ـ[رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم]ـ
المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي
حققه: بشير البكوش
راجعه: محمد العروسي المطوي
الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م
عدد الأجزاء: ٢
أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تصدير
صدرت الطبعة الأولى من «رياض النفوس» لأبي بكر المالكي (الجزء الأول) سنة ١٣٧٠ هـ /١٩٥١ م بعناية الدكتور حسين مؤنس. وظل النّاس-لا سيّما المعنيين بدراسة تاريخ إفريقية وحضارتها-يترقبون صدور الجزء الثاني منه. لأن كتاب «رياض النفوس» كما يقول محقق جزئه الأول-له أهمية قد لا تغني عنه فيها كتب التاريخ العام ف « .. بينما لا يقدم لنا ابن الأثير وابن خلدون وابن عذارى والنويري إلاّ تواريخ الأحداث السياسية لعصر ولاة بني أمية وأوائل العباسيين ودول الأغالبة والعبيديين وبني زيري، نجد صاحب الرياض يورد من الأقاصيص والأخبار عن الحياة العامة السياسية منها وغير السياسية ما يمكّننا من كشف النقاب عن بعض نواحي ذلك الظلام الدامس الذي يحيط بأحوال إفريقية في تلك العصور» (١).
أما المرحوم حسن حسني عبد الوهاب فقد بيّن أهمية كتاب «رياض النفوس» في تقديمه الجزء الأول من الكتاب بقوله: « .. وأخص ما يمكن أن يجتنيه الواقف على الرياض أمران مهمان نحن في حاجة أكيدة اليوم إلى الوقوف على تفاصيلهما:
الأول أخبار مقاومة أهل السنّة بالقيروان للدعوة الشيعية التي حاول عبيد الله المهدي وخلفاؤه من بعده فرضها جبرا على سكان البلاد. وهي أحداث خلت من ذكرها بالتفصيل المجاميع التاريخية الكبيرة.
الثاني أخبار المرابطة في المعاقل والحصون التي أنشأها عرب إفريقية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط اتقاء مهاجمة الرّوم للسواحل المغربية مع بيان حياة المرابطين في غضون القرنين الثاني والثالث للهجرة تلك الظاهرة العجيبة التي تفرّدت بها إفريقية -لما فرضه عليها موقعها الجغرافي-دون غيرها من بلاد الإسلام» (٢).
هذا بالإضافة إلى احتواء الكتاب على الكثير من النصوص ذات الصلة الوثقى بالحضارة والثقافة واللغة بعضها اندثر وبعضها ما يزال حيّا في اللهجة التونسية. وإذا
стр. 3
أضفنا إلى ذلك ما أصيبت به المكتبة العربية في إفريقية من نكبات خلال العصور مما جعلنا نعرف الكثير من أسماء كتب الطبقات والسير والمغازي والتاريخ العام والخاص دون أن يكون لها أثر في المشرق أو المغرب أو نقف على أعيانها، إذا أضفنا ذلك كلّه أدركنا مدى الأهمية التي يمكن أن يؤديها نشر كتاب «رياض النفوس» للمالكي بكامله.
والواقع أن الأنظار ظلّت متجهة إلى الدكتور حسين مؤنس تطلّعا إلى صدور الجزء الثاني من الكتاب. وكانت الأخبار تبلغنا من حين إلى حين أن الجزء الثاني من «رياض النفوس» على وشك الصدور حتى مضى أكثر من ربع قرن والكتاب لم يصدر. ولعلّ للدكتور حسين مؤنس المحترم ما يشفع له في ذلك. والغائب عذره معه كما يقولون. لكنّ ذلك لا يمنع السعي حتى يصدر الكتاب فعلا ويتناوله الناس ويستفيدون منه. ولهذا فما إن وجدت عند الابن الروحي «بشير البكوش» عزما على إصدار الجزء الثاني من «رياض النفوس» حتى شجعته على ذلك لما خبرته فيه من اطلاع واسع على «الافريقيات»، وهو اطلاع يصل الى مستوى التخصص، ومن دأب في العمل، وسعة المعرفة بالمصادر ذات العلاقة القريبة والبعيدة. وذلك ما سيجده بوضوح المطالع للكتاب لما أنجزه محققه من عمل جاد وجهد كبير. كما أن تناوله للجزء الأول بإعادة تحقيقه يكشف كذلك عمّا بذله من جهود في زيادة التحقيق، والشرح، وحتى الإصلاح للنص في كثير من الأحيان مما يجعل عمله يفوق بكثير مستوى المراجعة لعمل سابق.
شيء آخر لا بأس بالإشارة اليه هو أن تحقيق مثل «رياض النفوس» لا يحتاج فقط إلى المصادر القديمة والمعاجم اللغوية ولواحقها بل يحتاج كذلك إلى الممارسة ومعرفة بعض المفردات ذات المدلولات الخاصة قد لا توجد في المعاجم لكنها ما تزال باقية الاستعمال. وإن عدم اعتماد تلك الممارسة قد يوقع في الخطأ أو الاحتمال غير الوارد. ولعلّ من أبرز الأمثلة على ذلك بعض النماذج التي نذكرها تدليلا لا إحصاء:
١ - التاكما
وردت هذه الكلمة في الصفحة ٢٠٦ من الطبعة الأولى بتحقيق الدكتور حسين مؤنس وقد حوّلها المحقق إلى لفظة «التالمة» وعلّق عليها بقوله: « .. رسمها النسّاخ في الأصل خطأ: التاكما. وقد جاء في ملحق القواميس العربية لدوزي ما يلي: تالمة-
стр. 4
Espece de scorsonere(Daumas,V.A.٣٨٢),Salsifie Sauvage,Dozy.Supple- ment aux dictionnaires arabes ١,١٣٩.
أي إنه نوع من الحشائش البرية التي تؤكل» (٣).
والغريب أيضا أن المرحوم حسن حسني عبد الوهاب همّش على ذلك بكلمة «التالقة» مما قد يستنتج منه أن المرحوم أورد قراءة ثانية لتحريف النساخ. وكلا التأويلين بعيد عن الصواب ذلك أن القضية لا تتعلق بنوع من النبات أو البقول فقد جاء النص في «رياض النفوس» كما يلي: « .. كنت جالسا عند مالك فجاء قوم من البربر من أهل المغرب فسألوه فقالوا: ما تقول في التاكما فوصفوه له فلم نفهمه.
فقالوا لي-وكنت أحدث من في المجلس سنّا-قم: فقمت فربطوه عليّ كما يفعلون في بلادهم. فقال لهم مالك: لم تفعلون هذا؟ قالوا: نجمع فيه الحشيش من الزرع فتحضر الصلاة. فقال مالك: إذا كنتم إنما تفعلون هذا لمنافعكم.
