدة، ومهملتين مفتوحات- ابن عامر بن خالد بن غاضرة بن عَتّاب بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم السُّلَميّ، أبو نَجِيح، وقيل: أبو شُعيب، وقيل غير ذلك في نسبه، أسلم قديمًا بمكة، وكان أخا أبي ذرّ لأمه.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه ابن مسعود، وسهل بن سعد، وأبو أمامة الباهليّ، ومعدان بن أبي طلحة اليعمريّ، وأبو عبد اللَّه الصُّنابحيّ، وغيرهم.
قال الواقديّ: أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، حتى مضت بدر، وأُحد، والخندق، والحديبية، وخيبر، ثم قَدِمَ على رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك المدينة، وقال ابن سعد: يقولون: إنه رابع، أو خامس في الإسلام، وقال أبو نعيم: كان قبل أن يُسلم يَعتزل عبادة الأصنام، وقال الحاكم أبو أحمد: نزل الشام، وقال غيره: مات بِحِمْصَ.
قال الحافظ ﵀: وكانت وفاته في أواخر خلافة عثمان ﵁ فيما أظنّ، فإني ما وجدت له ذكرًا في الفتنة، ولا في خلافة معاوية ﵁.
وذكر في "الخلاصة" أن له ثمانية وأربعين حديثًا، انفرد مسلم بحديث.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، إلَّا مرّة.
شرح الحديث:
(قَالَ عِكْرِمَةُ) بن عمّار ﵀ (وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ) الباهليّ ﵁، أشار عكرمة ﵀ بهذا الكلام إلى بيان اتّصال هذا الحديث عن طريق شدّاد بن عبد اللَّه؛ لأنه لقي أبا أمامة ﵁، وسمع منه، بخلاف طريق يحيى بن أبي
стр. 9546
كثير، فإنها منقطعة، لَمْ يسمع من أبي أمامة، بل لَمْ يسمع من صحابيّ أصلًا، إلَّا أنه رأى أنسًا ﵁ رؤيةً، رآه يُصلي في المسجد الحرام، ولم يرو عنه حديثًا.
والحاصل أنه لما رَوَى عكرمة هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وشدّاد بن عبد اللَّه، وكلاهما قالا: عن أبي أمامة، ورواية شدّاد عنه متّصلة، لأنه لقيه، بخلاف رواية يحيى، فإنها منقطعة لَمْ يسمع منه، ويحيى معروف بالإرسال والتدليس، بيّن أن الحديث متّصل عن طريق شدّاد، ولا يضرّه انقطاعه عن طريق يحيى، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَ) لقي شدّاد أيضًا (وَاثِلَةَ) هو: واثلةُ بن الأسقع بن كعب بن عامر بن ليث بن عبد مناة، ويقال: ابن الأسقع بن عبيد اللَّه بن عبد ياليل بن ناشب بن غِيرَة بن سعد بن ليث، أبو الأسقع، ويقال: أبو قرصافة، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد الليثيّ، أسلم قبل تبوك، وشهدها، وصحح ابن عبد البر القول الثاني في نسبه، قال الحافظ: وهو الصواب، أو يكون سقط من الأول عدّة آباء. انتهى.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي مَرْثَد الْغَنَويّ، وأبي هريرة، وأم سلمة، وروت عنه ابنته فُسَيلة، ويقال: حُصيلة، ويقال: جميلة، وأبو إدريس الخولانيّ، وشداد أبو عمار، ومكحول، وعبد الواحد بن عبد اللَّه البصريّ، وأبو المليح بن أسامة، ومعروف بن الخطاب، وآخرون.
قال ابن سعد: كان من أهل الصُّفّة، فلما قُبِض رسول اللَّه ﷺ خرج إلى الشام، وقال أبو حاتم: نزل الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق وحِمْصَ، وقال أبو الحسن بن سُمَيع، عن دُحَيم: مات بدمشق في خلافة عبد الملك، وقال أبو المغيرة، عن ابن عياش، عن سعيد بن خالد: مات سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، وكذا قال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين، وقال أبو مسهر، وجماعة: مات سنة خمس، وقال سعيد بن بشير، عن قتادة: كان آخر الصحابة موتًا بدمشق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٧٢): "لا
стр. 9547
تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها"، وأعاده بعده، و (٢٢٧٦): "إن اللَّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. . . ".
