← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال أبو عقال: «فكنت معه حتى أتانا الخبر بأن رفقة الحاج خرجت من القيروان فوافيناها بقابس، فلما كان في الساعة التي نزلنا بها في طرف مناخ الرفقة (١٧) -وقد هلكت جوعا-قال (١٨) [لي] (١٩): «يا بني، خذ هذه الستة دراهم فاشتر بها (٢٠) ما نأكلوا (٢١) فو الله ما أملك غيرها».قال أبو عقال: فلما أخذتها واستقرت في يدي إذا بسائل قد وقف إليه، فقال له: «عسى يحضرك شيء لله »، فقال لي: «ادفع إليه تلك الستة دراهم».قال: فأمسكت يدي وقلت في نفسي: «نحن البارحة لم (٢٢) نطعم، وأنا لا أرى أين أضع قدمي من الجوع»، فأمسكت يدي عن الستة دراهم، فانتهرني وقال: «ادفعها [إليه] (٢٣) كما أمرتك» قال: فدفعت إليه خمسة دراهم وأمسكت درهما دون علمه. قال: «فو الله ما مشى السائل قليلا ولا توارى حتى سمعنا صائحا يصيح (٢٤) باسم أبي هارون واسمي فقلت له: «ألا تسمع هذا الذي يصوت بنا؟ » فقال [لي] (٢٣): «الساعة ينتهي إليك»، والرجل يكثر الصياح باسمينا (٢٥) ويسأل أهل الرفقة في المناخ عنّا، فقلت له: «أقول لبيك وأجيبه؟ » فقال لي: «لا تكن (٢٦) عجولا»، حتى وقف الصائح بنا وسلم علينا وقال: «هذه خمسون دينارا مثاقيل بعث بها (٢٧) إليكما فلان

стр. 562

وفتح بها عليكما»، فنظر إليّ أبو هارون نظرة منكرة وقال: «يا ورنيدة (٢٨) لم (٢٩) تدفع إلى السائل الستة دراهم كاملة؟ أما إنك لو دفعتها إليه كاملة لجاءتك ستون دينارا موفرة».قال: ففرقناها على من كان في الرفقة [معنا] (٣٠) من الضعفاء والمساكين ولم نخرج (٣١) من قابس ومعنا منها إلا التافه اليسير. فكنت معه تحت رفق الله وتحت ستره حتى وصلنا [إلى] (٣٠) مكة». قال أبو بكر بن سعدون: رأيت أبا عقال على جبل (٣٢) الرحمة يوم عرفة جاثيا بين يدي الله على ركبتيه، باسطا ذراعيه، شاخصا ببصره ودموعه سكبا. فقلت له: «يا أبا عقال، إنه يوم عظيم، ألا تدعو؟ » فقال لي: «يا ابن سعدون، هو يعرف (٣٣) حاجتي وفي أي شيء جئت». وقال أبو ميسرة: سمعت أبا عقال [يقول] (٣٤): «لو سبقني أحد لجلست مع المبتلين (٣٥) الذين قد أيس (٣٦) لهم من البرء، وأمسكت في يدي جرسا كما يفعل المجذومون (٣٧) الذين قد ذهبت أعينهم وأيديهم وأرجلهم، فإن قال لي قائل: «وأنت أين بلاؤك؟ » قلت له: «أنا بلائي [في قلبي] (٣٨) لا يرجى له برء أبدا» (٣٩). قال أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه: «وافيت أبا عقال (بمكة، فسلمت عليه

стр. 563

وقلت له: «يا أبا عقال) (٤٠)، أخبرني فأني نعتد بك ونثق بقولك (٤١). بلغني أنه يأتيك طعام لم تمسه الأيدي»، فضرب بيده على رمته (٤٢) وقال: «أنا أبو عقال الشاطر الداعر، سل عني الشطار والطنابريين (٤٣) والعوادين! لمثلي أنا يقال (٤٤) هذا لسوء حالي! بلى، إنه (٤٥) إذا اشتهينا شهوة-[يا أبا جعفر] (٤٦) -أتت (٤٧) إلينا من حيث لا نعلم: رأيت أنا وأبو هارون (٤٨) شواء وحلوى وجردقا (٤٩) حواريا فاشتهيناه جميعا، فقلت له: «يا أبا هارون، إنه لطعام طيب» ثم خرجت إلى «ذي طوى» فإذا بنسوة فصاحت بي (٥٠) خادم صفراء، وتباعد (٥١) النسوة، فقالت لي: «ارفع (٥٢) لنا هذا السطل من البئر يا أبا عقال» فنزلت فرفعت (٥٣) السطل، فقالت لي: خذ ذلك (٥٤) الطعام الذي في (هذا) (٥٥) المنديل» فإذا بشواء وحلوى وخبز حواري، ثم مضيت إلى أبي هارون فقال لي: «يا أبا عقال، يشهيك ويدلّلك (٥٦) (إنك) (٥٥) اشتهيت شهوة

стр. 564

أتتك. يا أبا عقال، لا تكن آمالك كلها إلا في الله فإنه يتم لك كل شيء».هذا يا أبا جعفر (٥٧) الذي [بلغك] (٥٨). قال أبو القاسم الجوهري: حدثنا أبو على الواسطي، قال: لقيت إسحاق المقرئ بطرسوس، قال (٥٩): «لقيت أبا عقال بمسجد الخيف من «منى» وعليه خيشتان، /مؤتزرا بواحدة ومرتديا بالأخرى (٦٠)، فقلت له: «حدثني بأشد شيء مر عليك في الحجاز»، وحوله جماعة يكتبون كلامه، فقال [لي] (٦١): «كان معي سبعون صاحب ركوة، فوقع القحط فماتوا وبقي ستة أثر الضرّ فيهم. وبقينا ليالي لم نطعم، فوقع في سرى أن آتي الركن فألتزمه فلعلّي أن أموت (٦٢) على ذلك. [قال] (٦١): فعانقته حبوا من الجوع. فطرأت على قلبي أبيات فرجعت إليّ نفسي، وهي (٦٣): عقدت عليك مكمنات خواطري ... عقد الرجاء فألزمتني (٦٤) حقوقا إن الزمان عدا عليّ فزادني ... علما بأنك سيدي تحقيقا ما نالني ضرّ (٦٥) بوجه مساءة ... إلا وجدت (٦٦) به إليك طريقا حسبي بأنك عالم بمصالحي ... إذ كنت مأمونا عليّ شفيقا فامض القضاء على الرضى منّي به ... إني رأيتك في البلاء رفيقا قال: فرجعت إليّ نفسي واستندت إلى «زمزم»، فما استويت جالسا حتى أتى