فتحضركم الصلاة فتصلون به هكذا ما أرى به بأسا إن شاء الله» (٤) وهكذا يبدو أن الأمر يتعلق بشيء يربط ويوضع فيه الحشيش أو الزرع.
أما كلمة التاكما فهي من أصل بربري «تكمّست» وأن أهالي الجنوب التونسي ما تزال عندهم كلمة: التاكمية أو التوكامية ويعنون بها ما يربط بالاحرام أو الوزرة من صرة صغيرة تساعد على إثباته من ناحية وعلى استعمال قسم الأحرام أو الوزرة لحمل الحشيش أو غيره على الظهر.
٢ - القلقط
وفي ترجمة أبي هارون الأندلسي حدث أبو بكر المؤدب أن أبا هارون قال له مرارا كثيرة: إنه اشتهى «حوت قلّقط».ولكن الناشر السابق استند إلى رسم دوزي للكلمة بقاف أولى وفاء ثانية (قلفط). وقال « .. هكذا رسمها دوزي. وقد استشهد بهذه الفقرة بالذات من الرياض ولم يضف أي تفصيل من عنده .. » (٥) والصحيح هو ما ذكرناه وأنه (قلقط) بقاف أولى وقاف ثانية. وهو سمك معروف بهذا الاسم في
стр. 5
مواطن عديدة بالساحل التونسي مثل المنستير والمهدية. وما زال الاسم متداولا إلى اليوم (٦).
ودون إطالة لا يستوعبها هذا التقديم يمكن القول بأن القلقط نوع من البلميط (Bonite) والبونيت (عربيّه بينيث) يطلق على أسماك كثيرة من فصيلة الأسقمريات القريبة من التن (٧).
٣ - ينقه
وفي صفحة ١٦٣ في ترجمة عنبسة بن خارجة وردت هذه الجملة « .. وكان مقام أبي خارجة في حصن على البحر يقال له ينقة» في ناحية صفاقس في الغربي منها .. » ولكن الناشر السابق علّق لفظة ينقة بعد أن غيرها إلى «بقّة»: في الأصل من غير نقط هكذا بقه. وقد صححت هذا الاسم بناء على ما جاء في «المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب» عن الكلام عن ناحية المهدية: « .. وكان لها أرباض كثيرة آهلة عامرة أقربها إليها ربض زويلة فيه الأسواق والحمّامات. وربض الحمى كان مسكنا لأجناد إفريقية من العرب والبربر و «قصر أبي سعيد» و «بقة» ألخ (٨) ونفس نص الرياض يبعد أن يكون المقصود حصن بقة لأنه إذا كان من أرباض المهدية فلا يمكن أن يكون غربي صفاقس. وإنما يعني صاحب رياض النفوس حصن ينقة الذي يقع بعد المحرس في الجنوب الغربي من صفاقس. وهو حصن قديم من عهد الرومان يطلق على محله اليوم عند عامة الناس «سيدي عنبسة» لمدفن عنبسة بن خارجة هناك. ومن أمثال المنطقة السائرة إلى اليوم «زي مضرورة يونقة» مشروح بأسطورة قديمة.
إلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد التي سوف يلقاها القارئ بالمقارنة.
ومهما يكن فان الرغبة في المزيد من التثبت والاقتراب أكثر فأكثر من النص، والبعد عن التمحل والتأويل، يدعونا كلّ ذلك إلى التعاون على استخراج كنوز تراثنا على الصورة الأقرب إلى الكمال.
стр. 6
وكان هذا وذاك مما جعلني أشجع السيد بشير البكوش على مواصلة تحقيقه فواكبته منذ البداية. وأبديت ما أمكن لي من ملاحظات وقراءات حتى وصل الكتاب بنصّه إلى القارئ على صورة تثبت الجهد والبحث في العديد من المصادر والمراجع. ورغم كلّ ذلك فلا أدعي أنا ولا السيد البكوش نفسه أن الكتاب أصبح خاليا من كلّ مأخذ ومن حاجة إلى المزيد من التصحيح والشرح، بل ما تزال فيه بعض الملابسات وان كانت قليلة فهي موجودة، ملتمسين من ذوي الاختصاص والاطلاع مدّنا بكل ما يرونه من ملاحظات على هذا العمل الذي نشكر دار الغرب الاسلامي على عنايتها به وحدبها على نشره.
والمؤمل أن تتواصل جهود هذا الباحث العصامي حتى يزيد من الإسهام المثمر في بعث كنوز الحضارة العربية الاسلامية في هذه الربوع. والله ولي التوفيق.
محمد العروسي المطوي
تونس ١٩ ذي الحجة ١٤٠٢
٦ أكتوبر ١٩٨٢
стр. 7
تقديم
لمحة عن عناية أهل إفريقية
برواية أخبار بلدهم وتدوينها
اهتم أهل إفريقية من زمن مبكر بتدوين أخبار بلدهم وتسجيل أخبار رجالاته وتتّبع آثار الدول المتعاقبة عليه.
وحتى يتبين لنا موقع المالكي وكتابه، بين من سبقه أو عاصره أو جاء بعده، يجدر بنا أن نستعرض في عجالة نشأة وتطوّر فن التاريخ المتعلق بإفريقية وعاصمتها القيروان حتى عصر المالكي.
١ - عيسى بن محمد بن سليمان بن أبي المهاجر (ت: ٢٥٠ هـ)
هو حفيد فاتح افريقية المشهور: أبو المهاجر دينار، وأقدم من عرفنا من مؤرّخي افريقية. ويعتبر كتابه «فتوح افريقية» المصدر الأساسي لتاريخ الفتح العربي وهو معتمد المؤرخين في ذلك (١).
٢ - محمد بن سحنون (ت: ٢٥٦)
اشتهر ابن سحنون بالفقه والحديث. وكانت له مشاركة في سائر الفنون الأخرى وخاصة علم التاريخ والرجال.
وذكر ابن الجزار (٢) والقاضي عياض (٣) أن له في هذا الفن:
-كتاب طبقات العلماء. سبعة أجزاء.
-كتاب التاريخ. ستة أجزاء.
وقد أسند المالكي (٤) عن «كتاب الطبقات» وهو يعتبر أهم من نقل وأسند عنه.
стр. 8
٣ - أبو سهل فرات بن محمد العبدي (ت: ٢٩٢)
هو أحد كبار رواة الأخبار ونقلتها مع دراية بعلم الرجال ومعرفة بأحوال الأمم المتقدمة (٥). ويلمس من يتصفح مصادر التاريخ الافريقي-خاصة طبقات أبي العرب-غزارة المادة التاريخية المسندة عنه (٦) وتنوعها وأهميتها.
