← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إلى «مسجد يحيى بن عمر» -وهو المسجد الذي بحذاء «حمام النعمان» -فلما فرغ يحيى بن عمر من صلاة الظهر وسلّم، استفتح الأندلسي بصوت حسن وقرأ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها) (٢٩)، وتمادى في القراءة إلى آخر الآيتين، فبكى يحيى بن عمر حتى [سالت دموعه على لحيته] (٣٠) ثم قال: «اللهم إن هذا القارئ ما أراد بقراءته رضاك ولا ما عندك، وإنما أراد بذلك نقصي وعيبي؛ اللهم فلا تمهله بعد ثلاث»، قال: فيقال إنه ما بلغ ثلاثة أيام حتى مات فيها، استجاب الله تعالى فيه دعوته». وذكر بعض الشيوخ (٣١) أن يحيى (٣٢) بن عمر مضى إلى قرطبة من (٣٣) القيروان على دانق (٣٤) حتى رده على أهله (٣٥)، [فخوطب في ذلك فقال: «رد دانق على أهله] (٣٦) أفضل من عبادة سبعين سنة».قال: «فمضينا إلى قرطبة ورجعنا في سنة، وبقيت معنا تسع وستون سنة ربحا». ولما (٣٧) أمر السلطان بإنشاء المراكب للخروج فيها إلى صقلية هدم (٣٨) الذين ينشئونها مقابر المسلمين ورفدوا (٣٩) بها المراكب إلا قبر يحيى بن عمر، ما جسر أحد على

стр. 527

هدمه، فكلم في ذلك بعض السودان فقالوا: «إنا لنرى عليه نورا عظيما، فهو الذي منعنا من هدمه». وكان، رحمه الله تعالى، لا يكاد يخرج عن مذهب مالك وأصحابه، كثير النهي عن كل محدثة وبدعة. وكان يشتدّ عليه أمر «مسجد السبت» ويودّ لو أنه هدم حتى لا يجتمع فيه أحد. وقد تكلّم فيه بكلام شديد كبير (٤٠). وخالف يحيى بن عمر من أصحاب سحنون جماعة، وغيرهم، (٤١) في جميع ما ذكره، فكانوا يحضرونه ويجتمعون فيه، منهم أحمد بن معتب وغيره، وفيه كانت وفاته. وحضره- ممن هو دون أحمد بن معتب في الطبقة-أبو بكر بن اللباد وأبو بكر بن سعدون وربيع القطان. لكنه كان في ذلك الزمان على خلاف ما هو عليه اليوم، وذلك أنهم كانوا يحضرونه بالوقار والسكينة والخشوع وغزر الدمعة وكثرة الصدقة والمعروف، وكانوا يقولون فيه أشعار أبي معدان (٤٢) في الزهد والمواعظ وأهوال يوم القيامة وصفات أولياء الله تعالى، ويركّبون (٤٣)

стр. 528

عليها أعمالها (٤٤) على طريق الحزن والخوف. وكان المتعبدون والصالحون إذا سمعوها استراحوا إليها بقلوبهم وانشرحت نفوسهم وانصرفوا منه وهم محزونون نادمون. ولقد ذكر عن [أبي] محمد بن فطيس (٤٥) المتعبد أنه قال: «كان الذين يحضرون «مسجد السبت» إذا خرجوا منه يرى عليهم أثره إلى السبت الآخر». حدّث أبو الحسن عليّ بن محمد الأنصاري عن أبيه قال: «حضرت مسجد السبت القديم وكان مبنيا بالطوب، فقال القوالون أشعارا في الزهد، فبكى الناس بكاء عظيما حتى امتلأ المسجد بالبكاء وارتفعت أصواتهم، فقال رجل جالس بجواري: «لقد طاب المسجد اليوم» فقال له رجل كبير السن شيخ: «يا هذا، حال (٤٦) المسجد عما كنا عهدناه قبل هذا الوقت. أعرف أني حضرته يوما فقام ابن السامة (٤٧) فقرأ (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ، اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٤٨) فقام شاب من الركن يبكي ويصيح: «الأمان بالله! »؛ فرجع القارئ في الآية من أولها، فقال الشاب: «الأمان بالله! » فرجع القارئ مرة ثالثة فصاح الشاب: «الأمان بالله! » وخرّ ميتا، رحمة الله تعالى عليه. فهكذا كانت صفة المسجد في الزمان الذي كان يحضر فيه هؤلاء الأفاضل. وأما في هذا الوقت فهو على خلاف ذلك، فلا ينبغي حضوره ولا السعي إليه، ولا يحتج في حضوره بمن حضره ممن قدمنا ذكره لأنهم لو أدركوا هذا الزمان لتركوا حضوره».

стр. 529

ومن فضائل يحيى بن عمر: وأما استجابة دعوته وكثرة ذكره وحكمته وصنوف من كراماته (٤٩): فقال: (٥٠): كان (٥١) قوم من الجزيريين (٥٢) «بزقاق الروم» (٥٣) يكبّرون في «أيام العشر» ويرفعون أصواتهم بالتكبير، وكان يحيى بن عمر يجوز عليهم إذا مضى إلى الجامع ويسمع تكبيرهم، فنهاهم عن ذلك وقال لهم: «هذه بدعة»، فلم ينتهوا. فيقال إنه دعا عليهم فصار ذلك المكان خرابا، وأقام كذلك مدة ثم عمر بعد ذلك. وحدّث الحسن بن نصر (٥٤) قال (٥٥): «قال لي يحيى بن عمر: «اكتب عندك: لا ترغب في مصاحبة الإخوان، فكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه، انفردوا يا أهل العلم، انفردوا». وعن الحسن (٥٦) عن يحيى بن عمر، قال: «ليس شيء أضر على ابن آدم من النظر في النجوم: يخرجه نظره في النجوم إلى الدهرية». حدث خلفون التونسي المتعبد بالمنستير، قال: «كان يحيى بن عمر يأتي إلينا، إلى المنستير، يصوم رمضان، وكان يحدثنا. فقلت له: «فهل حفظت شيئا من حديثه تحدثنا به؟ » فقال: «نعم مما حفظت عنه أنه قال-يرفع الحديث-إن الله ﵎ يقول (٥٧): «يا عبيدي تعملون عمل الفجار وتطلبون منازل الأبرار؟ «إنك لا

стр. 530

تحصد من الشوك الرطب» (٥٨)، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار». قال بعض المؤرخين: كان يحيى بن عمر كثيرا ما ينشد (٥٩): هممت ولم أفعل، ولو كنت صادقا ... عزمت ولكن الفطام (٦٠) شديد ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... إليك انقطاعي؟ إنني لسعيد (٦١) وقال يحيى بن عمر: قال بعض الحكماء: «التفاتة خير من دمعة (٦٢)».وأنشد يحيى بن عمر: اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام (٦٣) وكتب يحيى بن عمر رسالة إلى حمديس القطان وهي (٦٤): رضاك (٦٥) الله بقضائه، وأسعدك بقدره، وأطال عمرك في طاعته، وأوزعك الشكر على نعمه، حتى تكون الآجلة خيرا (٦٦) لك من العاجلة. ولولا ما انتهى إليك من ضعفي عن الخطو (٦٧) إليك لأكثرت من عيادتك، ولكنت بذلك مسرورا مع جزيل الذي كنت آمله من ربي سبحانه على ذلك، غير أنه قد أنهى إليّ صاحبنا ما كنت عهدتك عليه، ثم رآك في آخر مرة وقد تماثلت عن حالتك الأولى فسرني ذلك، لما رجوت لك من تمحيص ذنوبك. وهذا أفضل ما يناله المؤمن في الدنيا ويرغب إلى ربه فيه. وكذلك قال نبينا محمد، ﷺ ، سيد العالمين وإمام

стр. 531

المتقين (٦٨): «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، وأنا أسأل الله أن يجعلنا وإياك منهم. وقد علمت حال أهل بلدك؛ فأنا أحب منك، كلأك الله، إظهار الصبر على ما تجد من العلة. وقد أعجبني زبرك (٦٩) بعض من عادك ممن لم تحب عيادته، ورجوت أن تكون قد وفّقت في ذلك لتشريد غيره، لأني أتخوف أن يكون بعضهم إنما يأتي إذا بلغه عندك شدة، فينهي ما يرى للشامتين، فقد كان من بغيهم وإفكهم في علتك التي قبل هذه أن أذاعوا موتك وملئوا به الأسواق والمساجد، حتى انتهى ذلك إليّ في منزلي، فأحزنني وغمني. ولم يزل الصالحون من سلف هذه الأمة يبتلون بهم وينالهم منهم مثل الذي نالك، (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً) (٧٠) الآية. وقال ﵎: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْااهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٧١). وقد صح الحديث عن حذيفة، رضي الله تعالى عنه، أن المنافقين اليوم هم أشر من المنافقين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، قيل: «وكيف ذلك يا أبا عبد الله؟ » قال: «لأن أولئك/إذ ذاك يكتمونه وهؤلاء اليوم يجهرون به». فهذا قول حذيفة، ﵁، في زمنه؛ وفضل زمنه وأهله على زمننا وأهله [معروف] (٧٢)، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. أعاننا الله وإياك على ما خلقنا له من طاعة، وأمدنا بالمعونة منه والتوفيق لكل ما يحببنا له ويقربنا منه، إنه قريب مجيب. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».

