وفي بعض كلامه نظرٌ فليسا سواء، وتشبيهه بحال الثقة إذا أخطأ لا يُسَاعَد عليه، أما ما رُوي عنهم قبل الاختلاط، وتَمَيَّز مما رُوي بعده فلا إشكال فيه، وأما ما رُوي عنهم مستقيما بعد الاختلاط ففيه نظر، وقد أنكره يحيى بن معين على وكيع، وقال له: تُحَدّث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنما سمعت منه في الاختلاط، فقال رأيتَنِي حدثتُ عنه إلا بحديث مستو؟ .
فإنه إن كان الاعتماد على الثقات الذين وافقوهم دونهم، فلم يُعتَمَد عليهم، في الفائدة في تخريج الحديث عنهم، دون أولائك الثقات، وإن كان الاعتماد على الرواة عنهم، وعلى ما قرؤوه عليهم من صحيح كتبهم التي كتبوها في حال الصحة، أو التي كَتَب عنهم أصحابهم قبل الاختلاط، كما قال ابن معين: سمعت ابن أبي عدي يقول: لا نكذب الله كنا نأتي الْجُرَيري، وهو مختلط، فنُلَقِّنُه، فيجيء بالحديث كما هو في كتابنا، فقد حصل في الحديث انقطاع، وصار وجودهم كعدمهم، ولا فرق بين أن يُقرأ عليه، وهو مختلط، وأن يقرأ على قبره وهو ميت، فآل الأمر إلى الاعتماد على الوِجَادة.
وأحسنُ ما يُلتَمس لهم أنهم لم يَفرُط الاختلاط فيهم، بحيث يكونون مُطبَقِين، أو كانت لهم أوقاتٌ تَثُوب إليهم عقولهم فيها، فيتحين الآخذون عنهم تلك الأوقات، ويقرأون عليهم مِنْ كتبهم، أو كتب أصحابهم، أو يسمعون منهم ما حَفِظوه مما تظهر لهم السلامة فيه.
هذا هو الذي يَجِب أن يُعتَقَد فيمن رَوَى عنهم من الثقات، وعلى ذلك يُحمَلُ فعل وكيع بن الجراح وغيره، ممن فعله، وإلا عاد ذلك بالقدح على الرواة عنهم، على أن أبا حاتم البستيَّ، وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حَكَمَ بصحته مما لم يَحكُم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح، يكون من قبيل الحسن، وكلاهما يُحتَجّ به، ويُعمَل عليه، إلا أن يَظهَر فيه ما يوجب ضعفه.
ثم اعلم أَيُّها الإمام الْمُتَّبَع الْمُعْتَمَد أنك سميت في جملة مَن ذَكَرتَ أنك لا تَعلَم سماعهم ممن حدّثوا عنه قيسَ بن أبي حازم، عن أبي مسعود، والنعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، وذكرت غيرهم ممن انفردت عن البخاري بتخريج بعضهم، ولم يُخَرِّجهم لأحد وجهين:
إما لعدم ذلك الشرط عنده، كحديث عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداريّ، عن النبيّ ﷺ ، وهو أحد مَن سَمَّيت، وانفردتَ بإخراجه عنه، وهو حديث: "الدين النصيحة، لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، خَرَّجته في "كتاب
стр. 1017
الإيمان" (١)، من كتابك، وليس لتميم الداري في كتابك غيره، وأما البخاري فلم يُخَرِّج لتميم الداري شيئًا.
وكما أنك أيضًا لم تُخَرّج حديث بعض من سَمَّيتَ كحديث أبي رافع، عن أُبَيّ، وهو حديث: "أن النبيّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يَعتكف عامًا، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما (٢).
وإما لأنه لم يقع له -أعني للإمام أبي عبد الله البخاري- على بُعْدِ ذلك عليه (٣) فقد روينا عن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأعرف مائتي ألف غير صحيح"، وإن خَرّج منها شيئًا، قلنا: اطّلع على ما لم تَطّلِع عليه من ذلك.
فأما ما ذكرت من شأن قيس عن أبي مسعود، والنعمان عن أبي سعيد، فاعلم أيّها الإمام الأوحد، أنهم عَلِمُوا صحة سماع قيس من أبي مسعود، والنعمان من أبي سعيد، فَجَرَوا على نَهْجهم الواضح، وشرطهم الصحيح.
فأما قيس فقد ذكر البخاري سماعه من أبي مسعود في موضعين من كتابه: (أحدهما) في "باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود"، فقال: نا أحمد ابن يونس قال: نا زهير قال: نا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيسا قال: أخبرني
стр. 1018
أبو مسعود، أن رجلا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا (ح) فقال فيه عن قيس: أخبرني أبو مسعود.
(والثاني): ذكره في "باب صلاة كسوف الشمس"، فقال: نا شهاب بن عباد قال: نا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبيّ ﷺ : "إن الشمس والقمر لا يَكسِفان لموت أحد من الناس" (ع) قال فيه عن قيس: سمعت أبا مسعود، فقد انتهى إليه ما لم ينته إليك.
وسماع قيس -وهو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث- من أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو- البدري مشهور مذكور عند أئمة الصنعة.
وقد نص عليه الإمام الناقد، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نَجِيح بن المديني في "كتاب التاريخ والعلل" من تأليفه قال:
"قيس بن أبي حازم سَمِع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأَبِي شَهْم (١) وجرير بن عبد الله البجليّ، وأبي مسعود البدري، وخباب بن الأرتّ، والمغيرة بن شعبة، ومِرْدَاس بن مالك الأسلمي، ومُستورِد بن شداد الفهري، ودُكَين بن سعيد المزني، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبي سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، وأبي جُحيفة.
قيل لعلي: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعًا؟ قال: نعم سمع منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نَعُدّه له سماعًا (٢).
فانظر عنايته بسماعه، وتأكيده له المرة بعد المرة.
وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد، فقد خَرَّجها البخاري، وخَرَّجْتَها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك، منصوصًا فيها على السماع، فأثبتَّ في آخر كتابك ما نَفَيتَ في أوله، وأقررت بما أنكرت، وشَهِدتَ من نفسك على نفسك، فما ذنبهم أن حَفِظوا ونسيتَ، ولا غَرْوَ فإنما ذلك تعويذ لكمالك.
[من الكامل]:
شَخَصَ الأَنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ ... مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدِ
стр. 1019
وذكرت أيّها الإمام في "صفة الجنة" -يسر الله علينا فيها بلا محنة-:
"حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا المخزومي (١)، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقِيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ . (٢).
وخَرّجه أيضا البخاري كذلك؛ لوجود شرطه في "صفة الجنّة"، وهو معرفة السماع، فقال: وقال إسحاق بن إبراهيم، أنا المغيرة بن سلمة، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها"، قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد، عن النبيِّ ﷺ : قال: "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب الْجَوَاد الْمُضمَر السريع مائة عام ما يقطعها" (٣).
فقد اتفقتما على تخريج هذا الحديث عن شيخ واحد، منصوصًا فيه عندكما على سماع النعمان من أبي سعيد.
(الموضع الثاني): قريب منه في الباب نفسه، من كتابك، قلت فيه: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة، كما تراءون الكوكب في السماء".
قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كما تراءون الكوكب الدُّرّيّ في الأفق الشرقيّ، أو الغربيّ".
وخَرّجه البخاري أيضا في "صفة الجنة"، فقال: أنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز (٤)، عن أبيه، عن سهيل، عن النبيّ ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغُرَف في
стр. 1020
الجنة، كما يتراءون الكوكب في السماء". قال أبي: فحدثت النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد الخدري يحدث، ويزيد فيه: "كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق الشرقيّ والغربيّ".
(الموضع الثالث): قلتَ في "المناقب" من كتابك: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم قال: سمعت سهلا يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحوض"، وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلا يقول؟ ، قال: فقلت: نعم، قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد: "فأقول: إنهم مني ... "، وذكر الحديث بتمامه.
وخَرّجه البخاري في موضعين في "الفتن"، وفي "ذكر الحوض"، فقال في "كتاب الفتن" في باب قول الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]: نا يحيى بن بكير، نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أنا فَرَطُكم على الحوض"، (ح) وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلًا؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه: قال: "إنهم مني ... "، ثم ذكر تمام الحديث.
وقال في "باب الحوض": ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن مُطَرِّف، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: قال النبيّ ﷺ : "أنا فَرَطُكم على الحوض، مَن مَرَّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظما أبدًا، لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم". قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ ، فقلت: نعم، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته، وهو يزيد فيها: فأقول: "إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا بعدي".
والعذر لك أَيُّها الإمام بادٍ، فإنّ النصّ على السماع فيما خَرَّجت أنت من هذه الأحاديث وَرَدَ مضَمَّنًا غُضُون الحديث ليس مُصَدَّرًا به، ولا ملاقيًا للناظر، وإنما ذُكِرت هذه الأحاديث في المسانيد، في مسند سهل؛ لأن هذه الزيادة إنما وقع ذكرها عن أبي سعيد بحكم التَّبَع، وقد جَرَّت هذه الغفلةُ عليك يرحمك الله غفلةً أُخرَى، رأينا أن نُنَبِّهَ عليها تَتِمَّةَ الفائدة، وصِلَةً بالنفع عائدةً، وهي أنك قلت: وأسند النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث، عن النبيِّ ﷺ ، فهذا الكلام يُفهِمُ ظاهرُه أنه لم يُسنِد غيرها، وقد أخرجت له في "صحيحك" ستة أحاديث من رواية النعمان بن أبي
стр. 1021
عياش، عن أبي سعيد: [أحدها]: المتن المدرج في حديث: "إن في الجنة شجرة".
[والثاني]: المدرج أيضا في حديث: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة".
[والثالث]: المدرج في حديث: "أنا فَرَطُكُم على الحوض".
[والرابع]: حديث: "إن أدنى أهل الجنة منزلةً، رجلٌ صَرَفَ الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة" تفردت به عن البخاري.
[والخامس]: حديث: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل النار عذابًا مُنتَعِلٌ بنعل من نار يَغلِي دماغه من حرارة نعليه"، خَرَّجتهما في "الإيمان" من كتابك.
[والسادس]: حديث: "من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا"، خَرّجته في "الصيام" من كتابك، وخَرّجه البخاري في "الجهاد"، من غير نَصٍّ منكما على سماع النعمان له من أبي سعيد، وخَرّجه أبو عبد الرحمن النسائيّ في "مصنفه" ناصّا فيه على سماع النعمان من أبي سعيد، فقال: أنا مُؤَمَّل بن إيهاب، قال: نا عبد الرزاق، أنا ابن جريح، أخبرني يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، سمعا النعمان بن أبي عياش قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ... فذكره.
وللنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد حديث سابعٌ، خَرّجه أبو بكر البزار في "مسنده"، قال البزار: نا أحمد بن منصور، قال: نا سعيد بن سليمان، قال: نا إسماعيل بن جعفر، قال: نا محمد بن أبي حرملة، عن النعمان بن أبي عياش الزُّرَقيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". قال الحافظ أبو عبد الله بن أبي بكر -وقد ذكر هذا الحديث، من طريق البزار-: إسناده صالح حسن، محمد بن أبي حرملة حدث عنه مالك بن أنس وغيره من الثقات.
