← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي: بإسناد حصين بن عبد الرحمن السابق، وهو عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄. [تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن إدريس، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٥٢) فقال: (١٩٤٤) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم، عن جابر، قال: أقبلت عِيرٌ بتجارة يوم جمعة، ورسول اللَّه ﷺ يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول اللَّه ﷺ في اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: رواه مسلم عن أبي بكر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي الطَّحَّانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا فِيهِمْ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) رفاعة بن الهيثم بن الحكم، أبو سعيد الواسطيّ، مقبول [١٠]. رَوَى عن خالد بن عبد اللَّه الواسطيُّ وهشيم، وروى عنه مسلم، وأسلم بن سهل وعبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، وإبراهيم بن محمد الصَّيدلانيّ. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث (١)، برقم (٨٦٣) و (١٨٢١) و (١٨٥٦) و (٢١٣٣) و (٢٤٩٤).

стр. 9907

٢ - (خَالِدٌ الطَّحَّانَ) هو: خالد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَقَدِمَتْ سُويقَةٌ) هو تصغير سُوق، والمراد: العير المذكورة في الرواية الأولى، وهي الإبل التي تَحْمل الطعام، أو التجارة، لا تُسَمَّى عِيرًا إلا هكذا، وسُمِّيت سُوقًا؛ لأن البضائع تساق إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سُوقهم، قاله النوويّ ﵀ (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في الحديث السابق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٠] (٢) (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا (٣) هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]).

стр. 9908

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ) الصائغ البغداديّ، نزيلُ مكة، ثقةٌ [١٠] من أفراد المصنّف ﵀ تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٨. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم بمعجمتين الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠١] (٨٦٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارِ) بن عثمان الْعَبْديّ البصريّ، أبو بكر المعروف ببندار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.

стр. 9909

٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السّلميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان لا يدلّس [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمِي بالإرجاء [٥] (١١٨) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. ٧ - (أَبُو عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. ٨ - (كعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ أبو محمد الصحابي المشهور، مات ﵁ بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفية الأخذ والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنهما كفَرَسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون. ٦ - (ومنها): أن شعبة الإمام المشهور، كان الثوريّ يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وكان هو أول مَن فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن السنة. ٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول من يقول: إن منصورًا تابعيّ، كما ذكره في "الفتح". ٨ - (ومنها): أن أبا عبيدة ممن اشتهر بكنية، والمشهور أنه لا اسم له غيرها، وقيل غير ذلك. ٩ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، نزلت فيه آية

стр. 9910

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، كما سيأتي في "كتاب الحجّ" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن عبد اللَّه بن مسعود (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) أي: عن قصّته ﵁ (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب ﵁ أي: قال أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) الفاعل ضمير كعب ﵁، يعني: أن كعب بن عُجرة ﵁ دخل المسجد؛ أي: مسجد الكوفة (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ) -بفتح المهملة، والكاف- هكذا هو عند المصنف، و"سنن النسائيّ": "ابن ام الحكم"، ووقع في "السنن الكبرى" للبيهقيّ: "ابن الحكم" بدون "أم". وعبد الرحمن ابن أمّ الحكم هذا: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عثمان الثقفيّ، المعروف بابن أمّ الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان بن حَرْب، استعمله معاوية ﵁ أميرًا على الكوفة في سنة (٥٨)، وبعد سنة، أو أكثر عُزِل عنها، توفي بعد معاوية سنة (٨٣) (١). فـ "عبد الرحمن" مبتدأ، خبره جملة (يَخْطُبُ) وقوله (قَاعِدًا) حال من فاعل "يخطب"، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل "دَخَل"، فالحالان متداخلان. يعني: أن كعب بن عجرة ﵁ دخل المسجد، والحال أن عبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب الناس قاعدًا، مخالفًا للسنة. (فَقَالَ) أي: كعب ﵁ منكرًا عليه (انْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثِ) وهذا من غاية غضب هذا الصحابيّ الجليل ﵁ على من خالف سنة رسول اللَّه ﷺ (يَخْطُبُ قَاعدًا) مع كون السنة أن يخطب قائمًا، وفي رواية ابن خزيمة (٢): "ما رأيت كاليوم قطّ إمامًا يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين".

стр. 9911

(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يخطب"، والرابط الواو (﴿وَإِذَا رَأَوْا﴾) أي: أبصروا، أو عَرَفوا (﴿تِجَارَةً﴾) أي: بيعًا وشراءً (﴿أَوْ لَهْوًا﴾) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضْرَب عند قدوم التُّجَّار (﴿انْفَضُّوا﴾) أي: تفرّقوا (﴿إِلَيْهَا﴾) أي: إلى تلك التجارة، وما ذكر معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورَين، أو اختصّت التجارة بالذكر؛ لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) أي: حال كونك قائمًا على المنبر، تخطب الناس. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "وقد قال اللَّه" حال مُقَرِّرة لجهة الإنكار؛ أي: كيف يخطب قاعدًا، ورسول اللَّه ﷺ كان يخطب قائمًا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقَدِمَت تجارة من زيت الشام، والنبيّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائمًا، وما بقي معه إلا نفر يسير. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكارَ على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنّة. ووجه استدلاله بالآية أن اللَّه أخبر أن النبيّ ﷺ كان يخطب قائمًا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، مع قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 9912

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٠١] (٨٦٤)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٩٧) و"الكبرى" (١٧١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٩٦ و ١٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية قيام الإمام على المنبر في حال الخطبة، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اشتراطه، وقد تقدّم تحقيقه. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الغضب على من خالف السنة، ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور؛ لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ٣ - (ومنها): ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللَّهو، وإيثار ذلك عن ذكر اللَّه وطاعته، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٢] (٨٦٥) - (وحَدَّثَنِي (١) الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ").

стр. 9913

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلْوَانيّ -بضم المهملة- نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع، الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢. ٣ - (مُعَاوِيَة بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود سنة (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَسيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّامٍ) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال: النُّوبي، وقيل: إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠. ٦ - (الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) -بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ- الأنصاريّ مولاهم المدني، صدوق [٢]. رأى بلالًا ﵁ يمسح على الخفّين، ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عُمر، وابن عباس، وغيرهم ﵃. ورَوَى عنه ابنه شُبَيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه، وقال ابن سعد: شهد أبوه ميناء تبوك مع النبيّ ﷺ ، وعن أبي حاتم: شيخ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كما سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى-. والصحابيّان ﵄ تقدّما قريبًا.

