← Тараджим

Тараджим · id 148883

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية

أبو بكر المالكي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

-قال: فقد حكى الله عنهم قولهم (٤٤٧) ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى (٤٤٨). - (قال) (٤٤٩): قلت (له) (٤٤٩): لما أشركوا (٤٥٠) معه غيره فقالوا (٤٥١): ذو الشركاء والآلهة (٤٥٢) لم يعرفوه، وإنما يعرف الله من قال: إن الله ليس له شريك وقد أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٤٥٣) فلو كانوا يعبدون (٤٥٤) الله ما قال: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. -قال: ثم قال لي: فمن الذين آمنوا؟ -فقلت (٤٥٥): نحن ومن ترى، وأوميت (٤٥٦) بيدي إلى أصحابنا (٤٥٧) وهم بين يديه. -قال: ومن الذين هادوا؟ -/قال: فقلت: أين المتكلم آنفا بما لا يدري. هذا من (ذلك) (٤٥٨) الذي أنكرت (٤٥٩): سمّاهم (٤٦٠) وهم كفّار بمتقدم كلمة كانت منهم تابوا بها (فكانوا

стр. 667

بها) (٤٦١) مسلمين بقولهم: إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ (٤٦٢). -قال: فمن النصارى؟ - (قال) (٤٦١): قلت: الذين تكلموا في المسيح ﷺ . -قال: فمن الصابئون (٤٦٣)؟ -فقلت (٤٦٤): هم الذين عبدوا الملائكة (٤٦٥) وزعموا أنهم بنات الله [-تبارك الله وتعالى-] (٤٦٦). [-قال أبو عثمان: وهذا قول أهل العلم: فبدأت بجوابهم قبل أن أجيبه بكلام المتكلمين. -قال أبو عثمان: فقال لي: هم الذين عبدوا الملائكة؟ -قال: قلت: نعم وزعم هشام (٤٦٧): أنهم أصل المنانية (٤٦٨).] (٤٦٩)

стр. 668

-قال: فمن الذين أشركوا؟ - (قال) (٤٧٠): فتبينت أنه إنما أراد بإيمائه (٤٧١)، وبما استدللت منه أنهم عنده مسلمون. -قال: فقلت: المشركون الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين أرسل إليهم رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقرأ عليهم آيات من سورة براءة (٤٧٢). -قال: فقريش ما كانت تعبد؟ -قلت له: الأصنام. -فقال (٤٧٣) لي: وما الأصنام؟ -قلت له: الحجارة. -قال: والحجارة كانت تعبد؟ -على النكير منه أن (تكون) (٤٧٤) الحجارة هي الأصنام-. -قال: فقلت له: نعم. والعزّى كانت تعبد وهي شجرة (٤٧٥)، والشعرى كانت تعبد وهي نجم (٤٧٦). -قال: فقال لي: الله يقول/: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى (٤٧٧)، فكيف تقول انها الحجارة والحجارة لا تهتدي إذا هديت لأنها ليست من ذوات العقل؟ -فعارضني بعض أهل المجلس-كالمعين له-فقال: كيف تعقل الحجارة

стр. 669

وهي من غير ذوات العقل؟ -قال: فقلت للمعارض: أمسك. ما لك ولذا؟ -ثم قلت: قد أخبرنا الله : ان الجلود تنطق في الآخرة وليست من ذوات (٤٧٨) النطق. -فقال (٤٧٩): نسب (٤٨٠) إليها النطق على سبيل المجاز، والنطق للأفواه. -فقلت [له] (٤٨١): منزّل القرآن يأبى ما ذكرت، فقلت: قال الله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْااهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٤٨٢) قال: -وأشرت بإصبعي السبّابة إلى فمي فقلت: ختم [الله] (٤٨٣) على أفواههم: ثم بيّن بقوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (٤٨٤). وما الفرق بين جسمك وأجسامهم (٤٨٥) (وبين الحجارة) (٤٨٦) إلا أنه (٤٨٧) عقلنا [الله] (٤٨٨) فعقلنا ولو لم يعقلنا لم نعقل (٤٨٩)، وكذلك الحجارة إذا شاء أن يعقلها (٤٩٠) عقلت. [هذا الجبل لما عقله الله عقل جلال تجلّيه: اندك. قال الله ﵎: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا (٤٩١)] (٤٩٢).

стр. 670

ذكر زهد أبي عثمان سعيد بن الحداد-﵁ - قال أبو عثمان (٤٩٣): قال لي ابن طالب/يوما: بمن تأنس اليوم يا أبا عثمان؟ فقلت (٤٩٤) له: بالوحدة والغد [و] (٤٩٥) بعد الغد. ثم قال لي يوما [آخر] (٤٩٦): ما الذي يتغدى أبو عثمان (٤٩٧)؟ فقلت له: الخضرة (٤٩٨) والقطنية. فقال لي: احسن والله أبو عثمان. وأبو عثمان خير منا (٤٩٩). قال (٥٠٠) ابن التفاحي: قلت لأبي إسحاق السبائي: ما رأيت-أصلحك الله-أغزر (٥٠١) دمعة من سعيد بن الحداد، لأن كل [صاحب] (٥٠٢) جدل وكلام تجد له قسوة. فقال السبائي: سعيد بن الحداد سبق إلى قلبه صحبة النسّاك: واصل (٥٠٣) وأصحابه. قال الفقيه أبو بكر (بن) (٥٠٤) عبد الرحمن (٥٠٥) ﵁ وأرضاه عن أبيه قال (٥٠٦): كانت الدجاجة إذا باضت في دار سعيد فرحوا بذلك لأنهم يشترون (٥٠٧) بها بقلا، وكان مع هذا التقلل يلبس لباس (٥٠٨) الشرفاء للتهيّب في

стр. 671

أعين الأعداء (٥٠٩) -يعني عبيد الله وشيعته-وكانت كسوته تقوم بعشرين دينارا. وكانت له همة يتيه بها على أهل الدنيا وذلك أنه كان جالسا-يوما-على باب داره فجاز به عبد الحميد السرتي/-وهو شاب-راكبا على فرس ينظر في عطفيه جمالا وكسوة فلم يسلم على سعيد، فأنشأ سعيد يقول: ويبصرني إذا ذو المال يزهى ... بما يحوي من المال الجزيل أراه كأن عيني لا تراه ... وأعرض عنه إعراض الملول وكان يقول في مثل ذلك (٥١٠): رغبت (٥١١) بنفسي عن دني المكاسب ... وما أعجزتني (٥١٢) حيلة عن مطالبي فإن لم أنل دنيا فقد نلت همة ... تنزّه نفسي عن دنّي المعائب أبت همّتي إلاّ سموّا إلى العلى ... وإن طأطأتني حادثات النوائب [تراني وفي صدري هموم كثيرة ... ضحوكا لأخفي عن جليس وصاحب] (٥١٣) ذكر الشيخ أبو الحسن بن القابسي ﵁ وأرضاه، قال: كان فتى يطلب على سعيد فخرج من عنده يوما، فأتى الدار (٥١٤)، فوجد والده قد صنع/سكباجة محكمة فلما قرّبت بين أيديهم قال له والده: مسألة يا بني. -فقال له: ما هي؟ -قال له (٥١٥): هل الموت مخلوق أو غير مخلوق؟ -فبقي الفتى (٥١٦) ساكتا لا يحير جوابا. فقال له والده: صحبت هذا الشيخ الذي تطلب عليه كذا وكذا سنة ولم تعلم هذه المسألة، لله عليّ إن أكلت

