ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه.
(الرابع): أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالًا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها.
(الخامس): إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي"، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في "شرحه على البخاريّ" ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيّدها، ورواه ابن المنذر، فقيّدها بصلاة الجمعة. واللَّه أعلم.
(السادس): من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
(السابع): مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب، رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خَليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى.
(الثامن): مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبّر. رواه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد اللَّه بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: "التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة"، فذكرها.
(التاسع): أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في "شرح التنبيه"، وتبعه المحبّ الطبريّ في "شرحه".
стр. 9802
(العاشر): عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في "الإحياء"، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في "شرحه" بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ.
(الحادي عشر): أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني"، وهو في "مسند الإمام أحمد" من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا بها اللَّه فيها استجيب له"، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة.
قال المحبّ الطبريّ: قوله: "في آخر ثلاث ساعات" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل.
ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة.
(الثاني عشر): من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في "الأحكام"، وقبله الزكيّ المنذريّ.
(الثالث عشر): مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعًا، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي.
(الرابع عشر): بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله.
(الخامس عشر): إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في "الطبقات" عن عُبيد اللَّه بن نوفل نحو القصّة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك.
стр. 9803
(السادس عشر): إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت: "يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل اللَّه فيها العبد شيئًا إلا أعطاه"، قيل: أية ساعة؟ قالت: "إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة"، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنيّر: ويتعيّن حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب.
(السابع عشر): من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصبّاغ بلفظ: إلى أن يدخل الإمام.
(الثامن عشر): من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ.
(التاسع عشر): من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في "نكته على التنبيه" عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في "شرح البخاريّ"، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح.
(العشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزيّ في "كتاب الجمعة" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله.
(الحادي والعشرون): عند خروج الإمام، رواه حُميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" عن الحسن أن رجلًا مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت.
(الثاني والعشرون): ما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك.
(الثالث والعشرون): ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضًا، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام الجمعة؛ لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير
стр. 9804
هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة أثما، ولم يبطل البيع.
(الرابع والعشرون): ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في "شرح السنة" عنه.
(الخامس والعشرون): ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله.
(السادس والعشرون): عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي.
(السابع والعشرون): مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أُمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة.
(الثامن والعشرون): من حين يَفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، وإسناده ضعيف.
(التاسع والعشرون): إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في "الإحياء".
(الثلاثون): عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح "المصابيح".
(الحادي والثلاثون): أنها عند نزول الإمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي
стр. 9805
إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولًا بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة.
(الثاني والثلاثون): حين تقام الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضًا، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعًا بإسناد ضعيف.
(الثالث والثلاثون): من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول اللَّه؟ قال: "حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها"، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ رواية كثير، ورواه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه بلفظ: "ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة"، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه.
(الرابع والثلاثون): هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية (١)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9806
(الخامس والثلاثون): من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس موقوفًا، ومن طريق صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: "فالتمسوها بعد العصر"، وذكر ابن عبد البرّ أن قوله: "فالتمسوها. . . إلخ" مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد: "أغفل ما يكون الناس"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق الشيباني، عن عون بن عبد اللَّه بن عُتبة، عن أخيه عبيد اللَّه، كقول ابن عباس، ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف.
(السادس والثلاثون): في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق، عن عُمر بن ذَرّ، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وفيه قصّة.
(السابع والثلاثون): بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في "الإحياء".
(الثامن والثلاثون): بعد العصر كما تقدم عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه ابن عساكر من طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: "وهي بعد العصر"، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج (١) من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة.
стр. 9807
(التاسع والثلاثون): من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة.
(الأربعون): من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله.
(الحادي والأربعون): آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعًا، وفي أوله: "إن النهار اثنتا عشرة ساعة"، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد اللَّه بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد اللَّه بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة.
وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله، ولم يذكر عبد اللَّه بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه رر عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد اللَّه بن عامر، فذكر مثله.
وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد اللَّه بن سلام مثله.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد اللَّه بن سلام، فذكرت ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبيّ ﷺ ، بل قال: "النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار".
ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن سلام، قال: قلت -ورسول اللَّه ﷺ جالس-: إنا لنجد في كتاب اللَّه أن في الجمعة ساعة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أو بعض ساعة"، قلت: نعم، أو بعض ساعة. . . الحديث، وفيه: فقلت: أي ساعة؟ فذكره.
стр. 9808
وهذا يَحْتَمِل أن يكون القائل: "قلت" عبدَ اللَّه بنَ سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفًا، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد اللَّه بن سلام لم يذكر النبي ﷺ في الجواب.
