← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وسويد بن غَفَلَة هذا: هو سُويد بن غَفَلة بن عَوْسَجة بن عامر بن وداع بن معاوية ابن الحارث بن مالك بن عوف بن سعد بن عوف بن خُرَيم بن جُعْفِيّ بن سعد العشيرة، أبو أمية الجعفي الكوفي، أدرك الجاهلية، وقد قيل: إنه صلى مع النبي ﷺ ، ولا يصح. وقيل: قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله ﷺ ، وهذا أصح، وشهد فتح اليرموك. وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وخيثمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهم. قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال علي بن المديني: دخلت بيت أحمد بن حنبل، فما شَبّهت بيته إلا بما وُصِف من بيت سويد بن غفلة، من زهده، وتواضعه. وقال علي والد الحسين الجعفي: كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أَتَى عليه عشرون ومائة سنة. وقال نعيم بن ميسرة، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال: أنا لِدَةُ رسول الله ﷺ . وقال أبو نعيم: مات سنة (٨٠). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وغير واحد: مات سنة إحدى وثمانين. وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (٨٢). وقال عاصم بن كليب: بلغ ثلاثين ومائة سنة. قال الحافظ: إن صح أنه لِدَة رسول الله ﷺ ، فقد جاوزها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده مجهولًا. والله تعالى أعلم. وذكره ابن قانع في الصحابة، وروى له حديثا في إسناده ضعف. وقال في "التقريب": مُخَضْرَمٌ، من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث، برقم ١٠٦٦ حديث عليّ ﵁: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ... " الحديث. و ١٢٧١ حديث عمر بن الخطاب ﵁: "قبّل الحجر، والتزمه ... " الحديث. و ١٧٢٣ حديث أبيّ بن كعب ﵁: "عرِّفها حولًا، قال: فعرّفتها ... " الحديث. و ٢٠٦٩ حديث عمر ﵁ أيضًا: "نهى نبيّ الله (عن لبس الحرير إلا ... " الحديث. (قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول (الرَّوْحُ) بفتح الراء، وسكون الواو (عَرْضًا) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره ضاد معجمة، هكذا صحّفه عبد القدّوس، والصواب: "أن يُتّخذ الرّوح غَرَضًا": أي يُتخذ الحيوان الذي فيه الروح هدفًا للرمي (قَالَ) شبابة (فَقِيلَ لَهُ) أي لعبد القدّوس (أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ ) مبتدأ وخبر، و"أيّ" استفهاميّة: أي ما معنى هذا الكلام؟ (قَالَ) عبد القدّوس (يَعْنِي تُتَّخَذُ كَوَّةٌ) بفتح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب

стр. 772

"المطالع": وحُكي فيها الضمّ. (فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ) بفتح، فسكون: أي النسيم. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: المراد بهذا المذكور بيانُ تصحيف عبد القدوس، وغباوته، واختلال ضبطه، وحصول الوهم في إسناده ومتنه، فأما الإسناد، فإنه قال: سُوَيد بن عقلة -بالعين المهملة، والقاف- وهو تصحيف ظاهر، وخطأ بَيِّنٌ، وإنما هو غَفَلة - بالغين المعجمة، والفاء المفتوحتين-. وأما المتن فقال: الرَّوْح -بفتح الراء- وعَرْضا -بالعين المهملة، وإسكان الراء- وهو تصحيف قبيح، وخطأ صريح، وصوابه "الرُّوح" -بضم الراء- و"غَرَضًا" -بالغين المعجمة، والراء المفتوحتين- ومعناه: نَهَى أن نَتَّخِذ الحيوان الذي فيه الروح غرضًا: أي هَدَفًا للرمي، فيرمى إليه بالنشاب وشبهه (١). والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث النهي عن اتخاذ الرُّوح غَرَضًا أخرجه مسلم رحمه اللهُ تعالى في "كتاب الصيد والذبائح" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا شيئا فيه الرُّوح غَرَضًا". وأخرج أيضًا من حديث أنس ﵁ قال: "نهى رسول ﷺ أن تُصْبَرَ البهائم". ومن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: "إن رسول الله ﷺ ، لَعَنَ مَنِ اتخذ شيئا فيه الرُّوح غرضًا. ومعنى: "لا تتّخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا": أي لا تتّخذوا الحيوان الحيَّ غَرَضًا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها. ومعنى: أن تُصْبَرَ البهائم: أي أن تُحبس، وهي حيّةٌ، لتُقتَلَ بالرمي ونحوه. وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يدلّ على أن هذا النهي للتحريم، حيث قال: "لَعَنَ رسولُ الله ﷺ من اتّخذ الخ"، ؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرّم، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وتضييع لماليّته، وتفويتٌ لذكاته، إن كان مُذَكّى، ولمنفعته إن لم يكن مما يُذكّى (٢). وقال القاضي عياضٌ رحمه اللهُ تعالى: ولم يختلف العلماء في منع أكل المصبورة، وأنها غير ذكيّة. وفائدة الحديث النهي عن قتل الحيوان لغير منفعة، والعبث بقتله. وقال الطبريّ: فيه دليلٌ على منع قتل ما أُحلّ أكله من الحيوان ما وُجد إلى تذكيته سبيل. ثم فيه فساد المال. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 773

قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٤ - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عْمَرَ الْقَوَرِيرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ بِأَيَّامٍ: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قال: نَعَمْ يَا أَبَاء إِسْمَاعِيلَ) (قَالَ مسْلِم) أي ابن الحجّاج، صاحب الكتاب رحمه اللهُ تعالى، والظاهر أنه من كلام الراوي عنه، ويحتمل أن يكون من كلامه نفسِهِ (وسَمِعْت عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ) الثقة الثبت البصريّ، نزيل بغداد، المتقدّم في ٤/ ٧٢ (يَقُولُ سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ) المتقدّم في ٣/ ٢٤ (يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ) أبو عبد الله البصري، روى عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، ويونس بن عبيد. وروى عنه ابنه محمد، وحمدان بن عمر، وجماعة. كذّبه يحيى بن سعيد، وابن معين. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال يحيى بن معين أيضا: صاحب بدعة، يضع الحديث. وساق ابن عدي له أحاديث، وقال عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن المديني: كان يتهم بالكذب. وقال يحيى بن معين أيضا: ومن المعروفين بالكذب، ووضع الحديث مهدي بن هلال. وقال ابن عدي أيضا: ليس على حديثه ضوء، ولا نور؛ لأنه كان يدعو الناس إلى بدعته. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كذبه أحمد بن حنبل. وقال أبو داود في "سؤالات أبي عبيد"، والنسائي في "التمييز": كذاب. وقال العجلي: متروك الحديث، قَدَرِيّ، وليس هو أخا معلى بن هلال. وقال الساجي: كان قدريا من الدعاة. وليس هو من رجال الكتب الستّة (١). والله تعالى أعلم. (بِأَيَّامٍ) متعلّق بـ"قال" (مَا هَذِهِ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، خبره اسم الإشارة، ويجوز العكس (الْعَيْنُ) نعتٌ، أو بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، كما قيل: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ"أل" ... يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ و"العين" تطلق على معان كثيرة، أوصلها في "القاموس" (٢) إلى سبعة وأربعين معنًى، وذكر الشارح أنها تزيد على المائة، والمناسب هنا هو يَنْبُوع الماء، ويُجمع على أعيُن، وعُيُون. وقوله: (الْمَالِحَةُ) صفة للعين، وهي من أمْلَح الماءُ: ضدّ عَذُب، وهي من النوادر، وكنى بقوله: "العين المالحة" عن ضعف مهديّ هذا، وجرحه، شبَّههُ بماء العين

