← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - الحمد لله الأعزّ الأقدر، الحكيم الأكبر، ذي الجلال والكبرياء، والمجد والسناء، والقدرة الع [لياء]. ٢ - أحمده على السراء والضراء، والشدة والرخاء، وأستعينه على أداء طاعته واتباع [طريقته]. ٣ - وأتوكل عليه وأبرأ من الحول والقوة إليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده [ورسوله أرسله بالهدى]. ٤ - ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلّى الله عليه وعلى إخوانه من النبيين وعلى آله الطيبين وسلّم وشرف وكرم [وعظم]. ٥ - أفرد أهل خاصته بخالص معاملته وصحيح معرفته، اختصهم بالاجتباء واصطفاهم بالاحتباء وكشف عن أنفسهم [أدران]. ٦ - الصدا وأجزل لهم من معارفه العطاء فهم أهل جد واجتهاد، ونسك وانفراد، قد أزعجهم الخوف وأقلقهم الوجف [ ..... ]. ٧ - وقلوبهم وجلة. إنهم إلى ربهم راجعون، قد صغرت عندهم أعمالهم وعظمت عليهم خواطرهم، ونصبوا ذنوبهم بين أعينهم [قد تكاثرت]. ٨ - حسراتهم، وتوالت عليهم أهوالهم، فهم خائفون، حذرون، وجلون، مشفقون، يبادرون الفوت، ويراقبون نزول [الموت، قيامهم في]. ٩ - الدياجي، ولذتهم في التناجي، يعتبر بمرآهم الناظرون، ويبادر [إلى] مجالستهم المريدون، جعلهم الله ﷻ أهلا لخاصته [ .... ]. ١٠ - لمعاملته وأدلّة لخلقه: لمعرفتهم به وبشريعته، فهم المختارون من خلقه لمعاملته الفائزون بقربه ومعرفته العارفون [بربوبيته]. ١١ - جعلنا الله-تعالى-فيهم ومنهم ونفعنا بمحبتهم وموالاتهم، وحشرنا في زمرتهم ولا قطع بنا عنهم ولا طردنا عن التأسي بطريقتهم بفضله [ومنّه].

стр. 37

١٢ - أما بعد حفظكم الله من الشيطان وعمله، فقد شهدتكم سألتموني أن أجمع كتابا أذكر فيه من كان بالقيروان وإفريقية [من العلماء]. ١٣ - والمتفقهين والأولياء والعبّاد والمجتهدين. ومن كان بمراسي إفريقية وسواحلها ومراسيها وحصونها [منهم، فاستخرت]. ١٤ - الله ربي واستهديته واستعنته وذكرت ما بلغني من أخبار نساكهم وعبّادهم وفضائلهم وأوصافهم [وتاريخ وفاتهم، بحسب ما]. ١٥ - انتهى إليه علمي وبلغته معرفتي وطاقتي ورأيت في جمع ذلك إحياء لذكرهم ونشرا لفضائلهم فيتذكر بذلك متذكر ويقتدي [مقتد]. ١٦ - ومزدجر، فلعل الله يوفقه بفضله لسلوك طريقهم والتمسّك بهديهم فيكون في ذلك حياة لقلبه [ ..... ]. ١٧ - وافتقار (١) إلى ربه- ﷻ -ومعرفة (٢) بنفسه، واحتقار (٣) لعمله وزيادة في اجتهاده فقد كان بمغربنا منهم [فقهاء وعلماء]. ١٨ - ومتعبدون أهل فضل كامل وبرهان شامل تواترت الأخبار بالصفات الجليلة عنهم وانقضت، اذ كان [ ..... ]. ١٩ - ولو كانت في الصحف مرسومة، وفي الكتب منظومة

стр. 38

[ما جاء في فضل إفريقية والمنستير (١) ١ - عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ (٢): لا يزال أهل المغرب (٣) ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة. ٢ - وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): لا تزال عصابة

стр. 39

من أمتي بالمغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرون (٥) يوما قتاما (٦) فيقولون: غشيتم فيبعثون سرعان (٧) خيلهم ينظرون، فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال قد (٨) سيرت، فيخرون سجدا، فتفيض (٩) أرواحهم]. [. . . . . . . . . . . . . . .] (١٠) ٣ - / [وعن] (١١) أبي عبد الرحمن الحبلي [قال] (١٢) قال رسول الله ﷺ (١٢): ينقطع الجهاد من البلدان كلها فلا يبقى إلا بموضع من الغرب يقال له افريقية، فبينا القوم بإزاء عدوّهم، نظروا إلى الجبال قد سيرت فيخرون لله ﵎ سجدا، فلا ينزع [عنهم] (١٣) أخلاقهم (١٤) -[يعني: ثيابهم] (١٥) - إلا خدمهم (١٦) في الجنة.

стр. 40

٤ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (١٧): بساحل قمونية (١٨) باب من أبواب الجنة يقال له: المنستير (١٩) من دخله فبرحمة الله، ومن خرج منه فبعفو الله. ٥ - وعن أنس قال (٢٠): قال رسول الله ﷺ : من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة، قال أنس، بخ، بخ، يا رسول الله. ٦ - وعن (٢١) مطرف بن عبد الله بن الشخّير (٢٢) يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: بالمنستير باب من أبواب الجنة يقال له «الأنف» دونه قنطرة (٢٣) من قناطير (٢٤) الأولين.

стр. 41

٧ - أبو زكرياء الحفري (٢٥) قال: سمعت البهلول بن راشد يقول لوزير هرثمة حين استشاره في بناء المنستير (٢٦) قال: فعدد له أن هرثمة بني بأرمينية في غير موضع (٢٧) فقال له البهلول بن راشد (٢٨) ما ذكرت شيئا إلا والمنستير أفضل منه، وذلك أنه بلغني عن النبي ﷺ : أنه باب من أبواب الجنة. (٢٩) [و] سمع (٣٠) خالد بن حيّان بن الأعين الحضرمي يقول: «بلغني [أن] (٣١) تبيعا (٣٢) قال أن هذه الكدية جأرت (٣٣) إلى الله تعالى يوم الطوفان، فقال لها: «اسكني، فسأسكنك أوليائي». قال أبو العرب: يعني المقبرة العظمى نحو «باب سلم». قال عبد الله (٣٤): فقد صح ما ذكره تبيع في مقبرة «باب سلم»، دفن فيها من العلماء والصالحين عدد عظيم لا يحصيهم إلا الله .

