← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها"، أراد: أن تُحدّ، وأن تسأل. قال: والمختار عندي في "بيد" أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى "إلا" مفهوم منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك ﵀ (١). وقال الطيبيّ ﵀: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]: فتًى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ … جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِيَا والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما قوله: وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِب يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاع عَيْبًا، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: "وأوتيناه من بعدهم"؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقًا في الوجود. وعلى هذا الأسلوب أيضًا قوله: "ثم هذا يومهم. . . " إلى آخره، يعني: أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار ﷺ بقوله: "والناس لنا فيه تبعٌ". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢). وقال في "الطرح": وإنما استبعد القاضي عياض كون "بيد" في الحديث الذي نشرحه بمعنى "من أجل"؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو "السابقون"، فهو

стр. 9837

استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى مِن سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد (١) في المعنى كونها بمعنى "غير"، وكونها بمعنى "على"، وكونها بمعنى "إلّا". أما إذا جعلناه متعلّقا بقوله: "الآخرون" اتجه كونها بمعنى "من أجل"؛ أي: نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بيّن وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة. وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية؛ أي: إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر. وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم "بأيد" بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوة أعطاناها اللَّه، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون "إنهم" مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صُحّف، والصواب الأول عند أكثرهم. انتهى. [واعلم]: أن الحديث في "مسند الشافعي" من طريق طاوس، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "بَيْدَ" كما هو الرواية المشهورة.

стр. 9838

ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ "بايد"، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل "بيد"، إلَّا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي بعضها "بأيد"؛ ومعناه: بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في "النهاية"، فقال: وجاء في بعض الروايات "بايد أنهم"، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها "بأيد" أي: بقوّة. ورواه البيهقيّ في "سننه" من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد "بايد"، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (١). وقوله: (أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: أعطيته، واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: "وأوتيناه" للقرآن، وقال القرطبيّ: المراد بـ "الكتاب" التوراة، وفيه نظر؛ لقوله: "وأوتيناه من بعدهم"، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن، قاله في "الفتح". (وَأُوتِينَاهُ) أي: الكتاب، والمراد القرآن (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد انقضاء زمن كلّ الأمم السابقة. (ثمَّ) هي لترتيب الإخبار، ويَحْتَمِل أن تكون لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليوم (٢). (هَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ "هذا" لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا. . . " الحديث. (الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي: فرض اللَّه تعالى علينا أيتها الأمة المحمّدية تعظيمه، وفي الرواية التالية: "وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه" (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي: بالثبات عليه حين شَرَعَ لنا العبادة فيه.

стр. 9839

وقال في "الفتح": قوله: "فهدانا اللَّه له": يَحْتَمِل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: "كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسعد بن زُرَارة. . . " الحديث. فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ ﷺ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خُلق للعبادة، فناسب أن يَشتغل بالعبادة فيه، ولأن اللَّه تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي يَنتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه. انتهى (١). (فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) -بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة- جمع تابع؛ كالخَدَم جمع خادم. قال الحافظ ولي الدين ﵀: الظاهر أن معناه: إنا أول من هداه اللَّه للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تَبَعٌ لنا.

стр. 9840

وعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء اللَّه بنا، فهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم"، وفي رواية: "بينهم قبل الخلائق". ورواه البزّار في "مسنده" بلفظ: "المغفورُ لهم قبل الخلائق". ويَحْتَمِل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلًا به، واللَّه أعلم. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (١). (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ") وفي رواية أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ عند ابن خُزيمة: "فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد". والمعنى: أنه لنا بهداية اللَّه تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم. قال الطيبيّ ﵀: قوله: "اليهود غدًا" أي: اليهود تبع لنا في غد، والنصارى تبعٌ لنا بعد غد، والقرينة قوله: "والناس لنا تبَعٌ". انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: "غدًا" هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله: "وبَعدَ غد"، ولا بدّ من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة. انتهى. وقال ابن مالك ﵀: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد. انتهى. وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبيّ، قاله في "الفتح" (٣).

стр. 9841

قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا وجه لترجيح قول عياض وابن مالك، بل ما قاله القرطبيّ وجيهٌ أيضًا، وأوجه منهما ما قاله الطيبيّ؛ للقرينة الدالّة عليه، كما سبق، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٨/ ١٩٧٨ و ١٩٧٩ و ١٩٨٠ و ١٩٨١] (٨٥٥)، و (البخاريّ) في "صحيحه" (٢٣٨ و ٨٧٦ و ٨٩٦ و ٦٦٢٤ و ٦٨٨٧ و ٧٠٣٦ و ٧٤٩٥ و ٩٦٢٦)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٦٧) و"الكبرى" (١٦٥٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٤٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٣ و ٢٤٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٢٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٣٤ و ٢٥٣٥ و ٢٥٣٦ و ٢٥٣٧ و ٢٥٣٨ و ٢٥٣٩ و ٢٧٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٢٤ و ١٩٢٥ و ١٩٢٦ و ١٩٢٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٤٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الجمعة. ٢ - (ومنها): أن الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا قويًّا على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة. ٤ - (ومنها): أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة. ٥ - (ومنها): بيان سقوط القياس مع وجود النصّ، وذلك أن كلا الفريقين قال بالقياس مع وجود النصّ، فضلّوا بذلك. ٦ - (ومنها): أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل. ٧ - (ومنها): أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز. ٨ - (ومنها): أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية

стр. 9842

الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك. ٩ - (ومنها): أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها اللَّه تعالى شَرَفًا وفضلًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ طَاوُسِ) هو: عبد اللَّه بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيَرِيّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. [تنبيه]: قوله: (وابنِ طاوس. . . إلخ) بالجرّ عطفًا على "أبي الزناد"، فسفيان بن عيينة يرويه بالطريقين: طريقِ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وطريق عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سفيان" هو ابن عيينة. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيينة مثل رواية عمرو الناقد، عنه الماضية. [تنبيه]: رواية سفيان، بهذين الطريقين، ساقها النسائيّ ﵀، فقال: (١٣٦٧) أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وابنِ طاوس، عن أبيه، عن أبي