стр. 9914

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع إلا في موضع. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابييه من المكثرين السبعة من الصحابة ﵃. شرح الحديث: (عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ) أي: أخا معاوية، والظاهر أن العناية من المصنّف، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وكذا القول في "وهو ابن سلّام" (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ) يعني: أباه، واسمه ممطور، كما مرّ آنفًا، وقوله: (قَالَ) جملة حاليّة من المفعول (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ) ﵄. [تنبيه]: هكذا في رواية المصنّف من طريق أبي توبة، عن معاوية بن سلام، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء: "أن عبد اللَّه بن عمر، وأبا هريرة حدّثاه"، فجعله من مسند ابن عمر، وأبي هريرة ﵄. ووقع في رواية النسائيّ، من طريق الحضرميّ لن لاحق، عن زيد، عن أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء "أنه سمع ابن عبّاس، وابن عمر"، فجعله من مسند ابن عبّاس بدل أبي هريرة ﵄. ورواية المصنّف هي المحفوظة؛ ويؤيّد ذلك أن النسائيّ رواها في "الكبرى" (١/ ٥١٦) فقال: (١٦٥٩) أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: نا سعيد بن الربيع، قال: نا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحكم بن مينا، عن ابن عمر، وابن عباس، قال عليّ: ثم كتب به إليّ عن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول اللَّه ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمن على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين". وأيضًا فقد رواه محمد بن شعيب بن شابور، والوليد بن مسلم، عن

стр. 9915

معاوية بن سلّام، كما قال أبو توبة، قاله في "تحفة الأشراف" (١). قال البيهقي: ورواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد أولى أن تكون محفوظة، واللَّه أعلم (٢). (حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه قائمًا على أعواد منبره. و"الأعواد" بالفتح: جمع عُود بالضم؛ أي: على درجات منبره، وقال الصنعانيّ ﵀: أي: منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من الطين، ولا على الجذع الذي كان يَستند إليه. انتهى. وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكُّرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا الحديث. ("لَيَنْتهِيَن أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدَّر، والنون المشددة للتوكيد، والجملة جواب القسم المقدَّر؛ أي: واللَّه لينتهينّ أقوام، وإنما أبهمهم كراهيةَ كسر قلوب من يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصًا؛ لأن النصيحة، في الملإ فضيحة. (عَنْ وَدْعهِمُ الْجُمُعَات) -بفتح الواو، وسكون الدال-: مصدر وَدَعَ؛ أي: عن تركهم إيّاها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركه. وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء بتَرَكَ تَرْكًا، فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناءً بما هو أخفّ، لا أنهم لم يستعملوا ذلك أصلًا. وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتيّ ﵀: لا عبرة بما قال النحاة، فإن قول النبيّ ﷺ هو الحجة القاضية على كلّ ذي لهجة وفصاحة. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضيَ "يَدَعُ"، ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة،

стр. 9916

ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: "ليَنتَهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات"؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه -كما أورده ابن منظور ﵀ قول الشاعر: وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ … أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا وقول الآخر: لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي … غَالَهُ حَتَّى وَدَعَهْ وقول الآخر: سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ … عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقول الآخر: فَسَعَى مَسْعَاتَهُ فِي قَوْمِهِ … ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ وَلَا عَجْزًا وَدَعْ ومن استعمال اسم الفاعل له قوله: فَأَيُّهُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ وقول الآخر: عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وَادِعُ الْعَصَا … يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهْ فقول السيوطيّ في "شرحه": الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين الذين لا يُحسنون العربية، غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات الذين يُعتمد على حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي منه، وقرأ به من قدّمنا ذكره من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن هذا لشيء عجيب!!. وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم الفاعل منه قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه. قال السنديّ ﵀ ردًّا على كلام السيوطيّ المذكور ما نصه: لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون

стр. 9917

التامّ عادةً، وهي مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. (أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهِمْ) أي: يَطْبَع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، قال القاضي عياضٌ ﵀: أصل الختم التغطية؛ أي: غطّى عليها، ومنعها من الهداية به حتى لا تعرف معروفًا، ولا تُنكر منكرًا، ولا تعي خيرًا، قالوا في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]؛ أي: طَبَعَ عليها، قالوا: وأصل الطبع في اللغة: الوسخُ والدنس، واستُعْمِل فيما يُشبهه من الآثام، ومثله الرَّيْنُ، وقيل: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّها، وقد اختَلَفَ المتكلّمون في هذا اختلافًا كثيرًا، فقيل: هو إعدام اللطف، وأسباب الخير، والتمكين من أسباب ضدّه، وقيل: هو خَلْق الكفر في قلوبهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنّة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامةٌ جعلها اللَّه تعالى في قلوبهم؛ لتعرف بها الملائكة الفرق بين من يجب مدحه، ومن يجب ذمّه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئًا يمنع قلوبهم عن اتباع الحقّ، ووصول الخير إليه؛ لما أخرجه الترمذي في "جامعه" (٣٣٣٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤١٨) وفي "السنن الكبرى" ٦/ ٥٠٩، من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقِّل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها، حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره اللَّه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] "، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ، واللَّه تعالى أعلم. قيل: ومن خُتِمَ على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات، بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن أصلًا، فلهذا ترقّى، فقال (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى، من الكَوْن، ولفظ أحمد: "ثم ليُكتَبُنّ" من الكتابة (منَ

стр. 9918

الْغَافلينَ") أي: من جملة من استولت عليهم الغفلة، ونَسُوا اللَّهَ، فنسيهم، يعني: أنه يُترقىّ بهم في الشرّ إلى هذه المرتبة. قال الطيبيّ ﵀: "ثمّ" لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة أدعى لشَقَائهم، وأنطق بخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم، وقيل: المراد: من الدائمين في الغفلة. وقال القاضي البيضاويّ ﵀: المعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ، إما الانتهاءُ عن ترك الجمعات، أو ختم اللَّه تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يُغَلِّب الرّينَ على القلب، وُيزَهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين؛ أي: عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرّهم منها. والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة أنها من فروض الأعيان. وهذا كله فيمن تركها تهاونًا وتكاسلًا من غير عذر؛ لِما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاثًا من غير ضرورة، طَبَعَ اللَّه على قلبه". ولما أخرجه أصحاب "السنن" عن أبي الجعد الضمريّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ترك ثلاث جُمَعٍ؛ تهاونًا بها طَبَع اللَّه على قلبه" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر، وأبي هريرة ﵃ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 9919