стр. 532

قال ابن حارث (٧٣): قال لي محمد بن الليث (٧٤): قال [لي محمد بن عمر] (٧٥) أخو يحيى بن عمر: «كنت جالسا بتونس، إذ كان أخي متواريا عن ابن عبدون، وكان القاضي بتونس عبد الله بن هارون الكوفي. قال: فما شعرت أن أتاني (٧٦) رسوله فساء ظني وخبثت (٧٧) نفسي»، قال: «فأتيته [فدخلت عليه] (٧٥) فتبين الذعر فيّ، فقرّبني وسكّنني فسكنت، ثم ناولني كتاب ابن عبدون فإذا فيه: «قد صح عندي أن يحيى بن عمر متوار (٧٨) بتونس فاطلبه، فإذا ظفرت به فأوثقه وابعث به إليّ مع من تثق به»، قال محمد: «فاربدّ وجهي لذلك، فقال لي: «لا يسوء [بي] (٧٩) ظنك، فلم أبعث إليك لمكروه، ولكني أعجّبك من ابن عبدون (٨٠): يريد مني أن آتي إلى إمام من أئمة المسلمين فأرسل به إليه ليمتهنه! » ثم قال لي: «إن كان أخوك بهذا البلد فهو آمن مني (٨١)».قال محمد بن الليث: «فكانت هذه المكرمة مشكورة لعبد الله بن هارون الكوفي في أمر يحيى بن عمر». وبعد استخفائه وطلب العراقيين له، انتقل إلى سوسة فمات بها، رحمه الله تعالى. وقال أخوه عنه (٨٢): كان أخي يحب سوسة ويحض على سكناها ويقول: «اللهم لا تكسبني ذنبا أستحق له الخروج من سوسة»، وكان يقول: «إنما هي عندي مثل الإسكندرية وعسقلان وهذه المواضع التي ذكر فضلها في الكتب».

стр. 533

ولما توفي رثاه جماعة، ورثاه سعدون الورجيني (٨٣) بمرثية وهي (٨٤): عين ألمّ بها وجد فلم تنم ... تبكي بدمع كنظم الدر (٨٥) منسجم مدامع الصب أقلام تخط بها ... أيدي الصبابة ما بالقلب من سدم (٨٦) لفظ الضمير لسان الدمع ترجمه ... حتى بدا كلّ سر فيه منكتم لولا المدامع لم يعلم بلوعته ... يخفي تباريح (٨٧) وجد غير منصرم وهل تلذّ بطعم النوم (٨٨) مقلة من ... كسته كف الرزايا حلة السقم وكل جارحة من جسمه قدحت ... فيها يد البث نيرانا من الألم لم يعدم الحزن إلاّ أنّ مهجته ... قد أبدلت (٨٩) من سرور العيش بالعدم تأبى الليالي علينا أن تدوم على ... جمع من الشمل أو سدّ من الثّلم لا لوم إن كنت بعد الثكل لم أنم ... لو ذاق من لامني ما ذقت لم ينم (٩٠)

стр. 534

أنّى يجيب إلى جنب (٩١) الكرى رجل ... قد أفردته المنايا من ذوي الرحم عجبت أن لم أمت حزنا وقد دفنت ... كفّاي في الترب أتقى العرب والعجم يا موت أثكلتنا يحيى وكان [لنا] (٩٢) ... في بلدة الغرب مثل البدر في الظلم ينجاب عنا به غيم الخنا ومتى ... نقس به الناس فضلا كان كالعلم ما كان إلاّ سراجا يستضاء به ... في العلم يسمع منه العلم في الحلم وكان يحيى-إذا خفنا-لنا حرما ... نلجا إليه، فقد صرنا بلا حرم وكان يحيى لنا سيفا يعز به ال ... دين الحنيف ويحمى كل مهتضم وكان يحيى لنا في كل حادثة ... في الدين كالليث يحمي ساحة الأجم وكان يحيى لنا في الزائغين إذا ... ضلوا (٩٣) لسانا يبين الحق عن أمم وكان يحيى لنا حرزا، وكان لنا ... كنزا، وكان لنا كالغيث في الأزم (٩٤) لتبك يحيى عيون بالدموع فإن ... غاضت مدامعها فلتبكه بدم أبكي من العلم والتقوى به اجتمعا ... ومن مضى وهو أوفى الناس بالذمم أبكي من الحلم ثوب كان يلبسه ... أبكى على طاهر الأخلاق والشيم أبكي فتى الدهر، أبكى شيخ كلّ حجى ... أبكى أخا الفضل، أبكى معدن الكرم من كان [من] (٩٥) بعد سحنون لنا خلفا ... من كان في الحق مثل الصارم الخذم (٩٦) من كان يقفو من الأخيار أثرهم ... من كان في الدين يروي غير متهم (٩٧) من كان ذا ورع، من كان ذا أدب ... من كان ذا فطن، من كان ذا فهم بل ما ابتغى العلم إلا من معادنه ... يلقى الثقات وينأى عن ذوي التهم كم من فتاة رآها في حداثته ... لم يلتفت نحوها خوفا من النقم فغض طرفا عفيفا عند رؤيتها ... مخافة من عقاب (٩٨) الله والنقم سجية ركبت فيه ومعرفة ... بالله لا كامرئ في الغيّ مقتحم

стр. 535

ما كان أشجعه، ما كان أورعه ... ما كان أفصحه في محفل الكلم ما كان أرغبه في سنّة درست ... يشيدها ببناء الحاذق الفهم ما كان أفقهه (٩٩)، ما كان أعلمه ... ما كان أحماه عند الخوف للحرم (١٠٠) ما كان أطهر تلك النفس من ريب ... ما كان أكتب تلك الكف بالقلم سقاك يا قبر يحيى عارض لجب ... سمح الرذاذ كريم الوبل والديم مبارك الظّل يكسو الأرض أردية ... كالوشى يلقى على القيعان والأكم يا رب! صاحب هذا القبر خادم ... ك المعروف بالنصح والإحسان في الخدم أتاك ضيفا فلا تجعل قراه سو ... ى الرضوان، إنك ذو فضل وذو كرم وارحمه ربّ ووسّع ضيق حفرته ... فإنه طالما ناجاك في الظلم (١٠١) ولا تؤانسه في استيحاشه بسوى ... حور القصور (١٠٢) بدار الخلد في الخيم واعصمه من فتنة في القبر يعلمها ... يا رب، إنك ملجا كل معتصم قرّبه من عرشك العالي، فمذهبه (١٠٣)، ... يا رب، أنك فوق العرش من قدم واجعله (١٠٤) ينظر إلى ما كان يوقنه ... من نور وجهك يا ذا العز والعظم احفظه، أكرمه، ألحقه بهمته ... أقرر له عينه، أغدقه بالنعم كم داوم الصمت إخباتا (١٠٥) وحسن تقى ... فإن تكلم أبدى لفظ محتشم ما داوم الصمت إلا خوف مقتك يا ... جبار، ما ذاك من عيّ ولا بكم (١٠٦) واحفظه (١٠٧) للعلم وانفعني به وإذا ... جزت الصراط فثبت فوقه قدمي (١٠٨)