стр. 774

المالحة، والجامع بينهما عدم النفع، بل حصول الضرر لمن يتناوله، فكما أن الماء المالح لا يحصل به الغرض، من الرِّيّ، وزوال العطش، كذلك حديث مهديّ بن هلال لا يحصل به النفع، بل يكون ضررًا لسامعه؛ لأنه ربما عمل به، وهو غير صالح للعمل به، فيحصل له الضرر في دينه، كما يحصل الضرر في بدن من يشرب المالح من الماء. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أشرت آنفًا إلى أن "المالحة" من النوادر، وذلك لمخالفته قواعد اسم الفاعل؛ لأنه إما أن يكون من مَلُح ككرُم، كما هو لغة أهل العالية، فاسم فاعله مَلِحٌ، بفتح، فكسر، وإما أن يكون من أملح، كما هو لغة أهل الحجاز، فاسم فاعله مُمْلِح، كمُفْلِحٍ. قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه النافع "المصباح المنير": مَلُحَ الماء ملوحةً، هذه لغة أهل العالية، والفاعل منها مَلِحٌ -بفتح الميم، وكسر اللام- مثلُ خَشُنَ خُشُونةً، فهو خَشِنٌ، هذا هو الأصل في اسم الفاعل، وبه قرأ طلحة بن مصرّف: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، لكن لما كثر استعماله، خُفّف، واقتُصِر في الاستعمال عليه، فقيل: "مِلْحٌ" -بكسر الميم، وسكون اللام-. وأهل الحجاز يقولون: أملح الماء إملاحًا، والفاعل مالحٌ، التي جاءت على غير قياس، نحوُ أبقل الموضع، فهو باقلٌ، وأغضى الليل، فهو غاضٍ. وأنشد ابن فارس [من الرجز]: صَبَّحْنَ قَوًّا وَالْحِمَامُ وَاقِعٌ ... وَمَاءُ قَوٍّ مَالِحٌ وَنَاقِعٌ ونقله أيضًا عن ابن الأعرابيّ. وأنشد بعضهم لعمر بن أبي ربيعة [من الطويل]: وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ مَالِحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبَا ونقل الأزهريّ اختلاف الناس في جواز "مالح"، ثم قال: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ أيضًا. وفي نسخة من "التهذيب": قلت: وقال في "المجرّد": ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ بمعنًى. وقال ابن السّيدِ في "مثلَث اللغة": ماءٌ مِلْحٌ، ولا يقال: مالحٌ في قول أكثر أهل اللغة. وعبارة المتقدّمين فيه: وماءٌ مالح قليلٌ، ويعنون بقلّته كونه لم يجىء على فعله، فلم يَهتد بعض المتأخّرين إلى مَغْزلهم، وحملوا القلّة على الشهرة والثبوت، وليس كذلك، بل هي محمولة على جريانه على فعله، كيف، وقد نُقل أنها لغة حجازيّةٌ، وصرَّح أهل اللغة بأن أهل الحجاز كانوا يختارون من اللغات أفصحها، ومن الألفاظ أعذبها، فيستعملونه، ولهذا سبحانه تعالى نزل القرآن بلغتهم، وكان منهم أفصح العرب -يعني النبيّ ﷺ ، وما ثبت أنه من لغتهم لا يجوز القول بعدم فصاحته. وقد قالوا في

стр. 775

الفعل: مَلَحَ الماء مُلُوحًا، من باب قعد، وقياس هذا مالحٌ، فعلى هذا هو جارٍ على القياس. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة يسيرة من "اللسان" (١). (الَّتِي نَبَعَتْ) -بفتح الموحّدة، يقال: نَبَع الماء نُبُوعًا، من باب قعد، ونَبَع نَبْعًا، من باب نَفَع لغة: خرج من العين. قاله الفيّوميّ (قِبَلَكُمْ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة، وزانُ عِنَب: أي جهتكم (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا إِسْمَعِيلَ) كنية حمّاد بن زيد، والمراد أن ذلك الرجل وافق حمّادًا على جرح مهديّ بن هلال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٥ - (وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ، قَالَ: مَا بَلَغَني عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (الحسن الحلوانيّ) المذكور قبل سند. ٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ الحافظ المتقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن الحسن الحلوانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ) بن مسلم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الحافظ المتقدّم في ١/ ٥ (قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، تقدّمت ترجمته (حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ) يجوز صرفه، وعدمه، والصرف أجود (ابْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) واسمه فيروز، أبو إسماعيل، مولى عبد القيس البصري، ويقال: دينار. روى عن أنس فأكثر، وسعيد بن جبير، وخليد بن عبد الله الْعَصَرِيّ، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق الفزاري، وعمران القطان، ويزيد بن هارون، ومعمر، وغيرهم. قال الفلاس: متروك الحديث، وهو رجل صالح، يكنى أبا إسماعيل، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال البخاري: كان شعبة سيء الرأي فيه. وقال عباد المهلبي: أتيت شعبة أنا وحماد بن زيد فكلمناه في أبان، أن يُمسِك عنه فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك. فقال: ما أُراني يسعني السكوت عنه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر. وقال أيضا: لا يكتب عنه، قيل: كان له هَوىً، قال: كان منكر الحديث، كان وكيع إذا أتى على حديثه

стр. 776

يقول: رجل، ولا يسميه استضعافا. وقال مرة: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: متروك الحديث. وكذا قال النسائي، والدارقطني، وأبو حاتم، وزاد: وكان رجلا صالحا، ولكنه بُلِيَ بسوء الحفظ. وقال عفان: قال لي أبو عوانة: جمعت أحاديث الحسن عن الناس، ثم أتيت بها أبان بن أبي عياش، فحدثني بها كلها. وقال أبو عوانة مرة: لا أستحل أن أروي عنه شيئًا. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: تُرِك حديثه، ولم يقرأه علينا، فقيل له: كان يتعمد الكذب؟ قال: لا، كان يسمع الحديث من أنس، ومن شهر، ومن الحسن، فلا يميز بينهم. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بَيِّنُ الأمر في الضعف، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يُشَبَّهُ عليه، ويغلط، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة. وقال مالك بن دينار: أبان بن أبي عياش طاووس القراء. وقال أيوب: ما زلنا نعرفه بالخير منذ دهر. وقال ابن إدريس: قلت لشعبة: حدثني مهدي بن ميمون، عن سَلْم الْعَلَويّ، قال: رأيت أبان بن أبي عياش يكتب عن أنس بالليل، فقال شعبة: سلم يرى الهلال قبل الناس بليلتين. وقال ابن حبان: كان من العباد، سمع من أنس أحاديث، وجالس الحسن، فكان يسمع من كلامه، فإذا حدث به جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعًا، وهو لا يعلم، ولعله حدث عن أنس بأكثر من ألف وخمسمائة حديث، ما لكثير شيء منها أصل. وقال ابن معين مرة: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن المديني: كان ضعيفا. وقال الساجي: كان رجلا صالحا سخيا، فيه غفلة، يَهِم في الحديث، ويخطئ فيه. وقال يزيد بن هارون: قال شعبة: ردائي، وحماري في المساكين صدقة، إن لم يكن ابن أبي عياش يكذب في الحديث. وقال شعيب بن حرب: سمعت شعبة يقول: لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن أقول: حدثني أبان. وقال ابن إدريس عن شعبة: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. وقال سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تُكَلِّم شعبة أن يَكُفّ عني، قال، فكلمته، فكف عنه أياما، ثم أتاني في الليل، فقال: إنه لا يحل الكف عنه، إنه يكذب على رسول الله ﷺ . وقال يزيد بن زريع: حدثني عن أنس بحديث، فقلت له: عن النبي ﷺ ؟ فقال: وهل يروي أنس عن غير النبي ﷺ ؟ فتركته. وقال ابن سعد: بصري متروك الحديث. وذكره الفسوي في "باب من يُرْغَبُ عن الرواية عنهم". وقال العقيلي: ثنا أحمد بن علي الأبار قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله ﷺ أترضى أبان بن أبي عياش؟ قال: لا. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: لا يُكتب حديثه. وحكى الخليلي في "الإرشاد" بسند صحيح، أن أحمد

стр. 777

قال ليحيى بن معين -وهو يكتب عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان نسخة-: تكتب هذه، وأنت تعلم أن أبان كذاب؟ فقال: يرحمك الله يا أبا عبد الله، أكتبها، وأحفظها، حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، أقول له: كذبت، إنما هو أبان. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث، تركه شعبة، وأبو عوانة، ويحيى، وعبد الرحمن. وذكر أبو موسى المديني أنه تُوفي سنة (٧) أو (٢٨). قال الحافظ: والظاهر أنه خطأ، وكأنه أراد وثلاثين. وروينا في الجزء الثاني من حديث الفاكهي عن ابن أبي مسرة، أنه سمع يعقوب بن إسحاق ابن بنت حميد الطويل يقول: مات أبان بن أبي عياش في أول رجب سنة (١٣٨). وكذا ذكره القراب في "تاريخه". وقال الذهبي في "الميزان": بقي إلى بعد الأربعين ومائة. ولا يخفى ما فيه. وفي "التقريب": متروك، من الخامسة، مات في حدود الأربعين. انتهى. روى له أبو داود حديثا واحدًا مقرونا بقتادة في "الصلاة": ثنا خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء: "خمس من جاء بهن ... " الحديث. وهو من رواية ابن الأعرابي. (فَقَرَأَهُ عَلَيَّ) أي قرأ أبان ذلك الحديث الذي أتى به أبو عوانة. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام: أنه كان يُحَدِّث عن الحسن بكلّ ما يُسأل عنه، وهو كاذبٌ في ذلك. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٦ - (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ عَلِيٌّ: فَلَقِيتُ حَمْزَةَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً، أَوْ سِتَّةً). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (سُويد بن سعيد) بن سهل بن شهريار الْهَرَويّ، أبو محمد الْحَدَثَانّي -بفتح المهملة، والمثلّثة- الأنباري -بنون، ثم موحّدة- سكن الْحَدِيثة تحت عانة وفوق الأنبار. رَوَى عن مالك، وحفص بن ميسرة، ومسلم بن خالد الزنجي، وعلي بن مسهر، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.