٤ - أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم (ت: ٣٣٣)
مؤرخ ومحدّث ينهج نهج المحدّثين في كتابة التاريخ والتراجم. له عدة كتب تتعلق بتاريخ افريقية وطبقات رجالها، أشهرها: (٧) -طبقات رجال إفريقية. ونرجّح أنه المصدر الأساسي لكل من كتب في تراجم رجال إفريقية.
-عبّاد افريقية: وهو خاص بطبقة الزهاد ومن اشتهر بالعبادة من أهلها.
-طبقات علماء افريقية: وهو من أهم النصوص الواصلة إلينا (٨) ويختص بمن عرف عنه رواية في حديث أو فقه. ويبدو أنه توفي قبل إتمامه فأكمله بعده تلميذه محمد بن حارث الخشني.
-مناقب سحنون بن سعيد.
-كتاب ثقات الرجال وضعافهم. ويسميه ابن حجر (٩): «كتاب الضعفاء».
-كتاب المحن: وهو يختص بمن دارت عليه محنة من العلماء والصالحين وقد عثر عليه أخيرا (١٠).
-مناقب بني تميم. وهم قومه.
-كتاب التاريخ ويبدو أنه سلك فيه أسلوب الحوليات، ونهج فيه نهج المؤرخين
стр. 9
المحدّثين (١١) مثل تاريخ خليفة بن خياط وتاريخ محمد بن جرير الطبري.
ونلاحظ أنا فصّلنا القول في مؤلفات أبي العرب التاريخية لكثرة نقول المؤرخين عنه.
٥ - أبو علي الحسين بن أبي سعيد عبد الرحمن بن عبيد البصري ويعرف بالوكيل
(كان حيّا سنة ٣٤٦)
كان أبوه من جلة المحدثين بالقيروان (١٢). وأخذ هو عن جلة علماء عصره كابن الوزان النحوي المشهور المتوفى سنة ٣٤٦ (١٣).
ويعتبر مؤلفه «الكتاب المعرب عن أخبار افريقية والمغرب» (١٤) من أهم المصادر التي تؤرّخ للحياة السياسية والأدبية والعلمية وجميع أوجه النشاط الفكري بافريقية.
وإنّا إذ نبدي أسفنا الشديد لضياع هذا الكتاب الجليل فإنه لا يخفف من لوعتنا إلا النتف اليسيرة-والهامة جدا-التي نجدها في طبقات اللغويين والنحويين (١٥) لأبي بكر الزبيدي المتوفى سنة ٣٧٩ وفي ترتيب المدارك (١٦) لعياض (ت ٥٤٤) ومثلها ما أورده ابن الأبار (ت ٦٥٨) في كتابيه: الحلة السيراء (١٧) وإعتاب الكتاب (١٨).
٦ - أبو عبد الله الحسين بن سعيد الخراط (كان حيا بعد ٣٥٠)
يفهم من نص للخشني أن أباه سعيد الخراط كان من فقهاء القيروان وكان جليسا لمحدث افريقية المعروف: مالك بن عيسى القفصي (ت ٣٠٥) وللخشني رواية عنه (١٩):
стр. 10
يعتبر المالكي هو المؤرّخ الوحيد الذي نقل مباشرة عن الخراط أخبارا تتصل بالفتح العربي كما نقل عنه أخبارا كثيرة تتصل بمناقب الصلحاء وأخبار العلماء (٢٠).
كما يفهم من نص نقله عنه المالكي يتعلّق بدخول أبي يزيد الخارجي القيروان واجتماع أهل القيروان للتداول في أمر الخروج معه ونصرته أنه حضر ذلك الاجتماع (٢١).
وبذلك أمكننا تحديد العصر الذي عاش فيه واعتباره من مؤرخي النصف الأول من القرن الرابع الهجري.
وللأسف لم نقف على اسم تأليفه هذا ولم يصرح به المالكي.
٧ - أبو عبد الله محمد بن حارث بن أسد الخشني (ت ٣٦١) .
يعتبر ابن حارث أشهر المؤرخين الذين وصلنا إنتاجهم التاريخي الخاص بافريقية وهو يمتاز بسعة أفقه (٢٢) وخروجه عن أسلوب المحدثين في كتابة التاريخ. ومن أهم كتبه في مجال الدراسات الافريقية:
-تاريخ الأفارقة-أو الافريقيين-الذي نقل عنه عياض في المدارك (٢٣).
-طبقات علماء افريقية-وهو تكلمة لطبقات أبي العرب وهو مطبوع مشهور.
-كتاب الاقتباس.
-كتاب التعريف (٢٤).
٨ - أبو جعفر احمد بن ابراهيم بن أبي خالد المعروف بابن الجزار. (ت: ٣٦٩)
كان طبيبا مشهورا بالطب مع إلمام بسائر المعارف والثقافات السائدة في عصره.
وكانت له مشاركة في علم التاريخ وله فيه تآليف جيدة (٢٥).
وتعتبر كتبه الثلاثة:
١ - مغازي إفريقية.
стр. 11
٢ - أخبار الدولة في تاريخ الدولة الفاطمية بالمغرب.
٣ - التعريف بصحيح التاريخ وضمنه جملة صالحة من أخبار علماء عصره.
مصدرا مهما لمن جاء بعده من المؤرخين، وخاصة كتابه الأخير (٢٦).
٩ - ابراهيم بن القاسم الرقيق الكاتب. كان حيا سنة ٤٢٥ .
هو أحد كتّاب الدولة الصنهاجية وشعرائها المجيدين، وأشهر مؤرّخي افريقية وعليه اعتمد من جاء بعده (٢٧).
وكتابه تاريخ افريقية والمغرب مشهور معروف، وللأسف لم تصلنا إلا قطعة يسيرة منه لم يؤكّد البحث العلمي الدقيق نسبتها إليه بعد (٢٨).
١٠ - أبو بكر عتيق بن خلف التجيبي (ت: ٤٢٢)
واذا ذكرنا التجيبي فإننا نذكر مؤرّخا كبيرا من مؤرّخي القيروان وافريقية المعتمدين لدى من جاء بعده من المؤرخين. أشهر مؤلفاته (٢٩):
١ - كتاب الطبقات.
٢ - كتاب «الافتخار بمناقب شيوخ القيروان وما تعلق بهم من تاريخ فقهاء الأمصار» ابتدأ فيه من سنة ١٦١ وانتهى إلى سنة ٤٠٧.
وهذا الكتاب الأخير هو المشهور عند المؤرّخين ومنه عدة نقول في صلة السمط (٣٠) وتكلمة الصلة (٣١) والحلة السيراء (٣٢).
стр. 12
١١ - أبو عبد الله الحسين بن أبي العبّاس الأجدابي (ت: ٤٣٢) .
وصفه عياض (٣٣) بسعة الرواية وعده في أصحاب القابسي وابن أبي زيد. ونسب له رحلة إلى المشرق ورواية عن بعض أعلامه.