стр. 42

عن (٣٥) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: «كنت وأنا غلام مع عمي بقرطاجنة، فإذا بقبر مكتوب عليه بالحميرية: «أنا عبد الله بن الأراشي (٣٦) رسول رسول الله (٣٧) «صالح» ﵇، بعثني إلى أهل هذه القرية أدعوهم إلى الله، أتيتهم ضحى، قتلوني ظلما، حسيبهم الله. وقيل إن شعيبا هو الذي بعث عبد الله بن الأراشي. والأراش (٣٨) فخذ من بلي». قال أبو العرب (٣٩): سمعت بعض المشايخ، ممن يروى البديء (٤٠) من الأخبار، يحدث عن اسحاق بن [أبي] (٤١) عبد الملك أنه قال: «لم يدخل إفريقية نبي قط.وأول من دخلها بالإيمان بعض حواريي عيسى ﵇».

стр. 43

[ذكر فضل القيروان] (١) وعن إسحاق [بن الملشوني] (٢): أن عقبة بن نافع كان معه في عسكره خمسة وعشرون (٣) من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن عقبة جمع وجوه أصحابه وكبار (٤) العسكر، فدار بهم (٥) حول «القيروان»، وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه: «اللهم املأها علما وفقها، واعمرها (٦) بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض». وذكر (٧) أن معاوية وجه عقبة في جيش عظيم إلى إفريقية غازيا، فدخلها وافتتحها، ووضع السيف على من بها (٨) من النصارى، وقال لأصحابه: «أرى لكم يا معشر العرب أن تتخذوا بها مدينة يجعل بها (٩) عسكر، وتكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر»، فأجاب الناس إلى ذلك، واختط مدينة «القيروان».فقال له بعض أصحابه: «قرّبها من البحر، ليكون أهلها مرابطين».فقال لهم: «إني أخاف أن

стр. 44

يطرقها صاحب القسطنطينية (١٠) فيهلكها (١١)، ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركها (١٢) غزاة البحر (١٣)، [لأن صاحب المركب (١٤) لا يظهر من اللجة حتى يستره الليل، فهو يسير إلى ساحل البحر إلى نصف الليل، فيخرج، فيقيم في غارته إلى نصف النهار، فلا تدركها منه غارة أبدا] (١٥)، فإن كان بينها وبين البحر ما لا يجب فيه التقصير، فأهلها مرابطون، ومن كان على البحر فهم (١٦) حرس لهم، وهم عسكر معقود إلى آخر الدهر، وميّتهم في الجنة».فاتفق رأيهم على ذلك، فقال: «قربوها من السبخة، [فقالوا: «نخاف أن تهلكنا الذئاب، ويهلكنا بردها في الشتاء وحرها في الصيف»، فقال: «لا بد لي من ذلك] (١٥)، لأن أكثر دوابكم الإبل، وهي التي تحمل عسكرنا، والبربر قد تنصروا وأجابوا النصارى إلى دينهم، ونحن إذا فرغنا من أمرها لم يكن لنا بد من المغازي (١٧) والجهاد، ونفتح الأول منها فالأول (١٨)، فتكون إبلنا على باب مصرنا في مرعاها آمنة من غارة (١٩) البربر والنصارى»، فأجابوه إلى ذلك. فمال إلى بناء المدينة (٢٠) على ساحل واديها. فقال: «شأنكم! » فقالوا: «إنك أمرتنا بالبناء في شعار وغياض لا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من دواب الأرض»، وكان في عسكره خمسة عشر (٢١) رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وسائر ذلك تابعون. قال: فبلغني أنه دعا الله ، وأصحابه يؤمنون على دعائه، ثم مضى حتى وقف على الوادي، فنادى: «أيتها السباع! ارحلوا فإنا

стр. 45

أصحاب رسول الله ﷺ (٢٢)! » فنظر الناس ذلك اليوم إلى أمر عظيم: نظروا إلى السباع تخرج إليهم من الشعراء تحمل أشبالها والذئب يحمل أجراءه والحية تحمل أولادها، سمعا وطاعة. ثم نادى عقبة في الناس: «كفوا عنهم حتى يرتحلوا! » فلما خرج ما بها من الوحش والهوام، بإذن الله تعالى، أمرهم أن يقتطعوا ويختطوا، وأسس دار الإمارة، واتخذ لها من الخمس ما يتخذ الأمراء لحرس (٢٣) المسلمين [بناء المسجد] (٢٤) ثم (٢٥) أتى بهم إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلي فيه وهو كذلك. واختلف الناس عليه في القبلة، وقالوا: «إن أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك في تقويمها (٢٦)»، فأقاموا أياما ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشرق (٢٧) الشمس، فلما رأى عقبة أن أمرهم قد اختلف بات مغموما، فدعا الله أن يفرج عنه، فأتاه آت في منامه فقال له: «يا ولي رب العالمين، يقول لك رب العالمين: إذا أصبحت فخذ اللواء فاجعله على عاتقك، فانك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه أحد من المؤمنين غيرك. فالموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير فهو/قبلتك ومحراب مسجدك، وقد رضي الله أمر هذا العسكر [وهذا المسجد] (٢٨) وهذه المدينة، وسوف يعز بها دينه ويذل بها من كفر به إلى آخر الدهر».فاستيقظ عقبة من منامه، وجزع

стр. 46

جزعا شديدا، فتوضأ وأخذ في الصلاة وهو في المسجد-ولم يبن بعد-ومعه أشراف الناس من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، فلما انفجر الصبح ركع ركعتي الفجر، وإذا بالتكبير بين يديه، فقال لمن حوله: «ألا تسمعون شيئا؟ » قالوا: «لا نسمع شيئا! » فعلم أن الأمر من عند الله . فأخذ اللواء فوضعه على عاتقه، وأقبل يتبع التكبير الذي بين يديه، حتى انتهى إلى موضع محراب المسجد الأعظم اليوم، فلما انتهى إليه انقطع عنه التكبير، فركز لواءه وقال: «هذا محرابكم! » فاحتذى به جميع مساجد المدينة وسائر البلدان، ثم أخذ الناس في بنيان الديار والمساجد وغير ذلك، فشد إليها الناس المطايا من كل مكان، وعمرت بفضلاء الناس (٢٩) من الفقهاء والمحدثين والمتطوعين والعابدين والنسّاك والزاهدين (٣٠)، وأعزّ بها الإسلام وأهله. ودمغ بها أهل النفاق والأهواء والشك والضلالة.