стр. 536

أعظم بحبّي له أجري وصن بدني ... من حر نار تعيد الناس كالحمم [إلهى] (١٠٩) هبني له، يا منتهى أملي ... أجر الشهيد، واسفك في رضاك دمي أحببته فيك للزلفى لديك به ... ما بيننا رب من قربى ولا رحم

стр. 537

[ثم كانت سنة إحدى وتسعين ومائتين وفيها توفي] (١): ١٦١ - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف (*) الفقيه، رحمة الله تعالى عليه . وكان (٢) حكيما ينطق بالحكمة. وذكر عنه (٣) أنه كان قوم أندلسيون يسمعون على أحمد (٤)، وكانوا يؤملون الحج، فحضرهم وقت الحج وبقيت عليهم كتب، فسألوه أن يصبر عليهم ويجلس لهم حتى يتموا ما بقي عليهم في هذه الأيام اليسيرة، فقعد لهم يوما فضاق، وقعد لهم يوما ثانيا فضاق، فقال في اليوم الثالث: (٥) سألبس للصبر ثوبا جميلا ... وأفتل للضجر حبلا طويلا (٦) وأصبر بالرغم لا بالرضا ... أخلص (٧) نفسي قليلا قليلا وهما من قول أبي جعفر أحمد (٨)

стр. 538

قال أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان، فيما أوصى به لطالب العلم (٩): يا طالب العلم، إذا طلبت العلم فاتخذ له قبل طلبه أدبا تستعين به على طلبه، واتخذ له بعد طلبه أدبا تستعين به على حمله. ومن أدب العلم الحلم، والحلم كظم الغيظ، وأن يغلب علمك وحلمك هواك إذا دعاك إلى ما يشينك. وعليك بالوقار والتعفف والرزانة (١٠) والصيانة والصمت والسمت الحسن، والتودد إلى الناس ومجانبة من لا خير فيه، والجلوس مع الفقهاء ومحبة الأخيار، ومنابذة الأشرار والقول الحسن في إخوانك والكف عمن ظلمك. ولا تهمز أحدا بقول ولا تلمزه ولا تقل فيه ولو كان عدوك. فإن فعلت ذاك شرفت عند العقلاء، وعرفت حقك الجلساء (١١)، ولحقت بالعلماء، وهابك السفهاء، وحللت محل الأبرار، وبرئت من الأشرار. فافهم وتفهم واستعن بالله يعنك (١٢)». قال أبو الحسن عليّ بن محمد (١٣): وجدت رقعة في مسجد أحمد بن أبي سليمان مكتوب فيها (١٤): يا لذة قصرت وطال بلاؤها ... عند التذكر في الزمان الأول لما تذكرها وقال ندامة ... من بعدها: يا ليتني لم أفعل! قال: فقلت لأحمد: «أهذه من قولك»؟ قال: «نعم». قال أحمد (١٥): رأيت في منامي كأن صحن مسجدي امتلأ زبلا، ورجلان في ناحية منه يتحدثان باليهودية (١٦)، فلما أصبحت جاء رجل فأخذ مفتاح المسجد فأذن، فقمت فخرجت إلى المسجد فإذا صحنه ملئ بناس متبيضين، فلما صلّوا

стр. 539

أتوا إليّ فقالوا لي: «نحن الصيارفة (١٧) أمرنا عبد الله بن أحمد بن طالب أن لا نصرف من أحد حتى ننظر في «كتاب الصرف» (١٨)، [فقرأته لهم، وعلمت أن ذلك تأويل الرؤيا] (١٩). قال أحمد: فأتى إليّ رجلان منهم فسألاني عن مسألة فقلت لهما (٢٠): «لا تحل، فإنه ربا» فقالا لي: «فإن ابن الأشج (٢١) قال لنا: أديروا بينكم ما شئتم من بيع حرام، ثم تعالوا إليّ أجعله لكم حلالا (٢٢)» فقلت لهما: «لا حول ولا قوة إلا بالله، حرام، حرام! قوما عنّي». وكان ابن الأشج هذا عراقيا، وكان إذا أراد أن يجوّز الربا بين الناس يقول لأحدهم (٢٣): خذ الهرّ فاجعل في عنقه خمسين دينارا، وبعه بمائة إلى أجل، فإذا أخذ الهرّ المشتري له وأقام عنده أياما فامض إليه وقل له: «عسى ذلك الهر ترده إلينا، فإن الفيران قد أكلونا (٢٤)»، فيرده إليه؛ فكان هذا فعله مع الناس. وقال أحمد: دخل عليّ بكر بن حماد فتحدث عندي ساعة، فقلت له: «أيش قلت؟ » فقال: «قلت هذه الأبيات (٢٥): نهار مشرق وظلام ليل ... ألحّا بالبياض وبالسواد هما هدما دعائم عمر نوح ... ولقمان وشداد بن عاد (٢٦)

стр. 540

فيا بكر بن حماد تعجب ... لقوم سافروا من غير زاد (٢٧) تبيت على فراشك مطمئنا ... كأنك قد أمنت من المعاد فيا سبحان من أرسى الرواسي ... وأوتدها على السبع الشداد قال أحمد بن أبي سليمان: فلما انتهى إلى هذا البيت قلت له: «أمسك، رفعت الجبال فوق السموات وأنزلت السموات تحت الجبال! » فقال لي: «وكيف ذلك؟ » فقلت له: «اقرأ سورة عم يتساءلون»، فقرأها حتى انتهى إلى قوله تعالى وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (٢٨) فقال لي: «والله لقد أنشدته بالعراق ومصر وتاهرت والقيروان، فما فهمه أحد، وقد كسرته أنت فأصلحه»، فقلت له: «أفلا قلت: فأوتدها مع (٢٩) السبع الشداد (٣٠)؟ »، قال: فقال لي: «قد أصلحت ما أفسدت». وله أشعار كثيرة. وقال أحمد (٣١): ولما نحا (٣٢) عمري ثمانين حجة ... وأيقنت أني قد قربت من المدى تركت تكاليف الحياة لأهلها ... وجانبتها طوعا مجانبتي (٣٣) الردى

стр. 541

رأيت حليم القوم فيهم مقدما ... ومن نال علما [نال] (٣٤) جاها وسؤددا أراني بحمد الله في المال زاهدا ... وفي شرف الدنيا وفي العز أزهدا تخليت من دنياي إلا ثلاثة ... دفاتر من علم وبيتا ومسجدا (٣٥) غنيت بها عن كل شيء حويته ... وكنت (٣٦) بها أغنى وأقنى وأسعدا وقد ذم قوم ما فعلت جهالة ... فعدّوا مع (٣٧) الجهال في الجهل أحمدا (٣٨) ولو فهموا رأيي وأمري لأبصروا ... وقالوا: [رأى] (٣٩) رأيا سديدا مسددا ألم تر أن الدهر أوقر أهله ... هموما وأن العيش صار منكّدا فما حلّ يوم فيه إلا بفجعة ... وأنت لأخرى فيه منتظر غدا وما فرحة إلاّ ستصبح (٤٠) ترحة ... وما صاحب إلا سيصبح مفردا وكم قد رأينا من عزيز مشرف ... يبيت مقرا في القباب ممهّدا (٤١) فجته (٤٢) المنايا وهو في حين غفلة ... فأضحى ذليلا في التراب موسدا وقال أيضا: فيما حدثناه غير واحد من أصحابنا، ﵃ أجمعين: (٤٣) ولما محا (٤٤) عمري ثمانين حجة ... هجرت تكاليف الحياة لما (٤٥) فجا (٤٦)