أسند عنه المالكي في الرياض (٣٤) مجموعة هامة من الأخبار مما يدل على عنايته بأخبار الصلحاء والعلماء بافريقية.
له تآليف تختص بتعداد مناقب مجموعة من كبار صلحاء وفقهاء القيروان:
١ - مناقب ربيع القطان.
٢ - مناقب أبي الفضل الممسي.
٣ - مناقب أبي اسحاق السبائي.
٤ - مناقب أبي مروان عبد الملك بن نصر.
وقد جاءت تراجم الأعلام الثلاثة الأول في كتاب الرياض (٣٥) من أوفى التراجم وأطولها وأثراها مما يبرز أثر تآليف الأجدابي في تلميذه المالكي.
١٢ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد اللبيدي (ت: ٤٤٠) .
يعتبر اللبيدي خاتمة علماء القيروان وفقهائها المحققين له تآليف في تأصيل الفقه المالكي وتفريعه. واشتهر بصحبة الصالحين والعبّاد (٣٦)، وخاصة الشيخ أبا اسحاق الجبنياني مما حمله على وضع كتاب في سيرته ومناقبه.
وهو كتاب جمع فيه مؤلفه أخبارا مهمة عن عبّاد افريقية من طبقة أبي اسحاق الجبنياني ومشايخه وتلاميذه، مع ما اتصل بذلك من أخبار بقية عبّاد افريقية وصلحائها (٣٧).
١٣ - أبو عبد الله محمد بن شرف القيرواني (ت: ٤٦٠) .
اشتهر ابن شرف كأديب وشاعر وناقد ازدان به بلاط المعزّ بن باديس فترة طويلة
стр. 13
من الزمن. وبعد خراب القيروان انتقل الى صقلية ومنها عبر إلى الأندلس، فتهافت عليه ملوك طوائفها، فاستقر بالمرية عند صاحبها المعتصم بن صمادح التجيبي إلى أن توفي (٣٨).
-له ذيل على تاريخ افريقية والمغرب للرقيق نقل عنه الدبّاغ في المعالم والتجاني في الرحلة (٣٩) وابن عذارى في البيان المغرب (٤٠).
وهنا ينتهى بنا المطاف إلى مؤلف الرياض.
١٤ - أبو بكر عبد الله بن أبي عبد الله محمد بن عبد الله المالكي:
قبل الحديث عن أبي بكر لا بدّ لنا من كلمة وجيزة عن والده أبي عبد الله محمد (٤١).
وخلاصة القول في شأنه انه فقيه ومحدث ومؤرّخ. أخذ عن علماء بلده واختص بصحبة أبي الحسن القابسي وخدمته الى حين وفاته سنة ٤٠٣ فرحل الى المشرق ولقي بمكة أبا ذر الهروي ورجع إلى بلده سنة ٤٠٨.
وكان يلقب بالشافعي فغيره شيخه القابسي ودعاه ب «المالكي» فعرف به واشتهر ونسي لقبه الأول.
أرّخ الدباغ وفاته سنة ٤٤٤ (٤٢) وعارضه ابن ناجي بالنقل عمن لم يسم من المؤرخين: انه توفي ليلة الجمعة ٢٨ شعبان سنة ٤٣٨ ثم دعمه بنقل ما جاء على نقيشة قبره. وهي توافق-حرفيا-نص الرواية التاريخية.
стр. 14
وبرز اهتمام أبي عبد الله بالتاريخ والتأليف من خلال تأليفه لكتابين في المناقب.
١ - مناقب أبي الحسن القابسي. نقل عنه الدباغ في ترجمة القابسي (٤٣).
٢ - مناقب محرز بن خلف المتوفى سنة ٤١٣.
ويجدر بنا هنا أن نلاحظ اقتفاء الابن أثر أبيه واتباعه لطريقه ومحاولته التوسّع والاستيعاب في هذا الاقتفاء.
وبعد هذا ننتقل للتعريف بابنه مؤلف الكتاب (٤٤).
المستخلص من أخباره انه ولد في العقد الأول من القرن الخامس الهجري. روى عن علماء عصره وخاصة أبا عبد الله الحسين بن أبي العبّاس الأجدابي وأخويه أبا محمد الحسن وأبا الحسن علي.
كما نصّ الدباغ أنه روى عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني المتوفى سنة ٤٣٥ وانه من خاصته وهو قارئ حلقته بين يديه. كما كانت له رواية عن أبي عبد الله محمد بن عباس الخواص الأنصاري المتوفى سنة ٤٢٨ (٤٥).
ويستفاد من نص جاء في ثنايا الرياض (٤٦) أنه أقام مدة في صقلية ودرس بها.
أمّا الآخذون عنه فقد وقفنا على شخصين أحدهما من جلّة علماء الاسلام في المغرب وهو الامام محمد بن علي المازري المحدّث والفقيه المشهور المتوفي سنة ٥٣٦،
стр. 15
فقد أسند المازري في إحدى فتاويه عن أبي بكر المالكي نصّا مهمّا-نجده بنصه في كتاب «الرياض» -وألحق اسم المالكي بعبارات الثناء عليه والاعتراف بفضله، وهذا نصّه: «وعن الشيخ أبي بكر المالكي-وقد شاهدنا من فضله ودينه وجلاله وعلمه بالأخبار ما يحصل الثقة في أنفسنا بما يحكيه» (٤٧).
أما الثاني-وهو صقلّي أيضا، لقيه بإفريقية وأخذ عنه-فهو أبو البهاء عبد الكريم بن عبد الله بن محمد المقرئ الصقلي المولود بصقلية سنة ٤٤٠ والمتوفى بالاسكندرية سنة ٥١٧ (٤٨).
أما عن وفاة المالكي، فان ابن ناجي (٤٩) يفيدنا أن أبا بكر المالكي كان من جملة العلماء الذين أقاموا بالقيروان بعد تخريبها من طرف الأعراب، وهذا يعني أنه توفي بعد سنة ٤٤٩.
والحقيقة أن لنا في رواية أبي البهاء عبد الكريم بن عبد الله المقرئ الصقلي عن أبي بكر المالكي ما يحملنا على القول بأنه توفي بعد سنة ٤٦٠ إذ يبعد أن يرحل عبد الكريم المذكور عن بلده قبل سن العشرين.
واذا أضفنا الى هذا ما جاء في تعليق المؤلف على فتح صقلية ودخولها للحضيرة الاسلامية بقيادة أسد بن الفرات وهو قوله (٥٠): «ثم شاء الله، بذنوب أهلها، أن أوقع بهم عدوهم، نسأل الله تعالى حلمه وأمانه وعافيته لمن بقي بها من المسلمين وارتداد الكرة لهم على عدوهم».
