← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كان عالما ثقة في الفقه والكلام والذب [عن الدين] (٨) والرد على فرق (٩) المخالفين (للجماعة) (١٠)، من أذهن الناس وأعلمهم بما قاله الناس. قال محمد بن حارث (١١): وكان (في) (١٢) أول أمره (١٣) صحب (١٤) سحنونا وسمع منه. وله مقامات مشهورة مع بني عبيد لعنهم الله (١٥). (ذكر أوصافه وحفظه) (١٦): قال (١٧) أبو بكر بن اللباد الفقيه: بينا سعيد بن الحداد يوما جالس (١٨) إذ أتاه رسول من قبل البغدادي (١٩) فقال له: أحبّ أبو جعفر (٢٠) أن يراك، قال فلبست ثيابي ومضيت حتى أتيت بابه، فإذا برجل أجلس لي ينتظرني فقال: ادخل، فدخلت عليه، فقال لي: أحبّ (٢١) عبيد الله (أن يجتمع بك) (٢٢) فقلت:

стр. 632

ها أنا ذا، فركب وجعل معي من يصحبني ومضى هو أمامي [قال] (٢٣) فمضيت مع/الرجل حتى أتى بي إلى مكان فأجلسني فيه، فأنا جالس حتى أتاني (٢٤) رسول ثان غير الرجل الذي كنت معه، فقال لي: قم يا شيخ، فقمت فدخلت معه حتى أتيت (إلى) (٢٥) باب المجلس [الذي هو فيه] (٢٦) فإذا بعبيد الله (لعنه الله) (٢٧) جالس والبغدادي واقف على رأسه، [فدخلت وأقبل أبو جعفر فقال لي: ادن (٢٨)، حتى وقفت على رأسه] (٢٩) فتكلمت بما حضرني (٣٠) من الكلام ثم قال لي: اجلس، فجلست، فإذا بكتاب لطيف إلى جانبه على مخدة، فرأيته وقد أومى إلى أبي جعفر فقال له: اعرض الكتاب على الشيخ. قال: ورمقته ببصري فعرفت الكتاب، قال: تصفح، فجعل يده على بعض الصفحة وأنا انظر إلى الإسناد، فقال لي أبو جعفر: (اقرأ) (٣١) قال: فقلت له: عرفت الحديث وهو حديث «غدير خمّ» (٣٢): «من كنت مولاه فعليّ مولاه» (٣٣). وهو حديث صحيح، وقد رويناه (٣٤). فعطف عليّ عبيد الله (لعنة الله عليه) (٣١) فقال لي: فما (٣٥) للناس لا يكونون عبيدنا؟ فقلت له: -أعز الله السيد-لم يرد ولاية

стр. 633

الرّق، إنما أراد ولاية في الدين، قال: فقال لي: فهل (٣٦) من شاهد من (٣٧) كتاب الله ؟ فقلت: نعم. قال الله : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣٨) فما لم يجعله الله لنبي لم يجعله لغير نبي وعليّ لم يكن نبيّا، إنما كان وزير النبي (٣٩) ﷺ ، فقال لي: انصرف لا ينالك أحد (٤٠)، قال: فخرجت وصحبني البغدادي حتى خرجت وأومأ إليّ فوقفت، فقال لي: اكتم هذا المجلس (٤١). وأرسل (٤٢) محمد (٤٣) بن عمر المروذي في طلب العلماء مدنيهم وعراقيهم، فقال لهم: إني أمرت أن أناظركم في قيام رمضان، فإن وجبت لكم حجة (٤٤) رجعنا إليكم وإن وجبت لنا رجعتم إلينا. قال أبو عثمان: فقلت له: ما تحتاج إلى المناظرة. فقال لي: لا بد منها. فقلت له: شأنك وما تريد. فقال: ألستم

стр. 634

تعلمون وتروون أن النبي ﷺ لم يقم إلاّ ليلة ثم قطع (٤٥) وأن عمر بن الخطاب [هو الذي] (٤٦) استنّ القيام (٤٧) وقد جاء في الحديث الذي تروونه (ونرويه) (٤٨) أن «كل محدثة (٤٩) بدعة وكل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار» (٥٠). فقلت له: هذه البدعة (٥١) من البدع التي يرضاها الله ويذم من تركها، فقال: وأين (٥٢) تجد/ذلك في كتاب الله ؟ فقلت له: في كتابه المنزّل (٥٣) الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٥٤).

стр. 635

قال: وأين؟ قلت له: قال (٥٥) الله : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغاءَ رِضْاانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها (٥٦) (فنحن نثابر على هذه البدعة التي هي رهبانية) (٥٧) لئلا يذمنا الله كما ذمّهم (٥٨). فقال: من صلّى القيام ضربت عنقه، قال: فقلت له: قد قلت لك هذا أولا: ما تحتاج إلى المناظرة (٥٩)، فلم تقبل. ويحكى (٦٠) أن أبا عبد الله الشيعي (٦١) قال له يوما: القرآن يقرّ (٦٢) أن محمدا ليس بخاتم النبيين. فقال له سعيد: أين ذلك؟ فقال له: في قوله (وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (٦٣) فخاتم النبيين غير رسول الله (٦٤). فقال له سعيد: هذه الواو ليست من واوات الابتداء وإنما (٦٥) هي من واوات العطف كقوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٦) فهل [من] (٦٧) أحد يوصف بهذه الصفات غير الله ؟ وتكلم (٦٨) (عنده) (٦٩) يوما فغضب من كلامه رجل من كتامة (٧٠) يعرف بأبي

стр. 636

موسى شيخ المشايخ (٧١) وقام (٧٢) إليه بالرمح فمنعه أبو عبد الله من ذلك ثم عطف (٧٣) على أبي عثمان فقال (٧٤) له: يا شيخ لا تغضب/أتدري إذا غضب هذا (الشيخ) (٧٥) كم يغضب لغضبه: [يغضب لغضبه] (٧٦) اثنا عشر ألف سيف؟ فقال له أبو عثمان (٧٧): ولكني [أنا] (٧٨) يغضب لغضبي (الله) (٧٩) الواحد القهار الذي أهلك عادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (٨٠). قال (٨١) أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن محمد في تلك المحافل-يعني (٨٢) مناظرته للشيعي-وقد اجتمع له جهارة الصوت وفخامة المنطق (٨٣) وفصاحة اللسان وصواب المعاني لتمنيتم أن لا يسكت. وذكر (٨٤) أن الشيعي قال للصقلبي (٨٥): إذا اجتمع الناس فاذن لهم بالدخول عليّ، فلمّا جاء سعيد بن الحداد أذن له في الدخول، فلمّا دخل قال للصقلبي: ألم أقل لك إذا اجتمع الناس فاذن لهم؟ فقال له الصقلبي: هذا هو