стр. 47

[سبب غزو إفريقية] (١) وأما سبب غزوها واختطاط مدينة القيروان، فذكر الواقدي قال (٢): لما عزل عمرو ابن العاص عن مصر، وولى عبد الله بن أبي سرح في سنة خمس وعشرين، بعث المسلمين في جرائد الخيل-كما كانوا يعملون في ولاية عمرو-فأصابوا من أطراف إفريقية وغنموا، فجاءوا بالغنائم إلى عبد الله، فكتب إلى عثمان يخبره بما نال المسلمون من عدوهم، وقربهم من حوز المسلمين. حدّث (٣) [الواقدي] (٤) عن المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري (٥) قال: «خرجت من منزلي بليل طويل أريد المسجد، فإذا عثمان رضي الله تعالى عنه في مصلى النبي ﷺ يصلي، فصليت خلفه، ثم جلس فدعا ليلا طويلا، حتى أذن المؤذن، ثم قام منصرفا إلى بيته، فقمت في وجهه فسلمت عليه، فقال: «يا ابن مخرمة»، واتكأ على يدي، «إني استخرت الله تعالى في ليلتي هذه في بعث الجيوش إلى إفريقية، وقد كتب إليّ عبد الله بن سعد يخبر بخبره مع المشركين وغلبهم وقرب حوزهم من المسلمين (٦)» فقلت: «خار الله لأمير المسلمين» قال: «فما رأيك يا ابن مخرمة؟ » قلت: «اغزهم (٧)» قال: «اجمع اليوم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأستشيرهم، فما أجمعوا عليه فعلته، أو ما أجمع عليه أكثرهم فعلته،

стр. 48

فكن (٨) أنت رسولي إليهم، واحضر معهم» فقلت (٩): «لم (١٠) قلت لي اجمع ولم تسم لي من أجمع؟ » فقال: «إيت عليا وطلحة والزبير والعبّاس»، وذكر رجالا، فخلا بكل واحد منهم في المسجد، ثم دعا أبا الأعور (١١) سعيد بن زيد، فقال له عثمان: «ما (١٢) كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيوش الى إفريقية؟ » فقال له: «سمعت عمر يقول: «لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عيناي الماء»، فلا أرى لك خلاف عمر (١٣)»، «والله ما نخافهم، وإنهم لراضون أن يقروا في مواضعهم [فلا يغزون] (١٤)» فلم يختلف أحد ممن شاوره غيره. ثم (١٥) خطب الناس وندبهم إلى الغزو (١٦) إلى إفريقية، فخرج جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن الزبير وأبو ذر الغفاري (١٧)، وعبد الله [ابن] (١٨) عباس ومسور بن مخرمة (١٩) ومقداد بن الأسود (٢٠) [وعبد الرحمن بن الأسود بن] (٢١) عبد يغوث وعبد

стр. 49

الرحمن (٢٢) بن أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن صبيحة (٢٣) وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأخواه عبيد الله وعاصم وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن السائب بن [أبي] وداعة والسائب بن عامر [بن هشام] (٢٤) وبسر (٢٥) بن أرطاة. ومع كل واحد منهم جماعة من قومه. وخرج من «أسلم» ثلاثمائة رجل، منهم حمزة بن عمرو (٢٦) [الأسلمي] (٢٧)، وسلمة بن الأكوع. وخرج من «مزينة» ثمانمائة، منهم بلال بن الحارث [المزني] (٢٨)، وكان اللواء بيده، وخرج من «بني سليم» أربعمائة وخمسون، وغيرهم من قبائل شتى (٢٩). خرج جميعهم مع عبد الله بن أبي سرح العامري سنة سبع وعشرين من الهجرة. وكانت هذه الغزاة تسمى «غزوة العبادلة». وروى الواقدي (٣٠)، عن ربيعة الديلي، قال: «أغزانا عثمان إفريقية، فخرجنا،

стр. 50

فقدمنا مصر، فخرج عبد الله بن سعد، وهو أميرنا، بمن كان معه في مصر ومن قدم إليه من المدينة، فكانوا عشرين ألفا، يريد إلى «البطريق جر جير» بإفريقية، [و] كان قد غلب على المغرب. فلما فصلنا من مصر تقدمت [الطلائع] (٣١) فوصلت «أطرابلس» (٣٢)، وإذا ثمّ مراكب (٣٣) قد أرست، فشدوا عليهم، فأقاموا ساعة ثم استأسروا، فكتفوا، وهم مائة، حتى لحق بنا (٣٤) ابن أبي سرح فقتلهم، وتحصن أهل أطرابلس، ولم يعرضوا لنا، ولم نهجهم، وأخذنا ما في السفن، فكانت هذه أول غنيمة أصيبت». «ثم تمادينا إلى إفريقية، ونحرنا الإبل وذبحنا البقر، وأخذنا العلف والسّبد (٣٥) [وبثثنا السرايا] (٣٦) تضرب (٣٧) في كل جهة، وأقمنا أياما تجري بيننا وبين «جرجير» ملكهم الرسل، ندعوه إلى الإسلام، فكلما دعوناه إلى الإسلام، نخر، ثم استطال وقال: «لا أفعل هذا أبدا! » فقلنا له: «فتخرج الجزية (٣٨) في كل عام» فقال: «لو سألتموني درهما لم أفعل! » فتهيأ الناس للقتال، وعبأ الناس عبد الله بن سعد ميمنة وميسرة [وقلبا] (٣٩)، وسار بأصحابه، فقال له رجل من القبط ممن كان معه: «إن القوم لا

стр. 51

يصافّونك (٤٠)، هم أرعب منك من أن يصافوك، وهم يهربون منك، فاجعل لهم كمينا وفرقهم في أماكن»؛ ففعل ذلك عبد الله، وغدا بنا على تعبئة و [الروم] (٤١) قد رفعوا الصّلب (٤٢)، وعليهم من السلاح ما الله أعلم به، ومعهم من الخيل ما لا يحصى، فتصاولنا (٤٣) ساعة من نهار حتى صارت الشمس قدر رمحين، وحمل عبد الله بالناس، فكانت الهزيمة عليهم، وكر الكمين (٤٤) عليهم في كل مكان، فأكثروا فيهم القتل والأسر: لقد رأيت في موضع واحد ألف أسير. فلما أصابهم الأسر والقتل طلبوا الصلح، فصالحهم عبد الله بن سعد على خرج (٤٥). قيل: صالحهم على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار». قال «شباب العصفري» (٤٦) في تاريخه (٤٧): غزا عبد الله بن سعد إفريقية مع جماعة من الصحابة، فلقي جرجير في «سبيطلة»، وهي مدينة مسورة/على سبعين

стр. 52

ميلا من القيروان، فقتل جرجير (٤٨) وهو [في] (٤٩) مائة ألف (٥٠)، وصالح أهل المدائن والحصون على مائة ألف (٥٠) رطل ذهب. قال (٥١) «أبو عثمان سعيد بن عفير (٥٢)» في تاريخه (٥٣): لما سمعت الروم والأزارقة (٥٤) بمخرج عبد الله ووصوله إلى إفريقية، خرجوا إليه ومعهم «جرجير» في جمع (٥٥) [كثير] (٥٦) من الروم، فلما التقوا بالمسلمين نادى «جرجير» بالبراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، فقتله ابن الزبير، ومنهم من قال [قتلاه جميعا] (٥٦). ثم كانت الهزيمة، واتخذ المسلمون ذلك المنزل مسعكرا، وأصابوا لهم غنائم كثيرة، فأصاب الفارس في سهمه (٥٧) ثلاثة آلاف دينار، ثم ساروا إلى البلاد ففتحوها كل مدينة عنوة. الواقدي (٥٨) بلغه أن عبد الله بن الزبير قال (٥٩): «أغزانا عثمان، رضي الله تعالى عنه، إفريقية. وكان بها بطريق يسمى «جرجير» كان سلطانه من أطرابلس (٦٠) إلى