ندرك أن هذا الكلام قد كتبه المؤلف بعد زوال الحكم العربي الاسلامي عن صقلية واستيلاء النرمان على كامل الجزيرة وبقاء جالية كبيرة من المسلمين تحت حكمهم، يعني بعد سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) أو على الأقل بعد سقوط الجزء الأكبر والأهم منها سنة ٤٦٤ هـ (١٠٧٢ م) (٥١).
стр. 16
ولا يفوتنا أن نلاحظ أن شيخنا المرحوم ح. ح. عبد الوهاب (٥٢) قد أرّخ وفاة المالكي سنة ٤٧٤ وهو مقبول بناء على ما قدمنا ولكنه-﵀-لم يذكر مستنده، ولا نظنه إلاّ متأولا ما جاء في مطبوعة المعالم من تاريخ وفاة أبيه «أبي عبد الله محمد» سنة ٤٩٤.
ويبدو أن شيخنا-﵀-قد تأول أمرين:
١ - ان هذا التاريخ «سنة ٤٩٤» هو تاريخ وفاة الابن وليس تاريخ وفاة الأب.
٢ - ان هذا التاريخ تصحف فيه اللفظ من «سبعين» الى «تسعين».
ونلاحظ أننا قد رددنا هذا من أصله فيما تقدم بناء على ما توفّر لنا من مصادر ومعطيات جديدة (٥٣).
الكتاب
أجمعت المصادر أن اسمه هو «رياض النفوس» كما أنها أجمعت أن مؤلفه هو «أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي» وهو ما يدل عليه بوضوح تدخل المؤلف في عدة مواضع من كتابه وذلك كقوله (ص ٤٣): «قال مؤلف الكتاب أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي» وفي (ص ١١٧): «قال أبو بكر عبد الله المؤلف».وفي (ص ٢٠٠): «قال أبو بكر».وفي (ص ٢٩٨): «قال الشيخ أبو بكر عبد الله المالكي» وفي (ص ٧٦) و (ص ١٥١): «قال عبد الله».
ويبدو انه قد عدل عن هذه الطريقة في أواخر الجزء الأول وبقية الجزء الثاني وأصبح يرمز إلى اسمه بالحرف الأول منه «ع».
اننا على عكس من تقدمنا من الدارسين لا نجد في الكتاب أثرا ماديا لوالده، لهذا نجزم بأن الكتاب-في صورته الواصلة إلينا-هو من تأليف أبي بكر المالكي وحده مع القول بأنه استفاد من روايات والده وان لم ينصّ عليها.
أما تاريخ تأليف الكتاب فنعتبر أنفسنا قد فرغنا منه لما فصّلنا القول في تحديد عمر
стр. 17
المؤلف حيث أكّدنا أن تأليفه قد تم بعد استيلاء النرمان على كامل جزيرة صقلية سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) أو بعد الاستيلاء على الجزء الأكبر والأهمّ منها سنة ٤٦٤ هـ (١٠٧٢ م) أي إن تأليف الكتاب قد تم بعد هذا التاريخ الأخير على أي حال.
مصادر الكتاب
اعتمد المالكي أنواعا متعددة من المصادر، نفصّلها كما يلي:
أ) مصادر تاريخية وحديثية وفقهية معروفة ذكرها المؤلف باسمائها:
-تاريخ سعيد بن عفير المؤرّخ المصري (ت ٢٢٦) (٥٤).
-تاريخ خليفة بن خياط، ويعرف بشباب العصفري (ت ٢٤٠) (٥٥).
-كتاب الطبقات لمحمد بن سحنون (ت ٢٥٦) (٥٦).
-تاريخ أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي (ت ٣٤٧) (٥٧).
-موطأ مالك (٥٨).
-موطأ ابن وهب (٥٩).
-جامع ابن وهب (٦٠).
-الجامع الصحيح للبخاري (٦١).
-الجامع الصحيح لمسلم (٦٢).
-سنن أبي داود (٦٣).
стр. 18
-سنن أبي عبد الرحمن النسائي (٦٤).
-مسند أبي عبد الله محمد بن سنجر الجرجاني (٦٥).
-كتاب الجزية لابن الجهم (٦٦).
-مدونة سحنون بن سعيد (٦٧).
-فوائد أبي العلاء الكوفي (٦٨).
-مجالس سليمان بن سالم (٦٩).
-الملخص لأبي الحسن القابسي (٧٠).
ب) مصادر استخدمها المؤلف ولم ينص على أسمائها واكتفى بذكر مؤلفيها، ومن هذا النوع ما أسنده عن جماعة من المؤلفين.
-الواقدي (محمد بن عمر) (٧١).
-ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم) (٧٢).
-أبو اسحاق بن شعبان القرطي (٧٣).
-محمد بن حارث الخشني (٧٤).
-أبو القاسم الجوهري (٧٥).
стр. 19
-أبو الحسن بن فهر (٧٦).
-حمزة بن محمد الكناني (٧٧).
-أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الصقلي (٧٨).
-أبو بكر عتيق بن خلف التجيبي (٧٩).
-أبو عبد الله الحسين بن أبي العباس الأجدابي (٨٠).
-أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد اللبيدي (٨١).
ومن هذا النوع ما أسنده المالكي عن مؤلفين وأشار إلى اعتماد مؤلفات أو وثائق وقعت له بخطوط أيديهم.
-ربيع القطان (٨٢).
-أبو الحسن على بن عبد الله القطان المعروف بابن الخلاف (٨٣).
-أبو العرب: محمد بن أحمد بن تميم (٨٤).
-أبو محمد سعيد بن حكمون.
وقريب من هذا النوع ما استخدمه المؤلف من وثائق وقعت بين يديه بخطوط بعض الفقهاء والمتعبدين وتمثله مواعظ نثرية بليغة بخط محمود المتعبد بالمنستير (٨٥) وأبي زكريا محمد بن أحمد بن يحيى بن مهران (٨٦).
стр. 20
ج) مصادر شفوية استقاها المؤلف مباشرة عن شيوخه ومعاصريه.
-أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني (٨٧).
-أبو محمد الحسن بن أبي العباس الأجدابي (٨٨).
-أبو الحسن علي بن أبي العباس الأجدابي (٨٩).
-أبو محمد بن الكراني الباجي الفقيه (٩٠).
أما ما أسنده المؤلف عن أبي الحسن القابسي فالراجح انه ليس مباشرة وانما رواه بواسطة أبيه أو أحد شيوخه.
د) وهناك مصادر أخرى استقى منها المؤلف ولم ينص عليها ولم يسند النقل عن مؤلفيها إلاّ أن الدارس يتفطن إليها بالمقارنة، منها:
-نسب قريش لمصعب الزبيري (٩١).
-تاريخ افريقية والمغرب للرقيق القيرواني (٩٢).