стр. 9843

هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب اللَّه عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأَسَديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرِعٌ، لكنه يدلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذَكْوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله. وقوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ) وفي الرواية التالية: "نحن السابقون" أي: في الفضل والكرامة على اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

стр. 9844

أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ : "أنتم موفّون سبعين أمةً، أنتم خيرها، وأكرمها على اللَّه "، حديث حسنٌ، رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما. وقوله: (فَاخْتَلَفُوا. . . إلخ) هكذا في هذه الرواية بذكر "اختلفوا" مرّتين، فيحتَمِل أن يكون هذا لبيان مطلق اختلافهم على أنبيائهم، و"اختلفوا" الثاني لبيان اختلافهم في يوم الجمعة، ويَحْتَمِل أن يكون الثاني تفصيلًا لما أُجمل في الأولى، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) قال القاضي عياض ﵀: الظاهر أنه فُرِض عليهم تعظيم يوم في الجمعة (١) بغير تعيين، ووُكِل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختَلَف اجتهادهم في تعيينه، ولم يَهْدِهم اللَّه له، وفرضه على هذه الأمة مُبَيَّنًا، ولم يَكِله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء أن موسى ﵇ أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دَعْهُم، قال القاضي: ولو كان منصوصًا لم يصح اختلافهم فيه، بل كان يقول: خالفوا فيه. وتعقّبه النوويّ، فقال: يمكن أن يكون أُمروا به صريحًا، ونُصّ على عينه، فاختلفوا فيه، هل يلزم تعيينه، أم لهم إبداله؟ وأبدلوه، وغَلِطُوا في إبداله. انتهى (٢). وقوله: (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لَمّا فُرِض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه للَّه، واتخاذه عيدًا للاجتماع فيه لذكر اللَّه فيه، ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا اللَّه للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعًا، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ.

стр. 9845

وإنما ضَلّت الطائفتان قبلنا؛ لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسولهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ. وفي الحديث دليلٌ على أن الجمعة فرض من اللَّه واجب علينا، كما كان على من قبلنا، فإن اللَّه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيدًا ومجمعًا لذكر اللَّه وعبادته، فبدّلوه بغيره من الأيام، وهدانا اللَّه لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيدًا؛ لذكر اللَّه والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. انتهى (١). وقوله: (قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) هذا بيان لاسم الإشارة في قوله: "هذا يومهم الذي. . . إلخ"، يعني: أن المشار إليه هو يومُ الجمعة، وفي رواية النسائيّ: "يعني: يوم الجمعة"، وهي واضحة، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَالْيَوْمَ لَنَا) يَحْتَمِل أن يكون "اليوم" مرفوعًا على الابتداء، خبره "لنا"، ويَحْتَمِل النصب على الظرفيّة، و"لنا" صفة لمبتدأ محذوف؛ أي: عيدٌ لنا كائن اليوم، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى) تقدّم أنه على حذف مضاف؛ أي: عيد اليهود كائن غدًا، وعيد النصارى كائنٌ بعد غد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، أَخي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ

стр. 9846

الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا قبل باب. وقوله: (فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) قال الطيبيّ نقلًا عن البيضاويّ: معنى قوله: "فهدانا اللَّه له" بعد قوله: "فُرض عليهم" أن اللَّه تعالى أمر عباده، وفَرَضَ عليهم أن يجتمعوا يوم الجمعة، فَيَحْمَدوا خالقهم، ويشكروه بالعبادة، وما عيّنه لهم، بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم، ويُعيّنوه باجتهادهم، فقالت اليهود: هو يوم السبت؛ لأنه يوم فراغ، وقطع عمل، فإن اللَّه تعالى فرغ من خلق العالم، فينبغي للخلق أن يُعرِضُوا عن صنائعهم، ويتفرّغوا للعبادة، وزعمت النصارى أن المراد به يوم الأحد، فإنه يوم بَدْءِ الخلق الموجب للشكر والعبادة، فهدى اللَّه تعالى هذه الأمة، ووفّقهم الإصابة، حتى عيّنوا الجمعة، وقالوا: إن اللَّه تعالى خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى، ولأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي الجمعة أوجد الإنسان نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهمّ وأحرى، ولَمّا كان مبدأ دور الإنسان، وأول أيامه يوم الجمعة، كان المتعبّد فيه باعتبار العبادة متبوعًا، والمتعبّد في اليومين اللذين بعده تابعًا. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٢] (٨٥٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ

стр. 9847

مَنْ كَانَ قَبْلنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ"، وَفي رِوَايَةِ وَاصلٍ: "الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الهمدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧. ٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمِي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. ٤ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠. ٥ - (أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ذُكر في السند الماضي. ٧ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة، وآخره شينٌ معجمة- أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] مات سنة مائة، وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٨ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حُسَيل -بمهملتين مصغرًا- ويقال: حِسْل -بكسر، ثم سكون- الْعَبْسيّ -بالموحدة- حليف الأنصار الصحابي الجليل، من السابقين الأولين، ومات في أول خلافة عليّ ﵁ سنة ست وثلاثين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧.