(وَصَحِبَ) شدّاد أيضًا (أنسًا) أي: أنس بن مالك ﵁ (إِلَى الشَّامِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَضْلًا وَخَيْرًا) أي: أثنى عكرمة على شدّاد بن عبد اللَّه بفضل وخير، أي: وصفه بهما، يقال: أثنيت عليه خيرًا وبخير، وأثنيت عليه شرًّا وبشرّ، بمعنى وصفته بهما، وبعضهم يخصّه بالخير، والصواب إطلاقه، وقد سبق تمام البحث في هذا الخلاف عند شرح حديث: "أهلَ الثناء والمجد. . . "، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) تأكيد للأول (قَالَ) أبو أمامة ﵁ (قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) بفتحات (السُّلَمِيُّ) بضمّ السين المهملة، وفتح اللام: منسوب إلى سُليم قبيلة من العرب، يقال لها: سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مُضَر، تفرّقت في البلاد، وجماعة كثيرة منهم نزلت حِمْصَ، قاله في "الأنساب" (١). (كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) جملة حاليّة من التاء، و"الجاهليّة": زمن الفترة قبل الإسلام (أَظُنُّ) أي: أعلم، وأتيقّن، فإن الظنّ قد يُطلق على اليقين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] (٢). (أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ) أي: من الدين الحقّ (وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ) جملة في نصب على الحال، وفي نسخة: "وأنهم يعبدون الأوثان"، فيكون معطوفًا على ما قبله.
و"الأوثان" بفتح الهمزة: جمع وَثَنٍ بفتحتين، وهو الصنم، سواءٌ كان من خشب، أو حجرٍ، أو غيره، ويُجمع أيضًا على وُثْنٍ بضمّ فسكون، مثلُ أَسَد وأُسْد (٣).
(فَسَمِعْتُ) وفي نسخة: "قال: فسمعت" (بِرَجُلٍ) يريد النبيّ ﷺ (بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا) أي: من الوحي السماويّ (فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي) أي: ركبتها، و"الراحلة": هي الْمَرْكب من الإبل، ذكرًا كان أو أُنثى (فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ) أي: على
стр. 9548
ذلك الرجل (فَإِذَا) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) حال كونه (مُسْتَخْفِيًا) أي: متواريًا، ومستترًا عن المشركين؛ لئلا يُلحقوا عليه ضررًا (جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول "جُرَآء" بالجيم المضمومة، جمع جَرِيء بالهمز من الجرأة، وهي الإقدام والتسلّط، وهذا هو سرّ استخفائه.
وذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين" "حِرَاء" بالحاء المهملة المكسورة، ومعناه: غِضَابٌ، ذوو غَمّ قد عِيل صبرهم به حتى أَثَّر في أجسامهم، من قولهم: حَرَى جسمه يَحْرِي، كضرب يضرب: إذا نَقَصَ من ألم وغيره، والصحيح أنه بالجيم. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "جُرآء عليه قومه" أي: يجترئون عليه، من الْجُرْأة، وهو مرفوعٌ على أنه خبر مقدّمٌ، و"قومه" مبتدأ مؤخَرٌ، على مذهب البصريين. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأفصح في إعراب قوله: "جرآءُ عليه قومه" أن يكون "جرآء" خبرًا مقدّمًا، و"قومه" مبتدأ مؤخّرًا، وإليه أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَالثَّانِ مُبْتَدًا وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ … إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ
ويجوز أن يكون "جرآءُ" مبتدأً، و"قومه" فاعلًا أغنى عن الخبر على لغة "أكلوني البراغيث"، وهذا الوجه ممنوع عند البصريين؛ لأنه لَمْ يتقدّمه نفي، ولا استفهام، وأجازه الكوفيّون والأخفش، مستدلّين بقول الشاعر [من الوافر]:
فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ … إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا
وقوله: [من الطويل]:
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا … مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ (٢)
والجملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه ﷺ "، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9549
(فَتَلَطَّفْتُ) أي: ترفّقت، وتحيّلتُ في الدخول عليه (حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول: "ما أَنت؟ "، وإنما قال: "ما أنت"، ولم يقل: "من أنت؟ " (١)؛ لأنه سأله عن صفته، لا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل. انتهى.