стр. 672

من هذه السكباجة شيئا (٥١٧) حتى تمضي إلى معلمك وتسأله عن هذه المسألة. قال: فمضى الفتى-وكان نصف النهار-في يوم حار في مسافة بعيدة، فضرب على أبي عثمان الباب، فقال: من [هذا] (٥١٨)؟ -فقال: فلان-أصلحك الله-. -فرفع الخيط وقال له: لج واتركه رهوا (٥١٩)، فلما دخل على أبي عثمان، قال له: ما الذي أتى بك (في) (٥٢٠) هذا الوقت؟ -فقال (٥٢١) له: مسألة أردت سؤالك عنها. -فقال له: [و] (٥٢٢) ما هي؟ فأخبره بها، فقال له: اقرأ [من] (٥٢٢) أول سورة الملك تجد مسألتك، فقرأ حتى انتهى إلى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ (٥٢٣) فقال له حسبك. ففهم الفتى المسألة. ثم قال له أبو عثمان: «البطنة تذهب الفطنة» (٥٢٤) ثم أشار إلى باقية (٥٢٥) مغطاة بمنديل-فقال له: اكشفها. فكشفها. فإذا بنصف خبزة. فقال: هذا قوتي في يومي هذا وليلتي (٥٢٦) آكله الساعة ثم لا آكل شيئا إلى قبل هذا الوقت من الغد. ثم مضى الشاب إلى أبيه فأعلمه بما قال له، فقال (٥٢٧): أما الساعة فكل ما أحببت.

стр. 673

وكان (٥٢٨) ﵁ وأرضاه متقلّلا من الدنيا (٥٢٩) حتى ورث (٥٣٠) من أخ له مات بصقلية أربعمائة دينار (٥٣١) أعانه عليها الأمير ابراهيم بن أحمد، فلما وصلت إليه هدّم داره وبناها وأنفق فيها مائتي دينار، واشترى بخمسين دينارا: كسوة (واشترى) (٥٣٢) بخمسين دينارا: فرشا ودثارا (٥٣٣) وما يصلح للاستخدام من الأواني وغير ذلك، وبقيت معه (٥٣٤) مائة دينار، فعاتبه بعض إخوانه على محقه الدنانير، فقال (لهم) (٥٣٥): عملت ما عمله أكابر الرجال وعقلاؤهم: أما بنياني (٥٣٦) الدّار، فإنما راحة المرء في داره. وأما الكسوة فهو نظر (٥٣٧) في المعيشة لأنه إذا كان عند الرجل (٥٣٨) ثوب واحد هلك في أقرب وقت (٥٣٩) وإذا كان عنده جملة (٥٤٠) من الثياب بقيت عنده (٥٤١) مدة من الزمان. وأما المائة دينار (٥٤٢) الباقية فأي شيء يفنيها؟ وأنا (إنما) (٥٤٣) آكل من الجمعة إلى الجمعة/ربع (٥٤٤) رطل لحم نجعل عظامه في ليلة وشرائحه في ليلة، ثم نأكل

стр. 674

في الليلة الثالثة السماصاحية، (وهي الخزيرة) (٥٤٥)، و [في] (٥٤٦) الليلة الرابعة كواكبية (٥٤٧)، وهي: سلق وحمص، والليلة الخامسة نيسابورية، وهي سلق واسفنارية، (وهي جزر) (٥٤٨)، والليلة السادسة: فستقية، وهي سلق وفول، والليلة السابعة: اللحم. وهذا الفعل من أبي عثمان-﵁-قناعة وتدبير للمعيشة (٥٤٩)، قنع بما في يديه [واستغنى] (٥٥٠) عن الناس. وكان يحضّ على القناعة ويرغب الناس فيها ويقول: إنها غنى (٥٥١). ابن أبي زيد ﵁ عن عبد الله بن سعيد عن أبيه قال (٥٥٢): قدمت من طرابلس (٥٥٣) في سفرة (٥٥٤) كنت سافرت إليها (٥٥٥) في محمل ونحن في رفقة فيها سبعون حمل برّ من شداد (٥٥٦) البصرة (٥٥٧) وجميع الرفقة: من (٥٥٨) الجمال والأحمال والأعوان لرجل واحد هو فيها معنا يقال له أبو عوانة راكب على حمار مسرّج (٥٥٩)

стр. 675

محزّم الوسط بمنطقة، وكان يستظل بظل محملي. قال أبو عثمان: فقال لي يوما -وهو تحت ظل محملي-: يا أبا عثمان ما يقول أصحابكم-أصحاب (٥٦٠) الحديث-في القناعة؟ قال أبو عثمان: فقلت له من تلقائي: القناعة غنى، لأنه من قنع بما في (٥٦١) يديه استغنى (٥٦٢) عمّا في يد غيره (٥٦٣). قال: فقال لي: لكن أصحابنا السواديين (٥٦٤) يقولون: القناعة فقر، لأن كل من قنع (٥٦٥) لا (٥٦٦) يطلب ومن لم يطلب لا يكسب (٥٦٧) ومن لم (يكسب) (٥٦٨) فهو فقير، قال: أبو عثمان: فسكتّ عنه ولم أكلمه بشيء، قال: فنزل إلى القيروان- (وكان له ريع) (٥٦٨) -فباع فندقا له في باب سلم، وباع دارا له وغير ذلك، ثم اشترى ثلاثين حملا حتى كملها مائة جمل بأحمالها وأعوانها، ثم توجّه يريد بلد السودان. قال أبو عثمان: فانقطع خبره من الوقت الذي خرج فيه إلى هذا الوقت فما أدرى ما فعل الله تعالى به وبجميع ما معه، قال: فذكرت خبره لبعض من يسافر إلى تلك الجهة، قال: يقال (٥٦٩) إنه نزل (٥٧٠) في بعض الرمال فأسفت عليهم الريح فدفنتهم أجمعين. قال أبو عثمان: فوقع في قلبي (٥٧١) أنه عوقب بما كلّمني به في القناعة.