стр. 565

إليّ أسود على رأسه مكتل (٦٧) فيه خبز ولحم مشوي وصرة دارهم فقال لي: «أنت ابن غلبون؟ » فقلت له: «نعم» فوضعه بين يدي ومضى، فأوميت (٦٨) إلى أصحابي فكنت فيه كأحدهم». وذكر الفقيه أبو سعيد بن أخي هشام (٦٩)، قال: [حدثني رجل من أهل مصر قال] (٧٠): «دخلت جامع مصر فقلت: «اللهم أرني وليا من أوليائك». [قال] (٧٠) فإذا برجل (٧١) يركع عند المقصورة عليه عباءة». [قال] (٧٠): «فجلست بجواره فسمعته يقول وهو ساجد: «اللهم إني جائع فأطعمني»، ثم تمادى على الركوع. فإذا برجل قد أقبل، فنظر يمينا وشمالا، ثم قصد نحوه فجعل بجواره جردقا وخبيصا، فلحقته وسألته عن سبب ما أتى به فقال: «ذهبت زوجتي إلى الحمام، فاشتهت عليّ أن أعمل لها لحما مشويا في تنور، فجاز بي رجل من أصدقائي فاشتغلت معه حتى فات الوقت، وعمل جاري خبيصا (٧٢) فأخذت منه، وأخذت معه (٧٣) جردقا، وأتيت به إليها، فتغيرت عليّ وقالت: «أنت اشتغلت عني ولم تلق إلي (٧٤) بالا»، فحلفت أنها لا تأكله، وحلفت أنا أني لا آكله (٧٥)، فقالت: «امض به إلى الجامع فأطعمه للفقراء». [قال] (٧٠): فدخلت الجامع (٧٦)، فنظرت يمينا وشمالا على أن يقع بصري على فقير، فما وقع بصري إلا على هذا الذي يركع عند المقصورة، فلمّا وضعته بجواره وانصرفت [عنه] (٧٧)، رأيت الجامع مملوءا بالفقراء».قال: «فرجعت انظر إلى

стр. 566

الرجل فإذا هو أبو عقال بن غلبون [﵁ وأرضاه] (٧٧). قال أبو ميسرة: وسمعت أبا عقال يقول-وقد سألته: «ما أشد ما جرى عليك بمكة؟ » فقال-: «أشد ما مر عليّ أنّا جعنا يوما ثم يوما ثم يوما، فمضينا إلى قوم فواجرونا (٧٨) في عمل الطين، ونحن ثلاث [أنفس] (٧٩): أنا وأبو [هارون] (٧٩) ورجل آخر».قال: «فعملت أنا معهم في الطين إلى الضحى، فضعفت عن العمل ولم أقدر على شيء، وخفت إن أكلت معهم وحلت (٨٠) في العمل. فخرجت من مكة هاربا نحو الصحراء، وليس-والله الذي لا إله إلا هو-في قلبي ذكر جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب. ولقد كنت أتمنى لو أصبت (٨١) قشرة خبز (٨٢) على مزبلة، حتى جئت إلى بئر إلى جنبه خشبة فنمت عليها وأنا مهموم لما بي من الجوع (٨٣). فأنا (٨٤) كذلك حتى أقبل نسوة فقلن: «تنح لنا عن البئر فإنا طلبنا أن نتفرج عنده»، قال: «فتنحيت عنهن، وجعلت بيني وبينهن شرفا. فأنا كذلك لما بي (٨٥)، إذ أقبلت واحدة منهن فقالت: «قد وقع لنا الإناء الذي نستقي به في البئر فلعلك [تجيء] (٨٦) تخرجه لنا [من البئر] (٨٦)» فجئت مبادرا حتى أخرجته لها، ثم رجعت (٨٧) إلى موضعي وأنا مغموم لما في قلبي من الجوع. حتى أقبلت [إليّ] (٨٦) واحدة منهن بطبق فيه خبيص وفالوذج وشواء وجرادق، وقالت: «كل، فهذه بنت فلان التاجر تنزهت اليوم إلى هذا الموضع، وهذا هدية لك من عندها»،

стр. 567

فأكلت طعاما لو عملت شهرا جديدا بمكة وأحرزت (٨٨) عملي ما قام لي بذلك الطبق. فأكلت وشبعت، ثم حضرتني (٨٩) دمعة شكر (٩٠) فبكيت، ثم قلت لنفسي: «يا ابن غلبون، لم تذكر في هذا اليوم جنة ولا نارا (٩١) ولا ذنبا من ذنوبك؟ إنما كان همك كسرة خبز يابسة تأكلها، فقد أكلت شيئا لم يخطر ببالك».ثم نمت (٩٢)، فبينا أنا نائم إذ وقف بي ثلاثة نفر، واحد (٩٣) منهم متقدم واثنان في طلبه، فقلت لواحد منهم، «من هذا؟ » فقال: «هذا إبراهيم الخليل» [ ﷺ ] (٩٤)، فعطف عليّ بوجهه وقال: «يا ابن غلبون، تظن أنك تقصد الله تعالى ويضيعك، أو تقصد الله ويخذلك؟ »، ثم انتبهت. فهذا أشد ما مر بي بمكة». وقال أبو بكر بن سعدون (٩٥): «قال لي أبو عقال (٩٦): «يا أبا بكر، زال من قلبي حب الدنيا إلا حب النساء» قال: «فكنت أطوف مغطى العينين خوفا من الفتنة فإذا بامرأة خراسانية نظرت (٩٧) [إليّ] (٩٨) وأنا أطوف فقالوا لها: «هذا رجل من ملوك المغرب، طلّق الدنيا وبقي في قلبه حب النساء»، فقالت: «أنا أتزوجه».فأرسلت إليه، فقال لها: «لا أتزوجك حتى تتركي الدنيا ولا يبقى معك شيء منها مثلي» فأخبروها، فتصدقت بما [معها] (٩٨) وتزوجت أبا عقال، فأقام معها حتى توفي فدفنا جميعا بمكة، أبو عقال (٩٩) وزوجته الخراسانية».

стр. 568

قال أبو بكر بن سعدون (١٠٠): حججت سنة تسعين ومائتين، فسمعت أبا عقال يذكر الرءوس (١٠١)، فقلت له: «إذا كان بالغداة، إن شاء الله تعالى، وصلّيت الصبح فاصعد إلى [جبل] (١٠٢) أبي قبيس وأنا آتيك بها إن شاء الله ». قال: «فغدوت (١٠٣) إلى روّاس فأخذت منه ثلاثة رءوس، وأخذت رقاقا وخبزا وصعدت إلى أبي قبيس فأصبته جالسا (١٠٤) ناحية، فوضعت المئزر (١٠٥) بين يديه، ثم أخذت [رأسا] (١٠٢) فشققته، فوجدته دودا يغلي، فوضعته وأخذت الثاني، فوجدته كذلك. فلما رأى ذلك أبو عقال قام وتركني، فمضيت إلى الروّاس فقلت: «يا هذا، أبعت مني بائتا مدودا؟ » (١٠٦) فقال لي: «ما عندي بائت ولا مدود» فقلت له: «هاك! » فنظر فإذا ليس فيه دودة واحدة، فأقبلت أتعجب وذكرت له القصة، فقال: «نعم، [هكذا] (١٠٧) تكون هذه الرءوس من عند العامل/أو من عند صاحب الشرطة» (١٠٨)، أو كما قال أبو بكر (١٠٩). وذكر الشيخ أبو الحسن [بن] (١١٠) القابسي، رحمه الله تعالى، أبا عقال، فحكى كيف كان سبب توبته، ثم أنشد له شعرا يصف فيه أحواله التي (١١١) كان يفعل قبل توبته، فقيل للشيخ [أبي الحسن] (١١٠): هل يجوز مثل هذا: أن يذكر