стр. 9848

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، فكلاهما أخذا من لفظ ابن فضيل، فقالا: "حدّثنا". ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه واصل، فما أخرج له البخاريّ. وأبي مالك، فقد علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّين، أبو مالك، عن أبي حازم، ورِبْعيّ. ٥ - (ومنها): أنه مرويّ عن صحابييّن شهيرين، فأما أبو هريرة ﵁، فقد مرّ الكلام عليه قريبًا، وأما حُذيفة ﵁، فهو الصحابيّ الجليل، ثبت في "صحيح مسلم" عنه أن رسول اللَّه ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأعلمه بأسماء المنافقين، وأبوه صحابيّ أيضًا استُشْهِد ﵁ بأحد، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبي حَازمٍ) سلمان الأشجعيّ ﵀ (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) ﵁ (وعَنْ ربْعِيِّ بْنِ حرَاشٍ) معطوف على "أبي حازم"، فأبو مالك الأشجعيّ ﵀ له طريقان لهذا الحديث: إحداهما: طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، والثانية: طريق رِبْعيّ بن حِرَاش، عن حذيفة ﵁. (عَنْ حُديْفَةَ) بن اليمان ﵄ (قَالَا) أي: أبو هريرة، وحذيفة ﵄ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ) ؛ أي: خلق فيهم الضلال، وهو ضدّ الهداية، وفيه نسبة الإضلال إلى اللَّه تعالى، فالهداية والضلال من اللَّه ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، كما نطق به الكتاب في غير ما آية: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ولبعضهم: أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى … مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى (عَن الْجُمُعَة) أي: عن تعظيمها، وعبادة اللَّه تعالى فيها (مَنْ كَانَ قَبْلَنَا) المراد به اليهود، والنصارى، بدليل قوله (فَكَانَ لِلْيَهُود يَوْمُ السَّبْت) أي: بدلًا عن الجمعة، وقد تقدّم الكلام على اختيارهم السبت (وَكَانَ للنَّصَارَى يَوْمُ

стр. 9849

الأَحَد) أي: بدلًا من الجمعة أيضًا (فَجَاءَ اللَّهُ) (بنَا) أي: خلقنا، وأوجدنا بعد هؤلاء (فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْم الْجُمُعَة) أي: دلّنا على تعظيمه، وعبادته فيه، ووفَّقَنا لامتثال أمره، فضلًا ونعمةً، فله الحمد والثناء (فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ) هذا فيه دلالة أن أوّل الأسبوع الشرعيّ يومُ الجمعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث السابق (وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: كما أنهم تبع في هذه الأيام المذكورة، هم تبع لهذه الأمة يوم القيامة، بحيث يكونون بعدها في الحساب، والميزان، والقضاء، ودخول الجنة، وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم. (نَحْنُ الآخرُونَ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي: المتأخرون وجودًا (منْ أَهْل الدُّنْيَا) الجار والمجرور حال من "الآخِرون"؛ أي: حال كوننا من جملة أهل الدنيا. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "الآخِرون" اللام فيه موصولة، و"من أهل الدنيا" حال من الضمير الذي في الصلة. انتهى (١). (وَالأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: المتقدّمون على جميع الأمم في الفضل الذي يكون هناك، وأهمُّه الإراحة من هول الموقِف، كما بيّنه بقوله: (الْمَقْضيُّ لَهُمْ) صفة لـ "الأوّلون"، والضمير في "لهم" راجع إلى اللام؛ لأن المعنى: الآخرون الذين يُقضى لهم قبل الناس؛ ليدخلوا الجنّة قبلهم، كأنه قيل: نحن الآخرون السابقون، قاله الطيبيّ ﵀ (٢). (قَبْلَ الْخَلَائِق") متعلق بـ "المقضيّ"؛ أي: الذين يُقضَى لهم قبل الناس ليدخلوا الجنّة. وقوله: (وَفي رِوَايَةِ وَاصِلٍ: "الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ") يعني: أن شيخه أبا كُريب رواه بلفظ: "المقضيّ لهم"، وشيخه واصلًا رواه بلفظ: "المقضيّ بينهم"، والمعنى متقارب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9850

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة، وحذيفة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ١٩٨٢ و ١٩٨٣] (٨٥٦)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٦٨) و"الكبرى" (١٦٥٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٤٠ و ٢٥٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٢٨)، وفوائده تقدمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٩٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَضَلَّ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا"، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ ابِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١. والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سعد بن طارق" هو: أبو مالك الأشجعي المذكور في السند السابق. وقوله: (هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: هدانا اللَّه تعالى إلى تعظيم الجمعة. وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن أبي زائدة. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9851

(٩) - (بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٤] (٨٥٠) (١) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (٢)، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ، أنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ (٣)، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) بتشديد الواو، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، تقدّم قبل باب. ٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٧ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأغَرُّ) سلمان الأغرّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى جُهَينة، أصله من أصبهان، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٣/ ٣١٩. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ذُكِر قبل حديث.

стр. 9852

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) سلمان (الْأَغَرُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) يَحْتَمِل أن تكون "كان" ناقصة، واسمها محذوف، و"يوم" منصوب على أنه خبرها؛ أي: إذا كان الوقت يومَ الجمعة، أو "يومُ" مرفوع على أنه اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: حاضرًا، ويَحْتَمِل أن تكون تامّة، و"يومُ" فاعلها؛ أي: إذا جاء يومُ الجمعة. (كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "وقَفَت الملائكة"، وللنسائيّ: "قَعَدت الملائكة"، وفي رواية ابن خزيمة: "على كل باب من أبواب المسجد ملكان، يكتبان الأول، فالأول". والمراد بالملائكة هنا غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة خاصّة، فقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "إذا كان يوم الجمعة بعث اللَّه ملائكةً بصحف من نور، وأقلام من نور. . . " الحديث، قال الحافظ: وهو دالّ على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة. انتهى. والمعنى: أنهم يستمرّون من طلوع الفجر، وهو أول اليوم الشرعيّ، أو من طلوع الشمس، وهو أول النهار العرفيّ، أو من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال، قال القاري: وهو أقرب، ورجّحه الشاه وليّ الدهلويّ في "المسوى

