البدعة إما أن تتعلّق بالعادات، أو العبادات، فإن تعلّقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتمّ المراتب في الآخرة في ظنّه، وإن تعلّقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها.
فمن جعل المناخل في قسم البدع، فظاهر أن التمتّع عنده بلذّة الدقيق المنخول أتمّ منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيّدة المختلفة التمتّع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسّع في التصرّفات، فيعُدُّ المبتدع هذا من ذلك. وقد ظهر بهذا معنى البدعة، وما هي في الشرع- والحمد لله. انتهى كلام الشاطبّيّ ﵀، ولقد أجاد وأفاد) (١).
وقال الإمام ابن رجب ﵀ عند شرح قوله ﷺ : "وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة": فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله: "كلُّ بدعة ضلالة".
والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة.
وفي "صحيح مسلم" (٢) عن جابر ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث كثير بن عبد الله المزني، وفيه ضعف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "من ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ولا رسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا".
وأخرج الإمام أحمد من رواية غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أَما إنهما
стр. 9942
أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما أحدث قومٌ بدعةً إلا رُفِع مثلها من السنة"، فتمسك بسنّة خير من إحداث بدعة) (١). وقد رُوي عن ابن عمر بمن قوله نحوُ هذا.
فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد") (٢).
فكل من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يَرجِع إليه، فهو بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية.
فمن ذلك قول عمر ﵁ لَمّا جَمَع الناسَ في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوِيَ عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة. ورُوِيَ عن أُبَيّ بن كعب ﵁ قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر ﵁: قد عَلِمتُ، ولكنه حسن.
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصولٌ في الشريعة يَرجِعُ إليها.
فمنها: أن النبي ﷺ كان يَحُثُّ على قيام رمضان، وُيرَغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووُحْدانًا، وهو ﷺ صَلَّى بأصحابه في رمضان ليلةً، ثم امتنع من ذلك مُعَلِّلا بأنه خَشِيَ أن يُكتَب عليهم، فيَعجَزُوا عن القيام به، وهذا قد أُمِن بعده ﷺ ) (٣).
стр. 9943
ورُوِي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر) (١).
ومنها: أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعليّ ﵃ ومن ذلك أذان الجمع الأول زاده عثمان ﵁ لحاجة الناس إليه، وأقرّه عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه.
ورُوِيَ عن ابن عمر بأنه قال: هو بدعة، قال ابن رجب: ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان.
ومن ذلك جَمْعُ المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت ﵁، وقال لأبي بكر وعمر ﵄: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ ؟ ثم عَلِمَ أنه مصلحة، فوافق على جَمْعه) (٢)، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يُكتَب مُفَرقًا أو مجموعًا، بل جَمْعُهُ صار أصلح.
وكذلك جَمْعُ عثمان ﵁ الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لِمَا خالفه؛ خشيةَ تفرق الأمة، وقد استحسنه عليّ، وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عينَ المصلحة.
وكذلك قتال مَن مَنَعَ الزكاةَ توقف فيه عمر وغيره، حتى بَيَّن له أبو بكر أصله الذي يَرجِع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك.
ومن ذلك القَصَصُ، وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال الحسن: إنه بدعة، ونعمت البدعة، كم من دَعْوة مستجابةٍ، وحاجةٍ مَقْضِيّةٍ، وأخ مُستفاد.
وإنما عَنَى هؤلاء بقولهم: إنه بدعةٌ الهيئةَ الاجتماعيةَ عليه في وقت معين، فإن النبي ﷺ لم يكن له وقت معين يَقُصُّ على أصحابه فيه، غير خُطَبه الراتبة في الْجُمَع والأعياد، وإنما كان يُذَكِّرهم أحيانًا أو عند حدوث أمر يَحتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة ﵃ اجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يُذَكِّر أصحابه كل يوم خميس.
стр. 9944
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس بانه قال: حَدِّثِ الناسَ في كل جمعة مرة، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثًا، ولا تُمِلَّ الناسَ.
وفي "المسند" عن عائشة ﵂ أنها وَصَّتْ قاصَّ أهل المدينة بمثل ذلك) (١).
ورُوِي عنها أنها قالت لسعيد بن عمير: حَدِّث الناسَ يومًا، ودع الناس يومًا. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصّ أن يقص كل ثلاثة أيام مرة. ورُوي عنه أنه قال: رَوِّحِ الناسَ، ولا تُثْقِل عليهم، ودَعِ القَصَصَ يوم السبت ويوم الثلاثاء.
وقد رَوَى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الْجُنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي.
ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبلُ أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصلٌ في الشريعة تَرجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة
стр. 9945
المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة تَرجِع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا؛ لموافقتها السنة. وقد رُوي عن الشافعي كلام آخر يُفَسِّر هذا، وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، وما أُحدث فيه من الخير، لا خِلاف فيه لواحد من هذا، فهذه مُحْدَثة غير مذمومة.
وكثير من الأمور التي أُحدثت، ولم يكن (١) قد اختَلَف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى (٢) ترجع إلى السنة أم لا؛.
(فمنها): كتابة الحديث، نَهَى عنه عمر، وطائفة من الصحابة ﵃، وَرَخَّص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة.
(ومنها): كتابة تفسير الحديث والقرآن، كَرِهه قوم من العلماء، ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب التي لم تُنقَل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يَكرَه أكثر ذلك.
وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يَتَعَيَّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث في ذلك بعدهم، فيُعلمَ بذلك السنة من البدعة.
وقد صَحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحدِثون، ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول. وابن مسعود ﵁ قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
وروى ابنُ مَهديّ عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يُشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمور الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تَكَلَّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في
стр. 9946
تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عَكَسَ ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
وأصعب من ذلك ما أُحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقدره، فكَذّب بذلك من كَذَّب، وزَعَم أنه نزه الله بذلك عن الظلم.
وأصعب من ذلك ما حَدَث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي ﷺ ، والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقومٌ نَفَوا كثيرًا مما وَرَد في الكتاب والسنة من ذلك، وزَعَموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضي العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله . وقوم لم يكتفوا بإثباته، حتى أثبتوا ما يُظَنّ أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفياً وإثباتاً دَرَجَ صدرُ الأمة على السكوت عنها.
ومما حَدَث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورَدُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك؛ لمخالفته الرأي، والأقيسة العقلية.
