عن عائشة، غير مقتض كونه مما حَكَم بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد، يقتضي كونه مما حَكَم بصحته، ومع ذلك قد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه "معرفة علوم الحديث" بصحته، وأخرجه أبو داود في "سننه" بإسناده منفردا به، وذَكَر أن الراوي له عن عائشة، ميمون بن أبي شبيب لم يدركها، وفيما قاله أبو داود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة ﵂، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي، كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون هذا أنه قال: لم ألق عائشة، أو نحو هذا، لاستقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١).
وقال النوويّ بعدما ذكر كلام ابن الصلاح هذا: وحديث عائشة هذا قد رواه البزّار في "مسنده"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي البحث فيه مستوفىً عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في أن ما حكم الشيخان بصحّته، هل يفيد العلم، أو الظنّ ؟
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يُعْتَدُّ بخلافه ووفاقه في الإجماع، والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول، يوجب العلم النظري بصدقه، خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك، بناء على أنه لا يفيد في حق كل واحد منهم إلا الظن، وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطىء، وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطإ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، وقد أخبرونا في إذنهم عن الحافظ الفقيه، أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني ﵀، قال: سمعت القاضي أبا حكيم الجيلي يقول: سمعت أبا المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني بنيسابور يقول: لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم، مما حكما
стр. 37
بصحته، من قول النبي ﷺ ، لما ألزمته الطلاق، ولا حَنَّثْتُهُ؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما.
قال أبو عمرو: ولقائل أن يقول في قوله: ولا حنثته؛ للإجماع على صحتهما: إنه لا يحنث ولو لم يُجْمَع على صحتهما؛ لأجل الشك فيه، حتى لو حلف بذلك في حديث ليس بهذه الصفة، فإنه لا يحنث؛ لذلك، وإن كان راويه فاسقا، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع.
فأقول: المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا، والثابت عند الشك، وعدمِ الإجماع هو الحكم ظاهرا بعدم الحنث، مع احتمال وجوده في الباطن، فعلى هذا ينبغي أن يُحمَل كلام إمام الحرمين، فإنه اللائق بتحقيقه. والله أعلم.
إذا عرفت هذا فما أُخذ على البخاري ومسلم من ذلك وقَدَح فيه مُعْتَمَدٌ من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة. انتهى كلام أبي عمرو (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي بيان الخلاف في عدد تلك الأحاديث، والجواب عنها قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقال أبو عمرو أيضًا في "جزء له": ما اتّفق عليه البخاريّ ومسلم على إخراجه، فهو مقطوع بصدق مخبِره، ثابتٌ يقينًا؛ لتلقّي الأمة ذلك بالقبول، وذلك يُفيد العلم النظريّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروريّ، وتلقّي الأمة بالقبول يُفيد العلم النظريّ، وقد اتّفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته، فهو حقّ وصدق.
وقال في "علوم الحديث": وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون، وأحسبه مذهبا قويا، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك، وأن الصواب أنه يفيد العلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب النوويّ كلام ابن الصلاح المذكور، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث "الصحيحين" التي ليست بمتواترة، إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد
стр. 38
التي في غيرهما يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا "الصحيحان"، وإنما يفترق "الصحيحان" وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا، لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى يُنظَر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ . وقد اشتد إنكار ابن بَرْهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغليطه، وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، وقال: إن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحّته، قال: وهو مذهب رديء (١).
قال: وأما ما قاله الشيخ ﵀ في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث، فهو بناء على ما اختاره الشيخ، وأما على مذهب الأكثرين، فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا، ولا يستحب له التزام الحنث، حتى تُستحبَّ له الرجعة، كما لو حلف بمثل ذلك في غير "الصحيحين"، فإنا لا نُحَنِّثه، لكن نَستَحِبّ له الرجعة احتياطا؛ لاحتمال الحنث، وهو احتمالٌ ظاهر، وأما "الصحيحان" فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف، فلا تستحب له المراجعة؛ لضعف احتمال موجبها. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب النوويّ ما قاله أبو عمرو بن الصلاح، ودعواه أن المحققين على خلافه، فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأكثرين المحقّقين الذين أعطوا المسألة حقّها من البحث مع ابن الصلاح، بل كلّ حديث توفّرت فيه شروط الصحّة، وانتفت عنه العلل له هذا الحكم، فهو يفيد العلم، لا الظنّ، وهذا هو الحقّ الأبلج، والطريق الأبهج، كما سنحقّقه، إن شاء الله تعالى.
قال في "التدريب": قال البلقيني ما قاله النووي، وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين، مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في "صفة التصوف"، فألحق به ما كان على شرطهما، وإن لم يخرجاه. وقال
стр. 39
الحافظ: ما ذكره النووي في "شرح مسلم" من جهة الأكثرين (١)، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضًا محققون. وقال في "شرح النخبة": الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احْتَفّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم، من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بَين مدلوليه، حيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. قال: ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهم أصح الصحيح. قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلم الأستاذ أبو منصور البغدادي. قال: ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ، حيث لا يكون غريبا، كحديثٍ يرويه أحمد مثلا، ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالإستدلال، من جهة جلالة رواته.
قال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكونُ غيره لا يحصل له العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور.
وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوّل عليه، وأرشد إليه، قال السيوطيّ: وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بإفادة خبر الواحد المستجمع لشروط الصحّة ولا سيما إذا احتفّ بالقرائن العلمَ، لا الظنَّ هو الحقّ، كما اختاره ابن الصلاح، وابن كثير، والسيوطيّ بالنسبة لما في "الصحيحين"، وكما اختاره المحقّقون الآخرون بالنسبة إلى أحاديث غيرهما، ومنهم أبو المظفّر السمعانيّ، والإمام ابن تيمية،
стр. 40
وتلميذه ابن القيّم، وأحمد محمد شاكر من المتأخرين (١)، بل نقله وحقّقه إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتابه "الإنتصار" عن عامة أهل الحديث، والمحقّقين، وقد أطال النفس ابن القيّم في كتابه "الصواعق المرسلة" في تأييد هذا المذهب، وذكر له نحو أَحَدٍ وعشرين دليلًا، وسيأتي نقل ذلك في أواخر هذا الشرح، عند قول المصنّف ﵀: "أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل" -إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في الأحاديث المنتقدة على الشيخين:
اعلم: أن الشيخ ابن الصلاح استثنى من المقطوع بصحته في "الصحيحين" ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرف يسيرة تَكَلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وقد اختُلف في عددها، فقال النوويّ في "شرح مسلم" ١/ ٢٧: إنها مائتا حديث، وذكر الحافظ السِّلَفيّ أنها مائتان وسبعة أحاديث، وذكر البقاعيّ عن الحافظ ابن حجر أنها مائتان، وعشرة أحاديث، اشتركا في (٣٢) واختصّ البخاريّ بـ (٧٨) ومسلم بـ (١٠٠).
وذكر الشيخ ربيع بن هادي في رسالته "بين الإمامين مسلم والدارقطني" ص ٢٨ أن ما في مسلم (٩٥) حديثًا، والباقي إما منسوب إليه غلطًا، وهما حديثان، وإما جاء مكرّرًا، وهو خمسة أحاديث. راجع ما كتبه في الرسالة المذكورة ص ٢٨ - ٢٩.
قال النوويّ في "شرح البخاري": ما ضُعِّف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة. قال الحافظ: فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف، وكلامه في شرح مسلم يقتضي تقرير قول من ضَعَّفَ، فكأن هذا بالنسبة إلى مقامهما، وأنه يدفع عن البخاري، ويقرر على مسلم، قال العراقي: وقد أفردت كتابا لما تكلم فيه في "الصحيحين"، أو أحدهما مع الجواب عنه، قال الحافظ: ولم يُبَيَّض هذا الكتابُ وعُدِمت مُسَوَّدته، وقد سرد الحافظ ما في البخاري من الأحاديث المتكلم فيها في "مقدمة شرحه"، وأجاب عنها حديثا حديثا. قال الحافظ السيوطيّ: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أُبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه
стр. 41
وجادة، وهي في حكم الإنقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه، والجواب عنها حديثا حديثا.
قال الجامع: سيأتي نقل ما كتبه الرشيد العطار نصّا، إن شاء الله تعالى.
ونلخّص هنا ما ذُكر من الجواب الشامل الذي لا يختص بحديث دون حديث:
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "هدي الساري مقدمة فتح الباري": الجواب من حيث الإجمال عما انتُقِد عليهما أنه لا ريب في تقدم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده، من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والعلل، فإنهم لا يختلفون أن ابن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول: ما رأى مثل نفسه. وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد ذلك منه الشيخان جميعا. وقال مسلم: عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي، فما أشار أن له علة تركته.
فإذا عُرِف ذلك، وتقرّر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون قوله معارِضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الإعتراض من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل، فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما ستة أقسام:
الأول: ما يختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب "الصحيح" الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع ضعيف، والضعيف لا يُعِلُّ الصحيح.
ومن أمثلة ذلك: ما أخرجاه من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرين، قال الدارقطني في انتقاده: قد خالف منصور، فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس، قال: وحديث الأعمش أصح.
قال الحافظ: وهذا في التحقيق ليس بعلة، فإن مجاهدا لم يوصف بالتدليس، وقد صح سماعه من ابن عباس، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش، والأعمش أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متصلًا، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا.
стр. 42
وإن أخرج صاحب "الصحيح" الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالمزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس، قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا، أو صرح بالسماع، إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك، اندفع الإعتراض بذلك، وإن لم يوجد، وكان الإنقطاع فيه ظاهرا، فمحصل الجواب عن صاحب "الصحيح" أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ، وعاضد، أو ما حَفَّته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع.
مثاله: ما رواه البخاري من حديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال لها: "إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون ... " الحديث. قال الدارقطني. هذا منقطع، وقد وصله حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، ووصله مالك في "الموطإ" عن أبي الأسود، عن عروة كذلك. قال الحافظ: حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان، وقد وقع في رواية الأصيلي: عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولا، وعليها اعتمد المزي في "الأطراف"، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب، قال أبو علي الجياني: وهو صحيح، وكذا أخرجه الإسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان، ومحاضر، وحسان بن إبراهيم، كلهم عن هشام، وهو المحفوظ من حديثه، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها، حاكيا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أن سماع عروة، من أم سلمة ليس بالمستبعد.