стр. 778

قال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي أحاديث سويد، عن ضمام بن إسماعيل، فقال لي: اكتبها كلها، فإنه صالح، أو قال: ثقة. وقال الميموني عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال البغوي: كان من الحفاظ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه، فيسمعان منه. وقال أبو داود عن أحمد: أرجو أن يكون صدوقا، لا بأس به. وقال أبو حاتم: كان صدوقا، وكان يدلس ويكثر. وقال البخاري: كان قد عمي، فتَلَقَّن ما ليس من حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، مضطرب الحفظ، ولا سيما بعدما عَمِي. وقال صالح بن محمد: صدوق إلا أنه كان عمي، فكان يُلَقَّن أحاديث ليست من حديثه. وقال الْبَرْذَعي: رأيت أبا زرعة يسيىء القول فيه، فقلت له: فَأَيْشٍ حاله؟ قال: أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله، فأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا. قال: وسمعت أبا زرعة يقول: قلنا لابن معين: إن سويدا يحدث عن ابن أبي الرجال، عن ابن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من قال في ديننا برأيه، فاقتلوه". فقال يحيى: ينبغي أن يُبدأ بسويد فيقتل. وقيل لأبي زرعة: إن سويدا يحدث بهذا عن إسحاق بن نَجِيح، فقال: نعم، هذا حديث إسحاق، إلا أن سويدا أتى به عن ابن أبي الرجال. قلت: فقد رواه لغيرك عن إسحاق، فقال: عسى قيل له فرجع. وقال الحاكم أبو أحمد: عمي في آخر عمره، فربما لُقِّن ما ليس من حديثه، فمن سمع منه، وهو بصير فحديثه عنه حسن. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا مأمون، أخبرني سليمان بن الأشعث قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سويد بن سعيد حلال الدم. وقال محمد ابن يحيى الْخَزّاز: سألت ابن معين عنه، فقال: ما حدثك، فاكتب عنه، وما حدث به تلقينا فلا. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سئل أبي عنه، فحرك رأسه، وقال: ليس بشيء. وقال أبو بكر الأعين: هو سِدَادٌ من عيش، هو شيخ. وقال أبو بكر الإسماعيلي: في القلب من سويد شيء، من جهة التدليس. وقال العجلي: ثقة، من أروى الناس عن علي بن مسهر. وقال مسلمة في "تاريخه": سويد ثقة ثقة، روى عنه أبو داود. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قيل لمسلم: كيف استجزت الرواية عن سويد في "الصحيح"؟ : فقال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة. قال البخاري: مات سنة أربعين ومائتين، أول شوال بالحديثة. وفيها أرخه البغوي، وقال: وكان قد بلغ مائة سنة. وقال في "التقريب": صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه القول ابن معين، من قدماء العاشرة. انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في "صحيح مسلم" (٥٣) حديثًا.

стр. 779

٢ - (عليّ بن مسهر) -بضم الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء- القرشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل. رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم. وروى عنه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وخالد بن مخلد، وسويد بن سعيد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هو أحب إليك، أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مسهر. فقلت: ابن مسهر، أو إسحاق الأزرق؟ قال: ابن مسهر. قلت: ابن مسهر، أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال ابن نمير: كان قد دفن كتبه. قال يحيى: وهو أثبت من ابن نمير. وقال العجلي: قرشي من أنفسهم، كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة. وقال العجلي أيضا: صاحب سنة ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال العقيلي: قال أبو عبد الله -يعني أحمد- لما سئل عنه: لا أدري كيف أقول، قال: كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وثمانين ومائة. وعن يحيى بن معين: أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فَدَسَّ القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبا، فكحله، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال في "التقريب": ثقة له غرائب بعدما أضرّ، من الثامنة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٠٣) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عليّ بن مُسهِرٍ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ) بالرفع عطفًا على الضمير المتّصل؛ لوجود الفصل بالمنفصل. و"حمزة": هو ابن حبيب بن عمارة الزيات القاريء، أبو عُمَارة الكوفي التيمي مولاهم تقدمت ترجمة في ٤/ ٥٤. (مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ عَلِيّ) بن مسهر (فَلَقِيتُ حَمْزَةَ) الزيّات (فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ) أي أراه إياه (فَمَا عَرَفَ) أي النبيّ ﷺ (مِنْهَا) أي من تلك الأحاديث التي سمعها من أبان، وعرضها عليه (إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً، أَوْ سِتَّةً) بالنصب بدلا من "شيئًا". قال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: هذا ومثله استئناس، واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا

стр. 780

بإجماع العلماء. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى بعدما ذكر كلام عياض: ما نصّه: وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم، فنقلوا الاتفاق على أنه لا يُغَيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع، وليس هذا الذي ذكرناه مخالفا لقوله ﷺ : "من رآني في المنام، فقد رآني"، فإن معنى الحديث: أن رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام، وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعيّ به؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط، وتحقيق لما يسمعه الرائي. وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته، أن يكون متيقظا، لا مُغَفَّلًا، ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائمُ ليس بهذه الصفة، فلم تقبل روايته؛ لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهيّ عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء. انتهى (٢). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٧ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد الحافظ المشهور، صاحب "المسند"، تقدّم في ٤/ ٢٧. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن زُرَيق بن إسماعيل، ويقال: ابن عدي بن الصّلت بن بِسْطام التيمي، أبو يحيى الكوفي، نزيل بغداد. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وغيرهم. وعنه إسحاق بن راهويه، والبخاري في غير "الجامع"، وعبد الله بن أبي شيبة، وعبد الله الدارمي، وابن نمير، وغيرهم. قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: لا بأس به. وقال ابن الجنيد: قيل

стр. 781

لابن معين: ذُكر لأبي نُعيم حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ما له وللحديث! ذاك بالتوراة أعلم. فقال ابن معين: كان زكريا بن عدي لا بأس به، وكان أبوه يهوديا فأسلم. وقال العجلي: كوفي ثقة، رجل صالح، وأخوه يوسف ثقة، وزكريا أرفع منه، وكان متقشفا، حسن الهيئة، له نفس. وقال المنذر بن شاذان: ما رأيت أحفظ منه، جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله بن عمرو، فقال: ما تصنعون بالكتاب، خذوا حتى أُملي عليكم كله، وكان يحدث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم. وقال عباس الدوري: حدثنا زكريا بن عدي، وكان من خيار خلق الله. وقال ابن خِرَاش: ثقة، جليل، ورع. وقال ابن سعد: توفي ببغداد في جمادى الأولى سنة (٢١١)، وكان رجلا صالحًا، ثقة، صدوقًا، كثير الحديث. وقال مطين، وإسماعيل بن أبي الحارث: مات سنة (٢١٢) زاد إسماعيل، وابن حبان: يوم الخميس، ليومين مضيا من جمادى الآخرة. وقال في "التقريب": ثقة جليل يحفظ، من كبار العاشرة. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذي، وابن ماجه. وله في "صحيح مسلم" (١٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن زكريا بن عديّ، أنه (قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر الكوفي، نزيل الشام، وسكن المصيصة. روى عن حميد الطويل، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه معاوية بن عمرو الأزدي، وزكرياء بن عدي، والأوزاعي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الأئمة. وقال العجلي: كان ثقة، رجلا صالحًا، صاحب سنة، وهو الذي أدّب أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه. وقال سفيان بن عيينة: كان إماما. وقال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي، فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: ابدأ به، فإنه والله خير مني. وقال أبو مسهر: قدم علينا أبو إسحاق، فاجتمع الناس يسمعون منه، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر فلا يحضر مجلسنا، ففعلت. وقال ابن سعد: كان ثقة، فاضلًا، صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه. وقال الخليلي: أبو إسحاق إمام، يُقتَدى به، وهو صاحب كتاب السير، نظر فيه الشافعي، وأملى كتابا على ترتيبه، ورضيه. وقال الحميدي: قال لي الشافعيّ: لم يُصَنِّف أحد في السير مثله. وقال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقا، فأراد قتله، فقال: أين أنت

