← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولوي عفا الله تعالى عنه وعن والديه آمين الجزء الأول دار ابن الجوزي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى رجب ١٤٢٤ حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء- الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٥١٦٥٤٩ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٨٦٩٦٠٠/ ٠٣ - فاكس: ٦٤١٨٠١/ ٠١ - القاهرة - ج. م. ع- محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٢٥٦١٤٧٣ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.jwzi.com

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى، ودين الحق، ليكون للعالمين نذيرا وبشيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وكفى بالله وليّا، وكفى بالله نصيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أنزل عليه الكتاب، وقال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية: [النحل: الآية ٤٤] فأَعظم به فضلا كبيرا، فكان كل ما أضيف إليه ﷺ من قول، أو فعل، أو نحوهما بيانا للذكر المنزل عليه، وتوضيحا، وتفسيرا. صلَّى الله عليه صلاة وسلاما دائمين متلازمين، ما دامت السموات والأرض، وكان الذكر الحكيم عاليا، وبيانه شهيرا. وعلى آله الذين انتموا إليه، فاصطفاهم الله تعالى، وأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا. وعلى أصحابه الذين بذلوا أنفسهم، وأموالهم في حفظ شريعته، وتبليغها للناس، يبتغون بذلك فضلا من الله، وملكا كبيرا. وعلى كافة العلماء، ولا سيما أهل الحديث الذين قاموا بحمل سننه المطهرة، ونشرها بين الناس جِيلا بعد جيل تعليما وتذكيرا، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ذلك، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل جَدُّوا، فشدُّوا، وجادوا، فسادوا، وكان المجد بهم جديرا، ونالوا بذلك عند ربهم الحُسْنَى والزيادة، فأعظم بها فوزا، وأوسع بها عطاء غزيرًا. اللهم اسلك بنا مسلكهم، وجنبنا الزيغ والضلال، والإنحراف عن هُدَاهم، وأمتنا على حبهم، واحشرنا في زمرتهم، إنك كنت بنا رَؤُوفًا، وعلى ما تشاء قديرًا. أما بعد: فهذا شرح وضعته على مقدمة صحيح الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج القُشَيري النيسابوري رحمه الله تعالى، يَحُلُّ ألفاظها، ويبين معانيها،

стр. 6

ويتمم مقاصدها، تقرُّ به عيونُ المحتاجين من رُوَّادها، فلا تَطمَحُ إلى غيره غالبًا، بل تأخذ منه جُلَّ مرادها، ولا أحب أن أطيل بوصفه البيان، بل أكتفي بلمح البنان، فالذكي يفهم بالإشارة، ما لا يفهمه الغبي بألف عبارة، والبليد لا يُفيده التطويل، ولو تُليت عليه التوراة والإنجيل، والمشاهدة، أعلى من الشهادة، وأقوى الوسائل في الإفادة. يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ... قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا [وسميته قرة عين المحتاج، في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج]. واللهَ الكريم أسأل القبول، والإخلاص، وأن ينفعني به، وكل من تلقاه بقلب سليم يوم وقوع القصاص، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. اعلم: أنه ينبغي لي أن أُقَدِّم بين يدي الشرح التعريف بالإمام مسلم رحمه الله تعالى، وبيان درجة كتابه، وفضله، وشرطه، مستعينا بالله تعالى، ومستمدًّا مما كتبه الأئمة الأعلام: كالإمام الحافظ أبي الفضل بن عمّار المتوفّى سنة (٣١٧ هـ) صاحب كتاب "علل أحاديث صحيح مسلم"، والحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) صاحب "شروط الأئمة الستة"، والإمام العلامة القاضي عياض المتوفّى سنة (٥٤٤)، والحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازميّ (٥٤٨ - ٥٨٤ هـ) صاحب "شروط الأئمة الخمسة"، والشيخ تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى المعروف بـ "ابن الصلاح" الشهرزوري (٥٥٧ - ٦٤٣)، والشارح المحدث الفقيه المحقق بلا نزاع، ومحرر المذهب الشافعي بلا دفاع، محيي الدين، أبي زكريا يحيى بن شرف ابن مري النووي الشافعي (٦٣١ - ٦٧٦)، والحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رُشَيد الفهريّ (٦٥٧ - ٧٢١ هـ)، والإمام الحافظ الناقد الكبير أبي الحجاج المزيّ (٦٥٤ - ٧٤٢)، والإمام الحافظ الناقد البصير، والمؤرخ الكبير، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي الدمشقي (٦٧٣ - ٧٤٨)، والإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبليّ (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)، والإمام الحافظ الجِهْبذ حذَام المحدثين في المتأخرين، أبي الفضل شهاب الدين أحمد ابن علي بن محمد الكناني العسقلاني المصري (٧٤٩ - ٨٥٢)، وهو المراد عند إطلاق لفظ الحافظ في هذا الشرح، وغيره من مؤلفاتي، وغير هؤلاء من الجهابذة النُقّاد، والأئمة الأمجاد، رحمهم الله تعالى وإيانا، ورضي عنهم وعنا، بعفوه، وكرمه آمين.

стр. 7

ولا يفوتني أن أنوّه بمن بذل جهدًا كبيرًا، وسعى في خدمة هذا الكتاب، من المتأخرين، والمعاصرين (١) -جزى الله تعالى الجميع أحسن الجزاء، آمين آمين آمين-. وهذا البحث مقسّم إلى بابين: الباب الأول في ترجمته، والباب الثاني في الكلام على كتابه.

стр. 8

الباب الأوّل في ترجمة الإمام مسلم رحَمه الله تعالى، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في التعريف به، نسبًا، وولادة، ووفاةً، وسببها، ونشأةً، ومِهنةً، ورحلةً، وعقيدةً، ومذهبا: نسبه: أما نسبه: فهو الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القُشَيري النسب من أنفسهم، وقيل: هو من موالي قشير بن كعب (١)، النيسابوري الدار والوطن. ولادته: وأما ولادته: فقد اختُلف فيها على أربعة أقوال: الأول أنه وُلد سنة (٢٠١) وهو الذي أشار إليه الذهبي في "العبر" إذ ذكر أن مسلمًا توفّي، وله ستّون سنة، ووافقه ابن العماد الحنبليّ، إذ نقل كلامه، ولم يتعقّبه. والثاني: أنه وُلد سنة (٢٠٢). والثالث: أنه ولد سنة (٢٠٤) وهو الذي ذكره الذهبيّ في "السير" بقيل. والرابع: أنه وُلد سنة (٢٠٦) وهذا هو الذي قال به الحاكم، فيما سمعه من ابن الأخرم قال: توفي مسلم بن الحجاج رَحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة (٢٦١) وهو ابن (٥٥) سنة.

стр. 9

وصحّح هذا القول جماعة، منهم الإمام ابن الصلاح، والحافظ، وطاش كبرى زاده، وآخرون (١). وفاته، وسببها: وأما وفاته، وسببها: فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: مات مسلم ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وهذا مشهور، لكن تاريخ مولده ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه، فلا يجدونه، وقد وجدناه -وللَّه الحمد- فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ، في "كتاب المزكين لرواة الأخبار" أنه سمع أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة. وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين. والله تعالى أعلم. وكان لموته سبب غريب، نشأ عن غمْرة فكرية علمية، فقرأت بنيسابور -حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله- فيما انتخبته من "تاريخها" على الشيخ الزكي أبي الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفرَاوي، وعلى الشيخة أم المؤيد، زينب ابنة أبي القاسم، عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني -رحمها الله وإيانا- عن الإمام أبي عبد الله الفراوي، وأبي القاسم، زاهر بن طاهر المستملي، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وسعيد بن محمد الْبَحِيري، والإمام أبي بكر البيهقي، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب، سمعت أحمد ابن سلمة يقول: عُقِد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلنّ أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدّموها، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فَنِيَ التمر، ووجد الحديث، قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مَرِض، ومات. قال ابن الصلاح: قد زرت قبره بنيسابور، وسمعنا عنده خاتمة كتابه "الصحيح" (٢)، وغير ذلك ﵁ وعنا، ونفعنا بكتابه، وبسائر العلم، آمين، آمين. انتهى (٣).