(الثاني والأربعون): من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَلَّى الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط"، والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب"، و"فضائل الأوقات" من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، قالت: حدثتني فاطمة ﵍، عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبيّ ﷺ : أيّ ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب"، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلامًا لها، يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله.
وقد أخرج إسحاق ابن راهويه في "مسنده" من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني: المغرب.
قال الحافظ ﵀: فهذا جميع ما اتَّصَلَ إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتَّحد مع غيره.
ثم ظَفِرتُ بعد كتابة هذا بقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى "الحصن الحصين" في الأدعية لَمَّا ذَكَرَ الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين، جمعًا بين
стр. 9809
الأحاديث التي صحّت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام، فليُتأمل.
قال الزين ابن المنيّر: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعًا لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، واللَّه المستعان.
وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لقوله فيما مضى: "يقلِّلها"، وقوله: "وهي ساعة خفيفة".
وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤها انتهاء الصلاة.
وكأن كثيرًا من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فبهذا التقرير يقل الانتشار جدًّا.
ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد اللَّه بن سلام ﵄، كما تقدم.
قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد اللَّه بن سلام. انتهى.
وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه ﷺ أُنسيها بعد أن أُعلمها، لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.
وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقيّ من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلمًا قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقيّ، وابن العربيّ، وجماعة، وقال القرطبيّ: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في "الروضة" بأنه الصواب، ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد "الصحيحين".
وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد اللَّه بن سلام، فحَكَى الترمذيّ عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شيء
стр. 9810
في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضًا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشيّ، وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نصّ الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد "الصحيحين" بأن الترجيح بما في "الصحيحين"، أو أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أُعلّ بالانقطاع والاضطراب:
أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بُكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي ابن المدينيّ: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يُقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بُردة مرفوعًا لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.
وسلك صاحب "الهدي" مسلكًا آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون ﷺ دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البرّ: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلكانحو ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.
وقال ابن الْمُنَيِّر في "الحاشية": إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل
стр. 9811
الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَلَخَّص مما ذُكِر من أقوال أهل العلم، وأدلّتها، ومناقشتها أن الأصحّ هو ما عليه أكثر الأئمة، وهو ترجيح قول عبد اللَّه بن سلام ﵁ أنها بعد العصر؛ لقوّته، هذا من حيث الترجيح.
وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن الْمُنَيّر- أولى؛ لمخالفته لحكمة إخفاء اللَّه تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيرًا، فينبغي أن يجتهد في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبد اللَّه بن سلام، وحديث أبي موسى الأشعريّ ﵄، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ : "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"، وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خثيمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ حافظٌ [٨] (١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كَيْسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (١٣١) وله خمس وستون (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
стр. 9812
٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عَمْرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، مشهور بكنيته، وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد اللَّه بن عَوْن بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقيان ذُكرا قبله، و"محمد" هو ابن سيرين.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن ابن عون حدّث عن محمد بن سيرين بمثل ما حدّث به أيوب، عنه.
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال:
(٧٤٢٣) حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إن في الجمعة لساعةً -وجعل ابن عون يُرينا بكفه
стр. 9813
اليمنى، فقلنا: يزهدها- لا يوافقها رجل مسلم قائم يصلي، يسأل اللَّه خيرًا إلا أعطاه إياه". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ (١)، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) حميد بن مسعدة بن المبارك السامي بالمهملة أو الباهلي بصري صدوق [١٠].
روى عن حماد بن زيد، وبشر بن المفضل، وابن علية، وغيرهم.
وعنه الجماعة سوى البخاري، وأبو زرعة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: كان صدوقًا، ووثقه النسائي.
مات سنة أربع وأربعين.
أخرج له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت عابد من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن محمد بن سيرين، والوليد أبي بشر العنبريّ، ونافع مولى ابن عمر، وعبيد اللَّه بن حميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَريّ.
ورَوَى عنه حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، وابن عُلَيّة، وابن أبي عديّ، وغيرهم.
