← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

تعالى به، ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته، ولقد كنا في مجلس لبعض أصحابنا، فقلت له: يا أبا زكريا ما نفيدك حديثا؟ وفينا يومئذ علي، وأحمد، فقال: وما هو؟ فقلت حديث كذا وكذا، فقال: هذا غلط، فكان كما قال. قال ابن الرومي: وكنت عند أحمد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكريا، فإنه يعرف الخطأ، قال: وكنت أنا وأحمد نَختَلِف إلى يعقوب ابن إبراهيم في المغازي، فقال أحمد: ليت أن يحيى هنا، قلت: وما تصنع به؟ قال: يعرف الخطأ. وقال علي بن سهل بن المغيرة: سمعت أحمد يقول في دهليز عفان، فذكر نحو هذه القصة. وقال عبد الخالق: حدثني أبو عمرو أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت عباسًا الدُّوري يقول: رأيت أحمد يسأل يحيى بن معين عند رَوْح بن عبادة مَنْ فلان؟ ما اسم فلان؟ . وقال الأصم عن الدوري: رأيت أحمد في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول: يا أبا زكريا كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كلما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد يسميه باسمه، بل يكنيه. وقال سليمان بن عبد الله: سمعت أحمد يقول: هَهنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين، يعني ابن معين. وقال الأثرم: رأى أحمد يحيى بن معين بصنعاء، يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فقال له أحمد: تكتب هذه الصحيفة، وتعلم أنها موضوعة؟ ، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: نعم أكتبها فأحفظها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا. وقال أحمد بن علي الأبار عن ابن معين: كتبنا عن الكذابين، ثم سَجَرنا به التنور. وقال أبو حاتم: إذا رأيت البغدادي يُحِبّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين، فاعلم أنه كذاب. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في ابن معين، فاعلم أنه كذاب، إنما يُبغضه لما بَيَّنَ من أمر الكذابين. وقال محمد بن رافع: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كل حديث لا يعرفه ابن معين فليس هو بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتا. وقال الحسن بن عُلَيْل العنزي: ثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا، ما أعلمت به أحدًا، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إليّ خلف بن سالم أن أذكرها، فَمَا قلت له. قال يحيى: وما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وما استقبلت رجلا في وجهه بما يكره، ولكن أُبَيّن له خطأه، فإن قبل، وإلا تركته. وقال موسى بن حمدون عن أحمد بن عقبة: سمعت يحيى بن معين يقول: من لم يكن سمحا في الحديث كان كذابا، قيل له: وكيف يكون سمحا؟ قال: إذا شك في

стр. 807

الحديث تركه. وقال سعيد بن عمرو البردعي: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أحد ممن امتحن فأجاب، وذكر ابن معين وأبا نصر التمار. وقال الخطيب: كان إماما ربانيا عالما حافظا ثبتا متقنا. وقال ابن حبان في "الثقات": أصله من سَرَخْسَ، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع السنن، وكثرت عنايته بها، وجمعه وحفظه إياها، حتى صار عَلَمًا يُقتَدى به في الأخبار، وإماما يُرجع إليه في الآثار. وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد، وابن المديني، ونظرائهم، فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث، لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خُلطت، وتلبست، فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال. وقال أبو بكر بن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جَرّ ذيول الناس جَرُّوا ذيله. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: وُلد يحيى بن معين سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول ﷺ سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وقد استوفى خمسًا وسبعين سنة، ودخل في الست. وقال البخاريّ: مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، إلا نحوًا من عشرة أيام. وقال الحسين بن فَهْم: سمعت ابن معين يقول: وُلدت في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها. وقال الدوري نحو ما قال البخاري، وزاد قبل أن يحج. وفيها أرخه غير واحد، زاد عباس في موضع آخر: ونودي بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ . وزاد إبراهيم بن المنذر: فرأى رجل النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين، فسألهم، فقال: "جئت لهذا الرجل، أصلي عليه، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي". وقال حُبَيش بن مبشر: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأعطاني، وزوجني ثلاثمائة حوراء، وأدخلني عليه مرتين. وقال عبد الله بن أحمد: قال فيه بعض أهل الحديث [من الكامل]: ذَهَبَ الْعَلِيمُ بِعَيْب كُلِّ مُحَدِّثٍ ... وَبِكُلِّ مُخْتَلِفٍ مِنَ الإِسْنَادِ وَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الْحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ ... يُعْنَى بِهِ عُلَمَاءُ كُلِّ بِلَادِ وقال في "التقريب": ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، من العاشرة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث فقط برقم ١٠١٨ و ١٤٢٤ و ١٥٤٢. ٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، مولى سليمان بن مجالد،

стр. 808

ترمذيّ الأصل، سكن بغداد، ثم تحول إلى الْمِصِّيصَة. رَوَى عن حريز بن عثمان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والليث، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وأبو عبيد، وخلق كثير. قال أحمد: ما كان أضبطه، وأشد تعاهده للحروف، ورفع أمره جدّا. وقال مرة: كان يقول: حدثنا ابن جريج، وإنما قرأ على ابن جريج، ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ. وقال أحمد أيضا: سمع التفسير من ابن جريج إملاءً، وقرأ بقية الكتب. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي أيما أثبت: حجاج، أو الأسود بن عامر؟ فقال: حجاج. وقال الزعفراني: سئل ابن معين أيما أحب إليك: حجاج، أو أبو عاصم؟ فقال: حجاج. وقال الْمُعَلَّى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج. وقال علي بن المديني، والنسائي: ثقة. وقال أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله السُّلَميّ: حجاج نائمًا أوثق من عبد الرزاق يقظان. وقال ابن سعد: تحول إلى المصيصة، ثم قدم بغداد في حاجة له، فمات بها سنة (٢٠٦)، كان ثقة صدوقا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره، حين رجع إلى بغداد. وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لَمّا قَدِم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خلط، فقال لابنه لا تُدخل عليه أحدًا، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس، فأعطوه كتاب شعبة، فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبس أبي مريم، عن خيثمة، فقال يحيى لابنه: قد قلت لك. وذكره أبو العرب القيرواني في "الضعفاء" بسبب الاختلاط. وقد وثقه أيضا مسلم، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ربيع الأول. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره، لَمّا قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة (٢٠٦). انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٤) حديثًا. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن المذكور في الأثر الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن حجاج بن محمد الأعور رحمه الله تعالى، أنه قال: (حَدَّثَنَا) محمد بن عبد الرحمن

стр. 809

بن المغيرة بن الحارث (بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ) بضم الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، وكسر الموحّدة، اسم عجميّ لا ينصرف (ابْنِ سَعْدٍ) هو: أبو سعد الخطمي المدني، مولى الأنصار. روى عن زيد بن ثابت، وأبي رافع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، والحسن بن علي، وعُويم بن ساعدة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومالك، وغيرهم. قال بشر بن عمر: سألت مالكا عنه؟ فقال: ليس بثقة. وقال يزيد بن هارون: عن ابن أبي ذئب: أنا شُرحبيل، وهو شرحبيل، وقد بينا لكم. وقال ابن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: كان شرحبيل بن سعد يُفتي؟ قال: نعم، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي، والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه. وقال في موضع آخر عن سفيان: لم يكن أحد أعلم بالبدريين منه، وأصابته حاجة، فكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل، فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرًا. وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف. وقال أيضا: كان أبو جابر البياضي كذابا، وشرحبيل خير من ملء الأرض مثله. وقال مرة: ضعيف، يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى القطان قال: قال رجل لابن إسحاق: كيف حديث شرحبيل؟ فقال: وأحدٌ يحدث عن شرحبيل؟ ! قال يحيى: العجب من رجل يحدث عن أهل الكتاب، ويرغب عن شرحبيل. وقال ابن سعد: كان شيخا قديما، روى عن زيد بن ثابت، وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث، وليس يحتج به. وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف يُعتَبَر به. وقال ابن عدي: له أحاديث، وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة. وخرّج ابن خزيمة، وابن حبان حديثه في "صحيحيهما". وقال ابن الْبَرْقِيّ في "باب من كان الأغلب عليه الضعف": ويقال: إن الرجل الذي روى عنه مالك حديث: "اصطدتُّ نُهَسًا (١) " في "كتاب الحج" شرحبيل بن سعد، وهو يضعف، وإنما ترك مالك تسميته لذلك. وحَكَى مضر بن محمد عن ابن معين أنه وثقه. وقال ابن المديني أَتَى لشرحبيل أكثر من مائة سنة. وقال جويرية: قلت له: رأيت عليا؟ قال: نعم. انتهى. وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويما مات في حياة رسول الله ﷺ ، ويقال: في خلافة عمر ﵁. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة.

стр. 810

وقال في "التقريب": صدوقٌ اختلط في آخره، من الثالثة، مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة. انتهى. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، وابن ماجه. (وَكَانَ مُتَّهَمًا) أي بالكذب في الحديث، وقد سبق أن هذا في آخر عمره لَمّا احتاج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٤ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ ابْنَ مُحَرَّرٍ، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠. ٢ - (أبو إسحاق الطالقانيّ) هو: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى نزيل مرو، تقدّم في ٤/ ٣٢. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ رحمه الله تعالى، أنه قال: (سَمِعْتُ) عبد الله (ابْنَ الْمُبَارَكِ) الإمام الجليل رحمه الله تعالى، تقدّم في ٤/ ٣٠ (يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء الأولى، بصيغة اسم المفعول- العامري الجزري الحرّاني، ويقال: الرَّقّيّ، قاضي الجزيرة، متّفق على ضعفه، وقد تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف رحمه الله تعالى الرواة الذين يغلب على أحاديثهم المنكر، أو الغلط. والله تعالى أعلم. (لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي لشدّة حرصه على سماع أحاديثه (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ) بفتح الموحّدة، وفتح المهملة، وتُسكّن-: واحدة البعَر. قال الفيّوميّ: الْبَعَر -أي بفتح العين- معروف، والسكون لغة فيه، وهو من كلّ ذي ظِلْف، وخُفّ، والجمع أبعار، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (١). وقال في "المعجم الوسيط": "البعر": رجيع ذوات الخفّ، وذوات الظلف، إلا البقر الأهليّ. انتهى (٢). (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ) أي لكونه واهي الحديث، وقد وافق العلماء ابن المبارك على تضعيفه، فقد سبق