стр. 569

الإنسان (١١٢) أفعاله القبيحة؟ أما يدخل هذا في حديث ابن عمر الذي قال فيه: «من المجانة أن يعمل الإنسان عملا بالليل فيصبح يخبر به»؟ فقال الشيخ أبو الحسن: «إن أفعاله كانت ظاهرة غير مستترة عليه (١١٣)» فقيل له: «وقد أخبر هو بها (١١٤) في شعره لمن لم يكن يعلمها [منه] (١١٠)، فقال: «إنه لو لم يخبر بها هو من لم يعلمها (١١٥) لبلغته (١١٦) من غيره». وقيل (١١٧): إنه كتبت (١١٨) إلى أبي عقال أخته من القيروان إلى مكة كتبا كثيرة، بعد توبته وإنابته، تسأله وترغب إليه في الرجوع إلى المغرب لتجتمع به (١١٩) وتسر برؤيته قبل أن يفرق الموت بينهما، فكل كتاب وصل إليه منها ألقاه من يديه (١٢٠) ولم يقرأه. فلما طال ذلك عليها أوصت إليه بغير كتاب [ورغبت إليه] (١٢١) وقالت: «بحق الثدي الذي رضعته معك إلا أريتني وجهك قبل الموت وفراق الدنيا (١٢٢)! ما لك؟ في حين صباك وجناياتك وكثرة ما يطرأ علينا بسببك كنت عندنا، وحين صرنا نفتخر (١٢٣) بك ونتبرك برؤيتك فارقتنا؟ » فقال لرسولها: «قل لها ما كنت لأدع بلدا عرفت الله فيه وأمضي إلى بلد عصيت الله تعالى فيه. أخشى أن تقتضيني (١٢٤) العوائد». ثم قدمت عليه أخته بعد ذلك من المغرب وأقامت [معه] (١٢٥) بمكة حتى ماتت (١٢٦).

стр. 570

وقيل (١٢٧): إنها لما قدمت [عليه] (١٢٥) قال لها: «[يا] (١٢٥) أخت، إن هذا بلد شديد العيش وليس تمكنك الأشياء به كما كانت تمكنك بإفريقية، وأنت قد تعلمت بإفريقية العيش الرغد والطعام الطيب».فقالت له: «إذا لم أجد شيئا أخذت القربة وحملت [على] (١٢٥) ظهري الماء وسقيت مع السقايات». [قال] (١٢٥) ثم إنها أقامت معه ما شاء الله تعالى بمكة تتعبد معه، وكانت مجتهدة. ثم توفيت بمكة، حرسها [الله] (١٢٨). قال أبو بكر بن سعدون: رأيت على قبر أبي عقال أبياتا رثته بها (١٢٩) أخته (١٣٠)، وهي (١٣١): ليت شعري ما الذي عاينته ... بعد دوم الصوم مع نفي (١٣٢) الوسن مع نزوح النفس عن أوطانها ... من نعيم وحميم وسكن يا وحيدا (١٣٣) ليس من وجدي به ... لوعة، تمنعني من أن أجن (١٣٤) فكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا (١٣٥) يبلى عليهن الحزن وكان سبب موته أنه صلّى العشاء الآخرة [وذلك] (١٣٦) في شهر رمضان ثم قمنا (١٣٧) لصلاة التراويح، فصلينا ترويحة، أو اثنتين، فسجد الناس وسجد أبو

стр. 571

عقال، ثم قام الناس و [بقي] (١٣٨) أبو عقال [ساجدا] (١٣٨) بحاله، فظن من وراءه أنه نام (١٣٩) في سجوده، فلما انقضت الترويحة التي كانوا فيها ذهبوا يحركونه فإذا هو قد مات. فصعد رجل (١٤٠) على «الحجر» فقال: «أيها الناس، إن الله ﵎ أراد أن (١٤١) ينشر لأبي عقال في أرضه اليوم عملا (١٤٢)». وكان، رحمه الله تعالى، هوى الشعر في أيام حداثته، فلما صار إلى ما صار إليه كان يقوله في معنى الزهد ورفض الدنيا، ويندب نفسه فيه ويصف أحواله التي تقدمت [له] (١٤٣) في حداثته، فمن ذلك قوله (١٤٤): أيا من يرى الرشد في غيّه ... ويخبط في الداجيات القتادا (١٤٥) تجاف (١٤٦) بنفسك عن حتفها ... وخذ لأمانك منك القيادا أجب داعي الله لا تعصه ... فقد جاد بالنصح جهرا ونادى ولا تله بالموبقات التي (١٤٧) ... أبادت بوائقها من تمادى وأقفرت الربع من أهله ... وأبقت حلوف الندامى فرادى وشتتت (١٤٨) الشمل بعد ائتلاف ... فلم تبق للرائدين ارتيادا بلوت الزمان، ودست البلاد ... ونافست في كل شيء (١٤٩) عنادا شربت المدام، وسست القيان ... ورضت الجياد، ورعت الشدادا (١٥٠)

стр. 572

أصيد الغزال وأم الرئال (١٥١) ... بطرف أراه يجيد الطرادا وصعلكت (١٥٢) في البر والبحر دهرا ... أخلف أهلي عليّ حدادا أسوم (١٥٣) البعاد (١٥٤) وأهوى اللّذاذ (١٥٥) ... وأظهر في الأرض مني الفسادا أروح على ذا وهذا وذاك (١٥٦) ... أديم السهاد وأجفو المهادا إلى أن تناهت حدود القضاء ... وأنفذ سلطانه ما أرادا فجلى (١٥٧) من القلب إظلامه ... وأنور (١٥٨) ما كان منه (١٥٩) سوادا فألزمت نفسي مدى صبرها ... وخالفتها في هواها عنادا وباينت ما كنت ألهو به ... فأمسي وأصبح عندي سهادا رضيت بدون الكفاية قوتا ... وبالله عن (١٦٠) كل خلق عمادا فأضحى الملوك وأهل النعيم ... أقلّ البرية عندي عدادا (١٦١) وأسقطت لومي عن العالمين ... فمن شاء ودّ ومن شاء عادى فمن دام دمت له في الوفاء ... وزايدته أبدا ما استزادا (١٦٢) ومن (١٦٣) تاه تهت بمن لا يذل ... به من أعز ولا من أسادا (١٦٤) فلم أر عيشا كعيش (١٦٥) القنوع ... ولم أر مثل التقى (١٦٦) لي مرادا