стр. 676

قال (٥٧٢) عبد الله ولده: اشتكى أبي بحرّ شديد حتى رأينا (٥٧٣) بصره قد تغير علينا ورآه بذلك بعض من عنده من العوّاد، قال: واحسب أنه قال: -ولم يعلم هو بذلك من نفسه حتى أخبر-فلما خلا رفع المرآة إلى وجهه فنظر إلى بصره بتلك الحالة (٥٧٤) فرفع يديه إلى الله وقال: اللهم بحق الإسلام الذي سيط (٥٧٥) به لحمي ودمي فرّج عني. قال: فأعاد الله بصره على ما كان عليه قبل ذلك. وزال منه ما أصابه (فيه) (٥٧٦)، قال: ثم نظر (بعد) (٥٧٦) ذلك وجهه في المرآة فرأى بصره قد عاد لهيئته، قال: أقول (٥٧٧)، وما عسى أن أقول؟ أحمد من أعبد. وخطر (٥٧٨) عليه صاحب المحرس وهو في مجلسه (مع جلسائه) (٥٧٩)، فلحظه لحظا منكرا، فقال له بعض جلسائه (٥٨٠): إنما صار إلى العامل ليخبره اجتماع الناس عندك، فأخذ-﵀-يستعين بالله تعالى ويستكفيه شرّه وضرّه، قال: فما أمسى له الليل حتى أتاه الخبر أن ذلك المخوف (٥٨١) -صاحب المحرس-صار إلى العامل (٥٨٢)، فلما صار إليه خاطبه [وأطال] (٥٨٣)، فلا يدرى في أمره أم في غيره، فأمر العامل بالسيف وأن يوسط به صاحب المحرس، فوقع نصفه من جانب والنصف الآخر من جانب، فحمد الله تعالى أبو عثمان كثيرا

стр. 677

وشكره على ما كفاه منه. وكان رحمه الله تعالى على غاية من حسن الخلق وكرم النفس: ذكر عنه أنه جلس إليه يوما شيخ يعرف بابن مرزوق (٥٨٤) -وكان في ما مضى مغنّيا-قال: فأخذ سعيد في حديث يحدثه ويحدث أصحابه، فلما توسط كلامه سكت عن الحديث وقطعه وقال: ارو (٥٨٥) هذا الحديث، فلما قام ابن مرزوق قال: كدنا أن نحشم جليسنا، فعلم أنه كان باقي الحديث الذي سكت [عنه] (٥٨٦) في ذم الغناء، وأظن الرجل كان مغنّيا. وأخذ (٥٨٧) «فتح» (٥٨٨) الحاجب (رجلا) (٥٨٩) قيل إنه مفسد لحرم المسلمين، فقال الرجل لفتح: لا تعجل عليّ. سعيد بن الحداد يعرفني ويعرف حالي، قال سعيد: وأنا أعرف ذلك. قال: فجاءني، فقال (لي) (٥٨٩): تعرفني؟ فقلت له: نعم. أعرفك بسوء الحال والرداء. فقال لي: صدقت. ولكني أشهد الله تعالى وأشهدك أني تائب إلى الله من جميع ما عملته/فقال أبو عثمان سعيد -رضي الله تعالى عنه-فبعد أن أدبر عنّي أتاني رسول الحاجب يسألني عنه، قال: فقلت له: أما مذ (٥٩٠) تاب ورجع إلى الله فما (٥٩١) علمت منه جرحة (٥٩٢) ولا زلة. رحم الله أبا عثمان ونضر وجهه. وأما كلامه بالحكمة وصنعته (٥٩٣) للشعر فقد حدثنا الشيخ أبو محمد (٥٩٤) بن أبي

стр. 678

زيد الفقيه، حدثنا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن الحداد عن أبيه أنه كان يقول: إن لم يشتد حزنك على ما تنكره من حالك فاقض على نفسك بخروجك من نعت المؤمنين الذين نعتهم نبيّهم ﷺ في قوله: «من سرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مؤمن (٥٩٥)» وليس ترك ما يوصف به المؤمنون بمخرج لهم من الإيمان إذا لم يكن تركهم له على الديانة وإن (٥٩٦) استوجبوا به الوعيد. وقال أيضا: ما جرت الأعمال التي هي في نفسها قرب إلاّ قصد العاملين بها غير وجه الله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٥٩٧). وقال: الحب في الله والبغض في الله [من] (٥٩٨) أفضل ما تقرّب به إلى الله فهو فريضة على من آمن بالله تعالى. (وقال) (٥٩٩): لا تقل (٦٠٠) إلاّ/خيرا ولا ترد بما تقول إلاّ الله لأن الله ﵎ يقول: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (٦٠١) وقال: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (٦٠٢) فمن علم أن كلامه محصيّ عليه حرس قوله وإرادته، وما توفيقي إلاّ بالله. قال ابن حارث: قال لي أبو جعفر بن موسى التمار (٦٠٣): كان أبو عثمان

стр. 679

كثيرا ما يقول: ما لطالب العلم وملاءمة (٦٠٤) المضاجع. وكان يقول (٦٠٥): دليل الضبط الإقلال، ودليل التقصير الإكثار. وكان كثيرا ما يقول (٦٠٦): تقديم من أخره (٦٠٧) الله، وتأخير من قدّمه (٦٠٧) الله فتنة في الأرض وفساد كبير. وكان كثيرا ما يقول للذي يردد قولا لا ينتفع به: امح فلسا واكتب فلسا (٦٠٨). وكان كثيرا ما يقول: القرب من الفتنة غرق، والبلاء إنما هو (٦٠٩) في القلب، وما للفتنة (٦١٠) مثل التباعد عنها. وكان يقول (٦١١): المكر مضارع للسحر (٦١٢) (-يعني مشابه السحر-، لأنّ من (٦١٣) احتال عليك كمن سحرك (٦١٤)، والغدر إلى جانبه (الذل) (٦١٥). وكان يقول (٦١٦): سل ربك العافية من بلاء يضطرك إلى المعصية (٦١٧).