قال: وربما عَلَّل بعض النقاد أحاديث ادَّعَى فيها الإنقطاع؛ لكونها مروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الإنقطاع، عند من يسوغ ذلك، بل في تخريج صاحب "الصحيح" لمثل ذلك دليل على صحته عنده.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.
والجواب عنه: أنه إن أمكن الجمع، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين، في الحفظ والعدد، أو متفاوتين، فيخرج الطريقة الراجحة، ويُعرض عن المرجوحة، أو يشير إليها، فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الإختلاف غير قادح، إذ لا يلزم من مجرد الإختلاف اضطرابٌ يوجب الضعف.
стр. 43
الثالث: ما تفرد فيه بعض الرواة بزيادة، لم يذكرها أكثر منه، أو أضبط، وهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية، بحيث يتعذر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقل، إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض رواته، فهو مؤثر.
الرابع: ما تفرد به بعض الرواة، ممن ضُعّف، وليس في "الصحيح" من هذا القبيل، غير حديثين، تبين أن كلا منهما قد توبع:
[أحدهما]: حديث إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: "أن عمر استعمل مولى له يُدْعَى هُنيّا على الحمى ... " الحديث بطوله. قال الدارقطني: إسماعيل ضعيف. قال الحافظ: ولم ينفرد به، بل تابعه معن بن عيسى عن مالك، ثم إن إسماعيل ضعفه النسائي وغيره، وقال أحمد وابن معين في رواية: لا بأس به. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وإن كان مغفلا. وقد صح أنه أخرج للبخاري أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وأخرج له مسلم أقل مما أخرج له البخاري.
[ثانيهما]: حديث أُبَيّ بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: "كان للنبي ﷺ فرس، يقال له: اللَّحِيف" (١). قال الدارقطني: أُبَيّ ضعيف. قال الحافظ: تابعه عليه أخوه عبد المهيمن.
القسم الخامس: ما حُكِم فيه على بعض الرواة بالوهم، فمنه ما لا يؤثر قدحا، ومنه ما يؤثّر.
السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع، أو الترجيح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢). وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في ذكر ما امتاز به صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى
قال النوويّ رحمه الله تعالى: سلك مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" طرقا بالغة في الإحتياط، والإتقان، والورع، والمعرفة، وذلك مُصَرِّح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه بحفظه، وتقعدده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع
стр. 44
معارفه، وتبريزه في صناعته، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه، لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار، فرحمه الله ورضي عنه، وأنا أذكر أحرفا من أمثلة ذلك، تنبيها بها على ما سواها، إذ لا يَعْرِف حقيقةَ حاله إلا من أحسن النظر في كتابه، مع كمال أهليته، ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة، كالفقه، والأصولين، والعربية، وأسماء الرجال، ودقائق علم الأسانيد، والتاريخ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة، ومباحثتهم، ومع حسن الفكر، ونباهة الذهن، ومداومة الإشتغال به، وغير ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها.
فمن تحري مسلم رحمه الله تعالى اعتناؤه بالتمييز بين "حدثنا"، و"أخبرنا"، وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته، وكان من مذهبه رحمه الله تعالى الفرق بينهما، وأن "حدثنا" لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و"أخبرنا" لما قرىء على الشيخ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه، وجمهور أهل العلم بالمشرق، قال محمد بن الحسن الجوهري المصري: وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث، الذين لا يحصيهم أحد، ورُوي هذا المذهب أيضًا عن ابن جريج، والأوزاعي، وابن وهب، والنسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.
وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن تقول فيما قرىء على الشيخ: حدثنا، وأخبرنا، وهو مذهب الزهريّ، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وآخرين من المتقدمين، وهو مذهب البخاريّ، وجماعة من المحدثين، وهو مذهب معظم الحجازيين، والكوفيين.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق "حدثنا" ولا "أخبرنا" فى القراءة، وهو مذهب ابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، والمشهور عن النسائي. والله تعالى أعلم.
[تنبيه مهم] يتعلّق بهذه القاعدة:
قال أبو عبد الله الحاكم: الذي أختاره أنا في الرواية، وعَهِدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري، أن يقول الراوي فيما سمعه وحده، من لفظ الشيخ: حدثني بالإفراد، وفيما سمعه منه مع غيره: حدثنا بالجمع، وما قرأ عليه بنفسه: أخبرني، وما قُرئ على المحدث بحضرته: أخبرنا. ورُوي نحوُه عن عبد الله بن وهب، صاحب مالك، رَوَى الترمذي عنه في "العلل"، قال: ما قلتُ: "حدثنا" فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت "حدثني" هو ما سمعت وحدي، وما قلت: "أخبرنا" فهو ما قرئ على
стр. 45
العالم، وأنا شاهد، وما قلت: "أخبرني" فهو ما قَرأت على العالم. ورواه البيهقي في "المدخل" عن سعيد بن أبي مريم، وقال: عليه أدركت مشايخنا، وهو قول الشافعي، وأحمد. قال ابن الصلاح: وهو حسن رائق. قال العراقي: وفي كلامهما أن القارئ يقول: أخبرني، سواء سمعه معه غيره أم لا. وقال ابن دقيق العيد في "الإقتراح": إن كان معه غيره قال: أخبرنا، فَسَوَّى بين مسألتي التحديث والإخبار. قال السيوطيّ: الأول أولى؛ ليتميز ما قرأه بنفسه، وما سمعه بقراءة غيره.
فإن شك الراوي هل كان وحده حالة التحمل، فالأظهر أن يقول: حدثني، أو يقول: أخبرني، لا حدثنا، وأخبرنا؛ لأن الأصل عدم غيره.
وكل هذا مستحب باتفاق العلماء، لا واجب، ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا، أو عكسه في الكتب المؤلفة، وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف، لا في نفس ذلك التصنيف بأن يغير، ولا فيما يُنقل منه إلى الأجزاء والتخاريج، وما سمعتَه من لفظ المحدث فإبداله على الخلاف في الرواية بالمعنى، فإن جوزناها جاز الإبدال، إن كان قائله يرى التسوية بينهما، ويُجَوِّز إطلاق كليهما بمعنى، وإلا فلا يَجُوز إبدال ما وقع منه، ومنع الإمام أحمد بن حنبل الإبدال جزما (١).
وإلى ما تقدّم أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الأثر"، حيث قال:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" ... وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" ... وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ ... أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدْ
وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلَا ... مِنْ لَفْظ شَيْخٍ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلَا
"أَخْبَرَ" بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ بَلَى ... يَجُوزُ إِن سَوَّى وَقِيلَ حُظِلَا
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة، كقوله: حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، قال: أو قالا: حدثنا فلان، وكما إذا كان بينهما اختلاف فى حرف من متن الحديث، أو صفة الراوي، أو نسبه، أو نحو ذلك، فإنه يبينه، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان في بعضه اختلاف فى المعنى، ولكن كان خفيا، لا يَتَفَطَّن له إلا ماهر في العلوم التي ذكرتها فى أول الفصل، مع اطلاع على دقائق الفقه، ومذاهب الفقهاء.
стр. 46
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه النوويّ هنا قد أوضحه في "التدريب"، ودونك عبارته.
قال: إذا كان الحديث عنده عن اثنين، أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو هذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، ولمسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" عبارة حسنة، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشجّ، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره حيث أعاده ثانيًا أن اللفظ لأبي بكر، قال العراقي: ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن الأشج لم يصرح. فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه، بل أتى ببعض لفظ هذا، وبعض لفظ الآخر، فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، أو والمعنى واحد، قالا: حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، دون ما إذا لم يجوزها. قال ابن الصلاح. وقول أبي داود. حدثنا مسدد، وأبو توبة المعنى، قالا: حدثنا أبو الأحوص، يحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه عنهما بالمعنى، قال: وهذا الإحتمال يقرب في قول مسلم: المعنى واحد. فإن لم يقل: "وتقاربا في اللفظ"، فلا بأس به، على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به البخاري وغيره.
وإذا سمع من جماعة كتابا مصنفا، فقابل نسخته بأصل بعضهم دون الباقي، ثم رواه عنهم كلهم، وقال: اللفظ لفلان المقابَلِ بأصله، فيحتمل جوازه كالأول؛ لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن يذكر أنه بلفظه، ويحتمل منعه؛ لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين، حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق، فإنه اطلع فيه على موافقة المعنى، قاله ابن الصلاح، وحكاه أيضًا العراقي، ولم يرجح شيئا من الإحتمالين. وقال البدر بن جماعة في "المنهل الرَّوِيّ": يحتمل تفصيلا آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز، وإن كان تفاوتها في ألفاظ، أو لغات، أو اختلاف ضبط جاز. انتهى (١).
وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الأثر" حيث قال:
وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ ... تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
стр. 47
مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ ... يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ ... وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ ... مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ومن ذلك تحريه فى رواية صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة، كقوله: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم، فليستنشق ... " الحديث. وذلك لأن الصحائف، والأجزاء، والكتب المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإسناد فى أولها، ولم يُجَدِّد عند كل حديث منها، وأراد إنسان ممن سمع كذلك، أن يُفرد حديثًا منها غير الأول بالإسناد المذكور فى أولها، فهل يجوز له ذلك، قال وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيليِّ الشافعي الإمام في الحديث، والفقه، والأصول: يجوز ذلك، وهذا مذهب الأكثرين من العلماء؛ لأن الجميع معطوف على الأول، فالإسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ الفقيه الشافعي، الإمام في علم الأصولين، والفقه، وغير ذلك: لا يجوز ذلك، فعلى هذا من سمع هكذا، فطريقه أن يُبَيِّن ذلك، كما فعله مسلم، فمسلم رحمه الله تعالى سلك هذا الطريق ورعًا، واحتياطًا، وتحريا، وإتقانًا، رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ في هذه المسألة بإيضاح: أن النسخ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبه، عن أبي هريرة، روايةِ عبد الرزاق، عن معمر، عنه، من المحدثين من يُجَدّد الإسناد، فيذكره أول كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم، ومنهم من يكتفي به في أول حديث منها، أو أول كل مجلس من سماعها، ويُدْرِج الباقي عليه، قائلا -في كل حديث بعد الحديث الأول-: "وبالإسناد"، أو "وبه"، وهو الأغلب الأكثر، فمن سمع هكذا، فأراد رواية غير الأول مفردا عنه بإسناد، جاز له ذلك عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن معين، والإسماعيلي؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب، بإسناده المذكور في أوله، ومنعه بعض أهل الحديث، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، رأوا ذلك تدليسًا، فعلى هذا طريقه أن يبين، ويَحْكِي ذلك، وهو على الأول أحسن، كقول مسلم في الرواية من نسخة همام: حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبد
стр. 48
الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول ﷺ (١): "إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة ... " الحديث، واطرد لمسلم ذلك، وكذا فعله كثير من المؤلفين، وأما البخاري، فإنه لم يسلك قاعدة مطردة، فتارة يذكر أول حديث في النسخة، ويعطف عليه الحديث الذي يُساق الإسناد لأجله، كقوله في "الطهارة": حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون"، وقال ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ... " الحديث، فأشكل على قوم ذكره: "نحن الآخرون السابقون" في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه. وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كِلا الأمرين جائز.
وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب، أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يمنع إفراد كل حديث بذلك الإسناد عند روايتها؛ لكونه لا يقع متصلا بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، ويتضمن إجازة بالغة، من أعلى أنواعها، ويفيد سماعه لمن لا يسمعه أَوّلًا (٢).
وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "نظم الدُّرَر"، حيث قال:
وَنُسَخٌ إِسْنَادُهَا قَدِ اتَّحَدْ ... نَدْبًا أَعِدْ فِي كُلِّ مَتْنٍ فِي الأَسَدْ
لَا وَاجِبًا وَالْبَدْءُ فِي أَغْلَبِهِ ... بِهِ وَبَاقٍ أَدْرَجُوا معْ "وَبِهِ"
وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ ... مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ
وَالْمَيْزُ أَوْلَى وَالَّذِي يُعِيدُ ... فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفِيدُ
قال (٣): ومن ذلك تحريه في مثل قوله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعنى ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد- فلم يستجز رحمه الله تعالى أن يقول: سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبًا، فلو قاله منسوبًا لكان مخبرا عن شيخه أنه أخبره بنسبه، ولم يخبره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذه المسألة بإيضاح، أنه ليس للراوي أن
стр. 49
يزيد في نسب غير شيخه من رجال الإسناد، ولا صفته على ما سمعه من شيخه؛ لئلا يكون كاذبا على شيخه، فإن أراد تعريفه، وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه لمشابهة غيره، فطريقه أن يقول: قال: حدثني فلان، يعني ابن فلان، أو الفلانيّ، أو هو ابن فلان، أو الفلانيّ، أو نحو ذلك، فهذا جائز حسن، قد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاريّ ومسلم منه في "الصحيحين" غاية الإكثار، حتى إن كثيرا من أسانيدهم يقع في الإسناد الواحد منها موضعان، أو أكثر من هذا الضرب، كقوله في أول كتاب البخاريّ في "باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده": قال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابن أبي هند- عن عامر، قال: سمعت عبد الله -هو ابن عمرو-. وكقوله فى كتاب مسلم في "باب منع النساء من الخروج إلى المساجد": حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد-، ونظائره كثيرة، وإنما يقصدون بهذا الإيضاح كما ذكرنا أَوّلًا، فإنه لو قال: حدثنا داود، أو عبد الله، لم يعرف مَن هو؟ ؛ لكثرة المشاركين فى هذا الإسم، ولا يَعْرِف ذلك فى بعض المواطن إلا الخواص، والعارفون بهذه الصنعة، وبمراتب الرجال، فأوضحوه لغيرهم، وخففوا عنهم مؤونة النظر والتفتيش. ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه" (١).
وهذا كلّه فيما إذا لم يذكره الشيخ بنسبه أو نحوه في أول حديث الكتاب، أما إذا ذكره بتمامه في أول حديثه، ثم اقتصر في باقي الأحاديث، على اسمه، أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الحديث الأول، مستوفيا نسب شيخ شيخه. وعن بعضهم أن الأولى فيه أيضًا أن يقول: يعني ابن فلان. وعن علي بن المديني وغيره، كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ، أنه يقول: حدثني شيخي أن فلان ابن فلان حدثه. وعن بعضهم أنه يقول: أنا فلان، هو ابن فلان، واستحب هذا الأخير الخطيب؛ لأن لفظة "أن" استعملهما قوم في الإجازة. قال ابن الصلاح: وكله جائز، وأولاه أن يقول: هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان، ثم قوله: أن فلان ابن فلان، ثم أن يذكره بكماله، من غير فصل. ذكره في "التدريب" (٢).
وهذا الفصل -كما قال النوويّ- نفيس يعظم الإنتفاع به، فإن من لا يعاني هذا الفن، قد يتوهم أن قوله: "يعني"، وقوله: "هو"، ونحو ذلك زيادة لا حاجة إليها، وأن الأَوْلى حذفها، وهذا جهل قبيح. (٣).
وإلى ما تقدّم أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيته"، حيث قال:
стр. 50
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ ... فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ "أَنَّ" أَوْ بِـ "هُو" ... أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ ... وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
قال النووي: ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق، وتحويل الأسانيد، مع إيجاز العبارة، وكمال حسنها. ومن ذلك حسن ترتيبه، وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه، وكمال معرفته. بمواقع الخطاب، ودقائق العلم، وأصول القواعد، وخفيات علم الأسانيد، ومراتب الرواة، وغير ذلك. انتهى كلام النووي ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في تراجم الكتاب
اعلم: أنه ليس في "صحيح مسلم" بعد المقدّمة إلا الحديث السرد، وما يوجد في نسخه من الأبواب مترجمة، فليس من صنع المؤلّف، وإنما صنعه جماعة بعده من نُسّاخه، أو شُرّاحه، وأهمّهم الإمام النوويّ، وكانوا يضعونها على حاشيته. قاله الشيخ أحيد شاكر رحمهُ اللهُ تعالى (١).
هذا كله بالنسبة للأبواب التفصيليّة، وأما أسماء الكتب فإنها من وضع المصنّف، ولذا نجد لها ذكرًا في كتب الأقدمين، كما صرّح بذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ ابن منجويه الأصفهانيّ المتوفّى سنة (٤٢٨) في كتابه "رجال صحيح مسلم" بأسماء الكتب التي في "الصحيح"، وتبعه على ذلك ابن القيسرانيّ المتوفّى سنة (٥٠٧) في "الجمع بين رجال الصحيحين". والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أساء في هذا الصنيع بعض من نسخ الكتاب، ومنهم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، حيث أدخل التراجم في صلب الكتاب، فأوهم القارىء أنه من صنيع المصنّف، فبئسما صنع، فليُتنبّه لهذا الخطأ. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وكان الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى يرى أن يُترك الكتاب بلا تبويب، حيث قال: وكان الصواب ترك ذلك، ولهذا نجد النسخ القديمة ليس فيها أبواب البتّة، كنسخة بخطّ أبي إسحاق الصريفينيّ كذلك لا أبواب فيها أصلًا. انتهى (٢).
وقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى ما نصُّهُ: ثم إن مسلما ﵀ وإيانا- رتب كتابه على الأبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر فيه تراجم الأبواب؛ لئلا يزداد
стр. 51
بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. انتهى (١).
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا إن شاء الله تعالى أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثم إن النوويّ مع أنه ادّعى أنه يعبّر بعبارات تليق بها إلا أنه لم يسلم من الانتقاد، فقد وُجد في صنيعه ما هو غير لائق، كما حرّره بعض الأفاضل (٢)، فقد فصل القدر عن الإيمان، وفصل المنافقين عن الإيمان، وجعل أحاديث الآداب في عدد من الكتب، فعنده كتاب الأدب، ثم كتاب السلام، وهو من الآداب، ثم كتاب البرّ والصلة، والآداب.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى: واعلم أن مسلمًا رحمهُ اللهُ تعالى ذكر في "صحيحه" كتاب الأدب، ثم الرؤيا، ثم المناقب، ثم البر والصلة، وإن الحافظ المزّيّ يعزو جميع ما في البرّ للأدب، مع أنهما منفصلان، بينهما الرؤيا، والمناقب، وكأن المزّيّ يرى أن مسلمًا كرّر الأدب في موضعين، وكان ينبغي له أن يقول: في الأدب الأول، والأدب الثاني؛ ليميّز بينهما. انتهى (٣).
ومما يُنتقد على النوويّ أنه ترجم لحديث وائل بن حجر ﵁ بقوله: "باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره، فوق سرته، ووضعها في السجود على الأرض حذو منكبيه". ولا يوجد في الحديث الذي ساقه في "الصحيح" ما يدلّ على قوله: "تحت الصدر، وفوق السرّة"، بل هذا سرى له ما ثبت في مذهبه من العمل بهذا، مع أنه ثبت في نفس الحديث خارج الصحيح ما يخالف هذا، حيث قال: "على الصدر"، ومثل هذا كثير جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: في عدد أحاديث الكتاب
قال الحسين بن محمد الماسرجسيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول: صنّفت هذا "المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال تلميذه الملازم له أحمد بن سلمة رحمهُ اللهُ تعالى: كنت مع مسلم في تأليف "صحيحه" خمس عشرة سنة.
стр. 52
قال: وهو اثنا عشر ألف حديث. قال الحافظ الذهبيّ: يعني بالمكرّر، بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رُمح يُعدّان حديثين، اتفق لفظهيا، أو اختلف في كلمة. انتهى (١). قال الزركشيّ: ولعلّ هذا أقرب (٢).
وقال الميانجيّ في عدد أحاديث "الصحيح": واشتمل كتابه -رحمهُ اللهُ تعالى- على ثمانية آلاف حديث. انتهى (٣).
وقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: روينا عن أبي قريش الحافظ، قال: كنت عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة، وتذاكرا، فلما قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، قال أبو زرعة: فلمن ترك الباقي. قال الشيخ. أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول، دون المكررات، وكذا كتاب البخاري ذُكِر أنه أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر، وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما ما ذكره من عدد أحاديث صحيح البخاريّ، فقد غلّطه الحافظ فيه، وقام بتحرير عدده، فأجاد في ذلك، فلتراجع "هدي الساري مقدّمة فتح الباري" ص ٦٥٤ - ٦٦٨.
وأما ما ذكره من عدد أحاديث صحيح مسلم، فلم أر من قام بتحريره حقّ قيام، بل اختلفوا فيه اختلافًا شديدًا، ومن أبرز من قام به هو محمد فؤاد عبد الباقي، فقد رقّمه، واشتهر ترقيمه بين الناس، لكن عمله ليس كما ينبغي، فالرجل وإن كان مُغرَمًا بعمل الترقيم، فقد رقّم كتبًا كثيرةً، إلا أنه ليس له تخصّص بعلم الحديث، فقد رأيته يجعل للحديث الواحد رقمين فأكثر، وأحيانًا يعمل بالعكس.