стр. 573

قال أبو الربيع سليمان بن محمد: أخبرني محمد بن الكاتب الرجل الصالح، [الفاضل]، قال: دخلت المسجد الحرام فإذا أنا بابن غلبون في «الحطيم» قاعدا، فسلّم عليّ وعانقني ثم قال لي: «يا ابن الكاتب: أما والأكف المهديات (١٦٧) سلامها ... إلى مدنف لم يستطع أن يسلّما وتلك الخدود البيض والأعين التي ... قضين لدمعي أن يفيض ويسجما» (١٦٨) ثم قال لي: «يا ابن الكاتب، استمع (١٦٩) قولي في تكفيره»، ثم قال (١٧٠): «لاح المشيب بلمّتي فنعاني ... ونفى الصبا عني وزم عناني ونأت خطوب الحادثات (١٧١) بأسرتي ... فبقيت منفردا من الأقران فلئن مضى صدر الزمان بصفوه ... فلأخدمنّ لسيدي المنان /ولأقطعنّ علائقي من غيره ... جتى أحلّ بساحة الميدان ولأنفينّ مطاعمي وملابسي ... ولأمنعن من الكلام لساني ولأهجرنّ أحبتي ومعارفي ... ولأقطعن عصابة المجّان ولأبكينّ على الصبا ولما مضى ... من غرتي في سالف الأزمان فلعل من شمل العباد بفضله ... يحيى الفؤاد بكثرة الأشجان يا من إليه حسن ظنّي قادني ... أنت المؤمّل عند كل أوان فامنن عليّ بما أؤمل منك يا ... معطي [الجميل] (١٧٢) ومسدي (١٧٣) الإحسان وقال أيضا (١٧٤): لئن عزف الإخوان عنّي نزاهة ... وخلّفني عنهم نصيبي من الفقر لقد سرني أني خليّ من الذي ... أضاعوه من حقّي ولو كنت في الأسر

стр. 574

ولو كنت في الدنيا على مثل حالهم ... أبحتهمو رحلي وعدت إلى طمري فما لي إلى خلق سوى الله حاجة ... ولكنه شيء تجاذبه فكري أتيه على الدنيا إذا ما تعذرت ... وأوثر بالموجود منها على الضر (١٧٥) سأرعى لهم ما هان منّي عليهمو ... وأحمل نفسي في الجفاء على الصبر عليهم سلام الله منّي رسالة ... مقسمة بين التواصل والهجر فما ألفة الألاّف إلا تشاغل ... عن الجد والتشمير في النهي والأمر رضيت بوصل الله عن (١٧٦) كل قاطع ... حبال الإخا (١٧٧) فيما ينوب من الدهر وأيقنت أن المنع من فيض جوده ... وفضلا لأهل القرب باح به شكري فقمت على صول الزمان مفكّرا ... بأربعة أنبت (١٧٨) فيها على الصبر فقل لحصون الغرب طرا ومن [بها] (١٧٩) ... أبحتكمو حظى من البر والبحر يقارعني من شاء منكم بعيشة ... معينة الأوقات ظاهرة الستر (١٨٠) بلا عوض منها إلى النفس راجع ... عليّ بجاه في الأنام ولا قدر وقال أيضا: مناي وتسويفي (١٨١) بنفسي أذلها ... وأعملها فيما عليها بما لها (١٨٢) تميل إلى حظ من القوت دارس ... بحظ من الدار التي لا انقضا لها كأني للدنيا رهين بخدعة ... تحالفني [يوما] (١٨٣) ويبقى وبالها وناشئة (١٨٤) الليل البهيم يقومها ... رجال أضاعت فرشها وحجالها

стр. 575

سوامر (١٨٥) أسدال الظلام ضوامر ... بنيل (١٨٦) من الإقتار منها منالها ولاذت بمولاها بصائر (١٨٧) فكرها ... فأنعشها روح الحياة وعالها (١٨٨) فلما رأى من آثرته بحبها ... دوام الأسى منها عليها رثى لها فعفّى مراقيها وأوطى سهولها ... وحطت عليه بالوجود رحالها نعيم ذوي الألباب برهان صدقهم ... ولي حالة لم ينعم الله بالها كأني ونفسي بين حرب وهدنة ... إذا ساعدتني في السهاد بدا لها (١٨٩) إذا ذادها للورد حادي وعيدها ... أشار إليها ضده فأزالها تخالفني في كل أمر أريده (١٩٠) ... وتقطع مني (١٩١) باليمين شمالها فمن لي بنفس لا تزال غوية ... تساعد شيطانا يريد ضلالها فلو كان لي (١٩٢) التخيير في بدء خلقتي ... تعوذت من نفسي فلم أر حالها وكنت كمن لم يبدع الله خلقه ... فلا علّة آسي عليها ولا لها ولو كنت في الدارين حرا مدللا ... لنغص ذكر الموت عندي (١٩٣) دلالها فلا كانت الدنيا ولا كنت قبلها ... فما لي وما للعيش فيها وما لها وقال أبو عقال يذكر أوصاف أبي هارون الأندلسي واجتهاده في الطاعة ودوامه عليها (١٩٤).

стр. 576

قرين الحزن ذو همّ يجول ... أخو سهر إذا نام الغفول (١٩٥) دؤوم الكد أواه إذا ما ... تذكر ما توعده (١٩٦) الجليل عزوف النفس عن شهوات دار ... تميل لها القلوب وما (١٩٧) تميل قرير العين بالإخوان (١٩٨) صب ... غزير الدمع بسام وصول سخيّ الكف ليس بما لديه ... من الدنيا، وإن جلت (١٩٩)، بخيل رحيب الصدر (٢٠٠) ليس له ادخار ... ولا أهل ولا ولد (٢٠١) يعول فعول (٢٠٢) ما يقول وكل أمر ... يدل عليه فهو له عمول (٢٠٣) ذكيّ النفس ذو عقل ولبّ ... صدوق (٢٠٤) اللفظ يفهم ما يقول وقال أيضا (٢٠٥): دعاه من الأوطان شوق مبرح ... فجاد عليه دمعه وهو قاطر عليه لكتمان المودة شاهد ... من الوجد يبدي ما تجن الضمائر (٢٠٦) عزوف عن الآمال بين ضلوعه ... وبين الحشا من لوعة الحب باتر

стр. 577

ألا فعلى الدنيا عفاء يشوبه ... طلاقي لها ما ساعدتني البصائر فإن (٢٠٧) أقبلت يوما عليّ بودها ... فإني لما تولي من البر كافر (٢٠٨) لعمرك ما في الدنيا شيء (٢٠٩) أريده ... سوى أنها نزل وأني مسافر (٢١٠)

стр. 578

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثم كانت سنة ثلاث وتسعين ومائتين وفيها توفي: ١٦٥ - أبو عبد الله محمد بن أبي حميد بسوسة (*) (١) -حرسها الله- حدّث ابن اللباد (عنه) (٢) انه قال (٣): رأيت سحنونا بعد موته كأنه في موضع فخرجت في طلبه، فحسّ بي خلفه فقال لي: أتحفظ (٤) القرآن؟ فقلت له: نعم فقال (لي): اقرأ عشر (٥) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ (٦) في [سورة] (٧) يونس، فقرأته عليه فلما فرغت منه قال (٨) لي: القراءة في المصحف أفضل، فقلت له يا أبا سعيد أشكو (٩) إليك أني آخذ الكتاب فأدرس، فإذا/حفظت العشر مسائل أو نحوها انسيت فقال: يا بني لم يجئ (١٠) الصدق ولو جاءك (الصدق) (١١) لجاءك فوق ما تريد-مع انه يرى هذا الإكثار الذي أكثرت أنا ليس هو هناك- القراءة في المصحف أفضل القراءة في المصحف أفضل، القراءة في المصحف [أفضل] (١٢).