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٠٠٢] (٨٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٤٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٧٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٥٤)، وأخرجه (النسائيّ) (١٣٧٠) و"الكبرى" (١٦٥٨ و ١٦٥٩) من حديث ابن عبّاس، وابن عمر ﵃، وكذا (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٩ و ٢/ ٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٨٥)، وأخرجه (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٥٥) من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ ﵄، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن الجمعة. ٢ - (ومنها): أنه حجة بيّنة، في كون وجوب الجمعة، وكونها فرضًا؛ إذ العقاب، والوعيد، والطبع، والختم إنما يكون على ارتكاب الكبائر، وترك الواجبات. ٣ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر للخطبة، وهي سنّة مجمع عليها. ٤ - (ومنها): أن ترك الجمعة تكاسلًا يكون سببًا لختم القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، بل تكون من الغافلين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد أن يعظهم، ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لئلا تعود النصيحة عليهم فضيحة، فلا يقبلوها، فقد كان من هدي النبيّ ﷺ في مواعظه، وخطبه أن يقول كثيرًا: "ما بال أقوام"، "ما بال رجال"، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لأن ذلك أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 9920

(١٥) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْدًا، وَالْخُطْبَةِ قَصْدًا، وَكَيْفِيَّةِ خُطْبَتِهِ ﷺ -) [٢٠٠٣] (٨٦٦) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم بعينه قبل بابين، و"الحسن بن الربيع" هو: الْبُورَانيّ الكوفي، و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم، و"سماك" هو: ابن حرب. [تنبيه]: من لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٢٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "كنت أُصلي مع النبيّ ﷺ الصلوات" (فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) أي: متوسّطةً بين الطول الظاهر، والقصر الماحِقِ، ولا يلزم منه تساوي الصلاة والخطبة؛ إذ توسّط كل يُعتبر في بابه، فلا تنافي بين هذا الحديث وحديث عمار ﵁ الآتي: "فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة"، فالمراد أن تكون الصلاة طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشقّ على المأمومين، فهي حينئذ قصدٌ بالنسبة إلى وضعها. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "قصدًا" أي: متوسّطة بين الطول والقصر، ومنه القصد من الرجال، والقصد في المعيشة، والإكثار في الخطبة مرده؛ للتشدّق والإملال بالتطويل. انتهى (١). والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تخريجه قبل بابين، واللَّه

стр. 9921

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِيَّاءُ، عَنْ سِمَاكٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩. والباقون ذُكروا قبله، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٥] (٨٦٧) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ، وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسطَى، وَيَقُولُ: "أمّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"،

стр. 9922

ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت ١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩. ٤ - (أَبُوهُ) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من جعفر، وشيخه وشيخ شيخه بصريّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع الفاعليّة؛ أي: ارتفع صوته (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) إنما يفعل ذلك؛ إزالة للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكّن فيها الوعظ فضلَ

стр. 9923

تمكّن، ويؤثّر فيها حقّ تأثير، أو لأنه يتوجّه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار الهيبة الإلهيّة، واستُدلّ به على أنه يُستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة، ويَرفع صوته وكلامه؛ ليكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب، ولعلّ اشتداد غضبه ﷺ كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، قاله في "المرعاة" (١). وقال القرطبيّ ﵀: كان هذا منه ﷺ في أحوال، وهذا مشعر بأن الواعظ حقّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلّم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتداد غضبه ﷺ ، فيَحْتَمل أن يكون عند نهيه عن أمر خُولف فيه، أو يُريد أن صفته صفة الغضبان. انتهى (٢). (حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما دَهَمَهم من عدوّ، أو غيره؛ أي: كمن يُنذر قومًا من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم (يَقُولُ) ذلك المنذر، والجملة في محلّ رفع صفة لـ "منذر"، أو حالٌ؛ لتخصيصه بالإضافة. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "يقول" يجوز أن يكون صفةً لـ "منذرُ جيشٍ"، وأن يكون حالًا من اسم "كأَنَّ"، والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذن رسول اللَّه ﷺ ، و"يقول" الثاني عطفٌ على الأول، وعلى الوجه الأول عطفٌ على جملة "كأنّه". انتهى (٣). (صَبَّحَكُمْ) بتشديد الموحّدة، والفاعل ضمير يعود إلى العدوّ المنذَر به، والضمير المنوب يعود إلى المنذَرين؛ أي: نزل بكم العدوّ صباحًا، والمراد أنه سينزل، وعبّر بصيغة الماضي؛ لتحقّقه. قال الطيبيّ ﵀: مَثَّلَ حالَ رسول اللَّه ﷺ في خطبته، وإنذاره بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرديهم بحال من يُنذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتةً من كلّ جانب بحيث لا يفوت منهم أحدٌ، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على

стр. 9924

تغافلهم، كذلك حال رسول اللَّه ﷺ عند الإنذار، وإلى قرب المجيء أشار بإصبعيه، ونظيره ما رُوي أنه لَمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فِهر، يا بني عديّ. . . " الحديث، متّفقٌ عليه. انتهى (١). (وَمَسَّاكُمْ) بتشديد السين المهملة، مثلُ "صَبّحكم"، والمراد: الإنذار بإغارة الجيش في الصباح والمساء. وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ضمير "يقول" للنبيّ ﷺ ، والجملة حال، وضمير "صبّحكم، ومسّاكم" للعذاب، والمراد به: قَرُب منكم، إن لم تطيعوني هلكتم، والوجه الأول هو الأظهر، واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقُولُ) أي: النبيّ ﷺ ، فهو عطف على "احمرّت عيناه" ("بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) "أنا" تأكيد للضمير المتّصل، وإنما أكّده به؛ ليصحّ عطف "والساعةُ" عليه، كما قال في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِل مَّا وَبِلَا فَصْل يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ وقال النوويّ ﵀: رُوي بنصب "الساعة" ورفعها، والمشهور نصبها، على المفعول معه. انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد النوويّ بالمشهور المشهور من حيث الروايةُ فذاك، وإلا فمن حيث القاعدةُ النحويّة في مثل هذا الرفعُ أولى؛ لأنه إذا أمكن العطف بلا ضعف، فهو أحقّ، وهنا كذلك للفصل بالضمير المنفصل، وإلا فالنصب أحقّ، نحو سرتُ وزيدًا؛ لعدم الفصل، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقْ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارُ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ وقال القرطبيّ ﵀: قيّدناه بالنصب، والرفع، فأما النصب فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوفٌ على التاء في "بُعِثْتُ"، وفَصَل بينهما