стр. 637

الناس كلهم وإنما (٨٦) فعلت ما أمرتني به. قال: وإنما فعل ذلك الصقلبي لما أعجبه من كلام سعيد ﵁ وكان الصقلبي مسلما ثم قتله الشيعي بعد ذلك لمدحه لسعيد. قال (٨٧) أحمد بن موسى (٨٨): سمعت سعيدا سنة تسعين (٨٩) -وقد خوّف بشيء-فقال: الثقة بالله لمن قام بحج (٩٠) الله. وخوفه (٩١) ولده (٩٢) لمباينته (٩٣) للشيعي أول دخوله، فقال له: يا بني/حسبي من له غضبت وعن دينه ذببت. وروي (٩٤) أنه (٩٥) كان في أول أمره صحب (٩٦) سحنونا وسمع منه ثم نزع عن ذلك وصار إلى مذهب الشافعي من غير تقليد بل كان كثيرا ما يخالفه (٩٧) ولا يعتقد مسألة إلاّ بنظر وحجة. وكان يقول (٩٨): إنما أدخل كثيرا من الناس إلى التقليد (٩٩) نقص العقول [ودناءة الهمم] (١٠٠).

стр. 638

جمع-﵁-علم اللغة والنحو، عربي اللسان، جهير الصوت، إذا لحن في لفظة استغفر الله ، وكان إذا تكلف الشعر أجاده، حسن اللباس، جميل الزيّ همته في ذلك تفوق همم أهل اليسار، وكان يتقوت بأدنى قوت وأقله. وكان يقول: إنما المروءة في إظهار حسن اللباس، فأما ما هو مستور عن الناس (من إظهار) (١٠١) المآكل والمشارب (١٠٢) فليس بمروءة ولا سيما لمن عجز عنها. وكان يعلم كثيرا [من أخبار] (١٠٣) عبّاد إفريقية. لم (١٠٤) يرحل ولا حج لأنه كان مقلا وإنما أثرى وتمول بعد الشيخ والزمانة. ﵀. ذكر شيء من أوصافه أيضا (١٠٥): قال (١٠٦) محمد بن حارث (١٠٧) الأندلسي: سمعت من يحكي من العلماء (١٠٨) قال: دخل رجل أندلسي على سعيد بن الحداد يوما فجلس إليه وحادثه فقال له سعيد: أراك طالب علم، فقال: نعم/وأنا متوجه إلى المشرق في طلبه. فقال له [سعيد] (١٠٩): ما الذي كتبت من العلم (١١٠)؟ فأشار الأندلسي إلى كمه فأخرج كتابا من بعض الأسانيد، فقال له سعيد: اقرأ منه شيئا (فقال: نعم) (١١١) فقرأ حديثا واحدا، فلما أتمّه قال له سعيد: ضع الكتاب من يدك، ثم أخذ يفسر له ذلك الحديث ويلخص له معانيه ويأتيه فيه بالشواهد (١١٢). فقال له الأندلسي:

стр. 639

تفضل بالإملاء [علي] (١١٣) فأملاه (١١٤) عليه. ثم قرأ (عليه) (١١٥) حديثا ثانيا [وثالثا] (١١٦) وكل ذلك يفسّر [له ويأتي بالشواهد] (١١٦) مثل الأول. فقال له الأندلسي: مالي (١١٧) حاجة بالتقدم إلى المشرق وأنا أعلم أني لا ألقى مثلك. وقال (١١٨) محمد بن مسرور النجار (١١٩): جلست يوما إلى سعيد بن الحداد، فألقيت عليه مسألة معقدة مقفلة (١٢٠) من كتاب (١٢١) أشهب [بن عبد العزيز] (١٢٢)، فبدأ بتنزيلها وبالنظر فيها فلم يزل يلخصها شيئا فشيئا (١٢٣) حتى بلغ فيها إلى ما بلغ (١٢٤) أشهب، فقلت [له] (١٢٥): أصبت يا أبا عثمان (١٢٦)، هكذا قال أشهب في كتابه (قال) (١٢٧): فقال [لي] (١٢٨): لعلّ أشهب ما وضعها حتى تدبرها أياما [ونظر فيها حينا] (١٢٨) وقد أتيناك (١٢٩) (نحن) (١٣٠) بجوابها بنظر ساعة واحدة.

стр. 640

وحكي (١٣١) عن (١٣٢) رجل من جلسائه يعرف بابن المكي قال: قلت له يوما: يا أبا عثمان ما أشبّه نفسي إذا كنت بين يديك إلاّ مثل/الحمار (١٣٣)، فقال لي: لا تفعل [يا أبا محمد] (١٣٤) فإنك تحسّ حسّا لطيفا وأنت كما قال الشاعر: *وفوقك أقوام وأنت شريف* [قال] (١٣٥): ولما أمر ابراهيم الأمير ابن عبدون بإحضار ابن طالب وامتحانه بحضرة العلماء، فاجتمعوا وجلس [الأمير] (١٣٦) ابراهيم في المقصورة (وذلك برقادة) (١٣٧) فأتي بابن طالب من السجن وسأله ابن عبدون عن أشياء رجا أن يجد فيها (عليه) (١٣٧) ما يتوسل (١٣٨) به إلى (١٣٩) امتهانه لم يحفظ منها (١٤٠) المخبر (١٤١) إلاّ قوله: لم دفعت من وصية خضر الخادم إلى فلان العباسي مائة دينار ودفعت إلى غيره الدينار (١٤٢) والأقل، وهو عندك لا تحل له صدقة (١٤٣) لأنه من بني هاشم؟ (فقصّر في الجواب) (١٤٤)، فأمر بردّه إلى السجن. وقال ابراهيم لابن عبدون: أحضره يوما آخر وأحضر (١٤٥) جماعة الفقهاء حتى يتبيّنوا (١٤٦) خطأه وظلمه فانكلّ به حينئذ، فتكلم الناس بما (١٤٧) دار بينهما ووصل ذلك