وذكر بعض المعاصرين (٤) بناء على ترقيم محمد فؤاد المذكور، مع إضافة ما أورده في المتابعات والشواهد أن جملة أحاديث "الصحيح" بالمكرّرات (٧٣٩٥) حديثًا، عدا أحاديث المقدّمة، وهي عشرة، وهذا كما أشرت إليه فيما أسلفته آنفًا لا يُلتفتُ إليه؛ إذ ليس مبنيّا على ترقيم صحيح، فليُتنبّه.
وبالجملة فالكتاب يحتاج إلى متخصّص بعلم الحديث والخِبْرة الفنّيّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 53
المسألة التاسعة: هل "صحيح مسلم" يُعدّ من "الجوامع، أم لا "؟
اعلم: أن "الجامع" في اصطلاح المحدّثين -كما قال العلامة الشاه عبد العزيز الدهلويّ رحمهُ اللهُ تعالى- هو الكتاب الذي توجد فيه أقسام الحديث الثمانية، وهي: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسير، والفتن، والمناقب (١)، وقد نظمتها بقولي:
الْجَامِعُ الَّذِي حَوَى مَنَاقِبَا ... وَسِيَرًا وَفِتَنًا وَأَدَبَا
تَفْسِيرًا الرِّقَاقَ وَالْعَقَائِدَا ... وَالثَّامِنُ الأَحْكَامُ خُذْ نِلْتَ الْهُدَى
و"صحيح مسلم" مشتمل على هذه الأصناف كلها، فلذا ينبغي أن يُعدّ من الجوامع، وقد عدّه جماعة منها، مثل مجد الدين الفيروزآبادي، صاحب "القاموس المحيط"، حيث قال:
قَرَأْتُ بِحَمْدِ اللهِ جَامِعَ مُسْلِمٍ ... بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفٍ لإِسْلامِ
عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الإِمَام ابْنِ جَهْبَلٍ ... بِحَضْرَةِ حُفَّاظٍ مَشَاهِيرَ أَعْلامِ
وَتَمَّ بِتَوْفِيقِ الإِلَهَ وَفَضْلِهِ ... قِرَاءَةَ ضَبْطٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ
وقد نازع الدهلويّ في ذلك، فقال: و"الجامع" من الصحاح الترمذيُّ، والبخاريُّ، وأما "صحيح مسلم" فليس بجامع؛ لقلّة التفسير فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام الدهلويّ فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ عدُّه من الجوامع؛ لوجود تلك الأصناف فيه، ولا يكون قلة أحاديث التفسير سببًا في عدم عدّه منها؛ لأن قلّتها يعود إلى قلّة الأحاديث الصحيحة المرفوعة الواردة فيه، ولا سيّما ما كان على شرط الشيخين، ولذا ترى أحاديث التفسير في كتاب البخاريّ إما مكرّرةً في كثير من أبوابه، وإما آثارًا موقوفةً، وأقوالًا لغويّةً، غير مرفوعة، وما عدا ذلك قليل، ومعروف أن مسلما مُجانب للتكرار، ومباعد عن نقل الأقوال والآثار الموقوفة إلا نادرًا، فهذا هو السبب في قلّة أحاديث التفسير فيه.
والحاصل أن الأصناف الثمانية التي يستحقّ بها اسم الجامع متوفّرة فيه، فلا وجه لإنكار إطلاقه عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: في بيان الجواب عن انتقاد بعض الحفّاظ النُّقّاد على الإمام مسلم رحمهُ اللهُ تعالى فىِ روايته في "صحيحه" عن بعض من تُكُلّم فيهم
стр. 54
قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: عاب عائبون مسلما بروايته في "صحيحه" عن جماعة من الضعفاء، أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح أيضًا. والجواب: أن ذلك لأحد أسباب، لا مَعَاب عليه معها:
[أحدها]: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره، ثقة عنده، ولا يقال: إن الجرح مقدم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب، فإنه لا يعمل به، وقد جَلَّيتُ في كتاب "معرفة علوم الحديث" حملَ الخطيب أبي بكر البغداديّ الحافظ على ذلك احتجاج صاحبي "الصحيحين"، وأبي داود، وغيرهم بجماعة عُلِمَ الطعن فيهم من غيرهم. ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك فيما بَيَّنَ الجارح فيه السبب، واستبان مسلم بطلانه. والله تعالى أعلم.
[الثاني]: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أوّلا بإسناد نظيف، رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، تم يُتبع ذلك بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تُنَبِّهُ على فائدة فيما قدمه. وبالمتابعة والاستشهاد اعتذر الحاكم، أبو عبد الله في إخراجه عن جماعة، ليسوا من شرط "الصحيح"، منهم مَطَرٌ الوراق، وبَقِيَّةُ بنُ الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، أخرج مسلم عنهم في الشواهد، في أشباه لهم كثيرين. والله تعالى أعلم.
[الثالث]: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاطٍ حَدَثَ عليه، غيرِ قادح فيما رواه من قبلُ، في زمان سَدَاده، واستقامته، كما في أحمد ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم، أبو عبد الله، أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين، بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك، كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يَمْنَع ذلك من الاحتجاج في "الصحيحين" بما أُخذ عنهم قبل ذلك.
قال أبو عمرو: قرأت بنيسابور على الشيخة الصالحة، الوافر حظ أهلها من خدمة الحديث، زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني رحمها الله وإيانا، عن الإمام أبي عبد الله الْفُرَاوي، وزاهر بن طاهر المستملي، عن الإمام أبي عثمان، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وغيره، قالوا: أخبرنا الحاكم، أبو عبد الله الحافظ، قراءة عليه، قال: سمعت أبا أحمد الحافظ، سمعت أبا بكر محمد بن علي بن النجار، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، يقول: قلت لمسلم بن الحجاج: قد أكثرت الرواية في كتابك "الصحيح" عن أحمد بن عبد الرحمن الوَهْبيّ، وحاله قد ظَهَر؟ فقال: إنما نقمُوا عليه بعد خروجي من مصر. والله تعالى أعلم.
стр. 55
[الرابع]: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي، ولا يُطَوِّل بإضافة النازل إليه، مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك، قال أبو عمرو: وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا، وهو على خلاف حاله فيما رواه أولا عن الثقات، ثم أتبعه بالمتابعة عن من هو دونهم، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.
قال: فروينا عن سعيد بن عمرو البردعي، أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر كتاب "الصحيح" الذي ألفه مسلم، ثم الفضل الصائغ على مثاله، وحَكَى إنكار أبي زرعة على مسلم، في كلام تركت ذكره منه، أنه أنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر، وقَطَن ابن نُسير، وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يُطْرِقُ لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتُجّ به عليهم: ليس هذا في كتاب "الصحيح". قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه، وروايته في كتاب "الصحيح" عن أسباط بن نصر، وقَطَن ابن نسير، وأحمد بن عيسى، قال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات، وقَدِمَ مسلم بعد ذلك الرَّيَّ، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله، محمد بن مسلم بن وَارَةَ، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له: نحوًا مما قاله لي أبو زرعة. إن هذا يُطْرِق لأهل البدع علينا، فاعتذر إليه مسلم، وقال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحيح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح، ليكون مجموعا عندي، وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف، أو نحو ذلك، مما اعتذر به إلى محمد بن مسلم، فقَبِلَ عذره، وحَدَّثَه. والله تعالى أعلم.
وقد سبق عن مكي بن عبدان، أحد حفاظ نيسابور، قال: سمعت مسلما يقول: عَرَضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكلُّ ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليس له علة، فهو الذي أخرجته.
قال أبو عمرو: هذا مقام وَعْرٌ، وقد مَهّدته بواضح من القول، لم تره مجتمعا في مؤلف سبق، ولله الحمد.
وفيما ذكرته دليل على أن من حَكَمَ لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في "صحيحه" بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل، وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في أنه كيف رَوَى عنه؟ وعلى أيّ وجه رَوَى عنه؟ على ما بَيّنّاه من انقسام ذلك. والله سبحانه
стр. 56
أعلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمهُ اللهُ تعالى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الحادية عشرة: في ذكر إلزامات الحافظ الدارقطني للشيخين رحمهم الله تعالى
قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: ألزم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني مسلما والبخاري ﵃ إخراج أحاديث تركا إخراجها، مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا في "صحيحيهما" بمثلها.
مثاله: إخراج البخاري حديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس بن مالك الأسلمي، عن رسول الله ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول ... ". وإخراج مسلم حديث قيس أيضًا، عن عَدِيّ بن عَمِيرة، عن رسول الله ﷺ : "من استعملناه على عمل ... " الحديث. ولم يرو عن مرداس، وعَدِي بن عَمِيرة غير قيس بن أبي حازم، وكذلك لم يرو عن الصُّنَابِح بن الأَعْسَر، ودُكَين بن سعيد الْمُزَنِيّ، وأبي حازم والد قيس غير قيس. قال الدارقطني: فيلزم على مذهبهما جميعًا إخراج أحاديث الصُّنابح، ودُكين، وأبي حازم والد قيس، إذا كانت مشهورة محفوظة، رواها جماعة من الثقات. وذكر أيضًا أن رجالا من الصحابة ﵃، رووا عن رسول الله ﷺ ، وقد رُويت أحاديثهم من وجوه صحاح، لا مَطْعَن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا، فيلزم إخراجها على مذهبهما.
قال أبو عمرو: وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀، فيما قرأته بخطه، فيما جمعه من العوالي الصحاح، مما اتفق الشيخان على إخراجه، من صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة، وما تفرد به منها كل واحد منهما عن صاحبه، هذا مع أن الإسناد واحد.
ثم إن ما ألزمهما الدارقطني غير لازم لهما، فإنهما تجنبا التطويل، ولم يضعا كتابيهما على أن يستوعبا جميع الأحاديث الصحاح، واعترفا بأنهما تركا بعض الصحاح، رَوَينا ذلك عنهما صريحا.
نعم إذا كان الحديث الذي تركاه، أو أحدهما، مع صحة إسناده أصلًا في معناه عُمدة في بابه، ولم يخرجا له نظيرًا، فذلك لا يكون إلا لعلة فيه خَفِيت، واطلعا عليها، أو التارك له منهما، أو لغفلة عرضت. انتهى كلام أبي عمرو رحمهُ اللهُ تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "إلا لعلة الخ" هذه دعوى بلا بيّنة؛ لأنه لم
стр. 57
يوجد منهما، ولا من أحدهما لا تصريحًا، ولا إشارةً أن ما تركاه فيه علّة خفية منعتهما من إخراجه، بل صرّحا بخلافه، فقد صحّ عن البخاريّ قوله: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول" (١). وصح عن مسلم أنه قال لابن وارة لَمّا لامه: "إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: صحيح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف". وقد سبق بيان هذا.