стр. 9925

بـ "أنا"؛ توكيدًا للضمير، على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب؛ بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين، واتّصالهما، واختار آخرون الرفعَ؛ بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني: أن ما بين زمان النبيّ ﷺ ، وقيام الساعة قريب كقرب السبّابة من الوسطى، وهو واقع، واللَّه أعلم (١). وقد جاء من حديث المستورد بن شدّاد ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "بُعثتُ في نفس الساعة، فسَبَقتها كما سبقت هذه" لإصبعيه السبّابة والوسطى (٢). (كَهَاتَيْنِ") "ها" هي حرف تنبيه، و"تين" تثنية "تا" ضمير للمؤنّثة، مجرور بالكاف؛ أي: مثل هاتين الإصبعين (وَيَقْرُنُ) بضمّ الراء على المشهور الفصيح، وحُكي كسرها، قاله النوويّ ﵀ (٣). وقال الفيّوميّ ﵀: قَرَنَ بين الحجّ والعمرة، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب ضَرَبَ: جَمَع بينهما في الإحرام. انتهى (٤). (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ، بوزن عُصْفُور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله: (السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدل من "إصبعيه"، ويجوز قطعها إلى الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هي، والنصب بتقدير فعل؛ أي: أعني، وهي بتشديد الموحّدة: الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنهم يشيرون بها عند السبّ (وَالْوُسْطَى) بضمّ الواو، مقصورًا، تأنيث الأوسط، وهي الإصبع التي تلي السبّابة. قال السنديّ ﵀: التشجيه في المقارنة بينهما؛ أي: ليس بينهما إصبع أخرى، كما أنه لا نبيّ بينه ﷺ وبين الساعة، أو في قلّة التفاوت بينهما، فان الوسطى تزيد على المسبحة بقليل، فكأن ما بينه ﷺ وبين الساعة في القلّة قدرُ

стр. 9926

زيادة الوسطى على المسبّحة. انتهى (١). (وَيَقُولُ) ﷺ "أمَّا بَعْدُ) "أما" كلمة تَفْصِل ما بعدها عما قبلها، وهي حرفٌ متضمّنٌ للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدّرها النحويّون بـ "مهما يكن من شيء"، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: "أَمَّا" كَـ "مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ" وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا و"بَعْدُ" ظرف زمانيّ قُطِع عن الإضافة مع كونها مرادةً، فبُني على الضمّ، وخصّ بالضمّ؛ لأنه حركة ليست في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمّنه "أما" من معنى الشرط (٢). وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أما بعدُ" هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدّم قصّة، أو حمد اللَّه تعالى، والصلاة والسلام على النبيّ ﷺ ، والأصل أن يقال: أما بعد حمد اللَّه تعالى، و"بَعْدُ" إذا أُضيف إلى شيء، ولم يتقدّم عليه حرف جرّ، فهو منصوب على الظرف، وإذا قُطِع عنه المضاف إليه يُبنَى على الضمّ، والمفهوم أنه ﷺ قال ذلك في أثناء خطبته ووعظه، وأنشد التوربشتيّ لسحبان [من الطويل]: لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي … إِذَا قُلْتُ "أَمَّا بَعْدُ" أَنِّي خَطِيبُهَا والفاء لازمة لما بعد "أمّا" من الكلام؛ لما فيها من معنى الشرط. قال: "أما" وُضِعَ للتفضيل، فلا بُدّ من التعدّد، روى صاحب "المرشد" عن أبي حاتم أنه لا يكاد يوجد في التنزيل "أما" وما بعدها إلا وتثنَّى، أو تثلّث، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾، وعامله مقدّر؛ أي: مهما يكن من شيء بعد تلك القصّة فإن خير الحديث كتاب اللَّه، فالذي يتضمّن القرينة السابقة قول الراوي في الحديث: "إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرِن بين إصبعيه السبّابة

стр. 9927

والوسطى، ويقول: أما بعد. . . " الحديث. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١). وقد استوفيت البحث في "أما بعد" في "شرح المقدمة" عند قوله: "أما بعد"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ) ﷺ قال النوويّ ﵀: هو بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وإسكان الدال أيضًا، ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي عياض ﵀: رويناه في مسلم بالضمّ، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهرويّ، وفسّره الهرويّ على رواية الفتح بالطريق؛ أي: أحسنُ الطرق طريقُ محمد ﷺ ، يقال: فلانٌ حسن الهدي؛ أي: الطريقة، والمذهب، "اهتدوا بهدي عَمّار". وأما على رواية الضمّ، فمعناه الدلالة، والإرشاد. قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان: [أحدهما]: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل، والقرآن، والعباد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، و ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: بيّنّا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]. [والثاني]: بمعنى اللطف، والتوفيق، والعصمة، والتأييد، وهو الذي تفرّد اللَّه تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. وقالت القدرية: حيث جاء الهدى، فهو للبيان، بناءً على أصلهم الفاسد في إنكار القدر، وردّ عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل الحقّ، مثبتي القدر للَّه تعالى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، ففرّق بين الدعاء والهداية. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).

