← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 1051–1071 · переход к 1056.

стр. 1051

وقال الحافظ السخاويّ ﵀: وقد روينا من طريق أبي العبّاس الدّغُوليّ، قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفّر يقول: إن الله قد أكرم هذه الأمة، وشرّفها، وفضّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صُحُف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات، وهذه الأمة إنما تنصّ الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشدّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً لمن فوقه ممن كان أقلّ مجالسةً، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا، أو أكثر حتى يُهذّبوه من الغلط والزلل، ويَضبِطوا حروفه، ويعُدّوه عدّا، فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمّة، فنستوزع الله شكر هذه النعمة (١). وقال أبو حاتم الرازيّ: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أُمناء يحفظون آثار الرسول إلا في هذه الأمّة (٢). وعند الحاكم في ترجمة عبد الله بن طاهر من "تاريخه" بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ قال: كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث، فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزَّمْنَى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله لأمة محمد ﷺ (٣). وإلى ما سبق أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلَا تَرْدَادِ [تنبيه]: (اعلم): أن طلب علو الإسناد سنة، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر ﵁، ويسمعون منه. وقال محمد بن أسلم الطوسي: قُرْب الإسناد قُرْبٌ، أو قربة إلى الله، ولهذا استحبت الرحلة. قال أبو عبد الله الحاكم: إن طلب العلوّ سنة صحيحة عن النبيّ ﷺ ، متمسّكًا في ذلك بحديث أنس ﵁ في مجيىء ضمام بن ثعلبة إلى النبيّ ﷺ ، وقال: "أتانا رسولك، فزعم كذا .... " الحديث رواه مسلم، قال: ولو كان طلب العلو غير مستحب لأنكر عليه سؤاله لذلك، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه، قال: وقد رحل في

стр. 1052

طلب الإسناد غير واحد من الصحابة، ثم ساق بسنده حديث خروج أبي أيوب إلى عقبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ غير عقبة ... " الحديث في ستر المؤمن. وقال العلائي: في الاستدلال بما ذكروه نظر لا يخفى. أما حديث ضمام، فقد اختَلَف العلماء فيه، هل كان أسلم قبل مجيئه أم لا، فإن قلنا: إنه لم يكن أسلم كما اختاره أبو داود، فلا ريب في أن هذا ليس طلبا للعلو، بل كان شاكّا في قول الرسول الذي جاءه، فرحل إلى النبيّ ﷺ حتى استثبت الأمر، وشاهد من أحواله ما حصل له العلم القطعي بصدقه، ولهذا قال في كلامه: "فزعم لنا أنك ... " إلى آخره، فإن الزعم إنما يكون في مظنة الكذب، وإن قلنا كان أسلم، فلم يكن مجيئه أيضا لطلب العلو في الإسناد، بل ليرتقي من الظن إلى اليقين؛ لأن الرسول الذي أتاهم لم يُفد خبره إلا الظن، ولقاء النبيّ ﷺ أفاد اليقين. قال: وكذلك ما يُحتَجُّ به لهذا القول من رحلة جماعة من الصحابة والتابعين في سماع أحاديث معينة إلى البلاد، لا دليل فيه أيضًا؛ لجواز أن تكون تلك الأحاديث لم تتصل إلى من رحل بسببها من جهة صحيحة، وكانت الرحلة لتحصيلها، لا للعلو فيها. قال: نعم لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى مَنْ عنده الإسناد العالي. ثمّ العلو على خمسة أقسام: أجلّها القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد بإسناد صحيح نظيف، بخلاف ما إذا كان مع ضعف، فلا التفات إلى هذا العلو، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادّعى سماعا من الصحابة، كابن هدبة، ودينار، وخراش، ونعيم بن سالم، ويعلى بن الأشدق، وأبي الدنيا الأشجّ. قال الإمام الذهبي: متى رأيت المحدث يَفرَح بعوالي هؤلاء، فاعلم أنه عامي يعدّها. (الثاني): القرب من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وهشيم، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، وغيرهم مع الصحة أيضا، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله ﷺ . (الثالث): العلو المقيد بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد عُلُوَّ التنزيل، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو رَوَى الحديث من طريق كتاب منها وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون عاليا مطلقا أيضًا.

стр. 1053

وهو ما كثُر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة. فالموافقة أن يقع لك حديث عن شيخ مسلم مثلا من غير جهته بعدد أقل من عددك، إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه. والبدل أن يقع هذا العلو عن شيخ غير مسلم، وهو مثل شيخ مسلم في ذلك الحديث، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم، فهو موافقة مقيدة، وقد تُطلق الموافقة والبدل مع عدم الْعُلُوّ، بل ومع النزول أيضًا كما وقع في كلام الذهبي وغيره. وقال ابن الصلاح: هو موافقة وبدل، ولكن لا يطلق عليه ذلك؛ لعدم الالتفات. إليه. والمساواة في الأعصار المتأخّرة قلّةُ عدد إسنادك إلى الصحابي، أو من قاربه بحيث يقع بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين مسلم وبينه، وهذا كان يوجد قديما، وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي. والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك، فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه لم تَعلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا، فيكون عاليا مطلقًا. (الرابع): العلو بتقدم وفاة الراوي، وإن تساويا في العدد، قال النوويّ: فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي، عن الحاكم أعلاهما أن أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم؛ لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف، وكذلك من سمع "مسند أحمد" على الحلاوي، عن أبي العباس الحلبيّ، عن النجيب أعلى ممن سمعه على الجمال الكنانيّ، عن الْعَرَضِيّ، عن زينب بنت مكيّ؛ لتقدّم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين. وأما علوه بتقديم وفاة شيخك، لا مع التفات لأمر آخر، أو شيخ آخر، فحده الحافظ أحمد بن عُمير بن جُوصَا الدمشقي بمضي خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وحدّه أبو عبد الله بن منده بثلاثين تمضي من موته، وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع. (الخامس): العلو بتقدم السماع من الشيخ، فمن سمع منه مُتَقَدِّمًا كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع

стр. 1054

أحدهما من ستين سنة مثلًا، والآخر من أربعين سنةً، وتَسَاوَى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حَقّ من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعدُ إلا أن هذا علو معنوي. [تنبيه]: جعل ابن طاهر (١)، وابن دقيق العيد هذا والذي قبله قسمًا واحدًا، وزادا العلو إلى صاحبي "الصحيحين"، ومُصنفي الكتب المشهورة، وجعله ابن طاهر اسمين: [أحدهما]: العلو إلى الشيخين، وأبي داود، وأبي حاتم، ونحوهم. [والآخر]: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا، والخطابيّ، ثم قال: (واعلم): أن كل حديث عز على المحدث ولم يجده غالبًا، ولا بد له من إيراده، فمن أي وجه أورده فهو عال بعزته، ومَثّل ذلك بأن البخاري رَوَى عن أماثل أصحاب مالك، ثم رَوَى حديثا لأبي إسحق الفزاري عن مالك؛ لمعنى فيه، فكان فيه بينه وبين مالك ثلاثة رجال. وأما النزول فضد العلو فهو خمسة أقسام أيضا تُعرَف من ضدّها، فكل قسم من أقسام العلو ضده قسم من أقسام النزول، وهو مفضول مرغوب عنه على الصواب، وقول الجمهور، قال ابن المديني: النزول شؤم. وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. وفضّله بعضهم على العلو، حكاه ابن خلاد عن بعض أهل النظر؛ لأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، فيزداد الثواب فيه. قال ابن الصلاح: وهذا مذهب ضعيف الحجة. قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، ومراعاةُ المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة أولى. فإن تميز الإسناد النازل بفائدة، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ، أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضور، أو إجازة، أو مناولة، أو تَسَاهَل بعض رواته في الحمل، ونحو ذلك فهو مختار، قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل، عن عبد الله، أم سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. وقال ابن المبارك: ليس جَودَةُ الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السِّلَفَيّ: الأصل الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب

стр. 1055

المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق. قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى. قال الحافظ: ولابن حبان تفصيل حسنٌ، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء. ذكر هذا كلّه في "التدريب" (١). وإلى ما تقدّم أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الأثر" حيث قال: قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدَّينِ بِلَا تَرْدَادِ وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ ... يُفَضِّلِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا ... قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ أَوْ بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ ... يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَريقِهِ وَرَدْ فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ ... أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ بَدَلٌ أَوْ وَافَقَهْ فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمَسَاوَاةُ وَإِنْ ... فَرْدًا يُزَدْ مُصَافَحَاتٌ فَاسْتَبِنْ وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا ... عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشرِينَا وَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ ... نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ ... لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ وَلابْنِ حِبَّانَ إِذَا دَارَ السَّنَدْ ... مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلَامُ ... وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ انتهى. ولنختم هذا البحث بذكر رسالة الإمام المقدسيّ رحمه الله تعالى؛ لكثرة فوائدها، ومحافظةً على بقاء نصّها: قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ المعروف بابن القيسرانيّ (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) رحمهُ الله تعالى: الحمد لله وحده، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم تسليمًا. سألتَ -أحسن الله لنا ولك التوفيق- عن علامة العلوّ في الحديث، وبأيّ شيء يَعرف المبتدىء العلوّ من النزول، وأن أُبيّن لك ذلك، وأشرحه على الاختصار، مع إقامة الشواهد التي تهتدي بها إلى معرفة ذلك. (اعلم): أن الحديث وطلبه مندوب إليه، مثابٌ صاحبه عليه، ويَرغَب فيه أشراف

стр. 1056

الناس، ويَزهد فيه الأغبياء والأدناس، أهله منصورون، وأعداؤه مقهورون، ذكرهم الله في كتابه، ودعا لهم رسول الله ﷺ في خطابه. قرأت على أبي بكر أحمد بن عليّ الأديب بنيسابور (١)، أخبركم أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الواعظ يقول: سمعت عبد الله بن عديّ الحافظ يقول: سمعت محمد بن يزيد الواسطيّ، سمعت يزيد بن هارون يقول: قلت لحمّاد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ . فقال: بلى ألم تسمع إلى قوله : ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]. فهذا فيمن رحل في طلب العلم، ثم رجع به إلى من وراءه ليُعلّمهم إيّاه. أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن عليّ الأصبهانيّ بها، قال: أنا أبو علي الحسن بن عليّ بن أحمد بن سليمان بن أبي بكير، ثنا هُريم بن سُفيان، ثنا عبد الملك ابن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع" (٢). أخبرنا أبو سعد عبد الواحد بن عبد الكريم المذكر النيسابوريّ، قدم علينا الريّ حاجّا، قال: أنا أبو إسحاق حميد بن المأمون بن حميد الْهَمَذَانيّ بها، قال: أنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الْهَمَذَانيّ، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عليّ الأسديّ، ثنا محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت سفيان يقول: ما من أحد يطلب الحديث، إلا وفي وجهه نَضْرة (٣)؛ لقول رسول الله ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فبلّغه" (٤). أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك السرخسيّ بها، قال: أنا عبد العزيز بن أحمد الخلّال، قال: سمعت أبا بكر بن حمدان الغزّال يقول: سمعت أبا الموجّه (٥) يقول: سمعت عبدان بن جبلة يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له: من حدّثك بقي (٦) ".