стр. 579

عن محمد بن [أبي] (١٣) حميد قال: سمعت قاسم الجوعي (١٤) يقول (١٥) (أظهروا نسكا وزهدا (١٦) ... و) (١٧) على المنقوش (١٨) داروا (١٩) وله صلوا وصاموا ... وله حجوا وزاروا لو رأوه في الثريا (٢٠) ... ولهم ريش لطاروا سمع من سحنون. وسمع بمكة من غير واحد. قال أبو جعفر القمودي بينما أنا بين سابت (٢١) ونائم إذ وقف بي شخص فقال لي: لا قائم ولا نائم إن أردت أن ترى أولياء الله تعالى فاخرج إلى مسجد الدمنة-يريد المصلّى الذي (في) (٢٢) قبلة الدمنة-قال أبو جعفر فقمت من فوري إلى الذي عنده مفاتيح أبواب المدينة فسألته أن يفتح لي فقال لي: تفتح حصن المسلمين في هذا الوقت؟ فقلت [له] (٢٣): افتح لي من الباب قدر شبر وكن من ورائي فإذا خرجت فاغلق الباب، ففعل البواب له ذلك لجلالته، قال أبو جعفر: فخرجت إلى الدمنة ليلا/فوجدت شخصا قائما يصلي في قبلة المصلى، فأحرمت وراءه وأقبلت أصلي بصلاته حتى طلع الفجر فتأملته فإذا به (٢٤) محمد بن أبي حميد المتعبد، فلما (٢٥) رآني وعرف أني قد رأيته [وعرفته] (٢٦)

стр. 580

جعل إصبعه على فيه وأشار إليّ أن أسكت ثم قال: تلك الطريق. وأشار بيده نحوها أن أنصرف عنه فانصرفت. وكان (٢٧) سكناه بمدينة سوسة. وكان (٢٨) من إشفاقه يقول: ما أراني صلّيت قط بالحقيقة كما يجب لحق الله ومثلي يعمل عملا يصلح لله ﵎ [اللهم] (٢٩) إن كنت تعلم اني عملت عملا رضيته لك فاحرقني بالنار. وكان قد عظم جلال (٣٠) الله في قلبه حتى هان عليه في الله تعالى كل عمل عمله (٣١). قال القاضي عبد الله بن هاشم (٣٢): حدثني (٣٣) عبد الله بن أبي عيسى-وكان من الأبدال-قال: كنت أماشي ابن أبي حميد فالتفت إليّ وقال لي: يا ابن أبي عيسى نموت؟ فقلت له: نعم يا سيدي، ثم مشى قليلا فالتفت إليّ وقال لي: نموت يا ابن أبي عيسى؟ فقلت له: [نعم يا سيدي ثم مشى قليلا، فالتفت إليّ وقال لي: نموت يا ابن أبي عيسى فقلت له] (٣٤) نعم-أصلحك الله-قال: فصاح: آه ومد بها صوته ثم ضرب بيده في صدري (٣٥) وقال: نموت يا ابن أبي عيسى ويصلّى في المساجد بعدنا ونحن تحت التراب/فقلت له: لا بد من ذلك (٣٦) [فغشى عليه] (٣٧).

стр. 581

حدّث الطبني المؤدب ﵁-وكان فيه خير (٣٨) -قال: دخلت يوما على ابن أبي حميد في علّته التي مات منها (٣٩) وهو في البيت وكان في الدار ذباب وإذا بكفّ خارجة (٤٠) من الحائط تذبّ عن وجهه رأتها عيني لا شكّ فيها. وقال أبو إسحاق السبائي (٤١): كان محمد (٤٢) بن أبي حميد يقول (٤٣): اللهم إن كنت تعلم أني عملت عملا رضيته لك فأحرقني بالنّار. قال (٤٤) أبو القاسم: وسمعت محمد (٤٥) بن كامل القطان السوسي يقول: كنت في جنازة مع ابن أبي حميد فأتى رجل على دابة يركض يسأل عن ابن أبي حميد حتى سقط عليه [فسلّم] (٤٦) وقال له: أتيتك لرؤيا رأيتها لك، رأيت في المنام قائلا يقول [لي] (٤٦) اذهب إلى ابن أبي حميد فسلّم عليه فإنه ختم خلف كل عمود بجامع القيروان ختمة. قال: فسأله أبي [وقال له: أكان ذلك] (٤٦) فقال: قد كان ذلك. قال أبو محمد: فعددت أعمدة الجامع الذي بالقيروان فوجدتها (٤٧) عدد (٤٨) أيام السنة (٤٩).

стр. 582

وجرت (٥٠) له قصة مع ابراهيم بن أحمد الأمير قال: أتى ابراهيم بن أحمد إلى سوسة وقد بلغه عن أهلها أذى فقال: أمضي إليها فأخربها وأهدم سورها وأعذب أهلها: قال: فوصل إلى سوسة في/الليل فأتى إلى الدمنة فنزل في مسجدها فاجتمع إليه أهل الدمنة، فقال لهم: هل عندكم أحد يحفظ القرآن يخرج (إلي) (٥١)؟ فخرج (إليه) (٥١) محمد (٥٢) بن أبي حميد، فسلّم عليه وجلس معه ساعة ثم قال له: ما أتى بك (٥٣)؟ فقال له: بلغني أن أهل هذه المدينة تكلّموا فيّ بالقبيح (٥٤) وآذوني بألسنتهم فجئت معتمدا لإخرابها وإخراب سورها وعذاب (٥٥) أهلها فقال له ابن أبي حميد: يأذن (٥٦) لي الأمير أن أقرأ، فقال له: اقرأ فقرأ بعد أن تعوّذ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٧) فبكى (٥٨) ابراهيم بن أحمد عند ذلك بكاء عظيما ثم قال: والله لا فعلت شيئا مما كنت اعتقدت (٥٩). وركب من ساعته راجعا إلى القيروان وذلك كلّه ببركة محمد بن أبي حميد وحسن نيته رحمة الله ورضوانه عليه.

стр. 583

ثم كانت سنة أربع وتسعين ومائتين وفيها توفي: ١٦٦ - بكّار المتعبد (*) بقصر الطوب وكان (من) (١) المحزونين الخائفين. وكان إذا أخذ في البكاء قطع على أهل القصر الصّلاة. قال أبو ميسرة (٢): قيل لبكار: إذا متّ دفناك مع أهل قصر الطوب. فقال (لهم) (١): مرائي حيّا (٣) ومرائي ميّتا (٤) إن رحمني ربي فسيجمع بيني وبين أهل قصر الطوب وإن لم يرحمني فليس ينفعني أهل قصر الطوب. وفيها توفي: ١٦٧ - محمد (١) بن علي بن درسة (٢) البجلى (**) كان له سماع. وممّا (٣) أسند إليه قال: (حدثنا) (٤) محمد بن بشير (٥) البغدادي (٦) عن إسحاق بن نجيح (٧) عن

стр. 584

عطاء (٨) عن ابن عباس قال: كتب (٩) النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو (على) (١٠) ولاية اليمن (١١): من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإنّي أحمد [إليك] (١٢) الله الذي لا إله إلاّ هو. أما بعد، فإنّ ابنك فلانا توفي في يوم كذا وكذا فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر، ورزقك الصبر عند (البلاء) (١٣) والشكر عند الرّخاء و [اعلم أنّ] (١٤) أنفسنا وأموالنا (١٥) من مواهب الله الهنيّة وعواريه المستودعة يمتعنا بها إلى أجل معدود ويقبضها (١٦) لوقت معلوم وحقه عليك إذا بلاك (١٧) الصّبر فعليك بتقوى الله تعالى وحسن العزاء فإن الجزع (١٨) لا يرد ميتا ولا يؤخر أجلا [وإن الأسف لا يردّ ما هو نازل بالعباد] (١٩) والسلام (عليك) (٢٠).