رواية الكتاب وانتقاله إلى الأمصار الاسلامية واعتماد المؤلفين له في كتاباتهم عن
أعلام الأفارقة:
نظرا للمادة الغزيرة التي احتواها كتاب «رياض النفوس» فقد أقبل طلبة العلم على روايته ودراسته. ولعل أقدم من وقفنا عليه من العلماء الذين تلقوه مباشرة عن مؤلفه هو الامام الشهير محمد بن علي المازري المتوفى سنة ٥٣٦ (٩٣).
стр. 21
كما نجد معاصره أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي المتوفى سنة ٥٢٥ يعتمده في كتابه «الحوادث والبدع» وينقل عنه (٩٤).
وفي نفس الفترة تقريبا نرى القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة ٥٤٤ يعتمد الكتاب اعتمادا كليا في تراجم علماء المالكية من أهل افريقية.
وبعد هذا بيسير، وبالضبط سنة ٥٩٨، تطوّر الاهتمام بالكتاب إلى الاختصار فيعمد إلى اختصاره يحيى بن ابراهيم بن علي وهو المختصر الواصل إلينا وسنتحدث عنه بعد قليل.
وآخر من وقفنا عليه من المغاربة ينقل عن رياض النفوس: الحافظ محمد بن أبي بكر بن الابار البلنسي نزيل تونس المتوفى سنة ٦٥٩ وذلك في كتابه الشهير «التكملة لكتاب الصلة» (٩٥).
وإذا انتقلنا إلى المشرق يصادفنا اعتماد الكتاب من طرف عالمين كبيرين أولهما:
احمد بن عبد القادر بن مكتوم القيسي العالم والمؤرّخ المصري المتوفى سنة ٧٤٩ (٩٦) وبعده بقرن أو يزيد نرى الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ينقل عنه في كتابيه «تهذيب التهذيب» (٩٧) و «لسان الميزان» (٩٨).
وهنا لا يفوتنا أن ننبّه أن صاحبي المعالم-الدباغ وابن ناجي-لم يعتمدا نسخة تامة من الكتاب حتى في صورته الواصلة إلينا، بل إن مقارنتنا للنصوص المنسوبة للمالكي والواردة في المعالم تجعلنا نجزم انهما لم يطلعا إلا على المختصر الذي صنعه يحيى بن ابراهيم بن علي.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جديرة بالتوقف عندها هي: هل ان الواصل إلينا من الرياض هو مختصر للكتاب؟ وهل يمكننا القول بأن الأصول الواصلة إلينا كلها «قد أخذت عن أصل حاول صاحبه أن يختصره فلم يعرف» حسب تعبير الاستاذ مؤنس (٩٩)؟
стр. 22
أم هل هناك مختصران للكتاب أحدهما أكبر حجما من الآخر كما يقول الأستاذ إدريس (١٠٠)؟
ويشير الأستاذان: إدريس ومؤنس إلى ما جاء في صفحة العنوان من مخطوطة باريس «صر كتاب رياض النفوس» ثم يتساءلان عمّا إذا كان الحرفان الأولان بقية من كلمة «مختصر».
وأمام هذه التساؤلات، وبعد اطلاعنا على نسخة المختصر ودراستها، ودراسة نقول المؤرخين عن الرياض الواصلة إلينا يمكننا تسجيل الملاحظات التالية:
١ - ان مؤلف الرياض ضعيف في تنسيق الأخبار وسرد الروايات فهو يخلط أخبار احمد بن معتب بأخبار عبد الجبّار بن خالد كما يخلط أخبار أبي عبد الله السدري بأخبار محمد بن بدر الجذامي. أما الخلط في مجال الوفيات فشيء لا يضبطه حصر. وضعف المؤلف في طريقة التأليف هو الذي يفسّر لنا إغفال المؤلف لأعلام مشاهير مثل: عيسى بن مسكين.
٢ - أما بالنسبة لوجود نصوص في المدارك والمعالم مسندة عن المالكي ولا نجدها في نسخة الرياض الواصلة إلينا فالإجابة عنها تتلخص في نقطتين:
أ) بالنسبة للنصوص الواردة في المعالم نعتبر أنفسنا قد فرغنا من أمرها بعد ما اكتشفنا أن نقول صاحبي المعالم هي عن مختصر الرياض ليحيى بن ابراهيم بن علي، وقد نقلا -خاصة ابن ناجي-حتى الأخطاء والتصحيفات التي وقع فيها صاحب المختصر.
نعم نجد في المعالم نصوصا مسندة عن المالكي-وهي قليلة لا تتجاوز الخمسة عشر-وبمقارنتها بما جاء في المدارك من نقول عن المالكي نجد أن أكثر هذه النصوص أخذها ابن ناجي عن رواية المدارك وليست عن الرياض مباشرة. وإذا وجدنا بضعة نصوص لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة مسندة عن المالكي في المعالم ولا أصل لها في ما وصلنا من الرياض ولا المدارك فإن التفسير الوحيد لذلك هو أن ابن ناجي قد نقل تلك النصوص بواسطة مصدر آخر-ولم يشر إليه-كالعواني مثلا.
стр. 23
ب) أما بالنسبة للنقول الواردة في المدارك فهي تستحق العناية والدراسة حقا وهي تتمثل في نصوص وتراجم موضعها الجزء الأول والثاني بينما خلت منها النسخ الواصلة إلينا، وهذا لا نفسّره إلا بوجود رواية ثانية أكثر تراجم وأكثر تفاصيل. ويبدو أنها كانت قليلة الانتشار ومحدودة النسخ، وممن وقف عليها القاضي عياض.
وإذا تتبعنا تراجم المدارك الافريقية الواردة في الجزءين السادس والسابع نجد عياض يسند عن المالكي أخبارا في تراجم أعلام توفوا في آخر القرن الرابع الهجري سنة ٣٩٥ ونظرا لوفرة هؤلاء الأعلام فاننا نرجّح أن هناك جزءا ثالثا من الرياض لكن لم نقف على أحد اطّلع عليه غير القاضي عياض.
مخطوطات الكتاب
لم نقف-إلى حد الآن-لكتاب الرياض على غير مخطوطتين الأولى كاملة في جزءين محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس ورمزنا لها بحرف «ب» والثانية محفوظة في دار الكتب المصرية وتمثل النصف الثاني من الكتاب فقط ورمزنا لها بحرف «ق».
كما وقفنا على مختصر منه صنعه يحيى بن ابراهيم بن علي سنة ٥٩٨.ومن هذا المختصر مخطوطتان الأولى في المتحف البريطاني والثانية في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنوّرة وقد اعتمدنا مخطوطة المتحف البريطاني ورمزنا لها بحرف «م».
أ) نسخة باريس «ب» (١٠١):
-مخطوط رقمه ٢١٥٣، عدد أوراقه ١٠٥.