قال ابن رُشيد: الذي يظهر أن مسلمًا ﵀ إنما عَنَى بقوله: ثلاثة أحاديث الثلاثة الأخيرة مما ذكر التي لم يَرِد فيها منصوصًا سماع النعمان من أبي سعيد، ولم تَمُرّ بذكره الثلاثة الأحاديث التي نُصّ فيها على سماعه منه؛ لأنها وردت مُتْبَعَةً لحديث سهل بن سعد حسبما بَيّنّاه، على أن أبا عبد الرحمن النسائي قد نَصّ في "مصنفه" على سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد، في حديث النبيّ ﷺ : "من صام يوما في سبيل الله" (ح) فقال -أعني النسائي-: أنا مؤمل بن إيهاب، قال: نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح، سمعا النعمان بن أبي عياش، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ ... فذكره.
стр. 1022
قال ابن رُشيد: وهو في البخاري ومسلم، من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، بسنده في كتاب النسائي، وفيه: سمعا (١) النعمان عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ من غير نَصٍّ على سماع النعمان من أبي سعيد، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق، ورواه مسلم عن إسحاق بن منصور، وعبد الرحمن بن بشر، عن عبد الرزاق، وزاد مسلم في طرقه رواية ابن الهادي، والدَّرَاوَرْدي له عن سهيل، عن النعمان، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ (٢)(٣).
وقد ذكر حديثَ الشجرة الإمام الحافظ أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ في كتابه "المخَرّج" على كتابك، وفيه التنبيه على أنه من مسند أبي سعيد، قال:
أنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم كتابةً، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا أبو أحمد الغطريفيّ، نا عبد الله بن محمد بن شيرويه، نا إسحاق بن إبراهيم نا المخزوميّ، نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة شجرةٌ يَسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها"، قال: فحدثتُ به النعمان ابن أبي عياش، فحدثني عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة شجرة، يَسِير الراكب على الفرس الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها"، رواه -يعني مسلما- عن إسحاق، حدثناه في مسند أبي سعيد الخدري.
فانظر كيف أشار الحافظ أبو نعيم إلى أن أبا أحمد الغطريفي حدثهم به عن مسند أبي سعيد، إذ هو مظنة الغفلة والنسيان اللازمين للإنسان، وأول ناسٍ أول الناس. انتهت مناقشة الحافظ ابن رُشيد للإمام مسلم رحمهما الله تعالى في رسالته "السنن الأبين، والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن" ص ١٤٨ - ١٨٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ملخّص المناقشة أن المصنّف ﵀ ادّعى في هذا
стр. 1023
الدليل الرابع الإجماع على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وَصْمة التدليس، إذا رووا بالعنعنة عمن عاصروه من الصحابة، وإن لم يُعلم لقاؤهم لهم، وسماعهم منهم، كما أن ذلك مقبول في الصحابة على ما سبق بيانه، فناقشه ابن رُشيد ﵀ بثلاثة أمور:
(أحدها): نقض الإجماع المدّعَى؛ إذ الخلاف في ذلك قائم. (وثانيها): أن الأمثلة التي ذكرها غير صحيحة؛ لما ثبت من هؤلاء الذين مثّل بهم ممن ثبت سماع بعضهم من بعض. (وثالثها): أن هذه أمثلة خاصّة جزئيّة، ولا يمكن بناء الحكم الكليّ بحكم الجزئيّات؛ إذ لا يطّرد؛ لاحتمال أن يكون لكل حديث حكم يخصّه بسبب قرائن انضمّت إليه مما يفيد اللقاء والسماع، فيصحّح ذلك الحديث اعتمادًا عليها، لا على مجرّد المعاصرة، وهذا كثير في استعمال المحدّثين، حتى إن المصنّف نفسه وقع له نظير ذلك، فقد أدخل في "الصحيح" أحاديث أسباط بن نصر، وقَطَن بن نسير، وأحمد بن عيسى، مع أنه لا يَعتمد عليهم، فلما اعتَرَض عليه ذلك أبو زرعة الرازيّ، اعتذر إليه بأنه إنما أدخل من أحاديثهم ما ثبت لديه صحّته مما رواه الثقات عن شيوخهم، لا لاعتماده عليهم، ثم بيّن سبب عدوله إليهم حيث قال: إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
والحاصل أن قبول الأئمة لعنعنة المعاصرين من التابعين ليس لمجرد المعاصرة، بل لما انضمّ إلى ذلك من القرائن التي تفيد صحة اللقاء والسماع، فلا يتمّ الاحتجاج على الخصم بالاحتمال الضعيف مع وجود الاحتمال القويّ.
ثم ناقشه فيما ادّعاه من عدم ثبوت سماع كلّ من قيس بن أبي حازم، والنعمان بن أبي عيّاش من أبي مسعود ﵁، فقد ثبت سماع قيس منه عند البخاريّ في موضعين من "صحيحه"، وقد ثبت سماع النعمان عند البخاريّ، وعنده أيضًا في آخر الكتاب، إلا أنه نسيه في أوله، وقد اعتذر له عن هذا بأنه إنما وقع عنده ضمنًا، لا مصدّرا به.
وناقشه أيضًا في قوله: "وأسند النعمان بن أبي عيّاش، عن أبي سعيد الخدريّ ثلاثة أحاديث"، إذ أخرج له هو في "صحيحه"، ستة أحاديث، فكيف نسي هذا؟ .
ورحم الله تعالى الإمام ابن رُشيد حيث أجاد في هذه المناقشة الهادئة التي يظهر عليها سمة الاحترام والاعتذار للمصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، ولنعم ما فعل، فإن هذه صفة العلماء المخلصين المبتغين وجه الله تعالى بعلمهم.
فتلخّص مما سبق أن أحاديث المتعاصرين إذا وردت معنعنةً، ليس فيها تصريح
стр. 1024
بأن الراوي لقي شيخه الذي عنعن عنه، وشافهه بالحديث، فمنهم من ردّه مطلقًا، وشرط أن يرد في الحديث تصريح بالسماع من أول راو في الإسناد إلى آخره، وسبق أن هذا من مذاهب أهل التشديد؛ إذ أنه لن يسلم لنا من الأحاديث إلا القليل.
واشترط بعضهم طول الصحبة بينهما، كما سبق ذلك أيضًا، وهذا أيضًا مذهب متشدّد تُرَدّ به الأحاديث التي حملها الرواة عن شيوخهم أثناء الرحلة، وفي موسم الحجّ، ونحو ذلك.
وذهب الإمام مسلم إلى أنه تقبل عنعنة المتعاصرين، وإن لم يُصَرَّح فيها بالسماع، بشرط أن يكون هناك احتمال قويّ للِّقاء بينهما، وأن لا يرد تصريح بانتفاء سماع هذا الراوي من شيخه الذي يُحدّث به، واستدلّ على ذلك بأحاديث رُويت معنعنةً، ولم يَرِد فيها تصريح بالسماع، وأن أهل العلم بالأخبار قَبِلوها، ولم يردّوا منها شيئًا حسبما زعم، وقد سبق مناقشة ابن رُشيد له في هذا الادَّعاء، وأن الإجماع على خلاف ما ذهب إليه، ومما يُرَدّ به عليه ما سبق له في هذه المقدّمة، من أن الإرسال كان شائعًا في ذلك الوقت، فيلزم من ذلك أنه لا بدّ من وضع قيد ضابط للمسألة، ولا أقلّ في ذلك مما قاله من يشترط اللقاء والسماع، كما نُسب إلى ابن المدينيّ والبخاريّ، وغيرهما، وذلك أن يوجد هناك تصريح جُمْليّ من الراوي أنه سمع من شيخه الذي عنعن عنه، كي يُؤْمَنَ إرساله بشرط انتفاء وصمة التدليس عن هذا الراوي الذي حدّث بالعنعنة، وأن يصحّ السند إليه في الحديث الذي صرّح فيه بالسماع من شيخه ولو مرّة واحدة.
وبالجملة فهذا المذهب الذي وضع هذا القيد والضابط في وقت قد شاع فيه الإرسال أجدر بأن يكون راجحًا على ما ذهب إليه المصنّف من قبول العنعنة بدون القيد المذكور.
والحاصل أن القول باشتراط اللقاء والسماع، ولو لمرّة واحدة هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وأن الاكتفاء بمجرد المعاصرة، وإن كان احتمال السماع قويًّا لا يخلو عن تساهل، كما أن اشتراط طول الصحبة تشدّد محض، وخير الأمور الوسط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بما سبق من كلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
(المسألة الأولى): في البحث المتعلّق بقوله: "أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم العمل به إلخ":
(اعلم): أن القول بوجوب الاحتجاج بخبر الواحد العدل مجمع عليه بين جمهور أهل العلم، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على كلام المصنّف: ما نصّه: هذا
стр. 1025
الذي قاله هو مذهب جمهور المسلمين من السلف، والفقهاء والأصوليين، وذهبت الروافض، والقدريّة، وبعض أهل الظاهر إلى أنه لا يجب به عمل. انتهى كلام عياض (١).
قال الجامع: في نسبته المذهب المذكور إلى بعض الظاهرية نظر لا يخفى (٢). والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت، ولم ينسخه غيره، من أثر، أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كلّ عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج، وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تُعدّ خلافًا. انتهى كلام ابن عبد البرّ (٣).
وقال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارضٌ أقوى منه، فإنه يجب قبوله؛ لأدلّة دلّت على ذلك، وقد يُتوقّف فيه أحيانًا لمعارضته بما يقتضي التوقّف فيه، كما توقّف النبيّ ﷺ في قول ذي اليدين حتى توبع عليه. انتهى (٤).
وقال العلامة الصنعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (اعلم): أن الأقوال في إفادة خبر الواحد العلم ثلاثة، كما ذكره ابن الحاجب، والعضد، وغيرهما:
(الأول): أنه يفيد العلم بنفسه مطّردًا، أي كلما حصل خبر الواحد حصل العلم، وهو قول أحمد بن حنبل رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
(الثاني): أنه يحصل به العلم، ولا يطّرد، أي ليس كلما حصل حصل العلم به.
(الثالث): أنه لا يحصل العلم به إلا بقرينة.
قال العلامة الصنعانيّ -بعد ذكر هذه الأقوال-: والحقّ أن فيه ما يُفيد العلم، كما هو أحد الأقوال، وقد كان ﷺ يبعث الآحاد إلى الأقطار يدعون إلى الإيمان، ولا بدّ فيه من العلم، ولا يكفي فيه الدخول بالظنّ، وكان يترتّب على خبر الآحاد ما يترتّب على ما يفيد العلم، كقبول خبر الوليد بن عقبة في قصّة بني المصطلق، وإرادته غزوهم؛ استنادًا إلى خبره، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية
стр. 1026
[الحجرات: ٦]. ثم المراد من العلم هنا بخبر الآحاد العلم بالمعنى الأخصّ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الذي لا يبقى معه شكّ، ولا شبهة. انتهى كلام الصنعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١).
واختار أبو محمد بن حزم رَحِمَهُ اللهُ تعالى كونه يفيد العلم، حيث قال في كتابه "إحكام الأحكام": إن خبر الواحد العدل، عن مثله، إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معًا، ثم أطال في الاحتجاج له، والردّ على مخالفيه في بحث نفيس لا تجده في غيره من الكتب، فراجعه ١/ ١١٥ - ١٣٢.