стр. 782

من ألف حديث وضعتُهَا، فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك، يَنخُلانها حرفًا حرفًا. وقال ابن مهدي: رجلان من أهل الشام، إذا رأيت رجلا يحبهما، فاطمئن إليه: الأوزاعي، وأبو إسحاق، كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة في قصة: والله ما رأيت أحدا أقدمه عليه. وقال لأبي أسامة: أيهما أفضل: أبو إسحاق، أو الفضيل بن عياض؟ فقال: كان الفضيل رجل نفسه، وأبو إسحاق رجل عامة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلِد بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث، وهو ابن (٢٨) سنة، وكان من الفقهاء، والعباد. وقال الخطيب: حدث عنه سفيان الثوري، وعلي بن بكار المصيصي، وبين وفاتيهما مائة سنة، أو أكثر. وقال أبو داود: مات سنة (١٨٥). وقال البخاري: مات سنة (٨٦). وقال ابن سعد: سنة (١٨٨). وقال في "التقريب": ثقة، حافظٌ، له تصانيف، من الثامنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث، برقم ٤٧٤ و ٩٢٢٠ و ١٨٩١ و ٢٤٧٩ و ٢٥٤٩. (اكْتُب) فعل أمر من الكتابة، فهمزته همزة وصل، تُضمّ عند الابتداء بها؛ إتباعًا لعين الكلمة، وتُحذف عند الدرج (عَنْ بَقِيَّةَ) بن الوليد الكلاعيّ الحمصيّ، تقدّم في ٤/ ٤٦ (مَا رَوَى عَنِ) المشايخ (الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ) أي لأنه كثير التدليس عن الضعفاء (وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ) بن سُليم الْعَنْسيّ، أبي عُتبة الحمصيّ (مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: هذا الذي قاله أبو إسحاق الفزاري في إسماعيل خلاف قول جمهور الأئمة، قال عباس الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام من بقية. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: هو ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه. قيل ليحيى: أيما أثبت، بقيّة، أو إسماعيل؟ قال: صالحان. وقال البخاريّ: ما روى عن الشاميين أصح. وقال عمرو بن عليّ: إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدث عن أهل المدينة، مثل هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، فليس بشيء. وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. قال يعقوب: وتكلم قوم في إسماعيل، وهو ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا، قالوا: يُغْرِب عن ثقات المكيين والمدنيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم. وقال أبو حاتم: هو لين، يكتب حديثه، ولا أعلم أحدا كَفّ عنه، إلا أبا إسحاق الفزاريّ. وقال الترمذيّ: قال أحمد: هو أصلح من بقية، فإن لبقية

стр. 783

أحاديث مناكير. وقال أحمد بن أبي الْحَوَاريّ: قال لي وكيع: يروون عندكم عن إسماعيل بن عياش؟ فقلت: أما الوليد ومروان فيرويان عنه، وأما الهيثم بن خارجة، ومحمد بن إياس فلا، فقال: وأيّ شيء الهيثم، وابن إياس، إنما أصحاب البلد الوليد ومروان. وقال أبو اليمان: كان يحيى الليل. وقال عثمان بن صالح السهمي: كان أهل حمص يَتَنَقَّصُون علي بن أبي طالب، حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائله، فَكَفُّوا. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي لداود بن عمرو، وأنا أسمع: كم كان يحفظ؟ -يعني إسماعيل- قال: شيئا كثيرًا، قال: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف. فقال أبي: هذا كان مثل وكيع. وقال ابن المديني: رجلان هما صاحبا حديث بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة. وقال أبو اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة في العلم، وكانوا يقولون: نجهد، ونتعب، ونسافر، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل بن عياش. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيلُ ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يُغْرِب عن ثقات المدنيين والمكيين. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، ما أدري ما سفيان الثوري؟ . وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل، لو ثبت على حديث أهل الشام، ولكنه خلط في حديثه عن أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما، وتركه. وقال دُحَيم: إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وكذا قال البخاري، والدولابي، ويعقوب بن شيبة. وقال ابن عدي: إذا روى عن الحجازيين، فلا يخلو من غلط، إما أن يكون حديثا برأسه، أو مرسلا يوصله، أو موقوفا يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة، فهو مستقيم، وهو في الجملة ممن يُكتَب حديثه، ويحتج به في حديث الشاميين خاصة. وقال ابن حبان: كان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحَدَاثته، أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق المتن بالمتن، وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر، خرج عن حد الاحتجاج به. قال محمد بن عون: كان مولده سنة (١٠٢). وقال بقية: وُلد سنة (٥). وقال زيد ابن عبد ربه: وُلد سنة (٦)، وكذا قال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد وجماعة: مات سنة (١٨١). وقال محمد بن سعد، وخليفة، وأبو عبيد: مات سنة (٨٢). وقال في "التقريب": صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مُخَلّط في غيرهم، من

стр. 784

الثامنة. انتهى. أخرج له البخاريّ في "جزء رفع اليدين"، والأربعة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله أبو إسحاق الفزاريّ من تضعيف إسماعيل بن عيّاش، خلاف قول الجمهور، فالحقّ أن إسماعيل حجة في حديث الشاميين، وإنما الطعن فيه في حديث غيرهم، من الحجازيين، والعراقيين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٨ - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ، لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ، وَيُسَمِّي الْكُنَى، كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيِّ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ). شرح الأثر: عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظليّ المروزيّ الإمام الحافظ المشهور، تقدّم في ٤/ ٢٦ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَاب عَبْدِ اللهِ) قال النوويّ رحَمه اللهُ تعالى: هذا مجهول، ولا يصحّ الاحتجاج به، ولكن ذكره مسَلم متابعة، لا أصلًا. انتهى (١). (قَالَ: قَالَ) عبد الله (بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام المشهور، تقدّم في ٤/ ٣٠ (نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ) "نعم" - بكسر النون، وسكون العين المهملة- ومثلها "بِئس" لإنشاء المدح، والذمّ، وهما فعلان عند الجمهور، لا يتصرّفان، فلا يُستعمل منهما غير الماضي، وهما لإنشاء المدح والذمّ على سبيل المبالغة، ولا بدّ لهما من مرفوع هو الفاعل، وهو إما أن يكون مُحلّى بأل، كقوله هنا: نعم الرجل، أو بالإضافة، كقوله : ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. أو ضميرًا مفسّرا بنكرة بعده، منصوبة على التمييز، نحو "نعم قومًا معشره". ويُذكر بعدها المخصوص بالمدح أو الذمّ، نحو قوله هنا: "بقيّة"، وهو مبتدأ خبره جملة "نعم" قبله، أو خبر مبتدإ محذوف وجوبًا: أي هو بقيّة. وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه اللهُ تعالى في "خلاصته"، حيث قال: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَيْ "أَلْ" أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا ... قَارَنَهَا كَنِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ ... مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَوْمَا مَعْشَرُهْ

стр. 785

إلى أن قال: وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا ... أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا (لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ، وَيُسَمِّي الْكُنَى) "لولا" حرف امتناع الشيء لوجود غيره: أي لولا تكنيته الأسامي، وعكسها لكان بقيّة نعم الرجل. وقوله: "يكني" بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من الكنية ثلاثيّا، ويجوز أن يكون بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد النون المكسورة، من التكنية رباعيّا، ويجوز أيضا ضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من أكنى رباعيّا أيضًا. قال في "القاموس": كَنَى زيدًا أبا عمرو، وبأبي عمرو كُنْيَةً بالكسر والضمّ: سمّاه به، كأكناه، وكنّاه. وأبو فلان: كنيتُه، وكُنْوته، ويُكسران. انتهى. ومعنى كلام ابن المبارك رحمه اللهُ تعالى أن بقيّة كان إذا روى عن إنسان معروف باسمه كناه ولم يسمه، وإذا روى عن معروف بكنيته سماه ولم يكنه، وهذا نوع من التدليس، وهو قبيح مذموم، لأنه يُلْبِس أمره على الناس، ويوهم أن ذلك الراوي ليس هو ذلك الضعيف؛ لتركه اسمه، أو كنيته التي عُرف بها، واشتهر بها، ويُسميه، أو يكنيه بما لا يُعرف به، فيُخرجه عن حاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه، إلى حالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من العلماء، بل يحتجون بصاحبها، وتقتضي توقفًا عن الحكم بصحته، أو ضعفه عند الآخرين، وقد يَعتَضِد المجهول فيُحتج به، أو يُرَجَّح به غيره، أو يُستأنس به. وأقبح هذا النوع أن يَكنِي الضعيفَ، أو يسميه بكنية الثقة، أو باسمه؛ لاشتراكهما في ذلك، وشهرة الثقة به، فيوهم الاحتجاج به، فهذا النوع مما يَقدَح في فاعله (١). وسيأتي البحث عن التدليس مُستوفىً، حيث يشير إليه المصنّف، إن شاء الله تعالى. ثم ذكر مثالًا لتدليس بقيّة، فقال: (كَانَ) أي بقيّة (دَهْرًا) أي زمنا طويلًا (يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيِّ) -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة- وحَكَى صاحب "المطالع" وغيره فتح الواو أيضا، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ: وُحَاظة بطن من حمير. قاله النوويّ. وقال في "اللباب": الْوُحاظيّ: نسبة إلى وُحاظة بن سعد بن عوف بن عديّ بن