стр. 9853

شرح الموطأ" (١/ ١٥) وإليه مال الشوكانيّ، وبه قالت المالكية، وهو وجه للشافعية، والأول ظاهرُ كلام الشافعيّ، وصححه النوويّ، والرافعيّ، وغيرهما، والثاني أيضًا وجه للشافعية، واختار الثالثَ ابنُ رُشد في "بداية المجتهد"، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق. (يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ) وفي رواية النسائيّ: "فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إلَى الْجُمُعَة"، وفي رواية له: "يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول". قال الطيبيّ ﵀: قوله: "الأول فالأول" أي: الداخل الأول، والفاء فيه، و"ثُمّ" في قوله: "ثمّ كالذي يُهدي بقرةً" كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، ولكن في الثانية تراخٍ، ليست في الأولى، وفيه إشكالٌ؛ لأن الثانية مسبَّبةٌ عن الأولى، والجواب أن الفاء آنت بالتعاقب الذي ينتهي إلى أعداد كثيرة، وليس كذلك "ثُمّ"، ومن ثَمَّ جيء بها متعدّدةً. انتهى (١). (فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ) وفي رواية البخاريّ: "فَإذَا خَرَجَ الإِمَامُ"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لأنه يُحمَل على أنهم بخروج الإمام يحضرون إلى المنبر من غير طيّ، فإذا جلس الإمام على المنبر طووا الصحف، أو يقال: ابتداء طيّهم الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم الذكر، واللَّه تعالى أعلم. والمراد بخروج الإمام خروجه من مكانه؛ ليصعد المنبر، أو المراد بالخروج ظهوره بصعوده المنبر، وجلوسه عليه، واللَّه تعالى أعلم. (طَوَوُا الصُّحُفَ) أي: طوت الملائكة الصحف التي كانوا يكتبون فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وفي حديث ابن عمر ﵄ بيان صفة تلك الصحف، بأنها صحف من نور، وأقلام من نور. والمراد من طيّ الصحف طيّ صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء، والخشوع، ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعًا. ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه: "فمن جاء بعد ذلك، فإنما يجيء

стр. 9854

لحقّ الصلاة"، يعني: فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في الأجر. (وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: خطبة الإمام. (وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ) -بضم الميم، وتشديد الجيم- اسم فاعل، من التهجير، قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: المراد الذي يأتي في الهاجرة؛ أي: عند شدّة الحرّ، قُربَ نصف النهار، فيكون دليلًا للمالكية في قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد الزوال، لا قبله؛ لأن التهجير هو السير في الهاجرة؛ أي: نصف النهار. قال الحافظ: وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدّم نقله عن الخليل في "المواقيت". وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت الحَرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حُجّة فيه لمالك. وقال الطيبيّ ﵀: الواو في قوله: "ومَثَلُ المهجّر" عَطَفَت الجملة على الجملة الأولى، وفوّضت الترتيب إلى الذهن؛ لأنها وقعت موقع الفاء التفصيليّة، والواو هنا أوقع من الفاء؛ لأنها توهم العطف على الأول والثاني، والحال أنه عطف على "يكتبون". وقال التوربشتيّ: مَنْ ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب، وسلك طريقًا حسنًا من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة، تغليبًا، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط، وهذا كما يُسمّى النصف الأوّل من النهار غَدْوةً، والآخر عَشيّةً. انتهى (١). وقال ابن منظور -بعد أن أورد حديث الباب، وحديث: "لو يَعلمُ الناسُ ما في التهجير لاستبقوا إليه"- ما نصه: قال الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من الْمُهاجَرَة وقتَ الزوال، قال: وهو غلَطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال:

стр. 9855

التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، قال الأزهريّ: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد: رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا فقرن الْهَجْر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والمضيّ، يقال: راح القوم؛ أي: خَفُّوا، ومَرُّوا، أيّ وقت كان، وقوله ﷺ : "لو يَعلمُ الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، أراد التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجلُ: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالهَجْر. وأنشد الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ في "نوادره"، قول الشاعر: يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ قال الأزهري: أي: يبكّرون بوقت الفجر. انتهى ما ذكره ابن منظور باختصار (١). (كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ) وفي بعض النسخ: "يُهدي بدنةً"، وفي رواية النسائيّ: "كَالْمُهْدي بدنةً"؛ أي: كالشخص الذي يُهدي بدنةً، من أهدى الرباعيّ، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بَعَثْتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهَدْيَ إلى الحرم: سُقْتُهُ، والجارّ والمجرور خبر قوله: "مثلُ المهجّر". و"البَدَنَةُ" بفتحتين: جمعها بَدَنات، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وبُدُن أيضًا بضمتين، وتسكن داله تخفيفًا. والمعنى: أنه كالمتصدّق بها متقرّبًا إلى اللَّه تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظيرُ ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربانُ؛ لأن القربان لم يُشرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي برقم [١٩٦٤] (٨٥٠).

стр. 9856

(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً) يشمل الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة، لا للتأنيث، كما تقدم في "البدنة" وسميت بقرة لأنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها بالحراثة، والبَقْرُ الشق. وفيه دليل على أن البَدَنَة لا تشمل البقرة؛ لتقابلها بها، وإليه ذهب الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: البدنة تُطلق على البقر أيضًا، وإنما أُريد هنا البعير خاصّةً لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفي عموم الإطلاق. (ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ) بفتح، فسكون: هو الْحَمَلُ (١) إذا أثنى، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ، قاله في "القاموس" (٢)، وتقدّم وصفه بلفظ: "كبشًا أَقْرَنَ"؛ أي: له قرنٌ؛ ووصفه له؛ لأنه أكمل، وأحسن صورةً، ولأن قرنه يُنتفع به (٣). (ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ) تقدّم أنها مثلّثة الدّال، والفتح أفصحها، سميت بذلك لإقبالها وإدبارها. (ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ") بفتح، فسكون واحدة البيض، بفتح، فسكون أيضًا، وتقدّم تمام البحث فيها. والمراد هنا بيض الدجاج. ثم إنه استُشكل التعبير في الدجاجة، والبيضة بقوله: "ثم كالذي يُهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما، وقد تقدّم الجواب عنه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ١٩٨٤ و ١٩٨٥ و ١٩٨٦] (٨٥٠)، و (البخاريّ)