وكذا اختار هذا القول ابن القيّم في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة"، وحقّقه تحقيقًا بديعًا، وذكر له من الأدلّة أحدًا وعشرين دليلًا أذكرها هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، فأقول:
(الدليل الأول): أن المسلمين لَمّا أخبرهم الواحد، وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حُوّلت إلى الكعبة، قبلوا خبره، وتركوا الحجّة التي كانوا عليها، واستداروا إلى القبلة، ولم يُنكر عليهم رسول الله ﷺ ، بل شُكِروا على ذلك، وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يَتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يُفيد العلم، وغاية ما يقال فيه: إنه خبر اقترنت به قرينة، وكثير منهم يقول: لا يفيد العلم بقرينة، ولا غيرها، وهذا في غاية المكابرة، ومعلوم أن قرينة تلقّي الأمة بالقبول له، وروايته قرنًا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن، وأظهرها، فأيّ قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها.
(الدليل الثاني): أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، وفي القراءة الأخرى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وهذا يدلّ على الجزم بقبول خبر الواحد؛ لأنه لا يحتاج إلى التثبّت حتى يحصل العلم. ومما يدلّ عليه أيضًا أن السلف الصالح، وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله ﷺ كذا، وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة. وفي "صحيح البخاريّ": قال رسول الله ﷺ في عدّة مواضع، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من صحابيّ غيره، وهذا شهادة من القائل، وجَزْمٌ على رسول الله ﷺ بما نُسِبَ إليه من قول، أو فعل، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله ﷺ بغير علم.
стр. 1027
(الدليل الثالث): أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صحّ عن رسول الله ﷺ ، وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخّرين أن المراد بالصّحَّة صحّة السند لا صحّة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحّة الإضافة إليه، وأنه قاله كما كانوا يَجزمون بقولهم: قال رسول الله ﷺ ، وأمر، ونهى، وفعل رسول الله ﷺ ، وحيث كان يقع لهم في ذلك يقولون يُذْكَرُ عن رسول الله ﷺ ، ويُروَى عنه، ونحو ذلك، ومن له خبرة بالحديث يفرّق بين قول أحدهم هذا الحديث صحيح، وبين قوله: إسناده صحيح، فالأول جزم بصحّة نسبته إلى رسول الله ﷺ ، والثاني شهادة بصحّة سنده، وقد يكون فيه علّة، أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا، ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.
(الدليل الرابع): قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٣٢]. والطائفة تقع على الواحد، فما فوقه، فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم، والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، وقوله: لعلهم يحذرون نظير قوله في آياته المتلوّة والمشهودة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتدُونَ﴾، وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم، لا فيما لا يفيد العلم.
(الدليل الخامس): قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تتبعه، ولا تعمل به، ولم يزال المسلمون من عهد الصحابة يَقْفُون أخبار الآحاد، ويعملون بها، ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا لكان الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأئمّة الإسلام كلّهم قد قَفَوا ما ليس لهم به علم.
(الدليل السادس): قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم، لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقبل: سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحدًا لكان سؤاله وجوابه كافيًا.
(الدليل السابع): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لم تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال النبيّ ﷺ : "بلّغوا عنّي"، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم مسوولون عنّي (١)، فما
стр. 1028
أنتم قائلون"، قالوا: نشهد أنك بلّغت، وأدّيت، ونصحت" (١)، ومعلوم أن هذا البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلَّغ، ويَحصُل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يَحصُل به العلم، وقد كان رسول الله ﷺ يُرسل الواحد من أصحابه يُبلّغ عنه، فتقوم الحجة على من بلّغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بَلَّغَنا العدول الثقات من أقواله، وأفعاله، وسنّته، ولو لم يُفد العلم لم تقُم علينا بذلك حجة، ولا على من بَلَّغَه واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل، فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله ﷺ لا تفيد العلم أحد أمرين: إما أن يقول: إن الرسول ﷺ لم يبلّغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة، ولا تبليغٌ، وإما أن يقول: إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما، ولا يقتضي علمًا، وإذا بطل هذا الأمران، بطل القول بأن أخباره ﷺ التي رواها الثقات العدول الحفاظ، وتلقّتها الأمة بالقبول، لا تفيد علمًا، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.
(الدليل الثامن): قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن جعل هذه الأمة عُدُولًا خيارًا ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلّغوهم عن الله رسالته، وأَدُّوا عليهم ذلك، وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية، وشهادتهم على أهل عصرهم، ومن بعدهم أن رسول الله ﷺ أمرهم بكذا، ونهاهم عن كذا، فهم حجة الله على من خالف رسول الله، وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة، وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن حجة الله بالرسل قامت عليه، ويشهد كلّ واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة، فلو كانت أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد لم يشهد به الشاهد، ولم تقم به الحجة على المشهود عليه.
(الدليل التاسع): قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾، وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفّاظ عن رسول الله ﷺ إما أن تكون حقّا، أو باطلًا، أو مشكوكًا فيها، لا يُدرى، هل هي حقّ، أو باطل، فإن كانت باطلًا، أو مشكوكًا فيها وجب اطّراحها، وأن لا يُلتفت إليها، وهذا انسلاخ من الإسلام بالكلّيّة، وإن كانت حقّا، فيجب الشهادة بها على البتّ أنها عن رسول الله ﷺ ، وكان الشاهد بذلك شاهدًا بالحقّ، وهو يَعلم صحّة المشهود به.
стр. 1029
(الدليل العاشر): قول النبيّ ﷺ : "على مثلها، فاشهدوا"، أشار إلى الشمس، ولم يزل الصحابة، والتابعون، وأئمة الحديث يشهدون عليه ﷺ على القطع أنه قال كذا، وأمر به، ونهى عنه، وفعله لِمَا بلّغهم إياه الواحد، والاثنان، والثلاثة، فيقولون: قال رسول الله ﷺ كذا، وحرّم كذا، وأباح كذا، وهذه شهادة جازمة يعلمون أن المشهود به كالشمس في الوضوح، ولا ريب أن كلّ من له التفات إلى سنّة رسول الله ﷺ ، واعتناء بها يشهد شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربّهم عِيانًا يوم القيامة، وأنّ قومًا من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، وأن الصراط حقّ، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك، وأن الولاء لمن أَعتَق، إلى أضعاف أضعاف ذلك، بل يشهد بكلّ خبر صحيح مُتلقّى بالقبول، لم يُنكره أهل الحديث شهادة لا يشكّ فيها.
(الدليل الحادي عشر): أن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبيّ ﷺ العلم يشهدون شهادةً جازمةً قاطعةً على أئمّتهم بمذاهبهم، وأقوالهم، ولو قيل لهم: إنها لم تصحّ عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار، وتعجّبوا من جهل قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد، والاثنان، والثلاثة، ونحوهم، لم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلومٌ يقينًا، فكيف حصل لهم العلم الضروريّ، أو المقارب للضروريّ بأن أئمتهم، ومن قلّدوهم دينهم أفتوا بكذا، وذهبوا إلى كذا، ولم يحصُل لهم العلم بما أخبر به أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وسائر الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ولا بما رواه عنهم التابعون، وشاع في الأمّة، وذاع، وتعدّدت طرقه، وتنوّعت، وكان حرصه عليه أعم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم، إن هذا لهو العجب الْعُجاب! ! ! .
وهذا وإن لم يكن نفسه دليلًا يُلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا: أخبار رسول الله ﷺ ، وفتاواه، وأقضيته تفيد العلم، وإما أن يقولوا: إنهم لا علم لهم بصحّة شيء مما نُقل عن أئمتهم، وأن النقول عنهم لا تفيد علمًا، وإما أن يكون ذلك مفيدًا للعلم بصحّته عن أئمّتهم، دون المنقول عن رسول الله ﷺ ، فهو من أبين الباطل.
(الدليل الثاني عشر): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ووجه الاستدلال أن هذا أمر لكلّ مؤمن بلغته دعوة الرسول ﷺ إلى يوم القيامة، ودعوته نوعان: مواجهة، ونوعٌ بواسطة المبلّغ، وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين، وقد عُلم أن حياته في تلك الدعوة، والاستجابة لها، ومن الممتنع أن يأمره الله تعالى بالإجابة لما لا يفيد علمًا، أو يُحييه بما لا يفيد علمًا، أو يتوعّده على ترك الاستجابة لما لا يفيد علمًا بأنه إن لم يفعل عاقبه، وحال بينه وبين قلبه.
(الدليل الثالث عشر): قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا يعمّ كلّ مخالف بلغه أمره ﷺ إلى يوم القيامة، ولو كان
стр. 1030
ما بلغه لم يفد علمًا لما كان متعرّضًا بمخالفة ما لا يفيد علمًا للفتنة، والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر.
(الدليل الرابع عشر): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ووجه الاستدلال أنه أمر أن يُرَدَّ ما تنازع فيه المسلمون إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، والردُّ إلى الله هو الرّدّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله هو الردّ إليه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته، فلولا أن المردود إليه يفيد العلم، وفصل النزاع لم يكن في الردّ إليه فائدة، إذ كيف يُردّ حكم المتنازع فيه إلى ما لا يُفيد علمًا البتّة، ولا يُدرَى حقّ هو أم باطل؟ وهذا برهان قاطع -بحمد الله تعالى- فلهذا قال من زعم أن أخبار رسول الله ﷺ لا تُفيد علمًا: إنا نرُدّ ما تنازعنا فيه إلى العقول، والآراء، والأقيسة، فإنها تفيد العلم.
(الدليل الخامس عشر): قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ووجه الاستدلال أن كلّ ما حَكَمَ به رسول الله ﷺ ، فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله تعالى، أنزله على رسوله ﷺ ، وقد تكفّل الله سبحانه بحفظه، فلو جاز على حكمه الكذب، والغلط، والسهو من الرواة، ولم يَقُم دليلٌ على غلطه، وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله، وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل، ونحن لا ندّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلِط، أو سها، فلا بدّ أن يقوم دليلٌ على ذلك، ولا بدّ أن يكون في الأمّة من يَعرِف كذبه، وغلطه؛ ليتمّ حفظه لحججه، وأدلّته، ولا يلتبس بما ليس منها، فإنه من حكم الجاهليّة، بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كلّ هذه الأخبار، والأحكام المنقولة إلينا آحادًا كذبًا على رسول الله ﷺ ، وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
(الدليل السادس عشر): ما احتجّ به الشافعيّ نفسه، فقال: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، وأدّاها، فربّ حامل فقه، غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاثٌ لا يُغلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (١)، قال الشافعيّ: فلما ندب رسولُ الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها،
стр. 1031
وأدائها، وأمر أن يؤدّيها، ولو واحدٌ، دلّ على أنه لا يؤمر من يؤدّي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّيَ إليه؛ لأنه إنما يُؤَدَّى عنه حلالٌ يؤتي، وحرامٌ يُجتنب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويُعطَى، ونصيحة في دين ودنيا. ودلّ على أنه قد يَحمل الفقه غيرُ الفقيه، يكون له حافظًا، ولا يكون فيه فقيهًا. وأَمْرُ رسول الله ﷺ بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتجّ به في أن إجماع المسلمين لازم. انتهى.
والمقصود أن خبر الواحد العدل لو لم يُفد علمًا لأمر رسول الله ﷺ أن لا يَقبَلَ من أُدِّي إليه إلا من عدد التواتر الذي لا يحصُلُ العلم إلا بخبرهم، ولم يدع للحامل المؤدّي إن كان واحدًا؛ لأن ما حمله لا يُفيد العلم، فلم يَفعل ما يستحقّ الدعاء وحده إلا بانضمامه إلى أهل التواتر، وهذا خلاف ما اقتضاه الحديث، ومعلومٌ أن رسول الله ﷺ إنما ندب إلى ذلك، وحثّ عليه، وأمر به لتقوم الحجة على من يُؤَدَّى إليه، فلو لم يُفد العلم لم يكن فيه حجة.