стр. 9928

وقال الطيبيّ ﵀: و"الهدي": السيرة، يقال: هُدي هَدْي زيد: إذا سار سيرته، من تهادت المرأة في مشيها: إذا تبخترت، ولا يكاد يُطلق إلا على طريقة حسنة، وسنّة مرضيّة، ولذلك حسُن إضافة الخير إليه، والشرّ إلى الأمور، واللام في "الهدي" للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدّد، وهو داخل فيه، ولأنه لو لم تكن للاستغراق لم تُفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنّته على سائر الأديان والسنن. انتهى (١). (وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) مبتدأ وخبره، والجملة عطف على جملة "إن الحديث. . . إلخ"، ويجوز نصب "شرَّ" عطفًا على اسم "إنّ"، و"محدثاتها" عطف على خبرها، فيكون من عطف المعمولين على المعمولين، وبالرفع عطفًا على محلّ "إنّ" واسمها (٢). قال في "الفتح": "المحدَثات" بفتح الدال جمع محدثة، والمراد بها ما أُحدث، وليس له أصل في الشرع، وُشممّى في عرف الشرع "بدعةً"، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أُحدث على غير مثال يُسَمَّى بدعةً، سواء كان محمودًا، أو مذمومًا، وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث الذي ورد في حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ". انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: يعني: المحدَثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحّة والجواز، وهي المسمّاة بالبِدَعِ، ولذلك حُكم عليها بأنّ كل بدعة ضلالة، وحقيقة البدعة: ما ابتدئ، وافْتُتح من غير أصل شرعيّ، وهي التي قال فيها ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ" متّفقٌ عليه. انتهى (٤). وقال السنديّ ﵀: المراد: المحدثات في الدين، وعلى هذا فقوله:

стр. 9929

"وكلّ بدعة ضلالة" على عمومه. انتهى (١). (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ") هذه الجملة معطوفة على محذوف كما بُيِّن في رواية أخرى؛ تقديره: فكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وعند النسائيّ بإسناد صحيح من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "إن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار". قال النوويّ ﵀: قوله: "وكلُّ بدعة ضلالة" هذا عامّ مخصوص، والمراد: غالب الْبِدَع، قال أهل اللغة: هي كلُّ شيء عُمِل على غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومُحَرَّمة، ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للردّ على الملاحدة والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم، وبناء المدارس والربط، وغير ذلك، ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة، وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران. فإذا عُرِف ما ذكرته عُلِم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب ﵁ في التراويح: نعمت البدعة، ولا يَمنَع من كون الحديث عامًا مخصوصًا قوله: "كل بدعة" مؤكدًا بـ "كل" بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى: قول النوويّ: "هذا عامّ مخصوص" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ ليس كذلك، بل الصواب أنه على عمومه، فإن كل بدعة شرعيّة ضلالة من دون استثناء شيء منها، وأما ما ظنّه أنه مخصوص من العموم، فإنما هو في البدع اللغويّة، فإن البدعة قسمان: [إحداهما]: شرعيّة، وهي التي أُحدثت بعد كمال الدين، وليس لها أصل في الكتاب، والسنة، والإجماع، فهذه ضلالة دون استثناء. [والثانية]: لغويةٌ وهي أعمّ من الشرعيّة، إذ هي تشمَلُ كلَّ ما أُحدث بعد

стр. 9930

النبيّ ﷺ سواء كان له أصل في الشرع أم لا، فكلُّ ما أورده النوويّ من الأمثلة، وظنّ أنه مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه من اللغويّة، لا من الشرعية. والحاصل أن البدع التي ليس لها مُسْتَنَدٌ من الأدلة الشرعية، فإنها بدعة شرعية ضلالة، وأن البدع التي لها أصل من الأدلة الشرعيّة، فهي من البدع اللغويّة، وليست من الضلالة في شيء، ويدلّ على هذا التقسيم الحديثُ المتّفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، فقوله ﷺ : "ما ليس منه" يدلّ على أن من المحدَث ما هو من الشرع، وهو الذي تدلّ عليه الأدلة الشرعيّة، ومن ذلك قول عمر ﵁: "نعمت البدعة"، فإنه أراد به كونها بدعة لغويّة، وذلك لأن قيام رمضان رغّب فيه النبيّ ﷺ ، بل صلى بعض الليالي بأصحابه، ثم اعتذر إليهم بخشية أن يُفرَض عليهم، فلا يقومون به، فلما تُوفّي ﷺ ، رأى عمر ﵁ أن الخشية ارتفعت، فجمعهم على إمام واحد، واستحسن منه ذلك كثيرٌ من الصحابة ﵃، ومنهم عثمان وعليّ ﵄، فقد كان الناس يصلّون جماعة في خلافتهما. وكذلك ما نقل عن الإمام الشافعيّ ﵀ وغيره من تقسيم البدع إلى محمودة ومذمومة، فإنما أرادوا البدعة اللغوية، لا الشرعيّة، فافهم الفرق، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، وسيأتي مزيد بسط وإيضاح لهذا في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق. (ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قال النوويّ ﵀: هو موافق لقول اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: أحقّ، قال أصحابنا -يعني: الشافعيّة-: لو كان النبيّ ﷺ مضطرًّا إلى طعام غيره، وهو مضطرّ إليه لنفسه كان للنبيّ ﷺ أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له ﷺ ، قالوا: ولكن هذا -وإن كان جائزًا- فما وقع. انتهى. (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ) أي: فهو ميراث لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ") أي: فعليّ وفاء دينه، وإلَيّ كفالة عياله، فالأول راجع إلى الدَّين، والثاني راجع إلى الضياع. قال النوويّ ﵀: هذا تفسير لقوله: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"،

стр. 9931

قال أهل اللغة: "الضَّيَاع" -بفتح الضاد-: العيال، قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يَضيع ضَيَاعًا، والمراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَياع، فأوقع المصدر موضع الاسم. انتهى. وقال القرطبيّ: الضَّيَاع: العيال، قاله النضر بن شُميل. وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضَاعَ يَضيع ضَيَاعًا، ومثله: مضى يمضي مَضَاءً، وقَضَى يَقْضِي قَضَاءً: أراد من ترك عيالًا، أو أطفالًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم، كما تقول: ترك فقرًا: أي: فقراء. و"الضِّيَاع" بالكسر: جمع ضائع، مثل جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا ما يكون منه معاشه، من صناعة، أو غلّة، قاله الأزهريّ، وقال شَمِر: ويدخل فيه التجارة، والحِرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى (١). قال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: وكان النبي ﷺ لا يُصلي على من مات وعليه دَين، لم يَخلُف به وفاء؛ لئلا يتساهل الناس في الاستدانة، ويُهمِلوا الوفاء، فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح اللَّه على المسلمين مبادئ الفتوح قال ﷺ : "من ترك دينًا فعليّ"؛ أي: قضاؤه، فكان يقضيه. واختَلَف أصحابنا: هل كان النبي ﷺ يَجِب عليه قضاء ذلك الدين، أم كان يقضيه تَكَرُّمًا؟ والأصح عندهم أنه كان واجبًا عليه ﷺ . واختلفوا هل هذه من الخصائص أم لا؟، فقال بعضهم: هو من خصائص رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: لا، بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال دَين من مات، وعليه دين إذا لم يَخلُف وفاءً، وكان في بيت المال سعة، ولم يكن هناك أهم منه. انتهى كلام النوويّ (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: قوله: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحقّ به منها، ثم فسّر وجهه بقوله: "من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا، أو ضَيَاعًا فإليّ، وعليّ". وبيانه أنه إذا ترك دينًا، أو ضَيَاعًا، ولم يَقدِر على أن يُخَلِّصَ نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يَسُدُّ به ذلك، ثم يُخلّصه النبيّ ﷺ بقيامه به عنه، أو سدّ ضَيْعته