стр. 641

إلى أبي عثمان سعيد بن الحداد فتحقق ذلك (١٤٨) واستقصاه كما يجب ثم قال (١٤٩) لابنه عبد الله: يا بنيّ، قد علمت برّ هذا الشيخ بنا-يعني ابن طالب-وقد صار إلى ما صار إليه وقد ذهب أكثر عقله/وفهمه لعظيم (١٥٠) محنته، وإنما يعدّ (١٥١) الناس الإخوان لمثل (١٥٢) هذه الحال، فجئني (١٥٣) بقرطاس ودواة، فأتاه بهما، فكتب إليه كتابا (١٥٤) ذكر له فيه جميع جواب المسائل التي سأله عنها ابن عبدون وبيّن له الحجة في جميعها، فكان ممّا أمره أن يحتج به في أمر العباسي (١٥٥) أن بني هاشم إنما حرّمت عليهم الصدقات إذ كان يصل إليهم سهم ذي القربي، فيأخذونه، فأما الآن فالصدقة جائزة عليهم وأخذهم لها حلال لحاجتهم إليها وقال لابنه: امض (١٥٦) بهذا الكتاب وادخل إليه إلى السجن واحذر أن يشعر أحد بهذا وقل له يقرؤه في خلوته فمضى به ودفعه إليه، فلما كان اليوم (١٥٧) الذي جلس فيه ابراهيم أمر ابن عبدون بإحضاره ومناظرته فلم يسأله (عن شيء مما) (١٥٨) كان [قد] (١٥٩) عجز عن جوابه في الجمعة الماضية إلاّ أجاب فيه بجواب (١٦٠) صحيح في كل ما سئل عنه. فاغتمّ ابراهيم لذلك وأمر بردّه إلى السجن، ثم عمل على قتله-رضي الله تعالى عنه-. وكان سعيد (١٦١) كثيرا ما يردّد قول الشافعي-﵁ وأرضاه-

стр. 642

ويعجب به وهو قوله: «لو أن الناس تكلموا في العلم/بصحة الفطن لقل اختلافهم فيه». وكان يقول: ليس الفقه حمل الفقه وإنما الفقه معرفة الفقه والفطنة فيه والفهم بمعانيه (١٦٢)، ويقول على أثر ذلك القول: رسول الله ﷺ قال ذلك بقوله (١٦٣) «نضرّ الله عبدا سمع مقالتي [هذه] (١٦٤) فوعاها فرب (١٦٥) حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه» (١٦٦). قال: ويشهد لذلك أيضا قول علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه وأرضاه-إذ قيل له: «هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء غير القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (١٦٧)، إلاّ أن يؤتي الله العبد (١٦٨) فهما في كتابه (١٦٩)». وكان-﵁-يقول: ما من شيء أحب إليّ من دفع الضلال بالحق ولو [أن] (١٧٠) ضلالة ألقاها إبليس اللعين بالصين [ثم] (١٧٠) وردت (١٧١) عليّ لكشفت (عن) (١٧٢) باطلها وأظهرت حق الله فيها. وكان كثير الرد على أبي حنيفة-﵁-ولا يراه إماما. وكان يجل مالكا-﵁-ويعظمه.

стр. 643

وكانت له مجالس كثيرة (١٧٣) مع أهل العراق من أهل القيروان، وأنا/أذكر منها مجلسا واحدا ليستبين الناظر في هذا الفصل موضع سعيد بن الحداد-﵁-من العلم (١٧٤) وقيامه بالحجة لأهل الحق. فمن ذلك مجلسه مع ابراهيم الأمير: قال رحمه الله تعالى: دخلت على ابراهيم [الأمير] (١٧٥) وكان حاضرا للمجلس ابن الكوفي (١٧٦)، وهو قاضيه يومئذ، وابن الأشج (١٧٧) وجماعة فلما دخلت عليه أومأ إليّ -ولم أقبّل له يدا ولا لغيره قط -قال: وأدناني حتى لصقت إلى سريره، ثم أخذ بعض النافية (١٧٨) -وهم القائلون بخلق القرآن-فقال: أيها الأمير كثر التشبيه (١٧٩) وفشا بالقيروان وقال قائلون كذا. وقال آخرون كذا. قال أبو عثمان: صرح النافي وكنيت أنا إجلالا لله عن تشنيع أهل التعطيل على أولي السنّة (١٨٠)، وعلمت أنه إنما أراد أن يحرك (بذلك) (١٨١) الأمير ليصل (١٨٢) [منه إلى أمر يجد] (١٨٣) به السبيل إلى كيد السنّة وإماتتها، فقلت له: أيها الأمير

стр. 644

(إن) (١٨٤) ما استفاض من الخبر وانتشر دخل ذلك على البكر في خدرها والبادي في بدوه فكيف بمن حضر فليشر (١٨٥) -أيها الأمير-إلى رجل قال ذلك من جميع البرايا، فإن لم يفعل فاعلم مقامه-يعني من الكذب والكفر-قال: فقال/له الأمير: اذكر أحدا. قال: سوف أطلب ذلك، قال (١٨٦) (أبو عثمان) (١٨٧): فقلت له: طلبناك بذكر ما سلف إلى أن صرت (١٨٨) تطلبه في التوقيف (١٨٩). قال: فقال الأمير: [آمر] (١٩٠) مناديا (ينادي) (١٩١) لا (١٩٢) يتكلم أحد في الكلام، قال: فقلت [له] (١٩٣) أيها الأمير الناس هادون ساكنون فمتى ناديت حركت ساكنا. قال: (ثم) (١٩٤) جرى ذكر تكلم الله تعالى لموسى ﷺ . فقلت: ممّن سمع موسى الكلام؟ قال ابن الأشج: من الشجرة. قلت (١٩٥): من ورقها أو من (١٩٦) لحائها؟ قال أبو عثمان: فو الله ما درى أحد من أهل المجلس مرادي-فيما ظهر لي- (إلاّ) (١٩٧) الأمير، فبدر فقال لابن الأشج (١٩٨): اسكت ويلك (١٩٩)، خوفا

стр. 645

أن يجيب فيجب (٢٠٠) عليه القتل. قيل لأبي عثمان وما أردت-أصلحك الله- بهذا الكلام؟ فقال: لأنه كل ما صرح فقال بأنه من الشجرة على الحقيقة (٢٠١) كفر وزعم أن الله ﵎ لم يكلم موسى (وأنه) (٢٠٢) لم يفضله بكلامه. (قال) (٢٠٢): ثم حوّل الأمير وجهه إليّ (٢٠٣) فقال لي: أقول لك كما قلت لابن طالب لا أقول مخلوقا ولا غير مخلوق. قال: فقلت له: لم (٢٠٤)؟ قال: لأن الله تعالى قال كلامي ولم يقل مخلوقا (٢٠٥). ولا غير مخلوق. قال: فقلت له فإن قال غيرك مثل ما قلت في علم الله سبحانه، (فقال) (٢٠٦) إن الله لم يقل مخلوقا ولا غير مخلوق وسلك في العلم مسلكك في الكلام؟ (قال) (٢٠٦): فقال: والله لو قال ذلك أحد لقسمته بسيفي، قال: فقلت له: ولم؟ قال: لأنه لو كان (٢٠٧) مخلوقا لكان قبل أن يخلق العلم جاهلا، لأن ضد العلم الجهل، قال: فقلت له: فكذلك (٢٠٨) لا يقال في الكلام مخلوق لأنه لو كان مخلوقا لكان موصوفا قبل خلقه بضده وهو الخرس. وما لزم في العلم لزم مثله في الكلام. ودليل آخر: إن العلم لا يعدو إحدى (٢٠٩) منزلتين: إما أن يكون صفة فعل كان من الله فمن شك في (خلق) (٢١٠) ذلك فهو كافر، ولعلم (٢١١) الله [و] (٢١٢) قدرته، ومن شك فلم يدر ذلك مخلوق أو غير مخلوق فهو كافر. والكلام لا يعدو هاتين المنزلتين. فالواقف شاهد على نفسه بأنه تارك للقول بالحق حتما. قال:

стр. 646

فتبسم، وبيّن لي أنه فهم ما كلمته به، وابن الأشج يكرر القول ويبديه: يريد القول بالوقف، فأقبل عليّ ابراهيم بن أحمد فقال لي: أقول لك كما كنت أقول لابن طالب (٢١٣): أنت لا تضطرني/إلى مذهبك وأنا لا أضطرك إلى مذهبي. قال: ثم أخذ ابن الأشج في مدح أهل العراق وتفضيلهم على أهل الحجاز فقال: لقد قال أسد (٢١٤): سألت (٢١٥) مالكا فأجابني، وسألته عن أخرى فأجابني، ثم سألته عن مسألة أخرى فأجابني، فقال لي رجل كان واقفا على رأس مالك-﵁: إن أردت التشقيق فعليك بالعراق. فقلت (له) (٢١٦): أيها الأمير هذا وأصحابه يزعمون أن أبا بكر الصديق -رضوان الله عليه-إذا انفرد بخبر عن رسول الله ﷺ لم تقم به حجة، وأن عمر-رضوان الله عليه-إذا انفرد بخبر لم تقم به حجة، وأن عثمان وعليا -رضوان الله عليهما-كذلك إذا انفردا (٢١٧) وها هو ذا يريد أن يقيم الحجة في تفضيل أهل العراق على أهل مدينة رسول الله ﷺ بخبر رجل لا يعرف من هو من جميع البرايا. قال أبو عثمان ﵁: فما نطق ابن الأشج ولا أصحابه بكلمة غير قوله: ويحك يا سعيد (٢١٨)، كأنه يريد دون هذا على تعظيم السلطان.

стр. 647

قال أبو عثمان: فقلت له: أتدري ما عبارة «ويحك»؟ فما درى ما أقول. (قال) (٢١٩) فقلت له: أنت تتكلم في مجلس الأمير وأنت لا تدري ما عبارة كلمة تكلمت بها، ثم قلت له: أتحب (٢٢٠) أن أعرفك عبارتها؟ إن عبارة «ويحك» «ويلك» وذلك (٢٢١) أن العرب كرهت المخاطبة باللام فجعلتها مرة حاء ومرة تجعلها سينا فتقول: «ويسك» (٢٢٢). قال: ثم جعل ابن الأشج يذكر أهل المدينة وأنهم لا يعرفون التأويل. -قال أبو عثمان: فقلت: أيها الأمير أرأيت لو أن رجلا قيل له: احمل رطلا فقال: لا أستطيع، فقيل له: فكم (٢٢٣) تستطيع؟ فقال: حمل قنطار! -قال: يكون هذا مخيلا (٢٢٤). -قلت: فقيل له فانظر (٢٢٥) هذا [الذي] (٢٢٦) بينك وبينه خطوة، قال: لا أراه، قيل له: و [من] (٢٢٦) كم ترى؟ قال: من فرسخ! -قال: يكون هذا مخيلا. قلت: وأبو حنيفة-رضوان الله عليه-يقول: من مسّ رأسه باصبعين حتى عمّ رأسه يريد بذلك تكملة طهارته أنه لا يجزيه حتى يمسح [رأسه] (٢٢٦) بأكثر كفه، قيل له: فمن ترك مسح رأسه ومضى في حاجة فأصابه رش بلّ رأسه؟ قال: يجزيه. قيل له: فمن مسح بإصبعي كفّيه خفّيه؟ قال: لا يجزيه. قيل له: فمن مضى وهو تارك للطهارة (٢٢٧) فخاض نهرا وهو لا يريد طهارة (٢٢٨)؟

стр. 648

قال: يجزيه ذلك (من) (٢٢٩) الطهارة. قال أبو عثمان: فقلت له: أيها الأمير فمن (٢٣٠) كان في جليل العلم بهذه الحال فكيف تنسب إليه غوامض العلم؟ قال: فعرض لي بعض من حضر بشيء ذكره من غير معاني العلم. فقلت له: والله ما أملك فوق الأرض ولا تحت/الأرض شيئا، ولو أن لي عبدا (٢٣١) أسود ما رضيت أن يتسفسف همته هذا التسفسف. وكانت له مقامات في الدين مع الكفرة المارقين (٢٣٢): أبي عبد الله الشيعي وأبي العباس أخيه (٢٣٣) وعبيد الله-لعنة الله عليهم-أبان فيها كفرهم وزندقتهم وتعطيلهم. خرج (٢٣٤) جماعة من القيروان للقاء (٢٣٥) الشيعي (٢٣٦) -لعنة الله عليه-منهم: أبو عثمان وحماس وابن عبدون (٢٣٧)، وكان أبو عثمان مهاجرا لابن عبدون، وذلك أنه حبسه، فقال ابن عبدون لأبي عثمان: تقدم يا أبا عثمان، فلم يجبه، فقال له: تقدم فليس هذا وقت مهاجرة، فلسانك سيف الله، وصدرك (٢٣٨) خزانة الله، وإنما أراد ابن عبدون بذلك (٢٣٩) أن يحرضه على مناظرة الشيعي. ولمّا (٢٤٠) خرج لمناظرته خرج معه أهله وولده وهم يبكون فقال (لهم) (٢٤١) لا