(الدليل السابع عشر): حديث أبي رافع ﵁ الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: "لا أُلفيَنّ أحدًا منكم، متّكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول: لا ندري ما هذا؟ بيننا وبينكم القرآن، ألا وإني أُوتيت الكتاب، ومثله معه". ووجه الاستدلال أن هذا نهيٌ عامّ لكلّ من بلغه حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله ﷺ أن يخالفه، أو يقول: لا أقبل إلا القرآن، بل هو أمرٌ لازمٌ، وفرضٌ حتمٌ بقبول أخباره، وسننه، وإعلام منه ﷺ أنها من الله، أوحاها إليه، فلو لم تُفد علمًا لقال من بَلَغَتْهُ: إنها أخبار آحاد لا تفيد علمًا، فلا يلزمني قبول ما لا علم لي بصحَّته، والله تعالى لم يكلّفني العملَ بما لم أعلم صحّته، ولا اعتقاده، بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله ﷺ أمته، ونهاهم عنه، ولَمّا علم أن في هذه الأمة من يقوله حذّرهم منه، فان القائل: إن أخباره لا تفيد العلم هكذا يقول سواء: ما هذه الأحاديث، وكان سلف هؤلاء يقولون: بيننا وبينكم القرآن، وخلفهم يقولون: بيننا وبينكم أدلّة العقول، وقد صرّحوا بذلك، وقالوا: نقدّم العقول على هذه الأحاديث، آحادها ومتواترها، ونقدّم الأقيسة عليها.
(الدليل الثامن عشر): ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنت أسقي أبا عُبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة الأنصاريّ، وأُبيّ بن كعب شرابًا من فَضِيخ، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الْجِرار، فاكسرها، فقمت إلى مِهْرَاس لنا، فضربتها بأسفله، حتى كسرتها.
ووجه الاستدلال أن أبا طلحة أقدم على قبول خبر التحريم، حيث ثبت به
стр. 1032
التحريم لِمَا كان حلالًا، وهو يمكنه أن يسمع من رسول الله ﷺ شِفاهًا، وأكّد ذلك القبولَ بإتلاف الإناء، وما فيه، وهو مالٌ، وما كان لِيُقدم على إتلاف المال بخبر من لا يفيد خبره العلم عن رسول الله ﷺ إلى جنبه، فقام خبر ذلك الآتي عنده، وعند من معه مقام السماع من رسول الله ﷺ بحيث لم يشكّوا، ولم يرتابوا في حدقه، والمتكلّفون يقولون: إن مثل ذلك الخبر لا يفيد العلم لا بقرينة، ولا بغير قرينة.
(الدليل التاسع عشر): أن خبر الواحد لو لم يُفد العلم لم يُثْبِت به الصحابة التحليل والتحريم، والإباحة، والفروض، ويجعل ذلك دينًا يُدان به في الأرض إلى آخر الدهر، فهذا الصدّيق ﵁ زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدّة، وجعله شريعةً مستمرّةً إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل حكم الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نصّ القرآن في إثبات فرض الأمّ، ثم اتّفق الصحابة، والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد. وأثبت عمر بن الخطّاب ﵁ بخبر حَمَل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضًا لازمًا للأمة. وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وصار ذلك شرعًا مستمرّا إلى يوم القيامة. وأثبت شريعة عامّةً في حقّ المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ وحده. وأثبت عثمان بن عفّان ﵁ شريعةً عامّةً في سكنى المتوفّى عنها زوجها بخبر فُريعة بنت مالك وحدها. وهذا أكثر من أن يُذكَر، بل هو إجماعٌ معلوم منهم. ولا يقال على هذا: إنما يدلّ على العمل بخبر الواحد في الظنّيّات، ونحن لا ننكر ذلك؛ لأنا قد قدّمنا أنهم أجمعوا على قبوله، والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون كذبًا، أو غلطًا في نفس الأمر، لكانت مجمعةً على قبول الخطإ، والعمل به، وهذا قدح في الدين والأمّة.
(الدليل العشرون): أن الرّسُل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد، ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى ﵇ من الذي جاء من أقصى المدينة قائلًا له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، فجزم بخبره، وخرج هاربًا من المدينة. وقبِلَ خبر بنت صاحب مدين لَمّا قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. وقبِلَ خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي، وتزوّجها بخبره. وقبِل يوسف الصدّيق ﵇ خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾. وقبل النبيّ ﷺ خبر الآحاد الذين كانوا يُخبرونه بنقض عهد المعاهدين له، وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريّهم. ورسُلُ الله صلوات الله وسلامه عليهم لم يرتّبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يُجوّزون أن تكون كذبًا وغلطًا، وكذلك الأمة لم تُثبت الشرائع العامّة الكليّة بأخبار الآحاد، وهم يجوّزون أن يكون كذبًا على رسول الله ﷺ -
стр. 1033
في نفس الأمر، ولم يُخبروا عن الربّ ﵎ في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوّزون أن يكون كذبًا وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يَقطَع ببطلانه كلُّ عالم ببطلانه.
(الدليل الحادي والعشرون): أن خبر العدل الواحد الْمُتَلَقَّى بالقبول لو لم يفد العلم لم تجُز الشهادة على الله ورسوله ﷺ بمضمونه، ومن المعلوم المتيَقَّن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على الله، وعلى رسوله ﷺ بمضمون هذه الأخبار، جازمين بالشهادة في تصانيفهم، وخطابهم، فيقولون: شرع الله كذا وكذا على لسان رسوله ﷺ ، فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار، جازمين بها لكانوا قد شَهِدوا بغير علم، وكانت شهادة زور، وقولًا على الله ورسوله ﷺ بغير علم، ولعمر الله هذا حقيقة قولهم، وهم أولى بشهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها.
قال أبو عمرو بن الصلاح، وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقَّى بالقبول المتّفق على صحّته: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحّته، والعلم اليقينيّ النظريّ واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك، محتجّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظنّ، وإنما تلقّته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظنّ، والظنّ قد يُخطىء. قال: وقد كنت أميل إلى هذا، وأحسبه قويّا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أَوّلًا هو الصحيح؛ لأن ظنّ من هو معصوم من الخطإ لا يُخطىء، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، ولهذا كان الإجماع المبنيّ على الاجتهاد حجةً، مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك. وهذه نكتة نفيسة نافعة. انتهى.
وقال إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتاب "الانتصار" له: ما خلاصته:
إذا صحّ الخبر عن رسول الله ﷺ ، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى النبيِّ ﷺ ، وتلقّته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول عامّة أهل الحديث، والمتقنين من القائمين على السنّة، وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بدّ من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدريّة، والمعتزلة، وكان قصدهم منه ردّ الأخبار، وتلقّفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يَقِفوا على مقصودهم من هذا القول.
ولو أنصف أهل الفِرَق من الأمّة لأقرّوا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدلّ كلُّ فريق منهم على صحّة ما يذهب
стр. 1034
إليه بخبر الواحد. ترى أصحاب القدر يستدلّون بقوله ﷺ : "كلّ مولودٌ يولد على الفطرة"، وبقوله: "خلقتُ عبادي حُنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم". وترى أهل الإرجاء يستدلّون بقوله: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنّة"، قيل: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: "وإن زنى، وإن سرق". وترى الرافضة يحتجّون بقوله ﷺ : "يُجاء بقوم من أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم". وترى الخوارج يستدلّون بقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر"، وبقوله: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدلّ بها أهل الفرق، ومشهورٌ معلوم استدلال أهل السنّة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدّموهم ومتأخّروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى، وفي مسائل القدر، والرؤية، وأصول الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحّدين من المذنبين من النار، وفي صفة الجنّة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبيّ ﷺ ، ومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدّمين وأخبار الرقاق، وغيرها مما يكثر ذكره، وهذه الأشياء علميّة، لا عمليّة، وإنما تُروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا قلنا: خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطإ، وجعلناهم لاغين، هازلين، مشتغلين بما لا يفيد أحدًا شيئًا، ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دوّنوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه. قال: وربّما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبيّ ﷺ أدَّى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من الصحابة يؤدّيه إلى الأمة، وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي؛ لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدّي -نعوذ بالله من هذا القول البشيع والاعتقاد القبيح- قال: ويدل عليه أن النبيّ ﷺ بعث الرسلَ إلى الملوك إلى كسرى، وقيصر، وملك الإسكندرية، وإلى أُكيدر دُومة، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكَتَبَ إليهم كتبًا على ما عرف، ونقل، واشتهر، وإنما بعث واحدًا واحدًا، ودعاهم إلى الله تعالى، والتصديق برسالته ﷺ لإلزام الحجة، وقطع العذر؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وهذه المعاني لا تحصلُ إلا بعد وقوع العلم ممن أرسل إليه بالإرسال والمرسل، وأن الكتاب من قِبَله، والدعوة منه، وقد كان نبيّنا ﷺ بعث إلى الناس كافّةً كثيرًا من الرسل إلى هؤلاء الملوك، والكتاب إليهم لبَثَّ الدعوة إليهم في جميع الممالك، ودعا الناس إلى دينه على حسب ما أمره الله تعالى بذلك، فلو لم يقع العلم بخبر الواحد في أمور الدين لم يقتصر على إرسال الواحد من الصحابة في هذا الأمر، وكذلك في أمور كثيرة، اكتفى بإرسال الواحد من الصحابة:
стр. 1035
(منها): أنه بَعَثَ عليّا لينادي في موسم الحجّ بمنًى: "ألا لا يحجّنّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبيّ ﷺ عهدٌ، فمدّته إلى أربعة أشهر، ولا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة". ولا بُدّ في هذه الأشياء من وقوع العلم للقوم الذين كان يناديهم حتى إن أقدموا على شيء من هذا بعد سماع هذا القول، كان رسول الله ﷺ مبسوط العذر في قتالهم، وقتلهم، وكذلك بعث معاذا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، ويعلّهم إذ أجابوا شرائعه، وبعث إلى أهل خيبر في أمر القتيل واحدًا يقول: إما أن تَدُوا، أو تؤذنوا بحرب من الله ورسوله، وبعث إلى قريظة أبا لبابة بن عبد المنذر يستنزلهم على حكمه، وجاء أهلَ قباء واحدٌ، وهم في مسجدهم يصلّون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فانصرفوا إليه في صلاتهم، واكتفوا بقوله، ولا بدّ في مثل هذا من وقوع العلم به.