стр. 680

وكان يقول (٦١٨): إنما هو دين أو مروءة فمن عري منهما (فقد) (٦١٩) عري من كل خير. وكان يقول: من شغل بذكر مساوئ الناس ترك حظه من الشغل بمساوئ نفسه، ومن شغل بالفكر في مساوئ نفسه أذهله ذلك عن الشغل بمساوئ الناس، ومساوئ نفسه هي التي تضره (٦٢٠)، ومساوئ الناس (٦٢١) لا تضره. وأنشد في مثل هذا المعنى: يمنعني من عيب غيري الذي ... أعلمه فيّ من العيب عيبي لهم بالظن منّي لهم ... ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم ... فقد أحصى ذنوبي عالم الغيب وقال أبو عثمان ﵀: إذا رأيت إنسانا يكثر الخوض في الحديث فليدخل قلبك أنه غير ناج من القول بالباطل في كثرة ما يخوض فيه: وقال (٦٢٢): القرب من السلطان (٦٢٣)، في غير هذا الوقت، حتف من الحتوف/فكيف في هذا الوقت. وقال: من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره. وقال: من لم يعالج إصلاح ما يجول في قلبه، ويجري على لسانه فليست له عناية

стр. 681

بدينه، ومن أهمّه ما يجول في قلبه ويجري على لسانه فهو مشغول بنفسه، والقلوب مولعة بما عليها فيه الضرر (٦٢٤). وكان يقول: خاب السالون عن الله والمتنعمون بالدنيا، فكأن (٦٢٥) الناس ما آمنوا بالله ولا صدّقوا بوعيده. وقال: من أوليته جميلا على غير طريق الحق أعقبك منه قطيعة مكان الجميل الذي أوليته، عقوبة من الله ، فإن قصدت (٦٢٦) بما أوليته طريق البرّ ثم لم يرعه، كان الله المعين لك عليه. وقال: افعل لله تعالى يمدحك من كان يذمّك [و] افعل (٦٢٧) لغير الله يذمّك من كان يمدحك. وقال: من تحبّب إلى العباد بمعاصي الله تعالى بغّضه الله إلى من تحبّب إليه (بمعصيته) (٦٢٨). وقال: من ترك القول بالحق خيفة من الناس لم يأمن أن ينزل به البلاء. وقال: ما رأيت للإنسان مثل الوحدة إلاّ أن يكون جليسا أخذت الآخرة بقلبه/أخذا قويّا. وقال:

стр. 682

المقدّم من قدّمه تقواه، قدّم عند العباد أو أخّر. وقال: قف نفسك على ما يوجب عليها، واصبرها على أخذ الحق (٦٢٩) منها. (وقال: قف نفسك عن تناول ما لا يجب لها واصبرها على أخذ مفروضها) (٦٣٠). وقال (٦٣١): ليس كل ذنب يجب فيه العفو (٦٣٢)، ولا كل حالة يحسن (٦٣٣) فيها الحلم. وقال أيضا: لا تعدلنّ بالوحدة شيئا، فإن الناس صاروا ذبابا. وقال: ما استنقذت النفوس بمثل ترك مساعدتها. وقال: ما صدّ عن الله تعالى بمثل طلب المحامد وطلب الرفعة عند المخلوقين: وقال: أعظم من ذنب المذنب تركه الاعتراف بذنبه. (وقال) (٦٣٤): لا والذي لا إله إلاّ هو ما فرح قط عاقل وهو يعلم أنه في غير طريق رشده. وقال: الذي أنت فيه تخلّيه، والذي بين يديك تصير إليه.

стр. 683

وقال (٦٣٥): ما بين الإنسان وبين أن يغتبط بما قدّم من خير ويندم على ما ترك من الدنيا إلاّ أن ينزل به الموت ويندم على فراق الدنيا، وقد حان معقلنا وجدّ رحيلنا وما ينبغي للإنسان أن يضيع مكسبه ولا يسرع/يده فيما يملك (٦٣٦) لو لم يتماسك بالوفر إلاّ لشماتة الأعداء لئلا يحتاج الإنسان إلى غيره وإن فتح له فيه قدمه. وقال: القيام بأمر الجماعة حمل ثقيل فإن ابتليت فابل الله منك بلاء حسنا. وقال (٦٣٧): القلب الحي كاللحم الحي: اليسير يؤلمه، والقلب الميت كاللحم الميت الكثير لا يؤلمه. وقال: هو زمان لا تحدث نفسك أنك تجد فيه أحدا (٦٣٨) يصفي لك المودة في الباطن كما يبدي لك في الظاهر، ولو انك تغضب (٦٣٩) هذا الذي يبدي لك المودة أو تخالفه في شيء يهواه لهان عليه أن يعرضك لما فيه حتفك. وكان-رحمة الله عليه-يقول الشعر ويجيده فمن (ذلك) (٦٤٠) ما أنشده أبو محمد ابن أبي زيد وأبو بكر أحمد بن أبي بكر الزويلي (٦٤١) لأبي عثمان ﵃ أجمعين: ما زلت من حادثات الدهر معتجبا ... حتى انقضى عجبي بعد الثلاثمائة

стр. 684

/لا بارك الله في عام وفي سنة ... كانت لشرّ زمان كان مختبئه عادت اسافله طرّا (٦٤٢) أعاليه ... ولا (٦٤٣) أعالي إلاّ وهي منكفئه وقال أيضا: كم عساني أعيش (كم كم عساني) (٦٤٤) ... كم عساني أبقى على الحدثان بعد سبعين حجّة وثمان ... قد توفيتها من الأزمان يا خليلي قد دنا الموت منّي ... فابكياني هديتما وانعياني قال ابن حارث (٦٤٥): ولما مات أبو عثمان-﵁-خرج البريد سحرا يبشر بموته سلطان الشيعة. (قال) (٦٤٦): وذكر [بعض] (٦٤٧) من قدم من رقادة في ذلك الصباح، أنه قال: كنت أول خارج من باب رقادة صباحا، فلقيت البريد، فقلت له: ما وراءك؟ فقال (٦٤٨): أتيت بموت سعيد (رحمة الله عليه) (٦٤٦). قال: ورثي بأشعار كثيرة فممّا حفظت قول القائل (في شعره) (٦٤٦): أين المقدّم والآذان مصغية الـ ... يه حتى وعت كل الذي ثقفا (٦٤٩) أين الذي كشف المعنى المعمّى (٦٥٠) (لنا) (٦٥١) ... فصار متضحا للناس منكشفا أين الذي لم تزل منه بديهته ... كمثل فكرته إن رام منحرفا

стр. 685

أين الذي عن لذيذ العيش قد عزفا ... أين الذي من بحار (٦٥٢) العلم قد غرفا أودت به حادثات الدهر فانجذمت ... به العلوم وأضحى الدّين منعجفا (٦٥٣) كانت تطيب لنا الدنيا بواحدها ... وبالذي لم يزل يحكي لنا السلفا وقال سهل بن ابراهيم الورّاق (٦٥٤) يرثيه (٦٥٥): نفى النوم من عيني خيال مروّع ... وعاود قلبي شجوه فهو موجع /فبتّ شجيّ القلب سفاح عبرة ... أراعي نجوم الليل من حيث تطلع حياة الفتى ما عاش بؤس وحيرة ... ومرّ الليالي قد يسرّ ويفجع كأن خطوب الدهر بيني وبينها ... سوالف ثأر فهي بي (٦٥٦) تتوقّع لعمرك ما صاد عن الماء حائم ... يطوف به حيران (٦٥٧) يدنو (٦٥٨) فيمنع