ومما حَدَث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذَّوْق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يَحتاج إليها العوائمُ، وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يُعلَمُ قطعًا مخالفته للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي حقّقه الإمام ابن رجب ﵀ في كتابه النفيس "جامع العلوم والحكم" بحث نفيش، وتحقيق أنيس، فعليك بمطالعته، وتدبّره، حتى ينجلي لك الفرق بين البدعة الشرعية المذمومة بكل أشكالها وألوانها التي عناها النبيّ ﷺ بقوله: "فكل بدعة ضلالة"، وبين البدعة اللغويّة التي يُستحسَن بعض أفرادها، وهي التي تستند إلى أصل من الكتاب والسنة، أو إجماع الأمة.
стр. 9947
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: البدعة كلُّ ما فُعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعيّة فما لم يدلّ عليه دليلٍ شرعيّ -إلى أن قال-: ثم ذلك العمل الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمّي في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعمّ من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبيّ ﷺ : "كلُّ بدعة ضلالة" لم يُرد به كلّ عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كلّ دين جاء به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدئ من الأعمال التي لم يشرعها النبيّ ﷺ . انتهى) (١).
والحاصل أن المراد بقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" هي البدعة الشرعيّة، لا اللغويّة.
ومن أقوى الأدلة على التفريق بين البدعة الشرعيّة واللغويّة ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، ففي قوله ﷺ : "ما ليس منه " إشارةٌ واضحةٌ إلى أن من المحدثات ما يكون من الشرع، وهو ما له أصل يستند إليه من الأدلة الشرعيّة.
وقد غلا بعض الناس في هذا الباب، حيث تمسّك بقوله ﷺ : "فكل بدعة ضلالة" فاعتقد أن كلّ ما أُحدث فهو من البدع الضلالة، وهذا غلوّ، وجفاء، وتفريط في عدم الجمع بين أطراف النصوص في هذا الباب، وتدبّرها، وتفهّمها حقّ تدبّر وتفهّم، كما فعل هؤلاء المحقّقون الذين تقدمت أقوالهم، فإياك، ثم إياك أن تكون من هذا المصنف، أو تقلّد منهم أحدًا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، آمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم في تعريف البدعة أنها هي التي تُفْعَل بقصد القربة، وهذا أصل أصيلٌ يفرّقُ به بين الفعل الذي يكون بدعةً، والفعل الذي يكون معصيةً فقط، وإن كانت البدعة معصيةً لله إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.
стр. 9948
فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل منهما، فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله، بخلاف المبتدع، فإنه يعتقد في عمله المحدَث القربةَ إلى الله تعالى، وهذا هو وجه المفارقة.
ووجه آخر هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حاليّة ومآليّة في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعيّة أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتّب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير، ويموت عليها الكبير، بخلاف المعصية، أو المخالفة.
وهذا هو معنى ما قاله سفيان الثوريّ ﵀: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها) (١).
والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله، أو قوله، أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفكّ من ملازمة هذا العمل.
وبسبب كون البدع أشرّ من المعاصي، وأهلها أضرّ من أهل الذنوب أمر النبيّ ﷺ بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة) (٢).
ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشدّ ضررًا من المعاصي ما رواه ابن وضّاح بسنده عن أبي بكر بن عيّاش، قال: كان عندنا فتًى يقاتل، ويشرب، وذَكَر أشياءَ من الفسق، ثم إنه تقرّأ فدخل في التشيّع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنتَ تقاتل وتفعل وتفعل خيرٌ منك اليوم.
وقَصْدُ القربة يراد به إلحاق حكم شرعيّ بعمل محدَث؛ كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام ﵀: فمن ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله، أوأوجبه بقوله، أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد شرع ما لم يأذن به الله) (٣).
وقصد القربة يتوجّه إلى العمل الذي لا يتصوّر فيه غير إرادة القربة
стр. 9949
كالعبادات المحضة، وهي حق خالصٌ لله ، فلا بدّ من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع) (١).
فالعبادة التي هي حق الله تعالى لا يُتصوّر فيها غير إرادة القربة، فالإحداث فيها يسمّى ابتداعًا، سواء قصد القربة، أو افتُرض أنه لم يقصدها، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة مخصوصة؛ كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.
ويتوجّه قصد القربة أيضًا إلى العمل الذي يَحمِل أوجهًا متعدّدة، مثل الأمور الدنيويّة، فيُنظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتّحدت أوجه الفعل الواحد، فمن لبس ثوبًا بلون معيّن، ولم يُرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا لحقته أمور منهيّ عنها؛ كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصيةً. أما إذا أراد بذلك الثوب المعيّن القربة فإنه يكون بدعة، كما يفعله بعض الصوفيّة من اشتراط لون معيّن لمريدهم.
والحاصل أن كلّ فعل، أو ترك قُصد به القربة، مما ليس له أصل في الشرع فهو بدعة.
فخرج بذلك ما فُعل أو تُرك لا بقصد القربة، فإنه يكون معصية، أو مخالفة، أو عفواً، ولا يُطلق عليه بدعة.
مثال ما فُعل لا بقصد القربة، ويكون معصية جميع المنهيات الشرعية؛ كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا الفعل بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة ترك المأمور به شرعًا، كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله ممن وجبت عليه، فإذا كان هذا الترك بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما فُعل لا بقصد القربة ويكون عفواً حلقُ الرأس في غير نسُك، فإن فُعل بقصد القربة فهو بدعة.
стр. 9950
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة، ويكون عفوًا الامتناع عن أكل اللحم للتطبّب ونحوه، فإن كان الترك تديّنًا فهو باع.
وللاستزادة في هذا الموضوع راجع: "اقتضاء الصراط المستقيم"، و"مجموع الفتاوى" لابن تيميّة ﵀ (١)؛ والله تعالي أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تقسيم البدعة إلى حقيقيّة، وإضافيّة: قال أبو إسحاق الشاطبيّ ﵀: البدعة الحقيقيّة هي التي لم يدلّ عليها دليلٌ شرعيّ، لا من كتابْ، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل، ولذلك سمّيت بدعةً؛ لأنها شيء مُخترع على غير مثال سابق.
والبدعة الإضافيّة هي التي لها شائبتان:
[إحداهما]: لها من الأدلّة مُتَعلّقٌ، فلا تكون من تلك الجهات بدعة.
[والأخرى]: ليس لها مُتعلَّقٌ إلا مثل ما للبدعة الحقيقيّة؛ أي: إنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيّات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقُم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبّديّات، لا في العاديات المحضة.