وكان النبيّ ﷺ يرسل الطلائع، والجواسيس في بلاد الكفر، ويقتصر على الواحد في ذلك، ويَقبَل قوله إذا رجع، وربّما أقدم عليهم بالقتل والنهب بقوله وحده، ومن تدبّر قول النبيّ ﷺ ، وسيرته لم يخف عليه ما ذكرناه، وما يَرُدّ هذا إلا مكابرٌ، أو معاند. ولو أنك وضعت في قلبك أنك سمعت الصدّيق، والفاروق رضي الله تعالى عنهما، أو غيرهما من وجوه الصحابة، يروي لك حديثًا عن النبيّ ﷺ في أمر من الاعتقاد، من جواز الرؤية على الله، وإثبات القدر، أو غير ذلك، لوجدت قلبك مطمئنّا إلى قوله، لا يداخلك شكّ في حدقه، وثبوت قوله، وفي زماننا ترى الرجل يسمع من أستاذه يُخبر عن شيء من عقيدته التي يريد أن يلقى الله بها، فيحصُلُ للسامع علم بمذهب من نقل عنه أستاذه ذلك، بحيث لا يختلجه شبهةٌ، ولا يَعتريه شكّ، وكذلك كثير من الأخبار التي قضيّتها العلم توجد بين الناس، فيحصل لهم العلم بذلك الخبر، ومن رجع إلى نفسه علم بذلك. انتهى ما كتبه ابن القيّم، منقولًا من "مختصر الصواعق المرسلة" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان الأدلّة أن الحقّ والصواب هو ما عليه مُحقِّقُو أهل السنّة والجماعة، من أن خبر الواحد الصحيح حجة ملزمة يفيد العلم والعمل جميعًا، ، وأن من خصّ ذلك بما في "الصحيحين" فقد خالف الصواب، وإن نسبه بعضهم إلى الجمهور، فكن مع الأدلّة، وإن كان القائلون بها قلّة، ولا تسلُك خلافها، وإن سلكه جِلّة الفقها، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو الأعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في البحث المتعلّق بقوله: "وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ
стр. 1036
قَوْلنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ":
(اعلم): أن المرسل في اللغة اسم مفعول، جمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفِها، مأخوذ من الإرسال، وهو الإطلاق، وعدم المنع، قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ الآية [مريم: ٨٣]، فكأن المرسِلَ أطلق الإسناد، ولم يُقيّده براو معروف، أو من قولهم: ناقةٌ مِرْسالٌ: أي سريعة السير، كأن المرسِلَ أسرع فيه عَجِلًا، فحذف بعض إسناده، قال كعب بن زُهير [من البسيط]:
أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلِّغُهَا ... إِلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ
أو من قولهم: جاء القوم أرسالًا: أي متفرّقين؛ لأن بعض الإسناد منقطع من بقيّته (١).
وأما اصطلاحًا فهو ما رفعه التابعيّ مطلقًا كبيرًا كان أو صغيرًا إلى النبيّ ﷺ مطلقًا، قولًا كان، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو نحوها، هذا الصحيح في تعريفه، وقيل: هو ما رفعه التابعيّ الكبير، وهو الذي جلُّ روايته عن الصحابة ﵃. وقيل: هو ما سقط من سنده راو واحد، أو أكثر، سواء كان من أوله، أو وسطه، أو آخره، وهو مذهب الفقهاء والأصوليين، وأبي بكر الخطيب، وجماعة من المحدّثين، كأبي داود، والنسائيّ، والحاكم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطنيّ، والبغويّ، والبيهقيّ، وغيرهم.
ثم اختلفوا في حكمه:
فذهب جماعة إلى أنه لا يُحتجّ به، وإليه ذهب الإمام الشافعيّ، ويقال: إنه أول من ردّ المرسل، كما سيأتي في كلام أبي داود، وهو مذهب أهل الحديث قاطبةً، كما نصّ عليه مسلم في كلامه السابق، وابن عبد البرّ في "التمهيد"، وحكاه الحاكم عن ابن المسيّب، ومالك، وهو قول كثير من الفقهاء والأصوليين، وأهل النظر.
واستدلّوا بجهل حال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابيّ، وإذا كان كذلك، فيحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمله عن تابعيّ آخر، وهكذا فيعود الاحتمال المذكور، ويتعدّد أما بالتجويز العقليّ فإلى ما لا نهاية له، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجد من رواية التابعين بعضِهم عن بعض. أفاده الحافظ (٢).
стр. 1037
وإن اتّفق أن يكون المرسِل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف، كما سبق بيانه، ولأنه إذا كان المجهول المسمّى لا يُقبل حتى يوثّق، فالمجهول عينًا وحالًا أولى. أفاده في "التدريب" (١).
وذهب جماعة إلى أنه حجة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه، وجمهور أتباعهما، وأحمد في رواية عنه، وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، قال: ونقله الغزاليّ عن الجماهير، وقال أبو داود في "رسالته": وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجّون بها فيما مضى، مثل سفيان الثوريّ، ومالك، والأوزاعيّ، حتى جاء الشافعيّ ﵀، فتكلّم في ذلك، وتابعه عليه أحمد وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول أبي داود رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "حتى جاء الشافعيّ الخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه نُقل عن سعيد المسيب ردّه، وكذا عن مالك في رواية عنه، وبما نقل عن الزهريّ، وابن سيرين، وكلهم قبل الشافعيّ، وكذا عن ابن مهديّ، ويحيى القطّان، إلا أن يقال: إن اختصاص الشافعيّ به لمزيد التحقيق فيه. والله تعالى أعلم.
ثم إن قبوله مشروط -كما قال ابن عبد البرّ وغيره- بما إذا لم يكن الْمُرسِل ممن لا يحترز، ويُرسل عن غير الثقات، وإلا فلا خلاف في ردّه. قاله النوويّ في "شرح المهذّب". وقال غيره: محلّ قبوله عند الحنفيّة إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة المفضّلة، فإن كان من غيرها فلا؛ لحديث: "ثم يفشوا الكذب ... " الحديث (٢).
ثم إن المحتجّين به اختلفوا هل هو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله، وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض، والذي ذهب إليه أحمد، وأكثر المالكيّة، والمحقّقون من الحنفيّة، كالطحاويِّ، وأبي بكر الرازيّ تقديم المسند، قال ابن عبد البرّ: وشبّهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالًا من بعض، وأقعد، وأتمّ معرفةً، وإن كان الكلّ عُدولًا جائزي الشهادة. انتهى.
وذهب آخرون إلى أنه أعلى وأرجح من المسند، ووجّهوا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفّل لك.
والمعنى: أن من ذكر إسناد الحديث، فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال
стр. 1038
رواته، والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثِقَته فقد قطع لك بصحّته، وكفاك النظر فيه.
ومحلّ الخلاف فيما قيل إذا لم ينضمّ إلى الإرسال ضعفٌ في بعض رواته، وإلا فهو أسوأ حالًا من مسند ضعيف جزمًا، ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسِل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات. قاله ابن عبد البرّ، وأبو الوليد الباجيّ من المالكية، وأبو بكر الرازيّ من الحنفيّة.
ومن الْحُجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيًّا لا سيّما بالكذب بعيدٌ جدًّا، فإنه ﷺ أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيريّة، ثم للقرنين بعده، بحيث استُدلّ بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، فإرسال التابعيّ، بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديثَ بالجزم من غير وُثوق بمن قاله مناف لها، مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. قاله السخاويّ (١).
وإلى ما سبق من تعريف المرسل، والاختلاف في حكمه أشرت في "الشافية" بقولي:
مَا رَفَعَ التَّابِعُ مُطْلَقًا إِلَى ... نَبِيِّنَا هُوَ الْمُسَمَّى مُرْسَلَا
وَقِيلَ بَلْ كَبِيرُهُمْ أَوْ مُطْلَقُ ... مُنْقَطِعٍ كَذَا الْخِلَافَ حَقَّقُوا
وَالأَرْجَحُ الأَوَّلُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا ... فِي حُكْمِهِ فَالأَكْثَرُون ضَعَّفُوا
ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ عَنْ جَمَاعَةِ ... أَهْلِ الْحَدِيثِ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ
مِثْلُ سَعِيدٍ مَالِكٍ وَالزُّهْرِي ... وَالشَّافِعِي وَأَحْمَدَ الأَبَرِّ
كَذَاكَ الاوْزَاعِي وَفِي أَكْثَرِ مَا ... ذَكَرَ يُنْظَرُ فَلَيْسَ مُحْكَمَا
وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمُ الطَّعْنُ عَلَى ... إِطْلَاقِهِ بَلَى لِبَعْضٍ نُقِلَا
وهَكَذَا قِيلَ وَلَكِنْ مُسْلِمُ ... أَطْلَقَهُ هُنَا فَسَلِّمْ تَسْلَمُ
عَزَاهُ لِلْمُحَدِّثِينَ مُطْلَقَا ... فَضُعْفُهُ لَدَيْهِمُ تَحَقَّقَا
وَشَرَطَ الْحَبْرُ الإِمَامُ الشَّافِعِي ... فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ عَنْ تَابِعِي
عَدَمَ نَقْلِهِ لِمَنْ لَا يُقْبَلُ ... وَعَدَمَ الْخِلَافِ حِينَ يَنْقُلُ
لِسَائِرِ الْحُفَّاظِ فِيمَا أَسْنَدَا ... وَكَوْنَهُ مِنَ الْكِبَارِ اعْتَمَدَا
وَأَيْضًا اشْتَرَطَ فِي مُرْسَلِهِ ... كَوْنَهُ مَعْضُودًا بِمُرْسِي أَصْلِهِ
تَعْضِدُهُ أَشْيَاءُ مِنْهَا الأَقْوَى ... كَوْنُهُ مُسْنَدًا بِوَجْهٍ أَقْوَى
стр. 1039
كَذَاكَ مُرْسَلٌ أَتَى عَمَّنْ نَقَلْ ... عَنْ غَيْرِ مَنْ مُرْسِلُ ذَا عَنْهُ حَمَلْ
كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا قَدْ وَرَدْ ... عَنْ بَعْضِ أَصْحَاب النَّبِيِّ الْمُعْتَمَدْ
كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا نُقِلَا ... عَنْ جُلَّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْضًا قُبِلَا
هَذَا خُلَاصَةُ مَقَالِ الشَّافِعِي ... فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ يَا سَامِعِي
وَهْوَ لَدَى الْحُجَّةِ دُونَ الْمُتَّصِلْ ... وَنَحْوُ مَا قَالَهُ أَيْضًا قَدْ نُقِلْ
عَنْ غَيْرِهِ مِنْ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ ... كَنَجْلِ حَنْبَلٍ حَلِيفِ الْحِلْمِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اشتهر عن الشافعي أنه لا يَحتَجّ بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب، قال النوويّ في "شرح المهذّب"، وفي "الإرشاد": والإطلاق في النفي والإثبات غلط، بل هو يَحتَجّ بالمرسل بالشروط المذكورة، ولا يحتج بمراسيل سعيد إلا بها أيضًا، قال: وأصل ذلك أن الشافعي قال في "مختصر المزني": أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ "نَهَى عن بيع اللحم بالحيوان"، وعن ابن عباس: أن جَزُورًا نَحِرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا، قال الشافعي: وكان القاسم ابن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يُحَرِّمون بيع اللحم بالحيوان، قال: وبهذا نأخذ، ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ خالف أبا بكر الصديق، وإرسالُ ابن المسيب عندنا حسن.
فاختلف أصحابنا في معنى قوله: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" على وجهين، حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع"، والخطيب البغدادي وغيرهما:
[أحدهما]: معناه أنها حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل، قالوا: لأنها فُتِّشَت، فوجدت مسندة.
[والثاني]: أنها ليست بحجة عنده، بل هي كغيرها، قالوا: وإنما رَجّح الشافعي بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز، قال الخطيب: وهو الصواب، والأول ليس بشيء؛ لأن في مراسيله ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح، وكذا قال البيهقي، قال: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ، قال النوويّ: فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان، متضلعان من الحديث والفقه والأصول، والْخِبْرَة التامة بنصوص الشافعي، ومعاني كلامه.