стр. 10

نشأته: وأما نشأته: فقد نشأ رحمهُ الله تعالى في بيت علم وجاه، فقد كان والده ممن تصدّى لتعليم الناس، قال تلميذ مسلم محمد بن عبد الوهّاب الفرّاء المتوفّى سنة (٢٧٢): وكان أبوه الحجاج بن مسلم من مشيخة أبي. وأقبل مسلم على سماع الحديث منذ صغره، فأول سماعه -كما قال الذهبيّ- سنة (٢١٨)، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، فسمع من خلق كثير مثل يحيى بن يحيى التميميّ المتوفّى سنة (٢٢٦)، وهو أول من سمع منه في سنة ثماني عشرة، وحجّ في سنة عشرين، وهو أمرد، فسمع بمكة من القعنبي، فهو أكبر شيخ له. وممن سمع منه بنيسابور إسحاق بن راهويه المتوفّى سنة (٢٣٨)، وقتيبة بن سعيد المتوفّى سنة (٢٤٠). وسمع في طريق رجوعه من الحجّ بالكوفة من أحمد بن يونس، وجماعة، وأسرع إلى وطنه. مهنته: وأما مهنته: فكان رحمهُ الله تعالى تاجرًا، فكان له مَتجر بخان محمش، يبيع فيه الْبَزّ، وكان له أملاك، وضَيَاع، وثروة بأسْتُواء، وكان يعيش منها (١). وكان كثير الإحسان إلى الناس، حتى نُعت بـ "محسن نيسابور". رحلاته: وأما رحلاته العلميّة، فكان رحمهُ الله تعالى ذا رحلة واسعة، عالي الهمة، كثير النشاط، ذا صبر في الطلب والتحصيل، فهو أحد الرحّالين في طلب العلم، فرحل إلى أئمة الأقطار والبلدان، فدخل الحجاز، وعمره أربعة عشر عاما في سنة عشرين ومائتين، وكان أمرد، لأداء فريضة الحج، فسمع بمكة من سعيد بن منصور، والقعنبيّ، وغيرهما، وبالمدينة من أبي مصعب الزهريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهما. ودخل العراق، فسمع بالبصرة من القعنبيّ وعلي بن نصر الجهضميّ، وبالكوفة من أحمد بن يونس، وعمر بن حفص بن غياث، وسعيد بن محمد بن سعيد الجرميّ. وسمع ببغداد من أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، وخالد ابن خِدَاش، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، وخلف ابن هشام البزار المقرىء، وسُريج بن يونس، وغيرهم. وسمع ببلخ من قُتيبة بن سعيد. ودخل الريّ أكثر من مرة، وسمع بها من محمد بن مِهْران الجمّال، وأبي غسان محمد بن عمرو زُنَيْج (٢).

стр. 11

ودخل مصر، فسمع من أحمد بن عبد الرحمن الوهبيّ، وعمرو بن سوّاد، وعيسى ابن حماد زُغْبَة، ومحمد بن رُمح بن المهاجر. ودخل الشام، على ما قاله ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، قال: وسمع من محمد ابن خالد السكسكيّ، لكن الذهبيّ، ينكر ذلك، ويقول: والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن ليدخل الشام، فلا يسمع إلا من شيخ واحد. وقال أيضًا في ترجمة هشام بن عمار: ولم يلقه مسلم، ولا ارتحل إلى الشام، ووهمَ من زعم أنه دخل دمشق (١). والحاصل أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى كثير الرحلة، فقد طوّف كثيرًا من البلدان: مثل الريّ، والعراق، ومصر، والحجاز (مكة، والمدينة)، ودمشق على ما قاله ابن عساكر. والله تعالى أعلم. عقيدته: وأما عقيدته: فكان رحمهُ الله تعالى على عقيدة أهل الحديث، مثل الأئمة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاريّ، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد ذكر أبو عثمان الصابونيّ النيسابوريّ المتوفّى سنة (٤٤٩) عقيدة السلف أصحاب الحديث، وذكر فيها علامات أهل السنّة، وإحدى علاماتهم حبهم لأئمة السنّة، وعلمائها، وأنصارها، وأوليائها، ونقل عن قتيبة بن سعيد أسماء جماعة من هؤلاء العلماء، وأن حبهم علامة لأهل السنّة، ثم قال: وأنا أُلحق بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة رحمهُ الله تعالى أن من أحبهم، فهو صاحب سنة من أئمة الحديث الذين بهم يقتدون، وبهديهم يهتدون، ومن جملتهم وشيعتهم أنفسَهُم يَعُدُّون، وذكر من بينهم الإمام مسلم بن الحجاج (٢). والله تعالى أعلم. مذهبه في الفروع: اعلم: أنه قد اضطربت أقوال المتأخّرين في شأن مذهبه، وتناقضوا فيه، فمن قائل: إنه شافعيّ، ومن قائل: إنه حنبليّ، ومن قائل غير ذلك، كما اختلفوا في مذهب البخاريّ، وسائر أصحاب الكتب الستة، وغيرهم. وهذا بناء منهم على ما تخيّلوه من أن أيّ أحد لا بدّ أن ينتسب إلى مذهب أحد الأئمة الأربعة، وإن كان من أكابر المحدّثين، وهذا مما ابتُلي به المسلمون في الأعصار المتأخّرة من الإعتقادات الفاسدة، والإتجاهات الكاسدة، فلقد عاش الناس في عافية

стр. 12

من هذا البلاء دهرًا طويلًا من الزمن حينما كانوا يُطبِّقون قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، فلا يُعرف أحد منهم أنه يقال له: بكري، ولا عمريّ، ولا عثمانيّ، ولا علوي، ولا غير ذلك، نسبة إلى مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم من أكابر الصحابة ﵃، والتابعين، حتى جاء أهل العصر المتأخّر ممن بعد الأئمة الأربعة، فانتسبوا إليهم، مع أنهم حذّروهم من تقليدهم، وأمروهم باتباع الأدلة، ثم آل الأمر إلى أن لا يروا جواز تقليد غيرهم إلا في حال الضرورة، فقد قال أحدهم، وبئسما قال: وَجَائِزٌ تَقْلِيدُ غَيْرِ الأَرْبَعَهْ ... لِذِي ضَرُورَةٍ وَفِي هَذَا سَعَهْ بل قال صاحب "مراقي السعود"، وبئسما قال: وَالْمُجْمَعُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ ألأَرْبَعَهْ ... وَقَفْوُ غَيْرِهَا الْجَمِيعُ مَنَعَهْ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان على من خالف مذهب خيار الأمة، وللبحث مجالٌ آخر. ولنرجع إلى المقصود: اعلم: أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى إمام مجتهد، يدور مع النصوص، فما تخيّله المقلدون من أنه على مذهب فلان، فلما رأوه يوافق رأي ذلك الإمام في بعض المسائل لاتفاق الأدلة، أو لكونه أخذ عنه، أو عمن أخذ عنه، فإن كان هذا مسوّغًا للتقليد، فلنقل: إن الشافعيّ مالكيّ حيث أخذ عنه، وأحمد شافعيّ؛ لأنه أخذ عنه، وهلمّ جرّا، وهؤلاء المدّعون لا يقولون بهذا، بل يتبرؤن منه. وهذا كلّه يفنّده مخالفته لذلك الإمام في مسائل أخرى، ومعلوم أن المقلّد لا يخالف إمامه أبدًا. والحقّ أنه على مذهب أهل الحديث، ليس مقلّدًا لأحد، بل هو كالشافعي، وأحمد، وغيره من فقهاء المحدّثين، ولقد أجاد أبو عبد الله الحاكم رحمهُ الله تعالى حيث ذكره ضمن فقهاء المحدّثين، وأفرده بترجمة كباقي الأئمة، كالزهريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وابن المدينيّ، وغيرهم. وذكر قبل تراجمهم المقصود بفقه الحديث، فقال في (النوع الموفّي العشرين): "معرفة فقه الحديث" إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام، أصحاب القياس والرأي، والإستنباط، والجدل، والنظر، فمعروفون في كلّ عصر، وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله؛

стр. 13

ليُستدلّ بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحّر فيها، لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم. انتهى (١). وقال العلامة المباركفوريّ رحمهُ الله تعالى: كما أن البخاريّ رحمهُ الله تعالى كان متّبعًا للسنة عاملا بها، مجتهدًا، غير مقلّد لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم، كذلك مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، كلهم كانوا متّبعين للسنة، عاملين بها، مجتهدين، غير مقلدين لأحد. انتهى (٢). وخلاصة القول أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى، وغيره من أصحاب الكتب الستة، وغيرهم أنهم من فقهاء المحدّثين العاملين به، والداعين إليه، لا يرون لتقليد أحد كائنا من كان قيمة، ولا وزنًا، وليس لهم إمام إلا رسول الله ﷺ الذي ضمِنَ الله تعالى للخلق الهداية، والفلاح في طاعته، واتباع أثره، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وإن وافق قولهم قول بعض الأئمة في بعض المسائل، فإن ذلك لدليل ساقهم إلى ذلك، فظن المقصّرون ذلك تقليدًا، فوسموهم بسمة لا تليق بمن هو دونهم بمرّات. والله المستعان على من خالف الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في ذكر بعض شيوخه على ترتيب حروف المعجم [حرف الهمزة]: فمنهم: إبراهيم بن خالد اليَشكري، وإبراهيم بن دينار التَّمَّار، وإبراهيم بن زياد سبلَان، وإبراهيم بن سعيد الجَوْهري، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وإبراهيم بن موسى، وأحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقيّ، وأحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهريّ المدنيّ، وأحمد بن جعفر الْمَعْقِريّ، وأحمد بن جناب، وأحمد بن جَوّاس الحنفيّ، وأحمد بن الحسن بن خراش، وأحمد بن سعيد الرِّباطي، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأحمد بن سنان القطان، وأحمد بن عبد الله بن الحكم المعروف بـ "ابن الكُردي"، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وأحمد بن عبدة الضبيّ، وأحمد بن عثمان الأودي، وأبو الجوزاء أحمد بن عثمان النوفلي، وأحمد بن عمر بن حفص المعروف بـ "الوكيعي"، وأحمد بن عمرو بن السرح، أبو الطاهر المصريّ، وأحمد بن عيسى بن حسان المصريّ المعروف بـ "ابن التستري"، وأحمد بن