стр. 649

تفعلوا لا يكون إلاّ خيرا، حسبي من له خرجت وعن دينه ذببت. فأول (٢٤٢) مجلس جرى له معه أنه قال: ارسل ورائي الشيعي-لعنة الله عليه-وما كنت آتي إليه إلاّ برسول، فدخلت إليه في قصر ابراهيم بن أحمد وحوله جماعة من أصحابه/وجماعة ممن ينسب إليهم (٢٤٣) العلم من أهل بلدنا، فسلمت ثم جلست، فقال (٢٤٤) أبو عبد الله لابراهيم بن يونس (٢٤٥) -وقد قيل له إن هذا الشيخ كان قاضيا على هذه المدينة-بأي شيء كنت تقضي؟ فقال له ابراهيم: بالكتاب والسنّة. فقال له أبو عبد الله: فما السنّة؟ فقال (له) (٢٤٦) ابراهيم: السنّة .. السنّة [قال أبو عثمان: فلما سمعته على قوله «السنّة .. السنّة ... »] (٢٤٧) قلت لأبي عبد الله: المجلس مشترك أو خاص (٢٤٨)؟ فقال: مشترك. فقال أبو عثمان: أصل السنّة في كلام العرب: المثال الذي يتمثل (٢٤٩) عليه، قال الشاعر (٢٥٠):

стр. 650

تريك سنّة وجه غير مقرفة (٢٥١) ... ملساء ليس بها خال ولا ندب أي صورة وجه ومثاله. والسنّة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به رسول الله (٢٥٢) ﷺ والانتهاء عما نهى عنه والايتساء [به] (٢٥٣) فيما فعل (٢٥٤). قال الشيعي: فإن اختلف عليك فيما نقل إليك عن النبي ﷺ وجاءت السنّة من طرق؟ -فقلت له: انظر إلى أصح الخبرين نقلا فآخذ بأصحهما وأطلب الدليل على موضع الحق في أحد الحديثين ويكون الأمر في ذلك كشهود/عدول اختلفوا في شهادة فلا بد من طلب الدليل على موضع [الحق] (٢٥٥) من الشهادتين. -فقال الشيعي: فلو استووا (٢٥٦) في الثبات؟ -فقلت له: يكون أحدمها ناسخا والآخر منسوخا. -قال (٢٥٧): فمن أين قلتم بالقياس؟ -فقلت له: قلنا ذلك من كتاب الله . -قال: فأين تجد ذلك؟ -قلت: قال الله (في كتابه العزيز) (٢٥٨): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَاا عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢٥٩) فالصيد معلومة عينه، والجزاء الذي أمرنا أن

стр. 651

نمثله (٢٦٠) بالصيد (المعلومة) (٢٦١) عينه ليس بمنصوص فعلمنا بذلك أن الله تعالى إنما أمرنا أن نمثل ما لم ينص ذكر عينه: بالقياس والاجتهاد. ومنه قول الله : يَحْكُمُ بِهِ ذَاا عَدْلٍ مِنْكُمْ فلم يكله إلى حاكم واحد حتى جعلهما اثنين: ليقيسا ويجتهدا. (فقال أبو عبد الله الشيعي) (٢٦٢): ومن ذوا عدل؟ .وأومأ أن «ذوا عدل» إنما هم قوم مخصوصون (٢٦٣) بنصّ الآية (٢٦٤). قال: فقلت: هم الذين قال الله فيهم في آية المراجعة: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢٦٥) ومثل ذلك في تثبيت (٢٦٦) القياس قوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ /وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٢٦٧). والاستنباط غير منصوص. ثم عطف على موسى القطان فقال له: أين (٢٦٨) وجدتم حدّ الخمر في كتاب الله تعالى؟ فقال له موسى: قال النبيّ ﷺ : «من شربها فاضربوه بالاردية. ثم إن عاد (٢٦٩) فاضربوه بالأيدي، ثم إن عاد فاضربوه بالجريد» (٢٧٠).

стр. 652

- (فقال له: أبو عبد الله على النكير منه، ايش هذا؟ أقول لك (٢٧١): أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تعالى، تقول: اضربوه بالأردية ثم بالأيدي ثم بالجريد) (٢٧٢)؟ -قال أبو عثمان: فقلت له: إنما حدّ (٢٧٣) قياسا على حدّ القاذف (٢٧٤) [لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى (٢٧٥)، فوجب (٢٧٦) عليه ما يؤول أمره إليه وهو حدّ القاذف] (٢٧٧). -فقال لموسى القطان: أو لم يقل النبي ﷺ : «أقضاكم عليّ» (٢٧٨)، فجعل موسى وهو ينص (٢٧٩) عليه الحديث» ... وأعلمكم بحلال الله وحرامه معاذ، وأرأفكم (٢٨٠) أبو بكر، وأشدكم في دين الله عمر (٢٨١)، ﵃ أجمعين. -فقال له الشيعي: وكيف يكون أشدهم في دين الله وقد هرب بالراية يوم حنين (٢٨٢)؟

стр. 653

-فقال له موسى: ما سمعنا بهذا ولا نعرفه. -قال أبو عثمان: فقلت له: تحيّز إلى فئة كما أنزل الله تعالى. قال الله : إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ /أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (٢٨٣) [فمن تحيّز إلى فئة] (٢٨٤) كما أمر الله فليس بفار (٢٨٥). فمال [الشيعي] (٢٨٦) بوجهه إلى بعض أصحابه فقال: أتسمع (٢٨٧) ما قال الشيخ، قال: انحاز إلى فئة كما أمر الله-سبحانه-. فقال (٢٨٨) مجيبا-وهو يشير بيده-وأي فئة أكثر من رسول الله ﷺ [وقد كان حاضرا ولم يتحيّز إليه] (٢٨٩) وكأنه تخافت في كلامه ويسمع من يليه (٢٩٠). -[فقلت: جاء عنه ﷺ ، أنه قال: «عمر فئة» فمن تحيّز إلى عمر فقد تحيّز إلى فئة. فسكت: فحرّكه بعض أصحابه، وقال ألا تسمع ما يقول الشيخ؟ فقال: صدق، أو نحو هذا من القول سمعتها أنا منه ومن كان يليه] (٢٩١). ثم قال (٢٩٢) لأبي عثمان: هلا (٢٩٣) كان عندك من قول الله حكاية

стр. 654

عن نبيّه [ ﷺ ] (٢٩٤) في قوله لأبي بكر (٢٩٥) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا (٢٩٦) دلالة أن حزنه كان مسخوطا لأن النبي ﷺ نهاه عنه. -فقال أبو عثمان: لم يكن قوله له إلاّ تبشيرا بأنه آمن على رسول الله ﷺ وعلى نفسه معه ممّا كان يحذره من غلبة المشركين، وكان خوفه لما خاف من ذلك من أجل أنه لا يظهر على غيب ما تجري به مقادير الله (٢٩٧) ورسول الله ﷺ ينزّل عليه الوحي بغيب ما يكون قبل أن يكون فكان في قوله: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ما يبين أن الله معهما، بنصرته/إياهما وذلك لا يكون إلا بوحي من الله وقد بيّن الله تعالى اطلاعه أنبياءه المرسلين على غيبه بقوله: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (٢٩٨). فقال (له) (٢٩٩) أبو عبد الله: وهل تجد لهذا نظيرا من التنزيل: «لا تفعل» يراد به التبشير ولا يراد به النهي عن أمر مسخوط؟ فقال (له) (٢٩٩) أبو عثمان: نعم. قال: الله لموسى وهارون [﵉] (٣٠٠) لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٣٠١) لمّا خافا من فرعون أن يفرط عليهما أو أن يطغى ولم يكن خوفهما خوفا يسخط الله عليهما من أجله. لأنهما لو أديل لفرعون عليهما لكان (٣٠٢) في ذلك طغيانا لفرعون وتضعضعا للدين وهما رسولان داخلان في (معنى) (٣٠٣) قوله تعالى (٣٠٤) إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ

стр. 655

رَسُولٌ، فأطلعهما الله (٣٠٥) على غيب ما خافا كما أطلع محمدا (٣٠٦) (نبيّه) (٣٠٧) ﷺ -على غيب ما يؤول إليه الأمر الذي خافه أبو بكر (٣٠٨) ﵁ وأرضاه، فصار قول الله في أبي بكر شرفا لم يبلغه أحد (٣٠٩) بعده: فإن (٣١٠) الله تعالى أنزل فيه [و] (٣١١) في الأمر الذي خافه من التبشير بالأمن منه ما أنزل على (٣١٢) موسى/وهارون صلّى الله عليهما. -فقال (٣١٣) له أبو عبد الله: أفلا أوجب قول الله تعالى عند من سمعه وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (٣١٤) انقلاب أصحاب محمد ﷺ ؟ -فقال له أبو عثمان: (لا) (٣١٥)، لأن معناه أفإن مات أو قتل أفتقبلون (٣١٦) على أعقابكم لأن (٣١٧) معنى (٣١٨) أَفَإِنْ ماتَ: استفهام ومعنى اِنْقَلَبْتُمْ: أفتنقلبون (٣١٩). والاستفهامان إذا جاءا في قصة واحدة اجتزئ بأحدهما عن (٣٢٠) الآخر. وهذا الاستفهام إنما هو في معنى التقرير بأن لا تنقلبوا (٣٢١) على أعقابكم.

стр. 656

-فقال له: فهل تجد في (٣٢٢) كتاب الله نظيرا يكون من هذا دليلا؟ -فقال له: نعم. قول الله (٣٢٣) أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٢٤) أي إنك إن مت فهم لا يخلدون (٣٢٥)، فلما التقى استفهامان أجزأ ذكر أحدهما عن (٣٢٦) الآخر، فكأن لفظ الاستفهام من (٣٢٧) ذلك مراد (٣٢٨) به التقرير: (بأنهم لا يخلدون) (٣٢٩). -فقال أبو عبد الله (٣٣٠): يا أهل المدينة إنكم تبغضون عليّا. -فقال أبو عثمان: على مبغض عليّ لعنة الله والملائكة والناس أجمعين/وكيف أبغض عليّا وقد سمعت سحنون بن سعيد-وهو إمام أهل المدينة بالمغرب-يقول: «علي بن أبي طالب إمامي في الدين (٣٣١) أهتدى بهديه واستنّ بسنّته وأقتفي أثره» -رحمة الله عليه-. -فقال أبو عبد الله: أراد (٣٣٢) أن يقول: صلّى الله (عليه) (٣٣٣)، فرجع فقال: رحمة الله (عليه) (٣٣٣). -فقال أبو عثمان: -ورفع (٣٣٤) بها صوته-نعم. ﷺ ، لأن الصلاة في

стр. 657

كلام العرب: الرحمة والدعاء، قال الأعشى (٣٣٥): تقول (٣٣٦) بنتي وقد قرّبت مرتحلا ... يا رب، جنّب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت، فاغتمضي (٣٣٧) ... نوما (٣٣٨) فإن لجنب المرء مضطجعا فالصلاة من الله رحمة ومن الآدميين دعاء، نعم فصلّى (٣٣٩) الله على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وعلى أهل طاعته أجمعين من أهل السماوات والأرضين (٣٤٠). -فقال له أبو عبد الله: أليس قد قال النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه (٣٤١)» أفليس عليّ مولاك؟ فقال أبو عثمان: هو مولاي بالمعنى الذي أنابه مولاه، ومعنى مولاي: على الولاية في الدين لا مولى عتاقة، وذلك أن المولى في كلام العرب: الولي وابن العمّ والمعتق والمنعم عليه. قال الله في ابن العمّ -حكاية عن زكرياء ﵇ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَاالِيَ مِنْ وَرائِي (٣٤٢) يريد [به] (٣٤٣) العصبة. وقال في ولاية الدّين: ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (٣٤٤)

стр. 658

أي لا وليّ لهم. وقال في المؤمنين: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (٣٤٥)، فعليّ مولى المؤمنين بأنه وليّهم، وهم مواليه بأنهم أولياؤه، فهو مولاي بالمعنى الذي أنا به مولاه. -فقال أبو عبد الله: ألم يقل النبيّ ﷺ : «عليّ مني بمنزلة هارون من موسى» (٣٤٦)؟ -فقال له أبو عثمان: نعم إلاّ أنّه قال: «(إلاّ) (٣٤٧) أنه لا نبيّ بعدي» (٣٤٨) وهارون كان حجة في حياة موسى، وعليّ لم يكن حجة في حياة النبي ﷺ ، وهارون كان شريكا لموسى، أفكان لعلي شرك (٣٤٩) مع النبي ﷺ في النبوّة؟ إنما قال رسول الله ﷺ : «عليّ منّي كهارون من موسى» على التقريب والوزارة والولاية. قال: أليس (٣٥٠) هو أفضل (٣٥١)؟ -/فقال له أبو عثمان: أليس (٣٥٢) الحق متفقا (٣٥٣) عليه غير مختلف فيه؟ -قال: نعم: -قال: فقلت (٣٥٤) له: قد (٣٥٥) ملكت مدائن [كثيرة] (٣٥٦) قبل مدينتنا (هذه) (٣٥٧)

стр. 659

-وهي أعظم مدينة-واستفاض الخبر عنك أنك لم تكره أحدا خالفك في (٣٥٨) مذهبك [على الدخول فيه] (٣٥٩) فاسلك بنا مسلك غيرنا. -فألح (عليه) (٣٦٠) بعض أصحابه (٣٦١) في قصدنا (٣٦٢). -فقال لهم (٣٦٣): (نقول) (٣٦٤) كما قال (٣٦٥) شعيب (٣٦٦): وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٣٦٧). ثم نهضنا. قال (٣٦٨) [أبو عثمان] (٣٦٩): ودخلت يوما على أبي العباس. فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل (ممّن) (٣٧٠) ينتسب إلى العراقيين-أجللت أنا كتابي عن ذكره-: -أليس العالم أعلم (٣٧١) من المتعلم أبدا؟ والعراقي يقول له: نعم، وأهل المجلس لا ينطقون. قال: فقلت له: بقي شيء، أو نتكلم (٣٧٢)؟