стр. 9814
قال أحمد: بَخٍ ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكر البخاريّ في "تاريخه" عن ابن عُليّة، قال: كان سلمة أحفظ لحديث محمد؛ يعني: ابن سيرين من خالد؛ يعني: الحذاء، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، وقال العجليّ: ثقةٌ فقيهٌ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
أرَّخ وفاته ابن قانع سنة (١٣٩).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٥٢)، وحديث (١٠٨٠): "الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال. . . " الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين هذه ساقها البخاريُّ ﵀ في "كتاب الطلاق" من "صحيحه"، فقال:
(٥٢٩٥) حدّثنا مسدَّد، حدّثنا بشر بن المفضَّل، حدَّثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم ﷺ : "في الجمعة ساعة، لا يوافقها عبد مسلم، قائم يصلي، فسأل اللَّه خيرًا، إلا أعطاه، وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، قلنا: يزهدها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٣] (. . .) - (وَحَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ -بتشديد اللام- الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، أخو محمد الأَخْبَاريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) ويقال: بعدها (م) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
стр. 9815
٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجُمَحِيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (١٦٧) (بخ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحِيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ ربما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢٥) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) منصوب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، والجارّ والمجرور خبرها مقدّمًا، واللام هي لام الابتداء المؤكّدة قُرنت باسمها، وإنما دخلت على الاسم هنا؛ لتأخّره، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاء نَحْوُ "إِنِّي لَوَزَرْ"
إلى أن قال:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ … وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
وقوله: (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) أي: تلك الساعة التي يستجاب فيها الدعاء ساعة قليلة قصيرة، لا كثيرة طويلة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ: "وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ").
стр. 9816
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصَّنْعانيّ، أبو عُتْبَة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) هذا على خلاف عادة المصنّف، فإنه إذا أحال حديثًا، ولم يسقه بتمامه يقول: "مثله"، أو "نحوه"، أو غير ذلك من العبارات المفهمة للإحالة، ولعله سقط من النسّاخ قوله: "بمثله"، أو نحو ذلك، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) يعني: أن همّام بن منبّه حدّث عن أبي هريرة ﵁ بمثل ما حدّث به محمد بن زياد، إلا لم يقل في روايته: "وهي ساعة خفيفة".
قال القرطبيُّ ﵀: قوله: "ساعة خفيفة": أي: قصيرة غير طويلة، كما قال في الرواية الأخرى: "يُزهّدها؛ أي: "يُقلّلها"، وهذا يدلّ على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لطول هذا الوقت. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "يدلّ على أنها. . . إلخ" في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة ﵁ هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٤٣) فقال:
(١٩٢٠) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق قراءة، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، أنه سَمِع أبا هريرة يقول. . .
وثناه محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا محمد بن أبي السَّرِيّ، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال
стр. 9817
رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجمعة لساعةً -وقال محمد-: ساعةً لا يوافقها مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه فيها -وقال محمد-: يسأل ربه شيئًا إلا أعطاه إياه" -وقال محمد-: "آتاه إياه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٥] (٨٥٣) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَباكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) -بمعجمتين، وزانُ جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) ثم المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب، تقدّم قبل باب.
٦ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وِجَادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٧ - (أَبُوهُ) بُكَير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه،
стр. 9818
أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٨ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٩ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار أبو موسى الأشعريّ الصحابي المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان ﵁، وهو أحد الْحَكَمين بِصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) أنه (قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ (أَسَمِعْتَ أَبَاكَ) أي: أبا موسى الأشعريّ ﵁ (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟) أي: في بيان وقت ساعة إجابة الدعاء التي في يوم الجمعة (قَالَ) أبو بردة (قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ) أي: أباه أبا موسى ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ) أي: الساعة التي في يوم الجمعة (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أي: جلوسه للخطبة، قال أبو داود: يعني: على المنبر؛ أي: المراد بجلوس الإمام في الحديث جلوسه عقب صعوده على المنبر للخطبة.
(إِلَى أَنْ تُقْضَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الصَّلَاةُ") أي: إلى تمام الصلاة، والفراغ منها.
وقال الطيبيُّ ﵀: قوله: "هي بين أن يجلس الإمام": أي: ما بين الخطبتين إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة، قال: أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة "بين" بطرفي الزمان، فيقال: بين أن يجلس، وبين أن تُقضى، إلا أنه أتى بـ "إلى"، فبيّن أن جميع الزمان المبتدأ من الجلوس إلى انقضاء الصلاة تلك الساعة الشريفة، و"إلى" هذه مقابلة "من" في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فإن "من" هناك لتحقيق الابتداء، فيلزم منه الانتهاء، كما أن "إلى" ها هنا لتحقيق الانتهاء، فيلزم منه الابتداء، قال في "الكشّاف": لو قيل: بيننا وبينك حجابٌ لكان المعنى أن حجابًا حاصلٌ وسط الجهتين، فأما
стр. 9819
بازدياد "مِنْ" فالمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسّطة بجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى كلام الطيبيُّ ﵀ (١).