стр. 686

ولا هاتف بالليل بين حمائم ... هواجع محزون يحنّ ويسجع فريد وحيد بان عنه قرينه ... فيبكي ويحكي (٦٥٩) قسّ دير يرجّع (٦٦٠) بأوجع من قلب قريح يبثه ... غداة نعى عثمان (٦٦١) ناع مروّع نعى من شجا قلبي وكنت محاذرا ... عليه من الأقدار ما ليس يدفع يرق لهذا القلب من طول بثه ... دموع كتبديد الجمان تدفع وشرد نوم العين فيض دموعها ... وأنّى لعين بعد عثمان (٦٦٢) تهجع (٦٦٣) لقد كنت جلدا في النوائب صابرا ... على حادث الأيام ما تتضعضع (٦٦٤) فبان العزا والصبر يوم فراقه ... ومن فارق الأحباب يأسى ويجزع

стр. 687

وبان (٦٦٥) اصطباري عن حبيب فقدته ... فكيف (٦٦٦) وما للصبر في القلب (٦٦٧) موضع تجرّع كأس الموت وهي كريهة ... فما لي بكأس الحزن لا أتجرّع يؤرقني طيف لعثمان زائر (٦٦٨) ... إذا هجع النوّام يسري وينزع يؤرق عيني من لذيذ غموضها ... فليس لها إلاّ سهاد وأدمع عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت ... وما بحياة بعد إذ (٦٦٩) مات أصنع فلو أن شيئا (٦٧٠) كان يفدى فديته ... وهيهات (٦٧١) ما في الميت (٦٧٢) للحيّ مطمع لقد راح صبري يوم راحوا بنعشه ... فثوّوه (٦٧٣) لحدا ثم آبوا وودّعوا أريحانة قد صرت ريحانة الثرى ... فأضحى البلا في جسمك الغضّ يسرع ألا بأبي الغصن (٦٧٤) النضير الذي ذوى ... فعيني على تلك النظارة تدمع /سقى قبرك الصوب الموشى لأرضه (٦٧٥) ... وجادت عليه مزنة ليس تقلع وله أيضا مرثية (٦٧٦) في أبي عثمان (٦٧٧) يقول في بعضها (٦٧٨): وقالوا: قضى نحبا وذاق منيّة ... فيا لك من (٦٧٩) خطب يحلّ عرى الصبر وكم مارق عادى سعيدا (٦٨٠) وسبّه ... وضاق به ذرعا وباداه (٦٨١) بالهجر

стр. 688

يودّ بقلب ذاب همّا وغصّة ... لو ان أبا عثمان في ظلم (٦٨٢) القبر وانّ امرءا منكم تمنّى وفاته ... وليس له عذر ففي واسع العذر فليت الذي أمسى شجى في حلوقهم ... يمدّ له حبل الحياة إلى الحشر أليس لسان المسلمين وسيفهم ... إذا كادهم أهل الضلالة والكفر أليس هلال الأرض بل شمس (٦٨٣) دجنها ... وبدر دجاها حين أمست بلا بدر يجيب وما غاصت (٦٨٤) دقائق فكره ... جوابا عتيدا في أدق من السّحر /إذا وارت الأرماس (٦٨٥) يوما سعيدها ... فقد غربت شمس الحجى عند من يدري

стр. 689

[ثم كانت سنة ثلاث وثلاثمائة] (١) وفيها توفي: ١٧٧ - أبو عبد الله [محمد] (٢) بن عبادة (٣) السوسي (*) ﵁. قال (الشيخ) (٤) أبو الحسن الفقيه بن القابسي-رحمة الله عليه (٥) -كان محمد ابن عبادة (٣) من الصالحين، سمع من هشام بن عمّار (٦) وأبي المصعب (٧). وكان هو القيم في بناء قصر ابن الجعد ومتولي الإنفاق فيه. وكان ابن الجعد له منازل وبضائع فقدر للنفقة (٨) [فيه] (٩) مقدارا وأمرهم أن يجعلوه قياسا في مثله ففعلوا وغلطوا (١٠) بزيادة جنبتين فلما كمل السفلي (١١) عمر بالناس قبل أن تركب أبوابه. ثم لما تم الدور الثاني عمر أيضا وبقي تمام القصر والأبراج للطبقة الثالثة وبقي أبواب البيوت والإصلاح بالجير وذهب الذي كان يكفي لذلك كله في

стр. 690

القوسين اللذين زادوهما غلطا، فانبرى قوم للنفقة فيه وقال ابن الجعد: لا ينفق أحد معي فيه شيئا (١٢) حتى يتم الدور الثاني وأبراج الدور الثالث. فلما نجزت النفقة أراد محمد بن عبادة القدوم/إلى القيروان، فأراد أن يدخل على قلب بانيه مسرّة -وكان قد اجتمع فيه ثمانية وأربعون (١٣) رجلا كلهم حفظ القرآن-فسألهم ابن عبادة أن يختم كل واحد منهم القرآن في ليلته ففعلوا، فغدا إلى القيروان فلما سلم على ابن الجعد قال له: ما الخبر (١٤)؟ فقال: الذي يسرّك (١٥) ما جئت حتى صلّى في مسجد القصر وبيوته كلها وختم فيه القرآن البارحة ثمانية وأربعون (١٦) ختمة، فسرّ بذلك (١٧) ابن الجعد وابتهج ثم قال له: وما وراء ذلك (١٨)؟ قال: النفقة نجزت وقد بقي كذا وكذا فلا تحمل على نفسك (فإنه) (١٩) قد شرع (٢٠) أقوام في تمامه فقال له: لا بأس، ثم دخل الدار فأقام ساعة ثم علت الأصوات في الدار بالبكاء فصاح عليهم وكلّمهم ساعة ثم خرج بعد ذلك وكمه مملوء فقال لابن عبادة: هات كمك فأفرغ فيه حلي أهله فقال له ابن عبادة: لم فعلت هذا؟ قال: لم أضعه (٢١) لهم إلاّ على جهة العارية على انني (٢٢) متى شئت أخذته وقد استمتعوا به زمانا ولست (بالذي) (٢٣) أوثرهم على نفسي فإذا جاءت الغلات أو البضائع عملنا لهم ما يسرّهم، فأخذه ابن عبادة وصرّفه وتمّم به بناء ما بقي عليهم من القصر.