стр. 585

وفيها توفي: ١٦٨ - أبو عثمان سعيد بن إسحاق (١) الكلبي (*) مولى كلب، صاحب سحنون، بقصر الطوب، ودفن به، صلّى عليه أبو يونس (٢) كان ثقة، متعبدا، سريع (الدمعة) (٣) كثير الصلاة. سمع/من سحنون وعون ابن يوسف وسمع من أبي زكريا الحفري (٤) وسمع بمصر من أبي الطاهر أحمد ابن عمرو بن السرح (٥)، ومن محمد بن عبد الحكم، ومن جماعة. وكان حسن الكتاب قليل الخطإ، إذا أشكل عليه حرف سأل عنه، وكان ساكنا بقصر الطوب يقيم به شهورا ثم يقدم إلى القيروان فيقيم شهورا (٦) فيأتيه الناس فيسمعون منه. مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين. وممّا حدث به: (حدثنا) (٧) محمد بن رزين السوسي (٨) عن زهير بن عباد (٩) عن أبي بكر المديني (١٠) حدثنا ثور بن يزيد (١١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله

стр. 586

صلّى الله عليه وسلم: ابن آدم عندك ما يغنيك وتطلب ما يطغيك، [ابن آدم] (١٢) لا بقليل تقنع ولا بكثير (١٣) تشبع، ابن آدم إذا كنت آمنا في سربك معافى في بدنك عندك قوت (١٤) يومك فعلى الدنيا العفاء (١٥). قال (١٦) أبو محمد عبد الله بن إسحاق الفقيه ابن التبّان (١٧) ﵁: قال أبو عثمان سعيد بن إسحاق: ما نفعني الله تعالى إلا بشاب رأيته بمكة-حرسها الله-وهو تحت جدار يقرأ القرآن بتلاوة حسنة وتفهم وقراءة حزينة بمقدار ما يسمع منه وعليه/خرقتان فقلت له: يا فتى مالك؟ كأنك قريب عهد بمصيبة فقال لي: عليك بنفسك، فلها فانظر ودع ما فيه (١٨) غيرك، فما شككت أنه وليّ لله فقلت في نفسي: قد وقعت على حاجتي (١٩) فجثوت بين يديه على ركبتيّ وقلت له: سألتك بالله إلا دعوت لي، فقال لي: شغلك الله بنفسك وجعلك ممن تنظر إلى عيوبك (٢٠)، وعرفك قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك. فوصل سعيد إلى القيروان فتخلى عن الدنيا وجعل الله همه في العزلة والانفراد بالله ، وسكن قصر الطوب، فكان به معلّق القلب، دائم البكاء والفكرة حتى لحق بالله (٢١). قال خلف السرتي (٢٢): نزل عندنا بقصر الطوب شاب فأقام نحو ثلاثة أيام أو أكثر ثم أخذ (٢٣) عصاه وخرج سائرا، فخرج سعيد بن إسحاق فقال: أين

стр. 587

الشاب؟ فقيل له: خرج. قال خلف السرتي (٢٤): فلحقته وأدركته وأمسكته حتى (أتى) (٢٥) سعيد بن إسحاق وجعل يعتذر إليه ويقول له: يا هذا (إننا) (٢٥) أشغلنا (٢٦) عنك ونسيناك ولكن خذ هذه الصّرة، وأخرج صرة فيها دراهم من جيبه، فقال له الشاب: أنا مستغن عنها، فألحف عليه (٢٧) وألح في أن يأخذها، فقال له: مالي إليها حاجة، فقال له سعيد (٢٨): ما نرى معك شيئا (٢٩) يغنيك عنها، فمدّ الشاب يده إلى الرمل، فأخذ منه قبضته فإذا هو (٣٠) ذهب يلوح في يده، فبهت سعيد بن إسحاق ثم ألقاه الشاب ومضى، ونحن ننظر إليه فكان سعيد يقول: إني لمحروم إذ لم أقل له ادع لي (٣١) دعوة. قال خلف السرتي: فأنا ألزم القعود في هذه الرملة، وأحبها وكان أبدا يجلس فيها. وسمع (٣٢) بعض الشيوخ سعيد بن إسحاق يبكي الليل كله في ليلة باردة جدا حتى أصبح، فقال له-أصلحك الله-: سألتك بالله ما أبكاك في هذه الليلة بخلاف العادة؟ فقال له: نعم، تفكرت في فقراء أمة (٣٣) محمد ﷺ في (هذه) (٣٤) الليلة الباردة فبكيت رقّة لهم. قال (٣٥) بعض أهل التاريخ: أتى (٣٦) نواتية لابراهيم (الأمير) (٣٧) فأرادوا النزول في قصر (٣٨) الطوب وكان في القصر في ذلك الوقت سعيد بن إسحاق وأبو يونس

стр. 588

وجبلة فمنعوهم من ذلك وأغلقوا باب القصر في وجوههم. فبلغ ذلك ابراهيم [الأمير] (٣٩) فأتى (إلى) (٤٠) باب قصر (٤١) الطوب وهو مغضب فقال: من هذا الذي منع عبيدي أن يدخلوا القصر؟ فارتاع أهل القصر لذلك وداخلهم من الجزع (٤٢) أمر عظيم، فأتوا إلى سعيد بن إسحاق فعرّفوه فتشرّف من أعلى القصر وقال: من هذا؟ فقال له: أنا ابراهيم بن أحمد الأمير، فرفع سعيد صوته وقال: يا ابراهيم تركنا لك الدنيا كلها وانزوينا في هذا الثغر فجئت تؤذينا والله لئن لم تمرّ لأهلكنّك، فمضى ابراهيم هاربا على وجهه حتى جاز القصر بأمر عظيم، فقال له الذين حوله: ما لك يا سيدنا؟ فقال لهم: لما صال عليّ سعيد بن إسحاق تلك الصولة حسبت أن الفحص اشتعل نارا عليّ، فما زلت كذلك حتّى وقعت (٤٣) في هذا الموضع. ومنهم (١): ١٦٩ - أبو السرى واصل المتعبد (*) الساكن بقصر تبصة (٢) المرابط وهو الحصن الذي يقال له في هذا الوقت