قال: وأما قول القفال: مرسل ابن المسيب حجة عندنا، فهو محمول على
стр. 1040
التفصيل المتقدم، قال: ولا يصح تعلّق من قال: إنه حجة بقوله: إرساله حسن؛ لأن الشافعي لم يَعتَمِد عليه وحده، بل لِمَا انضم إليه من قول أبي بكر، ومن حضره من الصحابة، وقول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم، وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة. وقد نَقَل ابنُ الصباغ وغيره هذا الحكم عن تمام السبعة، وهو مذهب مالك وغيره، فهذا عاضد ثان للمرسل.
وقال البلقيني: ذكر الماوردي في "الحاوي": أن الشافعي اختَلَفَ قوله في مراسيل سعيد، فكان في القديم يحتج بها بانفرادها؛ لأنه لا يُرسل حديثا إلا يوجد مسندًا، ولأنه لا يَروِي إلا ما سمعه من جماعة، أو من أكابر الصحابة، أو عضده قولهم، أو رآه منتشرا عند الكافّة، أو وافقه فعل أهل العصر، وأيضا فإن مراسيله سُبِرَت، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لما بينهما من الوصلة والصِّهَارة، فصار إرساله كإسناده عنه، ومذهب الشافعي في الجديد أنه كغيره.
ثم هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلح مثالًا لأقسام المرسل المقبول؛ فإنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر، أرسله مَنْ أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فَرَوى البيهقي في "المدخل" من طريق الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة قال، قَدِمتُ المدينة، فوجدت جَزُورًا قد جُزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كلّ جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ "نَهَى أن يباع حي بميت"، فسألت عن ذلك الرجل، فأُخبرت عنه خيرًا، قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم بن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلًا، والظاهر أنه غير سعيد، فإنه أشهر من أن لا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي، حتى يسأل عنه، قال: وقد رَوَيناه من حديث الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ إلا أنّ الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته، فيكون مثالًا للفصل الأول -يعني ما له شاهد مسند، ومنهم من لم يُثبته، فيكون أيضًا مرسلًا انضم إلى مرسل سعيد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: إن لم يكن في الباب دليل سوى المرسل، فثلاثة أقوال للشافعي، ثالثها: -هو الأظهر- يجب الانكفاف لأجله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1041
(المسألة الرابعة): تَلَخَّص في الاحتجاج بالمرسل عشرة أقوال: حجة مطلقًا، لا يحتج به مطلقًا، يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة، يُحتج به إن لم يَروِ إلا عن عدل، يُحتج به إن أرسله سعيد فقط، يحتج به إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، يحتج به ندبًا لا وجوبًا، يُحتج به إن أرسله صحابي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت هذه الأقوال العشرة بقولي:
وَجُمْلَةُ الأَقْوَالِ فِي الْمَرَاسِلِ ... عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ فَاسْتَفْصِلِ
بهِ احْتِجَاجٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا ... أَوْ إِنْ أَتَى عَنِ الْقُرُونِ الْفُضَلَا
أَوْ إِنْ رَوَى مَنْ بِثِقَاتٍ قُيِّدَا ... أَوْ عَنْ سَعِيدٍ أَوْ يَجِي مُعْتَضِدَا
أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ جَا سِوَاهُ ... وَبَعْضُهُمْ مِنْ مُسْنَدٍ أَعْلَاهُ
أَوْ حُجَّةٌ نَدْبًا أَوِ الصَّحَابِي ... أَرْسَلَهُ فَذَا تَمَامُ الْبَابِ
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالاحْتِجَاجِ ... إِنْ يَعْتَضِدْ أَصَحّ فِي الْحِجَاجِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحاكم في "علوم الحديث" (١): أكثر ما تُروَى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول، قال: وأصحها كما قال ابن معين مراسيل بن المسيب؛ لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة (٢)، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يَعْتَدُّ مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله، فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، قال: والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، ومن السنة حديث: "تَسمَعون، ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن يَسمَع منكم" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1042
(المسألة السادسة): في ذكر ما جاء عن بعض أهل العلم في مراسيل التابعين:
قال عليّ بن المديني في مراسيل عطاء: كان عطاء يأخذ عن كلّ ضَرْب، مرسلات مجاهد أحب إليّ من مرسلاته بكثير. وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصحُّ المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كلّ واحد، ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد. وقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقلّ ما يسقط منها. وقال أبو زرعة: كلُّ شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا ثابتًا ما خلا أربعةَ أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله ﷺ إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين. قال الحافظ ابن حجر: ولعله أراد ما جَزَم به الحسن. وقال غيره: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله ﷺ ، فلو كُنتَ تُسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال الحسن: أيها الرجل ما كَذَبنا ولا كُذِبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ . وقال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله ﷺ ، وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحجاج- كلُّ شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله ﷺ ، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا (١).
وقال محمد بن سعيد: كلُّ ما أَسنَد من حديثه، أو رَوَى عمن سمع منه فهو حسن حجة، وما أَرسل من الحديث فليس بحجة. وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح، وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. وعنه أيضًا: أعجب إليّ من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم، وسعيد بن المسيب. وقال أحمد: لا بأس بها. وقال الأعمش: قلت لإبراهيم النخعي: أَسْنِد لي عن ابن مسعود، فقال: إذا حدثتكم عن رجل، عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد، عن عبد الله.
ومراسيل الزهري قال ابن معين، ويحيى بن سعيد القطان: ليس بشيء، وكذا قال
стр. 1043
الشافعي، قال: لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم. ورَوَى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شَرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قَدَرَ أن يُسَمِّي سَمَّى، وإنما يَتْرُك من لا يَستحب أن يسميه. وكان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال قتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وقال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إليّ من مرسلات عطاء، قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما، وقال أيضا: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف. وقال أيضا: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح. وقال: مرسلات أبي إسحاق الهمداني، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات إسماعيل بن أبي خالد، ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، ومرسلات معاوية بن قُرّة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح، وسفيان بن سعيد، ومرسلات مالك بن أنس أحب إليّ، وليس في القوم أصح حديثا منه (١).
وقد أشرت إلى بعض ما ذكر مع بيان ما نِقُل عن يحيى القطان في تقسيمه أسباب ضعف المرسل إلى أربعة أقسام في "شافية الغلل" فقلت:
وَذَكَرَ الْقَطَّانُ أَنَّ الْمُرْسَلَا ... بَعْضُهُ أَضْعَفُ مِنَ الْبَعْضِ اعْقِلَا
وَضَرَبَ الأَمْثِلَةَ الْمُبَيِّنَهْ ... حَاصِلُهَا أَرْبَعَةٌ مُعَيَّنَهْ
(أَحَدُهَا) مَنْ عَنْ ضَعِيفٍ يُعْرَفُ ... بِالنَّقْلِ مَا أَرْسَلَهُ يُضَعَّفُ
(وَالثُّانِ) أَنَّ مَنْ لَهُ صَحَّ السَّنَدْ .. إِلَى الَّذِي أَرْسَلَ عَنْهُ لَا يُرَدّ
(ثَالِثُهَا) مَنْ كَانَ أَقْوَى حِفْظَا ... مُرْسَلُهُ أَوْهَى فَدَعْ لِتَحْظَى
إِذْ أَنَّهُ يَحْفَظُ كُلَّ مَا وَصَلْ ... لِسَمْعِهِ وَفِيهِ وَاهٍ ذُو خَلَلْ
(رَابِعُهَا) مَنْ كَانَ حَافِظًا إِذَا ... عَنْ ثِقَةٍ رَوَى أَبَانَ الْمَأْخَذَا
فَتْرُكُهُ اسْمَ شَيْخِهِ دَلَّ عَلَى ... غَيْرِ الرِّضَا بهِ فَرَيْبُنَا جَلَا
لِذَا رَأَوْا مَرَاسِلَ الزُّهْرِيِّ ... وَاهِيَةً لِشَكِّنَا الْقَوِيِّ
وَاخْتَلَفُوا فِي مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ ... صَحَّحَهَا قَوْمٌ حَلِيفُو الْحَسَنِ
كَابْنِ الْمَدِينِيِّ الإِمَامِ الثَّبَتِ ... وَكَأَبِي زُرْعَةَ عَالِي الْحُجَّةِ
وَبَعْضُهُمْ ضَعَّفَهَا لِكَوْنِهِ ... يَأْخُذُ عَنْ كُلٍّ بِلَا تَبْيِينِهِ
وَمُرْسَلَاتُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَحَبّ ... مِنْ مُرْسَلَاتِهِ لَدَى يَحْيَى الأَحَبّ
وَمُرْسَلُ الشَّعْبِيِّ قَدْ صحَّ لَدَى ... ابْنِ الْمَدِينِيِّ فَخُذْ نِلْتَ الْهُدَى
стр. 1044
وَمُرْسَلَاتُ النَّخَعِيِّ صُحِّحَتْ ... سِوَى حَدِيثَيْنِ لَدَى يَحْيَى الثَّبَتْ
حَدِيثُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بالضَّحِكْ ... وَتَاجِرُ الْبَحْرَيْنِ فَاهْجُرْ مَا تُرِكْ
وَكَوْنُهَا أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِنْ ... إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَزَاهَا قُلْ قَمِنْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في البحث المتعلّق بالتدليس:
"التدليس": مصدر دَلّس، يقال: دَلّسَ البائع تدليسًا: إذا كتم عيبَ السلعة من المشتري وأخفاه. قاله الخطابيّ وجماعةٌ. ويقال: أيضًا دَلَسَ دَلْسًا، من باب ضرب، والتشديد أشهر في الاستعمال. قال الأزهريّ: سمعتُ أعرابيّا يقول: ليس لي في الأمر وَلْسٌ ولا دَلْسٌ: أي لا خيانة، ولا خَدِيعةٌ. والدُّلْسَة بالضمّ: الخديعة أيضًا. وقال ابن فارس: وأصله من الدَّلَس، وهو الظلمة. قاله الفيّوميّ (١).
وقال في "فتح المغيث": واشتقاقه من الدّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره. انتهى (٢). وقال في "توضيح الأفكار": إنه مشتقّ من الدّلَس، وهو الظلام. قاله ابن السِّيد، وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطيته وجه الصواب. وقال البقاعيّ: إنه مأخوذ من الدّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر، ومنه التدليس في البيع، يقال: دَلّس فلان على فلان: أي ستر عنه العيب الذي في متاعه، كأنه أظلم عليه الأمر. انتهى (٣).
ثم إن التدليس قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ:
أما تدليس الإسناد، فتحته خمسة أقسام:
(أحدها): أن يروي عمن عاصره، أو لقيه ما لم يسمعه منه، موهما سماعه، حيث أورده بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه، قائلًا: قال فلان، أو عن فلان ونحوه، كأن فلانا قال، فإن لم يكن عاصره فليس الرواية عنه بذلك تدليسًا على المشهور.
وقال قوم: إنه تدليس، فحدوه: بأن يُحَدِّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه، بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع، قال ابن عبد البر: وعلى هذا في سَلِمَ أحدٌ من التدليس لا مالك ولا غيره. وقال الحافظ أبو بكر البزار، وأبو الحسن بن القطان: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، قال: والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه.