قال: قد يكون أصل العمل مشروعاً، ولكنه يصير جاربًا مجرى البدعة من باب الذرائع، وبيانه أن العمل يكون مندوباً إليه مثلًا، فيَعمَل العامل في خاصّة نفسه على وضعه الأول من الندبيّة، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيّته غير مظهر له دائمًا،
стр. 9951
بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا صحيحٌ لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله ﷺ لإخفاء النوافل، والعمل بها في البيوت، وقوله ﷺ : "فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، متّفقٌ عليه، فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى، وإن كان ذلك في مسجده ﷺ ، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد بيت المقدس، حتى قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار بعض السنن؛ كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء، وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، فإذا اجتمع في النافلة أن تُلْزَم التزام السنة الرواتب إما دائمًا، وإما في أوقات محدودة، وعلى وجه محدود، وأُقيمت في الجماعة في المساجد التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، فذلك ابتداع.
والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان فعلُ هذا المجموع هكذا مجموعًا، وإن أتى مطلقًا، من غير تلك التقييدات، فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء النوافل مثلًا؟.
ووجه دخول الابتداع هنا أن كلّ ما واظب عليه رسول الله ﷺ من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنّة على طريق العمل بالسنّة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعًا، ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوامّ فيها، ومن لا علم عنده أنها سنّة، وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسنة، والعمل بها على حدّ العمل بالسنّة نحوٌ من تبديل الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه فرضٌ، ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسدٌ، فهب العملُ في الأصل صحيحًا، فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعيّة، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض.
стр. 9952
فهذه أمورٌ جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنةً إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شكّ.
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله الشاطبيّ فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إن أراد أن ترك السنة مخافة أن يعتقد الجاهل أنها من الفرائض فهذا مما لا معنى له؛ لأن السنة لا تُترك لمثل هذا الخوف، بل الواجب أن يُبيّن للجاهل ما هو الفرض، وما هي السنة، ولا أظنّه يُثبت النقل بذلك عن أحد من السلف أنهم تركوا السنن لأجل هذا الخوف.
وإن أراد بتركها ترك فعل بصفة خاصّة، لم تثبت في السنة، فهذا أمر مسلمٌ، ولكن سياق كلامه يأبى هذا التأويل.
وبالجملة فلا تترك السنة على الوجه الذي ثبتت به لأجل مثل هذا الخوف، بل ينبه الجاهل، ويبيّن له ذلك. والله تعالى أعلم.
قال: ومن البِدَع الإضافيّة التي تَقْرُب من الحقيقيّة أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل مشروعيّتها بغير دليل توهمًا أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيّد إطلاقها بالرأي، أو يُطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدّها الذي حُدّ لها.
ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصّه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خصّ منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عيّنه الشارع، فلا شكّ أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلّف بدعةً؛ إذ هي تشريع بغير مستند.
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تُشرع لها تخصيصاً، كتخصيص اليوم الفلانيّ بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانيّة بقيام كذا وكذا ركعةً، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه
стр. 9953
ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يَقصِد مئله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا، وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعًا، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيّقية مركبة. انتهى كلام الشاطبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في ذكر بعض ما جاء عن السلف في ذمّ البدعة:
ذكر الإمام الطبري ﵀ في كتاب "آداب النفوس": حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؛ قال: تَرَكَنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: تعلموا العلم قبل أن يُقبَض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ وقال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٩]، فالْهَرَب الْهَرَبَ، والنجاة النجاةَ، والتمسك بالطريق المستقيم، والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا". متّفق عليه.
وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا
стр. 9954
رسول الله ﷺ موعظة ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال:
"قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمن كالْجَمَل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد". وأخرجه الترمذي بمعناه، وصححه.
ورَوى أبو داود قال: حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان، قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز، يسأله عن القدر، فكتب إليه: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، وترك ما أحدث الْمُحْدِثون بعدَ ما جرت به سنته، وكُفُوا مُؤْنته، فعليك بلزوم الجماعة، فإنها لك -بإذن الله- عِصْمَة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها، أو عبرةٌ فيها، فإن السنة إنما سَنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطإ والزَّلَلِ، والْحُمْق والتعمّق، فارضَ لنفسك ما رَضِي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفُوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم؛ إنما حَدَثَ بعدَهم، فما أحدثه إلا مَن اتّبع غير سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يَكفِي، ووَصَفُوا ما يَشفِي، فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر، وقد قَصَّر قوم دونهم فجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوْا، وإنهم مع ذلك لَعَلَى هُدًى مستقيم، كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير -بإذن الله- وقعتَ، ما أعلم ما أحدث الناس من مُحدَثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرًا، ولا أثبت أمراً، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الْجُهَلاء، يتكلمون به في كلامهم، وفي شِعْرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِده الإسلام بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه
стр. 9955
منه المسلمون، فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يُحصِه كتابه، ولم يَمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لِمَ أَنزل الله آية كذا؟ لم قال كذا؟ لقد قرءوا منه مما قرأتم، وعَلِمُوا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر، وكُتِبت الشقاوة، وما يُقدَّر يكن، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، ثم رَغِبوا بعد ذلك ورهبوا") (١).
وقال سهل بن عبد الله التستريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَر إنسانٌ النبيَّ ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذَمُّوه، ونَفَرُوا عنه، وتبرءوا منه، وأَذَلّوه، وأهانوه، قال سهل: إنما ظهرت البدعة على أيدي أهل السنة؛ لأنهم ظاهروهم، وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم، وفَشَت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه) (٢)، فلو تركوهم، ولم يكلموهم لَمَات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يَظهَر منه شيء، وحمله معه إلى قبره. وقال سهل: لا يُحدِث أحدكم بدعة حتى يُحدث له إبليس عبادةً، فيتعبد بها، ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها نُزع منه تلك الخدمة. قال سهل: لا أعلم حديثًا جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: "حجب الله الجنة عن صاحب البدعة") (٣)، قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يُكرِم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يَخلُوَنَّ بالنسوان، ولا يخاصمنّ أهل الأهواء. وقال أيضا: اتّبِعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي "مسند الدارمي" أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا شيئًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت
стр. 9956
في المسجد قومًا حِلَقًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، وفي كل حَلْقة رجل، وفي أيديهم حصىً، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظارَ رأيك، وانتظارَ أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم، ثم مَضَى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىً نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فَعُدُّوا سيئاتكم، وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، أوَ مُفْتَتَحِي بابِ ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرًا، فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز، وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع، فقال: عليك بدين الأعراب، والغلام في الْكُتّاب، والْهَ عمّا سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء، قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار، قالوا: هيهات ذلك شيء قُرِن بالتوحيد، قال: لأَبُثَّنّ فيهم شيئًا لا يستغفرون الله منه، قال: فَبَثَّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أَيُّ النعمتين علي أعظم؟: أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبيّ: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء؛ لأنهم يَهْوُون في النار. كله عن الدارمي.
وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة، والنكاح منهم وتزويجهم، فقال: لا ولا كرامة، هم كُفّار كيف يؤمن مَن يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة، ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار، ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد ﷺ ، ولا عذاب القبر، ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة، ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويُكَفِّرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
стр. 9957
وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وَينهَى عن البدعة عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأَوَّل الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، قال عاصم الأحول: فحدثتُ به الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك.
وقد قال بعض العلماء العارفين في قوله ﷺ : "تفرقت بنو إسرائيل عن ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين … " الحديث:
هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد ﷺ قوم يُعادون العلماء، ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى"، قال: فقلت -جُعِلتُ فداك يا رسول الله-: كيف ذاك؟ قال: يُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض، قال: قلت -جُعلتُ فداك يا رسول الله-: وكيف يقولون؟ قال: "يجعلون إبليس عَدلًا لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس " -قال-: "فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة،، قال: "فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال، أولئك زنادقة هذه الأمة … " وذكر الحديث. وقد نهى الله ﷺ عن مجالسة أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]، ثم بَيّن في "سورة النساء"، وهي مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف ما أمر الله به فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]، فألحق من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل، والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا: ﴿إِنَّكُمْ
стр. 9958
إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال: يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته الحق بهم. انتهى) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: من أسباب ظهور البدع: اتباع الهوى، وقلّة العلم بالأدلة الشرعية، واتباع الآباء والمشايخ، واتباع المذاهب والطائفة، وأخذ أهل السلطة بها، أو سكوتهم عنها، وكون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان، واحتفاء المبتدعة ببعضهم، وتعاونهم فيما بينهم) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠٦] ( … ) (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
(١) (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الَقَطَوَانيّ (٣) أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كدت س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٦٧/ ٦٥.
стр. 9959
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ … إلخ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل للشافعيّ ﵀ أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه. انتهى) (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ادّعاه النوويّ من الحديث دليلٌ على وجوب ما ذكره فيه نظرٌ لا يخفى، فإن الحديث إنما يدلّ على استحبابه، لا على الوجوب؛ لأنه مجرّد فعل، وإن استدلّ بقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، فهو استدلال غير مقبول؛ لأن الشافعيّ ﵀ نفسه يرى بعض ما فعله في خطبته مستحبًّا، فتفطّن.
والحاصل أن الأرجح عدم وجوب ما ذُكر، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، أو بفتحهما، قال الفيّوميّ ﵀: وجئتُ في أَثَره بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي: تبِعته عن قُرب. انتهى) (٢).
وَقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل "ساق" ضمير سليمان بن بلال؛ يعني: أن سليمان بن بلال ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب بن عبد المجيد.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٢١٣/ ٣) فقال: (٥٥٨٩) أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا ابن أبي أُوس، والفرويّ قالا: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر؛ يعني: ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: خطبة رسول الله ﷺ يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني
стр. 9960
عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، واشتدّ غضبه، واحْمَرَّت وجنتاه، كأنه منذر جيش، يقول: صَبَّحكم، أو مَسّاكم، ثم يقول: "بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين"، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلاله، مَن تَرَك مالًا فلأهله، ومن ترك ديْنًا، أو ضَيَاعًا، فإليّ، وعليّ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠٧] ( … ) (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللهَ، وُيثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: "مَنْ يَهْلِإِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) فاعل "ساق" ضمير سفيان؛ يعني: أن سفيان الثوريّ ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب الثقفيّ.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن جعفر هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٤٥٦٦) حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر،
стр. 9961
قال: كان رسول الله ﷺ يقوم، فيخطب، فيحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ويقول: "من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة"، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، صبَّحكم مسّاكم، "من ترك مالًا فللورثة، ومن ترك ضَياعًا أو ديْنًا فعليّ، وإليّ، وأنا ولي المؤمنين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٠٨] (٨٦٨) (وَحَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامِ، حَدَّثنا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أنّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) (٢)، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ"، قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) (٣)، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَعَلَى قَوْمِكَ؟ " قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي،
стр. 9962
قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: رُدُّوهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّامٍ) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصريّ السامي -بالمهملة- أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٤ - (دَاوُدُ) بن أبي هند الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أوأبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ كان يهم بأَخَرَة [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان " ٢٧/ ٢٢١.
٥ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، ويقال: الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وورّاد كاتب المغيرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وسعيد بن جبير، وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وأبي العالية، والشعبيّ.
وروى عنه أيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون، وداود، وجرير بن حازم، والحباب بن المختار القطعيّ، وسعيد الجريريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شيخٌ بصريّ، وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: عمرو بن سعيد ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٦٨) و (١٦٢٨) و (١٨٧٢) و (٢١٥٩) و (٢٣١٦).
٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتِل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يُكَمِّل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
стр. 9963
(٧) (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه منهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، فلما اختلفا في ذلك فرّق بينهما، فقال: قال ابن المثنّى: حدّثني عبد الأعلى إلخ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وداود فقد علّق له البخاريّ، وعمرو بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وسعيد، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمر بن الخطّاب ﵁: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منّا أحدٌ، وهو أحد المكثرين من الصحابة ﵃، وأحد العبادلة الأربعة، من فقهاء الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵂ (أَنَّ ضِمَادًا) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم، آخره دالٌ مهملة-: ابن ثعلبة الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءَةَ، روى مُسَدَّد في "مسنده" فقال: "وكان ضِمَاد صديقًا للنبيّ ﷺ ، وكان يتطبَّب، فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بُعِث النبيّ ﷺ "، فذكر الحديث، قال البغويّ: لا أعلم لضماد غيره، ووقع في "الصحابة" لابن حبان: ضِمَاد الأزديّ كان صديقًا للنبيّ ﷺ ، وكذا قال ابن منده: إنه يقال فيه: ضمادٌ -أي بالدال- وضمام- أي
стр. 9964
بالميم- أفاده في "الإصابة") (١).