стр. 589

الديماس (٣). كان رجلا صالحا، فاضلا، مجتهدا، صحب جماعة من النساك المنقطعين إلى الله بالمشرق والمغرب-وهو غير أبي السرى واصل [الجمي] (٤) المتعبد بقصر جمة (٥). قال ربيع بن سليمان الكانشي: كنت كثير الاختلاف إليه، فبصر يوما برجل ممن [كان يختلف معنا ليس معه عصا-وكان اسمه ابراهيم-فقال: يا ابراهيم ما لك بلا عصا؟ فقال: ليس عندي عصا فقال لبعض] (٦) [من] (٧) كان معنا جالسا: اذهب إلى الركن-وأشار إلى أحد أركان البيت-فاتني بالعصا التي فيه. فذهب الرجل فأتاه بعصا/فأخذها ونظر إليها ثم دفعها إلى ابراهيم وقال له: هي عندك بأمانة الله فاحفظها. قال: فأخذها الرجل وانصرفنا. فلما كان في الجمعة الأخرى أتيناه فلم يكن له همّ إلاّ النظر إلى العصا فرأى عليها (٨) خيطا ملفوفا، فقال له: ما لهذه العصا؟ فقال له: يا سيدي كنت أعاني أمر ثور فاعتاص عليّ فضربته بها فتصدّعت، فقال له: وانما أعطيتها لك (٩) لرعي البقر، هاتها وأخذها وقال (١٠): أتدرون شأن هذه العصا؟ قلنا: لا، فقال (١١): كنت أكثر السياحة منفردا عن الناس فبينما أنا يوما سائر (١٢) في بعض

стр. 590

الفلوات إذ بصرت (١٣) برجل جالس على شفير بئر [و] (١٤) قد ركب طوق البئر وإحدى رجليه خارج (١٥) البئر والأخرى يلعب بها في مائه فقصدت نحوه وقد أضناني (١٦) العطش فوصلت إلى البئر من ناحية ظهر الرّجل، فنظرت فإذا ماؤه قد عاد في أسفله وكانت معي ركوة فيها خيط فألقيتها في البئر فلم أدرك الماء فلم أزل أحل الخيط شيئا بعد شيء حتى فنى الخيط من يدي (١٧) ولم أصل إلى الماء. قال: وسمع الرجل حسّي من خلفه فالتفت إليّ ثم سلّم بعضنا على/بعض وقال (١٨) لي: ما حاجتك؟ قلت: الماء، قال: اطو حبلك، فطويته ثم قال [لي] (١٩) هلم ركوتك، فأسلمتها إليه، فمدّ يده في (٢٠) البئر فأخرجها (٢١) مملوءة ماء، فناولنيها ثم قال [لي] (١٩) اشرب، فشربت حتى رويت ثم قال لي: هل لك في طعام؟ قلت: نعم، فقال: امض إلى خلف الرابية-يعني كدية (٢٢) أشار إليها- فكل ما تجد هناك ولا تدّخر منه شيئا، فمضيت، فإذا بتمر برني (٢٣) وبرازق تفور حرارة (٢٤) ما كنت أقدر على أكلها من شدة حرارتها، فسميت الله وأكلت حتى أخذت حاجتي ثم قمت وفي ركوتي فضل ماء (٢٥) فأخذها من يدي وأراق ما (كان) (٢٦) فيها من الماء. فقلت له: لعلنا نحتاج إليه؟ فقال: أطعمك وسقاك وأنت تدّخر عليه إذا احتجنا إلى شيء أتانا الله به.

стр. 591

ثم سار الرجل أمامي وأنا أتبع أثره وكان برد شديد وعلي أطمار رثة فأخذنا مطر فنظرت إليه وقد عوذ نفسه وأشار بعصاه يمينا وشمالا وأمامه وخلفه فكان المطر يقع حوله وهو معافى منه لا تصل إليه قطرة واحدة. قال: ونالني من البرد وأذى المطر ما لا أصفه. قال: فما شعر إلاّ بتقعقع أسناني من شدّة البرد فالتفت إليّ وقال: هاهنا أنت؟ /قلت نعم. قال ادن مني فدنوت منه، فنظر إلى بللي وشدّة قرّي، فوضع يده على رأسي وأمرها (٢٧) على ظهري، ثم قال: اللهم دفّئ جسده وجفّف ثوبه، فجف ثوبي، (قال) (٢٨): ثم عوّذني وأشار بالعصا حولي كما فعل على نفسه، فكنا نمشي والمطر يقع على كل جانب من جوانبنا ولا تصل إلينا منه قطرة (٢٩) فما فوقها إلى أن كفّ المطر، ثم صحبته بعد ذلك يومين حتى انتهينا إلى موضع من الأرض فقال: سر في ودائع الله، فهذا (٣٠) العمران قد قرب منّا، قال: وكنا نعرف قرب العمران بكثرة الوحش (والصيد) (٣١) وذلك أن المفازة والقفار لا يرى فيها وحش البتة، فقلت (٣٢) له: إني أريد صحبتك؟ فقال لي: لا تقدر على ذلك ومن تحلّى بغير ما هو فيه استحق من الله المقت عليه ولكنّي أرجو لك خيرا إن شاء الله تعالى. فقلت له: يا سيدي أحب شيئا أذكرك به، فقال لي: أمن الدنيا تريد؟ فقلت: لا، قال: ما معي غير عصاي هذه فخذها بأمانة الله، فقد جعل الله تعالى فيها خيرا لي وللذي أعطانيها وللذي (٣٣) أعطاه إيّاها، نحن ثلاثة قد جعل الله تعالى لنا فيها خيرا كثيرا/فاحتفظ بها، فأخذتها منه وهي عندي من ذلك الوقت، ثم عطف واصل على الذي كان أعطاه العصا فقال له (٣٤): وأنا رجوت الله تعالى

стр. 592

[أن] (٣٥) يجري لك (٣٦) من بركتها شيئا بانتفاعك بها فجعلتها لرعاية (٣٧) البقر. ثم قال للرجل: أعدها في الموضع الذي كانت فيه. فأعادها. قال أبو الحسن علي الصقلي الجزيري (٣٨): قصدت أزور أبا السرى واصلا (٣٩) الصغير مع جماعة فرأيت في كلب بتلك (٤٠) البقعة أعجوبة وذلك أنه لا ينبح على الزوار من كانوا (٤١) بل يبصبص إليهم ثم يدخل الدّار فلا أدري أيفهمون (عنه) (٤٢) بعلامة أو غير ذلك فيعلمون بذلك أن الزوار قد أتوا لزيارة واصل فيخرج (٤٣) إلينا أبو السرى فنسلّم عليه. قال فقلت له يا أبا السرى أنت جلت في الشرق والغرب فاذكر لي بعض ما رأيت (٤٤)؟ فقال: بينا أنا أمشي بالشام ثم ذكر نحو الحكاية التي تقدم ذكرها (٤٥). ثم قال: وآخر دللت (٤٦) عليه وكان لا يكاد يوصل إليه (إلا في) (٤٧) الأيام الكثيرة فجئت وقيل لي: قل له أنا من الجوالين فدققت (٤٨) الباب فخرج إلي ابن له فسألته الوصول/إلى أبيه، فقال لي: أنا ابنه ولي أيام ما وصلت إليه، فقلت له: إني من الجوالين، فذهب ثم خرج إليّ مسرعا فأذن لي بالدخول، فدخلت

стр. 593

فقال لي (٤٩): دونك ذلك البيت، فدخلت (البيت) (٥٠) فإذا بشيخ قائم يصلّي فهبته (٥١)، ثم جلست فسلّم ثم جلس فلم أقدر أكلمه من هيبته فلمّا طال ذلك على الشيخ، قال لي: يا أخي أترى بعد الموت عملا (٥٢)؟ فقلت: لا، فقال: إن الساعة تذهب والصحيفة تطوى. فلم أسمع منه غير ذلك. وقام وخرجت أنا. وذكر الزناتي الساكن بقصر ابن الجعد (٥٣) -وكان من خيار الناس-قال: قال لي أبو السرى واصل: كنت أجول في الغرب فإذا ضللت عن الطريق أتت الوحوش (والسباع) (٥٤) وغيرها تمشي بين يديّ تهديني إلى الطريق فأمشي عليها.