стр. 14

محمد بن حنبل الإمام الشهير، وأحمد بن المنذر القزاز، وأحمد بن منيع، وأحمد بن يوسف السُّلمي. وإسحاق بن راهويه، وإسحاق بن عمر بن سَلِيط، وإسحاق بن منصور ابن بهْرَام الْكَوْسج، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وإسماعيل بن إبراهيم بن معمر، أبو معمر الهذليّ، وإسماعيل بن الخليل الخزّاز، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وإسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس، لقيه أول مرة، وأمية بن بسطام العيشيّ. [حرف الباء الموحّدة]: بشر بن الحكم بن حبيب العبديّ النيسابوريّ، وبشر بن خالد العسكريّ، وبشر بن هلال الصوّاف. [حرف الجيم]: جعفر بن حميد، وحاجب بن الوليد. [حرف الحاء المهملة]: حامد بن عمر البكراوي، وحِبَّان بن موسى، وحجاج بن يوسف بن حجاج المعروف بـ "ابن الشاعر"، وحرملة بن يحيى، والحسن بن أحمد الحرّاني، والحسن بن الربيع الْبُورَاني، والحسن بن علي الخلال، والحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس، والحسين ابن حريث، والحسين بن عيسى البِسطامي، والحكم بن موسى، وحماد بن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، وحميد بن مَسْعَدَة. [حرف الخاء المعجمة]: خالد بن خدَاش بن عجلان، أبو الهيثم، وخَلَف بن هشام المقرىء البزّار. [حرف الدال المهملة]: داود بن رُشيد، وداود بن عمرو بن زُهير. [حرف الراء]: رفاعة بن الهيثم الواسطي، وزكريا بن يحيى كاتب العمري القاضي. [حرف الزاي]: زُهير بن حرب، أبو خيثمة، وزياد بن يحيى الحَسَّاني، وزيد بن يزيد أبو مَعْن الرَّقَاشيّ.

стр. 15

[حرف السين المهملة]: سُرَيج بن يونس، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وسعيد بن محمد الجَرْمي، وسعيد بن منصور الْخرَاسانيّ، ثم المكيّ، وسعيد بن يحيى ابن الأزهر، وسعيد بن يحيى الأموي، وسلمة بن شبيب الْمِسْمَعيّ، وسليمان بن داود أبو الربيع الزَّهْرانيّ الْعَتَكيّ، وسليمان بن داود بن رُشيد الخُتَّلي، وسليمان بن داود، ويقال: ابن محمد بن سليمان، وهو أقوى أبو داود المباركيّ (١)، وسليمان بن عُبيد الله ابن عمرو الغيلانيّ، وسليمان بن معبد السِّنْجيّ، وسهل بن عثمان بن فارس، وسُويد بن سعيد الْحَدَثانيّ. [حرف الشين المعجمة]: شجاع بن مَخْلَد، وشهاب بن عَبّاد، وشيبان بن فرُّوخ الأبلّيّ. [حرف الصاد المهملة]: صالح بن حاتم، وصالح بن مِسْمَار، والصَّلْت بن مسعود. [حرف العين المهملة]: عاصم بن النضر، وعباد بن موسى، وعباس بن عبد العظيم، وعباس بن الوليد النَّرْسي، وعبد الله بن بَرَّاد، وعبد الله بن جعفر البَرْمَكي، وعبد الله بن سعيد بن حُصين الكنديّ، وعبد الله بن الصباح، وعبد الله بن عامر بن زُرَارَة، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، صاحب "المسند"، وعبد الله بن عُمَر بن محمد بن أبان الملقّب بـ "مُشْكُدَانة"، وعبد الله بن عُمَر الرومي، وعبد الله بن عون الخرّاز، وعبد الله بن محمد بن إبراهيم، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري الْمَخْرَميّ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن مطيع، وعبد الله بن هاشم، وعبد الأعلى بن حمّاد بن نصر النَّرْسيّ، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الحميد بن بيان، وعبد الرحمن ابن بشر بن الحكم، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، وعبد الرحمن بن سلّام الجُمَحي، وعبد الملك بن شعيب بن الليث، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الحارث، ويقال: ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن ذكوان، أبو نصر التمار، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وعبد بن حميد الكسّيّ، وعبيد الله بن سعيد أبو قُدامة السرخسيّ، وعبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد، أبو زرعة الإمام المشهور، وعبيد الله بن

стр. 16

عمر القواريري، وعبيد الله بن محمد بن يزيد بن خُنَيس، وعبيد الله بن معاذ، وعبيد بن يعيش، وعثمان بن أبي شيبة، وعقبة بن مُكرَم العَمِّيّ، وعلي بن حُجْر السعديّ، وعلي ابن الحسن بن سليمان، الملقب بـ "أبي الشعثاء"، وعلي بن حَكِيم الأودي، وعلي بن خَشْرَم، وعلي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعمر بن حفص بن غياث، وعمرو بن حماد، وعمرو بن زُرارة، وعمرو بن سَوَّاد، وعمرو بن علي بن بحر ابن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ، وعمرو بن محمد بن بكير الناقد، وعون بن سلام، وعيسى ابن حماد. [حرف الفاء]: الفضل بن سهل بن إبراهيم الأعرج البغداديّ. والفُضيل بن حُسين بن طلحة، أبو كامل الْجحدريّ. [حرف القاف]: القاسم بن زكريا، وقتيبة، وقطن بن نُسَير. [حرف الميم]: مالك بن عبد الواحد الْمِسْمَعيّ، والمثنّى بن معاذ بن معاذ العنبريّ، ومجاهد بن موسى الْخُوَارزميّ، ومحرز بن عون، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن أحمد ابن نافع العبديّ، ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني، ومحمد بن إسحاق المُسَيَّبِيُّ، ومحمد بن بشّار بندار، ومحمد بن بكار بن الريّان، ومحمد بن بكار بن الزبير العيشي، ومحمد بن أبي بكر بن عليّ المقَدَّميّ، ومحمد بن جعفر بن زياد الْوَرَكَانيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون المعروف بـ "السَّمِين"، ومحمد بن حرب النشائيّ، ومحمد بن حيّان البغويّ، ومحمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، ومحمد بن رافع القشيريّ، ومحمد بن رمح ابن المهاجر التُجِبِيّ، ومحمد بن سلمة المراديّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن الصَّبَّاح المعروف بـ "الدُّولابيّ"، ومحمد بن طَرِيف البجليّ، ومحمد بن عباد بن الزِّبْرِقان، ومحمد بن عبد الله بن بَزِيع، ومحمد بن عبد الله بن قُهْزَاذَ، ومحمد بن عبد الله بن نُمير الحافظ، ومحمد بن عبد الله الرُّزّيّ، ومحمد بن عبد الأعلى المعروف بـ "الصنعانيّ"، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، ومحمد بن عبد الملك بن محمد بن أبي الشوارب، ومحمد بن عُبيد بن حساب، ومحمد بن أبي عتّاب، ومحمد بن عَمرو بن بكر المعروف بـ "زُنَيج"، ومحمد بن عمرو بن أبي رَوَّاد، ومحمد بن العلاء، أبو كُريب، ومحمد بن الفرَج الهاشميّ، ومحمد بن قُدَامة البخاريّ، ومحمد بن المثنّى، ومحمد بن ابن محمد

стр. 17

ابن مرزوق الباهليّ، ومحمد بن مسكين اليماميّ، ومحمد بن معاذ بن معاذ، ومحمد بن معمر ابن رِبعيّ الْقَيْسيّ، ومحمد بن منهال الضَّرير، ومحمد بن مهران الرازيّ، ومحمد بن موسى القطّان، ومحمد بن الوليد الْبُسريّ، ومحمد بن يحيى الْقُطَعيّ، ومحمد بن يحيى المروزيّ الصائغ، ومحمد بن يحيى الْعَدَنيّ المكيّ، ومحمد بن يزيد بن كثير، أبو هشام الرفاعيّ، ليس بالقويّ (١)، ومحمود بن غيلان، ومخلد بن خالد بن يزيد الشَّعِيريّ، ومِنْجَاب بن الحارث التميميّ، ومنصور بن أبي مُزَاحم، وموسى بن قُريش التميميّ البخاريّ. [حرف النون]: نصر بن عليّ بن نصر بن علي بن صهبان الْجهضميّ البصري. [حرف الهاء]: هارون بن سعيد الأيليّ، وهارون بن عبد الله بن مروان الْحَمَّال، وهارون بن معروف الْخزّاز، وهُدْبَة، ويقال: هدّاب بن خالد الأزديّ القيسيّ، وهُرَيم بن عبد الأعلى، وهَنَّاد بن السَّرِيّ. [حرف الواو]: واصل بن عبد الأعلى، والوليد بن شُجَاع، ووهب بن بَقِيّة. [حرف الياء]: يحيى بن أيّوب المقابريّ، ويحيى بن بِشْر الْحريريّ الأسديّ، ويحيى بن حَبيب بن عربيّ، ويحيى بن خَلَف الباهليّ، ويحيى بن محمد بن معاوية اللؤلؤيّ، ويحيى بن مَعِين الإمام المشهور، ويحيى بن يحيى التميميّ، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، ويوسف بن حمّاد الْمَعْنِيّ، ويوسف بن عيسى المروزيّ، ويوسف بن يعقوب الصفّار، ويونس بن عبد الأعلى. الْكُنَى أبو بكر بن النضر بن أبي النضر، اسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد.