стр. 1057

أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ الإمام بهراة، قال: أنا أبو الفضل عمر بن إبراهيم بن إسماعيل الزاهد إملاءً، أنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد بن العبّاس الساويّ بمرو، قال: أنا أبو الحسن محمد بن أبي بكر المروزيّ، ثنا عليّ بن محمد المروزيّ، ثنا أبو الفضل صالح بن محمد قال: سمعت أبا يعقوب البويطيّ يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعيّ يقول: "إذا رأيتُ صاحب حديث، فكأني رأيتُ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ هو بمنزلته". قال لنا الشافعيّ: جزاهم الله عنّا. خيرًا، إنهم حفِظوا لنا الأصل، فلهم علينا فضل. أخبرنا أبو محمد عليّ بن الحسين بن محمد التِّنِّيسيّ بها، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الرّقّيّ -وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال بمصر، ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مرزوق- قالا: أنا أحمد بن عبيد بن أحمد الصفّار، ثنا أحمد بن عليّ الحافظ، ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عبد الله المقرىء، ثنا يحيى بن أكثم قال: قال لي الرشيد: ما أنبلُ المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجلّ منّي؟ قلت: لا، قال: لكني أعرفه، رجلٌ في حلقة يقول: حدّثنا فلان عن فلان، عن رسول الله ﷺ ، قلت: يا أمير المؤمنين هذا خير منك؟ وأنت ابن عمّ رسول الله ﷺ ، ووليّ عهد المسلمين؟ قال: نعم ويلك خير منّي؛ لأن اسمه مقترنٌ باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبدًا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر. أخبرنا أبو شريف الطوسيّ بها، قال: أنا أبو محمد بن عبد العزيز النيليّ قال: أنا أبو عمر بن حمدان، ثنا أبو بكر بن داود، ثنا سليمان بن معبد السِّنْجيّ، ثنا سعيد بن عامر، عن أبي بكر الْهُذَليِّ قال: قال لي الزهريّ: يا هُذليّ أيُعجبك الحديث؟ قلت: نعم قال: أما إنه يُعجِب مُذَكَّرِي الرجال، ويكرهه مؤنثوهم (١). أخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد الكوفيّ بمكة، قال: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي -وأخبرنا أبو القاسم قاسم بن أحمد الأصبهانيّ بآمد قال: أنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ

стр. 1058

قال: سمعت محمد بن الحسين الْحُنَينيّ قال: سمعت عمر بن حفص بن غياث يقول: سمعت أبي يقول: وقالوا له: يا أبا عمر ما ترى أصحاب الحديث كيف تغيّروا؟ قد فسدوا، قال: هم على ما هم خيار القبائل. أخبرنا أبو بكر الأديب قال: أنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن بالويه المزكي يقول: سمعت أبا بكر عيسى بن موسى يقول: سمعت الحسن بن عليّ يقول: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: "ليس قوم خيرًا من أصحاب الحديث، الناس في طلب الدنيا، وهم في طلب الدين". أنشدنا أبو الفِراس قاسم بن محمد الْخُوزيّ بمكّة قال: أنشدنا أبو نصر محمد بن عبد الله الشاهد قال: أنشدنا أبو عليّ الحسن بن العباس الكرمانيّ قال: أنشدنا هبة الله ابن الحسن الشيرازيّ لنفسه [من الطويل]: عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ ... عَلَى مَنْهَجِ لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا وَمَا النُّورُ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا وَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَغْوَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى وَمَنْ تَرَكَ الآثَارَ ضَلَّلَ سَعْيَهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا أنشدنا أبو الحسن يحيى بن الحسين العلويّ الزيديّ بالريّ قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصوريّ الحافظ لنفسه [من الخفيف]: قُلْ لِمَنْ عَانَدَ الْحَدِيثِ وَأَضْحَى ... عَائِبًا أَهْلَهُ وَمَنْ يَدَّعِيهِ أَبِالْعِلْمِ تَقُولُ هَذَا أَبِنْ لِي ... أَمْ بِجَهْلٍ فَالْجَهْلُ خُلْقٍ السَّفِيهِ أَيُعَابُ الَّذِينَ هُمْ حَفِظُوا الدِّي ... ـنِ مِنَ التُّرَّهَاتِ وَالتَّمْوِيهِ وإِلَى قَوْلِهِمْ وَمَا قَدَرَوَوْهُ ... رَاجِعٌ كُلُّ عَالِمٍ وَفَقِيهِ أنشدنا أبو الحسن عليّ بن عبد السلام الأرمنازي بصور لنفسه [من الطويل]: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بإِحْسَانِ أُنَاسٌ أَرَادَ الله إِحْيَاءَ دِينِهِ ... بِحِفْظِ الَّذِي يَرْوِي عَنِ الأَوَّلِ الثَّانِي أَقَامُوا حُدُودَ شَرْعِ شَرْعَ مُحَمَّدِ ... بِمَا وَضَّحُوهُ مِنْ دَلِيلٍ وَبُرْهَانِ وَسَارُوا مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي جَمْعِ عِلْمِهِ ... فَأَوْطَانَهُمْ أَضْحَتْ لَهُمْ غَيْرَ أَوْطَانِ إِذَا عَالِمٌ عَالِي الْحَدِيثِ تَسَامَعُوا ... بِهِ جَاءَ الْقَاصِي مِنَ الْقَوْمِ وَالدَّانِي (١)