стр. 811

أنه متّفقٌ على ضعفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٥ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (الفضل بن سهل) المروزيّ المذكور قبل أثر. ٢ - (وليد بن صالح) النَّخّاس -بنون، وخاء معجمة، آخره سين مهملة- الضبي، أبو محمد الجزري، بياع الرقيق، نزيل بغداد. رَوَى عن جرير بن حازم، والحمادين، وإسرائيل، وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى مسلم عن الفضل بن سهل، ومحمد بن حاتم بن ميمون عنه وأبو توبة، ويعقوب الدورقي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ لم تكتب عن الوليد بن صالح؟ قال: رأيته يصلي في مسجد الجامع، يسيء الصلاة فتركته. وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، وأبو حاتم: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عوانة في "صحيحه": ثقة. وقال في "التقريب": ثقة، من صغار التاسعة. انتهى. تفرد به البخاريّ، ومسلم، له عند البخاريّ حديث واحد برقم ٣٦٧٧ حديث: "كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر ... " الحديث، وله عند مسلم هذا الأثر هنا، وحديث رقم ٢٨٨٣ حديث: "سيعوذ بهذا البيت -يعني الكعبة- قوم ... " الحديث. ٣ - (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الْجَزَريّ الرَّقّيّ. رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وعبد الله بن محمد بن عَقيل، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. وروى عنه بَقِيّة، وعبد الله بن جعفر الرقي، وزكرياء بن عدي، والوليد ابن صالح النّخّاس، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ثقة، صدوق، لا أعرف له حديثا منكرا، هو أحب إلي من زهير بن محمد. وقال علي بن معبد: قيل لعبيد الله بن عمرو: بلغني أن عندك من حديث ابن عَقيل كثيرا، لم تحدث عنه لِمَ؟ هل ألقيته؟ قال: لأن ألقيه أحب إلي من أن يُلْقِيَنِي الله. قال: وزعم أنه سمع بعض ذلك الكتاب مع رجل لم يثق به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، كثير الحديث، وربما

стр. 812

أخطأ، وكان أحفظ مَنْ روى عن عبد الكريم الجزري، ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، ومات بالرَّقّة سنة (١٨٠). وقال غيره: كان مولده سنة (١٠١) ذكره أبو علي الحراني في "تاريخ الرقة" عن هلال بن العلاء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان راويا لزيد بن أبي أنيسة، روى عنه أهل الجزيرة، مات سنة ثمانين، وهو ابن ست وسبعين. ووثقه العجلي، وابن نمير. وقال في "التقريب": ثقة فقيه، ربما وهم، من الثامنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٧) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عبيد الله بن عمرو الرّقّيّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسمه زيد الجزري، أبو أسامة الرُّهاويّ، كوفيّ الأصل، الْغَنَوِيّ مولى بني غَنيّ بن أعصُر. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وأبي الزبير، وغيرهم. وروى عنه مالك، ومسعر، ومعقل بن عبيد الله، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وهو راويته، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن عبد الله الأودي: ثنا وكيع، وجعفر بن برقان، عن زيد بن أبي أنيسة، وكان ثقة. وقال ابن سعد: كان يَسْكُنُ الرُّهَا، ومات بها، وكان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، راوية للعلم. وقال عُبيد الله بن عمرو: أتيت الأعمش، فحدثني عشرة أحاديث، فاستزدته، فأبى، فقيل له: إنه صاحب زيد بن أبي أنيسة، قال: فحدثني بنحو خمسين حديثا. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٢٥) وهو ابن (٣٦) سنة، وكان فقيهًا، ورعا. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وحكى العقيلي عن أحمد، أنه قال: حديثه حسن مقارب، وإن فيها لَبَعْضَ النكرة، وهو على ذلك حسن الحديث. وقال المرُّوذيّ: سألته عنه، فحرك يده، وقال: صالح، وليس هو بذاك. وذكر ابن خلفون أن الذهليّ، وابن نمير، والْبَرْقيّ وثقوه. قال ابن سعد: سمعت رجلا من أهل حَرّان: يقول: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقال محمد بن عمر: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقال غيره: سنة أربع وعشرين ومائة. وذكر ابن زَبْر أنه وُلد سنة إحدى وتسعين. وقال في "التقريب": ثقة، له أفراد، من السادسة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٧) حديثًا أيضًا. (لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي) أي لأنه يكذب. وأخوه: هو: يحيى بن أبي أنيسة الغنوي مولاهم أبو زيد الجزري تقدمت ترجمته عند ذكر المصنف الرواة الذين يتركون لنكارة

стр. 813

أحاديثهم، فراجعه تستفد والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٦ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ الْوَابِصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَذَّابًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ (١)) البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٤. ٢ - (عبد السلام) بن عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد الأسدي القاضي الوابصي (٢)، أبو الفضل الرَّقّيّ، قاضي الرّقّة بفتح الراء، وحرّان، وحلب، وقضى ببغداد. رَوَى عن أبيه، ووكيع، وعبد الله بن جعفر الرقي، وغيرهم. روى عنه أبو داود، وأبو حاتم، وأحمد بن علي الآبار، وعلي بن سعيد بن بشير الرازي، وغيرهم. قال أبو علي بن خاقان: أحسن أحمد القول فيه، وقال: ما بلغني عنه إلا خيرًا. وقال أحمد بن كامل: كان عبد السلام يتولى قضاء بغداد، فصرفه يحيى بن أكثم، ثم أعاده المتوكل. وقال أحمد بن كامل: وكان عفيفا. قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته، قال: أراه ضعيفا في الفقه، قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد كتابًا، وكتب عهدا، ولم يسم القاضي، وأمر أن يسأل عن الوابصي، فإن رضوا به، وقع اسمه في العهد، فأجمعوا على الرضى به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان جميل الطريقة. قال أبو عروبة الحراني: مات سنة سبع وأربعين ومائتين. وقال أبو علي الحراني: مات سنة تسع وأربعين ومائتين. وكذلك قال ابن حبان في "الثقات". وقال في "التقريب": مقبولٌ، من الحادية عشرة. انتهى. له ذكر هنا في "المقدمة"، وروى عنه أبو داود حديثا واحدا. ٣ - (عبد الله بن جعفر) بن غيلان الرَّقّيِّ، أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم. رَوَى عن عبيد الله بن عمرو، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقي، وعبد العزيز

стр. 814

الدراوردي، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وعبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة، وهو أحب إلي من علي بن معبد الذي كان بمصر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير. ووثقه العجلي. وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة (١٦) وتغير سنة (١٨) ومات سنة (٢٢٠). وكذا أرخ وفاته أبو داود وغيره. وكذا قال ابن حبان في "الثقات": لكن لم يذكر تاريخ عماه، وقال: لم يكن اختلاطه فاحشا، ربما خالف. وقال في "التقريب": ثقة، لكنه تغيّر بآخره فلم يَفحُش اختلاطه، من العاشرة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث، برقم ١٥٥٠ و ١٧٢٣ و ٢٠٤٠ و ٢٩٤٦. والله تعالى أعلم. و شرح الأثر واضحٌ. و"عبيد الله بن عمرو": هو الرقّيّ المذكور في الأثر الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٧ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أحمد بن إبراهيم) الدورقيّ المذكور في الأثر الماضي. ٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، نزيل مكة، وقاضيها الإمام الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٥. ٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الحافظ الثبت البصريّ، تقدّم في ٣/ ٢٣. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (فَرْقَدٌ) -بفتح الفاء، والقاف، بينهما راء ساكنة، وآخره دال مهملة- وهو: فَرْقَد بن يعقوب السَّبَخِيّ -بفتح المهملة، والموحّدة، وبخاء معجمة- أبو يعقوب البصري، من سَبَخَة البصرة، وقيل: من سبخة الكوفة. رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، ومُرّة بن شَرَاحيل، وغيرهم. وروى عنه همام، ومغيرة بن مسلم، وصدقة الدقيقي، والحمادان، وغيرهم.

стр. 815

قال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: سألت أيوب عنه، فقال: ليس بشيء. وفي رواية: لم يكن صاحب حديث. قال ابن المديني عن يحيى القطان: ما يعجبني التحديث عنه. وقال أبو طالب عن أحمد: رجل صالح، ليس بقوي في الحديث، لم يكن صاحب حديث. وقال الجوزجاني عن أحمد: يروي عن مرة منكرات. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال البخاري: في حديثه مناكير. وقال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد، وروى عنه الناس. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال يعقوب بن شيبة: رجل صالح، ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، وكان حائكا. وقال ابن عدي: كان يُعَدّ من صالحي أهل البصرة، وليس هو كثير الحديث. وقال ابن سعد: مات بالطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكان ضعيفا، منكر الحديث. وقال العجلي: بصري لا بأس به، رجل صالح. وقال الْخُرَيبيّ: كان رجلا صالحا، وغيره أثبت منه. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فحرك يده، كأنه لم يرضه. وقال الساجي: كان يحيى بن سعيد يَكرَه الحديث عنه. وقال ابن المديني: لم يكن بثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد: ليس هو بقوي. قال الساجي: وقد اختُلِف فيه، وليس بحجة في الأحكام والسنن. وقال ابن شاهين: قال أحمد: ليس بثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كانت فيه غفلة، ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل، وهو لا يعلم، ويُسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به. وأخرج ابن عدي من طريق جرير، عن مغيرة، قال: أول من دلنا على إبراهيم النخعي فرقد، وكان فرقد من نصارى أرمينية حائكا. انتهى. وقال في "التقريب": صدوقٌ، عابدٌ، لكنه ليّن الحديث، كثير الخطإ، من الخامسة. مات سنة (١٣١). انتهى. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. (عِنْدَ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (فَقَالَ) أيوب (إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ) كناية عن ضعفه. وقد عرفت فيما ذُكر في ترجمته آنفًا أن الأكثرين وافقوا أيوب في تضعيفه. وخلاصة القول أن فرقدًا، وإن كان رجلًا صالحًا، إلا أن الحديث ليس من صناعته، وهو كما قيل: للحرب رجال، وللثريد رجال، وقال الإمام يحيى بن معين لما سئل عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ، صاحب الجزء المعروف، وشيخ البخاريّ، قال: يليق به القضاء، فقيل له: فالحديث؟ فقال: لِلْحَرْب أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا ... ولِلدَّوَاوِينِ حُسَّابٌ وَكُتَّابُ وقد تقَدّم عن الإمام الحجة يحيى بن سعيد القطّان قوله: لم نر الصالحين في