(قَدِمَ) بكسر الدال (مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الشين المعجمة، وضمّ النون-: اسم قبيلة مشهورة، وهو أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كَهلان بن سبأ، أفاده في "اللباب") (٢). (وَكَانَ يَرْقِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: رَقَيْتُهُ أَرْقِيه رَقْيًا، من باب رَمَى: إذا عَوَّذته بالله، والاسمُ الرُّقْيَا على فُعْلَى، والمرّةُ الرُّقيةُ، والجمع رُفى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدًى) (٣). (مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) بكسر الراء المراد به هنا الجنون، ومسّ الجنّ، وفي غير "صحيح مسلم": يَرقي من الأرواح؛ أي: الجنّ، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم لا يُبصرهم الناس، فهم كالروح، والريح) (٤)، (فَسَمِعَ سُفَهَاءَ) بالضمّ: جمع سَفِيه، يقال: سَفِهَ سَفَهاً، من باب تَعِبَ، وسَفُهَ بالضمّ سَفَاهَةً، فهو سفيه، والأُنثى سَفِيهةٌ، والسَّفَه: نقصٌ في العقل، وأصله الخِفّة) (٥). (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا) ﷺ (مَجْنُون، فَقَالَ) ضماد (لَوْ أَني رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَل اللهَ يَشْفِيهِ) بفتح أوله، يقال: شَفَى الله المريض يَشْفيه، من باب رَمَى شِفَاءً: عافاه) (٦). (عَلَى يَدَيَّ) أي: بسبب معالجتي له بيديّ (قَالَ) الراوي (فَلَقِيَهُ) أي: لقي ضِمادٌ النبيّ ﷺ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذ الرِّيحِ) وفي نسخة: "في هذه الريح" (وَإِن اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟) جارّ ومجرور خبر لمحذوف؛ أي: فهل لك رغبة في أن أعالجك؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن الْحَمْدَ لله) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها مقول القول؛ أي: الثناء الجميل (نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي: في جميع الأمور (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ) بإِثبات ضمير النصب؛ أي: من يوفّقه الله تعالى لاتّباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) فلا أحد يقدر على إضلاله، من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي: من يضلله الله تعالى (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي: فلا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة
стр. 9965
العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي: أعلم، وأتيقّن، وأعترف (أَنْ) بفتح الهمزة مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وأصله أنه، وخبره الجملة بعدها، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ " فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
(لَا إِلَهَ) أي: لا معبود بحقّ (إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقدير تنكيره؛ أي: منفردًا، كما قال في "الخلاصة":
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ"وَحْدَكَ اجْتَهِدْ"
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة حاليّة (وَأَنَّ مُحَمَّدًا) وفي رواية النسائيّ: "وأشهد أن محمدًا" (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين مستوفًى في أبواب الأذان، فراجعه تستفد.
(أمَّا بَعْدُ") أي: بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضمادٌ (أَعِدْ) بقطع الهمزة، أمر من الإعادة؛ أي: كرّر (عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) مبنيّ على الكسر، في محلّ جرّ بدل من "كلماتك" (فَأَعَادَهُنَّ) أي: الكلمات (عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: ليفهمها حقّ الفهم، وكان من هديه ﷺ أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أنس ﵁، أنه ﷺ كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا.
(قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) بفتحات: جمع كاهن، ويُجمع أيضًا على كُهّانٍ، وهو اسم فاعل من كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: إذا قَضَى له بالغيب، وحرفته الْكِهَانَةُ بالكسر، أفاده في "القاموس") (١). (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) بفتحات أيضًا: جمع ساحر، من سَحَر يسحرُ، من باب منع، والسَّحْر -بكسر فسكون- كلُّ ما لطُفَ مأخذه، ودَقَّ، أفاده في "القاموس") (٢)، وقال في "المصباح" نقلًا عن ابن فارس: السَّحْرُ هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَه
стр. 9966
بكلامه استماله برقّته، وحسن تركيبه. انتهى) (١). (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) بالضمّ جمع شاعر، قال الفيّوميّ ﵀: والشِّعْر العربيّ: هو النظم الموزون، وحَدُّه ما تركَّب تركبًا متعاضدًا، وكان مُقَفًّى موزونًا مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود، أو من بعضها فلا يُسَمَّى شِعْراً، ولا يسمى قائله شاعرًا، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزونًا، فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يَجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شَعَرْتُ: إذا فَطِنتَ وعَلِمتَ، وسُمِّي شاعرًا؛ لفطنته، وعلمه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يَشْعُر به، وهو مصدر في الأصل، يقال: شَعَرتُ أَشْعُر، من باب قتل: إذا قلته.
وجَمْعُ الشاعر شُعَراء، وجمع فاعل على فُعَلاء نادر، ومثله عاقل وعُقلاء، وصالح وصُلَحاء، وبارح وبُرَحاء، عند قوم، وهو شِدّة الأَذَى، من التبريح، وقيل: البُرَحاء غير جمع، قال ابن خالويه: وإنما جُمع شاعر على شُعَراء؛ لأن من العرب من يقول: شَعُر بالضم، فقياسه أن تجيء الصفة على فَعِيل، نحو شُرُفَ فهو شَرِيف، فلو قيل كذلك لالتبس بشَعِير الذي هو الْحَبّ، فقالوا: شاعر، ولَمَحُوا في الجمع بناءه الأصليَّ، وأما نحو عُلَماء، وحُلَماء فجمع، عليم، وحليم. انتهى) (٢).
(فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بوجهين، أشهرهما "ناعوس" بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني "قاموس" بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير "صحيح مسلم".
وقال القاضي عياض: أكثر نسخ "صحيح مسلم" وقع فيها "قاعوس" بالقاف والعين، قال: ووقع عند أبي محمد بن سعيد "تاعوس" بالتاء المثناة فوقُ، قال: ورواه بعضهم "ناعوس" بالنون والعين، قال: وذكره أبو مسعود الدمشقئ في "أطراف الصحيحين"، والحميديّ في "الجمع بين الصحيحين" "قاموس" بالقاف والميم، قال بعضهم: هو الصواب، قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه، وقال ابن دُريد: لُجَّته، وقال صاحب "كتاب العين": قَعْرُه الأقصى.
стр. 9967
وقال الحربيّ: قاموسُ البحر: قعره، وقال أبو مروان بن سرّاج: "قاموس" فاعول، من قَمَسته: إذا غمسته، فقاموس البحر لُجَّته التي تضطرب أمواجها، ولا تستقرّ مياهها، وهي لفظة عربيةٌ صحيحةٌ.