стр. 9932

كان أولى به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم يَفعَل هو بنفسه، واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية من رواه: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" في غير "صحيح مسلم"، فيَحْتَمِل أن يُحمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] أي: ليقتل بعضكم بعضًا في أَشهر أقوال المفسّرين. قال: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ ﷺ رَفَعَ ما كان قرّر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاءً، كما قاله أبو هريرة ﵁: كان النبيّ ﷺ يُؤتى بالميت عليه الدين، فيَسْأل: "هل ترك لدينه وفاءً؟ " فإن قيل: إنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإن قالوا: لا، قال: "صلوا على صاحبكم"، قال: فلما فتح اللَّه عليه الفتوحَ قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي فترك دينًا، فعليّ، ومن ترك مالًا فلورثته". متّفقٌ عليه. قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال اللَّه تعالى للذرّيّة، وأهل الحاجة، والقيام بهم، وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧] (٨٦٧)، و (أبو داود) في "كتاب الخراج والإمارة والفيء" (٢٩٥٤)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٥٧٨) و"الكبرى" (١٧٨٦)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٤٥) و"كتاب الأحكام" (٢٤٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٨٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥١ و ١٩٥٢ و ١٩٥٣)،

стр. 9933

و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٠ و ٣٣٨ و ٣٧١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢١١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب اجتناب البدع، وسيأتي البحث عن البدعة مستوفًى في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الاهتمام في التحذير عن المعاصي، والحثّ على الطاعات، ومن أجل شدّة الاهتمام بذلك ينشأ غضبه، بحيث تحمرّ عيناه، ويتغيّر حاله، فكأن من سمع خطبته في تلك الحال يتصوّره كأنه منذر جيش جرّار، قد دنا اجتياحه لقومه، وهم في غفلتهم ساهون، وفي مستلذّاتهم لاهون، وذلك نتيجة حرصه على هداية أمته، ورحمته ورأفته بهم، فكان كما وصفه اللَّه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة، فيرفع صوته، ويُجْزِل كلامه؛ حتى يكون مطابقًا للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو ترهيب. ٥ - (ومنها): بيان قرب الساعة، فإن بعثته ﷺ إحدى علاماتها. ٦ - (ومنها): مشروعيّة ضرب المثل للإيضاح. ٧ - (ومنها): استحبابُ قولِ: "أما بعدُ" في خُطَب الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خُطَب الكتب المصنفة، وقد عقد الإمام البخاريّ ﵀ بابًا في استحبابه، وذكر فيه جملةً من الأحاديث، واختَلَف العلماء في أول من تكلم به، فقيل: داود ﵇، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قُسّ بن ساعدة. وقال بعض المفسرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇، وقال المحققون: فصلُ الخطاب الفصل بين الحقّ والباطل (١)، وقد استوفيت

стр. 9934

البحث في هذا في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٨ - (ومنها): كون كلام اللَّه خير الكلام، كما قال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]. ٩ - (ومنها): أن هدي النبيّ ﷺ خير الهدي، وأكمله، وأحسنه وأفضله. ١٠ - (ومنها): أن البِدَعَ التي لا أصل لها من الكتاب والسنة شرُّ الأمور، وأنها هي الضلالة بعينها، فيجب اجتنابها، والحذر منها، والبعد عن أهلها، حتى لا يقع العاقل في مهواتها، فيكون مأواه نار جهنم وبئس المصير. ١١ - (ومنها): كون النبيّ ﷺ أولى بكلّ مؤمن من نفسه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. ١٢ - (ومنها): أن من مات وعليه دينٌ، ولم يترك وفاءً، أو ترك عيالًا لا كافل لهم، فعلى الإمام أن يتولّى ذلك من بيت المال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما نُقل عن أهل العلم فيما يتعلّق بالبدعة: قال الإمام الْهُمام شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه اللَّه ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب، أو استحباب، وعُلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه اللَّه، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك، وسواءٌ كان هذا مفعولًا على النبيّ ﷺ ، أو لم يكن، فما فُعل بعده بأمره -من قتال المرتدّين، والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك- فهو سنته (١). وقال أيضًا: البدعة ما خالفت الكتاب، والسنّة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات، والعبادات، كأقوال الخوارج، والروافض، والقدريّة، والجهميّة، وكالذين يتعبّدون بالرقْصِ، والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنّة (٢).

стр. 9935

وقال أيضًا: فمن ندب إلى شيء يُتقرّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله، أو فعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله) (١). وقال أيضًا: السنّة هي ما قام الدليل الشرعيّ عليه بأنه طاعة لله تعالى ورسوله ﷺ ، سواء فعله رسول الله ﷺ ، أو فُعل في زمانه، أو لم يفعله، ولم يُفعل في زمانه؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه. فإذا ثبت أنه أمر به، أو استحبّه فهو سنّة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابةُ القرآن في المصحف، وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعةً، وقد قال ﷺ : "لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، فشرَع كتابة القرآن، وأما كتابة الحديث فنهى عنه أولًا، وذلك منسوخٌ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا، وبإذنه لأبي شاهٍ أن تكتب له خطبته عام الفتح، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لَمّا استعمله على نجران، وبغير ذلك. والمقصود هنا أن كتابة القرآن مشروعةٌ؛ لكن لم يجمعه في مصحف واحد؛ لأن نزوله لم يكن تمّ، وكانت الآية قد تُنسخ بعد نزولها، فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات ﷺ ، وكذا قيام رمضان، قد قال ﷺ : "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة"، وقام في أول الشهر بهم ليلتين، وقام في آخر الشهر ليالي، وكان الناس يُصلّون على عهده ﷺ في المسجد فرادى وجماعات، لكن لم يُداوم بهم على الجماعة؛ خشية أن تُفرض عليهم، وقد أُمن ذلك بموته. وقد قال ﷺ في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه الترمذيّ وغيره: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة"، فما سنّه الخلفاء الراشدون ليس بدعةً شرعيّةً يُنهى عنها، وإن كان يُسمّى في اللغة بدعة؛ لكونه ابتُدئ، كما قال عمر ﵁: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل. انتهى) (٢).