стр. 542

ولاقيت أترابي: فأحدب (٤٧) ماشيا ... وآخر مكفوفا، وآخر أعرجا تمنيت طول العمر (٤٨) أحيا (٤٩) مؤدبا ... وأسلك في التعليم للعلم منهجا وخالط عينيّ العشا بعد حدة ... وصار لساني إن تكلم لجلجا وفي أذني وقر، وظهري (٥٠) به حنا ... وما أبتغي مما أنا فيه مخرجا رأيت الذي قد كنت [فيه] لدى الصبى (٥١) ... من الشيب والتشييخ أشنا وأسمجا /وأصلح أزماني [أوان] (٥٢) زمانتي ... لزمت العصا من بعد مشيي تبرجا وأصبحت مما كنت أبغي (٥٣) من الغني ... إلى الزهد في الدنيا الدنية أحوجا وحبست نفسي بين بيتي ومسجدي ... وقد صرت مثل النسر أهوى التعرجا (٥٤) كأنّي بهم قد أعلنوا بعدي البكا ... إذا أنا صرت في المدارج مدرجا (٥٥) وفي حين يقضيني (٥٦) وفي قول بعضهم ... لبعض: توفّي الشيخ وانقطع الرجا فيا خير مرغوب إليه لراغب ... ويا خير من يلجا إليه لمن (٥٧) لجا كما لم تضعني، رب، منذ خلقتني ... قني في معادي حرّ نار تأججا وله من قصيدة طويلة يقول فيها (٥٨): تفهم يا حبيب (٥٩) -هديت-قيلي ... تنال بفهمه خيرا كثيرا

стр. 543

سمعتك تذكر الشعراء (٦٠) طرّا ... وتنشد قولهم (٦١) جمّا غفيرا وليس (٦٢) مؤلف قولا حكيما ... كآخر قائلا إفكا وزورا ويرجف (٦٣) قوله لينال دنيا ... إذا ما نالها نال الغرورا فلا تشغل (٦٤) بقول غير قيلي ... فما في النفع (٦٥) كان له نظيرا فدع عنك المذاهب واتّبعني ... متابعة (٦٦) تجد خيرا كثيرا فقيه الناس سحنون (٦٧) تجدني ... لأكثر فقهه بصرا بصيرا (٦٨) وفي فقه الفقيه أبّى سعيد ... وجدت الحق (٦٩) متضحا منيرا وفي تعليمه علما عليما ... وفي تأديبه سترا (٧٠) ستيرا لزمت فناءه (٧١) عشرين عاما ... أغاديه وأغشاه هجيرا وكنت مؤدبا نفسي لنفسي ... على نفسي أجنبها النكيرا (٧٢) فنلت من العلوم لطول عمري ... وإمضائي وتجربتي الدهورا وحزت من السلامة ما كفاني ... ووقّاني وبلغني السرورا ولم ألبس لذل الفقر ثوبا ... ولم أك في الغنى بطرا فخورا ولم أجزع وللأيام صرف ... يعود عسيرها سهلا يسيرا ولم أفرح لأن لها انقلابا ... يعيد (٧٣) يسيرها صعبا عسيرا

стр. 544

وإني، وإن توالى فجعها، ... لجلدا ..... صبورا (٧٤) ولا أنا وان نابت نائبة خضوعا ... ولا متضعفا جزعا ضجورا (٧٥) وإن أودعت سرا كنت حرزا ... ولم أخبر بذاك أخا وزيرا إذا كان الفتى عنّي غنيا ... فلست إليه محتاجا فقيرا أواصله، إذا يبغى وصالي (٧٦) ... وأمنحه-إذا قطع-الدبورا وليس من الجميل يرى كبير ... يتابع مدبرا حدثا صغيرا أرى الدنيا تغيرها الليالي ... وأياما مؤلفة شهورا أرى يوما يجيء بكل خير ... ويوما بالحوادث مستطيرا كذا أحوال دهرك: حال أمن (٧٧) ... وحال تجزع البطل الجسورا وكم ملك عظيم ذي اختيال ... أعد خزائنا وبنى قصورا وكان مداه ذا خطر عظيم ... فصار مؤجلا أجلا قصيرا ومن ذاك التملك والتعالي (٧٨) ... وسكنى قصره، سكن الحفيرا وأضجع في التراب بلا مهاد ... بضيق اللحد منجدلا عفيرا وكم من طالب للمال [يسعى] (٧٩) ... ويركب في مطالبه البحورا فصار يودّ لو أن كان أضحى ... على تفريق ما حوّى (٨٠) قديرا وعاد يود أن لو كان أمسى ... وليس بمالك (٨١) منه نقيرا وقد حبس اللسان فلا كلام ... وقد سمع الصياح المستطيرا فإما مؤمن يرجو خلاصا ... وإما كافر (٨٢) يصلى سعيرا

стр. 545

فويل للشقي إذا تردّى ... وصار إلى التي ساءت مصيرا إلى نار تلظيها شديد ... وتزفر في تغيظها زفيرا وطوبى للسعيد إذا حباه ... إله العرش في الفردوس حورا وطاب له جنان الخلد حالا: ... أحلّ له مع الذهب الحريرا (٨٣) وصار شرابه من سلسبيل ... وأنهار مفجرة خمورا أراني قد كبرت ور [ق] (٨٤) عظمي ... وصرت مخامرا (٨٥) ضرا ضريرا كأني بالبكاء عليّ فاش ... وقد حملوا بجثتي السريرا إلى دار البلى حملا سريعا ... وينصرفون عن قبري نفورا وخلوني بأعمالي، فروحي ... على الحالات تنتظر النشورا أجرني من عذابك واعف عنّي ... وكن لي منك يا أملي مجيرا فإني قد كبرت ورقّ (٨٦) عظمي ... لجأت إلى فنائك مستجيرا وإني لم أزل أرجو عفوّا (٨٧) ... لأنك لم تزل ربا غفورا

стр. 546

وفيها توفي (١) ١٦٢ - أبو عبد الله محمد بن زرزر (٢) الفقيه (*). كان عالما بمذاهب أهل الكوفة وبجميع الأقاويل (٣). وله مناقب جليلة، ومن ذلك: ذكر أنه حضر جنازة وحضرها «أبو المنهال» (٤).-وكان عظيم الجاه رفيع القدر- فسأله ابن زرزر عن مسألة فأخطأ، ثم ثانية فأخطأ، فقام ابن زرزر قائما على قدميه ثم كبر وصلّى عليه كما يصلّى على الميت، وقال له: «أنت أولى أن يصلّى عليك من هذا الذي حضرنا جنازته». وفعل مثل ذلك بسليمان بن عمران القاضي. وذلك أن ابن زرزر كان يستخف بسليمان لقصر فهمه في العلم، فلما تغير عقل ابن زرزر وجد سليمان سبيلا فحجر (٥) عليه، ثم بعث إليه يوما يخيّره في تزويج امرأة أو شراء جارية وفي غير ذلك من شراء وبيع وغيره. فقال ابن زرزر للرسول: «يكون تجوابي (٦) له مشافهة»، فأتاه فقال له:

стр. 547

«أقول لك: إن كنت حربتني (٧) وأنا عندك سفيه غير رشيد فقد أخطأت إذ خيرتني، وإن كنت عندك رشيدا غير سفيه فقد أخطأت في حجرك عليّ»، ثم كبر عليه أربع تكبيرات كما يكبر على الميت وانصرف. فأطرق سليمان ولم يتكلم. وكان (٨) ابن زرزر حافظا للغريب بصيرا بالعربية [راوية للأشعار يحسن الصنعة لها جيد القول فيها] (٩). وشعره كثير جدا، وأكثره في توحيد الله والرد على الزنادقة والملحدين والكذابين (١٠)، فمن قوله (١١): تهتك الستر عن ذي البغي (١٢) والفند (١٣) ... وحصحص الحق بعد الغيّ (١٤) واللدد وأيقن المشرك الداعي له ولدا ... بأنه (١٥) الله لم يولد ولم يلد لا موت يدركه، لا شيء يشبهه ... يبلي الاباد (١٦) ولا يبلى على الأبد ويح ابن آدم من عاص يخالفه (١٧) ... ومن مصرّ على الآثام معتقد (١٨) وفي الخلود نعيم غير منصرم ... باق بقدرته، باق بلا أمد (١٩) قال أبو العباس محمد بن الوليد: «تسمعت إلى ابن زرزر يوما وهو يقرأ حتى انتهى إلى قوله : (دَعْااهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ) (٢٠)، فقال: دعواهم كلامهم الذي يقولون ويولعون به (٢١)، وهجير الرجل الكلمة التي يولع بها ويرددها.