وقال أبو عليّ الجيانيّ: لم أجد في هذه اللفظة ثَلْجًا، وقال شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر بالقاف والعين صحيحٌ بمعنى قاموس، كأنه من القعس، وهو تطامن الظهر، وتعمقه، فيرجع إلى عُمْق البحر ولجّته، هذا آخر كلام القاضي ﵀.
وقال أبو موسى الأصفهانيّ: وقع في "صحيح مسلم": ناعوس البحر بالنون والعين، قال: وفي سائر الروايات "قاموس"، وهو وسطه ولُجَّته، قال: وليست هذه اللفظة موجودة في مسند إسحاق ابن راهويه الذي رَوَى مسلم هذا الحديث عنه، لكنه قرنه بأبي موسى، فلعله في رواية أبي موسى، قال: وإنما أورد مثل هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابي عَرَفَ أصلها ومعناها. انتهى) (١).
(قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (هَاتِ) بكسر التاء؛ أي: ناولني (يَدَكَ أُبَايِعْكَ) بالجزم في جواب الطلب (عَلَى الإسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ) أي: بايع ضماد النبيّ ﷺ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : و"عَلَى قَوْمِكَ؟ " عطف على مقدّر؛ أي: بايعني: على نفسك، وعلى قومك (قَالَ) ضماد (وَعَلَى قَوْمِي) أي: أبايعك على نفسي، وعلى قومي أيضًا (قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً) أي: قطعة جيش، فهي فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيَّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات) (٢). (فَمَرُّوا بقَوْمِهِ) أي: مرّت هذه السريّة بقوم ضِماد ﵁ (فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ) أي: أَميرهم (لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ) أي: من قوم ضماد (شَيْئًا؟) أي: من المال (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً) بكسر الميم على الأشهر، ويجوز فتحها، هي: الإداوة، وهي الإناء الذي يكون فيه ماء الطهارة، وقال الفيّوميّ: الْمِطهرة،
стр. 9968
بكسر الميم: الإداوة، والفتح لغة، ومنه الحديث: "السِّواك مَطْهَرةٌ للفم"، بالفتح، وكلُّ إناء يُتطهَّر به مَطْهَرَةٌ، والجمع المطاهر. انتهى) (١).
وإنما أخذ ذلك الرجل تلك المطهرة؛ لظنه أنها مال حربيّ يجوز أخذه؛ حيث لم يعلم أن صاحبها من قوم ضماد، أو لم يعلم بإسلام ضماد أصلًا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) صاحب السريّة (رُدُّوهَا) أي: رُدّوا تلك المِطهرة، وإنما جمع الضمير؛ لإرادة الرجل المصيب، ومن معه من أصحابه (فَإنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) يعني: أنهم مسلمون، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، ولا لأَموالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠٠٨] (٨٦٨))، و (النسائيّ) مختصرًا في "النكاح" (٣٢٧٩) و"الكبرى" (٥٢٧ (٥))، و (ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٩ (٣))، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٠٢ و ٣٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٥٦٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (١٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة.
٢ - (ومنها): استحباب قول الخطيب في خطبته: "أما بعد".
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من جراءة قومه عليه، حتى إنهم يصفونه بالجنون، وهم المجانين.
٤ - (ومنها): منقبة ضماد بن ثعلبة الأزديّ ﵁ حيث اهتدى بمجرّد سماع خطبة النبيّ ﷺ ، مع أن قريشًا كان تسمع منه باستمرار الآيات القرآنيّة،
стр. 9969
ولكنها لم ترفع لها رأسًا، بل تكبّرت، وعاندت الحقّ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦].
٥ - (ومنها): أن الهداية بيد الله تعالى، فإن النبيّ ﷺ مع شدّة حرصه على إيمان قومه، وشدّة مواصلتهم في دعوتهم إلى الحقّ، لم يستطع أن يهدي منهم إلا من شاء الله تعالى هدايته، وقصّة محاولته ﷺ في إسلام عمّه أبي طالب أكبر شاهد على ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢].
٦ - (ومنها): أن أموال أهل الحرب مباحة، يجوز للمسلمين أن يأخذوا منها ما داموا محاربين لهم، وإنما تحرم إذا عقدوا الصلح مع المسلمين، أو دخلوا دار الإسلام بأمان.
٧ - (ومنها): بيان حرمة أموال المسلمين، قليلها وكثيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠٩] (٨٦٩) (حَدَّثَنِي (١) سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِن طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا")).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ أبو الحارث، مَرُّوذيُّ الأصلِ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الرحمن بن
стр. 9970
عبد الملك بن سعيد بن حيان- بمهملة، وتحتانية -ابن أبجر- بموحدة، وجيم، وزن أحمد-الْهَمْدانيّ، ويقال: الكِنَانيّ الكوفي ثقةٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، والنوريّ، والمفضل بن يونس الجعفيّ.
ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وإسماعيل بن محمد بن جُحادة، وهو من أقرانه، ويحى بن عبد الرحمن الأَرْحَبيّ، وسعيد بن محمد الْجَرْميّ، وسريج بن يونس، وغيرهم.
قال ابن معين: صالحٌ، وقال ابن سعد: هو كنانيّ، من أَنْفُسهم، وكان خيّراً فاضلًا، صاحب سنة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، ووثَّقه الدارقطنيّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير.
قال ابن نمير، وابن سعد: مات سنة إحدى وثمانين ومائة.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط) (١)، برقم (٨٦٩) و (٩٩٦)).
٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (م دت س) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٢.
٤ - (وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ) الأحدب الأسديّ الكوفىّ، بَيَّاع السابِرِيّ) (٢)، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٦ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ -بنون ساكنة، ومهملة- أبو الْيَقْظان، مولى بني مخزوم الصحابي الجليل المشهور ﵁، قُتِل مع عليّ - ضي الله عنهما- بصفين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٤.
стр. 9971
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن عمّارًا ﵁ صحابي ابن صحابيّين، من السابقين الأولين، ومن البدريّين ﵃.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ في "التّتبّع"، فقال: تفرد به ابن أبجر، عن واصل، حدّث به ابنه عبد الرحمن، وسعيد بن بشير، وخالفه الأعمش، وهو أحفظ لحديث أبي وائل منه، فحدّث به عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قولَهُ غير مرفوع، قاله الثوريّ وغيره، عن الأعمش. انتهى. وهذا نصّه في "التتبّع") (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدراك لا يؤثّر على غرض المصنّف ﵀؛ لأن ابن أبجر ثقةٌ، تُقبل زيادته، ولا سيّما مع وجود الشواهد، فيكون الحديث مرويًّا بالطريقين.