стр. 18

فهؤلاء وعِدَّتهم مائتان وتسعة عشر رجلًا، أخرج عنهم في "الصحيح" رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في ذكر المشايخ الذين ذُكر غلطًا أن مسلمًا رحمهُ الله تعالى رَوَى عنهم في "صحيحه"، وهم: (١) الحجاج بن المنهال، ذكر ابن عساكر أنه روى عنه مسلم، والصواب أنه روى عن رجل عنه، كما قال ضياء الدين المقدسيّ. (٢) حرمي بن حفص الْعَتَكيّ، ذكره ابن عساكر أيضًا، والصواب أنه روى عن رجل عنه، كما قال المقدسيّ أيضًا. (٣) حماد بن الحسن بن عنبسة النهشليّ، ذكره ابن عساكر أيضًا، واللالكائيّ، قال الحافظ المزيّ: ولم أقف على روايته عنه. (٤) محمد بن عمر بن عبد الله، أبو عبد الله الروميّ، ذكره ابن عساكر، وصاحب "الكمال"، والصواب أنه إنما روى عن عبد الله بن عمر الروميّ، وقد سبق ذكره. (٥) محمد بن النضر بن مساور المروزيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخ مسلم، قال الحافظ المزيّ: لم أجد له رواية عنه. (٦) محمد بن يونس الجمّال، ذكره ابن عساكر، وصاحب "الكمال" في شيوخه. قال الحافظ المزّيّ: لم أقف على ذلك. (٧) الهيثم بن خارجة الخراسانيّ، ذكره ابن عساكر، والذهبي، والمزّيّ في شيوخه، فقال محمد بن عبد الواحد المقدسيّ: ما أرى مسلمًا روى عنه. (٨) الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخه الذين سمع منهم بدمشق، وهذا وهمٌ؛ لأن الوليد مات سنة (١٩٥) قبل أن يولد مسلم بسنين، والصواب أنه روى عنه بواسطة زهير بن حرب، وغيره (١). (٩) عبّاس بن رزْمة (٢)، ذكره المزيّ، وابن عساكر، وقال: روى عنه مسلم في

стр. 19

الحكايات في مقدّمة الكتاب، وهذا وهم، فإنه إنما روى عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عنه، ومما يُبطله أن ابن أبي رزمة مات سنة (٢٠٦) سنة ولادة مسلم. فتفطّن. (١٠) مخلد بن الحسين، ذكره ابن عساكر في شيوخه، قال: روى عنه في الحكايات في "المقدّمة"، وهو وهَمٌ (١)، والصواب أنه روى عن الحسن بن الربيع، عنه، ومما يقوي بطلانه أنه مات سنة (١٩١) أي قبل أن يولد مسلم بخمس عشرة سنة. (١١) وهب بن زمعة، أبو عبد الله التميميّ المروزيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخه، وقال: روى عنه حكاية في "مقدمة الكتاب"، وهذا وهمٌ، والصواب أنه إنما روى عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عنه، وسيأتي في "المقدّمة"، إن شاء الله تعالى. (١٢) عبد الله بن الزبير، أبو بكر الحميديّ. روى عنه مسلم بواسطة سلمة بن شبيب، ثم سقطت هذه الواسطة في بعض النسخ، فأوهمت أن مسلما روى عنه، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه، إن شاء الله تعالى. (١٣) مالك بن إسماعيل النَّهْديّ، أبو غسان الكوفيّ. ذكره الحاكم، وابن عساكر في شيوخه، والصواب أنه إنما يروي عنه بواسطة، ومما يقوي هذا أنه مات سنة (٢١٩)، بعد ولادة مسلم بأربع سنين على ما هو الراجح في ولادته، كما سبق، فما أدركه. (١٤) إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي البغداديّ، قيل: إنه روى عنه في "مقدّمة صحيحه"، والراجح أنه إنما روى عن إبراهيم بن خالد اليشكريّ، وهو آخر، كما سيأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى. (١٥) عبد الله بن الْجَرّاح، أبو محمد الْقُهُسْتانيّ. ذكر الخليليّ أنه روى عنه، وأدخله في "الصحيح" (٢)، وهو وهَمٌ، والصواب أنه من رجال أبي داود، والنسائيّ. (١٦) إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، أبو إسحاق. عُدّ من شيوخ مسلم في رواية ابن ماهان، فقال: "عن مسلم نا عبد الله بن مسلمة، وابن أبي الوزير، وأبو مصعب، ومنصور، وقتيبة، قالوا: حدثنا مالك الخ"، والصواب ما في رواية الْجُلُوديّ،

стр. 20

والكسائيّ: "حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وإسماعيل بن أبي أويس، وأبو مصعب، ومنصور، وقُتيبة، قالوا: حدثنا مالك الخ". قال بعضهم: لم يُدرك مسلم ابن أبي الوزير، ولا أعلم لمسلم عنه رواية (١). (١٧) شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية النحويّ. عُدّ من شيوخ مسلم في نسخة ابن الحذّاء، ففيها: "نا شيبان بن عبد الرحمن، نا سليمان الخ"، وهو غلط فاحش، والصواب: شيبان بن فرّوخ، وهو الأبليّ، من شيوخ مسلم، وأما ابن عبد الرحمن النحويّ، فليس من طبقة من يروي عنه مسلم، فقد مات سنة (١٦٤) قبل ولادة مسلم بنحو (٣٢) سنة. فهؤلاء سبعة عشر رجلًا عُدّوا غلطًا ممن روى عنهم مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في ذكر بعض مشايخه الذين روى عنهم خارج "صحيحه"، فمنهم: (١) إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو إسحاق القرشيّ المطّلبيّ المكيّ، ابن عم الإمام الشافعيّ، صدوق، روى عنه مسلم في غير "صحيحه" (٢). (٢) أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، قيل: روى عنه مسلم، والظاهر أنه خارج "الصحيح"، إذ لم يذكره أحدٌ فيمن أخرج عنهم فيه. (٣) أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد، أبو علي النيسابوريّ. (٤) أحمد بن منصور بن راشد المروزيّ المعروف بـ "زاج"، قال الذهبيّ: روى عنه مسلم في غير "الصحيح" (٣). (٥) الحجاج بن مسلم والده، أخذ عنه في بداية الطلب، كما تقدّم بيانه. (٦) حميد بن زنجويه الثقة الثبت، روى عنه في غير "الصحيح". (٧) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسديّ مولاهم الحافظ المعروف بـ "صالح جَزَرة".

стр. 21

(٨) عليّ بن الْجعد الجوهريّ الثقة الثبت المتوفّى سنة ٢٣٣. (٩) عليّ بن الحسن بن أبي عيسى، أبو الحسن الهلاليّ الدرابجرديّ. (١٠) علي بن عبد الله بن المدينيّ، أبو الحسن السعديّ الإمام المشهور. (١١) قطن بن إبراهيم بن عيسى بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ المتوفّى سنة (٢٦١). (١٢) محمد بن أبان أبو بكر البلخيّ يعرف بـ "حَمْدويه" مستملي وكيع. (١٣) محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مِهران الثقفي مولاهم أبو العباس السّرّاج الإمام الحافظ، وهو أحد تلامذته، روى عنه في غير "الصحيح". (١٤) محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام الحافظ الكبير، صاحب "الصحيح"، روى عنه في غير "الصحيح"، وهو أحد تلامذته أيضًا. (١٥) محمد بن إسماعيل البخاريّ الإمام العلم الشهير، صاحب "الصحيح"، وإمام الدنيا. (١٦) محمد بن خالد السكسكيّ، روى عنه بدمشق على قول ابن عساكر، أو في موسم الحج على قول الذهبيّ (١). (١٧) محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العبديّ النيسابوريّ المعروف بـ "حَمَك"، وهو أحد من روى عنه. (١٨) محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزيّ، روى عنه في "التمييز". (١٩) محمد بن مسلم بن عثمان الرازيّ الحافظ المعروف بـ "ابن وارة"، المتوفّى سنة (٢٧٠) وقيل: قبلها. (٢٠) محمد بن يحيى بن عبد الله الذهليّ الإمام المشهور. (٢١) مصعب بن عبد الله بن ثابت القرشي المدنيّ. (٢٢) الحجاج بن حمزة، أبو يوسف الرازيّ. (٢٣) علي بن سعيد أبو الحسن النسويّ.