وقال الأبيّ ﵀: ذكر ابن الحاجّ في نقده على "المقرب" عن سيبويه أن "ما" تقع على آحاد أولي العلم، مثل "من"، وعلى أنها للصفة، فيُحتجّ به للقول بأن النبوّة والرسالة مترادفان؛ لا أن النبوّة أعمّ؛ لأن "ما" يُسأل بها عن تمام الحقيقة، فلولا أنهما مترادفان لكان الجواب غير مفيد؛ لأن الأعمّ، وهي النبوّة لا إشعار لها بالأخصّ التي هي الرسالة، ويكون انتقاله إلى قوله: "رسول" من قبيل التعريف اللفظيّ، وهو تبديل لفظ بلفظ أشهر منه. انتهى كلام الأبيّ ببعض تصرّف (٢).
(قَالَ) ﷺ : ("أَنَا نَبِيٌّ"، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟) سؤال عن النبوّة، وهى من جنس ما لا يعقل؛ لأنَّها معنى من المعاني، قاله القرطبيّ، وهو محلّ نظر، فتأمل.
(قَالَ: "أَرْسَلَنِي اللَّهٌ")، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ) في هذا دلالة ظاهرةٌ على الحثّ على صلة الأرحام؛ لأن النبيّ ﷺ قرنها بالتوحيد، ولم يذكر له جزئيّات الأمور، وإنما ذكر له مهمّها، وبدأ بالصلة، قاله النوويّ (٣).
وقال الأبيّ ﵀: صحّ أن جواباته ﷺ كانت بحسب السائل، وبحسب الزمان والحال، فتخصيص صلة الرحم بالذكر يَحْتَمِلُ كونه لرعي حال العرب فيها، أو أن غيرها من الفرائض لَمْ يكن فُرِض. انتهى (٤).
(وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ") وفي نسخة: "وأن توحّد اللَّه، ولا تشرك به شيئًا" (قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟) أي: فمن تبعك على هذا الدين الذي أرسلك اللَّه تعالى به من الناس؟ (قَالَ): ("حُرٌّ وَعَبْدٌ")
стр. 9550
خبر لمحذوف دلّ عليه السوال؛ أي: معي حرّ، وعبد (قَالَ) عمرو بن عَبَسَة (وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَبِلَالٌ) هو ابن رباح مؤذّن رسول اللَّه ﷺ ، مولى أبي بكر الصَدّيق ﵄ (مِمَّنْ آمَنَ بِهِ) أي: ممن صدّق برسالته، واتّبعه على ملّته وفيه منقبة عظيمة لأبي بكر وبلال ﵄، حيث إنهما من أوائل من أسلم، بل قد احتجّ به من قال: إنهما أول من أسلم، لكن الصحيح في ذلك التفصيل، فأول من أسلم من الرجال البالغين الأحرار أبو بكر ﵁، ومن الأرقّاء بلال ﵁، ومن الموالي زيد بن حارثة ﵁، ومن الصبيان عليّ بن أبي طالب ﵁، ومن النساء خديجة ﵂، وإلى هذا أشار السيوطيُّ ﵀ في ألفيّة الحديث حيث قال:
وَاخْتَلَفُوا أَوَّلَهُمْ إِسْلَامَا … وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا
أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي الرِّجَالِ … صِدِّيقُهُمْ وَزَيْدُ فِي الْمَوَالِي
وَفِي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ … عَلِيُّ وَالرِّقِّ بِلَالٌ اشْتَهَرْ
وقال القرطبيّ ﵀: إنما لم يذكر النبيّ ﷺ له عليًّا ﵁؛ لصغره، فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر، ولم يذكر خديجة ﵂ أيضًا؛ لأنه فهم منه أنه إنما سأله عن الرجال، فأجابه حسب ذلك، ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، فإنه قال: "ما أسلم أحدٌ إلَّا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام" (١)، وظاهره أن أبا بكر وبلالًا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام لَمْ يُسلم مع الثلاثة أحدٌ، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبيّ ﷺ يوم جاء عمرو بن عَبَسَة أبو بكر، وسعد، وبلالٌ، لكن سكت النبيّ ﷺ عن سعد إما نسيانًا، وإما لعدم حضوره إذ ذاك بمكة، أو لأمر آخر. انتهى (٢).