стр. 9857

في "الجمعة" (٩٢٩)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٨٥) و"الكبرى" (١٦٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٣٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٣ و ٢٦٤ و ٢٨٠ و ٥٠٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٥١ و ١٥٥٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٦٨)، و (أبو نعيم) في"مستخرجه" (١٩٢٩ و ١٩٣٠ و ١٩٣١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل التبكير إلى الجمعة. ٢ - (ومنها): أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. وأخرج ابن ماجه بسنده عن علقمة، قال: خرجت مع عبد اللَّه إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من اللَّه يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة، الأول، والثاني، والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد" (١). ٣ - (ومنها): أن القليل من الصدقة غير مُحَقّر في الشرع. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأفضل في الهدي والأضحية الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لكونه ﷺ قَدَّم الإبل، وجعل البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الدرجة الثالثة، وهذا مجمع عليه في الهدي، وقال به في الأضحية أيضًا أبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وقال مالك: الأفضل في الأضحيّة الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، ومنهم من قدّم الإبل على البقر، حكاه القاضي عياض، قالوا: والمقصود في الأضاحي طيب اللحم، وفي الهدايا كثرة اللحم. واحتجّوا بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، وكان

стр. 9858

كبشًا، قال بعضهم: لو علم اللَّه حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به إسماعيل، وورد في حديث رواه البزّار، وابن عبد البرّ عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، عن جبريل ﵇ في أثناء حديث: "اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من السيد (١) من المعز، ومن البقر، والإبل، ولو علم اللَّه ذبحًا خيرًا منه لفَدَى به إبراهيم ابنَهُ"، قال ابن عبد البرّ: وهذا الحديث لا أعلم له إسنادًا غير هذا، انفرد به الحُنينيّ (٢)، وليس ممن يُحتجّ به. ثانيها: أنه ﷺ ضحّى بكبشين، فلو كان الإبل والبقر أفضل لما عدل عنهما إلى الغنم. ثالثها: أنه ﷺ قال: "خير الأضحية الكبش الأقرن". رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ بإسناد صحيح. والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أنه لا يلزم من كون الكبش عظيمًا أن لا يكون غيره من الأنعام وغيرها أعظم منه. الثاني: لو سُلّم ذلك فهذا خاصّ بذلك الكبش؛ لأنه ذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه رَعَى في الجنة أربعين خريفًا، وأنه قرّبه ابن آدم، فتُقُبّل منه، ورُفع إلى الجنة (٣)، فلذلك قيل فيه: عظيم. والجواب عن الثاني أنه لا يلزم من تضحيته ﷺ ترجيح الغنم؛ لأمرين: أحدهما: أنه قد ثبت في الصحيح أنه ﷺ ضحّى عن نسائه بالبقر، فلو دلّت تضحيته بالغنم على أفضليتها لدلّت تضحيته بالبقر على أفضليتها، ويتعارض الخبران. ثانيهما: أنه ثبت في الصحيح أنه ﷺ أهدى غنمًا، فلو دلت تضحيته

стр. 9859

بالغنم على أفضليتها في الأضحيّة لدلّ إهداؤه لها على أفضليتها في الهدايا، وليس كذلك بالاتفاق، كما تقدّم. وقول القاضي عياض: إن النبيّ ﷺ إنَّما ضحّى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل، كما لم يتركه في الهدايا، فيه نظر، لما قدّمناه أنه ضحّى بغير الضأن، وأنه تَرَكَ الأفضلَ في حقنا في الهدايا، فأهدى الغنم، وكان ﷺ إذا فعل العبادة المفضولة، كانت في حقِّه فاضلة، لكونه يُبيّن بذلك شرعيتها. وقد تُحملُ تضحيته ﷺ بالكبشين على أنه لم يجد في ذلك الوقت إلا الغنم، أو أنه فعله لبيان الجواز، واللَّه أعلم. والجواب عن الثالث، وهو أقوى ما استدلّوا به أنه محمول على تفضيل الكبش على مُساويه من الإبل والبقر، فإن البدنة والبقرة كل منهما يُجزئ عن سبعة، فيكون المراد تفضيلَ الكبش على سُبُع بدنة، وسُبُع بقرة، أو تفضيل سَبْع من الغنم على البدنة والبقرة، لتتفق الأحاديث، فإن ظاهر الحديث الذي نحن في شرحه موافق للجمهور. قال الحافظ العراقيّ ﵀: وقد يُجاب بأن المراد خير الأضحية بالغنم الكبشُ، قال: وفيه تعسّف. انتهى. واحتجّ الجمهور أيضًا بقياس الضحايا على الهدايا، وأيضًا فقيل في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن المراد شاة، وذلك يدلّ على نقصان مرتبتها عن غيرها من النَّعَم، وأيضًا فإن النبيّ ﷺ سُئل عن أفضل الرقاب، فقال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها"، ولا شكّ في أن الإبل والبقر أنفس عند الناس، وأغلى ثمنًا من الغنم. ذكره وليّ الدين ﵀. ٥ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن مَن التزم هديًا يكفيه أن يخرج ناقة، أو بقرة، أو شاة؛ لأنه ﷺ أطلق لفظ الهدي على الثلاثة، وقد اتفق العلماء على ذلك في الإبل، والبقر، واتفق الشافعية في الغنم أيضًا، وعن مالك أنه أجاز الشاة مرّة، ومرّة لم يُجزها، واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه قد يُستدلّ بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضًا، لكن ينافيه قوله في آخره: "فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف"، فدلّ على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحبّ في حقّ غيره.