стр. 22

(٢٤) علي بن مسلم بن سعيد، أبو الحسن الطوسيّ، ثم البغداديّ. (٢٥) مظهر بن الحكم، أبو عبد الله البيّع الأنْقُلْقانيّ، قال ياقوت في "معجم البلدان": روى عنه مسلم بن الحجاج (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في ذكر بعض الرواة عنه على ترتيب حروف المعجم أيضًا: فمنهم: إبراهيم بن إسحاق الصَّيرفيّ، وإبراهيم بن أبي طالب رفيقه، وإبراهيم ابن محمد بن حمزة، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، راوي "الصحيح" عنه، وأبو حامد أحمد بن حمدون بن رُسْتُم الأعمشيّ (٢)، وأبو الفضل أحمد بن سلمة الحافظ، وأبو حامد أحمد بن عليّ بن الحسن بن حسنويه المقرىء، أحد الضعفاء، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وأبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن بن الشرقيّ، وأبو عمرو أحمد بن نصر الخفّاف الحافظ، وأبو سعيد حاتم بن أحمد بن محمود الكنديّ البخاريّ، والحسين بن محمد بن زياد الْقَبَّانيّ، وداود بن سليمان الكرمانيّ، وأبو يحيى زكريا بن داود الْخَفَّاف، وسعيد بن عمرو البرذعيّ الحافظ، وصالح بن محمد بن عمرو الملقّب بـ "جَزَرَة" البغداديّ الحافظ، وأبو محمد عبد الله ابن أحمد بن عبد السلام الخفّاف النيسابوريّ، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، وأبو علي، عبد الله بن محمد بن علي البلخي الحافظ، وعبد الله ابن يحيى السرخسي القاضي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ، وعلي بن إسماعيل الصفار، وعلي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، وهو أكبر منه، وعلي بن الحسين ابن الجنيد الرازيّ، والفضل بن محمد بن عليّ البلخيّ، ومحمد بن إبراهيم بن محمد ابن الوليد الأصفهانيّ، ومحمد بن أحمد بن زُهير الطوسيّ، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة الحافظ، صاحب "الصحيح"، وأبو العباس محمد بن إسحاق الثقفيّ السراج، ومحمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو العبّاس الدَّغُوليّ، وأبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبديّ الفراء شيخه، وهو أكبر منه، ولكن ما أخرج عنه في "صحيحه"، ومحمد بن عبد بن حميد، ومحمد بن عيسى، أبو عيسى الترمذيّ الحافظ، فقد روى عن مسلم في "جامعه" حديثًا واحدًا، ومحمد بن محمد بن موسى البلخيّ، روى عن

стр. 23

مسلم بعض كتبه، فيما ذكره بعضهم، ومحمد بن مخلد الدُّوريّ العطار، وأبو بكر محمد بن النضر بن سلمة بن الجارود الجارودي، وأبو حاتم مكي بن عبدان التميميّ، وأبو محمد نصر بن أحمد بن نصر الحافظ المعروف بنصرك، ويحيى بن محمد بن صاعد، والحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوريّ الإسفرايينيّ الحافظ الكبير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في ثناء العلماء عليه لقد أثنى على الإمام مسلم رحمهُ الله تعالى العلماء ثناء عاطرًا، قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: أملى علينا إسحاق الكوسج سنة إحدى وخمسين، ومسلم ينتخب عليه، وأنا أستملي، فنظر إليه إسحاق، وقال: لن نَعْدَم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلما في معرفة الصحيح على مشايِخ عصرهما، وسمعت الحسين بن منصور يقول: سمعت إسحاق بن راهويه ذكر مسلمًا، فقال بالفارسية كلامًا معناه: أيَّ رجل يكون هذا؟ . ثم قال أحمد بن سلمة: وعُقد لمسلم مجلس المذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد منكم، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّةُ تمر، فقال: قدّموها، فقدّموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح، وقد فني التمر، ووجد الحديث. رواها أبو عبد الله الحاكم، ثم قال: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان مسلم ثقة من الحفاظ، كتبت عنه بالري، وسئل أبي عنه؟ فقال: صدوق. قال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. قال أبو عمرو بن حمدان: سألت الحافظ ابن عقدة عن البخاري ومسلم، أيهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالما، ومسلم عالم، فكررت عليه مرارا، فقال: يا أبا عمرو قد يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يَتَوَهّم أنهما اثنان، وأما مسلم فقلما يقع له من الغلط في العلل؛ لأنه كتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع، ولا المراسيل. قال الذهبيّ: عَنَى بالمقاطيع أقوال الصحابة والتابعين، في الفقه والتفسير. وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الحسين بن محمد الماسَرْجِسِيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما يقول: صنّفت هذا

стр. 24

"المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. قال ابن منده: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم يقول: ما معناه: قَلّما يفوت البخاري ومسلما مما ثبت من الحديث. قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ يقول: رأيت شيخا حسن الوجه والثياب، عليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فقيل: هذا مسلم، فتقدم أصحاب السلطان، فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين، فقدموه في الجامع، فكبر، وصلى بالناس. وقال ابن أبي حاتم: كان ثقة من الحفاظ. وقال الخطيب البغداديّ: أحد الأئمة من حفاظ الحديث. وقال أبو حامد بن الشرقيّ. إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة: محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومسلم بن الحجاِج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الذهبيّ: الإمام الحافظ حجة الإسلام". وقال أيضًا: الإمام الكبير الحافظ المجوّد الحجة الصادق". وقال: أحد أركان الحديث. وقال: حافظ خراسان. وقال: حافظ نيسابور. وذكره ضمن الحفّاظ، وأعلام النبلاء، ومن يُعتمد قوله في الجرح والتعديل. وقال القاضي عياض في مقدمة شرحه: هو أحد أئمة المسلمين، وحفّاظ المحدثين، ومتقني المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدّمين والمتأخّرين، وأجمعوا على إمامته وتقدّمه وصحة حديثه، وتمييزه، وثقته، وقبول كتابه. وقال ابن عساكر: الحافظ، صاحب الصحيح، الإمام المبرّز، والمصنّف المميّز، رحل، وجمع، وصنّف. وقال ابن عبد الهادي: الإمام الحافظ، حجة الإسلام. وقال الخليليّ: هو أشهر من أن تُذكر فضائله. وقال النوويّ: أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرّزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف بالتقدّم فيه بلا خلاف عند أهل الْحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه، والمعتمد عليه في كلّ الأزمان (١). وهو أحد أمراء المؤمنين في الحديث، كما ارتضى ذلك ابن الملقّن، حيث قال: ومسلم بن الحجاج جدير بأن يُلقّب بذلك، وإن لم أرهم نصّوا عليه (٢). وأما قول صاحب "هديّة المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث": وَكَادَ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّقَبِ ... يُدْعَى كَمَا لِبَعْضِهِمْ وَمَا اجْتُبِي

стр. 25

فليس بِمُجْتَبَى، فمَنْ أحقّ بهذا اللقب، إذا لم يكن مسلم أحقّ به؟ ، إن هذا لشيء عُجَاب! ! ! . وبالجملة فقد حاز قصب السبق في الفضائل والفواضل، واستغنى عن ثناء الأماثل، فكان كما قال قائلهم [من البسيط]: عَلَا عَنِ الْمَدْحِ حَتَّى مَا يُزَانُ بِهِ ... كَأَنَّمَا الْمَدْحُ مِنْ مِقْدَارِهِ يَضَعُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 26

الباب الثاني في الكلام على "صحيح مسلم"، وفيه مسائل المسأله الأولى: في بيان حال الكتاب، وفضله قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: هذا الكتاب ثاني كتاب صُنِّفَ في صحيح الحديث، ووُسم به، ووضع له خاصةً، سَبَقَ البخاري إلى ذلك، وصلَّى (١) مسلم، ثم لم يلحقهما لاحق، وكتاباهما أصح ما صنفه المصنفون، والبخاري وكتابه أعلى حالا في الصحيح وانتقاده أخر جمه (٢) وكان مسلم مع حِذْقه، ومشاركته له في كثير من شيوخه أحد المستفيدين منه، والمقِرِّين له بالأُستاذية. رَوَينا عن مسلم رحمهُ الله تعالى قال: صَنَّفتُ هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وبلغنا عن مكي بن عَبْدان، وهو أحد حفاظ نيسابور، قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديثَ، فمدارهم على هذا المسند -يعني مسنده الصحيح-. قال: وسمعت مسلما يقول: عَرَضتُ كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكلُّ ما أشار أن له عِلّةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليس له علة أخرجته. وورد عن مسلم أنه قال: ما وضعت شيئا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة. قال أبو عمرو: أخبرني الشيخ المسنِدُ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي بن المقرىء بقراءتي عليه، بِشَاذْيَاخ نيسابور، عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد الشيباني، قال: أخبرنا الحافَظ أبو بكر أحمد بن

стр. 27

علي بن ثابت، قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السُّوذِرْجَاني بأصبهان، قال: سمعت محمد بن إسحاق بن منده، قال: سمعت أبا علي الحسين ابن علي النيسابوري، يقول: ما تحت أَدِيم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث. ورويناه من وجه آخر عن ابن منده الحافظ هذا، وقال فيه: سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري، وما رأيت أحفظ منه هذا، مع كثرة من لقيه ابن منده من الحفاظ. وقول أبي علي هذا، إن أراد به أن كتاب مسلم أصح من غيره على معنى أنه غير ممزوج بغير الصحيح، فإنه جَرَّد الصحيح، وسرده على التوالي بأصوله، وشواهده، على خلاف كتاب البخاري، فإنه أودع تراجم أبواب كتابه كثيرا من موقوفات الصحابة، ومقطوعات التابعين، وغير ذلك، مما ليس من جنس الصحيح، فذلك مقبول من أبي علي، وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح، وفي إتقانه، والإضطلاع بشروطه، والقضاء به، فليس ذلك كذلك، كما قدمناه، وكيف يُسَلَّم لمسلم ذلك، وهو يرى على ما ذكره من بعدُ في خطبة كتابه أن الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده: فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح، بمجرد كونهما في عصر واحد، مع إمكان تلاقيهما، وإن لم يثبت تلاقيهما، وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يَقعُد به عن الترجيح في ذلك، وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في "صحيحه" هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد، ما يؤمن من وهن ذلك. والله أعلم. وقد علّق الحافظ في "هدي الساري" ١/ ١٣ - ١٤ على كلام أبي عليّ المذكور، فقال: وأما قول أبي عليّ النيسابوري، فلم نقف فقط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري، بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محيي الدين في مختصره في علوم الحديث، وفي مقدمة شرح البخاري أيضًا، حيث يقول: اتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا، وأكثرهما فوائد. وقال أبو عليّ النيسابوري، وبعض علماء المغرب. "صحيح مسلم" أصح. انتهى. ومقتضى كلام أبي عليّ نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه، أما إثباتها له فلا؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك، ويحتمل أن يريد المساواة. والله أعلم. قال: والذي يظهر لي من كلام أبي عليّ أنه إنما قدم "صحيح مسلم" لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده، من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك لأن مسلما صَنّف كتابه في بلده، بحضور أصوله، في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في