стр. 786

مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطر بن عريب. انتهى (١). وفي "لبّ اللباب" الوُحاظيّ بالضمّ نسبة إلى وُحاظة بطن من جُشَم بن عبد شمس، وقرية باليمن. انتهى (٢). وفي "القاموس": وُحَاظة بالضمّ، ويُقال: أُحاظة: بلد، أو أرض باليمن، يُنسب إليها مِخْلافُ وُحَاظة. انتهى. (فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ) "إذا" هي الفجائيّة: أي ففجأنا كونه عبد القدّوس. وعبد القدوس هذا: هو الشاميّ الذي تقدم قريبًا تضعيفه وتصحيفه، وهو عبد القدوس ابن حبيب الْكَلاعِيّ -بفتح الكاف- أبو سعيد الشاميّ، فهو كَلاعيّ وُحَاظيّ (٣). وقد تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف بعض المتّهمين بوضع الأحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٨٩ - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ، إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) هو: أحمد بن يوسف بن خالد المهلبي الأزدي، أبو الحسن السلمي النيسابوري، المعروف بحمدان. روى عن عبد الرزاق، ومحمد ويعلى ابني عبيد، ورواد بن الجراح، وأبي مسهر، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال مكي بن عبدان: سمعته يقول: كتبت عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث، وسألت مسلما عنه، فقال: ثقة، وأمرني بالكتابة عنه. وقال الدارقطني: ثقة نبيل. وقال النسائي في "أسماء شيوخه": نيسابوري صالح. وفي رواية أخرى: لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: كتب إلى أبي وأبي زرعة بجزء من حديثه. وقال الخليلي: ثقة مأمون. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات، وقال: كان راويا لعبد

стр. 787

الرزاق، ثَبْتًا فيه. وقال أبو حامد بن الشرقي: كان عنده شيخان، لم يكونا عند محمد ابن يحيى: النضر بن محمد الْجُرَشي، وخالد بن مخلد، قال: ومات سنة (٢٦٤). وقال غيره: سنة (٦٣)، وله إحدى وثمانون سنة. وقال مكي: قال لنا أحمد بن يوسف: أنا أزدي، وأمي سُلَمية. وقال في "التقريب": حافظ ثقة، من الحادية عشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" (١١) حديثًا. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ الحافظ المصنّف المشهور، تقدّم في ٣/ ١٨. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن أحمد بن يوسف الأزديّ رحمه اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ) بن همّام (يَقُولُ: مَا) نافية (رَأَيْتُ) عبد الله (بْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإفصاح رباعيّا، يقال: أفصح عن مراده بالألف: إذا أظهره. وأفصح: إذا تكلّم بالعربيّة. وفَصُحَ الْعجميّ، من باب قرب: جادت لغته، فلم يَلْحَن. وقال ابن السِّكِّيت أيضًا: أفصح الأعجميّ بالألف: تكلّم بالعربيّة، فلم يلحن. ورجلٌ فصيح اللسان. قاله الفيّوميّ. والمناسب هنا المعنى الأول. والله تعالى أعلم. (بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ، إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ) بن حبيب المذكور (فَإِنِّي سَمِعْتُهُ) أي ابنَ المبارك (يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ) خبر لمحذوف، ثم إنه يحتمل أن يكون المعنى أنه خاطبه بهذا الكلام، فيكون التقدير: أنت كذّاب. ويحتمل أن يكون معناه أنه قال هذا الكلام لأجل بيان حاله للناس، فيكون التقدير: هو كذّاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٠ - (وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ، فَقَالَ: قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ) رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ المشهور المذكور قبل حديثين. ٢ - (أبو نعيم) هو: الفضل بن دُكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير ابن درهم التيمي، مولى آل طلحة الملائي الكوفي الأحول.

стр. 788

روى عن الأعمش، وأيمن بن نابل، وسلمة بن وردان، وخلق كثير. وروى عنه البخاري فأكثر، وروى هو والباقون بواسطة يوسف بن موسى القطان، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبي سعيد الأشج، وغيرهم. قال محمد بن سليمان الباغَنْدِيّ: سمعت أبا نعيم يقول: حدثنا الفضل بن عمرو بن حماد، ودُكين لقب. وقيل: إن رجلا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دكينا؟ ، قال: كان اسم أبي عمرا، ولكنه لقبه فَرْوَة الجعفي دُكينا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ، ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل ابن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف الْبُزُوريّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة -وسألته عن شيء-: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف إلا أنه كَيِّسٌ يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأً، قلت: فأيما أحب إليك أبو نعيم أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم وبالرجال، ووكيع أفقه. وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزَاحَم به ابن عيينة، فقال له رجل: وأي شيء عند أبي نعيم من الحديث، ووكيع أكثر رواية؟ فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فضيل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يجري مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يقظان في الحديث، وقام في الأمر -يعني في الامتحان-. وقال المروذي عن أحمد قال: يحيى وعبد الرحمن وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتا. وقال أيضا عن أحمد: وإنما رفع الله عفان، وأبا نعيم بالصدق، حتى نُوِّهَ بذكرهما. وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم، فقال: هما الْعَقْدَة. وفي رواية: ذهبا محمودين. وقال زياد بن أيوب عن أحمد: أبو نعيم أقل خطأ من وكيع. وقال عبد الصمد بن سليمان البلخي: سمعت أحمد يقول: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن إتقانا، وما رأيت أشد تثبتا في الرجال من يحيى، وأبو نعيم أقل الأربعة خطأ. قلت: يا أبا عبد الله يُعطَى فيأخُذ (١)، فقال: أبو نعيم صدوق ثقة، موضع للحجة في الحديث. وقال الميموني عن

стр. 789

أحمد: ثقة كان يقظان في الحديث، عارفا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله، وأثنى عليه. وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما، ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. -يعني بالكلام فيهما؛ لأنهما كانا يأخذان الأجرة من التحديث، وبقيامهما عدم الإجابة في المحنة. وقال محمد بن إسحاق الثقفي: سمعت الْكُديمي يقول: لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثَمَّ أحمد بن يونس، وأبو غسان، وغيرهما، فأول من امتحن فلان فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم، فقال: قد أجاب هذا ما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتَّهِم جده بالزندقة، ولقد أدركت الكوفة وبها سبعمائة شيخ كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله، وعنقي أهون عليّ من زِرّي هذا، قال: فقام إليه أحمد بن يونس فقبل رأسه، وكان بينهما شحناء، وقال: جزاك الله من شيخ خيرا. وروى بعضها البخاري عن الكديمي، عن أبي بكر بن أبي شيبة بالمعنى، وفيها: ثم أخذ زره فقطعه، ثم قال: رأسي أهون عليّ من زري هذا. وقال أحمد بن مُلاعب: سمعت أبا نعيم يقول: ولدت سنة ثلاثين ومائة في آخرها. وقال إبراهيم الحربي: كان بين وكيع وأبي نعيم سنة، وفات أبا نعيم في تلك السنة الْخَلْق. وقال يعقوب بن سفيان: مات أبو نعيم سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان مولده سنة ثلاثين. وقال حنبل بن إسحاق وغير واحد: مات سنة تسع عشرة ومائتين. وقال بعضهم: في سلخ شعبان، وبعضهم في رمضان. وقال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم يقول: يلومونني على الأَجر وفي بيتي ثلاثة عشر، وما في بيتي رغيف. وقال ابن سعد في "الطبقات": أنا عبدوس بن كامل، قال: كنا عند أبي نعيم في ربيع الأول سنة سبع عشرة، فذكر رؤيا رآها، فأولها أنه يعيش بعد ذلك يومين ونصفا، أو شهرين ونصفا، أو عامين ونصفا، قال: فعاش بعد الرؤيا ثلاثين شهرًا، ومات لانسلاخ شعبان في سنة تسع عشرة. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، من التاسعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين. وقوله: (وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ) جملة في محلّ نصب على الحال من "أبا نعيم": أي والحال أنه ذكر في كلامه المعلّى -بضم الميم، وفتح العين المهملة،