стр. 816

شيء أكذب منهم في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٨ - (وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًّا، فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيِّ) هو: عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب ابن مهران العبدي، أبو محمد النيسابوري. رَوَى عن سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، والنضر بن شميل، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وصالح بن محمد الأسدي، وغيرهم. قال صالح بن محمد: صدوق. وقال أبو بكر الجاروديّ: كان يحيى بن سعيد يُحِلّه محل الولد. وقال الحاكم: العالم ابن العالم ابن العالم. وقال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت عبد الرحمن بن بشر يقول: حملني بشر بن الحكم على عاتقه، في مجلس ابن عيينة، فقال يا معشر أصحاب الحديث، أنا بشر بن الحكم بن حبيب، سمع أبي الحكمُ بن حبيب من سفيان، وقد سمعت أنا منه، وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن، قد سمع منه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو جعفر الزاهد: أمر عبد الله بن طاهر الأمير أن يُكتَب أسامي الأعيان بنيسابور، فكَتَبُوا أسماء مائة مُسِنّ، وفيهم عبد الرحمن، ثم قال: يُختار من المائة عشرة، فكتبوهم، وفيهم عبد الرحمن، ثم قال: يُختار من العشرة أربعة، فاختيروا، وفيهم عبد الرحمن. وقال ابن أبي حاتم: كتب إلي ببعض فوائده، وكان صدوقا ثقة. وقال مُسَدَّد بن قَطَن: لما مات محمد بن يحيى، عَقَد مسلم مجلس الإملاء لخالي عبد الرحمن بن بشر، وانتقى عليه. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثة، أو أربعة، ومسلم ثلاثة وعشرين (١). قال حسين القباني: مات في سنة ستين ومائتين. وكذا أرخه أبو عمرو المستملي، وزاد: في ربيع الآخر. وقال غيره: مات سنة (٦٢).

стр. 817

وقال في "التقريب": ثقة، من صغار العاشرة. انتهى. ٢ - (يحيى بن سعيد القطّان) الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى شرح الأثر: عن عبد الرحمن بن بشر العبديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ) (ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ) المكيّ، ويقال له: محمد المْحُرِم. روى عن عطاء، وابن أبي مليكة. وروى عنه النفيلي، وداود بن عمرو الضبي، وعدة. ضعفه يحيى بن معين. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي متروك. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ضمرة عن ابن شوذب قال: قال عكرمة لمحمد الْمُحْرِم: ما أعلم أحدا شرا منك، قال: كيف؟ قال: لأن الناس يستقبلون هذا البيت بالتلبية، وأنت تستدبره بها. قال: وكان محمد يُحرم السنة كلها إذا انصرف إلى أهله ناويا بالحج. وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال: قال مصعب: زعم المكيون أنه رجل صالح، وكان يحيى، وأبو خيثمة لا يرضونه. وعن ابن مهدي قال: كان له هيئة وسَمْتٌ، فقال رجل: لا يُنظر إلى هيئته وسمته، فإنه من أكذب الناس، ثم قام إليه، فقال له: كيف حَدّثت أن النبي ﷺ باع مصحفا؟ فقال: حدثني عطاء، عن ابن عباس بذلك. وهذا باطل، يدلّ على أنه كان يتلقن، فيتوهم، فيُقْدِم. ذكره في "لسان الميزان" (٢). وليس محمد بن عبد الله هذا من رجال الكتب الستة. (فَضَعَّفَهُ) أي ضعّف يحيى القطّان محمد بن عبد الله هذا (جِدًّا) -بكسر الجيم، وتشديد الدال- مصدر جدّ يجدّ، من باب ضرب، وهو مفعول مطلق على النيابة، إذ أصله تضعيفًا جدّا: أي بليغًا (فَقِيلَ لِيَحْيَى) القطّان (أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ ) بتقدير أداة الاستفهام: أي أهو أشدّ ضعفًا من يعقوب بن عطاء بن أبي رباح المكيّ، مولى قريش. روى عن أبيه، وخالد بن عبد الله بن كيسان، وصفية بنت شيبة، وغيرهم. وروى عنه عمرو بن العلاء، وزمعة بن صالح، وعمر بن ذر، وغيرهم. قال عمرو بن علي: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرزاق يحدثان عن يعقوب بن

стр. 818

عطاء شيئا قط. وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه. وقال الساجي: قال أحمد: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه، وعنده غرائب، وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب، وزمعة، وأبو قرة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وخمسين ومائة، وكان له يوم مات ست وثمانون سنة، ربما أخطأ، يعتبر حديثه من غير رواية زمعة عنه، فإن الْمُعْتَبَر إذا اعْتُبِرَ حديثُهُ الذي بين السماع فيه، ولم يرو عنه إلا ثقة، لم يجد إلا الاستقامة. وقال في "التقريب": ضعيف، من الخامسة. انتهى. تفرّد به النسائيّ. (قَالَ) يحيى (نَعَمْ) أي هو أضعف من يعقوب (ثُمَّ قَالَ) يحيى (مَا) نافية (كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) أي لشدّة ضعفه، وقد عرفت في ترجمته المذكورة آنفًا ما يفيد أنهم متفقون على ما قاله يحيى القطان، من تضعيفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٩ - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ الْأَعْلَى، وَضعَّفَ يَحْيَى مُوسَى بْنَ دِينَارٍ، قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ، وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ). شرح الأثر: عن (بِشْر بْنِ الْحَكَمِ) العبديّ النيسابوريّ، والد عبد الرحمن المذكور في السند الماضي، وتقدم في ٤/ ٣٧. أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسدي، ويقال: مولى الحكم بن أبي العاص الثقفي الكوفي. رَوَى عن أبي جُحيفة، وأبي الطفيل، وعلقمة، وموسى بن طلحة، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، والسفيانان، وزائدة، وفطر بن خليفة، وغيرهم. قال أحمد: ضعيف الحديث، مضطرب. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روى؟ إنما روى شيئا يسيرا، قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديث الصدقة -يعني حديث: "من سأل، وله ما يغنيه ... ". وقال معاذ بن معاذ: قلت لشعبة: حَدِّثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار. وقال القطان عن شعبة نحو ذلك. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث. وقال الجوزجاني: كذّاب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال:

стр. 819

في رأيه شيء. قلت: ما محله؟ قال: الصدق إن شاء الله. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غال في التشيع. وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن مهدي: إنما رَوَى أحاديث يسيرة، وفيها منكرات. وقال الفلاس: كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرحمن لا يحدث عنه. وقال البخاري في "التاريخ": كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال الساجي: غير ثبت في الحديث، فيه ضعف. وروى عنه الحسن بن صالح حديثا منكرا. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء. أخرج له الأربعة. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، رُمي بالتشيّع، من الخامسة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأكثرين وافقوا يحيى القطّان على تضعيف حكيم بن جبير، فلم ينفرد يحيى القطّان بتضعيفه. والله تعالى أعلم. (و) ضعّف يحيى أيضًا (عَبْدَ الْأَعْلَى) بن عامر الثعلبي الكوفي. رَوَى عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، ومحمد بن الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وروى عنه ابنه علي، وابن جريج، ومحمد بن جُحَادة، وغيرهم. قال عبيد الله بن أبي الأسود عن يحيى بن سعيد: سألت الثوري عن أحاديثه، عن ابن الحنفية، فضعفها. وقال أحمد عن ابن مهديّ: كل شيء رَوَى عبد الأعلى عن ابن الحنفية، إنما هو كتاب أخذه، ولم يسمعه. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه. قال: وكان يحيى يحدثنا عنه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما رفع الحديث، وربما وقفه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يقال: إنه رُفع إليه صحيفة لرجل، يقال له: عامر بن هُنَيّ كان يروي عن ابن الحنفية. وقال النسائي: ليس بالقوي، ويكتب حديثه. وقال ابن عدي: يحدث بأشياء لا يُتَابع عليها، وقد حدث عنه الثقات. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك القوي. وقال الساجي: صدوق يَهِمُ. وقال يحيى بن سعيد: تَعرِف وتُنكر. وقال أبو علي الكرابيسي: كان من أوهى الناس. وقال العقيلي: تركه ابن مهدي، والقطان. وقال يعقوب بن سفيان: يُضَعَّف، يقولون: إن روايته عن ابن الحنفية، إنما هي صحيفة. وقال في موضع آخر: في حديثه لين، وهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال في "العلل": ليس بالقوي عندهم. وصحح الطبري حديثه في الكسوف، وحَسَّن له الترمذي، وصحح له الحاكم، وهو من تساهله. أخرج له الأربعة.

стр. 820

وقال في "التقريب": صدوق يَهِم، من السادسة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: صدوق، فيه نظر لا يخفى؛ لما عرفت آنفًا من أن الأكثرين على تضعيفه. والله تعالى أعلم. وقوله: (وَضَعَّفَ يَحْيَى مُوسَى بْنَ دِينَارٍ) جملة من فعل، وفاعل، ومفعول، فـ "يحيى" فاعل ضعّف، و"موسى" مفعوله: أي ضعّف يحيى القطّان في جملة من ضعّفه من المذكورين موسى بن دينار. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكذا صواب هذا الكلام، وفي أكثر النسخ: "وضعّف يحيى بن موسى بن دينار". وهذا وهمٌ. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في الأصول كلها: "وضعّف يحيى بن موسى" بإثبات لفظة "ابن" بين يحيى، وموسى، وهو غلط فاحش بلا شكّ، والصواب حذفها. كذا قاله الحفّاظ، منهم: أبو عليّ الْغَسّانيّ الْجَيّانيّ، وجماعات آخرون، والغلط فيه من رواة كتاب مسلم، لا من مسلم. انتهى (٢). و"موسى بن دينار": هو المكي، روى عن سعيد بن جبير، وجماعة. قال البخاري: ضعيف، كان حفص بن غياث يكذبه. وقال علي: سمعت يحيى القطان يقول: دخلت على موسى بن دينار، أنا وحفص، فجعلت لا أريده على شيء إلا لقيته. وقال أبو حاتم: مجهول. وضعفه الدارقطني. وقال الساجي: كذاب، متروك الحديث. وذكره العقيلي، والدولابيّ، ويعقوب بن سفيان، وابن السكن، وابن الجارود، وابن شاهين، في "الضعفاء". وساق العقيلي في ترجمته الحكاية المذكورة عن علي، وفيها بعد قوله: إلا لقيته، فخرجنا، فاتبعنا أبو الشيخ، فجعلت أبين له أمره، فلا يقبل. وأسند أيضا عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان قال: كتبنا عن شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، وأبو شيخ يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول حدثتك عائشة بنت طلحة، عن عائشة بكذا وكذا، فيقول: حدثتني عائشة، ويقول له: وحدثك القاسم بن محمد، عن عائشة مثله، فيقول: حدثني القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله، ويقول: حدثك سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيقول: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله، فلما فرغ مَدّ حفص يده إلى ألواح أبي شيخ، فمحاها منها، فقال: تحسدوني به، فقال حفص: لا، ولكن هذا كذب. قيل ليحيى: مَنِ الرجل، فلم يسمه، فقلت له: يا أبا سعيد لعل عندي عن هذا الشيخ شيئا، ولا أعرفه،