стр. 28

الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري، من استنباط الأحكام؛ ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث، دون الموقوفات، فلم يُعَرِّج عليها، إلا في بعض المواضع على سبيل الندور، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو عليّ ما قال، مع أني رأيت بعض أئمتنا يُجَوِّز أن يكون أبو عليّ ما رأى "صحيح البخاري"، وعندي في ذلك بُعْدٌ، والأقرب ما ذكرته، وأبو عليّ لو صرح بما نُسب إليه لكان محجوجًا بما قدمناه، مجملا ومفصلا. قال: وأما بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضلية بالأصحية، بل أطلق بعضهم الأفضلية، وذلك فيما حكاه القاضي أبو الفضل عياض في "الإلماع" عن أبي مروان الطُّبْني -بضم الطاء المهملة، ثم إسكان الباء الموحدة، بعدها نون- قال: كان بعض شيوخي يُفَضّل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري". انتهى. قال: وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة، فقرأت في فهرسة أبي محمد القاسم بن القاسم التُّجيبيّ قال: كان أبو محمد بن حزم يفضّل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السَّرْد. انتهى. قال: وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطُّبْني الذي أبهمه القاضي عياض، ويجوز أن يكون غيره، ومحل تفضيلهما واحد. وقال أيضًا: ومن ذلك قول مسلمة بن قاسم القرطبي وهو من أقران الدارقطني، لَمّا ذَكَر في تاريخه "صحيح مسلم" -قال: لم يَضَع أحد مثله، فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب، وقد رأيت كثيرا من المغاربة ممن صَنّف في الأحكام بحذف الأسانيد، كعبد الحق في "أحكامه"، و"جمعه" يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون وسياقها، دون البخاري؛ لوجودها عند مسلم تامة، وتقطيع البخاري لها، فهذه جهة أخرى من التفضيل، لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح. انتهى كلام الحافظ (١). وقال الشيخ أبو عمرو: نعم يترجح كتاب مسلم بكونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعا واحدًا يليق به، يورده فيه بجميع ما يريد ذكره فيه من أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الناظر النظر في وجوهه، واستثمارها، بخلاف البخاري، فإنه يورد تلك الوجوه المختلفة في أبواب شتى متفرقة، بحيث يصعب على الناظر جمع شملها، واستدراك الفائدة من اختلافها. انتهى.

стр. 29

وقال مسلمة بن قاسم القرطبيّ: لم يضع أحد مثل "صحيح مسلم" في حسن الصناعة، وجودة الترتيب، لا في الصحّة. انتهى. ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال (١) [من الطويل]: تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمِ ... لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ يُقَدَّمُ فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّة ... كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ ومن قال: قَالُوا لِمُسْلِمٍ فَضْلٌ ... قُلْتُ الْبُخَارِيُّ أَعْلَى قَالُوا الْمُكَرَّرُ فِيهِ ... قُلْتُ الْمُكَرَّرُ أَحْلَى وقال الحافظ السيوطيّ في "ألفيّة الأثر": وَأَوَّلُ الْجَامِعِ بِاقْتِصَارِ ... عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ الْبُخَارِي وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ وَالأَوَّلُ ... عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا وقال السيد مصطفى البكريّ رحمه الله تعالى في مدح مسلم، و"صحيحه" [من الكامل]: بَدْرٌ عَلَا بِصَحِيحِهِ فَلَكَ الْعُلَا ... إِذْ فَاقَ صُنْعًا كُلَّ هَادٍ ضَيْغَمِ وَلِذَا حُمَاةُ الْغَرْبِ هَذَا رَجَّحُوا ... لا سِيَّمَا فَوْقَ السِّمَاكِ الأَفْخَمِ وَبِقِلَّةِ التَّكْرَارِ فَاقَ مُكَرَّرًا ... وَبِحُسْنِ تَرْتِيبٍ وَسَبْكٍ مُفْخَمِ لَكِنْ مُحَمَّدُنَا الْبُخَارِيْ شَيْخُهُ ... هُوَ عِنْدَ جُلِّ الْخَلْقِ أَعْلَى فَافْهَمِ رَضِيَ الإِلَهُ عَنْهُمَا مَا بَاكَرَتْ ... سُحْبُ الْغَمَامِ لِرَوْضِ أُنْسٍ أَعْظَمِ وَالتِّرْمِذِيُّ مَعَ النَّسَائِيِّ ابْنُ مَا ... جَهْ ضيفْ (٢) أَبَا دَاوُدَ أَهْلُ تَقَدُّمِ وقال العجلونيّ رحمه الله تعالى [من الكامل]: لَصَحِيحُ مُسْلِمٍ الإِمَامِ الأَوْحَدِ ... قَدْ فَاقَ فِي جَمْع الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ فَبِجَمْعِهِ طُرُقَ الْحَدِيثِ بِمَوْضِعٍ ... حَازَ الْفَخَارَ عَلى صَحِيحِ مُحَمَّدِ

стр. 30

لَكِنَّ ذَاكَ أَصَحُّ فَاعْلَمْ يَا فَتَى ... عِنْدَ الْجَمِيعِ سِوَى شُذُوذٍ مُفْرَدِ وَهُمَا الْكِتَابَانِ اللَّذَانِ تُلُقِّيَا ... بِقَبُولِ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ الأَمْجَدِ وَهُمَا أَصَحُّ الْكُتْبِ بَعْدَ كِتَابِنَا ... قَدْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ لِلْمُهْتَدِي فَعَلَيْكَ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ تَقْرَأَهُمَا ... لِتَنَالَ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ الأَوْحَدِ فَسَقَى الإِلَهُ بِفَضْلِهِ قَبْرَيْهِمَا ... صَوْبَ الرِّضَا وَحَبَاهُمَا بِالسُّودَدِ وَكَذَا حَبَا أَهْلَ الْحَدِيثِ وَمَنْ بِهِمْ ... فِي سَائِرِ الآفَاقِ حَقًّا يَقْتَدِي [تنبيه]: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قرأت على الشيخة الصالحة، أم المؤيد، ابنة عبد الرحمن بن الحسن النيسابورية بها، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي وغيره، عن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ وغيره، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت عمر بن أحمد الزاهد، قال: سمعت الثقة من أصحابنا يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأن أبا علي الزَّغُوري يمشي في شارع الْحِيرة، ويبكي وبيده جزء من كتاب مسلم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نجوت بهذا، وأشار إلى ذلك الجزء. قال: أبو علي هذا، هو محمد بن عبد العزيز الزَّغُوري -بفتح الزاي، وضم الغين المعجمة، وبعدها واو ساكنة، ثم راء مهملة- وكانت له عناية بـ "صحيح مسلم"، والتخريج عليه، وشارع الْحِيرة هو بنيسابور، نفعنا الله الكريم بالدأب كما نفعه، آمين. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان شروط الإمام مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه " قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: شرط مسلم في "صحيحه" أن يكون الحديث متصل الإسناد، بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، سالما من الشذوذ، ومن العلة. وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إدخال السلامة من الشذوذ في حدّ الصحيح محلّ نظر؛ لأمور: أولها: أنه ليس للإمام مسلم نص بذلك، بل لم يُرْوَ عن أحد من أئمّة الحديث المتقدمين أنه اشترط لصحّة الحديث نفي الشذوذ المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجود من تصرّفاتهم تقديم بعض ذلك على بعضٍ في الأصحّية. ثانيها: أنه إذا كان الإسناد متّصلًا، وكان رواته كلّهم عدولًا ضابطين، فقد انتفت