стр. 53

طنجة، فسار عبد الله حتى حل به (٦١)، فقاتله أياما، فقتله الله ، وكنت أنا الذي قتلته، فهرب جيشه. وقطّع ابن أبي سرح السرايا وفرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة، فساقوا ما قدروا عليه (٦٢)، فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية، اجتمعوا وطلبوا أن يؤخذ منهم ثلاثمائة قنطار [من] (٦٣) ذهب، على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم ابن أبي سرح. وذكر (٦٤) بعض أهل العلم بالسّير ومغازي إفريقية أن عبد الله بن سعد نزل بموضع يسمى «قمّونية»، وهو موضع مدينة القيروان (٦٥)، فسأل (٦٦) عن أشراف من بإفريقية من الروم، فقيل «جرجير» وهو صاحب مدينة سبيطلة. فزحف عبد الله إلى جرجير الملك، فلقيه في خلق عظيم من الروم، فقاتله عبد الله بمن معه، والتحم القتال، ووقع الصبر، حتى ظن الناس أنه الفناء. فانهزم «جرجير»، ولزمه عبد الله بن الزبير في عجاج الموت، فعرفه بمن معه من أشراف قومه، ففرق عنه أصحابه وقتله إلى جانب السور، وابنته تنظر من السور إلى قاتله؛ وسبقت خيول المسلمين الروم إلى باب الحصن، فحالوا بينهم وبين الدخول إلى حصنهم، فركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر، فقتلوا أنجادهم وفرسانهم، ونزل عبد الله بن أبي سرح على باب المدينة وحصرها بمن معه حصارا شديدا حتى فتحها، وأخذ «ابنة جرجير» فوهبها لعبد الله بن الزبير. وهو صاحب الأفاعيل ذلك اليوم، وهو المستشهد (٦٧) في سبيل الله. ودخل عبد الله المدينة فوجد فيها سبيا كثيرا وأموالا جمة عظيمة، ووجد أكثرها

стр. 54

ذهبا. وسرّى (٦٨) على الروم، فبلغت خيوله «قصور قفصة»، وبلغت موضعا يقال له «مرماجنّة (٦٩)» فسبوا وغنموا (٧٠) [فأذلّت] (٧١) تلك الواقعة الروم بأفريقية، ولجئوا إلى الحصون، وأصابهم رعب عظيم. ثم اجتمعت خيول المسلمين، وأمر عبد الله بن سعد عبد الله بن عباس أن يقسم عليهم فيئهم، فبلغ سهم الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار، وبلغ سهم الراجل ألف دينار. وذكر (٧٢) أن ابنة الملك أشرفت على العرب في عسكرهم، فاستقلتهم، فقالت لأبيها: «لا تسرع بالقتل في هؤلاء، وانحلنيهم»، فقال: «قد انحلتكهم» (٧٣). فالتقوا وهي تنظر، فهزم الله المشركين، وقتل أبوها «جرجير» وهي تنظر، فتنازع الناس في قتله، فقالت: «ما للناس (٧٤) يتنازعون؟ » فقيل لها: «في قتل أبيك» فبكت وقالت: «قد رأيت الذي أدركه وقتله» فقال لها عبد الله بن سعد: «هل تعرفينه؟ » قالت: «إذا رأيته عرفته»، فأخذ عبد الله بن سعد الناس بالعرض، فمروا بين يديها وهي تنظر، حتى مر عبد الله بن الزبير، فقالت: «هذا قاتل أبي» فقال له عبد الله بن سعد: «كتمتنا يا أبا بكر قتلك إياه! » فقال له: «قد علمه الذي قتلته له» فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك. وفي [ذلك] (٧٥) يقول ابن الزبير حين بلغه أنها سألت أباها أن ينحلها العرب:

стр. 55

ابنة جرجير تلقي نحلتك (٧٦) ... لقيت بالنحلة ثكلا (٧٧) ابتك (٧٨) لتأخذن (٧٩) في الطريق عقبتك ... لتسقين (٨٠) من قباء قربتك (٨١) شر عجوز بالحجاز ربّتك وقيل (٨٢) إنه لما حضر القتال أخرج جرجير ابنته، فألبسها حليها وثيابها وأسفر عن وجهها، فكان عدة خدمها اللاتي صعدن معها الديدبان (٨٣) أربعين (٨٤) خادما، فقال لهم [جرجير الملك] (٨٥): «أتدرون من هذه؟ » فقالوا (٨٦): «نعم يا سيدنا، هذه ابنة الملك، وهؤلاء خدمها»، فقال لهم: «وحق المسيح والنصرانية، لا يقتل عبد الله بن سعد منكم رجل إلا زوجته ابنتي وسقت إليه ما معها من الحلى والخدم، وأنزلته المنزلة التي لا يطمع فيها (٨٧) أحد عندي! » فلم يزل يقول ذلك حتى أمرّه على مسامع أكثر رجاله، فحرض بذلك الروم تحريضا كثيرا، فلما انتهى إلى عبد الله [بن سعد] (٨٨) ما فعله وقاله «جرجير» نادى (٨٩) في عسكره، وأخبرهم بالذي كان من

стр. 56

جرجير، ثم قال لهم: «وحق محمد رسول الله ﷺ ، لا يقتل (٩٠) أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته وما معها! »، ثم زحف بمن معه من المسلمين، فضرب الله وجوه الروم، وأدرك عبد الله بن الزبير جرجير فقتله. قال (٩١) عبد الله بن الزبير: هجم علينا جرجير-في معسكرنا (٩٢) -في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا من كل مكان، وسقط في أيدي المسلمين، ونحن في عشرين ألفا، فاختلف الناس على ابن أبي سرح، فدخل فسطاطه (٩٣) [ورأيت غرّة (٩٤) من جرجير] (٩٥)، فرأيته خلف عساكره على برذون أشهب، ومعه جاريتان له تظللان (٩٦) عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء (٩٧) ليس فيها أحد، فخرجت أطلب ابن أبي سرح، فقيل لي قد خلا في فسطاطه، فأتيت حاجبه، فأبى أن يأذن لي عليه، فدرت من كسر الفسطاط، فدخلت عليه، فوجدته مستلقيا على ظهره، فلما دخلت عليه استوى جالسا، /فقلت: «إيه، إيه! كلّ أزبّ نفور (٩٨)» فقال: «ما أدخلك علي يا ابن الزبير؟ » [فقلت له] (٩٩): «إني رأيت غرة من العدو، فاخرج فاندب لي الناس! » قال: «وما رأيت؟ » فأخبرته، فخرج معي