стр. 821

فقال: هو موسى بن دينار، قال عمرو بن علي: ما رأيت أحدا يحدث عنه إلا أبو شعيب التيمي، وآخر. وأخرجها بطولها الخطيب في "المؤتلف" من طريق الحاكم بسند آخر، عن عمرو بن علي. ذكره في "لسان الميزان" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنها: قد تلخّص مما سبق أنهم مجمعون على تضعيف موسى بن دينار هذا، بل كذّبه بعضهم، وليس له شيء في الكتب الستة. والحمد لله. (قَالَ) يحيى القطّان (حَدِيثُهُ رِيحٌ) أي شبه ريح، وهو كناية عن عدم أصل له حتى يُعتمد عليه، كما أن الريح لا جرم لها يُعتمد عليه، ويُتمسّك به. والله تعالى أعلم. (وَضَعَّفَ) يحيى أيضًا (مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ) بكسر الدال المهملة -وهو: موسى بن دهقان البصري، مدني الأصل. رَوَى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وعثمان بن عمر بن فارس، وسهل بن حماد، وغيرهم. قال علي بن المديني: سمعت يحيى القطان، وذكر موسى بن دهقان، فقال: أفسدوه، بأَخَرَةٍ. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي. وقال الآجري: قيل لأبي داود: كان موسى بن دهقان ساحرا، قال: كان عرافا. وقال النسائي، والدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال المروذي عن أحمد: لين الأمر. وقال العقيلي: قال ابن معين: ضعيف الحديث. وذكره ابن الْبَرْقيّ في "باب من كان الغالب عليه الضعف في حديثه، وترك بعض أهل العلم حديثه". قال الحافظ: رأيت بخط الذهبي: عاش إلى أيام الأوزاعي. ورأيت في "تاريخ البخاري": موسى بن دهقان يقولون: تغير بآخره. أخرج له البخاريّ في "جزء رفع اليدين". وقال في "التقريب": ضعيف، وهو ممن تغيّر، من الرابعة. انتهى. (وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ) هو: الحناط الغفاري، أبو موسى، ويقال: أبو محمد، مولى قريش، أصله كوفي، واسم أبي عيسى ميسرة. رَوَى عن أبيه، وأنس، والشعبي، وأبي الزناد، وغيرهم. وروى عنه مروان بن معاوية، ووكيع، وابن أبي فديك، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم. قال البخاري: ضعفه علي عن يحيى القطان. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى

стр. 822

ابن سعيد، وذكر عيسى الخياط، فلم يَرْضه، وذَكَرَ له حفظا سيئا، وقال: كان منكر الحديث، وكان لا يحدث عنه. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: السري بن إسماعيل أحب إلي منه. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان كوفيا، وانتقل إلى المدينة، كان خياطا، ثم ترك ذلك، وصار حناطا، ثم ترك ذلك، وصار يبيع الخبط (١). قال ابن سعد: كان يقول: أنا خَبَّاط، وحَنّاط، وخَيّاط، كُلًّا قد عالجت. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومثله مسلم بن أبي مسلم الخباط، وقد أشار إلى هذا السيوطيّ في "ألفية الأثر"، حيث قال: عِيسَى وَمُسْلِمٌ هُمَا حَنَّاطُ ... وَإِنْ تَشَا خَبَّاطٌ أوْ خَيّاطُ وقال عمرو بن علي، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم أيضا: عيسى بن ميسرة الغفاري المدني، روى عن أبي الزناد، عن أنس، هو عيسى الحناط، وفرق بينهما البخاري، وهما واحد. وقال ابن عدي: روى أحاديث لا يُتَابع عليها متنا ولا إسنادًا. وقال إبراهيم الحربي: كان فيه ضعف، وأخوه موسى ثقة. وقال أبو عبد الله: لا يساوي شيئا. وقال عمرو بن علي في موضع آخر: متروك الحديث، ضعيف الحديث جدا. وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال حماد بن يونس: لو شئت أن يحدثني عيسى بكل ما يصنع أهل المدينة حدثني به. وقال أبو القاسم البغوي: ضعيف الحديث. وذكره يعقوب بن سفيان في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم". وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: كان سيىء الحفظ والفهم، فاستحق الترك. وضعفه أيضا العجلي، والساجي، والعقيلي، ويعقوب ابن شيبة، وآخرون. وذكره البخاري في فصل من مات من الأربعين إلى الخمسين ومائة. وقال ابن سعد: قدم الكوفة في تجارة، فسمع من الشعبي، وكان كثير الحديث، لا يُحتج به، وتُوفي في خلافة أبي جعفر. وقال أبو الشيخ: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. وقال في "التقريب": متروك، من السادسة. انتهى. تفرّد به ابن ماجه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أنهم وافقوا يحيى القطّان في تضعيف عيسى هذا. والله تعالى أعلم.

стр. 823

قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ١٠٠ - (قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ، فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ، إِلَّا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ، لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ). شرح الأثر: (قَالَ) أي مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى، والظاهر أن قائل "قال": هو الراوي عن مسلم، ويحتمل أن يكون من كلامه، فيكون فيه التفات (وَسَمِعْتُ الْحَسنَ بْنَ عِيسَى) هو: الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس -بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك (١). روى عنه، وعن أبي بكر بن عياش، وعبد السلام بن حرب، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والبخاريّ في غير "الجامع"، وأبو داود، وروى له النسائي بواسطة، وغيرهم. قال الخطيب: كان من أهل بيت الثَّرْوَة، والْقَدَم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن المبارك، ورحل في العلم، ولقي المشايخ، وكان دَيِّنًا، ورعا، ثقة، ولم يزل من عقِبِه بنيسابور فقهاء ومحدثون. قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يحكي عن شيوخه أن ابن المبارك، قد كان نزل مرة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز به، وهو في المجلس، وكان الحسن من أحسن الشباب وجها، فسأل عنه ابن المبارك، فقيل: إنه نصراني، فقال: الله ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه. وروى عنه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال حمد بن سيار في "تاريخ نيسابور": كان يُظهر أمر الحديث، ويُسِرّ الرأي جُهْدَه، ذكرته لإسحاق بن إبراهيم، فلم ينبسط بذكره. وقال السراج: لما قَدِم بغداد هجره بعض أصحاب الحديث بقوله في الإيمان، ثم اجتمعوا إليه، وقالوا: بَيِّن لنا مذهبك، قال: الإيمان قول وعمل، قالوا: يزيد وينقص، فقال: كان لي أستاذان: ابن المبارك، وابن حنبل، كان عبد الله يقول: يزيد، ويتوقف في النقصان، فإن قال أحمد ينقص، قلت بقوله، فأحضروا إليه خط أحمد: يزيد وينقص، فقال الحسن: هو قولي، فرضوا بذلك، وكتبوا عنه. وقال الدارقطني: ثقة. وقال السراج: كان عاقلًا، عُدّ في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف مِحْبَرة، ومات

стр. 824

بالثعلبية في الْمُنْصَرف من مكة سنة (٢٣٩). وقيل: مات سنة (٤٠). قال أبو بكر بن المؤمل بن الحسن بن عيسى: أنفق جدي في حجته الأخيرة ثلاثمائة ألف درهم. وقال الحاكم: خرجت مع أبي بكر بن المؤمل وأخيه أبي القاسم، فلما بلغت الثعلبية زرت معهما قبر جدهما، فقرأت على لوح قبره: هذا قبر الحسن بن عيسى، تُوُفّي في صفر سنة (٢٤٠). وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. انتهى. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث فقط برقم ٥٩٦ و ٦٧٢ و ٩٤٧ و ١٤٧٦. (يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ) أي ابن عبد الحميد المتقدّم في ٤/ ٤٧ (فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ، إِلَّا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ) من مشايخه. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هؤلاء الثلاثة مشهورون بالضعف والترك. وقال أيضًا: فاستوى الثلاثة في كونهم كوفيّين، متروكين. انتهى (١). وقوله: (لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ) جملة مستأنفة فصّل بها ما أجمله في قوله: "إلا حديث ثلاثة". و"عُبيدة" -بضمّ العين المهملة، مصغّراً (٢) - هو: ابن مُعَتِّب -بضم الميم، وفتح العين، وتشديد التاء المكسورة- الضبي، أبو عبد الكريم الكوفي. روى عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وأبي وائل، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، ووكيع، وغيرهم. قال أبو داود عن شعبة: أخبرني عُبيدة قبل أن يتغير. وقال أَسِيد بن زيد الْجَمّال عن زهير بن معاوية: ما اتهمت إلا عطاء بن عجلان، وعُبيدة، قال: فذكرت ذلك لحفص بن غياث، فصدقه في عطاء بن عجلان، وكَرِه ما قال في عُبيدة. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثا عن سفيان عنه شيئا قط. وقال عمرو ابن علي مثل ذلك. قال: ورآني يحيى بن سعيد أكتب حديث عبيدة بن معتب، فقال: لا تكتبه، لا تكتبه. وقال أيضا: كان عبيدة الضبي سيىء الحفظ، ضريرا، متروك الحديث. وذكره ابن المبارك فيمن يترك حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ترك الناس حديثه. قال له رجل: هذا رأي إبراهيم؟ قال: لا إنما قِسْتُ على رأيه. وقال