قال عمرو: (فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ) قال النوويّ ﵀: معناه إني متّبعك على إظهار الإسلام هنا، وإقامتي معك. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إني متّبعك" معناه: أصحبك، وأكون معك
стр. 9551
في موضعك، ولذلك أجابه بقوله: "إنك لا تستطيع يومك هذا"، ولم يردّ عليه إسلامه، وإنما ردّ عليه كونه معه. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ ("إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا) أي: لقوّة شوكة المشركين، وضعف حال المسلمين، فأخاف عليك أن يلحقك منهم ضرر، واللَّه تعالى أعلم.
(أَلَا) أداة عرض (تَرَى حَالِي) من قلّة الأعوان (وَحَالَ النَّاسِ) من قُوّة شوكتهم، وشدّة عداوتهم (وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ) أي: ولكن قد حصل لك أجرك، فابقَ على إسلامك، وارجع إلى قومك، واستمرّ على الإسلام في موطنك حتى تعلم أني قد ظهرت على المشركين، وانتصرت عليهم، فعند ذلك فأتني، كما قال: (فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ) أي: غلبت على المشركين، وانتشرت الدعوة في الأرض (فَأْتِنِي") وفيه علمٌ من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ ﷺ ، حيث أخبر عمرو بن عبسة بأنه سيظهر على قومه الْجُرآء عليه، ويقهرهم، ويُخمِد نارهم، ويَظْهَر منتصرًا على أرض اللَّه جميعها، فوقع كما أخبر به، كما وعد اللَّه تعالى بذلك حيث قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١].
(قَالَ) عمرو ﵁ (فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ) أي: بعد أن مكث في مكة نبيًّا مرسلًا ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد، ونبذ الشرك (وَكُنْتُ فِي أَهْلِي) أي: جلست فيهم، ومكثتُ معهم (فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ) أي: أتطلّب، وأبحث، وأسأل أخبار رسول اللَّه ﷺ بشدّة رغبة، وصدق عزيمة (وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي: أتى النبيّ ﷺ (الْمَدِينَةَ) مهاجرًا من مكة سنة ثلاث عشرة من بعثته (حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌّ مِنْ أَهْلِ
стр. 9552
يَثْرِبَ) بفتح الياء المثنّاة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء: اسم المدينة قبل الإسلام، قال ابن الأثير: يثرب اسم مدينة النبيّ ﷺ قديمة، فغيّرها، وسمّاها طيبة وطابةَ؛ كراهية التثريب، وهو اللوم والتعيير، وقيل: هو اسم أرضها، وقيل: سُمّيت باسم رجل من الْعَمَالقة. انتهى (١).
وقال في "المصباح": ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضَرَبَ: عَتَبَ ولامَ، وبالمضارع بياء الغائب سُمّي رجلٌ من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ ﷺ ، فسُمّيت المدينة باسمه، قاله السهيليّ، وثَرَّبَ بالتشديد مبالغة وتكثيرٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية [يوسف: ٩٢] انتهى (٢).
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟) يريد النبيّ ﷺ ، وإنما أخرج السؤال هذا المخرج؛ تعميةً لحاله على المسؤولين؛ خشية أن يكونوا من أعدائه ﷺ ، فلا يُخبرونه بحقيقة الأمر إذا علموا أنه على دينه، وهذا من فقه عمرو بن عبسة ﵁، وقوّة فطنته وذكائه (فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاع) بكسر السين المهملة، وتخفيف الراء؛ أي: مسرعون إلى الإيمان بالنبيّ ﷺ ، واتباع دينه، يقال: جاء القومُ سِرَاعًا؛ أي: مسرعين (وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ) الظاهر أراد ما دبّرت قريش للنبيّ ﷺ بعد هجرته من غزوة بدر وأُحد والأحزاب، وغيرها، فلم يستطيعوا القضاء عليه، بل نصره اللَّه تعالى عليهم.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد ما ذكره اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]، وذلك حين ائتمروا عليه بهذه الأمور، فأذن اللَّه في الهجرة، فهاجر إلى المدينة، فأنزل اللَّه تعالى عليه بعد قدومه المدينة "سورة الأنفال" يُذَكِّر نِعَمَه عليه، وبلاءه عنده (٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) ﷺ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟
стр. 9553
قَالَ): ("نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ"، قال) عمرو (فَقُلْتُ: بَلَى) أي: أنا الذي لقيتك بها، قال النوويّ ﵀: فيه صحّة الجواب بـ "بلى" وإن لَمْ يكن قبلها نفي، وصحّة الإقرار بها، وهو الصحيح في مذهبنا، وشرط بعض أصحابنا أن يتقدّمها نفيٌ. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: صرّح النحويّون بأن "بلى" لا تقع في إيجاب الإثبات، ويردّ عليهم ما وقع في هذا الحديث، وكذا في أحاديث أخرى صحيحة.