وأيضًا لو سلكنا هذا المسلك لترتّبت عليه مفسدة عظيمة، وذلك تشكيك الأمة أن كلّ ما ليس في "الصحيحين" من الحديث معلّ، وهذا هو الذي خشيه الإمامان: أبو زرعة الرازي، وابن وراة، كما تقدّم بيان ذلك. فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة: في ذكر المستخرجات على الكتابين
اعلم: أن الاستخراج هو أن يأتي المصنّف إلى كتاب من الكتب المصنفة، فيخرّج أحاديثه بأسانيدَ لنفسه، من غير طريق صاحب ذلك الكتاب، ويجتمع معه في شيخه، أو من فوقه. قال الحافظ رحمهُ اللهُ تعالى وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يَفقِد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علوّ، أو زيادة مهمّة. قال: ولذلك يقول أبو عوانة في "مستخرجه" على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلّها من هنا لمخرّجه، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمن فوق ذلك، وربّما قال: من هنا لم يُخرّجاه، قال: ولا يُظنّ أنه -يعني البخاريّ ومسلمًا- فإني استقريت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة، فإنه كان قرين مسلم، وصنّف مثل مسلم، وربّما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندًا يرتضيه، وربّما ذكرها من طريق صاحب الكتاب. أفاده في "التدريب" (٢).
وقال الحافظ السخاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: الاستخراج أن يَعْمِد حافظ إلى "صحيح البخاريّ" مثلًا، فيورد أحاديثه حديثًا حديثًا بأسانيدَ لنفسه، غير ملتزم فيها ثقة الرواة، وإن شذّ بعضهم حيث جعله شرطًا، من غير طريق البخاريّ إلى أن يلتقي معه في شيخه، أو في شيخ شيخه، وهكذا، ولو في الصحابيّ، كما صرّح به بعضهم. لكن لا يسوغ للمخرج العدول عن الطريق التي يقرب اجتماعه مع مصنّف الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلا لغرض من علوّ، أو زيادة حكم مهمّ، أو نحو ذلك. ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابيّ أنهما لو اتّفقا في الشيخ مثلًا، ولم يتّحد سنده عندهما، ثم
стр. 58
اجتمع في الصحابيّ إدخاله فيه، وإن صرّح بعضهم بخلافه، وربّما عزّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث، فيتركه أصلًا، أو يُعلّقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنّف الأصل. انتهى. كلام السخاويّ (١).
وقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل، وهو كتاب نفيس، كامل في معناه، فلما رآه الحفاظ أُعْجِبوا به، ولم يسمعوه؛ لنزوله، فَعَمُدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم، عالية بدرجة، وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسَمَّوه المستخرج على "صحيح مسلم"، فعل ذلك عِدّة من فُرْسان الحديث، منهم. أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء المتوفّى سنة (٢٨٦)، وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفّى (٣١٦)، وزاد في كتابه متونا معروفة، بعضها لَيِّنٌ، والزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدان الْحِيِري المتوفّى (٣١١)، وأبو الوليد حسان ابن محمد الفقيه المتوفى (٣٤٤)، وأبو حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي المتوفّى (٣٥٠)، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الْجَوْزَقي (٢) المتوفى (٣٨٨)، والإمام أبو علي الماسرجسي (٣٦٥)، وأبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (٤٣٠)، وآخرون، لا يحضرني ذكرهم الآن. انتهى (٣).
وقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: صنف على "صحيح مسلم": قوم من الحفاظ تأخروا عن مسلم، وأدركوا الأسانيد العالية، وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم، فخرجوا أحاديثه في تصانيفهم تلك، بأسانيدهم تلك، فالتحقت به، في أن لها سمة الصحيح، وإن لم تلتحق به في خصائصه كلّها، ويستفاد من مخرجاتهم المذكورة علو الإسناد، وفوائد تنشأ من تكثير الطرق، ومن زيادة ألفاظ مفيدة، ثم إنهم لم يلتزموا فيها الموافقة في ألفاظ الأحاديث، من غير زيادة ولا نقص؛ لكونهم يروونها بأسانيد أُخَر، فأوجب ذلك بعض التفاوت في بعض الألفاظ.
ولنزد بعض ما تيسّر ذكره ممن لم يذكرهم الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى:
فمنها: "مستخرج على صحيح مسلم" لأبي الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمار الشهيد المتوفّى سنة (٣٢٣). وأبي عمران موسى بن العباس الجوينيّ النيسابوريّ المتوفّى
стр. 59
سنة (٣٢٣)، وأبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسيّ البلاذريّ (٣٣٩)، وقاسم ابن أصبغ البيانيّ القرطبيّ (٣٤٠)، وأبي سعيد أحمد بن أبي بكر محمد بن إسماعيل الحيريّ النيسابوريّ (٣٥٣)، وأبي عليّ محمد بن عبد العزيز الزَّغُونيّ (٣٥٩)، وأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان المعروف بـ "أبي الشيخ" (٣٦٩)، وأبي عبد الله الحسين بن أحمد الشماخي (٣٧٢)، وأبي نصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسيّ.
ومنها: المستخرجات على "الصحيحين" لمحمد بن يعقوب بن الأخرم (٣٤٤) وأبي بكر بن عبدان الشيرازيّ، وأحمد بن محمد الْبَرْقَانيّ (٤٢٥)، وحسن بن محمد الخلال (٤٣٥)، وعلي بن موسى النيسابوريّ السكريّ (٤٦٥)، وأبي محمد عبد الغنيّ ابن عبد الواحد المقدسيّ (٦٠٠)، وغيرها. (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: اعلم أن المستخرجات المذكوره لم يلتزم أصحابها فيها موافقة "الصحيحين" في الألفاظ؛ لأنهم إنما يروون بالألفاظ التي وقعت لهم عن شيوخهم، فلذا حصل فيها تفاوت قليل في اللفظ، وأقلّ منه في المعنى. ومثلُ هذا ما رواه البيهقيّ في "السنن"، و"المعرفة"، وغيرهما، والبغوي في "شرح السنة"، وشبههما قائلين رواه البخاريّ، أو مسلم، فقد وقع في بعضه تفاوت، فيُحمل على أنهم أرادوا بذلك أن الشيخين رويا أصل الحديث، دون اللفظ الذي أوردوه، وحينئذ فلا يجوز أن تنقل من المستخرجات، وما ذُكر معها حديثًا، وتقول هو كذا فيهما، إلا أن تقابله بهما، أو يقول المصنّف: أخرجاه بلفظه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكنّ هذا أي صنيع البيهقي ونحوه من عزو الحديث إلى الصحيح، والمراد أصله، غير مستحسن؛ إذ الأحسن الاعتناء ببيان ما وقع فيه الاختلاف، حذرا من إيقاع من لا يَعرِف الاصطلاح في اللبس.
وفصّل ابن دقيق العيد رحمهُ اللهُ تعالى في ذلك، فقال: إذا كنت في مقام الرواية فلك العزو ولو خالف؛ لأنه عُرِف أن أجل قصد المحدث السند، والعثور على أصل الحديث، دون ما إذا كنت في مقام الاحتجاج، فمن رَوَى في المعاجم والمشيخات ونحوها، فلا حرج عليه في الإطلاق، بخلاف من أورد ذلك في الكتب المبوبة، لاسيما إن كان الصالح للترجمة قطعة زائدة على ما في الصحيح. انتهى (٢).
стр. 60
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد لي توقّفٌ؛ لأن اللبس المحذور حاصل فيه أيضًا، فالأولى التقيّد بما سبق من البيان. والله تعالى أعلم.
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "نظم الدرر"، فقال:
وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى "الصَّحِيْحَيْنِ"بِأَنْ ... يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ
لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا ... مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا
فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنىً وَفِي ... لَفْظٍ كَثِيرًا فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ
إِلَيْهَمَا وَمَنْ عَزَا أَرَادَا ... بِذَلِكَ الأَصْلَ وَمَا أَجَادَا
وأما المختصرات، كمختصر الزبيديّ لصحيح البخاريّ، ومختصر المنذريّ لصحيح مسلم، ومختصر القرطبيّ له، فإنها بخلاف ذلك؛ لأن أصحابها ينقلون فيها ألفاظهما، من غير زيادة ولا تغيير، فلك أن تنقل منها، وتعزو ذلك للصحيح، ولو باللفظ، ومثل ذلك الجمع بين "الصحيحين" للإمام عبد الحقّ الإشبيليّ.
وأما الجمع لأبي عبد الله الحميدي الأندلسي، ففيه زيادة ألفاظ، وتتمات على "الصحيحين" بلا تمييز، قال ابن الصلاح: وذلك موجود فيه كثيرا، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن "الصحيح"، وهو مخطئ لكونه زيادة ليست فيه. قال العراقي: وهذا مما أنكر على الحميدي؛ لأنه جمع بين كتابين، فمن أين تأتي الزيادة، قال: واقتضى كلام ابن الصلاح أن الزيادات التي تقع في كتاب الحميدي لها حكم الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج، ولا ذكر أنه يزيد ألفاظا، واشترط فيها الصحة حتى يُقَلَّد في ذلك.
وقد تعقّب الحافظ اعتراض العراقيّ هذا، بأن الحميدي قد أشار إلى ما يبطل ما اعتَرَضَ به عليه إجمالا وتفصيلا، أما إجمالا فقال في خطبة "الجمع": وربما زدت زيادات، من تتمات، وشرح لبعض ألفاظ الحديث، ونحو ذلك، وقفت عليها في كتب من اعتنى بالصحيح، كالإسماعيلي، والْبَرْقَاني، وأما تفصيلا فعلى قسمين: جلي، وخفي، أما الجلي فيسوق الحديث، ثم يقول في أثنائه: إلى هنا انتهت رواية البخاري، ومن هنا زاده البرقاني، وأما الخفي فإنه يسوق الحديث كاملا أصلا وزيادة، ثم يقول: أما من أوله إلى موضع كذا، فرواه فلان، وما عداه زاده فلان، أو يقول: لفظة كذا زادها فلان، ونحو ذلك. انتهى.