стр. 57

سريعا فقال: «يا أيها الناس! انتدبوا مع ابن الزبير»، فاخترت ثلاثين فارسا، وقلت لسائرهم: «اثبتوا على مصافكم»، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه «جرجير»، وقلت لأصحابي: «احموا ظهري! » فو الله ما لبثت أن خرقت الصف إليه، ولا يحسب هو وأصحابه إلا أني رسول إليه، وحين دنوت منه عرف (١٠٠) الشر، فثنى برذونه موليا، فأدركته مبادرا، فدفعت بالسيف عليه، فأصبت يدى إحدى الجاريتين فقطعتهما، واحتززت رأسه فنصبته في رمحي، وكبّرت. وحمل المسلمون في الوجه الذي كنت فيه: وارفضّ العدو في كل وجه ومنح الله تعالى المسلمين أكنافهم. فلما أراد ابن أبي سرح أن يوجه بشيرا إلى عثمان، رضي الله تعالى عنه، قال: «أنت أولى من هنا بذلك، انطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره بالخبر».فقدمت على عثمان، فأخبرته بفتح الله ونصره ووصفت له أمرنا كما كان». ذكر (١٠١) عبد الله بن نافع (١٠٢) وعبد الملك بن حبيب (١٠٣) أنه وصل من إفريقية إلى المدينة في شهر. وذكر حسين (١٠٤) بن سعيد الخراط أنه وصل من سبيطلة (١٠٥) إلى المدينة في ثمانية عشر يوما، وكان يومئذ ابن بضع وعشرين سنة. وذكر أنه كان يرتجز لابنة جرجير البطريق، ويقول:

стр. 58

يا ابنة جرجير تهنّي (١٠٦) عضبتك (١٠٧) ستبصرين بالحجاز (١٠٨) ربتك ما أحسن الوجه وأجلى مقلتك لتحملنّ من بدير (١٠٩) قربتك لتعظمنّ في الإماء لقمتك (١١٠) فلمّا (١١١) وصل عبد الله بن الزبير المدينة وأخبر عثمان-رضي الله تعالى عنه- الخبر بما كان من الفتح، أمره عثمان أن يقوم بذلك خطيبا في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له: أنا أهيب لك مني لهم، فقام عثمان-رضي الله تعالى عنه-في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس إن الله تعالى فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله. وكان عبد الله إلى جانب المنبر، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر، فخطب (١١٢) ابن الزبير-رضي الله تعالى عنه-الناس خطبة (١١٣) تضمنت ما جرى في غزوهم وقتالهم للعدوّ، ووصف سيرة أميرهم فيهم، قال عنه:

стр. 59

إنه كان (١١٤) يسير بنا (١١٥) الأبردين (١١٦) ويخفض (١١٧) بنا في القرب (١١٨)، ويتخذ اللّيل جملا، يعجل الرحيل من المنزل القفر، ويطيل اللّبث في الموضع الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا بها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح، فأقمنا أياما نجمّ كراعنا ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه، وسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح (١١٩)، فكانت هذه أبعد، وأقامت رسلنا تختلف إليهم ثلاث عشرة ليلة تأتيهم (١٢٠) فلما يئس (١٢١) منهم قام خطيبا، فذكر الله وأثنى عليه، ثم ذكر فضل الجهاد. فقاتلناهم أشد قتال، واستشهد الله ﷻ رجالا من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي كدوي النّحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم. فلمّا أصبحنا زحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ الله تعالى علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر النهار». وتمادى على خطبته في مثل هذا المعنى، وكان أول مقام قامه فانتهى ذلك إلى أبيه الزبير، فأقبل مسرعا وهو يقول: «غفر الله لأمير المؤمنين عرض هذا الغلام لهذا المقام بين أظهر الناس وهو حديث السن! » فلما دخل المسجد رآه قائما، فرمى بنفسه في آخر الناس، ثم سأل الله تسديده وتثبيته، فلم يزل عبد الله موفقا في خطبته حتى فرغ، فعجب الناس لشأنه، وهنّئ بذلك الزبير، فقال

стр. 60

بأبي وأمّي لقد سمعت من كلامه ما أذكرني فوّهات (١٢٢) جدّه الصديق، رضي الله تعالى عنه. وأقام (١٢٣) ابن أبي سرح وهو الأمير بسبيطلة على عسكره، فلما رأى الروم الذين بالساحل ما حل «بجرجير» وأهل سبيطلة غارت أنفسهم وتجمعوا، وكاتب بعضهم بعضا في حرب ابن أبي سرح، فخاف منهم لما معه من الغنائم، فكتب إلى خليفته بمصر يأمره أن ينفذ إليه مراكب في البحر يجعل فيها غنائم المسلمين، فأخذ خليفته فيما أمره به، فاتصل بالروم قصد ابن أبي سرح إياهم واستقباله حربهم (١٢٤)، فخافوه وراسلوه، وجعلوا له جعلا على أن يرتحل بجيشه ولا يعترضوه بشيء، ووجهوا إليه مائة قنطار ذهبا، فأجابهم إلى ذلك، وانصرف عنهم راجعا إلى مصر، بعد أن أقام بإفريقية سنة وشهرين. فلما وصل إلى طرابلس وافته المراكب، فحمل فيها أثقال جيشه، وقصد هو وأصحابه إلى مصر سالمين. ووجه إلى عثمان رضي الله تعالى عنه بالأموال التي معه من الخمس وغيره. فوقعت الفتنة على إثر ذلك، واستشهد عثمان رضي الله تعالى عنه، وولى بعده عليّ رضي الله تعالى عنه، وبقيت إفريقية على حالها إلى ولاية معاوية رضي الله تعالى عنه.