стр. 548

وكان هجير عمر بن عبد العزيز (٢٢): صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه، قال للباطل: ابعد ثم ذكر هجير الفقهاء (٢٣)، قال: وكان هجير أبي حنيفة (٢٤): كفى حزنا ألا حياة هنية (٢٥) ... ولا عمل يرضى به الله صالح وفيها توفي (١) ١٦٣ - أبو هارون الأندلسي (*) المتعبد، بالمدينة الشريفة حرسها الله تعالى، ودفن حذاء (٢) «مسجد فاطمة» (٣) رضي الله تعالى عنها، في «البقيع» جوار الحسن بن علي؛ رضي الله تعالى عنهما. كان صالحا فاضلا مجتهدا في الدعاء والعبادة. تخلّى عن الدنيا وباين أهلها واشتغل بعبادة ربه ، والانقطاع إليه والاستئناس به والاستيحاش من خلقه، مفتقرا إليه متوكلا عليه. وذكر (٤) عنه أنه ما اغتسل من جنابة قط: كان حصورا لا يأتي النساء.

стр. 549

وذكر عنه أنه قيل له في علته التي مات فيها: «لو تعالجت؟ » فرفع رأسه إلى السماء وقال: «إلهي وسيدي، قد أعطيتك من نفسي عهدا أني لا أخالفك أبدا»، ثم حول وجهه إلى الحائط وقال: «آه، وا شوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا وإذا رضي شفى». [قال أبو عقال] (٥): «فلما احتضر وضع رأسه في حجري ودموعه تنحدر وشفتاه تتحركان (٦)، فنظر إليّ وأنا أبكي فقال لي: «يا أبا عقال، لم تمر أعمال القوم باطلا. نزل (٧) كل واحد على ما عمل»، ثم فاضت نفسه». وكان يسأل الله أن يجعل قبره بالبقيع. قال عمران بن حفصون: كنت في حلقة حماس بن مروان القاضي (٨) حتى دخل عليه رجل عليه مرقّعة صوف، فقام إليه وأجلسه موضعه وحوّل وجهه إليه. ثم جلس معه ساعة وخرج، فقام حماس معه فقال له: «يا سيدي لا تفعل» فقال: «هذا فرض عليّ».فقال له الطلبة وابنه (٩) سالم: «يا سيدنا، من أين هذا الرجل؟ » فقال لهم: «هذا أبو هارون الأندلسي، وهو مجاب الدعوة، وهو من الأبدال ترجى بركة دعائه. يا بني الحقه وخذ بحظك منه». فلحقه سالم فدفع إليه خمسة دنانير ودراعة وجبة صوف ومنديلا وسراويل (١٠). ثم أعلم أباه بذلك، فلما كان من الغد دخل إليه فقال له: «يا سيدي، رأيته كما كان أول مرة في مرقّعته الصوف وفي العباءة التي كان فيها»، فقال له حماس: «يا بني، ذاك من الأبدال يتأسى «بأهل الصّفة»، لا تبيت معه بيضاء ولا حمراء (١١) ولا

стр. 550

[يتلبس] (١٢) بشيء من الدنيا إلا ما يسد جوعة أو يستر عورة، نفعك الله يا بني بذلك، فلقد نفعني الله بصالح دعائه». قال أبو عقال بن غلبون (١٣): «رأيت أبا هارون راقدا (١٤) طول الليل وأنا أصلّي الليل كله، فوسوس لي في قلبي فقلت: «أنا أصلي الليل كله وهذا رجل راقد! من أين هو أفضل مني؟ »، ثم غفت (١٥) عيني فرقدت، فإذا أنا برجل مبيض واقف على رأسي فقال: «اقرأ يا ابن غلبون (١٣): فقلت: «وما أقرأ؟ » فقال: «اقرأ (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ. سَااءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (١٦) فانتبهت. ثم قام أبو هارون فقلت: «سيدي أبا هارون، أتعلقت من الدنيا بذنب أو معصية؟ » فقال: «والله يا أبا عقال ما حللت ثوبي على معصية قط، ولا أكلت مال يتيم، ولا شهدت بغير الحق. فأسأل الله يا أبا عقال أن يعفو عنا وعنك، وأن يدخلنا الجنة برحمته»، فأخبرته بالرؤيا فبكى وقال لي: «يا ابن غلبون، كل في رحمة الله (١٧)، وهذه من أكبر النعم قبلي». حدث أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي (١٨) يحيى المتعبد القرشي الصقلّي، قال: «سمعت أبا الحسن عليّ بن محمد الفقيه بحضرة جماعة من أصحابنا، وقد ذكر أخبار الصالحين وفراساتهم، فقال: «حكى المغربي حيان (١٩) المتعبد بالمنستير حكاية، وهو

стр. 551

في جماعة من بلدان شتى، قال: حدثني أبو بكر بن سعدون (٢٠)، رحمة الله عليه- وكان من أهل الزهد والعبادة والرواية-قال: حججت وأدركت بمكة أبا هارون الأندلسي وأبا عقال بن غلبون، رحمهما الله تعالى، وكنت أجلس إلى حلقتهما. فلما قضينا الحج جلست إليهما على سبيل العادة، وقد أخذ الناس في أهبة الرحيل، فقال لي أبو هارون (٢١) الأندلسي: «يا أبا بكر، أنت مقيم أو راجع إلى المغرب؟ » فقلت له: «بل مقيم» فقال لي: «ألك بالمغرب أحد؟ » فقلت له: «بلى، لي والدة» فقال لي: «وكيف ينبغي لك أن تتخلف عنها، ولعلها متشوقة إليك؟ » قال، فقلت له: «لي عذر يوجب إقامتي» فقال: «وما هو؟ » فقلت: «قلة النفقة».قال: فمد أبو هارون يده إلى خرقة مصرورة فدفعها إليّ وقال لي: «أنفق منها حتى تصل إن شاء الله تعالى»، قال: فنهضت وخرجت مع الناس راجعا إلى المغرب، فما كنت أصل إلى مرحلة فأحتاج فيها إلى شيء إلا وجدته في تلك الصرة، حتى وصلت إلى المغرب». قال الشيخ أبو الحسن (٢٢): وكان في آخر مجلس المغربي شيخان من أهل القيروان، فكأنهما أنكرا على الشيخ حكايته، فارتفعت الأصوات بالنكير عليهما، فسمع الشيخ جلبة الناس، فرد وجهه إليهم فقال: «ما لكم قد أكثرتم الكلام؟ » فقال الناس: «أصلحك الله، إن هذين الشيخين قد أنكرا حكايتك هذه التي حكيت»، فتغير وجه الشيخ واحمر وقال: «الله يعلم أني ما قلت إلا ما أخبرني به أبو بكر (٢٣) وما كذبت عليه، ولكن ما أرى هذين الشيخين يموتان (٢٤) على الإسلام».

стр. 552

قال أبو الحسن: فوصل الشيخان (٢٥) إلى القيروان فتشرق (٢٦) أحدهما وتمعزل (٢٧) الآخر. وكان يحضره (٢٨) الشيخ أبو عليّ بن خلدون (٢٩)، فقال للشيخ أبي الحسن (٣٠): «من الشيخان؟ » فقال: «فلان وفلان» قال: فعرفهم الشيخ ابن خلدون وجماعة ممن حضر من أهل العلم. قال أبو عقال بن غلبون: قال أبو هارون الأندلسي: «يا أبا عقال، نصحبك صحبة موسى ﵇ للخضر: لا تسألني عن شيء ولا اسألك عن شيء»، فعملت-أنا وهو-في الإجارة (٣١)، فاشترينا رأسا وخبزا، فلما أن وضعناه بين أيدينا لنفطر عليه وقف به سائل، فدفعه إليه وبقينا بلا شيء. ثم عملنا اليوم الثاني ففعل كما فعل في اليوم الأول، ثم فعل في اليوم الثالث كذلك، وبقينا بلا شيء. فلما أن صلينا في المسجد الحرام المغرب وخرجنا إلى بيت نسكنه قلت له: «يا أبا هارون، أصابني الجوع» فتبسم وقال: «يا أبا عقال، الذي أجاعك أليس يعلم أنك جائع؟ تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ إنما تنال الآخرة بالصبر، ليس تخسر معه شيئا (٣٢). إنه لا يضيع أجر المحسنين».قال: فلم يتم الكلام حتى ضرب الباب، فقال لي: «قم اخرج فخذ هذا الذي جاءك»، فقمت فإذا بمائدة مغطاة على رأس خادم عليها أطعمة من الحلوى والأشوية، فقال الغلام: «سيدي يقرأ عليكما السلام ويقول لكما: اقبلا هذا الطعام»، فدخل بالمائدة فوضعها. قال أبو هارون: «يا ابن غلبون،