وقال في "المرعاة": والحديث نصّ في أن ساعة الإجابة فيما بين جلوس الإمام على المنبر للخطبة إلى تمام الصلاة، وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عُيِّنَ، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لقوله فيما مضى: "يُقلّلها"، وقوله: "ساعة خفيفة"، وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنّتها ابتداء الخطبة، وانتهاؤها انتهاء الصلاة. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في "تخريجه":
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٩٧٥] (٨٥٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٤٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٥١ و ٢٥٥٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٢١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٥١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث مما استدركه الإمام أبو الحسن الدارقطنيُّ ﵀ على مسلم ﵀، وقال: لم يُسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم مَن بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنه من قول أبي بردة، كذلك رواه يحيى القطان، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد، روياه عن أبي بردة من قوله.
وقال النعمان بن عبد السلام، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، موقوفًا، ولا يثبت قوله: "عن أبيه".
стр. 9820
وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد: قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا. هذا كلام الدارقطني ﵀.
قال النوويُّ ﵀: وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتّصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء، والبخاريّ ومسلم، ومحققي المحدثين، أنه يُحْكَم بالرفع والاتّصال؛ لأنها زيادةُ ثقةٍ، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحًا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أُخَرَ بعدها، وقد رَوَينا في "سنن البيهقيّ" عن أحمد بن سَلَمة، قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج ﵀ حديث مخرمة هذا، فقال مسلم: هو أجود حديث، وأصحّه في بيان ساعة الجمعة. انتهى كلام النوويُّ (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ادّعاه النوويُّ ﵀ من أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ مذهب ضعيف، وأن مذهب المحقّقين، ومنهم البخاريّ ومسلم دائمًا تقديم الرفع والاتّصال هو الضعيف، فليس كما زعمه، كما أوضحناه غير مرّة، بل مذهب المحقّقين، ومنهم الشيخان أنهم ينظرون في القرائن المحتفّة، فإن اقتضت تقديم الرفع والاتّصال على الوقف والإرسال سلكوه، وإن اقتضت العكس عملوا به، فتنبّه لهذا الأمر المهمّ.
والحاصل أن انتقاد الدارقطنيّ لهذا الإسناد قويّ؛ لقوّة حجّته، فالحديث مقطوع من قول أبي بردة، وليس مرفوعًا، وإنما رفعه مخرمة، وفيه علّتان: الانقطاع والاضطراب، وقد أجاد الحافظ في "الفتح" البحث فيه فقال ما حاصله: حديث أبي موسى ﵁ هذا أُعِلّ بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كُتُب كانت عندنا، وقال عليّ ابن المدينيّ: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي.
стр. 9821
ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كافٍ في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم، عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ فهم أعلم بحديثه من بكير المدنيّ وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يُفْتِ فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطنيّ بأن الموقوف هو الصواب. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
فتبيّن بما ذُكر أن هذا الحديث لا يصحّ رفعه، وإنما هو موقوف على أبي بردة من قوله؛ للعلّتين المذكورتين، وهما: الانقطاع بين بُكير وأبيه، ومخالفة بُكير لجماعة الرواة عن أبي بردة، وهم: أبو إسحاق السبيعيّ، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرّة، وغيرهم، كما ذكره الحافظ، وزاد الدارقطنيّ مجالد بن سعيد، فهؤلاء كلهم جعلوه من قول أبي بردة، وهو الصواب.
وبالجملة فالجواب عن المصنّف في إيراده مورد الاحتجاج به هنا صعوبة وأما الجواب الذي ذكره النوويّ ﵀، فمما لا يخفى ضعفه على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧) - (بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٦] (٨٥٤) - (وَحَدَّثَنِي (٢) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا").
стр. 9822
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التجيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق من [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، تقدّم في السند الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح وقيل: سنة (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ الرَّحمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، تقدّم قبل باب أيضًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار إلا في موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُرْمُز (الْأَعرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ) مبتدأ، وخبره "يومُ الجمعة".
قال القرطبيُّ ﵀: "خير" و"شرّ" يستعملان للمفاضلة، ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة، فأصلهما: "أخير" و"أشرّ"، على وزن أفعل، كما قال في "الكافية":
وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ
стр. 9823
وقد نُطق بأصلها، فجاء عنه ﷺ أنه قال: "توافون يوم القيامة سبعين أمّةً، أنتم أخيرهم" (١)، ثم أفعل إن قُرنت بـ "من" كانت نكرةً، ويستوي فيها المذكّر والمؤنّث، والواحد، والاثنان، والجمع، وإن لم تُقرن بها، لزم تعريفها بالإضافة، أو بالألف واللام، فإذا عُرّف بالألف واللام أُنّث، وثُنّي، وجُمع، وإن أُضيف ساغ فيه الأمران، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦].
وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وإلى قاعدة أفعل التفضيل المذكورة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا … تَقْدِيرًا أَوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتلْوَ "أَلْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
هَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى "مِنْ" وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ
و"خير" في هذا الحديث للمفاضلة، غير أنها مضافة لنكرة موصوفة، ومعناها: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت فيه الشمس (٢).
(طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "يوم"، جيء بها للتنصيص على التعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الشيء إذا وُصف بصفة تعمّ جنسه يكون تنصيصًا على اعتبار استغراقه أفرادَ الجنس (٣).
стр. 9824
وظاهر قوله: "طلعت فيه الشمس" أن يوم الجمعة لا يكون أفضل من أيام الجنة.
ويمكن أن لا يُعتبر هذا القيد، ويكون يوم الجمعة أفضل أيام الجنة، كما أنه أفضل أيام الدنيا؛ لما ورد من أنّ أهل الجنة يزورون ربهم فيه.
ويجاب بأنّا لا نعلم أنه يسمّى في الجنة يوم الجمعة، والذي ورد أنهم يزورون ربهم بعد مضيّ جمعة (١)، كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذيّ، وابن ماجه، قال: "أخبرني رسول اللَّه ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون. . . " الحديث (٢).
(يَوْمُ الْجُمُعَةِ) فيه أن أفضل الأيام يومُ الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة، وبه جزم ابن العربيّ.
ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" عن جابر ﵁، مرفوعًا: "ما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة. . . " الحديث.
وقد جمع الحافظ العراقيّ، فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة؛ أي: الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة بالنسبة إلى أيام السنة، وصرّح بأن حديث أفضلية الجمعة أصحّ (٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ويؤيد تفضيلَ الجمعة على الإطلاق ما أخرجه أحمد في "مسنده" ٣/ ٤٣٠، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٠٨٤) بإسناد حسن -كما قال الحافظ العراقيّ- عن أبي لبابة البدريّ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سيّدُ الأيام يومُ الجمعة، وأعظمُها عند اللَّه تعالى، وأعظمُ عند اللَّه تعالى من يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمسُ خلال: خلق اللَّه فيه آدم ﵇، وأهبط اللَّه تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوَفَّى اللَّهُ تعالى آدمَ، وفيه ساعةٌ، لا
стр. 9825
يَسأل العبدُ فيها ربّه شيئًا إلا آتاه اللَّه تعالى إياه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مُقرَّب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا هنّ يُشفقن من يوم الجمعة"، واللَّه تعالى أعلم.
(فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) ﵇؛ أي: في آخر ساعة منه، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هُريرة ﵁ قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي، فقال: "خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة، من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" (١).
(وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ) فيه دليل على أن آدم ﵇ لم يُخلق في الجنّة، بل خُلق خارجها، ثم أدخل فيها.
قيل: إن خلقه، وإدخاله كانا في يوم واحد، ويَحْتَمِل أنه خلق يوم الجمعة، ثمّ أمهل إلى جمعة أخرى، فأدخل فيها الجنّة، وكذا الاحتمال في يوم الإخراج.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفصيل كله يحتاج إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم.
(وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا") قال ابن كثير ﵀: إن كان يومُ خلقه يومَ إخراجه، وقلنا: الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خُلق فيه، وقلنا: إن كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة. انتهى.
وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خُلق فيه، لكن المراد من اليوم
стр. 9826
الإطلاق الثاني؛ أي: ما مقداره كألف سنة، فيكون مكثه فيها زمانًا طويلًا (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا الخلاف مما لا فائدة فيه، حيث لم يَسْتَنِد إلى نصّ صحيح، فلا ينبغي الاشتغال به، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة؛ لأن إخراج آدم، وقيام الساعة، لا يُعَدّان فضيلةً، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام.
وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم ﵇ ليس طردًا، كخروج إبليس، وإنما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطار، من وجود الذرّيّة الطيبة، من الرسل، والأنبياء، والصالحين، والعود إلى تلك الدار، وموته سبب لنيل ما أُعدّ له، ولذرّيّته الصالحين، من الكرامات، وقيام الساعة أعظم سبب لظهور رحمة اللَّه تعالى، وإنجاز وعده لعباده الصالحين وتعجيل جزائهم.