ومما يؤيّد ذلك أن الدارقطنيّ حكم في "العلل" للطريقين بكونهما محفوظين، حيث سئل عن هذا الحديث، فقال: يرويه أبو وائل، واختُلف عنه، فرواه الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله، رواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا، وخالف الأعمشَ واصل بن حَيّان، فرواه عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر، عن النبيّ ﷺ ، تفرّد به عبد الملك بن أبجر، عن واصل، وقد روي هذا الكلام عن عبد الله من وجه آخر موقوفًا؛ أيضًا وروي عن عمار بن ياسر أيضًا من وجهه آخر، رواه عديّ بن ثابت، واختُلف عنه، فرواه العلاء بن صالح، عن عديّ بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار، ورواه مِسْعَر، عن عديّ بن ثابت، عن عمار مرسلًا، والقولان عن أبي وائل محفوظان، قول الأعمش، وقول واصل جميعًا. انتهى
стр. 9972
حاصل كلام الدارقطنيّ ﵀ (١).
فقد تبيّن من هذا أن الدارقطنيّ ﵀ يرى صحّة الحديث عن الطريقين، وأن الرفع الذي اختاره المصنّف صحيح.
ومما يؤيّد هذا أيضًا أن الحديث روي عن عمّار أيضًا مرفوعًا، من وجه آخر، فقد أخرجه أبو داود بسند صحيح إلى أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله ﷺ باقصار الْخُطَب.
وأبو راشد وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في "الميزان": لا يُعرف، فمثله يصلح للاعتبار.
ومما يشهد للحديث أيضًا ما تقدّم من حديث جابر بن سمرة ﵄، قال: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا.
ويشهد للجزء الأخير حديث ابن عمر فقال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، رواه البخاريّ.
فقد تبيّن بهذا أن حديث عمّار ﵁ هذا صحيح مرفوعًا، كما أراده المصنّف ﵀، كما أنه صحّ أيضًا موقوفًا على ابن مسعود ﵁، فقد أخرجه البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى"، بإسناد صحيح، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، قال: قال عبد الله: "إن طُول الصلاة، وقِصَر الخطبة مَئِنّة من فقه الرجل".
وأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "أطيلوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطبة" -يعني: صلاة الجمعة- انتهى) (٢).
والحاصل أن الحديث صحيح، مرفوعًا موقوفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9973
شرح الحديث:
(عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ) بتحتانيّة مشدّدة، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق ابن سلمة (خَطَبَنَا عَمَّارٌ) أي: ابن ياسر ﵂ (فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ) أي: أبلغ في المعنى، وأوجز في اللفظ، وهذه هي المسمّاة بالبلاغة والفصاحة عند علماء البلاغة (فَلَمَّا نَزَلَ) أي: عن المنبر (قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ) كنية عمّار ﵁ (لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟) أي: أطلت الكلام شيئًا، يقال: نفّس الله في عمرك؛ أي: أطاله (فَقَالَ) عمّار ﵁ (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: إطالتها (وَقصَرَ خُطْبَتِهِ) بكسر القاف، وفتح الصاد؛ أي: تقصيرها (مَئِنَّةٌ) -بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ-؛ أَيْ: عَلَامَة (مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقّق بها فقهه، فهي مِفْعَلة، بُنيت من "إِنَّ" المكسورة المشدّدة، وحقيقتها مَظِنّة ومكانٌ لقول القائل: إنه فقيهٌ؛ لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتُصرف العنايةُ إلى الأهمّ، كذا قيل، أو لأنّ حال الخطبة توجهه إلى الخلق، وحال الصلاة مقصده الخالق، فمن فقاهة قلبه إطالة معراج ربّه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهيّة أن يُؤْثَر الأصل على الفرع بزيادة.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "من فقهه" صفةُ "مَئِنّة"؛ أي: مئِنّةٌ ناشئةٌ من وقال في "النهاية": أي: ذلك مما يُعرف به فقه الرجل، فكلُّ شيء دلّ على شيء فهو مئنّة له، وحقيقتها أنها مِفْعَلة، من معنى "إِنَّ" التي للتحقيق والتأكيد، غيرُ مشتقّة من لفظها؛ لأن الحروف لا يُشْتَقّ منها، وإنما ضُمِّنت حروفها؛ دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتُقّت من لفظها بعدما جُعلت اسمًا لكان قولًا.
ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء الْمِظَّنة، والميمُ في ذلك كله زائدة، وقال أبو عبيد: معناه أن هذا مما يُستدلّ به على فقه الرجل، قال الأزهريّ: جعل أبو عبيد فيه الميم أصليةً، وهي ميم مِفْعَلة. انتهى) (١).
стр. 9974
وقال النوويّ: قال الأزهريّ والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مِفْعَلة، قال الهرويّ: قال الأزهريّ: غَلِطَ أبو عبيد في جعله الميم أصليةً، قال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية. انتهى.
وقال الشوكانيّ: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطّلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "مَئِنّةٌ من فقهه" الرواية في هذا اللفظ "مَئِنّةٌ" بالهمز والقصر وتشديد النون، ووقع لبعضهم "مائنّة" بالمدّ، وهو غَلَطٌ، وكذلك كلُّ تقييد خالف الأول، قال الأصمعيّ: سألني شعبة عن "مَئِنّة"، فقلت: هو كقولك عَلامة، وخَلِيقٌ، قال أبو زيد: هو كقولك مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ، قال أبو عبيد: يعني: أن هذا مما يُعْرَف به فقه الرجل، ويُستدل به عليه، قال: وكل شيء دَلَّك على شيء فهو مئنة له، وأنشد لِلْمَرَّار:
فَتَهَامَسُوا سِرًّا فَقَالُوا عَرِّسُوا … مِنْ غَيْرِ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرَّسِ (١)
قال أبو منصور: والذي رواه أبو عبيد عن الأصمعيّ وأبي زيد في تفسير المئنة صحيحٌ، وأما احتجاجه برأيه ببيت المرَّار في التمئنة للمئنة، فهو غَلَطٌ وسهو؛ لأن الميم في التمئنة أصلية، وهي في مئنة مَفْعِلة، ليست بأصلية. انتهى) (٢).
(فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ) بقطع الهمزة، من الإطالة (وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) بوصل الهمزة، وضمّ الصاد، من باب نصر، يقال: قَصَر الصلاةَ، ومنها قَصْرًا، ضدّ أطالها، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ والآية [النساء: ١٠١]، وقُصِرت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي حديث ذي اليدين ﵁: "أَقُصِرَتِ الصلاةُ؟ "، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها، أفاده
стр. 9975
الفيّوميّ ﵀ (١).