стр. 691

/وفيها توفي (١): ١٧٨ - أبو القاسم حماس بن مروان (*) -الناسك-بن سماك الهمداني (٢) من صليبة (٣) العرب. قال ابن حارث: معدود (٤) في العباد (٥) مذكور (٦) بصلاة الليل وصيام (٧) النهار ولباس الصوف مع الفقه البارع والكلام الجيد عليه. قال أبو العرب: سمع من سحنون ومن ابن عبدوس وغيرهما. ذكر (عبد الله) (٨) بن سعد (٩) قال (١٠): خرج حماس من بيته (ذات) (٨) ليلة فسمع ابنه سالما (١١) يتهجد (في بيته) (٨). ثم ذهب إلى بيت ابنه الآخر (١٢) فوجده يتهجّد، ثم ذهب إلى بيت العجوز فوجدها تتهجّد، ثم ذهب إلى بيت الخادم فوجدها تتهجّد، (قال) (١٣) فملئ بذلك سرورا ووقف في وسط الدار وقال: يا آل سماك هكذا فكونوا.

стр. 692

وقال غير عبد الله: فذكر (١٤) انهم باعوا الخادم فاشتراها قوم فرأتهم لا يصلّون (١٥) بالليل فظنّت أنه من لم يصل (١٦) بالليل (فليس) (١٧) بمسلم فهربت من الدار إلى مواليها-دار حماس-فقالت لهم: هكذا يحل لكم بعتموني من قوم يهود لا يصلون (١٥) بالليل. قال (١٨) حماس: كنا نوجه الشعير يشترى (١٩) لنا به البقل نطبخه فكسد/الشعير ونفق (٢٠) البقل فصرنا نثرد الشعير بالشعير (٢١). قال (٢٢) أحمد بن نصر (٢٣) رأيت حماسا في ليلة جمعة يقوم ويقعد ويختلف فقلت له: -أصلحك الله-ما خبرك؟ فقال لي: عندنا شعير أخذته رائحة المطمورة (٢٤) ليس (٢٥) يأخذه منا البقالون (٢٦) فطبخنا منه جشيشا (٢٧) نثرد فيه من خبزه، ورأيت البارحة الشعير خارجا (٢٨) من الفرن ففكرت في (بيوت) (٢٩) أصحاب (٣٠) النبي ﷺ -وانه لم يكن شيء من ذلك لهم في أكثر الأوقات

стр. 693

وأنهم طالما اشتاقوا إليه (٣١)، فلما أكلته عرض لي منه ريح فلذلك أقوم وأقعد. ولما (٣٢) حضرته الوفاة قال لهم بيعوا من كتبي ما تكفنوني فيه (٣٣). وجرى بين أخته سيدة وبين أخيه أحمد اختلاف في ضيعة بينهما كانا يتخاصمان عنده عليها، فعملت أخته ليلة من الليالي دجاجة إفريقية ووجّهت بها إليه عند افطاره فلما وضعت بين يديه قال: من أين هذه؟ قيل له: اختك بعثت بها إليك قال: وجهوا وراء أخي فلان، فوجّه في طلبه فأتاه، ووجه في طلب أخته فأتته وأمرهما (٣٤) أن يأكلاها/بين يديه وأصلح بينهما وخرجا، فقالت -عند ذلك أخته-: والله الذي لا إله إلاّ هو ما وجهت بها إليك إلاّ شفقة منّي عليك لعلمي أنك أقمت أياما كثيرة لا تأكل سخينة وأنت تنظر بين المسلمين. فأحببت أن أوجر على ذلك (فقال لها: أكمل الله أجرك) (٣٥) والله يعين على ذلك برأفته. وذكر عنه أنه كان لا يهاب سلطانا. ولم يركب (٣٦) في ولايته دابة. وكان يخرج إلى منزله- (منزل) (٣٧) مطروح (٣٨) -راكبا على حمار بشند (٣٩) لا خف في رجله، ولم يكسب دينارا ولا درهما. وكان إذا أراد شراء الزيت والبقل باع الشعير واشترى بثمنه (٤٠) ما يحب من ذلك. ولم يأخذ على القضاء أجرا، وقد

стр. 694

تقدم (٤١) ذكر أبي هارون (٤٢) الأندلسي وامتناعه من النزول عنده-بعد أن كان ينزل-فقال له: إني لا آخذ على القضاء أجرا، فعاد فنزل عنده. قال أبو زكرياء-كاتب تميم بن خيران (٤٣) -تخاصم رجلان في حق العرس إلى حماس بن مروان فقال العروس: ليس يجب علي حق العرس، وقال أبو العروسة بل هو/واجب عليك، فقال لهما حماس: المعروف (٤٤) في البلد أنه من أتى إليه بشوار (٤٥) يسوى خمسة وعشرين (٤٦) دينارا دفع دينارين ونصفا، وإن كان أقل من ذلك دفع على قدر ذلك، فقال له العروس: فإنه لم يدفع إليّ شيئا من الشوار له قيمة، وكان العروس يختلف إلى هشام بن العراقي (٤٧) الموثق يتعلم منه ما يخاطب به حماسا من حجته فلما أعبى أمرهما حماسا ردّ وجهه إلى أبي (٤٨) العروسة فقال له: ابنتك هي؟ فقال له: نعم، ثم قال للعروس: زوجتك هي؟ فقال له: نعم. فقال لهما: قوما عني ليس هذا عرسا هذه جنازة. وقال أبو العباس الابياني (٤٩): اختصمت امرأتان إلى حماس في جرتين مملوءتين سقطت إحداهما على الأخرى من يد صاحبتها فانكسرتا جميعا ولم يدر أيتهما

стр. 695

سقطت على صاحبتها. فقال لهما: ترجعا إليّ غدا، فرجعتا (إليه) (٥٠) فقال لهما: ترجعا إليّ غدا، فرجعتا (إليه) (٥٠) فقال لهما: تعودا (٥١) إليّ ثالثة (٥٢) ففعلتا (٥٣) فقال لهما: والله ما أدري كيف أحكم بينكما ثم أدخل يده في كمه فأخرج دراهم ثم قال لرجل امض فاشتر لهما جرتين مملوءتين مكان جرتهما (ففعل ذلك) (٥٤) وأخذت كل واحدة جرة وقال: لو علمت الجرة الساقطة بعينها لغرّمت صاحبتها قيمة الأخرى.

стр. 696

ثم كانت سنة أربع وثلاثمائة فيها (توفي) (١) ١٧٩ - أبو يونس المتعبد (*) بقصر الطوب، واسمه نصير . في شهر ربيع الأول، وهو ابن مائة (سنة) (١) وثماني سنين. نفر الناس لحضور جنازته ودفن [في] (٢) اليوم الثالث من موته. وكان رجلا صالحا فاضلا متعبدا مستجابا قليل الهيبة للسلطان، سكن قصر الطوب وبه مات. قبره أمام القصر يتبرك به-﵁. وكان-رحمه الله تعالى-يقول: كيف تقر لي عين (٣) في الدنيا وأنا أعلم أن معي ابليس فيها مجاورا وإنما تقر العين في دار لا يجاور فيها إلاّ الرب سبحانه. وكان يقول: لو أن الله غفر لي وأدخلني الجنة وقال (لي) (٤) سل سؤلك لقلت: يا رب قد ذهبت الدنيا وجاءت الآخرة وجازيت أهل طاعتك وسألوك سؤلهم فأعطيتهم (٥) وأنا أسألك اليوم أن تجعل (لي) (٤) إلى خدمتك سبيلا لتكون لي نعيما في (٦) الجنة.