стр. 825

أيضا: سألت أبي عن عبيدة، وجويبر، ومحمد بن سالم، فقال: ما أقرب بعضهم من بعض في الضعف. وقال ابن معين نحوه. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وقال الدوري عن يحيى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ضعيف، وكان قد تغير. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن حبان: اختلط بآخره، فبطل الاحتجاج به. وقال الساجي: صدوق، سيىء الحفظ، يضعف عندهم، نَهَى عنه ابن المبارك. وقال يعقوب بن سفيان: حديثه لا يسوى شيئا. وكان الثوري إذا روى عنه كناه: قال أبو عبد الكريم، قال: وسفيان لا يكاد يكني رجلا إلا وفيه ضعف. وقال ابن معين: قال لي جرير: ما تصنع بهذا، يضعفه. وقال ابن خزيمة: لا يجوز الاحتجاج بخبره. علّق له البخاريّ في موضع واحد في "الأضاحي"، وأخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، واختلط بآخره، من الثامنة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أنهم اتفقوا على ترك حديث عُبيدة هذا، كما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى. (وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) هو: الهمداني الكوفي، ابن عم الشعبي، روى عنه، وعن سعيد بن وهب، وقيس بن أبي حازم. وروى عنه ابنه جرير، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالد بن كثير، وغيرهم. قال أبو قُدامة عن يحيى بن سعيد: استبان لي كذبه في مجلس. وقال عمرو بن علي: ما سمعت عبد الرحمن ذكره قط، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال الحسن بن عيسى سمعت ابن المبارك يقول: لا يُكتَب عن جرير بن عبد الحميد حديثُ السري بن إسماعيل، ومحمد بن سالم، وعُبيدة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وهو أحب إلي من عيسى الخياط. وقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: يضعف. وقال أبو حاتم: ذاهب، دون مجالد. وقال الجوزجاني: يُضَعَّف حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف، متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عدي: وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد، خاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، وهو إلى الضعف أقرب. وقال في ترجمة سيف بعد أن أورد له عن السري حديثا: لعل البلاء من السري. وقال إبراهيم الحربي: كان كاتب الشعبي لَمّا كان قاضيا، وولي هو القضاء بعده، وفيه ضعف. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال

стр. 826

البزار: ليس بالقوي. وقال الساجي. ضعيف جدا. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وكان ابن معين: شديد الحمل عليه. وقال في "التقريب": متروك الحديث من السادسة. انتهى. تفرّد به ابن ماجه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أنهم اتفقوا على تركه، بل كذّبه بعضهم، فلم ينفرد ابن المبارك رحمه الله تعالى بتضعيفه. والله تعالى أعلم. (وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ) بالجرّ عطفًا على "عُبيدة": أي لا تكتب حديث محمد بن سالم. و"محمد بن سالم" هذا هو: الهمداني، أبو سهل الكوفي. رَوَى عن عطاء، والشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وزيد بن علي بن الحسين. ورَوَى عنه الثوري، والحسن بن صالح، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان حفص بن غياث يقول: إنما هذه كتب أخيه، ويضعفه. وقال عمر بن حفص بن غياث: ترك أبي حديثه. وقال ابن أبي الْحَوَاري: سمعت حفص بن غياث يقول: لا تساوي أحاديثه البقل. وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف. وقال ابن أبي حاتم عن ابن أبي خيثمة: رأيمت ابن معين يُملي على قرابة له الفرائض عن يزيد بن هارون، عن محمد بن سالم، فقلت له: يا أبا زكريا أخصصته بهذا؟ فقال: دَعْهُ فإنه لا يدري. قال ابن أبي حاتم: معناه عندي إنه في الفرائض أحسن حالا؛ لأنه كان فارضا. وقال نعيم بن حماد عن ابن المبارك: اطرح حديث محمد بن سالم. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء. وكذا قال عمرو بن علي نحوه. وقال محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي: ثنا عمرو بن علي أن محمد بن سالم ضعيف الحديث، متروك. قيل له: و"كتاب الفرائض" عن محمد بن سالم؟ قال: ليس يساوي شيئا. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي يقول: لم أُدخل في الفرائض عن محمد بن سالم شيئا، كأنه يضعفه. وقال: ابن أبي ليلى في الشعبي أحب إليّ منه. وقال البخاري: يتكلمون فيه، كان ابن المبارك ينهى عنه. وقال علي: أنا لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، مثل عُبيدة الضبي وأضعف، يُشبه المتروك. قال: وكان سفيان الثوري ربما كَنَى عن اسمه، يقول: رجل عن الشعبي، وربما كناه، يقول: أبو سهل عن الشعبي، كيلا يُفطَن به. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الجوزجاني: غير ثقة. وقال ابن عدي: له "كتاب الفرائض"، يُنسب إليه من تصنيفه، والضعف على رواياته بَيِّن. وقال ابن سعد: كان ضعيفا، كثير الحديث. وقال الساجي: يروي الفرائض عن الشعبي، أنكر أحمد أحاديث

стр. 827

رواها، وقال: هي موضوعة. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف، لا يفرح بحديثه. وقال الدارقطني: متروك الحديث. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، من السادسة. انتهى. تفرد به الترمذيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أنهم اتّفقوا على تضعيف محمد ابن سالم هذا، فلم ينفرد ابن المبارك رحمه الله تعالى بتضعيفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (قَالَ مُسْلِم: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ، كَثِيرٌ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ تَفَهَّمَ، وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا. وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الْأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ، إِذِ الْأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي، بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ، كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الْأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ اكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا مَقْنَعٍ، وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا، مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالإِعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلِأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ الْعَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رحمه الله تعالى بهذا الكلام أن أمثال ما ذُكر من جرح أهل العلم للمتَّهَمين من رواة الحديث، وإخبارهم بما فيهم من العيب الذي يُردّ به روايتهم كثير، لو سلكنا فيه مسلك الاستقصاء لطال الكتاب، وخرج عن ما رُسم له من الاختصار حيث طُلب منه

стр. 828

أن يؤلّفه على سبيل الاختصار كما بيّنه في أوائل هذه المقدّمة، وفيما ذكره هنا كفاية لمن تدبّر، وفَهِم مذهب المحدّثين فيما قاموا به من بيان معايب الرواة، والكشف عن مساويهم. ثم بيّن سبب إلزام المحدّثين أنفسهم الكشفَ عن معايب الرواة المجروحين، وأفتوا به من سألهم، مع أن عرض المسلم حرام كدمه، وذلك لما في رواياتهم من الخطر العظيم؛ لأن الأحاديث إنما تأتي بتحليل الحلال، أو تحريم الحرام، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو الترغيب في الخير، والتحذير عن الشرّ، وهذه الأحكام إنما تؤخذ من أدلّتها الشرعيّة، ومنها الأحاديث، فإذا كان الراوي لها غير متّصف بالعدالة، وهي المراد بالصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من يَعلَم حاله من كونه غير عدل، وسكت عن بيان ما فيه من عدم الأهليّة للرواية، ولم يبيّن ذلك لمن لا يعلمه كان آثمًا بسكوته، غاشّا للمسلمين مع أن الواجب عليه النصيحة؛ فقد أخرج مسلم قوله: "الدين النصيحة"، وذلك لأنه لا يؤمن أن يستعمل بعض الناس ممن سمع تلك الأحاديث المروية من ذلك المجروح، أو بعضها، ولعلها أكاذيب لا يصحّ شيء منها، على أنه لا حاجة إليها؛ لكثرة الأحاديث الصحاح الكافية للاحتجاج بها، والعمل بمقتضاها. ثم بيّن أن الحامل لكثير ممن يميل إلى نقل الأحاديث الواهية، وروايتها للناس مع علمهم بضعفها ليس إلا إرادة التكثّر بذلك عند عوامّ الناس حيث يقولون: ما أكثر ما جمعه فلان من الأحاديث الكثيرة، ومن ذهب هذا المذهب، وسلك هذا الطريق، فليس له نصيب من حمل العلم، بل كان تسميته جاهلًا أولى من أن يسمّى عالمًا؛ إذ لو كان عالمًا لحمله علمه على الورع والتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية. والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب، والظاهر أنه من كلامه رحمه الله تعالى، ويحتمل أن يكون من الرواة عنه (وَأَشْبَاهُ) -بفتح الهمزة: جمع شَبَه بفتحتين، وبكسر، فسكون، وكأمير: الأمثال. أفاده في "القاموس". وقال في "المصباح": الشَّبَهُ بفتحتين، والشبيه، مثلُ كريم، والشِّبْهُ، مثل حِمْلٍ: المشابه. وَشَبَّهْتُ الشيءَ بالشيء: أقمته مُقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون الصفة ذاتيّة، ومعنويّةً، فالذاتيّة: نحو هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد. والمعنويّة: نحو زيد كالأسد، أو كالحمار: أي في شدّته،

стр. 829

وبلادته. وزيد كعمرو: أي في قوّته، وكرمه، وشبهه. وقد يكون مجازًا: نحو الغائب كالمعدوم، والثوب كالدرهم: أي قيمة الثوب تُعادل الدرهم في قدره. انتهى (١). فـ"أشباه" مبتدأ، مضاف إلى قوله: (مَا) موصولة: أي الذي (ذَكَرْنَا) حُذف ضمير النصب؛ لكونه فضلةً، قال في "الخلاصة": وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لم يَضِرْ ... كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ وقوله: (مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بيان لما الموصولة (فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ) متعلّق بكلام: أي في الرواة الذين يُتّهمون بالكذب على رسول الله ﷺ ، فإضافة "متّهمي" إلى "رواة" من إضافة الصفة للموصوف، وإضافة "رواة" إلى الحديث بمعنى اللام (وَإِخْبَارِهِمْ) بكسر الهمزة عطف على "كلام" من عطف المبيِّن بالكسر على المبيّن بالفتح (عَنْ مَعَايِبِهِمْ) بفتح الميم: أي عيوبهم. قال في "اللسان" (٢): والْمَعَايب: العيوب، وشيء مَعِيبٌ، ومَعيُوبٌ على الأصل. وتقول: ما فيه مَعَابةٌ، ومَعَابٌ: أي عَيْبٌ، ويقال: موضع عيب. قال الشاعر [من الوافر]: أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عِبْتُمُوهُ ... وَمَا فِيهِ لِعَيَّابٍ مَعَابُ وقوله: (كَثِيرٌ) خبر "أشباه" (يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ) أي المبالغة فيه، يقال: استقصى في المسألة، وتقصّى: إذا بلغ الغاية. قاله في "القاموس". والمعنى: أننا لو ذكرنا ما قاله أهل العلم في بيان المجروحين من الرواة، وتتبعنا جميعه لطال هذا الكتاب، وخرجنا من المطلوب؛ لأن الذي طلب منه أن يؤلّف له هذا الكتاب شرط عليه أن لا يكثر عليه، كما فصّله في أول الكتاب. (وَفِيمَا ذَكَرْنَا) أي من أمثلة المجروحين، والجار والمجرور خبر مقدّم، لقوله: (كِفَايَةٌ) أي استغناء عن غيره، يقال: كفى الشيءُ كفايةً، فهو كافٍ: إذا حصل به الاستغناء عن غيره. واكتفيت بالشيء: استغنيتُ به، أو قَنِعتُ به. قاله الفيّومي (٣) (لِمَنْ تَفَهَّمَ) أي عرف بالتدريج، قال في "القاموس": وتفهّمه: فهمه شيئًا بعد شيٍء. وقال: فهِمه، كفرح فَهْمًا، ويُحرّك، وهي أفصح، وفَهامة -بالفتح- ويُكسر، وفهاميّة: علمه، وعرفه بالقلب. انتهى. وقال الشارح: قوله: علمه وعرفه بالقلب فيه إشارة إلى الفرق بين الفهم والعلم، فإن العلم مطلق الإدراك، والفهم سُرعة انتقال النفس من الأمور الخارجيّة إلى غيرها. وقيل: تصوّر المعنى من اللفظ. وقيل: هيئة للنفس يتحقّق بها ما يحسن. وفي "إحكام الآمديّ": الفهم: جَوْدة الذهن من جهة