стр. 9936

وقال العلامة أبو إسحاق الشاطبيّ (١) ﵀: أصل مادّة "بدع" للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧، الأنعام: ١٠١]: أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدّم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدّمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدّمه ما هو مثله وما لا يُشبهه. ومن هذا المعنى سمّيت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يُسمّى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة. فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخصّ منه في اللغة. قال: ثبتٌ في علم الأصول أن الأحكام المتعلّقة بأفعال العباد، وأقوالهم ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب، أو الندب، وحكم يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة، أو التحريم، وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو الإباحة. فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه، والمطلوب تركه لم يُطلَب تركه إلا لكونه مخالفًا للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين: (أحدهما): أن يُطلَب تركه، ويُنهى عنه؛ لكونه مخالفة خاصّة مع مجرّد النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرّماً سمّي فعله معصية وإثمًا وسمي فاعله عاصيًا وآثماً، وإلا لم يسمّ بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبيّن في غير هذا الموضع، ولا يُسمّى بحسب الفعل جائزًا ولا مباحًا؛ لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين.

стр. 9937

(والثاني): أن يطلب تركه، ويُنهى عنه لكونه مخالفةَّ لَظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيّات، والتزم الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع الدوام، ونحو ذلك، وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمّى فاعله مبتدعًا. فالبدعة إذن عبارة عن "طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشرعيّة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه". وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية". ولا بدّ من بيان ألفاظ هذا الحدّ: ف "الطريقة، والطريق"، والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رُسِم للسلوك عليه، وإنما قُيّدت ب "الدين "؛ لأنها فيه تُختَرع، وإليه يُضيفها صاحبها، وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسمّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدّم. ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم- فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة، ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها- خُصّ منها ما هو المقصود بالحدّ، وهو القسم المخترع؛ أي: طريقة ابتُدِعَت على غير مثال تقدّمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصّتها أنها خارجة عما رسمه الشارع. وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلّق بالدين، كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع: إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنّة، فحقيقتها إذًا أَنها فقه التعبّد بالألفاظ الشرعيّة الدالّة على معانيها، كيف تؤخذ وتؤدّى؟، وأصول الفقه إنما معناها استقراء كلّيّات الأدلّة حتى تكون عند المجتهد نُصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين، إنما حاصله تقرير لأدلّة القرآن والسنة، أو ما ينشأ عنها في التوحيد، وما يتعلّق به، كما كان الفقه تقريراً لأدلتها في الفروع العباديّة.

стр. 9938

[فإنه قيل]: فإن تضمينها على ذلك الوجه مخترع. [فالجواب]: أن له أصلًا في الشرع، ففي الحديث ما يدلّ عليه، ولو سُلّم أنه ليس في ذلك دليلٌ على الخصوص، فالشرع بجملته يدلّ على اعتباره، وهو مستمدّ من قاعدة المصالح المرسلة. فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًّا لا إشكال في أن كلّ علم خادم للشريعة داخل تحت أدلّته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد، فليست ببدعة ألبتة. وعلى القول بنفيها لا بدّ أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلّ بدعة ضلالة من غير إشكال. ويلزم من ذلك أن يكون كَتْبُ المصحف، وجمع القرآن قبيحًا، وهو باطل بالإجماع، فليس إذاً بدعةً. ويلزم أن يكون دليلٌ شرعى، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئيّ في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة. فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمّى علم النحو أو غيره من علوم اللسان، أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلًا، ومن سمّاه بدعةً، فإما على المجاز، كما سَمَّى عمر بن الخطّاب ﵁ قيام الناس في رمضان بدعةً، وإما جهلًا بمواقع السنّة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًّا به، ولا معتمدًا عليه. وقوله في الحدّ: "تضاهي الشرعيّة" يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعيّة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادّة لها من أوجه: (منها): وضع الحدود؛ كالناذر للصيام قائمًا لا يقعد، ضاحيًا لا يَستظلّ، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف واحد دون صنف، من غير علّة. (ومنها): التزام الكيفيّات والهيئات المعيّنة؛ كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبيّ ﷺ عيدًا، وما أشبه ذلك. (ومنها): التزام العبادات المعيّنة في أوقات معيّنة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة؛ كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته.

стр. 9939

وثَمَّ أوجه تُضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعةَ، فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعةً؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية. وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يَخترعها ليضاهي بها السنّة حتى يكون مُلبِّساً بها على غيره، أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يُشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعاً، ولا يدفع به ضرراً، ولا يُجيبه غيره إليه. ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير. فأنت ترى العرب الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم ﵇ كيف تأوّلوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم، كقولهم في أصل الإشراك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [الزمر: ٣]، وكترك الْحُمْس الوقوف بعرفةَ؛ لقولهم: لا نخرُج من الحرم اعتدادًا بحرمته، وطواف من طاف بالبيت عُريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجّهوه ليُصَيِّروه بالتوجيه كالمشروع. فما ظنك بمن عَدّ، أو عُدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى بذلك، وهم المخطئون، وظنّهم الإصابة، وإذا تبيّن هذا ظهر أن مضاهاة الأمور الشرعيّة ضروريّة الأخذ في أجزاء الحدّ. وقوله: "يُقصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله تعالى" هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها. وذلك أن أصل الدخول فيها يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. فكان المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، فرأى من نفسه أنه لا بدّ لما أُطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من حبّ الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة. وأيضًا فإن النفوس قد تَمَلُّ وتسأم من الدوام على العبادات المرتّبة، فإذا جُدّد لها أمر لا تَعْهَده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: لكلّ جديد لذّة، بحكم هذا المعنى، كمن قال: كما