стр. 1059

سمعت المرتضى أبا الحسن المطهر بن أبي عليّ العلوي بالريّ يقول: سمعت أبا سعد السمّان إمام المعتزلة يقول: "من لم يكتب لم يتغرغر بحلاوة الإسلام". قال المقدسيّ: ولست أقصد أن أستقصي ما ذكر عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة ﵃، وعن أئمة المسلمين قرنًا بعد قرن ما في مدح هذه الفرقة على أن لا تقام سنة، ولا تذلّ بدعة، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، إلا هو دليل على فضلهم؛ لأنهم الذين رووه ونقلوه، ودوّنوه حتى بلغ إلى من عمل به. وقد صنّف غير واحد من أئمتنا في هذا المعنى كتبًا تشتمل على مناقبهم، وإنما قدّمنا هذه النُّبَذ في أول هذا السؤال لنبني عليها المقال، فاسمع الآن ما له قصدتَ، وبيان ما عنه سألتَ. (اعلم): أن طلب العلوّ من الحديث من علوّ همّة المحدّث، ونبل قدره، وجزالة رأيه، وقد ورد في طلب العلوّ سنة صحيحة. أخبرنا بها أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبيد الله العدل بنيسابور، قال: أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرائينيّ، ثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، ثنا محمد بن حيوة، ثنا أبو سلمة، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قد نُهِينا أن نَسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نسمع، وكانوا أجرأ على ذلك منّا، قال: فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال"، قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، وجعل فيها المنافع، آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، [قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"] (١)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ ، ثم ولَّى الرجل، ثم قال: والذي بعثك

стр. 1060

بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهنّ شيئًا، ثم ولَّى، فقال النبيّ ﷺ : "لئن صدق، ليَدخُلنّ الجنة". صحيح أخرجه مسلم في "صحيحه" عن عمرو الناقد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان، وقال البخاريّ في "كتاب العلم": ورواه موسى وعليّ بن عبد الحميد، عن سليمان. وأبو سلمة المكنيّ في إسنادنا هو موسى الذي ذكره البخاريّ، وهو موسى بن إسماعيل التبوذكيّ. فهذا دليل على طلب المرء العلوّ من الإسناد، والرحلة فيه، فإن هذا الرجل المكنيّ عن اسمه في هذا الحديث هو ضمام بن ثعلبة لَمّا جاء رسول رسول الله ﷺ ، فأخبره بما فُرِض عليهم لم يُقنعه ذلك حتى وصل إلى النبيّ ﷺ يسمع منه، فلو كان طلب العلوّ غير مستحبّ لأنكر عليه ﷺ سؤاله عما أخبره رسوله عنه. والله أعلم بالصواب (١). فقد أجمع أهل النقل على طلبهم العلوّ، ومدحوه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم. ثم وجدنا الأئمة المقتدى بهم في هذا الشأن سافروا الآفاق في سماعه، ولو اقتصروا على النزول لوجد كلّ واحد منهم ببلده من يُخبره بذلك الحديث. ولو شرعنا في ذكر مدح العلوّ، ونعت من رحل فيه، وأقاويلهم في ذلك تجاوزنا حدّ الاختصار، إلا أن المميّز يستدلّ برواياتهم على سفرهم. وقد ذمّ قوم النزول، وأطنبوا في ذمّه كما أخبرنا أبو الفتح المطهّر بن أحمد البيّع بأصبهان، قال: أنا أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عليّ الأصبهانيّ يقول سمعت الحسن بن حبيب بدمشق يقول: حدّثنا علان بن المغيرة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الحديث بنزول كالقرحة في الوجه. أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة الجرجانيّ بها، قال: أنا حمزة بن يوسف السهميّ قال: أنا عبد الله بن عديّ قال: أنا بكر بن محمد الكاتب بمرو قال: سمعت إسماعيل بن إسحاق يقول: سمعت علي بن المدينيّ يقول: "النزول شؤم". مسألة العلوّ والنزول في الحديث:

стр. 1061

فإذا كان الأمر على ما ذكرناه من مدحهم العلوّ، وذمّهم النزول، فاعلم أن العلوّ في الحديث على درجات خمس: (الدرجة الأولى): حديث صحّ سنده، وقلّ عدده، وهذا الحدّ الذي وضعناه يعسُر على المبتدىء، ويسهل على المميّز بين الصحيح والسقيم، فربّ إسنادين استويا في العدد، أحدهما ثابتٌ، والآخر واهٍ، لا أصل له، مثاله: ما أخبرناه أبو القاسم قاسم بن أحمد بثغر آمد، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن حشيش العدل، ثنا أبو سعيد الحسن بن عليّ العدويّ، ثنا شيبان بن فرّوخ، ثنا نافع بن عبد الله أبو هرمز، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بركعتي الفجر، فإن فيهما الرغائب". فهذا إسناد إذا تأمّله من ليس الحديث من صناعته اعتقد علوّه، وقدّمه على سائر حديثه، وافتخر بقلّة عدد رواته، إلا أن إسناده لا تقوم به الحجة؛ لأن نافعًا هذا غير ثقة. أخبرنا أبو القاسم الإسماعيليّ قال: أنا حمزة بن يوسف، ثنا عبد الله بن عديّ، قال: سمعت أبا العلى الموصليّ يقول: سألت يحيى بن معين، عن نافع أبي هرمز قال: ليس بشيء. وقال ابن أبي مريم: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بثقة. وقال عباس: ثنا يحيى قال: أبو هرمز الذي يروي عن أنس ضعيف الحديث. وقال النسائيّ: ليس بثقة. والعدويّ هذا أيضًا كذّاب. فإذا ورد عليك أحاديث هذا مع أمثاله، مثل كثير بن سُليم، ويغنم بن سالم بن قنبر، وفرج، وموسى بن عبد الله الطويل، وأبي الدنيا عثمان بن الخطاب، وخِراش بن عبد الله، فلا تفرح بها، ولا تعرّج عليها. وهؤلاء قوم معروفون عند أهل النقل بطول (١) السنّ، ورواياتهم شبه الريح، يدّعون أعمارًا طويلة، ويروون أحاديث دخيلةً، لم يحتجّ بحديثهم محتجّ، ولم ينقل في كتب الأئمة عنهم شيئًا، وإنما تُنقل أحاديثهم للمعرفة، والاستدلال على كذبهم. أعاذنا الله وإياك من الكذب على رسول الله ﷺ . فهذا الحدّ الواهي الذي أشرت إليه قبلُ، وقد يقع لأمثالنا بهذا العدد أحاديث مشهورة الأسانيد متّصلة، مثاله: ما أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البزاز ببغداد، قال: أنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق، قال: أنا عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز البغويّ، ثنا طالوت بن عباد، قال: حدّثني فضال بن جبير قال: سمعت

стр. 1062

أبا أمامة الباهليّ يقول: قال رسول الله ﷺ : "اكفلوا لي بستّ أكفل لكم بالجنّة، إذا حدّث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم" (١). فإسناد هذا الحديث في العدّة إلى الصحابيّ كالإسناد المتقدّم، وطريقه أشهر، ورواته أوثق، أما فضال بن جبير، فإن أبا أحمد العسّال الحافظ الأصبهانيّ ذكره، فقال: فضال بن جبير سمع من أبي أمامة يُكنى أبا المهنّد، وأورد له هذا الحديث في كتابه عن مطيّن محمد بن عبد الله الكوفيّ. وأما طالوت بن عبّاد الصيرفيّ أبو عثمان الجحدريّ، فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ في كتابه: طالوت بن عباد سئل عنه أبي، فقال: صدوق. ومن بعدهما إلى شيخنا عدول ثقات. فهذا أحد الدرجة الأولى من العلوّ، والتمييز فيما بين الصحيح والسقيم. وقد يقع إلينا بعلوّ درجة على ما تقدّم، إلا أنه أضعف من الذي ذكرناه، وأوهى، من ذلك: ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخطيب الصريفينيّ ببغداد إملاء من حفظه، قال: حدّثني أبو حفص عمر بن إبراهيم الكنانيّ المقرىء، قال: حدّثني أبو سعيد الحسن بن عليّ العدويّ قال. حدّثني خِراش بن عبد الله، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصوم جنّة"، وهذا أعلى من المتقدّم بدرجة، إلا أنه شبه الريح؛ لأن خراشًا هذا مجهول، والعَدَوِيُّ كذّاب، والحمل فيه عليه. وقوله: "الصوم جنّة" صحيح من طريق أبي هريرة، فركّب له العدويّ إسنادًا، وجعله عن أنس بعلوّ. أخبرنا به أبو بكر إسماعيل بن عليّ الخطيب بالريّ، قال: أنا أبو زكريّا يحيى بن إبراهيم، ثنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد الجمحيّ بمكة، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نُعيم الفضل بن دُكين قال: نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : الصوم لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته، وأكله، وشربه من أجلي، والصوم جنّة، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقائه ربّه، ولَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (٢). أخرجه البخاريّ في "التوحيد" عن أبي نعيم الفضل كذلك. (الدرجة الثانية): العلوّ إلى الأئمة:

стр. 1063

وهذه الدرجة تنقسم إلى قسمين: (الأول): العلوّ إلى الأئمة، وعلوّ الأئمة إلى الصحابيّ، فنجد أوّلًا حدّا يعرف به المبتدىء الأئمة، فنقول: قوم حدّثونا عن التابعين، ثم يقع حديثهم إلى أمثالنا عن أربعة رجال، مثل مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وشعبة، والثوريّ، والحمادين، ومن في طبقتهم على القاعدة التي قدّمناها في الثقة، وإمكان سماع كلّ واحد من صاحبه، وفي هذه الطبقة قوم تأخّرت وفاتهم عمن ذكرنا فعلا حديثهم، ومنهم من تقدّمت وفاتهم، فلا يقع حديثهم إلا نازلًا، وسيجيء الكلام على تفصيل طبقاتهم -إن شاء الله تعالى-. (فمثال القسم الأول): إسناد يقع لأمثالنا إلى شعبة، أو غيره، ممن قدمنا ذكره بعلوّ، ثم بعلوّ لشعبة إلى الصحابيّ الراوي للحديث. ومثاله: ما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الهرويّ بها، قال: أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شُريح الأنصاريّ، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا عليّ بن الجعد، ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابرًا قال: "استأذنت على النبيّ ﷺ ، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا"، كأنه كرهه (١). فهذا هو الحدّ في العلوّ إلى الإمام، وعلوّ الإمام إلى الصحابيّ مع صحّة سماع كلّ واحد من صاحبه. وعلى هذا سائر الروايات إلى كلّ من روى عن متقدّمي التابعين ومتأخريهم، فإن التابعين أيضًا على طبقات عدّة، إلا أنا نختصرهم، فنمثّلهم ثلاث طبقات. (الطبقة الأولى): قوم رووا عن العشرة، فمن في طبقتهم، فلا يكاد يقع حديثهم إلا كما يقع حديث متأخري الصحابة؛ لتقدّم موتهم، ولا يوجد حديثهم إلا عند تابعيّ. (الطبقة الثانية): قوم رووا عن متوسطي الصحابة، وهم الذين أدركهم هؤلاء الأئمة، وأمثالهم. (الطبقة الثالثة): قوم حدّثوا عن صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم، فأدركوهم في حال صغر سنّهم، وكبر سنّ الصحابة الذين عُمّروا، وكانوا صغارًا في عهد رسول الله ﷺ ، فإن آخر من مات بمكة من الصحابة أبو الطفيل عامر بن واثلة، وبالمدينة سهل ابن سعد، وبالشام عبد الله بن بُسْر، وبمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وبالكوفة عبد

стр. 1064

الله بن أبي أوفى، وبالبصرة أنس بن مالك، هؤلاء آخر من بقي من الصحابة في بلاد الإسلام، وأدركهم جماعة من العلماء، فسُمّي من لقي منهم تابعيّا، وإن كان صغيرًا وقت السماع، أو كبيرًا، إلا أن الرواة عن هؤلاء الصحابة على حزبين: صادق في لقيّه لهم، وكاذب، وقد قدّمنا من هذه سِمَته من كلا الفريقين. (والقسم الثاني من الدرجة الثانية): علوّ المحدّثين إلى الإمام، ثم نزول الإمام بعدُ إلى الصحابة، ومثاله: ما أخبرنا أبو القاسم فضل بن عبد الله المفسّر بنيسابور، ثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد، ثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السرّاج، ثنا غياث بن جعفر، ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُليم، عن أبي قتادة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليُصلّ ركعتين قبل أن يجلِس" (١). فهذا الحديث عالٍ إلى أبي محمد سفيان بن عيينة، فإنه أحد الأئمة، أدرك جماعة من التابعين، وروى عنهم، إلا أنه نزل إلى الصحابيّ في هذا الإسناد من طريق العدد، فافهم. أخبرنا أبو بكر الأديب بنيسابور قال: أنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعيّ يقول: سمعت بشر بن موسى يقول: سمعت الحميديّ يقول: سمعت سفيان يقول: رأيت شعبة، وثمانين نفسًا من التابعين. رجعنا الآن إلى شرح طبقات الأئمة، فرَتَّبْتُهُم على ثلاث طبقات، وكلّ طبقة منها تنقسم على طبقات، إلا أنا هَهنا نذكرها مجملة، كما فعلنا في طبقات التابعين. (الطبقة الأولى): قوم حدّثوا عن التابعين، وتقدّمت وفاتهم، فلا يقع الحديث إلى واحد منهم إلا بزيادة رجل في الإسناد عن الحدّ الذي شرطناه. فمن تقدّم من الأئمة، مثل ابن جريج، والأوزاعيّ، ويونس بن يزيد، وأقرانهم، فإن هؤلاء حدّثوا عن الزهريّ، وغيره من التابعين، فقد يقع الحديث إلى الزهريّ من غير طريقهم عاليًا، إلا أنا إذا أوردناه عن واحد منهم، فلا يقع لنا بالعدد الذي قدّمنا ذكره. مثاله إلى الأوزاعيّ: ما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الكاتب بشيراز، قال: أنا أبو الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ قال: حدّثني ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى النبيّ ﷺ