стр. 61

ولاية معاوية بن حديج مصر وإفريقية (١) فلما (٢) ولى معاوية عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر وإفريقية، وولى عليها [معاوية] بن حديج الكندي (٣)، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان ذلك في سنة أربعين، [فأراد معاوية غزو إفريقية] (٤)، فأغزاها (٥) معاوية بن حديج، فخرج من مصر في سنة خمس وأربعين ومعه عبد الله بن عمر وابن الزبير وجماعة من الصحابة وغيرهم من التابعين. وكان معه أيضا عبد الملك بن مروان ويحيى بن الحكم (٦) والأكدر بن حمام اللخمي (٧) وكريب بن أبرهة بن الصباح (٨) وخالد بن ثابت الفهمي (٩) وأشراف من جند مصر. فوصل (١٠) إلى إفريقية [و] قصد (١١) جلولاء (١٢) /وعليها

стр. 62

عامل جرجير الذي كان ملك سبيطلة، فنزل بجيوشه على «قمّونية» وهي «قيروان إفريقية»، فرحل منها إلى جبل يقال له «القرن (١٣)»، ويقال إنما سمى «القرن» لقول معاوية: «ارحلوا بنا إلى ذلك القرن»، ويقال إنه نزل جبلا يقال له «ممطور» (١٤) في غربي قمونية (١٥)، فأصابه مطر شديد، فقال: «إن جبلنا هذا لممطور» فسمي «ممطورا» إلى اليوم. ثم (١٦) رحل إلى «جلولا» ففتحها، [وسبب فتحها] (١٧) أن معاوية بن حديج طال مقامه عليها، ثم سار عنها، فذكر رجل (١٨) من قومه قوسا نسيها، فرجع في طلبها، فرأى ركنا من أركان جلولا قد انهدم، فلحق بمعاوية فأخبره. ويقال إنه لما انصرف، جعل فرسان الناس وحماتهم ساقة (١٩) للعسكر، فساروا قليلا، فإذا خلفهم غبار شديد ورهج (٢٠)، فوقف العسكر، وخف من كان بالساقة نحو ذلك الغبار حتى وصلوا جلولا، فإذا هي قد وقع حصنها (٢١) من ناحية [واحدة] (٢٢) من ركن إلى ركن، فرجع العسكر ونزلوا على [حصنها من] (٢٣) موضع الهدم وألقوا بأنفسهم إلى الموت، فقاتلوهم قتالا شديدا، فانهزم الروم، ودخلوها بالسيف، فأصابوا بها سبيا كثيرا وغنائم، فيقال إن معاوية بن حديج [مضى إليها بجميع عسكره، فغنم كل ما كان فيها، ثم] (٢٣) أنفذ الغنائم إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام. و [يقال] (٢٣) إن الذي

стр. 63

نسى القوس عبد الملك بن مروان، وكان يذكر أشياء رآها بجلولا وهو خليفة. قال أبو العرب (٢٤): «إن معاوية بن حديج غزا إفريقية ثلاث غزوات: أما الأولى فسنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، [قال] (٢٥): وكانت تلك الغزاة لا يعرفها كثير من الناس، وأما الثانية فسنة [أربعين (٢٦)، وأما الثالثة فسنة] (٢٧) خمسين»؛ انقضى كلام أبي العرب. فلما (٢٨) وصلت الغنائم إلى معاوية بن [أبي] سفيان أعان معاوية بن حديج بجيوش الشام ومصر إلى إفريقية، وذلك في سنة خمسين، وكان عبد الملك ابن مروان معه، فوصلوا إلى إفريقية، واحتفروا الآبار التي تسمى اليوم «آبار حديج» بباب تونس، وإنما احتفرها إذ كان عسكره هناك. ثم غزا (٢٩) «بنزرت» وغنم غنائم كثيرة من نواحيها، ورجع قافلا إلى «قمونية» وبنى بناحية القرن مساكن وسماها «قيروان»، وموضع «القيروان» غير مسكون ولا معمور. ثم رحل ابن حديج من إفريقية إلى معاوية بن أبي سفيان، فدفع الغنائم إليه، فعزله معاوية عن مصر (٣٠)، وولى عليها مسلمة بن مخلد (٣١) الأنصاري.

стр. 64

ولاية مسلمة مصر والقيروان (١) فوجه (٢) مسلمة بن مخلد [خالدا] (٣) بن ثابت الفهمي إلى إفريقية، وكان من التابعين (٤)، فخرج في المحرم سنة أربع وخمسين، فانتهى إلى موضع (٥) منها وأصاب غنائم كثيرة. ثم عزله مسلمة وولى (٦) أبا المهاجر مولاه، وكان من التابعين. فخرج أبو المهاجر من مصر سنة خمس وخمسين بجيوش أهل الشام ومصر إلى إفريقية فوصل إلى «قرطاجنة»، وفيها مجتمع الروم، ويقال: نزل بفحص بتونس (٧)، ويقال: نزل سبخة وبنى بها، ومنها حارب [أهل] (٨) «قرطاجنة» وصالحهم (٩)، ووجه حنش بن عبد الله الصنعاني (١٠) بجيش إلى «الجزيرة» (١١) فافتتحها، وكتب إلى أبي المهاجر بذلك، فرحل إليه واجتمع معه، وقسم الفيء هنالك بين جميع الجيش. ثم انصرف

стр. 65

فنزل «بدكرور» (١٢) مدينة البربر بالقرب من موضع «القيروان».ووجه بالخمس إلى مصر [ثم إن معاوية بن أبي سفيان عزل مسلمة بن مخلد] (١٣) وولى سعيدا بن يزيد (١٤) الأنصاري، فلما بلغ ذلك أبا المهاجر لحق بمولاه. ثم وجه (١٥) سعيد بن يزيد (١٦) عقبة بن نافع الفهري واليا على إفريقية بجيوش من قبله عددهم عشرة آلاف، سنة سبع وخمسين. فنزل حتى وصل إلى «قفصة» وقسطيلية (١٧) فافتتحها، وافتتح كل ما مر به في طريقه، حتى وصل إلى موضع «القيروان» فقال: «يا أهل الوادي، اظعنوا فإنا نازلون، وإنا من وجدناه قتلناه» - يعني من الوحش الذي بالوادي-فرئين يخرجن من أجحارهن هوارب، قال، فلم ير الناس حية بعد ذلك أربعين سنة. وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى «قمونية» (١٨)، وكان فيه (١٩) كنيسة وفيها الساريتان الحمراوان اللتان هما اليوم في المسجد الجامع، كانت عليهما حنيتان (٢٠) مبنيتان أقامتا إلى أيام زيادة الله بن الأغلب، فهدمهما زيادة الله وحملهما إلى المسجد الجامع، فجعلهما في المكان الذي هما فيه اليوم (٢١).