-معدل أسطره ٣٥ - ٢٦*٣٥ سنتمتر.
-الورقة الأولى قد ضاع نصفها الأسفل كما اهترأ جانبها الأيسر مما يلي التجليد.
-أما وجه الورقة ١٠٥ - وهي الأخيرة-فقد اهترأت وتلاشت حواشيها وخاصة مما يلي التجليد، وقد أعيدت كتابتها بخط حديث في ورقة حديثة ألحقت بالكتاب.
стр. 24
-الكتاب بخط نسخي عادي متحد-أي ناسخه واحد.
-الكتاب يقع في جزءين يبدأ الجزء الثاني من آخر وجه الورقة ٦٠ حيث نبّه الناسخ إلى ذلك بقوله: «هذا آخر الجزء الأول من أحد الأصلين المنقول منهم وهذا أول الجزء الثاني».
جاء في خاتمة هذه النسخة ما يلي:
«وهو كتاب رياض النفوس، كتبه عبيد الله وابن عبيده عثمان بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن أيوب حامدا الله تعالى ومصليا على نبيّه محمد صلّى الله على آله وصحبه تم في مدة آخرها رابع عشرين رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة. نقلت من نسختين مختلفتي الأصل إحداهما تاريخها سنة أربع وأربعين وخمسمائة والأخرى قال [ناسخها]: كتبها الفقير إلى ربه تعالى يحيى بن مفرج بن معبد بن المبارك بمكة شرفها الله تعالى في ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة. وكتب هذه النسخة لنفسه ولمن شاء الله تعالى بعده أقل عبيده: عثمان بن عمر في مدة آخرها رابع عشرين رجب من سنة سبع وعشرين وسبعمائة. أحسن الله تعالى خاتمتها.
هذا ما جاء في خاتمة الأصل بينما جاء في عدة مواضع على هامش الأصل عبارة: «نقله محمد بن عمّار لطف الله به» (١٠٢) وفي موضع آخر أضاف لها العبارة التالية: «تمّ مقابلة بالأصل بمصر المحروسة» (١٠٣) وبناء على هذا فإننا نتشكّك في التاريخ المثبت أعلاه ونرجّح أنه تاريخ النسخة المنقول عنها وليس تاريخا للنسخة التي بين أيدينا.
وأقصى ما نعرفه عن هذه النسخة أنها نسخت وقوبلت بمصر واسم ناسخها محمد بن عمّار.
ويبدو أن هذا الناسخ قد نقل بكثير من الأمانة ما وجده على هامش النسخة التي نقل عنها من مقارنات وتصويبات.
وانتقلت هذه النسخة من مصر إلى جبل لبنان حيث استقرت عند احد الرهبان الذي اعتنى بها ورمّمها وذلك سنة ١٠٥٠ هـ.
стр. 25
وقد اعتمدنا هذه النسخة في تحقيقنا للجزء الأول. وإلى أرقام ورقاتها أشرنا بالهوامش. بينما اعتمدنا في الجزء الثاني نسخة (ق) فقط.
ب) نسخة القاهرة «ق» (١٠٤):
تمثل هذه النسخة الجزء الثاني فقط من كتاب «رياض النفوس» جاء في آخرها ما يلي: «وكان الفراغ من نسخ [هذا] السفر المبارك [في] السابع من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة كتبه العبد الفقير ... يوسف بن محمد بن عبد الوهاب بن يوسف التتائي المالكي ... ونسخ هذا السفر المبارك بالمدرسة المولوية الأجلية الماليكة الوزيرية الصاحبية الصفوية بدميرة القبلية عمرها الله .
والمخطوطة محفوظة في دار الكتب المصرية تحت عدد ١١٦ عدد أوراقها ٢٣٤ معدل أسطرها ١٧ سطرا مسطرتها ١٣*٢٠.
وهي «مكتوبة على ورق سميك مصفّر بعض الشيء بخط مشرقي حسن بين النسخ والثلث تتخلله ألفاظ وعبارات بالثلث الخالص بخط أكبر، وبعضها بالمداد الأحمر ولا يجري الناسخ على خطة واضحة في استعمال الثلث والمداد الأحمر بل يستعملها دون قاعدة أصلا».
ج) المختصر (م) (١٠٥):
من المختصر مخطوطان كما سبق بيانه الأولى يحتفظ بها المتحف البريطاني تحت رقم ٨٤١ OR والثانية في مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنوّرة.
وبعد دراستنا لمخطوطة المتحف البريطاني من المختصر انتهينا إلى أن هذا المختصر لا يضيف شيئا ماديا جديدا لما في الأصول الواصلة إلينا من الرياض وهذا ما جعلنا نكتفي بالاعتماد عليها وحدها دون محاولة الحصول على نسخة مكتبة شيخ الاسلام بالإضافة إلى خطها النسخي الواضح والمشكول ولا يعيب نسخة المتحف إلا اختلال ترتيب كثير من أوراقها مما يوازي الجزء الأول فقط كما ضاعت منها بضعة أوراق في وسطها.
стр. 26
ولا ميزة لهذا المختصر إطلاقا بل الاستفادة منه ضئيلة ومحدودة فصاحبه يحذف جميع الأخبار المحتوية لبعض الكلمات أو العبارات الغامضة أو يتصرف فيها تصرفا سيئا.
جاء في آخره: «كمل المختصر من رياض النفوس بمعونة الملك القدوس ... اختصره لنفسه يحيى بن ابراهيم بن علي ... وذلك سنة ثمان وتسعين. وكان الفراغ من نسخة في السابع عشر من محرم من عام سبعة وأربعين وستمائة والحمد لله كثيرا».
وقبل نهاية الحديث عن هذا المختصر نتسائل عن مدى صلة يحيى بن ابراهيم بن علي هذا ويحيى بن ابراهيم بن (كلمة مطموسة) ناسخ كتاب «الصاهل والشاحج» (١٠٦) لأبي العلاء المعري الذي كتب هذه النسخة برسم خزانة السلطان أبي زكرياء الحفصي فأكملها وقيد شرحها وطررها في العشر الآخر من المحرم عام ثمانية وثلاثين وستمائة.
فهل يكون صانع هذا المختصر تونسيا حفصيا؟ ذلك ما لم نتأكّد منه بعد.
وبعد، فهذا كتاب «رياض النفوس» قد وفقنا الله لإخراجه كاملا بعد مجهود في المراجعة والتحقيق استنفد منّا وقتا طويلا قارب العقد.
وأشهد أن أستاذي ومقام والدي السيد محمد العروسي المطوي قد واكب هذا العمل من أوله إلى آخره بالتوجيه والتسديد والرعاية والعناية مع حرص على الدقة والكمال وقد منح-هذا العمل-من جهده ووقته، بل من علمه وصبره واحتماله كل ما في استطاعته وذلك خلق العلماء الذين يأخذون بأيدي الشداة والعاملين من طلبة العلم والمعرفة، فشكر الله سعيه وجازاه أحسن الجزاء.