стр. 553

مثل هذا الكريم يعامل ويتاجر [معه] (٣٣). أيهما (٣٤) أكثر: أهذا أم الذي أعطيت؟ والذي يعطيك غدا أكثر من هذا. اخرج إلى محمد بن أحمد السّدري (٣٥) وإلى محمد بن الكاتب (٣٦) وإلى إخواننا كلهم فادعهم يأكلوا (٣٧) معنا. ليس لنا منه إلا شبعة، وشبعة نشبعها غدا في دار الخلود إن شاء الله تعالى»، فأقبلوا (٣٨) فأكلوا منه ولم يبق منه شيئا. قال أبو بكر بن سعدون: فكنّا في المسجد الحرام جلوسا مع أبي هارون وأبي عقال ومحمد بن أحمد السدري وقوم صالحين، حتى قدم رجل خراساني فسأل عن أبي هارون فقيل له: «ها هو ذا» فدفع إليه خريطة فيها دراهم فقبضها منه وفرغها في ركوته، وأقبل يعطي كل من مر به، ثم أعطى منها قبضة دراهم لمحمد بن أحمد السدري ثم قال له: «ايتنا بأطيب طعام في السوق» فجاء بشواء وحلوى ورقاق وخبز حوّاري (٣٩) وفاكهة ثم وضعها بين أيدينا (٤٠)، والخراساني جالس ينظر، فقال أبو هارون: «كلوا هذه فهي من الله أتتنا، يجازي الله صاحبها بالجنة لأنه قارضه». ونظرت إلى أبي عقال وبيده عنقود عنب وهو يقول لهم: (وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) (٤١). جعلنا الله يا أبا هارون نجتمع في هذه الدار كما جمعنا حول هذا البيت العتيق».ثم قال الخراساني: إنه لم يبق في الركوة (٤٢) من الدراهم شيء (٤٣)، إنما أعطيتها لك»، فقال له أبو هارون: «أعطيتها لمن يجازيك عليها ويكافئك بها

стр. 554

ولا يضيع أجرك» ففرح الخراساني بهذا الكلام. حدث أبو بكر المؤدب الصقلي (٤٤)، قال: كان أبو هارون قد سكن مدة «قصر لمطة»، وكان أبي يصحبه وكنت أنا مع أبي سكانا (٤٥) في «قصر لمطة» (٤٦). قال: فقال لي (٤٧) مرارا كثيرة: «يا أبا بكر، اشتهيت «حوت قلّقط» (٤٨) يعمل (٤٩) في المنستير، فاشتره واعمله لي»، فكنت ألوذ وأعتذر لصعب (٥٠) المشي عليّ. إلى أن دعاني يوما ودفع إليّ قطاعا (٥١) -أراه قال نحو قيراطين-وقال لي: «قم الساعة إلى المنستير اشتر الحوت الذي قلت لك عنه»، فلم يمكني مخالفته. فمضيت إلى المنستير، فلما مشيت نصف الطريق أو أكثر إذا برجل على كتفه مشنة (٥٢) فيها حوتان من قلّقط، فقلت في نفسي: «لعلي أشتريهما منه ويقرب عنائي».فلما التقينا سلمت عليه وقلت له: «تبيع مني هذين الحوتين؟ » فقال: «لا»، قلت: «أنا أعطيك فيهما ثمنا كبيرا» فقال: «لو أعطيتني فيهما دينارا ما بعتهما منك، لأنهما معي رسالة»، فقلت له: «إلى من؟ » قال: «إلى أبي هارون الأندلسي في [قصر] (٥٣) لمطة» فقلت: «فأنا والله أرسلني أبو هارون إلى المنستير أشتري له حوت قلّقط اشتهاه».قال: فقال لي: «إذا كان هكذا فوصّلهم (٥٤) أنت إليه وأرجع أنا من ها هنا».قال: «فدفع إليّ المشنة ورجع

стр. 555

الرجل إلى المنستير، ورجعت أنا إلى أبي هارون. فلما وصلت إليه سمع الشيخ أبو هارون كلامي فقال: «ما أعادك؟ أما مضيت؟ » فقلت: «بلى، أصلحك الله، قرب الله عنائي: كان من الأمر كذا وكذا، وذكرت له القصة؛ فعجب رحمه الله تعالى وقال لي: «اعملهما»، فتشمرت وغسلتهما وجعلتهما في طاجن (٥٥) وأدخلتهما الفرن واشتغلت في عملهما إلى نصف النهار. وكانت أيام صيف، وكان الفرن خارج «القصر» فلما أخرجوا الخبز أخرجته فرأيته جاء غاية من الغايات. فأخذته على يدي ودخلت به القصر، فإذا في السقيفة جماعة رجال ونساء من المسافرين دخلوا يقيلون من شدة الحر، فلما دخلت فاحت إليهم رائحته، فصاح بي رجل منهم، فرجعت إليه فقال لي: «يا أخي، هذه المرأة حامل-وأشار بيده إلى امرأة منهم-وقد شمت رائحة هذا الطاجن الذي معك، ويخشى أن تطرح (٥٦). إن رأيت أن تنفضل وتعطيها منها شيئا؟ » قال: فأنزلته عن يدي، وقطعت منه قطعة وغطيته، ومضيت به إلى الشيخ، فلما كشفته بين يديه أعجبه وسر به ثم قال لي: «أرى أثر شيء نزع منه» فأخبرته خبر الحامل/فقال لي: «أعطيتها منه؟ » فقلت له: «نعم» فقال: «الحمد لله، سررتني والله»، ثم قال: «يا أخي، اقض (٥٧) حاجتي وأدخل على قلبي مسرة، واحمله إلى جماعتهم يأكلوه» فقلت له: «لا تفعل، أصلحك [الله] (٥٨). أنا متعوب (٥٩) فيه من غدوة (٦٠) إلى الساعة، ولك مدة تشتهيه، والحامل قد أكلت شهوتها».فقال لي: «لعلهم كلهم قد اشتهوه كما اشتهت الحامل. لا والله ما يطيب لي أكله، هم أولى به ومعهم النساء والأطفال. احمله إليهم» قال: فحملته والله على كره مني، وأتيتهم به وقلت لهم: «قال لكم الشيخ: اجتمعوا وكلوا هذا» ففرحوا به فرحا شديدا، واجتمعوا كلهم وأكلوه، وحملت الطاجن فارغا، فأخبرته بفرحهم وأكلهم إياه

стр. 556

بجماعتهم، فسر بذلك سرورا عظيما ثم قال لي: «أبوك رأيته اليوم؟ » فقلت له: «لا والله، أنا من غدوة مشغول معك، ما رأيت أبي ولا غيره»، قال: «وكذلك أنا ما رأيته من غدوة».قال: فمضيت إلى أبي فوجدته قد تشمر وهو يعمل كنافة عجيبة (٦١). فأخبرته بما جرى لي مع الشيخ في الطاجن، فقال: «نعم ما عمل الشيخ» قال: «وأنا قد عملت له هذه الكنافة» قال: فأخذ في عملها وأفرغ عليها الزبد والعسل الكثير في مثرد كبير وغطاها وقال لي: «خذها على يدك»، وأغلق بيته وجئنا إلى الشيخ أبي هارون، فقال: «ما هذا؟ » فقال له أبي: «كان عندي-أصلحك الله-شيء من سميد وعسل وزبد، فقالت لي نفسي: «اعمل كنافة للشيخ أبي هارون تأكلوها معه»، قال: فكشفها فأعجبت الشيخ، وقال: «يا أبا بكر، آثرنا بالطاجن أولئك المساكين والنساء والأطفال، فعوضنا الله ما هو خير منه». وقال أبو عقال (٦٢): خرجت أنا وأبو هارون يوما ومعنا عشرة (٦٣) مثاقيل نفقة كنا استعددنا بها (٦٤) للسفر، وكانت مصرورة معي، إلى أن عرض لنا سائل [وقال لنا] (٦٥): «واسونا مما رزقكم الله، يرحمكم الله ويعظم أجوركم! » فقال لي: «يا ابن غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك»، قال: فوقفت عن إعطائها وشححت بها، وخفت أن ألتجئ إليها. ثم قال لي: «يا ابن غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك [وتوكل] (٦٥) على الله ﵎» فأعطيته إياها. ومشينا قليلا وإذا بفارس خلفي مبيض بأشد ما يكون من الجري، فأعطاني صرة وقال: «خذ، يا أبا عقال (٦٦)»، ثم مضى الفارس حتى غاب في الطريق. ثم مشيت حتى لحقت أبا هارون، وهو يومئذ على المقدمة، فعطف عليّ قبل أن أكلمه وقال لي: «يا ابن غلبون، أعطيت عشرة فأخذت مائة، مثل هذا العزيز الكريم يتاجر معه؟ أما سمعته