قال ابن هشام الأنصاريُّ ﵀ في "مغنيه" بعد قوله: إنها تختصّ بالنفي، وأنها لا تقع بعد الإيجاب، وقال أيضًا: لا يجاب بها الإيجاب، وذلك متفق عليه، ما نصّه: ولكن وقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرَّد -أي: عن النفي- ففي "صحيح البخاريّ " في "كتاب الإيمان والنذور" أنه ﷺ قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجَنَّة؟ قالوا: بلى"، وفي "صحيح مسلم" في "كتاب الهبة": "أيَسُرُّك أن يكونوا لك في الْبِرّ سواءً؟ قال: بلي، قال: فلا إذن"، وفيه أيضًا أنه قال: "أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له المجيب: بلى"، وليس لهؤلاء أن يحتجُّوا بذلك؛ لأنه قليل، فلا يتخرج عليه التنزيل. انتهى (٢).
فتبيّن بهذه الأحاديث ونحوها أن الحقّ وقوع "بلى" في إيجاب الإثبات، فترك الاحتجاج بها بدعوى أن الأحاديث لا تكون حجة في القواعد النحويّة، لجواز روايتها بالمعنى، كما تفوّه به بعضهم مكابرةٌ ظاهرةٌ، قد فنّده المحقّقون، كابن مالك وغيره.
وأما ما أجاب به الأبيّ مؤيّدًا قول النحاة بأن النفي هنا مقدَّر، فتكلّف بارد، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَأَجْهَلُهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو: "عما علّمك"، وهو صحيحٌ، ومعناه: أخبرني عن حكمه وصفته، وبيّنه لي. انتهى.
стр. 9554
(أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ) أي: عن وقتها الجائزة فيه بدليل الجواب، وقال القرطبيّ ﵀: هذا سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفّل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ﷺ فَهِمَ عنه ذلك، فأجابه به، ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان جوابه مطابقًا للسؤال. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ : ("صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ) أي: سنته وفرضه (ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ) بقطع الهمزة، من الإقصار؛ أي: انته، وكُفّ عنها (حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ) وقوله: (حَتَّى تَرْتَفِعَ) بدل مما قبله، وفيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بطلوع الشمس، بل لا بدّ من ارتفاعها، فالمراد بالطلوع المطلق المذكور في بعض الأحاديث الطلوع المخصوص، وهو الارتفاع، لا مجرّد الظهور، وقد ورد قدر الارتفاع مفسّرًا في رواية أبي داود والنسائيّ، فقال: "ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين"، ولفظ النسائيّ: "قِيد رُمح"، والقِيس والقاس، والقِيد والقاد، والقيب والقاب: معناها القدر.
(فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ) بالتنكير، قيل: هو للتحقير، ووقع في بعض النسخ بالتعريف، وقد تقدّم اختلاف العلماء في المعنى المراد بقرني الشيطان، وأن الأرجح أن المراد به ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره، ومعناه أنه يُدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون للشمس كالساجدين له في الصورة، واللَّه تعالى أعلم.
(وَحِينَئِذٍ) وفي نسخة: "فإنه حينئذ" (يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) أي: الذين يعبدونها (ثُمَّ) بعد ارتفاع الشمس قدر رُمح (صَلِّ) أي: ما شئت، ففي رواية أبي داود: "ثم صلّ ما شئت"، وعند ابن ماجه: "فصلّ ما بدا لك" (فَإِنَّ الصَّلَاةَ) أي: بعد ارتفاع الشمس، أو الصلاة المشروعة (مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ) قال النوويّ ﵀: أي: تحضرها الملائكة، فهي أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة، وقال القاري ﵀: أي: يحضرها الملائكة؛ ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلّاها، ويؤيّده أن في رواية أبي داود: "مشهودة مكتوبة"، وقال الطيبيّ ﵀: أي: يحضرها أهل الطاعة، من سكان السماء والأرض، وعلى
стр. 9555
المعنيين، فـ "محضورة" تفسير لـ "مشهودة"، وتأكيد لها، ويَحْتَمل أن يُجعل "مشهودة" على المعنى الأول، و"محضورة" على الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرّك، والتأسيس أولى من التأكيد. انتهى كلام القاري ﵀ (١).
(حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ) أي: حتى يرتفع الظلّ مع الرمح، أو في الرمح، ولم يبق على الأرض منه شيءٌ، من الاستقلال بمعنى الارتفاع.
قال ابن الملك: يعني: لَمْ يبق ظل الرمح، وهذا بمكة، والمدينة، وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظلّ على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر يقع الظل على الأرض.
وقيل: من القِلَّةِ، يقال: استقله: إذا رآه قليلًا؛ أي: حتى يَقِلَّ الظلُّ الكائن بالرمح، أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال.
وقال القاري ﵀: وروي: "حتى يستقل الرمحُ بالظل"؛ أي: يرفع الرمح ظله، فالباء للتعدية، وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض، وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر؛ لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت رَكَزُوا رِمَاحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "حتى يستقل الظل بالرمح"؛ أي: يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلًا إلى المغرب، ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء.
وقال التوربشتي ﵀: كذا في نسخ "المصابيح"، وفيه تحريف، وصوابه: حتى يَسْتَقِلَّ الرمحُ بالظل، ووافقه صاحب "النهاية" حيث قال: حتى يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض، أدْنَى غايةِ القلَّةِ والنقص، فقوله: "يستقل" من القلة، لا من الإقلال، والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع، والاستبداد.
قال الطيبيُّ ﵀: كيف تُرَدّ نسخ "المصابيح" مع موافقتها بعض نسخ مسلم، وكتاب الحميديّ؟ على أن لها محامل:
стр. 9556
أحدها: أن معناه أن يرتفع الظل معه، ولا يقع منه شيء على الأرض، من قولهم: استقلَّت السماءُ: ارتفعت.
وثانيها: أن يقدر المضاف؛ أي: يُعْلَم قلة الظل بواسطة ظل الرمح.
وثالثها: أن يكون من باب عَرَضتُ الناقةَ على الحوض، وطَيَّنتُ بالفَدَن السياعا، و"السياع": الطين، و"الفَدَنُ": القَصْرُ.
قال صاحب "المفتاح": ولا يشجع على القلب إلَّا كمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح. انتهى (١).
ووقع في رواية لأحمد: "حتى يستقل الرمح بالظل"، وفي أخرى: "حتى يقوم الظل قيام الرمح"، وفي رواية أبي داود: "حتى يعدل الرمح ظله"، وفي رواية لأحمد، وهي عند ابن ماجه أيضًا: "حتى يقوم العمود على ظله".
قال السنديّ: العمود: خشبة يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلَّا تحت العمود، ومحلّ قيامه، فيصير كأن العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. انتهى (٢).
(ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ) أي: حين يستقلّ الظلّ بالرمح.
قال الطيبيّ ﵀: وفي اسم "إنّ" وجهان: أحدهما "تُسْجَرُ" على إضمار "أن" المصدريّة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].
والثاني: ضمير الشأن محذوفًا من "إنّ" المكسورة المشدّدة، كقول الشاعر [من الطويل]:
فَلَا تَخْذُلِ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا … فَإِنَّ بِهِ تَنَالُ الأُمُورَ وَتَرْأَبُ (٣)
فالتقدير فإنه، يقول: لا تخذل مولاك، وإن ظلمك، فربّما تحتاج إليه، وترجع إلى معاونته في بعض الأمور، فيجبر كسرك، قيل: لا حذف؛ لأن المقصود من الكلام المصدّر به التعظيم والفخامة، فلا يلائمه الاختصار.
стр. 9557
وأجيب بأن ضمير الشأن إنما ينبئ عن التعظيم لإبهامه، وحذفه أدلّ على الإبهام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، حَذَف اسم "كاد" وضميرَ الشأن؛ ليزيد التفخيم والتهويل، وله في الأحاديث نظائر، سنذكرها - إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ (١).