стр. 9860

قال الماورديّ ﵀ من الشافعية: يُختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تُقام فيه الصلاةُ، ولا يبكّر، اتباعًا لفعل النبيّ ﷺ ، واقتداء بالخلفاء الراشدين، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر. انتهى. ٧ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية أن المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وقَيَّد في رواية أخرى، فقال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح. . . " الحديث، فاقتضى هذا أن التهجير إلى الجمعة إنما يكون كإهداء البدنة، وكذا ما بعدها بشرط تقدّم الاغتسال عليه في ذلك اليوم، والقاعدة حمل المطلق على المقيّد. قاله وليّ الدين ﵀. ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجمعة تصحّ قبل الزوال، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من مسائل شرح حديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو الناقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (سَعِيدُ) بن المسيِّب، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بمثل ما حدّث به يونس بن يزيد الأيليّ عنه في روايته السابقة.

стр. 9861

[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٤٦) فقال: (١٩٢٩) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ (ح) وثنا فاروق الخطابيّ، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ، والرماديّ، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، سمعت الزهريّ، وحفظته منه، عن سعيد بن المسيِّب، أنه أخبره عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من المسجد ملائكة، يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول، فإذا خرج الإمام طُوِيت الصحفُ، واستمعوا إلى الخطبة، والمهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة". ثم قال: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلكٌ، يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مَثَّلَ الْجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُمْ، حَتَّى صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طُوِيتِ الصُّحُفُ، وَحَضَرُوا الذِّكْرَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ -بتشديد التحتانية- المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان، تقدّم قريبًا أيضًا. و"أبو هُريرة" ﵁ ذُكر قبله.

стр. 9862

وقوله: (مَثَّلَ الْجَزُورَ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه: الأول "مَثَّلَ" بتشديد الثاء، وفتح الميم. و"الْجَزُورُ" قال الفيّوميّ ﵀: "الْجَزُور" من الإبل خاصّة يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر مثلُ رسول ورُسُل، ويجمع أيضًا على جُزُرات، ثم على جزائر، ولفظ الْجَزُور أُنثى، يقال: رَعَت الْجَزور، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الْجَزُور: الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرتُ الجزورَ وغيرها، من باب قَتَل: نَحَرْتها، والفاعل: جَزّار، والْحِرْفةُ: الْجِزَارة بالكسر، والْمَجْزَر: موضع الْجَزْر، مثل جَعْفَر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرةٌ. انتهى (١). وقوله: (ثُمَّ نَزَّلَهُمْ) بتشديد الزاي، مبنيًّا للفاعل؛ أي: ذَكَر النبيّ ﷺ منازلهم في السبق والفضيلة. وقوله: (حَتَّى صَغَّرَ) بتشديد الغين المعجمة، مبنيًّا للفاعل أيضًا. وقوله: (إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ) بفتح الميم، والثاء المخففة. وقوله: (وَحَضَرُوا الذِّكْرَ) وفي نسخة: "وحضروا للذكر"؛ أي: لسماع الخطبة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٧] (٨٥٧) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ

стр. 9863

يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) الْعَيْشيُّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْحُ) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غَيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ) "من" شرطيّة، والفعل مبنيّ للفاعل، جوابها: "غُفِرَ له. . . إلخ". والمراد أنه اغتسل للجمعة؛ لحديث: "إذا أتى أحدكم الجمعة، فليغتسل"، متّفقٌ عليه، أو مطلقًا، وفيه دلالة على أنه لا بدّ في إحرازه لما ذُكر من الأجر من الاغتسال، إلا أن في الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنّة، وليس بواجب، وقيل: ليس فيها نفي الغسل، وقد ذُكر الغسل في هذه الرواية، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء في الرواية التالية لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء (١).

стр. 9864

(ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: الموضع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، كما يدلّ عليه قوله: (فَصَلَّى) أي: من مطلق النوافل (مَا قُدِّرَ لَهُ) بتشديد الدال، مبنيًّا للمفعول، وفيه دليلٌ على مشروعيّة الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حدّ لها، وليس لها سنّة قبلية بعدد معيّن، كما يزعمه بعض الناس، وسيأتي تمام البحث في هذا في آخر أبواب الجمعة، عند شرح حديث: "إذا صلّيتم بعد الجمعة، فصلّوا أربعًا" -إن شاء اللَّه تعالى- (ثُمَّ أَنْصَتَ) أي: سكت مستمعًا، يقال: أنصت الرجل للقارئ: إذا استمع له، يتعدّى بالحرف، وقد يُحذف الحرف، فيقال: أنصت القارئ، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيًّا، من باب ضرب (١). وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "ثم أنصت"، هكذا هو في أكثر النسخ المحقَّقة المعتمدة ببلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن الجمهور، ووقع في بعض الأصول المعتمدة ببلادنا: "انتصت"، وكذا نقله القاضي عن الباجيّ، وآخرون: "انتصت" بزيادة تاء مثناة فوقُ، قال: وهو وَهَمٌ. قال النوويّ: قلت: ليس هو وَهَمًا، بل هي لغة صحيحة، قال الأزهريّ في "شرح ألفاظ المختصر": يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات. انتهى (٢). (حَتَّى يَفْرُغَ) بضمّ الراء، ويجوز فتحها، يقال: فَرَغ من الشّغْل فُرُوغًا، من باب قَعَدَ، وفرغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفَرَاغ، قاله في "المصباح" (٣). (مِنْ خُطْبَتِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول من غير ذكر الإمام، وعاد الضمير إليه؛ للعلم به، وإن لم يكن مذكورًا. انتهى (٤). (ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ) بالرفع عطفًا على "ثم أنصت" (غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول (مَا بَيْنَهُ) أي: ذنوب ما بينه (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) أي: الماضية، لا المستقبلة؛ لما رواه النسائيّ من حديث سلمان ﵁ مرفوعًا: "ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة. . . " الحديث، وفيه: "إلا كان كفّارةً لما قبله من الجمعة"، وفي رواية