وقال القرطبيُّ: كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها (٢)، وإنما يَفضُلُ بعضُها بعضًا بما يُخَصّ به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم، ودواعيهم، ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم يوم عرفة، ليُستجاب لبعضهم في بعضهم، ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال النبيّ ﷺ : "الجمعة حج المساكين" (٣)؛ أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يَشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليومُ اليومَ المشهودَ، ثم يحصل لقلوب العارفين من الألطاف، والزيادات حسبما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمي يوم
стр. 9827
المزيد، ثم إن اللَّه تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وبأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي خلق آدم ﵇ الذي هو أصل البشر، ومن وَلَدِهِ الأنبياءُ، والأولياءُ، والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصَلَ عنده إظهار معرفة اللَّه تعالى، وعبادته في هذا النوع الآدمي، مع إجرامه، ومخالفته، ومنها موته الذي بعده وُفّي به أجره، ووصل إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرج منه، ومن فَهمَ هذه المعاني فَهمَ فضيلة هذا اليوم، وخصوصيّته بذلك، فحافظ عليه، وبادر إليه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٩٧٦ و ١٩٧٧] (٨٥٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٤٦)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٤٩١)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٧٣)، و"الكبرى" (١٦٦٣ و ١٦٦٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٠٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٠١ و ٤١٨ و ٥١٢ و ٥٤٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٢٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٤٢ و ٢٥٤٣ و ٢٥٤٤ و ٢٥٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٢٢ و ١٩٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل يوم الجمعة، قال النوويُّ ﵀: في هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا -يعني: الشافعية- أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعيّن يوم
стр. 9828
عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعيّن الجمعة، ولو قال أفضل ليلة تعيّنت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا والجمهور، منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة، لا تطلق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، واللَّه أعلم. انتهى.
٢ - (ومنها): أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وكذا قيام الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا في يَوْمِ الْجُمُعَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة، وزاي- الِحِزامي المدنيّ، كان قد نزل عسقلان، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] من السابعة (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) تكلّم فيها الإمام ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه"، ودونك نصّه (٣/ ١١٥):
(١٧٢٨) نا الربيع بن سليمان المراديّ، نا عبد اللَّه بن وهب، قال: وأخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيد الأيام يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة".
стр. 9829
قال أبو بكر (١): غَلِطنا في إخراج هذا الحديث؛ لأن هذا مرسلٌ، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، أبوه أبو عثمان التَّبّان، رَوَى عن أبي هريرة أخبارًا سمعها منه.
(١٧٢٩) نا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدّثنا محمد بن مصعب؛ يعني: القرقسائيّ، ثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة".
قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذه اللفظة، في قوله: "فيه خُلق آدم" إلى قوله: "وفيه تقوم الساعة"، أهو عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، أو عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار؟ قد خرجت هذه الأخبار في كتاب "الكبير"، مَن جعل هذا الكلام روايةً من أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، ومن جعله عن كعب الأحبار، والقلب إلى رواية مَن جعل هذا الكلام، عن أبي هريرة، عن كعب أميل؛ لأن محمد بن يحيى حدّثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة"، قال: قلت له: أشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ ؟، قال: بل شيء حدّثناه كعب، وهكذا، رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبد الرحمن النحويّ، عن يحيى بن أبي كثير.
قال أبو بكر: وأما قوله: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، فهو عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، لا شك، ولا مِرْية فيه، والزيادة التي بعدها: "فيه خُلِق آدم" إلى آخره، هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبيّ ﷺ ، وقال بعضهم: عن كعب. انتهى كلام ابن خزيمة ﵀ (٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه ابن خزيمة ﵀ في كلامه السابق أنه يرى أن قوله: "ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"، ليس من كلام
стр. 9830
النبيّ ﷺ ، بل هو مما رواه أبو هريرة ﵁ عن كعب الأحبار، واستدَلّ على ذلك بما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وسؤال أبي سلمة له، هل سمعه من النبيّ ﷺ ؟ وجوابه له بأنه إنما أخذه عن كعب.
هذا حاصل ما أشار إليه، والذي يظهر لي أنه صحيح من كلام النبيّ ﷺ ؛ لأمور:
(الأول): تصحيح مسلم له، فقد أخرجه هنا ساكتًا، ولم يُشِر إلى الطعن فيها، كما هي عادته في كثير من الروايات التي تقع فيها العلّة، وهي مؤثّرة عنده، كما وَعَدَ في مقدّمة صحيحه.
(الثاني): أن هذه الزيادة ثبتت عن أبي هريرة ﵁ في غير هذا الطريق، فقد أخرجها الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١٢)، من الوجه الذي أخرجه ابن خزيمة عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، فاتّصل الإسناد بذكر "أبيه".
(والثالث): أن الحديث أخرجه الإمام أحمد ﵀ من طريق آخر، في "مسنده" (٢/ ٥٤٠) فقال:
(١٠٥٨٧) حدّثنا محمد بن مصعب، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة".