[فائدة مهمة]: اعلم أنه إذا كان الحديث في "الصحيحين"، أو في أحدهما لا
стр. 61
ينبغي عزوه إلى غيرهما، إلا أن يقرن بهما، أو بأحدهما، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:
قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ ... وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ
إِذَا الْحَدِيثُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" يَرِدْ ... أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ
فَعَزْوُهُ لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ ... إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ (١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه آخر]: أشار الشيخ أبو عمرو في كلامه السابق إلى بعض فوائد المستخرجات، فذكر منها ثلاث فوائد:
الأولى: علوّ الإسناد. الثانية: زيادة قوّة الحديث بكثرة طرقه. الثالثة: زيادة ألفاظ صحيحة مفيدة. ونزيد على هذا ما ذكره العلماء من بقية فوائد المستخرجات، فمنها، وهي:
الرابعة: تبيين المبهم، كحدثنا رجلٌ. الخامسة: تبيين المهمل، كحدّثني محمد، وكان في مشايخه محمدون، فيبينه المستخرِج. السادسة: بيان سماع المدلّس، كأن يكون في "الصحيح" عن المدلّس بـ "عن"، فيبينه المستخرج بتصريحه بالسماع. السابعة: بيان سماع الراوي من المختلطين، كأن يروي في "الصحيح" عن المختلط، ولم يبين هل سمعه الراوي منه قبل الاختلاط، أم بعده؟ فيبينه المستخرج، إما تصريحًا، وإما بأن يرويه عن طريق من لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط. الثامنة: زوال أيّ علّة أُعلّ بها حديث في "الصحيح"، بأن يذكره المستخرِج بدون تلك العلّة. التاسعة: عدالة من أُخرج له فيه؛ لأن الْمستخرج على شرط "الصحيح" يلزمه أن لا يُخرج إلا عن ثقة عنده. العاشرة: ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك كثير في مسلم جدّا، فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة، ويُحيل باقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده (٢).
وقد نظمت هذه الفوائد بقولي:
يَا طَالِبًا فَوَائِدَ الْمُسْتَخْرَجِ ... فَاسْمَعْ لأَبْيَاتٍ بُعَيْدَ ذَا تَجِي
أَوَّلُهَا صِحَّةُ مَا يُزَادَ، مِنْ ... لَفْظٍ وَثَانِيهَا عُلُوٌّ فَاسْتَبِنْ
стр. 62
ثَالِثُهَا كَثْرَةُ طُرْقِ الْخَبَرِ ... بِذَاكَ يَقْوَى عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ
رَابِعُهَا تَبْيِينُ مَنْ قَدْ أُبْهِمَا ... خَامِسُهَا تَوْضِيحُ مُهْمَلٍ سَمَا
سَادِسُهَا سَمَاعُ مَنْ يُدَلِّسُ ... سَابِعُهَا مَخْتَلِطٌ مُلَبِّسُ
يَرْوِيهِ عَنْ طَرِيقِ مَنْ قَدْ أَخَذَا ... قَبْلَ اخْتِلاطِهِ لِذَا لَمْ يُنْبَذَا
ثَامِنُهَا سَلَامَةُ الْمُعَلِّ ... لَدَى الصَّحِيحِ هَاهُنَا فِي النَّقْلِ
إِذِ الْمُخَرِّجُ يُزِيلُ الْعِلَلَا ... حَيْثُ يَسُوقُهُ نَظِيفًا مُكْمَلَا
تَاسِعُهَا ثِقَةُ مَنْ قَدْ أُخْرِجَا ... لَهُ هُنَا إِذْ شَرْطُ الَأصْلِ (١) نُهِجَا
عَاشِرُهَا التَّمْيِيزُ لِلْمُحَالِ بِهْ ... مِمَّا عَلَيْهِ قَدْ أُحِيلَ فَانْتَبِهْ
فَهَذِهِ فَوَائِدُ الْمُسْتَخْرَجِ ... قَرَّبْتُهَا نَظْمًا لِمَنْ قَدْ يَرْتَجِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة عشرة: في ذكر المستدركات على "الصحيحين "
اعلم: أن المستدرك -بضم الميم وفتح الراء-: هو الكتاب الذي جَمَعَ فيه مؤلّفه الأحاديث التي فاتت كتابًا مؤلّفًا قبله، وهي على شرطه، والمستدركات كثيرة:
فمنها: "المستدرك على الصحيحين" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بـ "ابن الْبيّع" الحافظ المتوفّى سنة (٤٠٥)، وأبي ذرّ عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الْهَرويّ (٤٣٤)، وأبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد الأصبهانيّ، و"المستدرك على مستدرك الحاكم" لمحمد بن أحمد الذهبي (٧٤٨)، و"المستدرك عى مستدرك الحاكم" للحافظ العراقي، و"الإلزامات" للدارقطني (٣٨٥)، وغيرها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة: في ذكر بعض الكتب التي اعتنت بالجمع بين "الصحيحين "
فمنها: "الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الْجَوزقيّ المتوفّى سنة (٣٨٨)، وعمر بن عليّ الليثيّ (٤٦٦)، ومحمد بن أبي نصر فتوح الحميديّ (٤٦٦)، ومحمد بن إسماعيل بن أحمد المعروف بـ "ابن الفرات" (٤١٤)، وحسن بن مسعود البغويّ (٥١٠)، ومحمد بن طاهر بن علي القيسرانيّ (٥٠٧)، وعبيد الله بن الحسن بن الحداد (٥١٧)، وعبد الحقّ بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيليّ (٥٨٢)، وعمر بن بدر الموصليّ (٦٢٢)، وأحمد بن محمد القرطبيّ المعروف بـ "ابن أبي حجة" (٦٤٢)، وإسماعيل بن محمد الْهَرويّ الْعَرّاب (٤١٤)، ومحمد بن حسين بن أحمد الأنصاريّ
стр. 63
المرّيّ المعروف بـ "ابن أحد عشر"، وغيرها مما يطول بنا لو سلكنا سبيل استقصائه، فنكتفيّ بهذا القدر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة: في ذكر رُواة "صحيح مسلم "
قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: هذا الكتاب مع شهرته التامة، صارت روايته بإسناد متصل بمسلم مقصورةً على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، غير أنه يُرْوَى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد، أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم.
أما أبو إسحاق، فهو نيسابوري من أهلها، وكان فقيها، زاهدًا، روينا عن الحاكم، أبي عبد الله بن الْبَيِّع النيسابوري، أنه سمع محمد بن يزيد العدل يقول: كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة، وأنه سمع أبا عمرو بن نُجيد يقول: كان إبراهيم بن محمد بن سفيان من الصالحين، وذكر الحاكم أنه كان من العباد المجتهدين، ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج، وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد، صاحب الرأي -يعني الفقيه الحنفي- سمع إبراهيم محمد بن رافع القشيري، وغيره، بنيسابور، وبالريّ، وبالعراق، وبالحجاز، وتوفي فيما حكاه الحاكم، في رجب سنة ثمان وثلاثمائة.
قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب، في شهر رمضان، سنة سبع وخمسين ومائتين، روى الكتاب عنه أبو عبد الله، محمد بن يزيد العدل، والجلوديُّ وغيرهما.
أما الْجُلُودي: فهو أبو أحمد، محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودي -بضم الجيم- ومن فتح الجيم منه فقد أخطأ، وإنما الجلودي -بفتح الجيم- آخرُ، ذكره يعقوب بن السِّكّيت، ثم ابن قتيبة، وهو منسوب إلى جُلُود، اسم قرية، قيل: بإفريقية، وقيل: بالشام.
قال أبو عمرو: وهذا الجلوديّ أبو أحمد فيما ذكره أبو سَعْد بن السمعاني، وقرأته بخطه، في كتاب الأنساب له منسوب إلى الجلود، جمع جِلْد. وعندي أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة.
رَوَينا عن الحاكم أبي عبد الله، أن أبا أحمد هذا كان شيخا صالحا زاهدا، من كبار عُبّاد الصوفية، صَحِبَ أكابر المشايخ، ومن أهل الحقائق، وكان يُوَرِّق -يعني يَنسَخُ- ويأكل من كسب يده، سمع أبا بكر بن خزيمة، ومن كان قبله، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري، ويعرفه، توفي ﵀ يوم الثلاثاء، الرابع والعشرين من ذي الحجة، سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وهو ابن ثمانين سنة. قال: وخُتم بوفاته سماع كتاب مسلم
стр. 64
ابن الحجاج، وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره، فإنه غير ثقة.
رواه عن الجلودي أبو العباس، أحمد بن الحسن بن بُندار الرازي، وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وغيرهما.
أما الفارسي: فهو عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الْفَسَوي، ثم النيسابوري، أبو الحسين التاجر، سمع الكتاب من الجلودي، قراءة عليه في شهور سنة خمس وستين وثلاثمائة، ذكره حفيده عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر، في سياق "تاريخ نيسابور"، فذكر أنه كان شيخا ثقة، صالحا، صائنا، محظوظا من الدين والدنيا، مجدودا في الرواية، على قلة سماعاته، مشهورًا، مقصودا من الآفاق، سمع منه الأئمة والصدور، وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي عليه "صحيح مسلم" نيفا وثلاثين مرة، وقرأه عليه أبو سعيد البحيري نيفا وعشرين مرة، وممن قرأه عليه من المشاهير زين الإسلام، أبو القاسم، يعني القشيري، والواحدي، وغيرهما، استكمل خمسا وتسعين سنة، وألحق أحفاد الأحفاد بالأجداد، وتوفي يوم الثلاثاء، ودُفن يوم الأربعاء، السادس من شوال، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. والله تعالى أعلم.
رواه فيمن رواه عن الفارسي الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الْفُرَاوي، ثم النيسابوري، كان أبوه من فُرَاوة، بُليدة من ثَغْر خراسان، وقرأت بخط السمعاني، أبي سعد في "أنسابه"، أنه بضم الفاء، ورأيته بضم الفاء بخطه معنيا بذلك، والشائعِ المعروف فتح الفاء، وهكذا ذكره لي شيخنا، أبو القاسم الفراوي، ابن حفيد الفراوي لمَّا سألته عن ذلك.
كان ﵀ وإيانا كثير الرواية بالأسانيد العالية، رحلت إليه الطلبة من الأقطار وانتشرت الرواية عنه فيما دنا، ونأى من الأمصار، حتى قالوا فيه لِلْفُرَاوي أَلْفُ رَاوِي، وحدثنا شيخنا أبو القاسم الفُراوي أنه نُقِش على فَصّ من عقيق للفُرَاوي أَلْفُ راوي، وذَكَرَ لي مرة أخرى أن الفص كان لجده هذا.