стр. 1065

شرب لبنًا، وعن يساره أبو بكر وعمر، وعن يمينه رجلٌ أعرابيّ، فأعطى الأعرابيّ فضله، ثم قال: "الأيمن، فالأيمن" (١). فهذا الحديث بعينه قد وقع من حديث الزهريّ عاليًا، إلا أنه من طريق الأوزاعيّ لا يقع أعلى من هذا، فيكون علوّنا إلى الأوزاعيّ فيه عنه، فإن العبّاس بن الوليد ممن روى عنه أبو داود، وأبو زرعة، والنسائيّ، وغيرهم. وعلى هذا المثال سائر الأئمة الذين تقدّمت وفاتهم، ثم لم يقع حديثهم إلى المحدّث بعلوّ، فهذه العدّة علامة العلوّ إليهم. (والطبقة الثانية): من الأئمة الجماعة الذين قدّمنا ذكرهم، وأمثالهم، فأغنى عن إيراد مثال يُستدلّ به على منزلتهم. (والطبقة الثالثة): قوم تأخرت وفاتهم، وتقدّم سماعهم من متأخري التابعين الذين وصفناهم، كيزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم. (الدرجة الثانية من العلوّ): تقدّم السماع وتأخره، مثاله أن يسمع تابعيّ من صحابيّ حديثًا، وتقدّم وفاة ذلك التابعيّ. مثاله: ما حدّثنا أبو القاسم عليّ بن أحمد البندار ببغداد، قال: أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا شيبان بن فرّوخ، ثنا مبارك ابن فَضَالة، ثنا الحسن، عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة، مسندًا ظهره إليها، فلما كثر الناس، وقال: "ابنوا لي منبرًا"، فبنوا له عتبتين، فلما قام على المنبر، فخطب، حنّت الخشبة إلى رسول الله ﷺ حنين الواله، فما زالت تحنّ حتى نزل إليها، فاحتضنها، فسكتت" (٢). فكان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه، لمكانه من الله ، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه. فالحسن بن أبي الحسن البصريّ ﵀ سمع هذا الحديث من أنس، وتوفّي في رجب سنة عشر ومائة. ثم يروي عن أنس تابعيٌّ آخرُ، مثاله: ما أخبرنا أبو الفضل العباس بن محمد بن الحسين بمرشت -قرية من رستاق مرو روذ- قال: أنا أبو الفضل الرشيديّ، ثنا أبو بكر

стр. 1066

المفيد، ثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطيّ، ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنّة، فرأيت قصرًا من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ ، قالوا لشابّ من قريش، فظننت أني هو، فقلت: لمن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب" (١). هذا حميد بن أبي حميد روى عن أنس، وصحّ سماعه منه، توفّي سنة ثلاث وأربعين ومائة، فلا يكون الإسناد إلى الحسن مثل الإسناد إلى حميد، وإن استويا في المرتبة، بل يكون الطريق إلى الحسن أعلى وأجلّ، ثم الراوي عن الحسن المبارك بن فَضَالة، وتوفّي سنة ستّ وستين ومائة، والراوي عن حميد يزيد بن هارون، وتوفّي بواسط غُرّة ربيع الأول سنة ست ومائتين. وقد يقع في طبقات المتأخرين ما هو أعجب من هذا، مثاله إن البخاريّ حدّث في كتابه عن أحمد بن أبي داود، عن روح حديث قوله ﷺ : لأبيّ بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن". وحدّث بهذا الحديث بعينه أبو عمر بن السماك، عن ابن أبي داود هذا، وبين وفاته ووفاة البخاريّ ثمان وثمانون سنة، فإن البخاريّ توفّي سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفّي أبو عمر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. والسبب أن البخاريّ توفّي قبل ابن أبي داود بأربع عشرة سنة، فلو وُلد مولود بعد وفاة البخاريّ احتمل أن يسمع من ابن أبي داود، فهما وإن اجتمعا في المنزلة، فقد افترقا في الجلالة، وقِدَم السماع، فلا يكون الطريق إلى البخاريّ كالطريق إلى أبي عمر السماك. أخبرنا أبو نصر عبد السيد بن محمد الفقيه البغداديّ بأصبهان، قال: أنا أبو عليّ الحسن بن أحمد بن شاذان، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، ثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله المنادي، ثنا روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: سمعت النبيّ ﷺ قال لأبيّ ابن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، قال: آلله سماني لك؟ قال: "نعم" قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال: "نعم"، فذَرَفَت عيناه. أخرجه البخاريّ عن أحمد بن أبي داود، وكذلك كان يسمّيه البخاريّ، وهو أبو جعفر هذا. والله أعلم. وعلى هذا القياس، فهذه قاعدة إذا وقفت عليها قِستَ عليها طبقات الصحابة، ثم هلُمّ جرّا إلى عصرنا هذا. (الدرجة الرابعة من العلوّ): أقوام لا يقع حديثهم إلى محدّث زماننا إلا بتلك

стр. 1067

العدّة، مثل محمد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستانيّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، ومن في طبقاتهم من المشايخ، فهم وإن كان معظم ما يروونه وجُلّه عن أصحاب الأئمة إلا أن حديثهم لا يقع كما يقع من الطريق التي قدّمنا إلى الأئمة. فعلامة العلوّ إلى هذه الطبقة ما: أخبرنا أبو محمد عليّ بن الحسين العدل بتنّيس، قال: أنا جدّي أبو العباس محمد بن إبراهيم البغداديّ قال: أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن الحسن الجرويّ، ثنا محمد بن إسماعيل. وعلى هذا القياس يقع أحاديث من ذكرنا من هؤلاء المشايخ، ومن لم نذكرهم ههنا. (الطبقة الخامسة من العلوّ): كتبٌ مصنّفةٌ لأقوام من أهل العلم، فإذا أراد اوجل أن ينظر فيها، ويرويها لا يمكنه ذلك إلا بالرواية إلى المصنّف، مثال ذلك: تصانيف أبي بكر بن أبي الدنيا، وبعده أبو سليمان الخطابيّ، وأشباههما، فيكون علوّنا إلى أبي سليمان أن نقول: أخبرنا الإمام أبو القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ بمكة يرحمه الله قال: أنا محمد بن جعفر المروزيّ، ثنا أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابيّ، ولا يقع بأقلّ من هذا العدد. ثم نظرنا فإذا أجلّ شيخ روى عنه: أبو سعيد بن الأعرابيّ، وقد وقع لنا حديثه عاليًا، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحافظ الحبّال بمصر، قال: أنا أبو محمد عبد الرحمن بن النحّاس قال: أنا أبو سعيد بن الأعرابيّ، وعندنا إلى أبي سعيد بن الأعرابيّ عدّة طرق بهذه المنزلة، إلا أن هذه التصانيف لعزّتها، وكثرة المنفعة بها، وتعذّر وجودها لقدم موت المصنّف، والراوي عنه تكون عاليةً بهذه العدّة. (واعلم): أن كلّ حديث عسُر على المحدّث، ولم يجده عاليًا، ولا بُدّ له من إيراده في تصنيف، أو احتجاج به، فمن أيّ وجه أورده فهو عالٍ لعزّته، مثاله: أن البخاريّ إمام الصنعة أدرك الإسناد، وروى عن أصحاب التابعين، مثل محمد بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي عاصم النبيل، ومكيِّ بن إبراهيم، وعبيد الله بن موسى وغيرهم، وحدّث عن أصحاب مالك بن أنس، ولَمّا أراد إخراج حديث أبي إسحاق الفزاريّ تَعَنَّى فيه، فلم يجده إلا عن ثلاثة، عن مالك. أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد إمام جامع أصبهان، أنا أبو بكر أحمد بن موسى الحافظ، ثنا دعلج بن أحمد، ثنا محمد بن أحمد بن النضر، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن مالك بن أنس، قال: حدّثني ثور بن زيد، قال: حدثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر، فلم نغنم ذهبًا