стр. 660

فتمادى، فقال له: أو ليس المتعلم يحتاج إلى المعلم أبدا؟ قال: والعراقي يقول [له] (٣٧٣): نعم. قال: وفهمت مراده ومقصده ليؤكد بذلك الطعن (٣٧٤) على أبي بكر-رضي الله تعالى عنه-في سؤاله [عليّا ﵁] (٣٧٥) عن فرض الجدّة (٣٧٦)، قال: فبدرت وقلت له: إنّي أسمع (٣٧٧) كلاما يجب (٣٧٨) / [لله] (٣٧٩) عليّ [فيه] (٣٨٠) أن لا أسكت. -قال: وما ذلك؟ -قلت له: المتعلم يكون أعلم (٣٨١) من المعلم أبدا ويكون أفضل (منه) (٣٨٢) وأفقه. -فقال: (٣٨٣): وما دليلك؟ -قلت: رسول الله ﷺ [حيث] (٣٨٤) يقول: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وربّ حامل فقه غير فقيه» (٣٨٥).

стр. 661

وآخر (٣٨٦): ما هو متعارف بين الخليقة، أن المعلم يعلم الصبيان القرآن فلا يزال يعلمهم حتى يكبر [الصبيّ] (٣٨٧). فيعطي الله للصبيّ من الفهم بعامّ (٣٨٨) القرآن وبخاصّه وبظاهره (٣٨٩) وباطنه ما لا يقدر معلمه على علمه أبدا. قال: فقال لي: فاذكر (٣٩٠) من عام (٣٩١) القرآن وخاصّه (٣٩٢) شيئا؟ -قال: فقلت له: قال الله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ (٣٩٣) فاحتمل أن تكون هذه الآية أراد بها عاما فلما قال الله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٣٩٤) الآية، علمنا (٣٩٥) بهذه الآية أنّ مراده في [الآية] (٣٩٦) الأولى خاص (٣٩٧) دون عام. أراد ولا تنكحوا المشركات/غير الكتابيات حتى يؤمن. -قال: ومن المحصنات؟ -قلت (٣٩٨): العفائف. -قال: المحصنات: المتزوّجات. -قال: قلت: الإحصان [في كلام العرب] (٣٩٩) -التي (٤٠٠) بلسانها نزل

стр. 662

القرآن-: الإحراز، فكل من أحرز شيئا فقد أحصنه، فالإيمان: انحراز يحرز دم صاحبه (وماله) (٤٠١) وسبيه (٤٠٢)، وهو يحصنه، والعتق: يحصن (٤٠٣) المملوك لأنه يحرزه (من) (٤٠٤) أن يجري عليه ما يجري على المماليك. والتزويج: يحصن الفرج لأنه أحرزه (من) (٤٠٤) أن يكون مباحا [له] (٤٠٥) ما كان له قبل التزويج، والعفاف: إحصان للفرج (٤٠٦) لأنها أحصنت فرجها بالعفاف. قال: ما يكون الإحصان-عندي-إلاّ التزويج (٤٠٧). -قال: فقلت (٤٠٨) له: منزّل القرآن يأبى ما ذكرت. قال الله : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها (٤٠٩) يريد أعفتّه. -قال: أعفتّه؟ -قلت: نعم (أعفتّه) (٤١٠). وقال: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ (٤١١) عفائف غير زوان (٤١٢). -قال: فقال لي: فقد قال في الاماء: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (٤١٣)، فكيف جعل العذاب على المحصنات وهن عندك قد يكنّ عفائف؟ قال: قلت: سمّاهنّ بمتقدم (٤١٤) إحصانهن قبل زناهن (٤١٥) قال الله

стр. 663

في كتابه العزيز: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْااجُكُمْ (٤١٦) وقد انقطعت العصمة بالموت (٤١٧)، يريد اللاّئي كنّ أزواجكم (٤١٨) [وهذا كثير] (٤١٩). -قال: فعارضني-معينا له بعض من سمى، فأجللت (٤٢٠) أنا كتابي عن ذكره-قال: فقلت له: امسك (عن هذا) (٤٢١) يا حدث-بصيحة-قال: فلم ينطق. -[فقال (٤٢٢) لي أبو العباس: فعذاب المحصنات: الرجم، فكيف يعقل نصف الرجم وقد يقتل بواحدة وربما لم يقتل بأكثر من ذلك؟ -قال: فقلت: هذا ممّا كنا فيه، أراد خاصا دون عام، أراد نصف ما عليهن من عذاب الجلد دون الرجم. -فقال لي: ومن يقول بالجلد مع الرجم؟ قال: قلت: علي بن أبي طالب-﵁-جلد شراحة (٤٢٣) مائة ورجمها (٤٢٤). وقال: «جلدتك بكتاب الله ورجمتك بسنّة رسول الله».] (٤٢٥). قال: ثم جرى ذكر شيء (٤٢٦) فقال لي: -أنت يا شيخ تلوذ.

стр. 664

قال: قلت: ليس أنا [الذي] (٤٢٧) ألوذ-لأني أنا المجيب لك-وأنت الذي تلوذ لأني إذا أتيتك بالجواب ووقفتك منه على حدّ له رجعت إلى مسألة أخرى غير ما سألتني عنه، فأنت الذي لذت. قال: ثم صحت والله صيحة: ألا أحد يكتب ما أقول ويقول غضبا لله تعالى. قال: فو الله لقد وقى الله تعالى شرّه. -قال فكأنك تقول انك أعلم الناس؟ -قال: قلت: أما بديني فنعم. -قال: فما تحتاج فيه إلى زيادة؟ -قلت: لا [لأن] (٤٢٨) ديني الذي أنا عليه هو الحق الذي ليس (٤٢٩) الحق في سواه أبدا. -قال: فأنت (إذن) (٤٣٠) أعلم من موسى [بن عمران] (٤٣١) ﵇ إذ يقول: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٤٣٢). -قال: فقلت له: [قائل] (٤٣٣) هذا طاعن على نبوّة موسى-﵇ إذ يزعم أن الله تعالى اصطفاه برسالته وبكلامه ونبوته وهو محتاج/إلى أن يتعلم بعد ذلك شيئا من دينه-معاذ الله-إنما (كان) (٤٣٤) العلم-الذي كان عند الخضر-دنيويا: سفينة خرقها لعلمه بالملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا، وغلاما قتله: علم كفره وإيمان أبويه، وجدارا أقامه: علما بالكنز الذي تحته.