стр. 790

وتشديد اللام، مقصورًا -ابن عرفان- بضم العين المهملة، وسكون الراء، وبالفاء - على المشهور. وحُكي فيه كسر العين، وبالكسر ضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ. قاله النوويّ (١). و"المعلّى بن عُرفان" هذا يروي عن عمه أبي وائل، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاريّ في "تاريخه": منكر الحديث. وقال النسائيّ: متروك الحديث. وقال الدوريّ عن ابن معين: كان عرّافا في طريق مكة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: حدّث عن أبي وائل بالمناكير. وقال الحاكم، والنقّاش، وأبو نعيم مثله. وذكره العقيليّ في "الضعفاء". وليس له شيء في الكتب الستة (٢). (فَقَالَ) أي أبو نعيم (قَالَ) أي المعلّى (حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ) هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي المخضرم التابعيّ الكبير، تقدّم في ٤/ ٥٤ (قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا) أيها المسلمون (ابْنُ مَسْعُودٍ) هو عبد الله الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم في ١/ ١١ (بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة، وتشديد الفاء، بوزن سِجّين-: موضع قرب الرَّقّة بشاطىء الْفُرَات، كانت به الوقعة الْعُظمَى بين عليّ ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، غُرّة صَفَر، سنة (٣٧). فمن ثَمَّ احترز الناس السفر في صفر. قاله في "القاموس" في مادّة "صَفَنَ". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره صاحب "القاموس" من احتراز الناس من السفر في صفر، وتشاؤمهم، ولم يتعقّبه، عجيب من مثله؛ لأن هذا من مزاعم الجاهليّة الباطلة، ولقد أجاد شارحه، حيث نقل عن شيخه، أنه قال: ولا اعتداد بفعل الناس، واحترازهم، فلا يُعتبر مع ورود الخبر بقوله ﷺ : "لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر". انتهى. والله تعالى أعلم. [فائدة]: قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في "شرحه": وأما صفين: فبكسر الصاد والفاء المشددة، وبعدها ياء في الأحوال الثلاث: الرفع، والنصب، والجر، وهذه هي اللغة المشهورة، وفيها لغة أخرى، حكاها أبو عمر الزاهد، عن ثعلب، عن الفراء، وحكاها صاحب "المطالع" وغيره من المتأخرين: "صِفُّون" بالواو في حال الرفع. انتهى (٣). وقال السيّد محمد مرتضى الزبيديّ في "تاج العروس": قال ابن بَرّيّ: وحقّ صفّين

стр. 791

أن يُذكر في "باب الفاء"؛ لأن نونه زائدة، بدليل قولهم: صِفّون فيمن أعربه بالحروف، وفي حديث أبي وائل: "شهدت صفّين، وبئست الصّفّون". وفي "تقريب المطالع": الأغلب عليه التأنيث. وفي إعرابه أربع لغات: إعراب جمع المذكّر السالم، وإعراب "عَرَبون"، وإعراب "غِسْلِين"، ولزوم الواو، مع فتح النون، وأصله في "المشارق" لعياض رحمه اللهُ تعالى. وبقي عليه إعراب ما لا ينصرف؛ للعلميّة والتأنيث، أو شبه الزيادة، كما قاله عياضٌ وغيره. وفي "المصباح": في "صَفَّ": هو فِعْلين، من الصفّ، أو فَعِيلٌ، من الصّفُون، فالنون أصليّة على الثاني. ذكر هذا كلّه المرتضى في "التاج" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ذكره من لغات إعرابه خمس لغات: الأول: إعرابه إعراب جمع المذكّر السالم بالحروف. والثاني: إعرابه كعَرَبُون، في لزوم الواو، وإعرابه بالحركات، منصرفًا. والثالث: إعرابه كغسلين، في لزوم الياء، وإعرابه بالحركات على النون أيضًا منصرفًا. والرابع: لزوم الواو، مع فتح النون. والخامس: إعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ) -بضمّ التاء: أي أتظنّه (بُعِثَ) بالبناء للمفعول (بَعْدَ الْمَوْتِ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى هذا الكلام أن المعلى كَذَبَ على أبي وائل في قوله هذا؛ لأن ابن مسعود ﵁ تُوُفّي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، والأول قول الأكثرين، وهذا قبل انقضاء خلافة عثمان ﵁ بثلاث سنين، وصفين كانت في خلافة علي ﵁ بعد ذلك بسنتين، فلا يكون ابن مسعود ﵁ خرج عليهم بصفين، إلا أن يكون بُعِثَ بعد الموت، وقد عَلِمتم أنه لم يبعث بعد الموت، وأبو وائل مع جلالته، وكمال فضيلته، وعلو مرتبته، والاتفاق على صيانته، لا يقول: خرج علينا من لم يخرج عليهم، هذا ما لا شك فيه، فتعين أن يكون الكذب من المعلى بن عُرفان، مع ما عُرِف من ضعفه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩١ - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ).

стр. 792

رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٦. ٢ - (حسن الحلوانيّ) ابن عليّ، نزيل مكة الحافظ، تقدّم في ٣/ ٢. ٣ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ) الصفّار، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر البصريّ الحافظ، و"عُليّة" بصيغة التصغير: أمه، وكان يكره النسبة إليها، وتقدّم في ١/ ٤ (فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ) لم يُعرفا. قال عفّان (فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي الرجل الذي حدّث عنه الرجل (لَيْسَ بِثَبْتٍ) بفتح الموحّدة، وتسكّن: أي ليس عدلًا ضابطًا. قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى: ثَبَت الشيء يَثبُتُ ثُبُوتًا: دام، واستقرّ، فهو ثابتٌ، وبه سُمّي. وثَبَتَ الأمر: صحّ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أثبته، وثَبّته، والاسم الثبات. وأثبت الكاتب الاسم: كتبه عنده. وأثبت فلانًا: لازمه، فلا يكاد يفارقه. ورجلٌ ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتثبّت في أموره. وثَبْتُ الجنان: أي ثابت القلب. وثَبُت في الحرب، فهو ثَبِيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قَرِيبٌ. والاسم ثَبَتٌ بفتحتين. ومنه قيل للحجة: ثَبَتٌ. ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلًا ضابطًا، والجمع أَثْباتٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يستفاد من عبارة الفيّوميّ هذه أنه يجوز في "ثبتٍ" المذكور هنا أن يكون بفتح الموحّدة، وسكونها. والله تعالى أعلم. (قَالَ) عفّان (فَقَالَ الرَّجُلُ) أي الذي حدّث عن الرجل (اغْتَبْتَهُ) أي الرجل المحدَّث عنه (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) أي ابن عليّة (مَا اغْتَابَهُ) "ما" نافية: أي لم يغتبه غيبة شرعيّة، وهي التي يتعلّق بها التحريم (وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ) أي إن كلامه هذا يعتبر حكمًا عليه بعدم كونه حجة يُحتجّ بروايته. وحاصل ما أشار إليه ابن عليّة رحمه الله تعالى بكلامه هذا أن الغيبة، وإن كان معناها: ذكرك أخاك بما يكره، لكنها مشروطة بما إذا لم يتعلّق بذلك غرض شرعيّ، مثل ما

стр. 793

فعل عفّان هنا، وإلا فلا يكون لها حكم الغيبة، بل تكون تارةً واجبة، وتارة مستحبّة بحسب الدواعي والحاجة. وتفسير الغيبة بما ذُكر هو الذي جاء عن النبيّ ﷺ فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "أتدرون ما الغيبة؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". وقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: ما حاصله: مثل هذا ليس بغيبة، بل لو لم يَحسُن مقصده، وقصد محض التنقّص والعيب، لا بيان الحال لأجل الحديث لكان غيبةً، وكذلك لو لم يكن المتكلّم من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُلتفَتُ إلى قوله فيه لما جاز له ذكر ذلك، ولكان غيبة، وهذا كالشاهد ليس تجريحه غيبةً، ولو عابه قائل بما جُرح به على طريق المشاتمة والتنقّص له أُدّب له، وكانت غيبةً. وقد قيل ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خُصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خُصمائي أحبّ إليّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: "لِمَ حدّثتَ عنّي حديثًا ترى أنه كذب". انتهى كلام القاضي (١). وسأبيّن المواضع التي تباح فيها الغيبة قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٢ - (وحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَيْسَ بثِقَةٍ، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَوُلَاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ، نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (أبو جعفر الدارميّ) هو: أحمد بن سعيد بن صخر السرخسي، ثم النيسابوري، سرد الخطيب نسبه إلى دارم، وقال: كان أحد المذكورين بالفقه، ومعرفة الحديث، والحفظ له. رَوَى عن النضر بن شُميل، وأبي عامر الْعَقَدي، وعلي بن