стр. 557

يقول: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (٦٧)؟ يا بخيل، خذ رأس مالك وتصدّق بالباقي فإن مثل هذا الكريم يتاجر [معه] (٦٨)». قال أبو بكر الصقلّي، وكان من رجال يحيى بن عمر: «كنت أخدم أبا هارون الأندلسي، وكان أبي كثير الصحبة له. قال: فجئت معه يوما إلى حانوت حجام عند «المسجد الجامع بسوسة» ليأخذ له من شعره، فوجدنا الحجام يحلق رأس رجل، فسلمنا وجلسنا ننتظر فراغه حتى أتى رجل من أهل الدنيا، فسلم وجلس، فرد عليه الحجام، وقال له: «ارتفع يا سيدي»، وأعظمه. قال: فلما قام الرجل الذي بين يديه قال للرجل الدنيائي (٦٩): «اعزم يا سيدي» وصبّ على رأسه، ولم يلتفت إلى أبي هارون».قال أبو بكر: «فغضبت من فعل الحجام، إذ لم يعط الشيخ حقه ولا سيما أنه سبق، فقلت للشيخ بيني وبينه: «قم بنا إلى غيره»، فقال لي: «لا» فقلت له: «ألا تراه قدم عليك رجلا من أهل الدنيا، وأنت سبقت، ولم يعرف قدرك؟ » فأشار إليّ أن أسكت فسكت ولم أقدر أخالفه. فلما فرغ من الرجل بلّ الشيخ رأسه وجلس بين يديه، وحلق رأسه. قال: وحلقت رأسي بعده، فلما فرغنا أخرج الشيخ أبو هارون من جيبه خرقة حلّها وأخرج منها دينارين ودفعهما إلى الحجام وخرج، فبقي الحجام باهتا ينظر إليه. فلما خرجنا قلت للشيخ: «لم فعلت هذا، أصلحك الله؟ هذا رجل لم يعرف قدرك، وقدم عليك من سبقته أنت دوننا ككلّ (٧٠) من له دنيا، وحقرك، فأعطيته دينارين ليس معك غيرهما» فقال لي: «إنما أردت أن أقيم جاه الفقر والفقراء عنده حتى لا يعود أبدا يقدم دنيائيا على فقير ولا يرى فقيرا (٧١) إلا نظر إليه بعين الجلالة».قال أبو بكر: «فمشينا قليلا، فلما جاوزنا الجامع لقينا قوما عليهم أثر السفر، فسلّموا على الشيخ أبي هارون وقبلوا رأسه وبجلوه، ودفعوا له صرة وقالوا له: «فلان يقرأ عليك السلام ووجه إليك بهذه الصرة» فأخذها منهم، فمشينا قليلا ففتحها فعد فيها عشرة دنانير فقال لي: «يا أبا بكر، أقمنا جاه الفقراء

стр. 558

بدينارين فعوضنا الله عشرة». وحدث أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه، قال: «كنت بجامع سوسة وأبو هارون الأندلسي جالس، فأتاه رجل ضعيف العقل من فقراء أهل سوسة فقال له: «أطعمني الخبز والعسل» فقال: «نعم، إذا كان العصر تأتيني» وكان ذلك غدوة. قال أبو ميسرة: «فكنت عنده وقت العصر جالسا حتى أتاه قوم من أهل القيروان، فدفعوا له صرة وقالوا: «يا أبا هارون، هذا سهمك من أزوادنا» فأخذها منهم، فبعد أن انصرفوا أتاه الضعيف للوعد، فحلّ الصرة وقال لرجل كان جالسا (٧٢): «خذ هذا القيراط اشتر له به خبزا وعسلا».قال أبو ميسرة: «فقلت له: بيّن لي قولك للرجل: «تأتيني العصر» وأنت ليس معك شيء من الدنيا» فقال: «يا أبا ميسرة كأني أظن بالله أن يتركني يوما كاملا بلا رزق؟ لا والله ما نظن هذا بالله ».

стр. 559

وفيها توفي: ١٦٤ - أبو عقال (*) بن غلبون (١)، [﵁] (٢) توفي وهو ساجد خلف المقام [ودفن بمكة] (٢). خرج من القيروان فأوطن الحرم وسكنه حتى مات به، ورفض الدنيا وتركها، ولزم السهر وسرد الصيام، وباين أبناء جنسه، وتشرد عن الوطن وفارق السكن [وقال في الزهد فأحسن] (٢). /وكان قد جرّ (٣) أذياله في الصبا، وأطال من عنانه في الهوى، منهمكا في البطالة، صاحب لهو وصبوة مع مروءة وفتوة. إلى أن تناهت حدود القضاء فشمر وارعوى، وآثر ما يبقى على ما يفنى، فبكى وناح على ما سلف من أيامه، وقارف (٤) من آثامه، صائما نهاره، قائما ليله، حتى كان يضرب به المثل في عبادته. وأما سبب توبته ورجوعه إلى عبادة ربه، وما جرى له في ذلك من الأخبار والمجالس: فذكر سليمان بن محمد، قال: «أخبرني محمد بن الكاتب، قال: كنا نشرب

стр. 560

عند أبي عقال بن غلبون في داره، [قال] (٥) فلما كان بعد العصر خرج عنا من المجلس، وقد طبنا، فقال لغلامه: «امض فاشتر لي جبة من صوف وعباءة وكساء ومئزرا (٦) من صوف»، فحسب [الغلام] (٥) أنه إنما يريد أن يكسوها لأحد. فأتى بها إليه فنزع ثيابه تلك الناعمة النظاف ودخل إلى والدته فقالت له: «ما هذا يا أبا عقال؟ أخولطت في عقلك يا بني؟ » فقال لها: «يا أماه، والله لا عصيته بعد هذا اليوم أبدا، إلا أن يقدر علي»، وانصرف كل واحد منا (٧). فهكذا كانت توبته، رحمه الله تعالى. فباع ما كان له من دار (٨) وعقار وتصدق به. وخرج إلى مكة، حرسها الله تعالى، في خيشتين (٩)، [قال] (١٠): «ائتزرت بواحدة وارتديت بالأخرى (١١) وفي يدي ركوة، حتى أتيت إلى بعض محارس سفاقس، فرأيت أبا هارون الأندلسي هناك، فقال لي بعد ثلاث: «ما لك يا بني تكثر الانتحاب والبكاء في ليلك ونهارك، بخلاف الشباب والفتيان حتى كأنك قريب عهد بمعصية (١٢)؟ » قال: فقلت له: «ذنوبي قد عظمت وجلّت» (١٣). فقال لي: «فإنها صغيرة حقيرة في جنب عفو الله تعالى وكرمه وصفحه، فما اسمك (١٤) يا بني؟ » فقلت له: «اسمي أدب، وكنيتي أبو عقال» فقال لي: «أبشر بكل ما يسرك إن شاء الله تعالى، فقد (١٥) أتاني آت [من الله] (١٦) في منامي فقال لي: «يصحبك شاب إلى مكة اسمه «أدب» وكنيته «أبو عقال»، وقد تاب الله تعالى عليه في أم الكتاب، فارفق به في صحبته معك».