стр. 830

تهيّئه لاقتناص ما يَرِد عليه من المطالب. انتهى (١). وعطف قوله: (وَعَقَلَ) -بفتح القاف، وكسرها- على ما قبله من عطف المؤكّد -بالكسر- على المؤكَّد -بالفتح-؛ إذ العقل معناه الفهم، قال في "اللسان": عقل الشيءَ عَقْلًا: فهمه. انتهى. وفي "المصباح": وعقلتُ الشيءَ عَقْلًا، من باب ضَرَب تدبّرته. وعَقِل يعقَلُ من باب تَعِب لغة. انتهى. وقوله (مَذْهَبَ الْقَوْمِ) بالنصب تنازعه الفعلان قبله، كما قال في "الخلاصة": إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمِ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ ... وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ أي عرف طريقهم (فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ) أي مما ذكروا من جرح المتّهمين وغيرهم من الضعفاء. وعطف قوله: (وَبَيَّنُوا) -أي وضّحوه- على ما قبله من عطف المؤكّد على المؤكّد أيضًا. ولَمّا كان عرض المسلم أمرًا خطرًا، كدمه، وماله، لا يحلّ انتهاكه إلا بمسوّغ شرعيّ، وذلك للحديث المتّفق عليه من حديث ابن عباس، وابن عمر، وأبي بكرة، ﵃ مرفوعًا بألفاظ مختلفة: "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ... " الحديث. ولما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا أيضًا: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه"، بيّن المصنّف رحمه الله تعالى الحامل لأهل العلم على كشف معايب الرواة، فقال: (وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا) أي أهل العلم. وقوله: (أَنْفُسَهُمُ) مفعول، وقوله: (الْكَشْفَ) مفعول ثان (عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ) متعلّق بالكشف، والإضافة بمعنى اللام، كما سبق بيانه، ومثله قوله: (وَنَاقِلِي الْأَخْبَارِ) بفتح الهمزة: جمع خبر، وقد اختُلف هل الخبر والحديث بمعنى واحد، وهو الراجح، أم لا؟ قال في "شرح النخبة": الخبر عند علماء هذا الفنّ مرادف للحديث. وقيل: الحديث ما جاء عن رسول الله ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ، وما شاكلها: الإخباريّ، ولمن يشتغل بالسنة النبويّة: المحدّث. وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلقٌ، فكلّ حديث خبر، من غير عكس. انتهى (٢) وقد تقدم البحث في هذا مُسْتَوْفًى في أوائل هذا الشرح، فراجعه تزدد علمًا.

стр. 831

(وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ) بالبناء للفاعل: أي بينوا ما ذُكر من المعايب، فاسم الإشارة يرجع إلى المعايب، وإنما أفرده باعتبار المذكور. قال الفيّوميّ: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم. (حِينَ سُئِلُوا) بالبناء للمفعول، والظرف متعلّق بـ "أفتوا" (لِمَا) بكسر اللام متعلّقٌ بـ "ألزموا" (فِيهِ) الضمير يعود على اسم الإشارة قبله: أي لما في معايب الرواة (مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ) من إضافة الصفة للموصوف: أي من الخطر العظيم، و"الخطر" بفتحتين: الإشراف على الهلاك، وخوف التلَف. قاله في "المصباح". (إِذِ) تعليليّة: أي لأن (الْأَخْبَارُ) بفتح الهمزة: جمع خبر (فِي أَمْرِ الدِّينِ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونها كائنة في أمر الدين؛ إذ القاعدة أن الجملة والظرف، والجارّ والمجرور بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات. ويحتمل أن يكون المقدّر صفة، بناء على أن المعرّف بـ "أل" الجنسية كالنكرة، كقول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي (إِنَّمَا تَأْتِي، بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ) فيه أن المصنّف رحمه الله تعالى مذهبه أن الترغيب والترهيب، كالتحليل والتحريم، ونحوهما لا يثبُت إلا بالأخبار الصحيحة، وهذا هو المذهب الحقّ، فما اشتهر من أنها تثبت بالأحاديث الضعاف، قولٌ مرذول، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ) -بفتح الميم، وسكون العين، وكسر الدال المهملتين، آخره نون- قال في "القاموس": المَعْدِن كمجلِسٍ: منبت الجواهر، من ذهب ونحوه؛ لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات الله إياه فيه. انتهى. وقال في "المصباح": المعدن مثالُ مجلسٍ: اسم المكان؛ لأن أهله يقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأن الجوهر الذي خلقه الله فيه عَدَن به: أي أقام. قال في "مختصر العين": مَعْدِن كلّ شيء حيث يكون أصلُهُ. انتهى. والمراد هنا: أن الراوي ليس محلًّا (لِلصِّدْقِ) بكسر، فسكون: خلاف الكذب (وَالْأَمَانَةِ) بالفتح: خلاف الخيانة، وعطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ؛ لأن الصدق أن لا يُخبر بخلاف الواقع، والأمانة تعمّ هذا، وتعمّ ما إذا أخبر بالواقع، ولكنه ليس له، بأن أخبر بالحديث الصحيح، مما لم يسمعه. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْدَمَ) بالألف، قال الفيّومي: أقدم على قِرْنِه: اجترأ عليه. وفي "القاموس": أقدم على الأمر: شَجُعَ. انتهى (عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ) أي تشجّع، واجترأ على الرواية عن هذا الراوي الذي ليس معدنا للصدق (مَنْ) بالفتح، موصولة، فاعل "أقدم" (قَدْ عَرَفَهُ) أي عرف أنه ليس معدنا للصدق (وَلَمْ يُبَيِّنْ) بالبناء للفاعل، من التبيين، وهو التوضيح

стр. 832

(مَا فِيهِ) أي من الجرح الذي يمنع قبول روايته (لِغَيْرِهِ) من السامعين (مِمَّنْ جَهِلَ) بكسر الهاء (مَعْرِفَتَهُ) أي معرفة حاله من الضعف (كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ) أي لسكوته على المنكر، وقد أمره النبيّ ﷺ بإزالته، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". (غَاشًّا) اسم فاعل من غَشّه غَشّا، من باب نصر، والاسم الْغِشّ بالكسر: أي لم يَنصحه، وزيّن له غير المصلحة. قاله الفيّوميّ (لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ) "العوام": جمع عامّة، وهو خلاف الخاصّة، مثلُ دابّة ودوابّ، والهاء في "العامّة" للتأكيد. قاله الفيّوميّ. وإضافة "عوام" للمسلمين بمعنى "من". والمراد بالعوام هنا من ليس لهم دراية بأحوال الرواة. والمعنى أن من أقدم على الرواية عن هؤلاء يصير غاشّا للمسلمين، وقد ذمّ الشارع الغاشّ، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من غشّ فليس منّي"، وفي لفظ الترمذي: "من غشّنا، فليس منّا". وأيضًا ترك الواجب عليه نحو المسلمين، وهو النصيحة لهم، وقد أخرج مسلم من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". قال العلّامة الجزائريّ رحمه الله تعالى: وإنما قصر مسلم غشّهم على عوامّ المسلمين، مع أن كثيرًا من خواصّهم قد لحقهم من ذلك ما لحق عوامّهم؛ لأن الخواصّ كان يمكنهم أن يقفوا على حقيقة الأمر، ولكنهم قصّروا، فكأنه جعلهم هم الغاشّين لأنفسهم، فإن كثيرًا منهم كان إذا رأى حديثًا قد ذكره أحد أولئك الغاشّين للأمة في دينها من غير بيان لحاله، فإن كان موافقًا لرأيه، أو لرأي من يَهْوَى أن ينتصر له، كيفما كان الحال، بادر لنقله، ونشره، والاستشهاد به من غير بحث عنه، مع معرفته بأن في كثير مما يُروى الموضوعَ والضعيفَ الذي اشتدّ ضعفه، وإن كان مخالفًا لرأيه، أو لرأي من يحبّ أن ينتصر له، فإن وجده غير قابل للتأويل على وجه يوافق ما يذهب إليه تركه، وكثيرًا ما يخطر في باله أن مخالفه ربّما وقف عليه، واستند إليه، فيُعِدّ له حينئذ تأويلًا ربما كان هو أول الضاحكين على نفسه منه، وذلك استعدادًا لهجوم الخصم قبل أن يَهْجُم عليه، وإن وجده قابلًا للتأويل على وجه يوافق ما يَهوَاه تساوى عنده الحالات، وسكنت نفسه، ومن نظر في الكتب المؤلّفة في تخريج الأحاديث المذكورة في كثير من كتب الكلام، أو الفقه، أو الأصول، أو التفسير رأى من كثرة الأحاديث الضعيفة الواهية التي يوردونها للاحتجاج أمرًا هائلًا، وقد حكم أهل البصيرة من العلماء