стр. 9865

ابن خزيمة: "غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها" (١). (وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ") أي: من الأيام التي تأتي بعد يوم الجمعة. وقوله: "فَضْلُ" مرفوعٌ عطفًا بالواو بمعنى "مع" على "ما" في قوله: "ما بينه"؛ أي: بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذُكِرَ مع زيادة ثلاثة أيّام على السبعة؛ أي: وغُفِرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبعة؛ لتكون الحسنة بعشر أمثالها. ويجوز جرّ "فضل" عطفًا على "الجمعة"، ونصبه على المفعول معه. وقال النوويّ ﵀: وقوله ﷺ : "وفضل ثلاثة أيام"، وكذا قوله الآتي: "وزيادة ثلاثة أيام" هو بنصب "فضل"، و"زيادة" على الظرف. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون النصب على الظرف محلّ تأمّل، بل الظاهر أن النصب على المفعول معه، إلا أن يريد بالظرف معنى المفعول معه، وهو غريبٌ، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين، وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فَعَلَ فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تُجْعَل بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية، حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة. انتهى (٢). [فإن قلت]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن سلمان الفارسيّ ﵁، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع، من طهر، ويَدَّهن من دهنه، أو يَمَسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه

стр. 9866

وبين الجمعة الأخرى"، فقد اقتصر فيه على غفران ذنوب أيام الأسبوع فقط، فكيف التوفيق بينه وبين حديث الباب؟. [قلت]: يُجاب بأنه ﷺ أخبر أولًا أن الغفران لأيام الأسبوع، ثم تفضّل اللَّه تعالى بزيادة ثلاثة أيام، فأخبر به، وذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فضلًا من اللَّه ونعمة، والحمد والشكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٩٨٧] (٨٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٣٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الجمعة، وفضيلة الغسل لها، وهو مستحبّ عند الجمهور؛ لقوله في الرواية التالية: "من توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة. . . " الحديث. ٢ - (ومنها): بيان فضل الاستماع، والإنصات للخطبة. ٣ - (ومنها): بيان فضل الصلاة قبل الجمعة من غير عدد معيّن؛ لقوله ﷺ : "فصلّى ما قُدّر له". ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن النهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، لا بعد الفراغ منها، ولو قبل الصلاة، فإنه لا نهي عنه، كما دلّت عليه لفظة: "حتى يفرغ من خطبته". ٥ - (ومنها): بيان أن الحسنة بعشر أمثالها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 9867

[١٩٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيُّ الأصلِ، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِي وهو صغير، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله اثنتان وثمانون سنةً، وقد رُمِي بالإرجاء (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل، وذلك أن يحيى سمع قراءة القارئ على أبي معاوية، ولذا قال: "أخبرنا"، والآخران سمعا من لفظه مع غيرهما، ولذا قالا: "حدّثنا"، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.

стр. 9868

٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وأبي هريرة، وأبي صالح، فمدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، كما تقدّم قريبًا (تَوَضَّأَ) قد استدلّ به الجمهور على أن غسل الجمعة سنّة، غير واجب وجوب الفرض الذي يأثم تاركه، قال القرطبيّ ﵀: ذَكَرَ فيه الوضوء واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب عليه الصحّة والثواب عليه، فدلّ على أن الوضوء كافٍ، من غير غسل، وأن الغسل ليس بواجب. انتهى (١). وقد تقدّم بيان الخلاف في هذه المسألة مع ترجيح ما ذهب إليه الجمهور من سنّيّة الغسل للجمعة بأدلّته في شرح قوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى بمكملاته من سننه ومستحبّاته، قال النوويّ ﵀: معنى إحسان الوضوء: الإتيان به ثلاثًا ثلاثًا، ودلك الأعضاء، وإطالة الغرّة والتحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه المشهورة. انتهى. (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: أتى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وقال القاري ﵀: أي: حضر خطبتها وصلاتها. انتهى. (فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ) قال النوويّ ﵀: هما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 9869

(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول جواب "من" (مَا) موصولة نائب فاعل "غُفِر"، وهي واقعة على الذنوب؛ أي: الذنوب التي (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ) أي: السابقة، وهي سبعة أيّام؛ بناءً على أن الحساب من وقت الصلاة إلى مثله من الثانية، فبزيادة ثلاثة أيام تتم العشرة. قال الإمام ابن حبّان ﵀ بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قد يَتَوهّم من لم يَسْبُرْ صناعة الحديث أن الجمعة إلى الجمعة ثمانية أيّام، وليس كذلك؛ لأن النبيّ ﷺ لم يقل غُفِر له من الجمعة إلى الجمعة، فوقتُ الجمعة زوال الشمس، فمن زوال الشمس يومَ الجمعة إلى زوال الشمس يوم الجمعة الأخرى سبعة أيّام، وقوله: "وزيادة ثلاثة أيّام" تمام العشرة، قال اللَّه جلّ وعلا: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهذا مما نقول في كتبنا: إن المرء قد يَعْمَل طاعةً اللَّه جلّ وعلا، فيغفر اللَّه له بها ذنوبًا لم يكتسبها بعدُ. انتهى (١). وقوله: (وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) تقدّم أنه يجوز فيه أوجه الأعراب الثلاثة: الرفع عطفًا على "ما"، والنصب على المفعوليّة معه، والجرّ عطفًا على "الجمعة" (وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى) أي: لتسويتها، سواءٌ مسّها في الصلاة، أو قبلها في حال الخطبة بطريق اللعب (فَقَدْ لَغَا") قال القرطبيّ ﵀: أي: فقد أتى لغوًا من الفعل، أو القول، قال الهرويّ: لغا: تكلّم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه، وقال النضر بن شُميل: خاب، ألغيته خيّبته، وقال ابن عرفة: اللغو الشيء الْمُسْقَطُ؛ أي: الملغَى، يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلْغَى. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: وفيه النهيُ عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود. انتهى (٣).