стр. 594

ثم كانت سنة ست وتسعين ومائتين وفيها توفي ١٧٠ - [أبو عبد الرحمن] (١) بكر بن حماد (٢) (*) سمع بافريقية من سحنون-﵁-وغيره. سعي به إلى ابراهيم ابن أحمد الأمير فخرج هاربا من القيروان يريد تاهرت بلده فلما صار بسباطة (٣) خرج عليه قطّاع الطريق فقتل ولده عبد الرحمن وجرح بكر (٤) جراحات [عدة] (٥) فما زال في بطنه فتق منها إلى أن مات. وله/في ولده عبد الرحمن مراث كثيرة رأيت (٦) منها (أبياتا وهي) (٧):

стр. 595

بكيت على الأحبة إذ تولوا ... ولو أني هلكت بكوا عليا فيا سكني (٨) بقاؤك كان ذخرا ... وفقدك قد كوى الأكباد كيا كفى حزنا باني (٩) منك خلو ... وانك (١٠) ميّت وبقيت حيا (١١) ولم أك (١٢) آيسا فيئست لما ... رميت الترب فوقك من يديا فليت الخلق إذ خلقوا أطاعوا ... وليتك لم تكن (١٣) يا بكر شيا نسرّ (١٤) بأشهر تمضي سراعا ... ونطوى (١٥) في لياليهنّ طيا فلا تفرح بدنيا ليس تبقى ... ولا تأسف عليها يا بنيا فقد قطع (١٦) البقاء غروب شمس ... ومطلعها علينا (١٧) يا اخيا وليل (١٨) التم يجلوه نهار ... تدور له الفراقد والثريا [قال] (١٩): وله في الزهد والمواعظ (٢٠) وذكر الموت وهوله [شعر] (٢١) كثير. قال أبو بكر ابن اللباد-رضوان الله عليه-: دخلت على بكر بن حماد رحمة الله تعالى عليه، فقال [لي] (١٩): اكتب، فأملى عليّ لنفسه (٢٢):

стр. 596

زرنا منازل قوم لن يزورونا (٢٣) ... إنّا لفي غفلة عما يقاسونا لو ينطقون لقالوا: الزاد ويحكم ... (جد الرحيل) (٢٤) فما يرجو المقيمونا؟ (٢٥) الموت أجحف بالدنيا فخربها (٢٦) ... وفعلنا فعل قوم لا يموتونا فالآن فابكوا فقد حق البكاء لكم ... فالحاملون (٢٧) لعرش (٢٨) الله باكونا ماذا عسى تنفع الدنيا مجمعها (٢٩) ... لو كان جمع (٣٠) فيها كنز قارونا قال ابن اللباد: وأنشدني بكر بن حماد لنفسه (٣١): لقد جمحت نفسي فصدّت وأعرضت ... وقد مرقت (٣٢) نفسي فطال مروقها (٣٣) فيا أسفي من جنح ليل يقودها ... وضوء نهار لا يزال يسوقها إلى مشهد لا بد لي من شهوده ... ومن جرع للموت سوف أذوقها ستأكلها (٣٤) الديدان في باطن الثرى ... ويذهب عنها (٣٥) طيبها وخلوقها (٣٦) مواطن للقصاص فيها مظالم ... تؤدى إلى أهل الحقوق حقوقها

стр. 597

سحاب المناي كل يوم مظلّة (٣٧) ... فقد هطلت حولي ولاح بروقها وللنفس حاجات تروح وتغتدي ... ولكن أحاديث (٣٨) الزمان تعوقها (٣٩) تجهمت (٤٠) خمسا بعد سبعين حجة ... ودام غروب الشمس لي وشروقها (٤١) وأيدي المنايا كل (٤٢) يوم وليلة ... إذا فتقت لا يستطاع رتوقها تصبح (٤٣) أقواما على حين غفلة ... ويأتيك في حين البيات طروقها وقال (٤٤) أيضا [في المعنى] (٤٥): قف بالقبور فناد (٤٦) الهامدين بها ... من أعظم بليت فيها (٤٧) وأجساد قوم تقطعت الأسباب (٤٨) بينهم ... من الوصال وصاروا تحت أطواد راحوا (جميعا) (٤٩) على الأقدام وابتكروا ... فلن يروحوا (٥٠) ولا يغدو (٥١) لهم غاد والله (٥٢) والله لو ردوا ولو نطقوا ... إذا لقالوا: التّقى من أفضل الزاد

стр. 598

فبرز (٥٣) القوم وامتدت عساكرهم ... كيما (٥٤) يوافوا لميقات وميعاد ما بالقلوب حياة عند (٥٥) غفلتها ... والله، سبحانه، منها بمرصاد [كيف (٥٦) البقاء وهذا الموت يطلبنا ... هيهات، هيهات، يا بكر بن حماد] (٥٧) بينا ترى (٥٨) المرء في لهو وفي لعب ... حتى تراه (٥٩) على نعش وأعواد هذي أبا مالك (٦٠) دنيا (٦١) منغصة ... فيها حزازات أحشاء وأكباد فكلنا (٦٢) واقف منها على سفر (٦٣) ... وكلنا ظاعن يحدو (٦٤) به الحادي في كل يوم نرى (٦٥) نعشا نشيعه (٦٦) ... فرائح فارق الأحباب أوغاد (٦٧) الموت يهدم ما تبنيه من فرح (٦٨) ... فما انتظارك يا بكر بن حماد وقال أيضا (٦٩): لقد حفت (٧٠) الأقلام بالخلق كلهم ... فمنهم شقي خائب وسعيد

стр. 599

تمر الليالي بالنفوس سريعة ... ويبدئ ربي خلقه ويعيد أرى الخير في الدنيا يقل كثيره (٧١) ... وينقص نقصا والحديث يزيد فلو كان خيرا قلّ كالخير كله ... وأحسب أن الخير منه بعيد (٧٢)

стр. 600

ثم كانت سنة سبع (١) وتسعين ومائتين وفيها توفي: ١٧١ - أبو يوسف جبلة (٢) بن حمود بن عبد الرحمن (*) يكنى جده بأبي الأشعث من ولد المعروف بالمقطع مولى عثمان بن عفان (٣) رضي الله تعالى عنه [و] (٤) دفن بباب سلم [و] (٤) صلّى عليه أبو سعيد بن محمد ابن سحنون [و] (٤) حضر جنازته خلق من الناس. وكان مولده سنة عشر (٥) ومائتين [و] (٤) كان يكون بقصر الطوب المرابط (٦) ثم يقدم إلى القيروان فيسمع (٧) الناس منه ثم يرجع.
следующие страницы →