стр. 1045
قال العراقي: والقول الأول هو المشهور، وقيده الحافظ بقسم اللقاء، وجعل قسم المعاصرة إرسالًا خفيًّا.
(ثانيها): أن يُسقط أداةَ الرواية، ويُسَمِّي الشيخَ فقط، فيقول: فلان، قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وسَمَّى الحافظ هذا النوع بتدليس القطع.
(الثالث): تدليس التسوية، سماه بذلك ابن القطان، وهو أن لا يُسقط شيخه، بل يُسقط شيخ شيخه، أو أعلى منه؛ لكونه ضعيفا، وشيخه ثقة، أو صغيرًا، ويأتي فيه بلفظ محتمل عن الثقة الثاني؛ تحسينًا للحديث، وهو أشر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية، قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفيه غرور شديد.
وممن اشتهر بفعل ذلك بقية بن الوليد، قال ابن أبي حاتم في "العلل": سمعت أبي، وذَكَر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية، حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر، حديث: "لا تَحمَدُوا إسلام المرء حتى تَعرِفوا عقدة رأيه"، فقال أبي: هذا الحديث له أمر قَلَّ من يَفْهَمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، وعبيد الله كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية، ونسبه إلى بني أسد؛ كي لا يُفطَن له، حتى إذا ترك إسحاق لا يُهتَدَى له، قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا.
وممن عُرِف به أيضا الوليد بن مسلم، قال أبو مسهر: كان يحدث بأحاديث الأوزاعي من الكذابين، ثم يدلسها عنهم. وقال صالح جزرة: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يُدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبدَ الله بن عَامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري أبا الهيثم بن مرّة، قال: أُنبِل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا روى هؤلاء، وهم ضعفاء أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت، وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي. قال الخطيب: وكان الأعمش، وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا.
قال الحافظ العلائي، وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها.
قال الحافظ العراقيّ: وهو قادح فيمن تعمد فعله. وقال الحافظ: لا شك أنه
стр. 1046
جرح، وإن وُصف به الثوري والأعمش، فالاعتذار أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما، ضعيفًا عند غيرهما.
قال: ثم إن ابن القطان إنما سماه تسوية، بدون لفظ التدليس، فيقول: سَوّاه فلان، وهذه تسوية، والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون: جَوّده فلان، أي ذكر من فيه من الأَجْوَاد، وحذف غيرهم، قال: والتحقيق أن يقال: متى قيل تدليس التسوية، فلا بد أن يكون كلّ من الثقات الذين حُذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد، قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس، لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فَعَل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلًا، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثور، عن ابن عباس، وثور لم يلقه، وإنما رَوَى عن عكرمة عنه، فأسقط عكرمةَ؛ لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا، فهو منقطع خاص.
(رابعها): تدليس العطف، زاده الحافظ، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيُصرّح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه، فيوهم بذلك أنه حدّث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدّث بالسماع عن الأول فقط، ونوى القطع، فقال: وفلان: أي وحدّث فلان.
ومثاله: ما نَقَله الحاكم والخطيب عن هشيم، أن أصحابه قالوا له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئًا لا يكون فيه تدليس، فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلسًا يقول في كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟ قالوا؟ لا، قال: بلى، كلُّ ما قلت فيه: وفلان، فإني لم أسمعه منه.
(الخامس): تدليس القطع والحذف، ومثاله: ما ذكر محمد بن سعيد عن أبي حفص عمر بن علي المقدمي، أنه كان يدلس تدليسا شديدا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة الأعمش، وقال أحمد بن حنبل: كان يقول حجاج: سمعته، يعني حدثنا آخر، وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فقوله: عبد الرحمن تدليس، يوهم أنه سمعه منه.
وحكم هذا القسم الأول أنه مكروه جدّا، ذمّه أكثر العلماء، وبالغ شعبة في ذمه، فقال: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلّس (١) وقال: التدليس أخو الكذب. قال ابن
стр. 1047
الصلاح: وهذا منه إفراط، محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.
ثم قال فريق من أهل الحديث والفقهاء: مَن عُرف به صار مجروحًا، مردود الرواية مطلقًا، وإن بَيَّن السماع، وقال الجمهور: مَن يَقبل المرسل يقبله مطلقًا، حكاه الخطيب، وأما ما نقله النوويّ في "شرح المهذّب" من الاتفاق على رَدّ ما عنعنه تبعًا للبيهقي وابن عبد البر، فمحمول على اتفاق من لا يَحتج بالمرسل، لكن حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يُقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وُقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، ورجحه ابن حبان، قال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دَلّس فيه إلا وقد بَيّن سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مَثّل ذلك بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يُرسلون إلا عن صحابي، وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار، وأبو الفتح الأزدي، وعبارة البزار: مَن كان يدلس عن الثقات، كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا. وفي "الدلائل" لأبي بكر الصيرفي: مَن ظَهَر تدليسه عن غير الثقات لم يُقبل خبره حتى يقول: حدثني، أو سمعت. فعلى هذا فهو قول ثالث مفصّل غير التفصيل الآتي.
قال ابن الصلاح والنوويّ -وعُزي للأكثرين، منهم: الشافعي، وابن المديني، وابن معين، وآخرون-: "الصحيح التفصيل، في رواه بلفظ محتمل، لم يُبَيّن فيه السماع فمرسل لا يقبل، وما بين فيه السماع، كسمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشبهها فمقبول، محتجّ به، وفي "الصحيحين" وغيرهما من هذا الضرب كثير، كقتادة، والسفيانين، وغيرهم، وهذا الحكم جارٍ فيمن دلس مرّة واحدةً، وما كان في "الصحيحين"، وشبههما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ "عن"، فمحمول على ثبوت السماع له من جهة أخرى، وإنما اختار صاحب "الصحيح" طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه، دون تلك.
وفَصّل بعضهم تفصيلا آخر، فقال: إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فجرح؛ لأن ذلك حرامٌ وغَشٌّ، وإلا فلا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفصيل الذي قاله الأكثرون هو الأرجح عندي.
وحاصله أن المدلّس إن صرّح بالسماع قُبلت روايته، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 1048
(القسم الثاني من قسمي التدليس): تدليس الشيوخ، وهو أن يسمي شيخه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرَف به، ويدخل في هذا القسم التسوية أيضًا، بأن يصف شيخ شيخه بذلك. قاله الحافظ.
وحكم هذا القسم أنه مكروه، وهو أخفّ من الأول، وسببها توعير طريق معرفته على السامع، كقول أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد أبا بكر بن أبي داود السجستاني، وفيه تضييع للمروي عنه، والمروي أيضًا؛ لأنه قد لا يُفطَن له، فيُحكم عليه بالجهالة.
ثم إن الكراهة تختلف بحسب غرضه، فإن كان لكون الْمُغَيَّر اسمه ضعيفًا، فيدلّسه حتى لا يَظهر روايته عن الضعفاء، فهو شَرُّ هذا القسم، والأصح أنه ليس بجرح، وجزم ابن الصباغ في "الْعُدّة" بأنّ مَن فَعَلَ ذلك لكون غير ثقة عند الناس، فغَيّرَه ليقبلوا خبره، يجب أن لا يُقبَل خبره، وإن كان هو يَعتَقد فيه الثقة؛ لجواز أن يَعرف غيره من جرحه ما لا يَعرفه هو. وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح، أو لضعف نسبه، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا. وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سُئل عنه لم يبينه فجرح، وإلا فلا.
ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا، رَوَى البيهقي في "المدخل" عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يُدلّس، قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كُورة يَعلَم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل، وإذا عُرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عُرف بالكنية سماه؟ قال: هذا تزيين، ليس بتدليس.
وإن كان لكونه صغيرا في السن، أو متأخر الوفاة حتى شاركه من هو دونه، فالأمر فيه سهل، أو سمع منه كثيرًا، فامتنع من تكراره على صورة واحدة؛ إيهاما لكثرة الشيوخ، أو تفننا في العبارة فسهل أيضًا. وقد يسمح الخطيب وغيره من الرواة المصنفين بهذا.
[تنبيهات]:
(الأول): من أقسام التدليس إعطاء شخص اسم آخر مشهورٍ تشبيهًا، ذكره ابن السبكي في "جمع الجوامع"، قال: كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، يعني الذهبي؛ تشبيها بالبيهقي حيث يقول ذلك، يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللُّقِيّ والرحلة، كحدثنا من وراء النهر يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعًا؛ لأن ذلك من المعاريض، لا من الكذب. قاله الآمدي في "الإحكام"، وابن دقيق العيد في "الاقتراح".
стр. 1049
(الثاني): قسَّم الحاكم التدليس إلى ستة أقسام: [الأول]: قوم لم يميزوا بين ما سمعوه وما لم يسمعوه.
[الثاني]: قوم يُدلسون، فإذا وقع لهم من يَنقُر عنهم، ويُلِحُّ في سماعاتهم ذكروا له، ومَثّله بما حَكَى ابن خشرم عن ابن عيينة.
[الثالث]: قوم دَلَّسوا عن مجهولين، لا يُدرَى مَن هم؟ ومَثّله بما رُوي عن ابن المديني قال: حدثني حسين الأشقر، حدثنا شعيب بن عبد الله، عن أبي عبد الله، عن نَوْف، قال: "بِتُّ عند علي ... "، فذكر كلامًا، قال ابن المديني: فقلت لحسين: ممن سمعت هذا؟ فقال: حدثنيه شعيب، عن أبي عبد الله، عن نوف، فقلت لشعيب: مَن حدثك بهذا؟ فقال أبو عبد الله الجصاص، فقلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حمادًا، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فرقد السَّبَخِيّ، عن نوف.
فإذا هو قد دلّس عن ثلاثة، وأبو عبد الله مجهول، وحماد لا يُدرَى من هو؟ وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفا.
[الرابع]: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم، فيدلسونه.
[الخامس]: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم، فيقولون: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماع.
قال البلقيني: هذه الخمسة كلها داخلة تحت تدليس الإسناد. انتهى.
ثم ذكر [السادس]، وهو تدليس الشيوخ المتقدّم.
(الثالث): قال الحاكم ﵀: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا نعلم أحدًا من أئمتهم دَلّسوا، قال: وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة، قال: وأما أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس، إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغَنديّ الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها، ومن دَلّس من أهلها إنما تبعه في ذلك. انتهى.
وقد أفرد الخطيب كتابا في أسماء المدلسين، ثم ابن عساكر.
(الرابع): استُدلّ على أن التدليس غير حرام بما أخرجه ابن عديّ عن البراء قال: "لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد"، قال ابن عساكر: قوله: "فينا" يعني
стр. 1050
المسلمين؛ لأن البراء لم يشهد بدرًا. ذكر هذا كلّه في "التدريب" (١).