وسمع الكتاب من الفارسي بقراءة أبي سعيد الْبحيري عليه في السنة التي مات فيها، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان يلقب فقيه الحرم، ومما يُذكَر له من المعالي تفقهه على الإمام أبي المعالي، وله في علم المذهب كتاب، انتخبت منه فوائد استغربتها.
وحدثني بِمَرْوَ شيخنا أبو المظفر، عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد السمعاني، عن
стр. 65
أبيه، ومن خطه نقلتُ أنه قال فيه يَصِفه: إمام، مُفْتٍ، مُناظر، محدث، واعظ، ظريف الجملة، حسن الأخلاق والمعاشرة، مُكرِمٌ لأهل العلم، خصوصا للغرباء الواردين عليه، ما رأيت في شيوخي مثله. وقال سألته عن مولده، فقال: مولدي تقديرًا في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قلت: وتُوفي يوم الخميس الحادي أو الثاني والعشرين، من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة. وذكره أبو الحسن عبد الغافر حفيد أبي الحسين عبد الغافر في كتابه، ومات قبله سنة تسع وعشرين، فأحسن الثناء عليه بما لا نطيل به.
رَوَى الكتاب عنه فيمن رواه عنه شيخنا، أبو الحسن، مؤيد بن محمد ابن الشيخ المقرىء أبي الحسن، علي بن الحسن بن محمد بن أبي صالح الطابراني الطوسي، ثم النيسابوري، وكان شيخا رضيا، جليلا، مسندا، معمرا، محظوظا من رواية الحديث، متصديا لإسماعه، ملحوظا من طلبته، سمع الكتاب من الفراوي في السنة التي مات فيها، وعاش حتى تفرد به عنه، وحتى ألحق الأحفاد بالأجداد.
وسمعتُ الكتاب منه بقراءتي عليه، في معدنه نيسابور، فعلونا فيه -ولله الحمد- سماءَ العلوّ بإسناد متسلسل، نيسابوري، عن نيسابوري، ومُعَمَّر عن مُعَمَّر، إلى مؤلفه مسلم رحمهُ اللهُ تعالى.
وأنبأنا به عن الفراوي أيضًا ابن حفيده الشيخ الزكي، أبو القاسم منصور ﵏ أجمعين وإيانا، ونفعنا بذلك وإخواننا آمين آمين.
وأما القلانسي فهو أبو محمد، أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، وقعتُ بروايته عن مسلم عند المغاربة، ولم أجد له ذكرًا عند غيرهم، دَخَلَتْ روايته إليهم من مصر على يدي مَنْ رَحَل منهم إلى جهة المشرق، كأبي عبد الله محمد بن يحيى الحذاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء، عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد ابن محمد بن يحيى الأشقر، الفقيه على مذهب الشافعي، حدثنا أبو محمد، أحمد بن علي بن الحسن القلانسي، حدثنا مسلم بن الحجاج، حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها حديث الإفك الطويل، فإن أبا العلاء بن ماهان المذكور، كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم.
وبلغنا عن الحافظ الفاضل، أبي علي الحسين بن محمد الغساني، وكان من جهابذة المحدثين، ورئيسهم بقرطبة، قال: سمعت أبا عمر أحمد بن محمد بن يحيى - يعني ابن الحذاء- يقول: سمعت أبي يقول: أخبرني ثقات أهل مصر، أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني، كتب إلى أهل مصر من بغداد، أن اكتبوا عن أبي العلاء بن
стр. 66
ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح، ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز. انتهى كلام أبي عمرو بن الصلاح (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأذكر في آخر المسائل سندي إلى أبي عمرو بن الصلاح، والنوويّ، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهات]:
الأول: قال الشيخ أبو عمرو: اختلفت النسخ في رواية الجلودي عن إبراهيم، هل هي بحدثنا إبراهيم، أو أخبرنا، والتردد واقع في أنه سمع من لفظ إبراهيم، أو قراءة عليه؟ فالأحوط إذن أن يقال: أخبرنا إبراهيم، حدثنا إبراهيم، فيَلْفِظُ القارىء بهما على البدل، وجائز لنا الاقتصار على أخبرنا، فإنه كذلك فيما نقلته من ثَبَتِ الفراوي من خط صاحبه عبد الرازق الطبسي (٢) وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب، من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد، وسمعته عليه عند تربة مسلم ﵀، وهو كذلك بخط الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري، عن الفُرَاوي، وفي ذلك أيضًا، فحكم المتردد في ذلك المصير إلى أخبرنا؛ لأن كل تحديث من حيث الحقيقة إخبار، وليس كل إخبار تحديثا. والله تعالى أعلم.
الثاني: اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتًا، لم يسمعه من مسلم، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، ولا يقال فيه: قال: أخبرنا، أو حدثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة، وإما بطريق الوجادة، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم، وبرنامجاتهم، وفي تسميعاتهم، وإجازاتهم، وغيرها، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم، قال: أخبرنا مسلم. وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة:
[فأولها]: في "كتاب الحج" في "باب الحلق والتقصير" حديث ابن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين ... " برواية ابن نمير، قال الشيخ: فشاهدت عنده في أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي بخطه: ما صورته: أخبرنا أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن عمر ... الحديث. وكذلك في أصل بخط الحافظ أبي عامر العبدري، إلا أنه
стр. 67
قال: حدثنا أبو إسحاق، وشاهدت عنده في أصل قديم، مأخوذ عن أبي أحمد الجلودي: ما صورته: من هاهنا قرأت على أبي أحمد: حدثكم إبراهيم، عن مسلم، وكذا كان في كتابه إلى العَلَامَة، قلت: وهذه العلامة هي بعد ثمانية أوراق، أو نحوها، عند أول حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ "كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا". وعندها في الأصل المأخوذ عن الجلودي: ما صورته: إلى هاهنا قرأت عليه -يعني على الجلودي- عن مسلم، ومن ههنا قال: حدثنا مسلم. وفي أصل الحافظ أبي القاسم عندها بخطه: من هنا يقول: حدثنا مسلم، وإلى هنا شك.
[الفائت الثاني لإبراهيم]: أوله أول الوصايا قول مسلم: حدثنا أبو خيثمة، زهير ابن حرب، ومحمد بن المثنى، واللفظ لمحمد بن المثنى، في حديث ابن عمر: "ما حق امرىء مسلم، له شيء يريد أن يوصي فيه ... " إلى قوله في آخر حديث، رواه في قصة حويصة ومحيصة في القسامة: حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا بشر بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس ... الحديث، وهو مقدار عشرة أوراق، ففي الأصل المأخوذ عن الجلودي، والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات، عند أول هذا الحديث، وعود قول إبراهيم: حدثنا مسلم. وفي أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي شِبْهُ التردد في هذا الحديث، داخل في الفوت، أو غير داخل فيه؟ والاعتماد على الأول.
[الفائت الثالث]: أوله قول مسلم في أحاديث الإمارة والخلافة: حدثني زهير بن حرب، حدثنا شبابة، حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "إنما الإمام جنة ... " ويمتد إلى قوله في "كتاب الصيد والذبائح": حدثنا محمد بن مِهْرَان الرازي، حدثنا أبو عبد الله، حماد بن خالد الخياط، حديث أبي ثعلبة الْخُشَنيّ: "إذا رميت بسهمك ... " فمن أول هذا الحديث عاد قول إبراهيم: حدثنا مسلم. وهذا الفوت أكبرها، وهو نحو ثماني عشرة ورقة، وفي أوله بخط الحافظ الكبير، أبي حازم (١) العبدري النيسابوري، وكان يروي عن محمد بن يزيد العدل، عن إبراهيم: ما صورته: من هنا يقول إبراهيم: قال مسلم، وهو في الأصل المأخوذ عن الجلودي، وأصل أبي عامر العبدري، وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة "عن"، وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي، وأصل أبي عامر، وأصل أبي القاسم، وذلك يحتمل كونه رَوَى ذلك عن مسلم بالوجادة، ويحتمل الإجازة، ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك، أو كله بكون ذلك عن مسلم بالإجازة، والعلم عند الله ﵎.
стр. 68
[الثالث]: قال الشيخ رحمهُ اللهُ تعالى: ما ننقله من أصل الحافظ أبي عامر العبدري، نرويه عن شيخنا أبي حفص، عمر بن محمد البغدادي وغيره إذنا، عن أبي القاسم، إسماعيل بن أحمد السمرقندي إذنا، قال: أخبرنا أبو الليث، نصر بن الحسن الشاشي السمرقندي، قراءة عليه، قال: أخبرنا عبد الغافر الفارسي بسنده السابق.
وما ننقله من أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري، فهو مندرج في روايتنا لجميع الكتاب عن شيخنا، أبي القاسم منصور ابن حفيد الفراوي عنه، وقد ذكرناه عند ذكرنا إسنادنا في الكتاب. وكذلك ما ننقله من الأصل المأخوذ عن الجلودي، فهو مما أجازه لنا منصور، عن أبي جده الفراوي، عن عبد الغافر الفارسي، عن الجلودي. وكذلك ما ننقله من أصل الحافظ أبي حازم العبدري، فهو أيضًا مما أجازه لنا، قال: أنبأنا أبو جدي الفراوي، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف الشيرازي، قال: أنبأنا الحافظ أبو حازم العبدري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد العدل، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: حدثنا مسلم.
[فائدة]: قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة، ليس المقصود بها في عصرنا، وكثير من الأعصار قبله، إثبات ما يُرْوَى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يَدرِي ما يرويه، ولا يَضبِط ما في كتابه، ضبطا يصلح لأن يُعتَمَد عليه في ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسَلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة - زادها الله كرامة-. وإذا كان ذلك كذلك، فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث، من "صحيح مسلم"، وأشباهه أن يتلقاه من أصل مُقابَلٍ على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة، مروية بروايات متنوعة؛ ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب، وبُعْدِها عن أن تُقْصَد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر الأصول المقابَل بها كثرةً تتنزل منزلة التواتر، أو منزلة الاستفاضة، وقد لا تبلغ ذلك، ثم ما لم يبلغ ذلك لا يبطل بالكلية. انتهى كلام الشيخ رحمهُ اللهُ تعالى (١).
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى بعدما نقل كلام الشيخ المذكور: هذا الذي قاله محمول على الاستحباب، والاستظهار، وإلا فلا يُشترط تعداد الأصول والروايات، فإن الأصل الصحيح المعتمد يكفي، وتكفي المقابلة به. انتهى (٢).