وعلى هذه اللغة الأخيرة يجوز هنا: "وأَقْصِروا الخطبة"، بقطع الهمزة، رباعيًّا، فقول النوويّ ﵀ في "شرحه": الهمزة في "واقصُروا" همزة وصل، إن أراد الرواية، فنعم، وإلا فيجوز قطعها؛ لما علمت آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولا لقوله في حديث جابر بن سمرة ﵄ المتقدّم: "وكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا"؛ لأن المراد بحديث عمّار ﵁ هذا الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلةً بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يَشُقّ على المأمومين، وهي حينئذ قَصْدٌ؛ أي: معتدلة، والخطبة قصدٌ، بالنسبة إلى وضعها، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث ليس مخالفًا لقوله: "كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا"؛ لأن كلّ واحد قَصْدٌ في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة مع القصد في كلّ منهما. انتهى) (٣).
وقال في "المرقاة": قال ابن الملك: المراد بهذا الطول ما يكون على وفاق السنة، لا أقصر منها، ولا أطول؛ ليكون توفيقاً بين هذا الحديث والحديث قبله. انتهى.
قال القاريّ: أقول: لا تنافي بينهما، فمان الأوّل دلّ على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزيّة في الثانية منهما.
ثم لا ينافي هذا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي زيد عمرو بن أخطب ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صَعِد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأَعْلَمُنا أحفظنا"؛ لكونه نادرًا اقتضاه الوقت، ولكونه بيانًا
стр. 9976
للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الْخُطَب المتعارفة. انتهى) (١).
(وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا") قال القرطبيّ ﵀: البيان هنا الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان:
أحدهما: أنه قصد به الذمّ؛ لأن الإبلاع في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر، واستَدَلَّ متأوّل هذا بإدخال مالك الحديث في "موطّئه" في "بابُ ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله"، وأنه مذهبه في تأويل الحديث.
وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتنّ على عباده بالبيان حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وشبّهه بالسحر؛ لميل القلب إليه، وأصل السحر الصرف والبيان يصرف القلوب، وُيميلها إلى ما يدعو إليه.
قال القرطبيّ ﵀: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية، وما معناها. انتهى) (٢).
وقال النوويّ ﵀: وهذا الثاني هو الصحيح المختار. انتهى) (٣).
وقال في "المرقاة": قوله: "إن من البيان لسحرًا" أي: بعض البيان يَعمَل عمل السحر، فكما يكتسب الإِثم بالسحر، يكتسب ببعض البيان، أو منه ما يَصْرِف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون، وإن كان غير حق، ففي هذا إشارةٌ إلى بيان الحكمة في قَصْر الخطبة، فإنه في مَعْرِض البلية، فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة، وابتغاء الفتنة، فهو ذمٌ لتزيين الكلام، وتعبيره بعبارة يتحير فيها السامع؛ كالتحير في السحر، ونَهْيٌ عنه كنهيه عن السحر.
وقيل: بل هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ؛ أي: الذي له مَلَكَةٌ يقتدر بها على تأليف كلام بليغ؛ أي: مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناسَ على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم الأخلاق، ومحاسن
стр. 9977
الأعمال، ببلاغته، وفصاحته، فبيانه هو السحر الحلال في اجتذاب القلوب، وإلاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيهٌ بليغٌ، والظاهر أنه من عطف الجمل، ذَكَره استطرادًا.
وقال الطيبيّ: الجملة حال من "اقصُرُوا" أي: أقصروا الخطبة، وأنتم تأتون بها مَعَانيَ جَمّة في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم") (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمّار بن ياسر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٩/ ١٥] (٨٦٩ (، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٠٦))، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٦٣ و ٣٢٠))، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٨٢))، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٥))، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٥))، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٨٩))، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٧٧)، وفوائد الحديث واضحة، تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٠] (٨٧٥) (حَدَّثنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، أَن رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ كَوَى"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ).
стр. 9978
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ) بفاء، مُصَغَّرًا -الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطّفَيل، وزيد بن وهب، وتميم بن طَرَفة، وأمية بن صفوان الْجُمَحيّ، وشدّاد بن مَعْقِل، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش، ومغيرة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والحسن بن صالح، وشريك وأبو الأحوص، والسيفانان، وآخرون.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا، وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة.
وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنةً، فكان يتزوج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعة.
قال مطين: مات سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن حبان: مات بعد الثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث بالمكرّر.
٦ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) بفتح الطاء، والراء، والفاء -الطائيّ الْمُسْليّ - بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٥) (م د س ق) تقدم في "الصلاة" ٢٧/ ٩٧١.
٧ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- ابن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيّء الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- ويقال: أبو وهب.
قَدِمَ على النبيّ ﷺ في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبيّ -صلى الله عليه سلم -، وعن عمر ﵁ وروى عنه عَمرو بن حُريث، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
стр. 9979
قال مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وقال الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض للرجل من طيء في ألفين، وُيعْرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فَضَحِك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعَرَفت إذ أنكروا، ووَفّيت إذ غَدَروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه ﵁ صدقة طيّء جئت بها إلى رسول الله ﷺ ، ثم أخذ يعتذر.
وقال الخطيب: لَمّا قبض رسول الله ﷺ ثبت عدي بن حاتم وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحَضَر فتح المدائن، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوَان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء عليّ يوم الجمل وبوم صفين، قال أبو حاتم السجستانيّ في "كتاب المعمرين": قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة، وقال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، ومات بالكوفة سنة (٦٨))، وقال جرير، عن مغيرة الضبيّ: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قُرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان.
قال أبو حاتم: وكان متواضعًا لَمّا أسنَّ استأذن قومه في وِطَاء يجلس عليه في ناديهم؛ كراهيةَ أن يَظُنّ أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنُوا له.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا بالمكرّر.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، كما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم بن طرفَة، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
стр. 9980
٤ - (ومنها): أن عديًّا وعبد العزيز بن رفيع هذا أول محلّ ذكرهما من هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثهما فيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد العزيز، عن تميم.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، ومن المعمّرين، كان جواداً ابن جواد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ … " الحديث (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) بفتح الشين المعجمة -على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصليّ في مجلس الحافظ الْمِزّيّ: رَشِدَ -بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو بالكسر، ذكره سيبويه في "كتابه"، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]-بفتحتين- فإن فَعَلًا -بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحاً، وسَخِطَ سَخَطاً، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرة على فطانتهما، ذكره السنديّ ﵀ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد. انتهى.
(وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ ﵀: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الْغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ. انتهى) (٢).