стр. 665

وذلك (٤٣٥) كله لا يزيد (٤٣٦) في دين موسى [شيئا] (٤٣٧). -قال: فأنا أسألك. -قلت له: أورد [و] (٤٣٨) عليّ الإصدار بالحق بلا مثنوية (٤٣٩). -قال: فقال [لي] (٤٤٠): ما تفسير الله؟ -[قال] (٤٤٠): فقلت له: ذو الإلهة (٤٤١). - (قال: وما الإلهة (٤٤٢)؟ -قلت: الربوبية. -قال: وما الربوبية (٤٤٢)؟ -قلت: الملك للأشياء كلها (٤٤٣). -فقال لي: فقريش (٤٤٤) -في جاهليتها-كانت تعرف الله. -فقلت (٤٤٥) له: لا، ما كانت تعرف (٤٤٦) الله.

стр. 666

-قال: فقد حكى الله عنهم قولهم (٤٤٧) ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى (٤٤٨). - (قال) (٤٤٩): قلت (له) (٤٤٩): لما أشركوا (٤٥٠) معه غيره فقالوا (٤٥١): ذو الشركاء والآلهة (٤٥٢) لم يعرفوه، وإنما يعرف الله من قال: إن الله ليس له شريك وقد أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٤٥٣) فلو كانوا يعبدون (٤٥٤) الله ما قال: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. -قال: ثم قال لي: فمن الذين آمنوا؟ -فقلت (٤٥٥): نحن ومن ترى، وأوميت (٤٥٦) بيدي إلى أصحابنا (٤٥٧) وهم بين يديه. -قال: ومن الذين هادوا؟ -/قال: فقلت: أين المتكلم آنفا بما لا يدري. هذا من (ذلك) (٤٥٨) الذي أنكرت (٤٥٩): سمّاهم (٤٦٠) وهم كفّار بمتقدم كلمة كانت منهم تابوا بها (فكانوا

стр. 667

بها) (٤٦١) مسلمين بقولهم: إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ (٤٦٢). -قال: فمن النصارى؟ - (قال) (٤٦١): قلت: الذين تكلموا في المسيح ﷺ . -قال: فمن الصابئون (٤٦٣)؟ -فقلت (٤٦٤): هم الذين عبدوا الملائكة (٤٦٥) وزعموا أنهم بنات الله [-تبارك الله وتعالى-] (٤٦٦). [-قال أبو عثمان: وهذا قول أهل العلم: فبدأت بجوابهم قبل أن أجيبه بكلام المتكلمين. -قال أبو عثمان: فقال لي: هم الذين عبدوا الملائكة؟ -قال: قلت: نعم وزعم هشام (٤٦٧): أنهم أصل المنانية (٤٦٨).] (٤٦٩)

стр. 668

-قال: فمن الذين أشركوا؟ - (قال) (٤٧٠): فتبينت أنه إنما أراد بإيمائه (٤٧١)، وبما استدللت منه أنهم عنده مسلمون. -قال: فقلت: المشركون الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين أرسل إليهم رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقرأ عليهم آيات من سورة براءة (٤٧٢). -قال: فقريش ما كانت تعبد؟ -قلت له: الأصنام. -فقال (٤٧٣) لي: وما الأصنام؟ -قلت له: الحجارة. -قال: والحجارة كانت تعبد؟ -على النكير منه أن (تكون) (٤٧٤) الحجارة هي الأصنام-. -قال: فقلت له: نعم. والعزّى كانت تعبد وهي شجرة (٤٧٥)، والشعرى كانت تعبد وهي نجم (٤٧٦). -قال: فقال لي: الله يقول/: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى (٤٧٧)، فكيف تقول انها الحجارة والحجارة لا تهتدي إذا هديت لأنها ليست من ذوات العقل؟ -فعارضني بعض أهل المجلس-كالمعين له-فقال: كيف تعقل الحجارة

стр. 669

وهي من غير ذوات العقل؟ -قال: فقلت للمعارض: أمسك. ما لك ولذا؟ -ثم قلت: قد أخبرنا الله : ان الجلود تنطق في الآخرة وليست من ذوات (٤٧٨) النطق. -فقال (٤٧٩): نسب (٤٨٠) إليها النطق على سبيل المجاز، والنطق للأفواه. -فقلت [له] (٤٨١): منزّل القرآن يأبى ما ذكرت، فقلت: قال الله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْااهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٤٨٢) قال: -وأشرت بإصبعي السبّابة إلى فمي فقلت: ختم [الله] (٤٨٣) على أفواههم: ثم بيّن بقوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (٤٨٤). وما الفرق بين جسمك وأجسامهم (٤٨٥) (وبين الحجارة) (٤٨٦) إلا أنه (٤٨٧) عقلنا [الله] (٤٨٨) فعقلنا ولو لم يعقلنا لم نعقل (٤٨٩)، وكذلك الحجارة إذا شاء أن يعقلها (٤٩٠) عقلت. [هذا الجبل لما عقله الله عقل جلال تجلّيه: اندك. قال الله ﵎: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا (٤٩١)] (٤٩٢).

стр. 670

ذكر زهد أبي عثمان سعيد بن الحداد-﵁ - قال أبو عثمان (٤٩٣): قال لي ابن طالب/يوما: بمن تأنس اليوم يا أبا عثمان؟ فقلت (٤٩٤) له: بالوحدة والغد [و] (٤٩٥) بعد الغد. ثم قال لي يوما [آخر] (٤٩٦): ما الذي يتغدى أبو عثمان (٤٩٧)؟ فقلت له: الخضرة (٤٩٨) والقطنية. فقال لي: احسن والله أبو عثمان. وأبو عثمان خير منا (٤٩٩). قال (٥٠٠) ابن التفاحي: قلت لأبي إسحاق السبائي: ما رأيت-أصلحك الله-أغزر (٥٠١) دمعة من سعيد بن الحداد، لأن كل [صاحب] (٥٠٢) جدل وكلام تجد له قسوة. فقال السبائي: سعيد بن الحداد سبق إلى قلبه صحبة النسّاك: واصل (٥٠٣) وأصحابه. قال الفقيه أبو بكر (بن) (٥٠٤) عبد الرحمن (٥٠٥) ﵁ وأرضاه عن أبيه قال (٥٠٦): كانت الدجاجة إذا باضت في دار سعيد فرحوا بذلك لأنهم يشترون (٥٠٧) بها بقلا، وكان مع هذا التقلل يلبس لباس (٥٠٨) الشرفاء للتهيّب في
следующие страницы →