стр. 697

وقيل: إن أبا يونس مال إلى القراءة في كتب (٧) الرقة، قال: فرأى في منامه (كأن) (٨) قائلا يقول له: اشتغلت بكلام عبيدي عن كلامي؟ (قال) (٨): فانتبه مرعوبا فآلى (٩) على نفسه أن (١٠) لا يتكلم بغير القرآن حتى يلقى الله ، فعكف على قراءة القرآن بالليل والنهار، وكان إذا أراد أن يتكلم أشار بإشارات تفهم، أو يكتب لمن يقرأ (١١) بما يريد. قال لي أبي: وذكر لي بعض الصيادين الصالحين منهم أنهم [ربما] (١٢) جازوا بالليل على قبر أبي يونس فيسمعون في قبره قراءة القرآن. قال أبو القاسم بن تمام: مضينا إلى قصر الطوب في عشرة أنفس إلى أبي يونس فقلنا له: اكتب لنا كتابا إلى أم الأمير فإن زيادة الله الأمير أخذ مائتي رجل من أهل العلم والقرآن فأرسلهم إلى العسكر رماة (١٣). فقال أبو يونس: ما نعرف الأمير ولا أمّه إنما نعرف الله ورسوله. الليلة نسأل الله فيهم ويطلقون، إن شاء الله تعالى، وكانت ليلة جمعة (١٤) فلما كان الليل (١٥) قام أبو يونس فقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم يا خاتم النبيين يا سيد المرسلين يا من جعله الله رحمة للعالمين قوم من أمتك أتوني يسألونني في قوم صالحين أن يطلقوا فقد سألتك (١٦) فاسأل الله فيهم، فلما صلّى حزبه ورقد مرّ به النبي ﷺ في المنام، فقال له: يا أبا يونس قد سألت الله تعالى فيهم وغدا (١٧) يطلقون، إن شاء الله تعالى.

стр. 698

قال ابن تمام: فلما أصبحنا قلنا له: يا سيدنا ما كان من الحاجة؟ فقال: قد سألت النبي ﷺ (فيهم) (١٨) فقال لي: غدا يطلقون إن شاء الله ، فلما كان يوم الجمعة دخلوا على زيادة الله بن الأغلب صاحب الجيش فسلّموا عليه فردّ ﵈ ورحّب بهم، وقال لهم: يا أهل العلم والقرآن لعنة الله على ابن الصائغ (١٩) الذي وجهكم إليّ قد تركتكم (كرامة) (٢٠) لله وللنبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام. قال: وذكر أن أخا له اشتكى أرنبا كانت أفسدت عليه (٢١) بحيرة (٢٢) له بجوار قصر الطوب فدعا عليها فلم تلبث إلاّ يسيرا حتى ماتت. قال الشيخ أبو الحسن الفقيه علي بن خلف رضي الله تعالى عنه: خرج أبو يونس من بيته في ليلة مظلمة فإذا برجل ساجد في ظلمة الليل وهو يسأل الله الحور (٢٣) والقصور ويتمنى من نعيم الجنّة، فوقف به (٢٤) أبو يونس وقال له: يا هذا ألا سألت الله في العفو، فإنه إذا (٢٥) عفا عنك أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت/ولا خطر على قلب بشر. (قال) (٢٦): فما (٢٧) طلع الفجر حتى دق باب الحصن رجل من أهل سوسة وهو يقول: أرسلت إلى الشيخ أبي يونس (٢٨) فأخبر به فقال: اطلعوه، فربطت له الحبال فطلع (٢٩)، وكان

стр. 699

باب الحصن لا يفتح حتى تطلع الشمس (٣٠) فلما أدخل عليه قال له: -أصلحك الله-وقف بي هاتف في هذه الليلة وقال لي: امض إلى أبي يونس (٣١) فقل له: إن الله أعطاك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فبكى الشيخ أبو يونس ثم خرج الرجل (٣٢). حدث رجل من أهل العلم قال: خرجت مع أبي إلى المنستير فدخلنا على أبي يونس المتعبّد فسلّمنا عليه وسأل أبي عني فقال (له أبي) (٣٣): هذا ولدي. فدعا لي وقام إلى بيته، وكان جالسا على باب بيته، فأخرج [من] (٣٤) حرزه (٣٥) أقلاما مرساوية (٣٦) فسأل أبي عني إن كنت أحضر الكتاب؟ فقال له أبي: نعم، فدفع إليّ الأقلام ثم ودعناه (٣٧) وخرجنا، فلما مضينا عنه قدر (٣٨) ميل، وإذا به يطرد (٣٩) وراءنا ويصيح: يا هذا يا هذا، فرجعنا/إليه فقال لأبي (٤٠): لعل ابنك بمحضره على قارعة الطريق فإذا جاز به [من] (٤١) عند سلطان أو أحد من خدّامهم قال له: يا بني اعطني مدّة فيعطيه فيكتب بها فأكون يوم القيامة ممّن أعانهم بمدّة قلم. وأخذ الأقلام منّي ورجع، ﵁ وأرضاه. قال أبو العرب ﵁ (٤٢): خاف-رحمة الله عليه-من الحديث الذي جاء فيمن أعان الظلمة أنه قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين أعوان الظلمة؟ فلا

стр. 700

يبقى أحد مدّ لهم [مدّة] (٤٣) فما فوقها إلا حشر معهم» (٤٤). وكان-رحمه الله تعالى-سخي الكف كثير الصدقة، حدث أبو بكر محمد ابن أحمد بن ابراهيم المعلم الذي كان يعرف (٤٥) بالصقلي قال: كان في قصر الطوب أبو يونس في برجه وكان (رجل) (٤٦) أسود يأتي ويتعاهد القصر في أول رجب (فيقيم) رجب) (٤٦) وشعبان ورمضان، فإذا أكمل هذه الأشهر مضى، فأقام بهذه الحال مدة [من السنين] (٤٧) فلمّا كان سنة من السنين أتى فنزل في البيت الذي تحت البرج الذي لأبي يونس فقال لي أبو يونس: إن هذا الرجل يقد شيئا كثير الدّخان (٤٨) من زبل وشبهه فأحبّ أن تجيء وتأخذ دقيقا وحطبا يابسا فتدفعه إليه، قال: فجئت إلى أبي يونس فأعطاني قصعة فيها دقيق وكوزا (٤٩) فيه زيت وحطبا يابسا وذلك بعد المغرب وقد غلق القصر، فقال لي: تمضي بهذا إلى هذا الرجل وتعرّفه بكثرة الدخان. قال أبو بكر: فمضيت إليه وعرّفته ودفعت إليه ما معي. (قال) (٥٠) فقال لي: يا أخي إنما نجيكم (٥١) مرة في السنة فإن كنّا ضيّقنا عليكم فنحن نمضي ونترككم. قال أبو بكر: فمضيت وتركته ثم افتقدته بعد ساعة فوجدته قد ترك الزيت والحطب والدقيق (في البيت) (٥٢) وخرج ففتّشت عليه بالقصر فلم أجده (٥٣) فلما أصبحنا (٥٤) قلت للبواب: اصبر علينا بالباب ساعة، فصبر وفتّشنا القصر كله فما وجدنا (٥٥)