ولا يفوتني أن أنوّه بناشر هذا الكتاب الأستاذ الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الاسلامي لما بذله من جهد في سبيل طبع هذا الكتاب وتحمسه لنشره.
وأخيرا، نحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
والحمد لله أولا وآخرا
بشير البكوش
باردو في ١٤ محرم ١٤٠٣
٣١ أكتوبر ١٩٨٢
стр. 27
صفحة العنوان لمخطوط باريس من «رياض النفوس»
стр. 28
ظهر الورقة الأولى من مخطوطة باريس (ب). وبها فاتحة الكتاب.
стр. 29
نهاية الجزء الأول وبدء الجزء الثاني من «الرياض» مخطوط باريس
стр. 30
وجه الورقة الأولى من مخطوطة القاهرة (ق).
стр. 31
ظهر الورقة الأولى من مخطوطة القاهرة (ق).
стр. 32
وجه الورقة الأخيرة من مخطوطة القاهرة (ق).
стр. 33
ظهر الورقة قبل الأخيرة من مخطوطة القاهرة (ق).
стр. 34
الورقة الأولى من مخطوطة المختصر (المتحف البريطاني-م).
стр. 35
الورقة الأخيرة من مخطوطة المختصر (المتحف البريطاني-م).
стр. 36
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - الحمد لله الأعزّ الأقدر، الحكيم الأكبر، ذي الجلال والكبرياء، والمجد والسناء، والقدرة الع [لياء].
٢ - أحمده على السراء والضراء، والشدة والرخاء، وأستعينه على أداء طاعته واتباع [طريقته].
٣ - وأتوكل عليه وأبرأ من الحول والقوة إليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده [ورسوله أرسله بالهدى].
٤ - ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلّى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين وعلى آله الطيبين وسلّم وشرف وكرم [وعظم].
٥ - أفرد أهل خاصته بخالص معاملته وصحيح معرفته، اختصهم بالاجتباء واصطفاهم بالاحتباء وكشف عن أنفسهم [أدران].
٦ - الصدا وأجزل لهم من معارفه العطاء فهم أهل جد واجتهاد، ونسك وانفراد، قد أزعجهم الخوف وأقلقهم الوجف [ ..... ].
٧ - وقلوبهم وجلة. إنهم إلى ربهم راجعون، قد صغرت عندهم أعمالهم وعظمت عليهم خواطرهم، ونصبوا ذنوبهم بين أعينهم [قد تكاثرت].
٨ - حسراتهم، وتوالت عليهم أهوالهم، فهم خائفون، حذرون، وجلون، مشفقون، يبادرون الفوت، ويراقبون نزول [الموت، قيامهم في].
٩ - الدياجي، ولذتهم في التناجي، يعتبر بمرآهم الناظرون، ويبادر [إلى] مجالستهم المريدون، جعلهم الله ﷻ أهلا لخاصته [ .... ].
١٠ - لمعاملته وأدلّة لخلقه: لمعرفتهم به وبشريعته، فهم المختارون من خلقه لمعاملته الفائزون بقربه ومعرفته العارفون [بربوبيته].
١١ - جعلنا الله-تعالى-فيهم ومنهم ونفعنا بمحبتهم وموالاتهم، وحشرنا في زمرتهم ولا قطع بنا عنهم ولا طردنا عن التأسي بطريقتهم بفضله [ومنّه].
стр. 37
١٢ - أما بعد حفظكم الله من الشيطان وعمله، فقد شهدتكم سألتموني أن أجمع كتابا أذكر فيه من كان بالقيروان وإفريقية [من العلماء].
١٣ - والمتفقهين والأولياء والعبّاد والمجتهدين. ومن كان بمراسي إفريقية وسواحلها ومراسيها وحصونها [منهم، فاستخرت].
١٤ - الله ربي واستهديته واستعنته وذكرت ما بلغني من أخبار نساكهم وعبّادهم وفضائلهم وأوصافهم [وتاريخ وفاتهم، بحسب ما].
١٥ - انتهى إليه علمي وبلغته معرفتي وطاقتي ورأيت في جمع ذلك إحياء لذكرهم ونشرا لفضائلهم فيتذكر بذلك متذكر ويقتدي [مقتد].
١٦ - ومزدجر، فلعل الله يوفقه بفضله لسلوك طريقهم والتمسّك بهديهم فيكون في ذلك حياة لقلبه [ ..... ].
١٧ - وافتقار (١) إلى ربه- ﷻ -ومعرفة (٢) بنفسه، واحتقار (٣) لعمله وزيادة في اجتهاده فقد كان بمغربنا منهم [فقهاء وعلماء].
١٨ - ومتعبدون أهل فضل كامل وبرهان شامل تواترت الأخبار بالصفات الجليلة عنهم وانقضت، اذ كان [ ..... ].
١٩ - ولو كانت في الصحف مرسومة، وفي الكتب منظومة
стр. 38
[ما جاء في فضل إفريقية والمنستير (١)
١ - عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ (٢): لا يزال أهل المغرب (٣) ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.
٢ - وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): لا تزال عصابة
стр. 39
من أمتي بالمغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرون (٥) يوما قتاما (٦) فيقولون: غشيتم فيبعثون سرعان (٧) خيلهم ينظرون، فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال قد (٨) سيرت، فيخرون سجدا، فتفيض (٩) أرواحهم].
[. . . . . . . . . . . . . . .] (١٠)
٣ - / [وعن] (١١) أبي عبد الرحمن الحبلي [قال] (١٢) قال رسول الله ﷺ (١٢): ينقطع الجهاد من البلدان كلها فلا يبقى إلا بموضع من الغرب يقال له افريقية، فبينا القوم بإزاء عدوّهم، نظروا إلى الجبال قد سيرت فيخرون لله ﵎ سجدا، فلا ينزع [عنهم] (١٣) أخلاقهم (١٤) -[يعني: ثيابهم] (١٥) -
إلا خدمهم (١٦) في الجنة.
стр. 40
٤ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (١٧): بساحل قمونية (١٨) باب من أبواب الجنة يقال له: المنستير (١٩) من دخله فبرحمة الله، ومن خرج منه فبعفو الله.
٥ - وعن أنس قال (٢٠): قال رسول الله ﷺ : من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة، قال أنس، بخ، بخ، يا رسول الله.
٦ - وعن (٢١) مطرف بن عبد الله بن الشخّير (٢٢) يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال:
بالمنستير باب من أبواب الجنة يقال له «الأنف» دونه قنطرة (٢٣) من قناطير (٢٤) الأولين.