стр. 66

ثم إن معاوية عزل سعيدا بن يزيد وولى مسلمة بن مخلد (٢٢) الأنصاري، فرد أبا المهاجر مولاه بجيش من قبله، فوصل إلى إفريقية سنة سبع وخمسين، وقيل (٢٣) إلى القيروان. فأخذ عقبة بن نافع فحبسه وضيق عليه، فبلغ خبره معاوية فكتب إلى أبي المهاجر يأمره بتخليته ويعفيه مما صنع من ذلك (٢٤)، فأطلقه أبو المهاجر وأرسله برسل من قبله حتى أخرجوه من قابس، [فمضى] (٢٥) وهو حنق على أبي المهاجر، فدعا الله أن يمكنه منه، فلم يزل أبو المهاجر خائفا من دعائه (٢٦). ثم إن أبا المهاجر صالح بربر إفريقية، وفيهم كسيلة الأوربي، وأحسن إليه (٢٧)، وصالح عجم إفريقية، وخرج بجيوشه نحو المغرب، ففتح كل ما مر عليه حتى انتهى إلى العيون المعروفة «بأبي المهاجر» (٢٨) نحو تلمسان، ولم يستخلف على القيروان أحدا، ولم يبق بها إلا شيوخ ونساء، ثم رجع إليها فأقام بها. ولما (٢٩) [سرح عقبة من ثقافه وتوجه إلى الشام] قدم [على] معاوية [ابن أبي سفيان ف] وجده قد توفي-رحمه الله تعالى-وتولى بعده يزيد، فدخل عليه فأخبره بما صنع أبو المهاجر وما دخل عليه منه (٣٠)، وقال له (٣١): «لما فتحت (٣٢) إفريقية وبنيت

стр. 67

مسجد الجماعة، بعثتم عبد الأنصاري (٣٣) فأهانني وأساء عزلي (٣٤)»، فغضب يزيد وقال: «أدركوها (٣٥) قبل أن يخربها» ورد عقبة إليها، وأزال مسلمة عنها، وأقره بمصر، وذلك سنة اثنتين وستين. وقدم عقبة إلى القيروان بعشرة آلاف فارس، فأخذ أبا المهاجر فحبسه وقيده، وأخذ ما معه من الأموال، فكانت مائة ألف دينار. وجدد بناء (٣٦) [القيروان] (٣٧) وشيدها، ونقل الناس إليها، فعمرت وعظم شأنها. ثم (٣٨) خرج بأصحابه وبكثير من أهل القيروان إلى المغرب، واستخلف عليها عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي، وخرج بأبي المهاجر معه موثقا، فدعا بأولاده وقال لهم: «إني (٣٩) بعت نفسي من الله، وما أدرى ما يأتي/عليّ في سفري»، ثم قال: «يا بني أوصيكم بثلاث خصال فاحفظوها ولا تضيعوها: إياكم أن تملئوا صدوركم بالشعر وتتركوا القرآن فإن القرآن دليل على الله ، وخذوا من كلام العرب ما يهتدى به اللبيب ويدلكم على مكارم الأخلاق، ثم انتهوا عما وراءه، وأوصيكم أن لا تداينوا ولو لبستم العباء، فإن الدّين ذل بالنهار وهمّ بالليل (٤٠)، فدعوه تسلم لكم أقداركم وأعراضكم، وتبق لكم الحرمة في الناس ما بقيتم، ولا تقبلوا العلم من المغرورين المرخصين، فيجهّلوكم (٤١) دين الله ويفرقوا بينكم وبين الله تعالى؛ ولا

стр. 68

تأخذوا دينكم إلا من أهل الورع والاحتياط فهو أسلم لكم، ومن احتاط سلم ونجا فيمن نجا»، ثم قال: «عليكم سلام الله! وأراكم لا تروني (٤٢) بعد يومكم هذا»، ثم قال: «اللهم تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك». ثم سار (٤٣) لا يدافعه أحد حتى انتهى [إلى] (٤٤) «باغاي» (٤٥) والروم يهربون من طريقه يمينا وشمالا (٤٦)، فحاصرها وقد اجتمعوا بها، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انهزم العدو فقتلهم قتلا ذريعا وغنم أموالهم (٤٧). ثم رحل فنزل على «لميس» (٤٨) وهي من أعظم مدائنهم، وانضم إليها من حولها،

стр. 69

فخرجوا إليه في عدة لا يعلمها إلا الله ، [فقاتلهم قتالا شديدا] (٤٩) حتى ظن المسلمون أنه الفناء، فضرب الله في وجوه الروم، فقاتلهم (٥٠) إلى باب حصنهم، وأصاب الناس منهم غنائم كثيرة. ثم رحل يريد «الزاب» (٥١)، فسأل عن أعظم مدينة لهم، فقيل له «أذنة» (٥٢) وهي دار ملكهم، و [كان] (٥٣) حولها ثلاثمائة وستون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم قدوم المسلمين عليهم هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال، فنزل عقبة على واد منها على ثلاثة أميال أو أكثر، فلقوه في عدة عظيمة في وقت المساء، [وكان] (٥٤) وقت نزوله، فكره منازلتهم وقتالهم في الليل، فتواقف (٥٥) القوم الليل كله، لا راحة ولا فترة ولا نوم،

стр. 70

فسماه الناس، إلى اليوم، «وادي سهر» (٥٦)، لأنهم سهروا عليه، فلما صلّى عقبة الصبح أمر المسلمين بقتالهم، فقاتلوهم قتالا ما رأى المسلمون مثله قط، حتى يئس المسلمون من أنفسهم، ثم أعطاهم الله النصر والظفر، فانهزم الروم [وقتل فرسانهم وأهل النكاية والبأس منهم] (٥٧) واستولت الهزيمة على بقيتهم. وفي هذه الغزوة ذهب عز الروم من «الزاب» وذلوا وتحصنوا (٥٨)، [فكره عقبة المقام عليهم وقد تحصنوا] (٥٧). ورحل منها يريد المغرب حتى نزل «تاهرت»، فاستغاث الروم بالبربر، فأجابوهم ونصروهم، فقام عقبة في الناس خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال (٥٩): «أيها الناس! إن أشرافكم وخياركم، الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه، بايعوا رسول الله ﷺ «بيعة الرضوان» على [قتال] (٦٠) من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرافكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين بجنته بيعة رابحة. وأنتم اليوم في دار غربة [وإنما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبا لرضاه وإعزازا لدينه. فأبشروا! فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل، إن شاء الله تعالى. وربكم- -لا يسلمكم، فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله- -جعلكم [أولي] (٦٠) بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقاتلوا عدوكم على بركة الله وعونه] (٦١). فالتقى المسلمون معهم، فقاتلوهم قتالا شديدا، [فلم يكن لهم بقتال العرب من طاقة] (٦٢) فولّى الروم هاربين، ومات منهم ومن البربر [عدد عظيم] (٦٣) وقتلوا قتلا ذريعا.