стр. 31

عنه العلل الظاهرة، ثم إذا زاد على هذا كونه غير مُعَلٍّ، فما المانع من الحكم بصحّته؟ فمجرّد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيحٍ، وأصحّ. ثالثها: أن عمل الشيخين في "صحيحيهما" على خلاف ذلك، فقد أخرجا ما وقع فيه مخالفة بعض الرواة لمن هو أرجح منه: (فمن ذلك): أنّهما أخرجا قصّة جمل جابر ﵁ من طرقٍ، وفيها اختلافٌ كثيرٌ في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجّح البخاريّ الطرق التي فيها الإشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجّح أيضًا كون الثمن أوقيّةً، مع تخريجه ما يُخالف ذلك. (ومن ذلك): أنّ مسلمًا أخرج حديث مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ في الإضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامّة أصحاب الزهريّ، كمعمرٍ، ويونس، وعمرو بن الحارث، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، وشعيب، وغيرهم، عن الزهريّ، فذكروا الإضطجاع بعد ركعتي الفجر، قبل صلاة الصبح، ورجّح جمعٌ من الحفّاظ روايتهم على رواية مالكٍ، ومع ذلك، فلم يتأخّر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة. رابعها: أن اشتراط انتفائه ينافي ما تقرّر عند المحدّثين، من قبول زيادة الثقة، سواء من قبلها مطلقًا، كابن حبّان، والحاكم، وجماعة من الفقهاء، والأصوليين، وعليه جرى النوويّ في "مصنّفاته"، كما ذكر ذلك الحافظ في "نكته" ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨ - أو من قبلها بشرط عدم المنافاة لرواية الأرجح، وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور المحدّثين، كما اختاره الحافظ في "نخبته". ولا يقال: يلزم على هذا أن يُسمّى الحديث صحيحًا، ولا يُعمل به؛ لأنا نقول: لا مانع من ذلك؛ إذ ليس كلّ حديث صحيح يُعمل به، بدليل المنسوخ. والحاصل أن الصواب عدم إدخال انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح، وتمام البحث في هذا في شرحي الكبير على "ألفية السيوطيّ" في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب. قال أبو عمرو: فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث، فقد يكون سبب اختلافهم انتفاءَ وصف من هذه الأوصاف، بينهم خلافٌ في اشتراطه، كما إذا كان بعض رواة الحديث مستورًا، أو كما إذا كان الحديث مرسلًا. وقد يكون سبب اختلافهم في صحته

стр. 32

اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه الأوصاف، أو انتفى بعضها، وهذا هو الأغلب في ذلك، وذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في ثقته، وكونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث قد تداولته الثقات، غير أن في رجاله أبا الزبير المكي مثلًا، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري؛ لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الأوصاف المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة، مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الْفَرْوِيّ، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، ممن احتج بهم البخاري، ولم يحتج بهم مسلم. وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، في كتابه "المدخل إلى معرفة المستدرك" عددُ من أخرج لهم البخاري في "الجامع الصحيح"، ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد من احتج بهم مسلم في "المسند الصحيح"، ولم يحتج بهم البخاري في "الجامع الصحيح" ستمائة وخمسة وعشرون شيخًا. وأما قول مسلم رحمه الله تعالى في باب صفة صلاة رسول الله ﷺ ، من "صحيحه": ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا -يعني في كتابه "الصحيح"، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. فمشكل جِدًّا، فإنه قد وضع فيه أحاديث، قد اختلفوا في صحتها؛ لكونها من حديث من ذكرناه، ومن لم نذكره، ممن اختلفوا في صحة حديثه، ولم يجمعوا عليه. وقد أجاب عنه الشيخ أبو عمرو بجوابين: [أحدهما]: ما ذكره في كتاب "معرفة علوم الحديث"، وهو أنه أراد بهذا الكلام -والله أعلم- أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. [والثاني]: أنه أراد أنه ما وَضَع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا، أو إسنادًا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، فإنه ذكر ذلك لَمّا سئل عن حديث أبي هريرة ﵁: "وإذا قرأ فأنصتوا"، هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل له: لم لم تضعه هاهنا؟ فأجاب بالكلام المذكور، ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه -رحمنا الله وإياه- عن هذا الشرط، أو

стр. 33

سبب آخر، وقد استُدرِكتْ عليه، وعُلِّلت. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في بيان ما وقع في "صحيح مسلم" مما صورته صورة المنقطع: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قد وقع في هذا الكتاب، وفي كتاب البخاري ما صورته صورةُ المنقطع، وليس ملتحقا بالمنقطع في إخراج ما وقع فيه ذلك من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف، ويُسَمَّى تعليقا، سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويَذكره الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" وغيره من المغاربة، وكأنهم سموه تعليقًا أخذًا من تعليق العتق، والطلاق، وتعليق الجدار؛ لما يشترك فيه الجميع من قطع الإتّصال، فإن ما فيه من حذف رجل، أو رجلين، أو أكثر من أوائل الإسناد قاطع للإتصال، لا محالة، وهو في كتاب البخاري كثير جدّا، وفي كتاب مسلم قليل جدّا، وإذا كان التعليق بلفظ فيه جزم منهما، وحكم بأن من وقع بينهما وبينه الإنقطاع قد قال ذلك، أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط، مثل أن يقولا: روى الزهري، ويسوقا إسناده متصلا ثقة عن ثقة، فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما، وكذلك ما روياه عمن ذكراه بما لم يحصل به التعريف به، وأورداه أصلا مُحْتَجَّيْنِ به، وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا، ونحو ذلك. وذكر الحافظ أبو علي الغساني الأندلسي أن مسلما وقع الإنقطاع فيما رواه في كتابه في أربعة عشر موضعا: أولها في "التيمم" قوله في حديث أبي الجهم (٢): وروى الليث بن سعد. ثم قوله في "كتاب الصلاة" في "باب الصلاة على النبي ﷺ ": حدثنا صاحب لنا، عن إسماعيل ابن زكرياء، عن الأعمش، وهذا في رواية أبي العلاء بن ماهان، وسَلِمَت رواية أبي أحمد الجلودي من هذا، وقال فيه عن مسلم: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا إسماعيل بن زكرياء. ثم في "باب السكوت بين التكبير والقراءة" قوله: وحُدِّثتُ عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب. ثم قوله في "كتاب الجنائز" في حديث عائشة ﵂ في خروج النبي ﷺ إلى البقيع ليلا: وحدثني من سمع حجاجا الأعور، واللفظ له، قال: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا ابن جريج. وقوله في "باب الحوائج" في حديث

стр. 34

عائشة ﵂: حدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس. وقوله في هذا الباب: ورَوَى الليث بن سعد، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حَدْرَد. وقوله في "باب احتكار الطعام" في حديث معمر بن عبد الله العدوي: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون. وقوله في صفة النبي ﷺ : وحُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة. وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الأرغياني، عن إبراهيم بن سعيد. قال أبو عمرو: ورَوَيناه من غير طريق أبي أحمد، عن محمد بن المسيب، ورواه غير ابن المسيب، عن إبراهيم الجوهري. وفي آخر "الفضائل" في حديث ابن عمر، عن رسول الله ﷺ : "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"، روايةُ مسلم إياه موصولا عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر، كمثل حديثه. وقال مسلم في آخر "كتاب القدر" في حديث أبي سعيد الخدري: "لَتَرْكَبُنّ سنن من كان قبلكم": حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم، وهذا قد وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي مريم. قال أبو عمرو: وإنما أورده مسلم على وجه المتابعة والإستشهاد. وقوله فيما سبق في الإستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري إلى آخره. وقوله أيضًا في "الرجم" في المتابعة لِمَا رواه موصولا من حديث أبي هريرة، في الذي اعترف على نفسه بالزنا: ورواه الليث أيضًا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد. وقوله في "كتاب الإمارة" في المتابعة لِمَا رواه متصلا من حديث عوف بن مالك. "خيار أئمتكم الذين تحبونهم": ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد. قال أبو عمرو: وذكر أبو علي فيما عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث ابن عمر: "أرأيتكم ليلتكم هذه" المذكور في "الفضائل"، وقد ذكره مرة، فيسقط هذا من العدد، والحديث الثاني؛ لكون الجلودي رواه عن مسلمِ موصولا، وروايته هي المعتمدة المشهورة، فهي إذن اثنا عشر، لا أربعة عشر، وأخَذَ هذا عن أبي علي أبو عبد الله المازري، صاحب "المعلم"، وأطلق أن في الكتاب أحاديث مقطوعة، في أربعة عشر موضعا. وهذا يوهم خللا في ذلك، وليس ذلك كذلك، وليس شيء من هذا -والحمد لله- مخرجًا لما وُجد فيه من حيِّز الصحيح، بل هي موصولة من جهات صحيحة، لا سيما ما

стр. 35

كان منها مذكورا على وجه المتابعة، ففي نفس الكتاب وصلها، فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث، كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء؛ اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات، على ما سنرويه عنه فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأذكر في آخر المسائل فيما يتعلّق بهذه الأحاديث المنقطعة ما كتبه العلامة رشيد الدين العطّار المتوفّى سنة (٦٦٢) رحمه الله تعالى في رسالته "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة"، إن شاء الله تعالى. قال أبو عمرو: وهكذا الأمر في تعليقات البخاري، بألفاظ مثبتة، جازمة، على الصفة التي ذكرناها، كمثل ما قال فيه: قال فلان، أو رَوَى فلان، أو ذكر فلان، أو نحو ذلك، ولم يُصِب أبو محمد بن حزم الظاهري، حيث جعل مثل ذلك انقطاعا، قادحا في الصحة، مُستروحا إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد، في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث، مجيبا به عن حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله ﷺ : "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير، والخمر، والمعازف ... " إلى آخر الحديث، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري، فهو غير صحيح؛ لأن البخاري قال فيه: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام. وهذا خطأ من وجوه: [أحدها]: أنه لا انقطاع في هذا أصلًا، من جهة أن البخاري لقي هشاما، وسمع منه، وقد قررنا في كتاب "معرفة علوم الحديث" أنه إذا تحقق اللقاء والسماع، مع السلامة من التدليس، حُمِل ما يرويه عنه على السماع، بأي لفظ كان، كما يُحْمَل قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ على سماعه منه، إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير "قال" من الألفاظ. [الثاني]: إن هذا الحديث بعينه معروف الإتصال بصريح لفظه، من غير جهة البخاري. [الثالث]: أنه وإن كان ذلك انقطاعا، فمثل ذلك في الكتابين غير ملتحق بالإنقطاع القادح؛ لما عُرِف من عادتهما، وشرطهما، وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور، من غير ثَبَث وثبوت، بخلاف الإنقطاع، والإرسال الصادرين من غيرهما، هذا كله في المعلّق بلفظ الجزم. وأما إذا لم يكن ذلك من الشيخين بلفظ جازم، مثبت له على ما ذكراه عنه، على الصفة التي قدمتُ ذكرها، مثل أن يقولا: ورُوي عن فلان، أو ذُكر عن فلان، أو في الباب عن فلان، ونحو ذلك، فليس ذلك في حكم التعليق، الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإيرادهما له. وأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذُكِر عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم"، فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك

стр. 36

عن عائشة، غير مقتض كونه مما حَكَم بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد، يقتضي كونه مما حَكَم بصحته، ومع ذلك قد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه "معرفة علوم الحديث" بصحته، وأخرجه أبو داود في "سننه" بإسناده منفردا به، وذَكَر أن الراوي له عن عائشة، ميمون بن أبي شبيب لم يدركها، وفيما قاله أبو داود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة ﵂، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي، كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون هذا أنه قال: لم ألق عائشة، أو نحو هذا، لاستقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١). وقال النوويّ بعدما ذكر كلام ابن الصلاح هذا: وحديث عائشة هذا قد رواه البزّار في "مسنده"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي البحث فيه مستوفىً عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في أن ما حكم الشيخان بصحّته، هل يفيد العلم، أو الظنّ ؟ قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يُعْتَدُّ بخلافه ووفاقه في الإجماع، والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول، يوجب العلم النظري بصدقه، خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك، بناء على أنه لا يفيد في حق كل واحد منهم إلا الظن، وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطىء، وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطإ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، وقد أخبرونا في إذنهم عن الحافظ الفقيه، أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني ﵀، قال: سمعت القاضي أبا حكيم الجيلي يقول: سمعت أبا المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني بنيسابور يقول: لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم، مما حكما

стр. 37

بصحته، من قول النبي ﷺ ، لما ألزمته الطلاق، ولا حَنَّثْتُهُ؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. قال أبو عمرو: ولقائل أن يقول في قوله: ولا حنثته؛ للإجماع على صحتهما: إنه لا يحنث ولو لم يُجْمَع على صحتهما؛ لأجل الشك فيه، حتى لو حلف بذلك في حديث ليس بهذه الصفة، فإنه لا يحنث؛ لذلك، وإن كان راويه فاسقا، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع. فأقول: المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا، والثابت عند الشك، وعدمِ الإجماع هو الحكم ظاهرا بعدم الحنث، مع احتمال وجوده في الباطن، فعلى هذا ينبغي أن يُحمَل كلام إمام الحرمين، فإنه اللائق بتحقيقه. والله أعلم. إذا عرفت هذا فما أُخذ على البخاري ومسلم من ذلك وقَدَح فيه مُعْتَمَدٌ من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة. انتهى كلام أبي عمرو (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي بيان الخلاف في عدد تلك الأحاديث، والجواب عنها قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. وقال أبو عمرو أيضًا في "جزء له": ما اتّفق عليه البخاريّ ومسلم على إخراجه، فهو مقطوع بصدق مخبِره، ثابتٌ يقينًا؛ لتلقّي الأمة ذلك بالقبول، وذلك يُفيد العلم النظريّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروريّ، وتلقّي الأمة بالقبول يُفيد العلم النظريّ، وقد اتّفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته، فهو حقّ وصدق. وقال في "علوم الحديث": وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون، وأحسبه مذهبا قويا، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك، وأن الصواب أنه يفيد العلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب النوويّ كلام ابن الصلاح المذكور، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث "الصحيحين" التي ليست بمتواترة، إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد

стр. 38

التي في غيرهما يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا "الصحيحان"، وإنما يفترق "الصحيحان" وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا، لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى يُنظَر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ . وقد اشتد إنكار ابن بَرْهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغليطه، وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، وقال: إن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحّته، قال: وهو مذهب رديء (١). قال: وأما ما قاله الشيخ ﵀ في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث، فهو بناء على ما اختاره الشيخ، وأما على مذهب الأكثرين، فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا، ولا يستحب له التزام الحنث، حتى تُستحبَّ له الرجعة، كما لو حلف بمثل ذلك في غير "الصحيحين"، فإنا لا نُحَنِّثه، لكن نَستَحِبّ له الرجعة احتياطا؛ لاحتمال الحنث، وهو احتمالٌ ظاهر، وأما "الصحيحان" فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف، فلا تستحب له المراجعة؛ لضعف احتمال موجبها. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب النوويّ ما قاله أبو عمرو بن الصلاح، ودعواه أن المحققين على خلافه، فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأكثرين المحقّقين الذين أعطوا المسألة حقّها من البحث مع ابن الصلاح، بل كلّ حديث توفّرت فيه شروط الصحّة، وانتفت عنه العلل له هذا الحكم، فهو يفيد العلم، لا الظنّ، وهذا هو الحقّ الأبلج، والطريق الأبهج، كما سنحقّقه، إن شاء الله تعالى. قال في "التدريب": قال البلقيني ما قاله النووي، وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين، مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في "صفة التصوف"، فألحق به ما كان على شرطهما، وإن لم يخرجاه. وقال

стр. 39

الحافظ: ما ذكره النووي في "شرح مسلم" من جهة الأكثرين (١)، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضًا محققون. وقال في "شرح النخبة": الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احْتَفّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم، من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بَين مدلوليه، حيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. قال: ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهم أصح الصحيح. قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلم الأستاذ أبو منصور البغدادي. قال: ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ، حيث لا يكون غريبا، كحديثٍ يرويه أحمد مثلا، ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالإستدلال، من جهة جلالة رواته. قال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكونُ غيره لا يحصل له العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوّل عليه، وأرشد إليه، قال السيوطيّ: وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بإفادة خبر الواحد المستجمع لشروط الصحّة ولا سيما إذا احتفّ بالقرائن العلمَ، لا الظنَّ هو الحقّ، كما اختاره ابن الصلاح، وابن كثير، والسيوطيّ بالنسبة لما في "الصحيحين"، وكما اختاره المحقّقون الآخرون بالنسبة إلى أحاديث غيرهما، ومنهم أبو المظفّر السمعانيّ، والإمام ابن تيمية،

стр. 40

وتلميذه ابن القيّم، وأحمد محمد شاكر من المتأخرين (١)، بل نقله وحقّقه إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتابه "الإنتصار" عن عامة أهل الحديث، والمحقّقين، وقد أطال النفس ابن القيّم في كتابه "الصواعق المرسلة" في تأييد هذا المذهب، وذكر له نحو أَحَدٍ وعشرين دليلًا، وسيأتي نقل ذلك في أواخر هذا الشرح، عند قول المصنّف ﵀: "أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل" -إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في الأحاديث المنتقدة على الشيخين: اعلم: أن الشيخ ابن الصلاح استثنى من المقطوع بصحته في "الصحيحين" ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرف يسيرة تَكَلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وقد اختُلف في عددها، فقال النوويّ في "شرح مسلم" ١/ ٢٧: إنها مائتا حديث، وذكر الحافظ السِّلَفيّ أنها مائتان وسبعة أحاديث، وذكر البقاعيّ عن الحافظ ابن حجر أنها مائتان، وعشرة أحاديث، اشتركا في (٣٢) واختصّ البخاريّ بـ (٧٨) ومسلم بـ (١٠٠). وذكر الشيخ ربيع بن هادي في رسالته "بين الإمامين مسلم والدارقطني" ص ٢٨ أن ما في مسلم (٩٥) حديثًا، والباقي إما منسوب إليه غلطًا، وهما حديثان، وإما جاء مكرّرًا، وهو خمسة أحاديث. راجع ما كتبه في الرسالة المذكورة ص ٢٨ - ٢٩. قال النوويّ في "شرح البخاري": ما ضُعِّف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة. قال الحافظ: فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف، وكلامه في شرح مسلم يقتضي تقرير قول من ضَعَّفَ، فكأن هذا بالنسبة إلى مقامهما، وأنه يدفع عن البخاري، ويقرر على مسلم، قال العراقي: وقد أفردت كتابا لما تكلم فيه في "الصحيحين"، أو أحدهما مع الجواب عنه، قال الحافظ: ولم يُبَيَّض هذا الكتابُ وعُدِمت مُسَوَّدته، وقد سرد الحافظ ما في البخاري من الأحاديث المتكلم فيها في "مقدمة شرحه"، وأجاب عنها حديثا حديثا. قال الحافظ السيوطيّ: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أُبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه
следующие страницы →