(الخامس): أن الحافظ ﵀ قسم المدلّسين في رسالته خمسة أقسام، وقد ذكرتُ ذلك، في نظمي لتلك الرسالة، فقلت:
أَوَّلُهَا مَنْ لَيْسَ يُوصَفُ بِذَا ... إِلَّا بنُدْرَةٍ فَقُلْ يَا حَبَّذَا
وَالثَّانِ مَنْ تَحْتَمِلُ الأَئِمَّةُ ... لِكَوْنِهِ قَلَّلَ وَهْوَ قُدْوَةُ
ثَالِثُهَا مَنْ أَكْثَرُوا فَأُهْمِلُوا ... إِلاَّ إِذَا السَّمَاعُ مِنْهُمْ يُنْقَلُ
وَرَدَّهُمْ بَعْضٌ وَبَعْضٌ قَبِلَا ... مِنْهُمْ عَلَى الإِطْلَاقِ فِيهِمَا انْجَلَى
رَابِعُهَا مَنْ بِاتِّفَاقٍ طُرِحُوا ... إِلَّا إِذَا السَّمَاعَ حَقًّا صَرَّحُوا
لِكَثْرَةِ التَّدْلِيسِ عَمَّنْ جُهِلَا ... وَالضُّعَفَاءِ فَاحْذَرَنْ أَنْ تَنْقُلَا
خَامِسُهَا مَنْ ضُعْفُهُمْ قَدْ نَجَمَا ... بِمَا سِوَى التَّدْلِيسِ فَارْدُدْ دَائِمَا
إِلَّا إِذَا وُثِّقَ مَنْ ضُعْفُهُ قَلّ ... فَاقْبَلْ لِمَا سَمَاعُهُ نَصًّا حَصَلْ
(المسألة الثامنة): في البحث المتعلّق بقوله: "فيُخبرون بالنزول إن نزلوا، وبالصعود إن صَعِدوا"، وهو النوع المسمّى في "مصطلح أهل الحديث" بـ"العالي والنازل":
(اعلم): أن الإسناد خِصِّيصَة فاضلة لهذه الأمة، ليست لغيرها من الأمم، قال الإمام ابن حزم ﵀: نَقلُ الثقة عن الثقة يبلغ به النبيّ ﷺ مع الاتصال، خَصّ الله به المسلمين، دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال، فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ ، بل يَقِفُون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه، قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين، فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولس.
وقال أبو علي الْجَيّاني: خَصّ الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها مَن قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب.
ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: إسناد الحديث (٢).
стр. 1051
وقال الحافظ السخاويّ ﵀: وقد روينا من طريق أبي العبّاس الدّغُوليّ، قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفّر يقول: إن الله قد أكرم هذه الأمة، وشرّفها، وفضّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صُحُف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات، وهذه الأمة إنما تنصّ الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشدّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً لمن فوقه ممن كان أقلّ مجالسةً، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا، أو أكثر حتى يُهذّبوه من الغلط والزلل، ويَضبِطوا حروفه، ويعُدّوه عدّا، فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمّة، فنستوزع الله شكر هذه النعمة (١).
وقال أبو حاتم الرازيّ: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أُمناء يحفظون آثار الرسول إلا في هذه الأمّة (٢).
وعند الحاكم في ترجمة عبد الله بن طاهر من "تاريخه" بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ قال: كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث، فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزَّمْنَى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله لأمة محمد ﷺ (٣).
وإلى ما سبق أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلَا تَرْدَادِ
[تنبيه]: (اعلم): أن طلب علو الإسناد سنة، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر ﵁، ويسمعون منه. وقال محمد بن أسلم الطوسي: قُرْب الإسناد قُرْبٌ، أو قربة إلى الله، ولهذا استحبت الرحلة.
قال أبو عبد الله الحاكم: إن طلب العلوّ سنة صحيحة عن النبيّ ﷺ ، متمسّكًا في ذلك بحديث أنس ﵁ في مجيىء ضمام بن ثعلبة إلى النبيّ ﷺ ، وقال: "أتانا رسولك، فزعم كذا .... " الحديث رواه مسلم، قال: ولو كان طلب العلو غير مستحب لأنكر عليه سؤاله لذلك، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه، قال: وقد رحل في
стр. 1052
طلب الإسناد غير واحد من الصحابة، ثم ساق بسنده حديث خروج أبي أيوب إلى عقبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله ﷺ غير عقبة ... " الحديث في ستر المؤمن.
وقال العلائي: في الاستدلال بما ذكروه نظر لا يخفى.
أما حديث ضمام، فقد اختَلَف العلماء فيه، هل كان أسلم قبل مجيئه أم لا، فإن قلنا: إنه لم يكن أسلم كما اختاره أبو داود، فلا ريب في أن هذا ليس طلبا للعلو، بل كان شاكّا في قول الرسول الذي جاءه، فرحل إلى النبيّ ﷺ حتى استثبت الأمر، وشاهد من أحواله ما حصل له العلم القطعي بصدقه، ولهذا قال في كلامه: "فزعم لنا أنك ... " إلى آخره، فإن الزعم إنما يكون في مظنة الكذب، وإن قلنا كان أسلم، فلم يكن مجيئه أيضا لطلب العلو في الإسناد، بل ليرتقي من الظن إلى اليقين؛ لأن الرسول الذي أتاهم لم يُفد خبره إلا الظن، ولقاء النبيّ ﷺ أفاد اليقين.
قال: وكذلك ما يُحتَجُّ به لهذا القول من رحلة جماعة من الصحابة والتابعين في سماع أحاديث معينة إلى البلاد، لا دليل فيه أيضًا؛ لجواز أن تكون تلك الأحاديث لم تتصل إلى من رحل بسببها من جهة صحيحة، وكانت الرحلة لتحصيلها، لا للعلو فيها.
قال: نعم لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى مَنْ عنده الإسناد العالي.
ثمّ العلو على خمسة أقسام: أجلّها القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد بإسناد صحيح نظيف، بخلاف ما إذا كان مع ضعف، فلا التفات إلى هذا العلو، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادّعى سماعا من الصحابة، كابن هدبة، ودينار، وخراش، ونعيم بن سالم، ويعلى بن الأشدق، وأبي الدنيا الأشجّ.
قال الإمام الذهبي: متى رأيت المحدث يَفرَح بعوالي هؤلاء، فاعلم أنه عامي يعدّها.
(الثاني): القرب من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وهشيم، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، وغيرهم مع الصحة أيضا، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله ﷺ .
(الثالث): العلو المقيد بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد عُلُوَّ التنزيل، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو رَوَى الحديث من طريق كتاب منها وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون عاليا مطلقا أيضًا.
стр. 1053
وهو ما كثُر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة.
فالموافقة أن يقع لك حديث عن شيخ مسلم مثلا من غير جهته بعدد أقل من عددك، إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه.
والبدل أن يقع هذا العلو عن شيخ غير مسلم، وهو مثل شيخ مسلم في ذلك الحديث، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم، فهو موافقة مقيدة، وقد تُطلق الموافقة والبدل مع عدم الْعُلُوّ، بل ومع النزول أيضًا كما وقع في كلام الذهبي وغيره. وقال ابن الصلاح: هو موافقة وبدل، ولكن لا يطلق عليه ذلك؛ لعدم الالتفات. إليه.
والمساواة في الأعصار المتأخّرة قلّةُ عدد إسنادك إلى الصحابي، أو من قاربه بحيث يقع بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين مسلم وبينه، وهذا كان يوجد قديما، وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي.
والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك، فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه لم تَعلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا، فيكون عاليا مطلقًا.
(الرابع): العلو بتقدم وفاة الراوي، وإن تساويا في العدد، قال النوويّ: فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي، عن الحاكم أعلاهما أن أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم؛ لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف، وكذلك من سمع "مسند أحمد" على الحلاوي، عن أبي العباس الحلبيّ، عن النجيب أعلى ممن سمعه على الجمال الكنانيّ، عن الْعَرَضِيّ، عن زينب بنت مكيّ؛ لتقدّم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين.
وأما علوه بتقديم وفاة شيخك، لا مع التفات لأمر آخر، أو شيخ آخر، فحده الحافظ أحمد بن عُمير بن جُوصَا الدمشقي بمضي خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وحدّه أبو عبد الله بن منده بثلاثين تمضي من موته، وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع.
(الخامس): العلو بتقدم السماع من الشيخ، فمن سمع منه مُتَقَدِّمًا كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع
стр. 1054
أحدهما من ستين سنة مثلًا، والآخر من أربعين سنةً، وتَسَاوَى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حَقّ من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعدُ إلا أن هذا علو معنوي.
[تنبيه]: جعل ابن طاهر (١)، وابن دقيق العيد هذا والذي قبله قسمًا واحدًا، وزادا العلو إلى صاحبي "الصحيحين"، ومُصنفي الكتب المشهورة، وجعله ابن طاهر اسمين:
[أحدهما]: العلو إلى الشيخين، وأبي داود، وأبي حاتم، ونحوهم.
[والآخر]: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا، والخطابيّ، ثم قال: (واعلم): أن كل حديث عز على المحدث ولم يجده غالبًا، ولا بد له من إيراده، فمن أي وجه أورده فهو عال بعزته، ومَثّل ذلك بأن البخاري رَوَى عن أماثل أصحاب مالك، ثم رَوَى حديثا لأبي إسحق الفزاري عن مالك؛ لمعنى فيه، فكان فيه بينه وبين مالك ثلاثة رجال.
وأما النزول فضد العلو فهو خمسة أقسام أيضا تُعرَف من ضدّها، فكل قسم من أقسام العلو ضده قسم من أقسام النزول، وهو مفضول مرغوب عنه على الصواب، وقول الجمهور، قال ابن المديني: النزول شؤم. وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. وفضّله بعضهم على العلو، حكاه ابن خلاد عن بعض أهل النظر؛ لأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، فيزداد الثواب فيه.
قال ابن الصلاح: وهذا مذهب ضعيف الحجة. قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، ومراعاةُ المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة أولى.
فإن تميز الإسناد النازل بفائدة، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ، أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضور، أو إجازة، أو مناولة، أو تَسَاهَل بعض رواته في الحمل، ونحو ذلك فهو مختار، قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل، عن عبد الله، أم سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. وقال ابن المبارك: ليس جَودَةُ الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السِّلَفَيّ: الأصل الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب
стр. 1055
المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق.
قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى.
قال الحافظ: ولابن حبان تفصيل حسنٌ، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء. ذكر هذا كلّه في "التدريب" (١).
وإلى ما تقدّم أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الأثر" حيث قال:
قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدَّينِ بِلَا تَرْدَادِ
وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ ... يُفَضِّلِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ
وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا ... قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ أَوْ
بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ ... يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَريقِهِ وَرَدْ
فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ ... أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ بَدَلٌ أَوْ وَافَقَهْ
فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمَسَاوَاةُ وَإِنْ ... فَرْدًا يُزَدْ مُصَافَحَاتٌ فَاسْتَبِنْ
وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا ... عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشرِينَا
وَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ ... نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ
وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ ... لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ
وَلابْنِ حِبَّانَ إِذَا دَارَ السَّنَدْ ... مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلَامُ ... وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ
انتهى.
ولنختم هذا البحث بذكر رسالة الإمام المقدسيّ رحمه الله تعالى؛ لكثرة فوائدها، ومحافظةً على بقاء نصّها:
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ المعروف بابن القيسرانيّ (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) رحمهُ الله تعالى:
الحمد لله وحده، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم تسليمًا.
سألتَ -أحسن الله لنا ولك التوفيق- عن علامة العلوّ في الحديث، وبأيّ شيء يَعرف المبتدىء العلوّ من النزول، وأن أُبيّن لك ذلك، وأشرحه على الاختصار، مع إقامة الشواهد التي تهتدي بها إلى معرفة ذلك.
(اعلم): أن الحديث وطلبه مندوب إليه، مثابٌ صاحبه عليه، ويَرغَب فيه أشراف