стр. 9870

وقال القرطبيّ ﵀: وفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة، والتجرّد لذلك، والإعراض عن كل ما يَشْغَلُ عنها، ولذلك قال النبيّ ﷺ : "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أَنْصِتْ، والإمام يخطب، فقد لغوت"، متّفقٌ عليه. وهو حجة للجمهور على وجوب الإنصات للخطبة على من كان سامعًا، وذُكر عن الشعبيّ، والنخعيّ، وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة من شرح حديث أبي هريرة ﵁ مرفُوعًا الماضي في [١٩٦٥] (٨٥١): "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت. . . " الحديث، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٩٨٨] (٨٥٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٥٠)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٩٨)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٥٦ و ١٨١٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٣٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٣٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9871

(١١) - (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٩] (٨٥٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قَالَ حَسَنٌ: فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ إمامٌ حجةٌ (ت ٢٣٨) وله اثنتان وسبعون (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) ين سليمان الأُمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٤ - (حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ) -بتحتانية، ثم معجمة- ابن سالم الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو أبي بكر المقرئ، صدوقٌ [٨]. رَوَى عن الأعمش، ومغيرة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق الشيبانيّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعمرو بن ميمون، وابن عجلان، وابن إسحاق، وجعفر الصادق، وزائدة، والثوريّ، وكان وصيَّه. ورَوَى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى بن آدم، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وأبو معاوية، وابن أبي زائدة، وقبيصة، وأحمد بن يونس، ويحيى الْحِمّانيّ، وغيرهم.

стр. 9872

قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة، قال عثمان: ليسا بذاك، وهما من أهل الصدق والأمانة، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الطحاويّ: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال يحيى الْحِمّانيّ: مات سنة (١٧٢). أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوقٌ، فقيهٌ، إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩. ٦ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة تلقيه عنهما، وهو أنه سمع من لفظهما مع غيره، ثم فرّق بينهما في شيخهما؛ لاختلافهما في الكيفيّة، فقد صرّح أبو بكر بـ "حدّثنا"، وأما إسحاق، فلعله قال: "أخبرنا"، أو عنعنه، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، والثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ ﵄، ومن أفاضل الصحابة ﵃، غزا مع النبيّ تسع عشرة غزوةً، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، ومن المعمّرين، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9873

شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ) -بضم النون- من الإراحة، يقال: راحت الإبل تَرُوح، فهي رائحة: إذا رجعت من المَرْعَى، قال الأزهريّ: وأما راحت الإبل، فهي رائحة، فلا يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها، يُقال: سَرَحَتْ بالغداة إلى الرَّعْي، وراحَتْ بالعشيّ على أهلها؛ أي: رجعت من المَرْعى إليهم، وقال ابن فارس: الرَّواح رَوَاح العشيّ، وهو من الزوال إلى الليل، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: ومعنى "نُريح"؛ أي: نُريحها من العمل، وتَعَب السقي، فنخلّيها منه، وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي. انتهى (٢). (نَوَاضِحَنَا) جمع ناضح، وهو البعير الذي يَحْمِل الماء لسقي الزرع، يقال: نَضَحَ البعيرُ الماءَ: حَمَله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ؛ أي: يَبُلُّهُ بالماء الذي يَحْمِله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كل بعير، وإن لم يَحْمِل الماء، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣). وقال النوويّ ﵀: سُمِّي بذلك؛ لأنه ينضح الماء؛ أي: يَصُبّه. انتهى. (قَالَ حَسَن) أي: ابن عيّاش الراوي عن جعفر الصادق (فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ) الصادق مستفهمًا تلك الساعة التي يصلي فيها النبيّ ﷺ صلاة الجمعة (فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟) اسم الاشارة مبتدأ مؤخّرٌ، خبره الجارّ والمجرور قبله، ثم إنه يَحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى الصلاة؛ أي: في أيّة ساعة واقعة تلك الصلاة؟، وعلى هذا فالظاهر أنهم صلوها وقت الزوال، ويَحْتَمِل أن تكون الإشارة للإراحة، وعلى هذا فالمتبادر أن الصلاة كانت قبل الزوال، فيكون دليلًا لمن قال بصحتها قبل الزوال، وهو قول الإمام أحمد، وإسحاق ابن

стр. 9874

راهويه، وقد تقدّم أنه الراجح، وقد استوفيت هذا البحث في المسألة التاسعة من المسائل المذكورة في أول "كتاب الجمعة"، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. [فائدة]: "أية" لغة في "أيّ" الاستفهامية، والأفصح في استعمالها، وكذا الشرطية أن تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث؛ لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث، نحو أي رجل جاء، وأيّ امرأة قامت، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقال تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقد تُطابَقُ في التذكير والتأنيث، نحو أيّ رجل، وأيّة امرأة، وقُرئ شاذًّا: "بأية أرض تموت" (١)، ومنه هذا الحديث، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) جعفر ﵀ (زَوَالَ الشَّمْسِ) يَحْتَمِل النصب على الظرفية لفعل مقدر أي: يصلّون، أو يُريحون على الاحتمال الذي ذكرته قبله. ويَحْتَمِل الرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو زوال الشمس، وإنما عَرَف جعفر ضبط الوقت بإخبار أبيه له، عن جابر ﵁، ففي الرواية التالية عن جعفر، عن أبيه، أنه سأل جابر بن عبد اللَّه ﵄، متى كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا، فنُريحها، زاد في رواية: "حين تزول الشمس"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ١٩٨٩ و ١٩٩٠] (٨٥٨)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٩٠) و"الكبرى" (١٦٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣١)،

стр. 9875

و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٣٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (١) الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا، فَنُرِيحُهَا، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ في حَدِيثِهِ: حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْنِي النَّوَاضِحَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ (٢) أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) بن الفضل بن بَهْرَام السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب المسند، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩. ٤ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنّيسيّ (٣)، بصريّ الأصل، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠٨) وله (٦٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
следующие страницы →