стр. 1068

ولا فضّة، إنما غنمنا الإبل والبقر، والمتاع، والحوائط، ثم انصرفنا مع النبيّ ﷺ إلى وادي القرى ... وذكر الحديث. فهذا رواه البخاريّ عن عبد الله بن محمد المسنديّ البخاريّ، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن مالك، فيكون دعلج في روايته عن النضر بمنزلة البخاريّ. ثم إنا لو أردنا أن نورده بإسناد إلى البخاريّ عاليًا لم نجده، أو إلى شيخه لم نجده، وإذا أردنا أن نورده من حديث مالك وجدنا، أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الهرويّ بها، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: حدّثني مالك، عن ثور بن زيد الديليّ، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضّةً ... وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الحديث وطرقه، والكلام عليه، والسبب الذي نزل فيه البخاريّ لأجله في غير هذا الموضع. فهذا الحديث بعينه قد وقع لنا إلى مالك عاليًا، فأكون كأني سمعته من البخاريّ نفسه من طريق العدد، فإن مصعبًا في مقابلة الفزاريّ، والبغويّ في مقابلة معاوية بن عمرو، وابن أبي شريح في مقابلة عبد الله بن محمد، وشيخنا في مقابلة البخاريّ ﵀، وقد تقدّم لمسلم بن الحجّاج مثل هذا أيضًا أحاديث منها: ما أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد البزاز ببغداد، ثنا عيسى بن عليّ إملاء، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (١)، ثنا عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن سعيد، قالا: أنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن بكر بن وائل، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس أن سعدًا سأل رسول الله ﷺ عن نذر كان على أمه، وذكر الحديث. ومثله عن ابن عبّاس، عن سعد قال: ماتت أمي، وعليها نذر، فسألت النبيّ ﷺ ، فأمرني أن أقضيه عنها. وهذا رواه مسلم في كتابه عن عثمان بن أبي شيبة هذا كما أوردناه. والنزول في هذا الحديث لا يُنسب إلى مسلم، فإنه حدّث عن عثمان بن أبي شيبة، وهو من أماثل رجاله، ولا يُنسب إلى عثمان، فإنه حدّث عن عبدة، وهو من أجلّاء مشايخه، ولا إلى عبدة، فإنه حدّث عن هشام، وهو من أنبال مشايخه، وإنما النزول في هذا الحديث يُنسب إلى هشام، فإنه حدّث عن رجل أصغر منه (٢)، عن الزهريّ، وهو في طبقته.

стр. 1069

وقد وقع إلينا هذا الحديث بعينه من حديث الزهريّ عاليًا. أخبرنا أبو عليّ الحسن بن عبد الرحمن الشافعيّ بمكة، ثنا أبو الحسن بن فراس، قال: أنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد المقرىء، قال: أمنا جدّي محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد الله ... بالحديث بعينه. فيكون كأنا سمعناه من مسلم بن الحجاج (١)؛ لأن ابن وائل في مقابلة سفيان، وابن المقرىء في مقابلة هشام، وأبو محمد في مقابلة عبدة، وابن فراس في مقابلة عثمان، وشيخنا في مقابلة مسلم (٢). فتدبّر -نفعنا الله وإياك- ما ذكرت لك من هذه النبذ بفكرك، وتصوّرها بقلبك، فإنها تُرشد إلى المراد. والله أعلم. انتهت الرسالة، والحمد لله أولًا وآخرا، وبتمامها تمّ شرح "مقدّمة صحيح مسلم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 1070

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم ابن موسى الإتيوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة: قد انتهيت من شرح "مقدّمة صحيح الإمام مسلم" ﵀ ليلة الجمعة ١٥/ ١/ ١٤٢٣ هـ الموافق ٢٩ مارس/ ٢٠٠٢ م. أسأل الله العليّ العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 1071

تمَّ بحمد الله وصلى الله وسلّم وبارك على عبده وحبيبه محمد المصطفى ﷺ وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨١ - ١٨٢] "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".