وهذا إسناد حسنٌ، و"أبو عمّار" اسمه شدّاد بن عمار، وثّقه أبو حاتم، والعجليّ، وغيرهما، و"عبد اللَّه بن فَرُّوخ" وإن قال أبو حاتم: مجهول، إلا أنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم حديثين، ووثقه العجليّ، فأقلّ أحواله أنه حسن الحديث، فتنبّه.
(٩٩٣٠) قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه قال: خرجت إلى الطور، فلَقِيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدَّثني عن التوراة، وحدّثته عن رسول اللَّه ﷺ ، فكان فيما حدثته أن قلت: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم
стр. 9831
الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابّة، إلا وهي مُسِيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس؛ شفقًا من الساعة، إلا الجنّ والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه"، قال كعب: ذلك في كلّ سنة مرة، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول اللَّه ﷺ ، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد اللَّه بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، وما حدثته في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، قال عبد اللَّه بن سلام: كَذَبَ كعب، ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، قال عبد اللَّه بن سلام: صَدَقَ كعب.
وهذا إسناد صحيح.
(١٠١٦٧) حدّثنا يزيد (١)، أخبرنا محمد (٢)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي، وقَبَضَ أصابعه يُقَلِّلها، يسأل اللَّه خيرًا إلا أعطاه إياه". وهذا إسناد حسنٌ.
والحاصل أن الحديث صحيح ثابت من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٨] (٨٥٥) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ،
стр. 9832
وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نَزَل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ الثقة الحافظٌ الفقيه الإمام الحجة، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم في السند الماضي.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم في السند الماضي أيضًا.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم في السند الماضي أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، ثم رَقّيّ، وسفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة ﵁، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9833
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُونَ) -بكسر الخاء المعجمة- أي: المتأخرون زمانًا (وَنَحْنُ السَّابِقُونَ) أي: المتقدّمون على الأمم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحْشَر، وأول من يُحاسَب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث حذيفة ﵁ الآتي: "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق".
وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ ﵀: والتقييد بـ "يوم القيامة" يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تَبَعٌ له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا.
وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف.
[فإن قلت]: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟.
[قلت]: يَحْتَمِل أنه ذُكِر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخرويّة، بل سابقون فيها.
ويَحْتَمِل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، ما دام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأول؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
(بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) "بَيْدَ" -بموحّدة، ثم تحتانيّة ساكنة- مثل "غير" وزنًا وَمعنًى، وبه جزم الخليل، والكسائيّ، ورجحه ابن
стр. 9834
سِيدَهْ، وَرَوَى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى "بيد": "من أجل"، وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزنيّ، عن الشافعيّ، وقد استبعده عياض، ولا بُعْدَ فيه، بل معناه: إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم.
ويشهد له ما في "فوائد ابن المقري" من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا".
وفي "موطأ" سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ: "ذلك بأنهم أوتوا الكتاب".
وقال الداوديّ: هي بمعنى "على"، أو "مع".
وقال القرطبيّ: إن كانت بمعنى "غير"، فالنصبُ على الاستثناء، وإن كانت بمعنى "مع"، فالنصبُ على الظرفية.
وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: "نحن الآخرون" مع كونه أمرًا واضحًا. قاله في "الفتح".
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: "بيد" -بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهملة- وحَكَى بعضهم أنه يقال فيها: "ميد" بالميم، والمشهور أنها بمعنى "غير"، وقد جزم بذلك في "الصحاح"، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في "المحكم" مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى "على"، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحَكَى في "المشارق" قولًا آخر أنها بمعنى "إلّا"، ثم قال: وقد تأتي بمعنى "من أجل"، ومنه قوله ﷺ : "بيد أني من قريش"، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد. انتهى.
وأنشدوا على مجيئها بمعنى "من أجل" قولَ الشاعر [من الرجز]:
стр. 9835
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي (١)
وقد ذكر ابن مالك أن "بيد" في قوله ﷺ : "بيد أني من قُريش" بمعنى "غير"، مثل قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في "النهاية".
وعبارة ابن مالك ﵀ في "التوضيح": و"بيد" بمعنى "غير"، والمشهور استعمالها متلُوّةً بـ "أَنَّ"، كقوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم"، ومنه قول الشاعر [من الرمل]:
بَيْدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ … فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ (٢) صُلْبًا بِإِزَارِ
وقول الراجز:
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … . . . . . . . . . . البيت
والأصل في رواية من روى "بيد كلّ أمة": بيد أنّ كل أمة، فحُذفت "أنّ"، وبطل عملها، وأُضيف "بيد" إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي "أَنّ"، وهذا الحذف في "أنّ" نادر، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف "أَنْ" فإنهما أختان في المصدريّة، وشبيهتان في اللفظ.