стр. 794

الحسين المروزي، ومالك، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى النسائي (١)، والفلاس، وغيرهم. قال أحمد: ما قَدِمَ عليّ خراسانيّ أفقه بدنا منه، وعظمه حجاج الشاعر. وقال يحيى بن زكريا النيسابوري: كان ثقة جليلا. وقال أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة: أقدمه الطّاهرية هَرَاة، وكان أحد حفاظ الحديث المتقن الثقة العالم بالحديث، وبالرواة، تولى قضاء سرخس، ثم انصرف إلى نيسابور، إلى أن مات بها سنة (٢٥٣). وقال ابن حبان: كان ثقة ثبتا صاحب حديث يحفظ، وكتب إليه أحمد بن حنبل: لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل. قال: ومات سنة (٢٦٥)، أو قبلها، أو بعدها بقليل. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الحادية عشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" (٢٢) حديثًا. ٢ - (بشر بن عمر) بن الحكم بن عقبة الزهراني الأزدي، أبو محمد البصري. روى عن شعبة، ومالك، وهمام، وأبان، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، والحسن الخلال، وزيد بن أخرم، والفلاس، وأبو موسى، والذهلي، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن سعد: كان ثقة، تُوفي بالبصرة في شعبان سنة (٢٠٧). وكذا أرّخه القَرّاب، وقبله ابن زَبْر. وقال ابن حبان في "الثقات": مات ليلة الأحد، في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع. قال: وقد قيل: سنة تسع. وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث برقم ١١٤٦ و ١٤٤٧ و ١٦٦٩ و ١٨٥١ و ٢٩٢٠. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن بشر بن عمر الزهرانيّ رحمه اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّمت ترجمته (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: محمد بن عبد الرحمن، أبو جابر البياضيّ المدني، يروي عن سعيد بن المسيب، وهو الذي يقول فيه الشافعي: من حَدّث عن أبي جابر البياضي، بيض الله تعالى عينيه. وقال يحيى بن سعيد: سألت مالكا عنه، فلم يكن يرضاه. وقال أحمد: منكر الحديث جِدّا. وعن مالك قال: كنا

стр. 795

نَتَّهِمُهُ بالكذب. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، حدث عنه ابن أبي ذئب. وروى عباس عن يحيى: كذاب. وقال النسائيّ وغيره: متروك الحديث. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس بثقة، كذاب. وقال عمرو بن علي: منكر الحديث. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، ورأيتهم يسعون لحديثه. وقال بشر بن عمر: سألت مالكا عن البياضي، فقال: ليس بثقة، فلا تأخذنّ عنه شيئا. وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال الساجي: منكر الحديث. وقال الحاكم: حَدّث بالمناكير. وقال أبو حاتم: ما أقربه من ابن السلماني. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف، متروك الحديث، ونسبه مالك إلى الكذب على سعيد. وقول الشافعي جواب لمن قال له من أهل المدينة: يروون عنه، فأراد بقدحه هذا من يراه صحيحا، ويأخذ بحديثه حكمًا. وقال ابن أبي حاتم: أراد الشافعي التغليظ على من يكذب على النبي ﷺ . وقال ابن عديّ: ضعيف الحديث (١). وليس له في الكتب الستة شيء. (الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) التابعيّ الإمام الشهير المتقدّم في ٤/ ٦٨ (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس محمد بن عبد الرحمن ثقة، وقد عرفت آنفًا أنهم أجمعوا على تضعيفه (وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابن نَبْهان المديني، وهو صالح بن أبي صالح، روى عن أبي الدرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وزيد ابن خالد، وغيرهم. وروى عنه موسى بن عقبة، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وابن أبي الزناد، والسفيانان، وغيرهم. قال ابن عيينة: سمعت منه، ولعابه يسيل -يعني من الكبر- وما علمت أحدا من أصحابنا يحدث عنه، لا مالك، ولا غيره. وقال الحميدي عن ابن عيينة: لقيته سنة خمس، أو ست وعشرين ومائة، أو نحوها، وقد تغير، ولقيه الثوري بعدي. وقال الأصمعي: كان شعبة لا يحدث عنه. وقال القطان: سألت مالكا عنه، فقال: لم يكن من القراء. وقال عمرو بن علي عن القطان: لم يكن بثقة. وقال أحمد بن حنبل: كان مالك أدركه، وقد اختلط، فمن سمع منه قديما فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأسا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس بقوي في الحديث. قلت: حدث عنه أبو بكر ابن عياش، قال: لا، ذاك رجل آخر. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن معين يقول: صالح مولى التوأمة ثقة حجة، قلت له: إن مالكا ترك السماع منه، فقال: إن مالكا إنما أدركه بعد أن كَبِرَ وخَرِف، والثوري إنما أدركه بعدما خرف، وسمع منه

стр. 796

أحاديث منكرات، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخْرَف. وقال الجوزجاني: تغير أخيرا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول؛ لسنه، وسماعه القديم، وأما الثوري فجالسه بعد التغير. وقال أبو زرعة، والنسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم، والنسائي أيضا: ليس بقوي. وقال النسائي مرة: ليس بثقة، قاله مالك. وقال ابن عدي: لا بأس به، إذا روى عنه القدماء، مثل ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد، ومن سمع منه بآخره، وهو مختلط -يعني فهو ضعيف- إلى أن قال: ولا أعرف له حديثا منكرا، إذا روى عنه ثقة، وحدث عنه من سمع منه قبل الاختلاط. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال الترمذي عن البخاري، عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرًا، وروى عنه منكرًا، حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا النقل عن الترمذيّ يحتاج إلى التثبّت، فإنه مخالف لما سبق عن ابن معين، والجوزجانيّ، وابن عديّ من أن ابن أبي ذئب أحاديثه من صالح مقبولة؛ لأنه ممن سمع قبل اختلاطه، فالله تعالى أعلم. وقال ابن حبان: تغير سنة (٥)، وجعل يأتي بالأشياء التي تشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميز، فاستحق الترك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أيضًا محلّ نظر؛ لأنه سبق أن سماع المتقدّمين منه مقبول، وهو ظاهر في أن أحاديثهم متميّزة، فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وكذا أرخه ابن سعد، وقال: له أحاديث، ورأيتهم يهابون حديثه. انتهى. قال الحافظ: والظاهر أنه مات بعدها، فقد تقدم عن ابن عيينة أنه قال: لقيته سنة خمس أو ست. انتهى. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وقوله: (مَوْلَى) أي عَتيق (التَّوْأَمَةِ) قال الفيّوميّ رحَمه اللهُ تعالى: التّوْءَم: اسم لولد يكون معه آخر في بطن واحد، لا يُقال: تَوْءَمٌ إلا لأحدهما، وهو فَوْعلٌ، والأنثى تَوْءَمة، وزانُ جَوْهَر وجَوهرة، والولدان توأمان، والجمع توائم، وتُؤَام، وزانُ دُخان. وأتأمت المرأة وزانُ أكرمت: وضعت اثنين من حمل واحد، فهي مُتئمٌ، بغير هاء. انتهى (١). وقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: "التوأمة" -بفتح التاء المثناة من فوقُ، ثم واو