стр. 71

ثم رحل (٦٤) حتى نزل طنجة، فنزل على البحر المحيط [وهو بحر الأندلس] (٦٥) فقال له الناس (٦٦): «هذا بحر لا ترومه، وعليه ملك عظيم الشأن».فقال لهم: «دلوني على رجال البربر والروم»، فقالوا: «[الروم] (٦٧) خلفك منهم خلق، وأمامك في السوس أنجاد البربر».فأمر عقبة العسكر بالرحيل على بركة الله وعونه، فرحل إلى «السوس الأدنى»، فلقي البربر في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى، فانهزموا فقتلهم قتلا ذريعا، وأمعنت خيل المسلمين في البلاد والسواحل. [ثم رحل إلى السوس الأقصى، فاجتمع عليه البربر في عدد لا يحصى، فاقتتلوا قتالا شديدا حتّى كثر القتلى في الفريقين، ثم إن الله بمنّه وكرمه وفضله ضرب في وجوههم، فهزمهم المسلمون وقتلوهم] (٦٨) وسبوا النساء وغنموا الأموال، فبلغت الجارية الرومية (٦٩) بالمشرق منهم ألف دينار، وهربوا بين يديه. ثم (٧٠) رحل يريد البحر المحيط، فانتهى إليه وأقحم فرسه فيه، لا يقف بين يديه

стр. 72

أحد، ثم نادى بأعلى صوته وهو يشير بسوطه: «السلام عليكم ورحمة الله! » فقال له بعض أصحابه: «على من تسلم يا ولي الله؟ » فقال لهم: «على قوم يونس وهم من وراء هذا البحر، ولولاه لوقفت بكم عليهم»، ثم رفع يديه إلى السماء، ثم قال: «اللهم اشهد، أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك». ثم (٧١) رجع إلى إفريقية. فلما دنا منها (٧٢) أذن لمن معه من أصحابه أن يتفرقوا ويتقدّموا (٧٣) فوجا فوجا إلى إفريقية، فلما انتهى [إلى] (٧٤) ثغر إفريقية وهي «طبنة» أذن لمن بقي معه بالانصراف إلى القيروان، ومال في خيل يسيرة يريد «تهودة» (٧٥) لينظر قدر ما يكفيها من الخيل، [فلما انتهى إليها نظر الروم إلى قلة من معه من الخيل] (٧٤) فقالوا: إن في [قتل] (٧٤) هذه الخيل (٧٦) قتل أهل الأرض، وظنوا أن ذلك عسكره فأغلقوا باب حصنهم ورموه بالحجارة وشتموه، وهو يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فلما توسط (٧٧) البلاد نزل، فبعثت الروم إلى «كسيلة (٧٨) الأوربي» فأعلموه بقلة من معه، فجمع له جمعا كبيرا من الروم والبربر، وزحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب

стр. 73

منه، وأحاط (٧٩) بعسكر عقبة، حتى أصبح، فلما رأى ذلك عقبة استعد له، وأمر أصحابه ألا يركب منهم أحد، ويئس المسلمون من أنفسهم، فقاتلوا قتالا شديدا حتى بلغ بهم البلاء (٨٠)، وكثرت (٨١) فيهم الجراح، فاستشهد عقبة ﵁ وجميع من كان معه ﵃ أجمعين، واستشهد معه أبو المهاجر، وكان موثقا في الحديد. وقيل (٨٢) [إن] (٨٣) «كسيلة» إنما أتى ناصرا لأبي المهاجر، لأنه كان صديقه، فقتل أبو المهاجر في التحام القتال ولم يعلم به. وقيل (٨٤) إن أبا المهاجر قاتل «كسيلة» مع البربر حتى ظفر به، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، وأحسن إليه أبو المهاجر واستبقاه (٨٥)، وكان في عسكر المسلمين حتى عزل أبو المهاجر، وقدم عقبة، فأراد أن ينهض إلى «طنجة»، فقال له أبو المهاجر: «ليس بطنجة عدو لك، لأن الناس قد أسلموا، وهذا رئيس البلاد- يريد كسيلة-فابعث معه واليا»، فأبى عقبة إلا أن يخرج (٨٦) بنفسه، فخرج فلم ير كيدا حتى نزل «ماسة» (٨٧) بمكان من السوس الأقصى فبنى بها مسجدا (٨٨)، ثم أتى بذود غنم للعسكر، فذبح الذود، فأمر عقبة «كسيلة» أن يسلخ مع السلاّخين (٨٩) فقال

стр. 74

له: «أصلح [الله] (٩٠) الأمير، هؤلاء فتياني وغلماني يكفوني» (٩١)، فنقره (٩٢) عقبة وقال له: «قم! » فقام كسيلة مغضبا، فكان كلما دحس في الشاة مسح يده بلحيته مما علق بيده من بلل ذلك، وجعل العرب/يمرون عليه وهو يسلخ، ويقولون له (٩٣): «يا بربري (٩٤)، ما هذا الذي تصنع؟ » فيقول: «هذا جيد للشعر! » فمر به شيخ من العرب فقال: «كلا، إن البربري ليتوعدكم» فقال أبو المهاجر لعقبة: «أصلح الله الأمير، ما هذا الذي صنعت؟ كان رسول الله ﷺ يتألّف (٩٥) جبابرة العرب، كالأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن (٩٦)، وأنت تجيء إلى رجل هو خيار قومه في دار عزه، قريب عهد بالكفر فتفسد قلبه (٩٧)؟ توثّق من الرجل فإني أخاف فتكه! » فتهاون به عقبة، فلما انصرف نكث البربر ما كانوا عليه (٩٨)، وأقبلت النّفرة (٩٩) إلى عقبة، فقال له أبو المهاجر: «عاجله قبل أن يجتمع أمره» فزحف إليه عقبة، فتنحى من بين يديه، فقالت البربر لكسيلة: «لم تهرب من بين يديه ونحن في خمسين ألفا وهو في خمسة آلاف؟ ». [فقال: «إنكم كل يوم في زيادة، وهو في نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه، فإذا طلب إفريقية زحفت إليه»] (١٠٠). فغشى «كسيلة»

стр. 75

عقبة بقرب «تهودة» في كثرة لا يعلمها إلا الله ، فنزل عقبة عن فرسه، وركع ركعتين وقال: «اطلقوا أبا المهاجر! » ثم قال [له] (١٠١): «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم (١٠٢)، وأنا أغتنم الشهادة» فقال: «وأنا أغتنم الشهادة مثلك» فكسر كل واحد منهما (١٠٣) غمد سيفه، وكسر المسلمون أغماد سيوفهم، وقاتلوا حتى قتلوا [جميعا] (١٠٤). وقيل (١٠٥) إن عقبة أمر بتخلية أبي المهاجر، فأعجله القتال، فقاتل وهو موثوق بالحديد، فذكر أن أبا المهاجر تمثل بقول أبي محجن (١٠٦): كفى حزنا (١٠٧) أن تمرغ (١٠٨) الخيل بالقنا (١٠٩) ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا [إذا] (١١٠) قمت عناني الحديد وغلقت ... مصارع (١١١) أبواب تصم (١١٢) المناديا
следующие страницы →