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر" حيث قال:
وَأَعْرَضُوا فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ ... عَنِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي
стр. 69
لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ ... صَارَ بَقَا سِلْسِلَةِ الإِسْنَادِ
فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتْرُ ... وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ
وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ ... شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ
وقال أيضًا:
لأخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ ... عَرْضٌ عَلَى أَصْلِ وَعِدَّهٍ نُدِبْ
وَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الْحَدِيثِ شَرَطَا ... رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا غُلِّطَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة عشرة: في ذكر مولفات الإمام مسلم رحمهُ اللهُ تعالى، غير "صحيحه "
كان رحمهُ اللهُ تعالى كثير المؤلّفات في الحديث روايةً، ودرايةً، وفي علومه المختلفة، كأوهام المحدّثين، وأسمائهم، وطبقاتهم، وكناهم، والمفردات، والوُحدان، والمخضرمين، والإخوة والأخوات، وفي العلل، وغير ذلك، فمنها:
الأسامي والكنى، وأسماء الرجال، والتمييز، والجامع، وهو صحيحه الذي قمت بشرح مقدّمته، وشرحه أيضًا إن مدّ الله تعالى في العمر -أسأل الله تعالى التوفيق، والتيسير- والطبقات، والوُحدان، والإخوة والأخوات، وأفراد الشاميين، والأقران، والانتفاع بأُهُب السباع، وأولاد الصحابة، وأوهام المحدثين، والتاريخ، وتفضيل السنن، والجامع الكبير على الأبواب، وذكر أولاد الحسين، ورواة الاعتبار، وسؤالاته أحمد بن حنبل، والعلل، وكتاب عمرو بن شعيب، والمخضرمون، ومسند حديث مالك، والمسند الكبير على الرجال، ومشايخ الثوري، ومشايخ شعبة، ومشايخ مالك، ومعرفة رواة الأخبار، وكتاب معمر.
وهذه الكتب بعضها موجود مطبوع، وبعضها مفقود، وقد أجاد في الكلام عليها الشيخ مشهور في كتابه "الإمام مسلم بن الحجاج"، ومنهجه في "الصحيح" ١/ ٢٣٣ - ٢٥٤ وفي الباب الذي يليه، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة عشرة: في ذكر عوالي الإمام مسلم على الإمام البخاري رحمهما الله تعالى، وهي أربعون حديثًا، انتقاها الحافظ ابن حجر رحمهُ اللهُ تعالى من "صحيح مسلم" أحببت إيرادها بنصّها حِفاظًا عليها، وإبقاءً لها:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 70
قال شيخنا شيخ الإسلام، حافظ العصر، وحاكم الأنام، أبو الفضل شهاب الدين، أحمد بن عليّ، بن حجر العسقلانيّ الشافعيّ رحمهُ اللهُ تعالى:
أما بعدَ حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فهذه أربعون حديثًا انتقيتها من "صحيح مسلم بن الحجاج" هي من العزيز الذي علا مسلم البخاريّ برجل في كلّ إسناد منها، إما أن يروي مسلم عن رجل حديثًا، ويكون البخاريّ قد روى ذلك الحديث بعينه عن ذلك الرجل بواسطة بينه وبينه. وإما أن يتفق معه في الشيخ الثالث للبخاريّ، وهو الثاني له، أو يتّفق معه في الرابع، وهو الثالث له. وعلى نظير ذلك كلّه أكثر هذه الأربعين. والله الموفّق والمعين، وأسأله أن ينفعنا بذلك، وأن يُتحفنا بالمطالب من إنقاذنا من المهالك، إنه على كلّ شيء قدير.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعديّ الْفُرَاويّ، فقيه الحرم، أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، أنا أبو أحمد، محمد بن عيسى بن عمرويه الْجُلُوديّ، أنا إبراهيم بن محمد بن سُفيان، ثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، قال:
الحديث الأول:
وحدثني أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه ﵁، أنه: "غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" (١).
أخرجه البخاريّ في "المغازي" من "صحيحه" عن أحمد بن الحسن الترمذيّ، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، عن أحمد، فوقع بدلًا، فكأنه سمعه من مسلم.
الحديث الثاني:
وبالإسناد إلى ابن سفيان، ثنا مسلم، وحدثنا داود بن رُشَيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مُطَرِّف، أبي غَسَّان المدني، عن زيد بن أسلم، عن علي بن حسين، عن سعيد بن مَرْجَانة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه" (٢).
أخرجه البخاريّ في "الكفّارات" من "صحيحه" عن محمد بن عبد الرحيم المعروف بـ "صاعقة"، عن داود بن رُشيد بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "العتق".
стр. 71
الحديث الثالث:
وبه إلى مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، قال: "رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله، أن ابن صائد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك، عند النبي ﷺ ، فلم ينكره النبي ﷺ " ..
أخرجه البخاريّ في "الاعتصام" من "صحيحه"، عن حماد بن حُميد، عن عبيد الله بن معاذ به. أخرجه مسلم في "الفتن" (١)، فكأنه سمعه من مسلم.
الحديث الرابع:
وبه: ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، ثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عبد الحميد الزيادي، أنه سمِع أنس بن مالك ﵁ يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ إلى آخر الآية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (٢).
أخرجه البخاريّ في "التفسير" من "صحيحه" عن أحمد بن النضر المروزيّ، وأخيه، محمد بن النضر، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ بهذا الإسناد. أخرجه في "ذكر المنافقين والكفّار" (٣)، فكأنه سمعه من مسلم.
الحديث الخامس:
وبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد -يعني ابن زيد- أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم، يوم حُرِّمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ، البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال: فجرت في سِكَكِ المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهَرَقتها، فقالوا، أو قال بعضهم: قُتِل فلان، قتل فلان، وهي في بطونهم، قال: فلا أدري هو من حديث أنس، فأنزل
стр. 72
الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣].
أخرجه البخاريّ -في "المظالم"- عن محمد بن عبد الرحيم، عن عفّان، عن حمّاد به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الأشربة" (١).
الحديث السادس:
وبه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، أنه سمع سعيد بن المسيب، يحدث أن أبا هريرة، وأبا سعيد حدثاه: أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جَنِيب، فقال له رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا؟ "، قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان".
أخرجه البخاريّ من طرق، من هذا الوجه، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "البيوع" (٢).
الحديث السابع:
وبه: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا جرير بن حازم، ثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: "كان شعرا رَجِلًا، ليس بالْجَعْد، ولا السَّبِط، بين أذنيه وعاتقه".
أخرجه البخاريّ في "اللباس" عن عمرو بن عليّ، عن وهب بن جرير، عن أبيه به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "صفة النبيّ ﷺ " (٣).
الحديث الثامن:
وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا قلابة أخبره، أن ثابت بن الضحاك أخبره، أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه".
стр. 73
أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن إسحاق، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلّام به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الفضائل" (١).
الحديث التاسع:
وبه: حدثنا يحيى بن بشر الْحَرِيري، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى ابن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره، أن سعيد بن جبير أخبره، أنه سمع ابن عباس قال: "إذا حَرَّمَ الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها"، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. رواه البخاريّ في "الطلاق" من "صحيحه" عن الحسن بن الصبّاح، عن الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلّام به، والمعنى متقارب، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الطلاق" (٢).
الحديث العاشر:
وبه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن عون الهلالي، قال يحيى: أخبرنا، وقال ابن عون: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء بالرطب".
أخرجه البخاريّ عن جماعة من أصحاب إبراهيم بن سعد، وأخرجه أيضًا عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم به، فكأنه من هذا الوجه سمعه من مسلم. (٣).
الحديث الحادي عشر:
وبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت رِدْفَ رسول الله ﷺ على حمار، يقال له: عُفَير، قال: فقال ﷺ : "يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : "فإن حق الله على العباد، أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال ﷺ : "لا تبشرهم، فيتكلوا".
أخرجه البخاريّ في "الجهاد" من "صحيحه" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص به، فكأنه سمعه من مسلم (٤).
стр. 74
الحديث الثاني عشر:
وبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود، حدثنا محمد بن حرب، حدثني محمد ابن الوليد الزُّبَيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيت أم سلمة، زوج النبي ﷺ رأى بوجهها سَفْعَةً، فقال ﷺ "بها نظرة، فاسترقوا لها"- يعني بوجهها صفرة.
أخرجه البخاريّ في "الطبّ" عن محمد بن خالد -يعني محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهليّ، عن محمد بن وهب بن عطيّة الدمشقيّ، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الطبّ" (١).
الحديث الثالث عشر:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يُهلِك أمتي هذا الحيُّ من قريش"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال ﷺ : "لو أن الناس اعتزلوهم".
أخرجه البخاريّ في "علامات النبوّة" عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي أسامة به، فكأنه سمعه من مسلم أخرجه في "الفتن" (٢).
الحديث الرابع عشر:
حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي، يقول: أخبرني أبو إدريس، عائذ الله، قال: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَني يقول: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أَصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، أو بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال ﷺ : "أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب، تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما أصبت بقوسك، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم، فأدركت ذكاته فكل".
أخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن أحمد بن أبي رجاء، عن سلمة بن سليمان، عن ابن المبارك به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الذبائح" (٣).
стр. 75
الحديث الخامس عشر:
وبه: وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: أخبرني أبو المليح، قال: دخلت مع أبيك، على عبد الله بن عمرو، فحدثنا أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي، فدَخَل علي، فألقيت له وسادة من أدم، حشوها لِيفٌ، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال ﷺ لي: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ " قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "خمسا"، قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "سبعا"، قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "تسعا" قلت: يا رسول الله، قال ﷺ : "أحد عشر"، قلت: يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "لا صوم فوق صوم داود، شطرُ الدهر، صيام يوم، وإفطار يوم".
أخرجه البخاريّ في "الاستئذان" عن عبد الله بن محمد، عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن خالد الحذّاء به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في "الصوم" (١).
الحديث السادس عشر:
وبه: حدثنا يحيى بن يحيى، وشيبان بن فَرُّوخ، كلاهما عن عبد الوارث، قال يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التَّيّاح الضُّبَعي، حدثنا أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني انظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر رِدْفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا، فقال ﷺ : "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخل، وقبور المشركين، وخِرَبٌ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقُطع، وبقبور المشركين فنُبشت، وبالْخِرَب فسُوّيت، قال: فصفوا النخل قبلةً، وجَعَلوا عَضَادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجره".
أخرجه البخاريّ بتمامه في "الهجرة"، وأخرج بعضه في "الوصايا" عن إسحاق بن