стр. 561

قال أبو عقال: «فكنت معه حتى أتانا الخبر بأن رفقة الحاج خرجت من القيروان فوافيناها بقابس، فلما كان في الساعة التي نزلنا بها في طرف مناخ الرفقة (١٧) -وقد هلكت جوعا-قال (١٨) [لي] (١٩): «يا بني، خذ هذه الستة دراهم فاشتر بها (٢٠) ما نأكلوا (٢١) فو الله ما أملك غيرها».قال أبو عقال: فلما أخذتها واستقرت في يدي إذا بسائل قد وقف إليه، فقال له: «عسى يحضرك شيء لله »، فقال لي: «ادفع إليه تلك الستة دراهم».قال: فأمسكت يدي وقلت في نفسي: «نحن البارحة لم (٢٢) نطعم، وأنا لا أرى أين أضع قدمي من الجوع»، فأمسكت يدي عن الستة دراهم، فانتهرني وقال: «ادفعها [إليه] (٢٣) كما أمرتك» قال: فدفعت إليه خمسة دراهم وأمسكت درهما دون علمه. قال: «فو الله ما مشى السائل قليلا ولا توارى حتى سمعنا صائحا يصيح (٢٤) باسم أبي هارون واسمي فقلت له: «ألا تسمع هذا الذي يصوت بنا؟ » فقال [لي] (٢٣): «الساعة ينتهي إليك»، والرجل يكثر الصياح باسمينا (٢٥) ويسأل أهل الرفقة في المناخ عنّا، فقلت له: «أقول لبيك وأجيبه؟ » فقال لي: «لا تكن (٢٦) عجولا»، حتى وقف الصائح بنا وسلم علينا وقال: «هذه خمسون دينارا مثاقيل بعث بها (٢٧) إليكما فلان

стр. 562

وفتح بها عليكما»، فنظر إليّ أبو هارون نظرة منكرة وقال: «يا ورنيدة (٢٨) لم (٢٩) تدفع إلى السائل الستة دراهم كاملة؟ أما إنك لو دفعتها إليه كاملة لجاءتك ستون دينارا موفرة».قال: ففرقناها على من كان في الرفقة [معنا] (٣٠) من الضعفاء والمساكين ولم نخرج (٣١) من قابس ومعنا منها إلا التافه اليسير. فكنت معه تحت رفق الله وتحت ستره حتى وصلنا [إلى] (٣٠) مكة». قال أبو بكر بن سعدون: رأيت أبا عقال على جبل (٣٢) الرحمة يوم عرفة جاثيا بين يدي الله على ركبتيه، باسطا ذراعيه، شاخصا ببصره ودموعه سكبا. فقلت له: «يا أبا عقال، إنه يوم عظيم، ألا تدعو؟ » فقال لي: «يا ابن سعدون، هو يعرف (٣٣) حاجتي وفي أي شيء جئت». وقال أبو ميسرة: سمعت أبا عقال [يقول] (٣٤): «لو سبقني أحد لجلست مع المبتلين (٣٥) الذين قد أيس (٣٦) لهم من البرء، وأمسكت في يدي جرسا كما يفعل المجذومون (٣٧) الذين قد ذهبت أعينهم وأيديهم وأرجلهم، فإن قال لي قائل: «وأنت أين بلاؤك؟ » قلت له: «أنا بلائي [في قلبي] (٣٨) لا يرجى له برء أبدا» (٣٩). قال أبو ميسرة أحمد بن نزار الفقيه: «وافيت أبا عقال (بمكة، فسلمت عليه

стр. 563

وقلت له: «يا أبا عقال) (٤٠)، أخبرني فأني نعتد بك ونثق بقولك (٤١). بلغني أنه يأتيك طعام لم تمسه الأيدي»، فضرب بيده على رمته (٤٢) وقال: «أنا أبو عقال الشاطر الداعر، سل عني الشطار والطنابريين (٤٣) والعوادين! لمثلي أنا يقال (٤٤) هذا لسوء حالي! بلى، إنه (٤٥) إذا اشتهينا شهوة-[يا أبا جعفر] (٤٦) -أتت (٤٧) إلينا من حيث لا نعلم: رأيت أنا وأبو هارون (٤٨) شواء وحلوى وجردقا (٤٩) حواريا فاشتهيناه جميعا، فقلت له: «يا أبا هارون، إنه لطعام طيب» ثم خرجت إلى «ذي طوى» فإذا بنسوة فصاحت بي (٥٠) خادم صفراء، وتباعد (٥١) النسوة، فقالت لي: «ارفع (٥٢) لنا هذا السطل من البئر يا أبا عقال» فنزلت فرفعت (٥٣) السطل، فقالت لي: خذ ذلك (٥٤) الطعام الذي في (هذا) (٥٥) المنديل» فإذا بشواء وحلوى وخبز حواري، ثم مضيت إلى أبي هارون فقال لي: «يا أبا عقال، يشهيك ويدلّلك (٥٦) (إنك) (٥٥) اشتهيت شهوة

стр. 564

أتتك. يا أبا عقال، لا تكن آمالك كلها إلا في الله فإنه يتم لك كل شيء».هذا يا أبا جعفر (٥٧) الذي [بلغك] (٥٨). قال أبو القاسم الجوهري: حدثنا أبو على الواسطي، قال: لقيت إسحاق المقرئ بطرسوس، قال (٥٩): «لقيت أبا عقال بمسجد الخيف من «منى» وعليه خيشتان، /مؤتزرا بواحدة ومرتديا بالأخرى (٦٠)، فقلت له: «حدثني بأشد شيء مر عليك في الحجاز»، وحوله جماعة يكتبون كلامه، فقال [لي] (٦١): «كان معي سبعون صاحب ركوة، فوقع القحط فماتوا وبقي ستة أثر الضرّ فيهم. وبقينا ليالي لم نطعم، فوقع في سرى أن آتي الركن فألتزمه فلعلّي أن أموت (٦٢) على ذلك. [قال] (٦١): فعانقته حبوا من الجوع. فطرأت على قلبي أبيات فرجعت إليّ نفسي، وهي (٦٣): عقدت عليك مكمنات خواطري ... عقد الرجاء فألزمتني (٦٤) حقوقا إن الزمان عدا عليّ فزادني ... علما بأنك سيدي تحقيقا ما نالني ضرّ (٦٥) بوجه مساءة ... إلا وجدت (٦٦) به إليك طريقا حسبي بأنك عالم بمصالحي ... إذ كنت مأمونا عليّ شفيقا فامض القضاء على الرضى منّي به ... إني رأيتك في البلاء رفيقا قال: فرجعت إليّ نفسي واستندت إلى «زمزم»، فما استويت جالسا حتى أتى

стр. 565

إليّ أسود على رأسه مكتل (٦٧) فيه خبز ولحم مشوي وصرة دارهم فقال لي: «أنت ابن غلبون؟ » فقلت له: «نعم» فوضعه بين يدي ومضى، فأوميت (٦٨) إلى أصحابي فكنت فيه كأحدهم». وذكر الفقيه أبو سعيد بن أخي هشام (٦٩)، قال: [حدثني رجل من أهل مصر قال] (٧٠): «دخلت جامع مصر فقلت: «اللهم أرني وليا من أوليائك». [قال] (٧٠) فإذا برجل (٧١) يركع عند المقصورة عليه عباءة». [قال] (٧٠): «فجلست بجواره فسمعته يقول وهو ساجد: «اللهم إني جائع فأطعمني»، ثم تمادى على الركوع. فإذا برجل قد أقبل، فنظر يمينا وشمالا، ثم قصد نحوه فجعل بجواره جردقا وخبيصا، فلحقته وسألته عن سبب ما أتى به فقال: «ذهبت زوجتي إلى الحمام، فاشتهت عليّ أن أعمل لها لحما مشويا في تنور، فجاز بي رجل من أصدقائي فاشتغلت معه حتى فات الوقت، وعمل جاري خبيصا (٧٢) فأخذت منه، وأخذت معه (٧٣) جردقا، وأتيت به إليها، فتغيرت عليّ وقالت: «أنت اشتغلت عني ولم تلق إلي (٧٤) بالا»، فحلفت أنها لا تأكله، وحلفت أنا أني لا آكله (٧٥)، فقالت: «امض به إلى الجامع فأطعمه للفقراء». [قال] (٧٠): فدخلت الجامع (٧٦)، فنظرت يمينا وشمالا على أن يقع بصري على فقير، فما وقع بصري إلا على هذا الذي يركع عند المقصورة، فلمّا وضعته بجواره وانصرفت [عنه] (٧٧)، رأيت الجامع مملوءا بالفقراء».قال: «فرجعت انظر إلى
следующие страницы →