стр. 701

(فيه أحدا) (٥٦) ولا نعرف من أين خرج، فكثر عجبنا من ذلك (٥٧). وفيها توفي (١): ١٨٠ - صدقة الضرير المتعبد (*) رحمه الله تعالى . ودفن بباب تونس ودفن بجواره (٢) مولاه سالم. وكان من فضلاء المؤمنين مجاب الدعوة. وكان قد ذهبت يداه ورجلاه من البلاء، فكان إذا أراد الوضوء للصلاة حمل إلى متوضاه (٣) فوضئ جميع وضوئه (للصلاة) (٤) ثم حمل إلى مصلاّه الذي يصلي فيه. قال/أبو عبد الله الخراط: سمعت أبا إسحاق السبائي يقول: كان صدقة مستجابا. وكان له غلام (٥) اسمه سالم من المتعبدين، وإنما انتفع مروان (٦) بدعاء صدقة وصحبة (٧) سالم مولاه. وكان صدقة معلم مروان القرآن. قال أبو عبد الملك مروان: رأيت أبا هارون الأندلسي-وأنا حدث-بقصر

стр. 702

الطوب-وكان من الأبدال-فتقدّمت إليه وسلّمت عليه، وعليه مرقّعة من صوف فقال لي: من أنت؟ فقلت له: مروان، وكان قائما فعانقني، وقال لي: أنت مروان الخياط معلمك صدقة المجاب الدعوة، سينفعك الله تعالى به. ثم جرّ يده على رأسي ودعا [لي] (٨) فوجدت لدعوته حلاوة في قلبي وبكيت، فلما دخلت على معلمي صدقة أعلمته بالخبر فبكى الشيخ الفاضل (ثم قال لي) (٩): يا بني ذاك سيّد عبّاد المغرب سينفعك الله بدعائه. وذكر أن الناس كانوا إذا حبس الله تعالى عنهم الغيث أتوا إلى صدقة الضرير يسألونه الدعاء (١٠) فأتوا إليه يوما (وقد أصاب البلد قحط شديد) (٩) فسألوه في الدعاء (١١) فرفع يديه إلى السماء (١٢) ودعا بدعاء عظيم ثم قال: يا رب الساعة ... الساعة ... فما خرج الناس عنه حتى أغاثهم الله بالمطر. /قال حمديس القطان لصدقة الضرير: عند (١٣) الله كل يوم دعوتان مجابتان (١٤) فقيل له: فما علمك؟ فقال: أخبرني بعض أهل العلم ممن أثق به أنه رأى ذلك في المنام. وقيل: إن آخر كلمة سمعت من صدقة الضرير وهو يجود بنفسه: ارفق بحبيبك يا حبيبي. ثم فاظت نفسه. قال أبو ميسرة: توفي (١٥) صدقة والصديني في يوم واحد فغسّل الصّديني المقرعة الغاسل (١٦) ثم مضى على أنه يغسّل صدقة، فمنعه الناس وقالوا [له] (١٧)

стр. 703

اذهب لا تنجسه. وكان مولاه سالم على غاية من العبادة والزهد. قيل: دخل ربيع القطان (١٨) ومروان على صدقة الضرير يعودونه فلما خرجوا من عنده وجدوا سالما غلامه في بيته التي في السقيفة وهو يدور من طرفها إلى طرفها ويقول: لك الحمد يا مولاي ... ويكرر ذلك، فبدر ربيع إليه وقال له: تجننت يا ابن السوداء؟ فقال له سالم: اسكت يا سيدي ... يا أبا سليمان مولاي الكبير عوّدني يطعمني من ثلاث إلى ثلاث فلما (ان) (١٩) كان البارحة زادني رابعة. وفيها توفي: ١٨١ - أبو بكر [الصدفي] (١) الصوفي (٢) السوسي (*) ﵁. ومما يسند (٣) عنه أنّه/قال (٤): أخبرنا محمد بن عبد الحكم عن أبيه عبد الله ابن عبد الحكم قال: هيأ (٥) مالك بن انس ﵁ دعوة للطلبة وكنت معهم (٦) فمضينا (٧) معه إلى داره فلما دخل قال لنا: هذا المستراح وهذا الماء ثم دخلنا البيت ولم يدخل معنا ثم دخل بعد ذلك فأتي بالطعام ولم يؤت بالماء قبل الطعام لغسل أيدينا فلما فرغنا من الطعام أتى بالماء لغسل أيدينا (٨) فغسلنا أيدينا ثم

стр. 704

خرج الناس وتخلفت بعدهم، فقال لي: يا عبد الله (٩) ما تخلفك (١٠) عن أصحابك، فقلت له: رأيت منك خلالا أربعا أحب أن تفسرها لي، ثم ذكرت له جميع ما رأيت، فقال لي: أما إعلامي لكم (١١) بالمستراح والماء فأنا (١٢) دعوتكم لأبرّكم، فلعل أحدكم (١٣) يصيبه بول أو غير ذلك فلا يدري أين يذهب فيصل إليه الضرر، وأما تركي الدخول معكم فلعلّي (١٤) إذا دخلت معكم أقول: هاهنا (١٥) يا فلان وهاهنا يا فلان اجلس، وقد أنسى بعضكم أن أقول له ذلك فيظن أن ذلك نقص به (١٦) فتركتكم حتى إذا أخذتم مجالسكم دخلت عليكم، وأما تقديمي إليكم الطعام قبل الوضوء فإن الوضوء قبل الطعام من سنّة (١٧) /الأعاجم (١٨). وقد حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان

стр. 705

يبول فيستنجي بشماله ويأكل بيمينه (١٩). وأما تقديمي إليكم الغسل (بالماء) (٢٠) بعد الطعام فقد جاء في (ذلك) (٢٠) حديث: (أنه) (٢٠) من بات وفي يده (٢١) غمر (٢٢) من الطعام فأصابه بلاء فلا يلوم إلا نفسه (٢٣).
следующие страницы →