стр. 833

الأعلام بأن هؤلاء الذين يوردونها للاستشهاد بها لا يُعذرون، إلا من لم يُقصّر منهم في البحث والاجتهاد، فإنه إذا أخطأ بعد ذلك لم يكن ملومًا. انتهى المقصود من كلام الجزائريّ (١). وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم. (إِذْ) تعليليّة أيضًا: أي لأنه (لَا يُؤْمَنُ) بالبناء للمفعول، من الأمن: ضدّ الخوف (عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ) بكسر الميم، من باب فَهِم (تِلْكَ الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة (أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا) بالبناء للفاعل: أي يعمل بجميع ما دلت عليه. قال في "القاموس": واستَعْمَله: عَمِل به. انتهى. وقال في "المصباح": واستعملت الثوبَ ونحوَه: أي أعملته فيما يُعَدّ له. انتهى. (أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا) أي يعمل ببعض ما دلّت عليه (وَلَعَلَّهَا) أي لعلّ جميعها (أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ) -بفتح الهمزة-: جمع أُكذُوبة بضمها، وهو الخبر الكاذب (٢). وقوله: (لَا أَصْلَ لَهَا) مؤكّد لما قبله. قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "ولعلها أو أكثرها الخ" هكذا هو في الأصول المحقّقة من رواية الفُرَاويّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ. وذكر القاضي عياض أنه هكذا في رواية الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ، وأنها الصواب، وأنه وقع في روايات شيوخهم، عن الْعُذْريّ، عن الرازيّ، عن الْجُلُوديّ: "وأقلّها، أو أكثرها". قال القاضي: وهذا مُختَلّ، مُصَحَّفٌ (٣). قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر، ولا ينبغي أن يُحكَم بكونه تصحيفًا، فإن لهذه الرواية وجهًا في الجملة لمن تدبّرها. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما قاله القاضي، هو الصواب؛ إذ قوله: "وأقلها، أو أكثرها أكاذيب" غير مستقيم المعنى، وتأويله تكلّف بارد، فلا حاجة إليه مع وجود الرواية على المعنى الصحيح، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. ثم إنه لا حاجة إلى الأخبار الواهية؛ لأن الله أغنانا عنها بما صحّ لدينا من الأخبار، فقد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه الكريم، وبما صحّ عن الذي قال الله في حقّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، قال الله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وقال: " ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فقد بين مجمل الكتاب بما صحّ من أحاديثه، فلا مجال لذكر ما لم يصحّ عنه، كما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى، بقوله:

стр. 834

(مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة: جمع خبر بمعنى الحديث (الصِّحَاحَ) بكسر الصاد المهملة: جمع صحيح، وهو: ما جمع الشروط التي اعتبرها العلماء في قبول خبر الآحاد، وقد بيّنها الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، كما تقدم بيان كلامه في أوائل بهذا الشرح. (مِنْ رِوَايَةِ الثّقَاتِ) جمع ثقة، كعِدَة وعِدات. قال الفيّوميّ: وَثِقتُ به أَثِقُ بكسرهما ثِقةً، ووُثُوقًا: ائتمنته، وهو، وهي، وهم، وهنّ ثِقَة، أي يطلق الثقة بلفظ واحد على المفرد، وضدّه، والمذكر، وضدّه؛ لأنه مصدرٌ، وقد يُجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات، كما قيل: عِدَات. انتهى (١). (وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ) -بفتح القاف، وتخفيف النون: أي أهل الرضى، يقال: قَنِعتُ به قَنَعًا، من باب تَعِب، وقَنَاعةً: رَضِيتُه. وهو مجرورٌ عطفًا على "الثقات". والمراد المرضيّون عند الجميع، كما قال الله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. وهم العدول، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "وأهل القناعة" هي: بفتح القاف: أي الذين يُقنع بحديثهم؛ لكمال حفظهم، وإتقانهم، وعدالتهم. انتهى (٢). وقوله: (أَكْثَرُ) بالرفع خبر "أنّ" (مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ) بالبناء للمفعول: أي يُلجأ، يقال: ضَرّه إلى كذا، واضطرّه بمعنى ألجأه إليه، وليس له منه بُدّ (٣) (إِلَى نَقْلِ) أي رواية (مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ) فإضافة "نقل" إلى "من" من إضافة المصدر إلى فاعله. والمعنى: إلى العمل بحديث من ليس ثقة (وَلَا مَقْنَعٍ) -بفتح الميم، والنون، بينهما قاف ساكنة-: موضِع القناعة، والرضى به. قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: هو شاهد مَقْنَعٌ، مثالُ جَعْفَر: أي يُقْنَعُ به، ويُستعمل بلفظ واحد مطلقًا. انتهى (٤). ثم بيّن رحمه الله تعالى الباعث على رواية الأخبار الواهية، وهو حبّ المحمدة عند الناس، وهو مطلب ذميم، ومرتع وَخِيم، ومقصد خسيسٌ، ومطمح نجيس؛ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: ٦١]، فقال: (وَلَا أَحْسِبُ) -بفتح السين، على القياس، وكسرها على السماع، قال الفيّوميّ: حَسِبت زيدًا قائمًا أَحْسَبه، من باب تَعِب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس. انتهى. والمعنى: لا أظنّ (كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ) بتشديد الراء، من التعريج، وهو الوقوف عند الشيء. يقال: ما

стр. 835

عرّجت على الشيء بالتثقيل: أي ما وقفت عنده، وعرّجت عنه: عدَلتُ عنه، وتركته. قاله في "المصباح". (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن (عَلَى مَا وَصَفْنَا) متعلّق بيعرّج (مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ) "من" بيان لما. وعطف قوله: (وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ) على ما قبله؛ إيذانًا بأن ضعف أحدهما لا يستلزم ضعف الآخر، فقد يكون المتن صحيحًا، والسند ضعيفًا، وبالعكس. ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ، بجعل الحديث شاملًا للسند والمتن. و"الأسانيد" بفتح الهمزة: جمع سند بفتحتين (١)، وهو طريق المتن. (وَيَعْتَدُّ) بفتح أوله، من الاعتداد، يقال: اعتددت بالشيء على افتعلت: أي أدخلته في العدّ والحساب، فهو مُعتدّ به: محسوب، غير ساقط. قاله في "المصباح" (بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ، وَالضَّعْفِ) -بضم الضاد، وفتحها، وعطفه على ما قبله عطف تفسير؛ لأن التوهّن هو الضعف، ولعلّ جعله من باب التفعّل للتكثير (إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ) بفتح أوله، وكسر الميم: أي يُغريه، ويبعثه، يقال: حمله على الأمر يحمله، من باب ضرب: أغراه به. قاله في "القاموس" (عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ) أي كثرة الأحاديث (بِذَلِكَ) أي بما ذكر من الأحاديث الضعاف (عِنْدَ الْعَوَامِّ) تقدّم تفسيرهم قريبًا (وَلأَنْ) بكسر اللام، وهي جارّة، "أن" مصدريّة، والظاهر أن اللام زائدة، والمصدر المؤوّل معطوف على "التكثّر": أي وإلا إرادة القول الخ (يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ) "ما" الأولى تعجبية، مبتدأ، و"أكثر" فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر وجوبا عائد على "ما"، والجملة خبر المبتدإ، و"ما" الثانية موصولة مفعول "أكثر" (وَأَلَّفَ) من التأليف، وهو أخصّ من الجمع؛ لأنه يحتاج إلى النظر في تناسب الأشياء، بخلاف الجمع، فإنه أعم من ذلك. وقوله: (مِنَ الْعَدَدِ) بيان لما جمع، وهو بمعنى المعدود: أي المعدود من الأحاديث الكثير. (وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ) أي قصد هذا القصد، يقال: ذهب مذهب فلان: إذا قصد قصده وطريقته. قاله الفيّوميّ. وعلى هذا فعطف قوله: (وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ) من عطف التفسير على المفسّر (فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ) أي لا حظّ له في العلم. قال الفيّوميّ: النصيب: الْحِصّة، والجمع أَنْصِبةٌ، وأَنصباء، ونُصُبٌ بضمتين. انتهى. والمعنى: أن من سلك هذا المسلك في جمعه للعلم لا يحصل له شيء مما أُعدّ لأهل العلم، من الفضل، والشرف في الدنيا والآخرة، قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 836

آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١] الآية. وأخرج الشيخان عن معاوية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين". وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نَفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطّأ به عمله لم يُسْرِع به نسبه". وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقا، يبتغي فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها، رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر" (١). وعن صفوان بن عسّال المراديّ ﵁ قال: أتيت النبيّ ﷺ ، وهو في المسجد متّكىء على بُرد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله ﷺ إني جئت أطلب العلم، فقال: "مرحبًا بطالب العلم، إن طالب العلم تحُفّه الملائكة وتُظلّه بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضًا، حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبّتهم لما يطلُب". أخرجه أحمد، والطبراني بسند جيّد، واللفظ له، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. فهذا الفضل العظيم لا يحصل لمن سلك المسلك المذكور، بل خسر الدنيا والآخرة، فقد أخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علما مما يُبتَغَى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليُصِيب به عَرَضًا من الدنيا، لم يَجِد عَرْفَ الجنة يوم القيامة" -يعني ريحها-. وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به، فعَرّفه نعمه فعرفها، قال:

стр. 837

فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدتُّ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحب أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه ثم ألقي في النار". اللهم بارك لنا فيما علّمتنا، وزدنا علمًا، ولا تجعل علمنا وبالًا علينا بمنك وكرمك، آمين آمين آمين. (وَكَانَ) ذلك الذاهب هذا المذهب (بِأَنْ يُسَمَّى) بالبناء للمفعول (جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَى عِلْمٍ) أي لأن علمه لم ينفعه، فهو والجاهل سواء في عدم الانتفاع بالعلم، بل أسوأ حالًا؛ لما أسلفناه من الوعيد الشديد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الباب، "باب الكشف عن معايب الرواة": اعلم -رحمك الله تعالى- أن هذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي العناية بها؛ لأن فيه خطرًا عظيمًا، حيث يتضمّن هتك عرض المسلم، وهو من أخطر المسالك، وأدهى المهالك، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]. وقد خطب النبيّ ﷺ في حجة الوداع، فقال: "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام ... " الحديث، متّفقٌ عليه. وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدّثون، والحكام". وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فليُقدّر بقدرها انتهى. فإذا عرفت كون هذا الأمر من الخطورة بمكان، فينبغي أن نركّز فيه، ونوضّحه، حتى يتبيّن للناس ما فيه من العواقب الوخيمة، والنتائج الأليمة، فيكونوا على بصيرة من أمرهم، فنذكره في مسائل:

стр. 838

(المسألة الأولى): في حدّ الغيبة لغةً، وشرعًا: قال في "المصباح": اغتابه اغتيابًا: إذا ذكره بما يَكرَه من العيوب، وهو حقّ، والاسم الغيبة، فإن كان باطلًا، فهو الغيبة في بُهْتٍ. انتهى (١). وقال في "القاموس": وغابه: عابه، وذكره بما فيه من السوء، كاغتابه، والغِيبة فِعْلة منه، تكون حسنةً، أو قبيحة. انتهى (٢). وقال في "اللسان": اغتاب الرجل صاحبه اغتيابًا: إذا وقع فيه، وهو أن يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يَغُمُّهُ لو سمعه، وإن كان فيه، فإن كان صدقًا، فهو غيبة، وإن كان كذبًا، فهو الْبَهْتُ، والْبُهتان، كذلك جاء عن النبيّ ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا من ورائه. انتهى (٣). وشرعًا: هو ما عرّفه به النبيّ ﷺ فيما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ : "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". فكلام أهل اللغة مأخوذ من هذا، كما أشار إليه صاحب "اللسان" آنفًا. وعرّفه النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "أذكاره"، تعريفًا مفصّلًا، فقال: فأما الغيبة: فهي ذكرك الإنسان بما فيه، مما يَكرَه، سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجته، أو خادمه، أو مملوكه، أو عمامته، أو ثوبه، أو مِشْيته، وحركته، وبشاشته، وخلاعته، وعبوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلّق به، سواء ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك. أما البدن، فكقولك: أعمى، أعرج، أعمش، أقرع، قصير، طويل، أسود، أصفر. وأما الدين فكقولك: فاسق، سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارّا بوالديه، لا يضع الزكاة مواضعها، لا يجتنب الغيبة. وأما الدنيا، فكقولك: قليل الأدب، يتهاون بالناس، لا يرى لأحد عليه حقّا، كثير الكلام، كئير الأكل، أو النوم، ينام في غير وقته، يجلس في غير موضعه. وأما المتعلّق بوالده، فكقولك: أبوه فاسق، أو زنجيّ، أو حدّاد، أو حائك. وأما الخلق فكقولك: سيىء الخلق، متكبر، مراء، ونحوه. وأما الثوب، فكواسع الكم، طويل الذيل، وسخ

стр. 839

الثوب، ونحو ذلك، ويقاس الباقي بما ذُكر. وقد نقل الغزاليّ إجماع المسلمين على أن الغيبة ذكرك غيرك بما يكره، وقد تقدّم الحديث الصحيح المصرّح بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في حكم الغيبة: اعلم: أن الغيبة محرّمة بإجماع المسلمين، وقد تظافرت الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة على ذلك، قال الله : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]. وقد تقدّم حديث أبي بكرة ﵁ في خطبة النبيّ ﷺ في حجة الوداع، وقد ذكر فيه الأعراض في جملة المحرمات. وقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يَحقِره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يَحقِر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". وأخرج أبو داود، والترمذيّ، عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا -تعني قصيرة- فقال: "لقد قلت كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته"، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: "ما أُحب أني حكيت إنسانا، وأن لي كذا وكذا". قال الترمذيّ: حسنٌ صحيح. وأخرج أبو داود أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمّا عُرِج بي مررت بقوم، لهم أظفار من نحاس، يَخْمُشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هولاء يا جبريل؟ قال: هولاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم". حديث صحيح. وأخرج أبو داود أيضًا عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن من أربى الربا الاستطالةَ في عرض المسلم بغير حق". حديث صحيح. وأخرج أبو داود أيضًا عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته". حديث صحيح. وأخرج أيضًا عن المستورد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من أُكل برجل مسلم أكلة،

стр. 840

فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كُسي ثوبا برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة". حديث صحيح. فهذه النصوص صريحة في تحريم الغيبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة، كذلك يحرم على السامع استماعها، وإقرارها، بل يجب عليه النهي عنها، إن لم يَخَف ضررًا ظاهرًا، وإلا وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس، إن أمكن، وإلا أنكر بقلبه، ويحرم عليه الاستماع، بل يشتغل بنحو ذكر الله تعالى، ولا يضرّه بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء. قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. أفاده النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد وردت أحاديث في فضل من ردّ عن عرض أخيه: فقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رَدّ عن عِرْض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وأخرج أبو داود أيضًا عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيّ، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من حَمَى مؤمنا من منافق"، أُراه قال: "بعث الله ملكا يَحمِي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رَمَى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم، حتى يخرج مما قال". حديث حسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في المواضع التي تباح فيها الغيبة: (اعلم): أن الغيبة، وإن كانت محرّمة، إلا أنها تباح للمصلحة في أحوال، وذلك إذا حدث غرض صحيح شرعيّ لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب: (الأول): التظلّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان، والقاضي، وغيرهما ممن له ولاية، أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكر أن فلانًا ظلمني، وفعل بي كذا وكذا، وأخذ لي كذا وكذا، ونحو ذلك.

стр. 841

(الثاني): الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يفعل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوسّل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا. (الثالث): الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك، أو لا؟ ، وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم عني؟ ، ونحو ذلك. وكذلك قوله: زوجتي تفعل معي كذا، أو زوجي يفعل كذا، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج، أو زوجة تفعل كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز؛ لحديث هند زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قالت: يا رسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح ... " ولم ينهها النبيّ ﷺ عن ذلك. (الرابع): تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة. ومنها: إذا استشارك إنسان في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعه، أو الإيداع عنده، أو معاملته بغير ذلك وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرّد قولك: لا تصلح لك معاملته، أو مصاهرته، أو لا تفعل هذا، أو نحو ذلك لم تجز الزيادة بذكر المساوي، وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعيبه، فاذكره بصريحه. ومنها: إذا رأيت من يشتري عبدًا معروفًا بالسرقة، أو الزنا، أو الشرب، أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالمًا به، ولا يختصّ بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيبًا وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه. ومنها: إذا رأيت متفقّهًا يتردّد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخفت أن يتضرّر المتفقّه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويشترك أن يقصد النصيحة، وهذا مما يَغْلَط فيه كثير من الناس، فقد يحمل المتكلّم بذلك الحسد، أو يُلبّس الشيطان عليه ذلك، ويُخيّل إليه أنه نصيحة وشفقة، فليُتفطّن لذلك. ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مُغَفّلا، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية

стр. 842

عامّة؛ ليُزيله، ويولّي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغترّ به، وأن يسعى في أن يحثّه على الاستقامة، أو يستبدل به. (الخامس): أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه. (السادس): التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصمّ، والأعمى، والأحول، والأفطس، ونحو ذلك، جاز تعريفه بذلك بنية التعريف، ويحرم إطلاقه على جهة النقص، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تباح بها الغيبة على ما ذكرناه، وأكثر هذه الأسباب مُجمَع على جواز الغيبة بها. وقد نظمت هذه الستة بقولي: يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ ... اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْ لَا ... مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصٍّ يُتْلَى لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ ... أُبِيحَ عَدَّهَا ذَوُو التَّرْجِيحِ فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظلَّمِ ... وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدِّ مُجْرِمِ وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ ... بِمَا بِهِ جَاهَرَ لا بِمَا امْتَنَعْ وَعَرِّفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرِفَا ... بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا (١) وَحَذِّرَنْ مَنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا ... تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ ... تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيلِ الأَرَبِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان أدلّة جواز الغيبة في المواضع الستة المذكورة: (اعلم): أنه قد وردت نصوص كثيرة تدلّ على جواز الغيبة في هذه الأمور: (فمنها): ما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂: أن رجلا استأذن على النبيّ ﷺ ، فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة"، فلما جلس تَطَلّق النبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل: قالت له عائشة: يا رسول الله ﷺ حين رأيت

стр. 843

الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة متى عَهِدتني فحاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، من تركه الناس اتقاء شره". وقد استدلّ به البخاريّ رحمه الله تعالى على جواز غيبة أهل الفساد والرِّيَب، فقال في "صحيحه": "باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب"، ثم أورد الحديث المذكور. (ومنها): ما أخرجاه أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فتمعر وجهه، وقال: "رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". وفي بعض الروايات: قال ابن مسعود ﵁: فقلت: لا أرفع إليه بعد هذا حديثًا. وقد احتجّ البخاريّ رحمه اللهُ تعالى بهذا في إخبار الرجل أخاه بما يقال فيه. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ عن عائشة ﵂، قالت: قال النبي ﷺ : "ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا". قال الليث: كانا رجلين من المنافقين. (ومنها): ما أخرجه الشيخان عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت في غَزَاة، فسمعت عبد الله بن أُبَيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليُخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي ﷺ ، فدعاني، فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله ﷺ ، وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ، ومقتك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [المنافقون: ١]، فبعث إلي النبي ﷺ ، فقرأ، فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد". (ومنها): ما أخرجه مسلم عن فاطمة بنت قيس في قصّة طلاقها، وفيه: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له ... " الحديث. وقد سبق حديث قصّة هند مع زوجها أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما. فهذه النصوص ونحوها تدلّ على جواز الغيبة لغرض شرعيّ، كما تبيّن إيضاحه في المسائل الست. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 844

(المسألة السابعة): في إجماع أهل العلم على جواز جرح الرواة: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "العلل الصغير": ما نصّه: وقد عاب بعض من لا يَفهَم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين، قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري، وطاووس، تكلما في معبد الجهني، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب، وتكلم إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي في الحارث الأعور، وهكذا رُوي عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم، أنهم تكلموا في الرجال، وضعفوا، وإنما حملهم على ذلك عندنا -والله أعلم- النصيحة للمسلمين، لا نظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس، أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء؛ لكي يُعرفوا؛ لأن بعضهم من الذين ضُعِّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة، وكثرة خطإ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم، شفقة على الدين، وتثبّتًا؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يُتَثَبَّت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال. انتهى. كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى (١). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرحه": مقصود الترمذيّ رحمه الله تعالى أن يبيّن أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها؛ لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله. وقد ظنّ بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإن ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت خاصّة، كالقدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامّة للمسلمين أولى. وذكر ابن أبي حاتم بسنده عن بهز بن أسد قال: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحدها، لم يستطع أخذها إلا بشاهدين عدلين، فَدِينُ الله أحقّ أن يؤخذ فيه بالعدول. انتهى (٢). وقد ذكر الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس "الكفاية في علم الرواية" بابًا نفيسًا أحببت إيراد ملخّصه؛ لنفاسته، قال رحمه الله تعالى: "باب وجوب تعريف المزكي ما عنده من حال المسؤول عنه"

стр. 845

ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (١). قال: وقد أنكر قوم، لم يتبحروا في العلم، قولَ الحفاظ من أئمتنا، وأُولي المعرفة من أسلافنا أن فلانا الراوي ضعيف، وفلانًا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام، ورأوا ذلك غيبة لمن قيل فيه، إن كان الأمر على ما ذكره القائل، وإن كان الأمر على خلافه فهو بهتان، واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ ... " الحديث. وقد تقدّم ذكره. قال: وقال قائلهم في ذلك شعرًا، أنشده بكر بن حماد الشاعر المغربي لنفسه [من الطويل] (٢):
следующие страницы →