стр. 9940

تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تُحدَث لهم مرغِّبات في الخير بقدر ما حَدَثَ لهم من الفتور. وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: "فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعيّ حتى أُحدث لهم غيره، فإياكم وما ابتُدِع، فإن ما ابتُدع ضلالة") (١). وقد تبيّن بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكلُّ ما اختُرع من الطرق في الدين مما يُضاهي المشروع، ولم يُقصد به التعبّد، فقد خرٍ ج عن هذه التسمية؛ كالمغارم الْمُلْزِمة على الأموال وغيرها نسبة مخصوصة وقَدْر مخصوص مما يُشبه فرض الزكاة، ولم يكن إليها ضرورة، وكذلك اتخاذ المناخل، وغسل اليد بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبلُ، فإنها لا تُسمّى بدَعاً على إحدى الطريقتين. وأما الحدّ على الطريقة الأخرى) (٢)، فقد تبيّن معناه إلا قوله: "يُقصد بها ما يُقصد بالطريقة الشرعيّة". ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن

стр. 9941

البدعة إما أن تتعلّق بالعادات، أو العبادات، فإن تعلّقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتمّ المراتب في الآخرة في ظنّه، وإن تعلّقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها. فمن جعل المناخل في قسم البدع، فظاهر أن التمتّع عنده بلذّة الدقيق المنخول أتمّ منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيّدة المختلفة التمتّع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسّع في التصرّفات، فيعُدُّ المبتدع هذا من ذلك. وقد ظهر بهذا معنى البدعة، وما هي في الشرع- والحمد لله. انتهى كلام الشاطبّيّ ﵀، ولقد أجاد وأفاد) (١). وقال الإمام ابن رجب ﵀ عند شرح قوله ﷺ : "وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة": فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله: "كلُّ بدعة ضلالة". والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن جابر ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث كثير بن عبد الله المزني، وفيه ضعف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "من ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ولا رسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا". وأخرج الإمام أحمد من رواية غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أَما إنهما

стр. 9942

أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما أحدث قومٌ بدعةً إلا رُفِع مثلها من السنة"، فتمسك بسنّة خير من إحداث بدعة) (١). وقد رُوي عن ابن عمر بمن قوله نحوُ هذا. فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد") (٢). فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يَرجِع إليه، فهو بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية. فمن ذلك قول عمر ﵁ لَمّا جَمَع الناسَ في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوِيَ عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة. ورُوِيَ عن أُبَيّ بن كعب ﵁ قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر ﵁: قد عَلِمتُ، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصولٌ في الشريعة يَرجِعُ إليها. فمنها: أن النبي ﷺ كان يَحُثُّ على قيام رمضان، وُيرَغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووُحْدانًا، وهو ﷺ صَلَّى بأصحابه في رمضان ليلةً، ثم امتنع من ذلك مُعَلِّلا بأنه خَشِيَ أن يُكتَب عليهم، فيَعجَزُوا عن القيام به، وهذا قد أُمِن بعده ﷺ ) (٣).

стр. 9943

ورُوِي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر) (١). ومنها: أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعليّ ﵃ ومن ذلك أذان الجمع الأول زاده عثمان ﵁ لحاجة الناس إليه، وأقرّه عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه. ورُوِيَ عن ابن عمر بأنه قال: هو بدعة، قال ابن رجب: ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان. ومن ذلك جَمْعُ المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت ﵁، وقال لأبي بكر وعمر ﵄: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ ثم عَلِمَ أنه مصلحة، فوافق على جَمْعه) (٢)، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يُكتَب مُفَرقًا أو مجموعًا، بل جَمْعُهُ صار أصلح. وكذلك جَمْعُ عثمان ﵁ الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لِمَا خالفه؛ خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليّ، وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عينَ المصلحة. وكذلك قتال مَن مَنَعَ الزكاةَ توقف فيه عمر وغيره، حتى بَيَّن له أبو بكر أصله الذي يَرجِع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك. ومن ذلك القَصَصُ، وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: إنه بدعة، ونعمت البدعة، كم من دَعْوة مستجابةٍ، وحاجةٍ مَقْضِيّةٍ، وأخ مُستفاد. وإنما عَنَى هؤلاء بقولهم: إنه بدعةٌ الهيئةَ الاجتماعيةَ عليه في وقت معين، فإن النبي ﷺ لم يكن له وقت معين يَقُصُّ على أصحابه فيه، غير خُطَبه الراتبة في الْجُمَع والأعياد، وإنما كان يُذَكِّرهم أحيانًا أو عند حدوث أمر يَحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة ﵃ اجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يُذَكِّر أصحابه كل يوم خميس.

стр. 9944

وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس بانه قال: حَدِّثِ الناسَ في كل جمعة مرة، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناسَ. وفي "المسند" عن عائشة ﵂ أنها وَصَّتْ قاصَّ أهل المدينة بمثل ذلك) (١). ورُوِي عنها أنها قالت لسعيد بن عمير: حَدِّث الناسَ يومًا، ودع الناس يومًا. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصّ أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. ورُوي عنه أنه قال: رَوِّحِ الناسَ، ولا تُثْقِل عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء. وقد رَوَى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الْجُنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي. ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبلُ أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصلٌ في الشريعة تَرجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة

стр. 9945

المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة تَرجِع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا؛ لموافقتها السنة. وقد رُوي عن الشافعي كلام آخر يُفَسِّر هذا، وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، وما أُحدث فيه من الخير، لا خِلاف فيه لواحد من هذا، فهذه مُحْدَثة غير مذمومة. وكثير من الأمور التي أُحدثت، ولم يكن (١) قد اختَلَف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى (٢) ترجع إلى السنة أم لا؛. (فمنها): كتابة الحديث، نَهَى عنه عمر، وطائفة من الصحابة ﵃، وَرَخَّص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة. (ومنها): كتابة تفسير الحديث والقرآن، كَرِهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب التي لم تُنقَل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يَكرَه أكثر ذلك. وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يَتَعَيَّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث في ذلك بعدهم، فيُعلمَ بذلك السنة من البدعة. وقد صَحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون، ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول. وابن مسعود ﵁ قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين. وروى ابنُ مَهديّ عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمور الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تَكَلَّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في
следующие страницы →