(تُسْجَرُ) بالتخفيف والتشديد مبنيًّا للمجهول؛ أي: يوقد عليها إيقادًا بليغًا، من سجر التَّنُّور -بالتخفيف والتشديد-: ملأه وَقُودًا، وأحْمَاهُ، قال الراغب: السَّجْرُ: تهييج النار، يقال: سَجَرْتُ التّنّور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. انتهى.
وقال ابن الملك: أي: تُملأ نيران جهنم، وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها.
وقال الخطابيّ ﵀: ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تُذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الْحِسّ والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق للمخبِر بها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها. انتهى (٢).
(جَهَنَّمُ) قال النوويّ ﵀: اختَلَف أهل العربية، هل جهنم اسم عربي، أم عجمي؟ فقيل: عربي، مشتقّ من الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهام؛ أي: عميقة، فعلى هذا لَمْ تصرف للعلمية والتأنيث، وقال الأكثرون: هي عجمية مُعَرَّبة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. انتهى (٣).
(فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ) أي: ظهر إلى جهة المشرق، و"الفيء" مختصّ بما بعد الزوال، وأما "الظلّ" فيقع على ما قبل الزوال وما بعده، قاله النوويّ، وقال القاري: أي: رجع بعد ذهابه من وجه الأرض، فهذا وقت الظهر، و"الفيء": ما نسخ الشمسَ، وذلك بالعشيّ، و"الظلُّ": ما نسخته الشمس، وذلك بالغدوّ. انتهى.
стр. 9558
(فَصَلِّ) أي: أيَّ صلاة تريدها (فَإنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ) أي: فرضه، قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر، ولا بصلاة غير المصلّي، وإنما يكره لكلّ إنسان بعد صلاته العصر، حتى لو أخّرها عن أول الوقت لَمْ يكره التنفّل قبلها. انتهى.
(ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) أي: بالكلّيّة (فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ") أي: فلا يجوز مشابهة أهل النار في عبادتهم فضلًا عن غيرها.
(قَالَ) عمرو بن عبسة ﵁ (فَقُلْتُ: يَا نَبِي اللَّهِ، فَالْوُضُوءُ) بالرفع، وقيل: بالنصب (حَدِّثْنِي عَنْهُ) أي: أخبرني عن فضله (قَالَ) ﷺ ("مَا) نافية (مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ) بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء، من التقريب، مبنيًّا للفاعل، قيل: أو للمفعول (وَضُوءَهُ) بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به (فَيَتَمَضْمَضُ) وفي نسخة: "فيُمَضْمِضُ"، يقال: مَضْمَضْتُ الماءَ في فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمض بالماء: إذا فعل ذلك، قال الفارابيّ: المضمضمة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها، قاله الفيّوميّ (١).
(وَيَسْتَنْشِقُ) أي: يُدخل الماء في الأنف، ويجذبه بالنفس؛ ليُنزل ما في الأنف، قال ابن الأثير ﵀: أي: يُبلغُ الماءَ خياشيمه، وهو من استنشقتُ الريحَ: إذا شَمَمتها مع قوّة. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: نَشِقْتُ منه رائحةً أَنْشَقُ، من باب تَعِبَ نَشْقًا، مثلُ فلس، واستنشقتُ الريحَ: شَمِمْتُها، واستنشقتُ الماءَ، وهو جعله في الأنف، وجذبه بالنّفَسِ؛ ليُنْزِل ما في الأنف، فكأن الماء مجعول للاشتمام، مجازٌ، والفقهاءُ يقولون: استَنْشَقتُ بالماء بزيادة الباء. انتهى (٣).
(فَيَنْتَثِرُ) وفي نسخة: "فيستنثر"، أي: يُخرج ما في الخيشوم من الأوساخ، قال الفيّوميّ ﵀: نَثَرَ المتوضئ، واستَنْثَرَ بمعنى استنشق، ومنهم من يفرّق، فيجعل الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إخراج ما في الأنف من
стр. 9559
مخاط وغيره، ويدلّ عليه الحديث: "كان ﷺ يستنشق ثلاثًا في كلّ مرّة يستنثر"، وفي حديث: "إذا استنشقت فانتثر" بهمزة وصل، وتُكسر الثاء وتضمّ، وأنثر المتوضئ إنثارًا لغةٌ، وحَمَل أبو عبيد الحديث على هذه اللغة. انتهى (١).