وقد حَمَل بعض النحويين على حذف "أن" قول الزبير ﵁:
فَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَطَبْتُهَا
ومما حُذف فيه "أَنْ"، واكتُفي بصلتها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والأصل أن يريكم؛ لأن الموضع موضع مبتدأ وخَبَرُهُ ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾.
ومثله قوله ﷺ : "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تُحِدّ على ميّت فوق ثلاث"، متّفق عليه.
стр. 9836
وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها"، أراد: أن تُحدّ، وأن تسأل.
قال: والمختار عندي في "بيد" أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى "إلا" مفهوم منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك ﵀ (١).
وقال الطيبيّ ﵀: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]:
فتًى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ … جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِيَا
والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما قوله:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِب
يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاع عَيْبًا، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا.
وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: "وأوتيناه من بعدهم"؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقًا في الوجود.
وعلى هذا الأسلوب أيضًا قوله: "ثم هذا يومهم. . . " إلى آخره، يعني: أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار ﷺ بقوله: "والناس لنا فيه تبعٌ". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢).
وقال في "الطرح": وإنما استبعد القاضي عياض كون "بيد" في الحديث الذي نشرحه بمعنى "من أجل"؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو "السابقون"، فهو
стр. 9837
استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى مِن سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد (١) في المعنى كونها بمعنى "غير"، وكونها بمعنى "على"، وكونها بمعنى "إلّا".
أما إذا جعلناه متعلّقا بقوله: "الآخرون" اتجه كونها بمعنى "من أجل"؛ أي: نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بيّن وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة.
وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية؛ أي: إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر.
وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم "بأيد" بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوة أعطاناها اللَّه، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون "إنهم" مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صُحّف، والصواب الأول عند أكثرهم. انتهى.
[واعلم]: أن الحديث في "مسند الشافعي" من طريق طاوس، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "بَيْدَ" كما هو الرواية المشهورة.
стр. 9838
ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ "بايد"، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل "بيد"، إلَّا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي بعضها "بأيد"؛ ومعناه: بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في "النهاية"، فقال: وجاء في بعض الروايات "بايد أنهم"، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها "بأيد" أي: بقوّة.
ورواه البيهقيّ في "سننه" من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد "بايد"، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (١).
وقوله: (أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: أعطيته، واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: "وأوتيناه" للقرآن، وقال القرطبيّ: المراد بـ "الكتاب" التوراة، وفيه نظر؛ لقوله: "وأوتيناه من بعدهم"، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن، قاله في "الفتح".
(وَأُوتِينَاهُ) أي: الكتاب، والمراد القرآن (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد انقضاء زمن كلّ الأمم السابقة.
(ثمَّ) هي لترتيب الإخبار، ويَحْتَمِل أن تكون لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليوم (٢). (هَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ "هذا" لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا. . . " الحديث.
(الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي: فرض اللَّه تعالى علينا أيتها الأمة المحمّدية تعظيمه، وفي الرواية التالية: "وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه" (هَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي: بالثبات عليه حين شَرَعَ لنا العبادة فيه.
стр. 9839
وقال في "الفتح": قوله: "فهدانا اللَّه له": يَحْتَمِل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: "كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسعد بن زُرَارة. . . " الحديث.
فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد.
ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ ﷺ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خُلق للعبادة، فناسب أن يَشتغل بالعبادة فيه، ولأن اللَّه تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي يَنتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه. انتهى (١).
(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) -بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة- جمع تابع؛ كالخَدَم جمع خادم.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: الظاهر أن معناه: إنا أول من هداه اللَّه للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تَبَعٌ لنا.
стр. 9840
وعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء اللَّه بنا، فهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم"، وفي رواية: "بينهم قبل الخلائق".
ورواه البزّار في "مسنده" بلفظ: "المغفورُ لهم قبل الخلائق".
ويَحْتَمِل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلًا به، واللَّه أعلم. انتهى كلام ولي الدين ﵀ (١).
(الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ") وفي رواية أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ عند ابن خُزيمة: "فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد".
والمعنى: أنه لنا بهداية اللَّه تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "اليهود غدًا" أي: اليهود تبع لنا في غد، والنصارى تبعٌ لنا بعد غد، والقرينة قوله: "والناس لنا تبَعٌ". انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: "غدًا" هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله: "وبَعدَ غد"، ولا بدّ من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة. انتهى.
وقال ابن مالك ﵀: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد. انتهى. وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبيّ، قاله في "الفتح" (٣).