(إِلَّا خَرَّتْ) استثناء مفرغّ، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "إلّا خرّت" خبر "ما"، والمستثنى منه مقدّرٌ؛ أي: ما منكم رجلٌ متّصفٌ بهذه الأوصاف، كائنٌ على حال من الأحوال إلَّا على هذه الحالة، وعلى هذا المعنى ينزَّل سائر الاستثناءات، وإن لَمْ يصرّح بالنفي فيها؛ لكونها في سياق النفي بواسطة "ثُمّ" العاطفة؛ أي: سقطت (خَطَايَا وَجْهِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "خَرّت" بالخاء المعجمة، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، إلَّا ابن أبي جعفر، فرواه "جَرَت" بالجيم. انتهى. ومعنى "خَرَّت" بالخاء: أي: سقطت، وهو كناية عن مغفرة الذنوب، ومعنى"جَرَت" أي؛ ذهبت ذنوب وجهه مع ماء الوضوء.
والمراد من الخطايا هي الصغائر عند عامّة العلماء.
والمراد بالخطايا الصغائر كما سبق في "كتاب الطهارة" قوله ﷺ : "ما اجتنبت الكبائر".
وقوله: (وَفِيهِ) أي: خطايا فمه من جهة الكلام والطعام (وَخَيَاشِيمِهِ) أي: أنفه، وهو: جمع خيشوم، وهو أقصى الأنف، وقيل: الخياشيم: عِظام رِقَاقٌ في أصل الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل: غير ذلك.
والمراد: ما اكتسبه من الإثم من جهة رائحة طيبة محرّمة على جهة القصد، والظاهر أن عطف "فيه وخياشيمه" على "وجهه" تفسيريّ؛ لقوله: (ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) بأن استوعب بالغسل جميعه (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ) بكسر اللام: هو الشعر النازل على الذَّقَنِ، والجمع: لِحًى، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضًا، مثلُ حِلْية وحُلًى (٢). (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) أي: منضمّتين إليهما، أو "إلى" بمعنى "مع"، و"المرفق" بفتح الميم وكسر الفاء، كالمسجِد، وبالعكس لغتان، وهو كما في
стр. 9560
"القاموس" موصل الذراع في العَضُد (إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ) أي: رؤوس أصابعه، وهي: جمع أَنْمَلة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل الضم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم، فيصير تسع لغات، وهي من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول: الأنامل رءوس الأصابع، وعليه قول الأزهريّ: الأنملةُ: الْمَفْصِل الذي فيه الظفر، أفاده الفيّوميُّ ﵀ (١).
وقال في "شرح القاموس" نقلا عن شيخه: وقد جمع العزّ القسطلانيّ اللغات التسعة في البيت المشهور مع لغات الإصبع، فقال [من البسيط]:
وَهَمْزَ أنْمَلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالثَةً … وَالتّسْعُ في أُصْبُع وَاخْتمْ بأُصْبُوع (٢)
(مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ظاهر الاستيعاب، وقد سبق في أبواب الوضوء بيان الخلاف في وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وأن الراجح هو القول بالوجوب، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ) ومنها خطايا الأذنين؛ لأنهما من الرأس (مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ) بفتح العين وسكونها (مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لمذهب العلماء كافّةً أن الواجب غسل الرجلين، وقال الشيعة: الواجب مسحهما، وقال ابن جرير: هو مُخَيَّرٌ، وقال بعض الظاهرية: يجب الغسل والمسح. انتهى (٣).
(إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ) قال الطيبيّ ﵀: "إن" شرطيّة، ورافع "هو" فعلٌ مضمرٌ يفسّره قوله: "قام"، فلما حُذف أُبرز الضمير المستكنّ فيه، وجواب الشرط محذوفٌ، وهو المستثنى منه؛ أي: فلا ينصرف من شيء من الأشياء إلَّا من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، وجاز تقدير النفي لما مرّ من أن الكلام في سياق النفي، قال: هذا مذهب ابن مالك، وصاحب "الكشّاف"، وأما ابن الحاجب فيجيز الاستثناء المفرّغ في الموجب