стр. 797

ساكنة، ثم همزة مفتوحة- هذا صوابها. قال: وقد يسهل بفتح الواو، ويُنقل إليها حركة الهمزة، قال: ومن ضم التاء، وهمز الواو، فقد أخطأ، وهي رواية أكثر المشايخ والرواة، وكما قيدناه أوّلا قيده أصحاب المؤتلف والمختلف، وكذلك أتقناه على أهل المعرفة من شيوخنا، قال: و"التوأمة" هذه هي بنت أمية بن خلف الْجُمَحيّ. قاله البخارى وغيره. قال الواقديّ: وكانت مع أخت لها في بطن واحد، فلذلك قيل: التوأمة، وهي مولاة أبي صالح من فوقُ. وأبو صالح هذا اسمه نبهان. انتهى كلام القاضي (١). [تنبيهان]: (الأول): يُطلق المولى على معان، أوصلها المجد في "القاموس" إلى أحد وعشرين، فقال: والمولى: المالك، والعبد، والمعتِق، والمعتَقُ، والصاحب، والقريب، كابن العمّ ونحوه، والجار، والحليف، والابن، والعمّ، والنزيل، والشريك، وابن الأخت، والوليُّ، والربّ، والناصر، والمنعِمُ، والمنعَمُ عليه، والمحبّ، والتابع، والصهر. انتهى. وقد نظمتها بقولي: وَيُطْلَقُ الْمَوْلَى عَلَى مَعَانِي ... قَرَّبْتُهَا بِالنَّظْمِ للْمُعَانِي الْمَالِكُ الْعَبْدُ وَمُعْتِقٌ أَتَى ... بالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ فَكُلٌّ ثَبَتَا وَالصَّاحِبُ الْقَرِيبُ كَابْنِ الْعَمِّ ... وَالْجَارُ وَالنَّزِيلُ عِنْدَ الْقَوْمِ وَالابْنُ وَالْحَلِيفُ وَالْوَلِيُّ ... وَالْعَمُّ وَالشَّرِيكُ يَا أُخَيُّ وَالرَّبُّ وَالنَّاصِرُ وَابْنُ الأُخْتِ ... وَالصِّهُرُ وَالْمُنْعِمُ كَسْرًا يَأْتِي وَمُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَتْحًا ثَبَتَا ... وَالتَّابِعُ الْمُحِبُّ خَاتِمًا أَتَى فَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَقَدْ ... سَرَدَهَا "الْقَامُوسُ" فَاحْفَظْ مَا وَرَدْ والله تعالى أعلم بالصواب. (الثاني): من المهمّ معرفة الموالي من العلماء والرواة، وهو أقسام: أهمه المنسوبون إلى القبائل مطلقا، كفلان القرشي، ويكون مولى لهم، ثم منهم من يقال: مولى فلان، ويراد مولى عتاقة، وهو الغالب، ومنهم مولى الإسلام، كالإمام البخاري مولى الجعفيين ولاءَ إسلام؛ لأن جده المغيرة كان مجوسيا، فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي والي بخارى، وكذلك الحسن الماسَرْجِسِيّ، أبو علي النيسابوريّ، من رجال مسلم، مولى عبد الله بن المبارك، كان نصرانيا، فأسلم على يديه. ومنهم مولى الْحِلْف، كمالك بن أنس إمام دار الهجرة، ونفرِهِ أصبحيون صَلِيبة، موالي لتيم قريش

стр. 798

بالحلف. ومن أمثلة مولى القبيلة أبو الْبَخْتَريّ الطائي التابعي، مولى طيء، وأبو العالية رُفيع بن مهران الرِّياحي التابعي، مولى امرأة من بني رِيَاح بن يربوع، حيّ من بني تميم، والليث بن سعد المصري الفَهْمِيّ مولاهم، وعبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم، وعبد الله بن وهب القرشي مولاهم، وعبد الله بن صالح الجهني مولاهم. وربما نُسب إلى القبيلة مولى مولاها، كأبي الحباب الهاشمي، مولى شُقْران مولى رسول الله ﷺ ، وقيل: هو مولى ميمونة أم المؤمنين ﵂، وقيل: مولى الحسين بن علي فليس حينئذ من هذا القسم. ومنه عبد الله بن وهب القرشي الْفِهْريّ، فإنه مولى يزيد بن رُمّانة، مولى يزيد بن أُنيس الفِهْرِيّ. ذكره النوويّ في "التقريب" (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الأثر"، حيث قال: وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي ... وَمَالَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ وَلا عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ ... وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي والله تعالى أعلم بالصواب. (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ) صالح (بِثِقَةٍ) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرّ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله مالك رحمه اللهُ تعالى من أن صالحًا مولى التوأمة ليس بثقة تقدّم أنه مبنيّ على أنه ما لقيه إلا بعد أن خَرِف، فلا ينافي توثيق غيره، فقد قال ابن معين: ثقة حجة، وقال ابن عديّ: لا بأس به إذا سمعوا منه قديمًا. والله تعالى أعلم. (وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ) -بضمّ الحاء المهملة، مصغّرًا- هو: عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري الزُّرَقيّ المدني. رَوَى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وعثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وحنظلة بن قيس الزرقي، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وزياد بن سعد، وغيرهم. قال بشر بن عمر: قال مالك: ليس بثقة. قال عبد الله بن أحمد أنكر أبي ذلك من قول مالك، وقال: قد روى عنه شعبة وسفيان. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس يحتج بحديثه. وقال الآجري عن أبي داود: قال مالك: قدم علينا سفيان، فكتب عن قوم يُذَمُّون بالتخنيث -يعني أبا الحويرث منهم- قال أبو داود: وكان يَخضِب رجليه، وكان من مرجئي أهل المدينة. وقال النسائي: ليس

стр. 799

بذاك. وذكره ابن حبان في "الثقات". ونقل ابن عديّ في ترجمته من طريق أحمد بن سعيد ابن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا من طريق عثمان الدارمي، عن يحيى. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال العقيلي: وثقه ابن معين. وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث، ومالك أعلم به؛ لأنه مدني، ولم يرو عنه شيئًا. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: روى عنه شعبة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وذكره البخاريّ في "تاريخه"، ولم يتكلّم فيه بشيء. قال: وكان شعبة يقول فيه: أبو الجويرية -يعني بالجيم-، وحكى أبو أحمد الحاكم هذا القول، ثم قال: وهو وَهَمٌ. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٢٨). وقال في موضع آخر: سنة (١٣٠)، وكذا أرخه ابن نمير، وابن حبان، وقال مرة: سنة (٣٢). وقال في "التقريب": صدوقٌ سيّىء الحفظ، ورُمي بالإرجاء، من السادسة. انتهى. أخرج أبو داود، وابن ماجه. (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس أبو الحويرث ثقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول من مالك رحمه اللهُ تعالى هو الأرجح، فيقدّم على ما سبق من توثيق ابن معين رحمه الله تعالى؛ لأنه بلديّه، فهو أعلم به، فيرجح عليه، وكذا على إنكار أحمد رحمه اللهُ تعالى؛ لأنه ما استند إلا على رواية شعبة، وسفيان، وقد سبق في قول مالك الإشارة إلى أن سبب روايتهما عنه عدم معرفة حاله، فلا يكونان حجة في توثيقه، فتدبّر. والله تعالى أعلم. (وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ) بن دينار الهاشمي، مولى ابن عباس، أبي عبد الله، ويقال: أبو يحيى المدني. روى عن ابن عباس، وروى عنه ابن أبي ذئب، وصالح بن خَوّات ابن صالح بن خوات، وبُكير بن الأشج، وداود بن الحصين، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وهو أحب إلي من صالح مولى التوأمة، قلت له: ما كان مالك يقول فيه؟ قال: كان يقول: ليس من القراء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال الجوزجاني، والنسائي: ليس بقوي. وقال ابن سعد: له أحاديث كثيرة، ولا يحتج به. وقال ابن عدي: لم أجد له أنكر من حديث واحد، فذكره من طريق الفضل بن المختار، عن ابن أبي ذئب، عنه، عن ابن عباس مرفوعا: "الوضوء مما خرج، وليس مما دخل". وفي الإسناد الفضل بن المختار، قال ابن عدي: لعل البلاء منه، ثم قال: لم أجد له حديثا منكرا، فأحكم عليه بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به. وقال العجلي:

стр. 800

جائز الحديث. وقال أبو زرعة، والساجي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال البخاري: يتكلم فيه مالك، ويُحتَمل منه. وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: قوله: ويُحتمل منه، يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه، قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شَحّ عليه بلفظة "ثقة". وتعقّبه الحافظ بأن هذا التأويل غير شائع، بل لفظة ليس بثقة في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر. انتهى. قال الواقدي: مات في وسط خلافة هشام بن عبد الملك. روى له أبو داود حديثا واحدًا في الغسل. وقال في "التقريب": صدوقٌ سيىء الحفظ، من الرابعة. انتهى. (الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أبو الحارث المدني، روى عن أخيه المغيرة، وخاله الحارث بن عبد الرحمن القرشي، وصالح مولى التوأمة، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه الثوري، ومعمر، وسعد بن إبراهيم، والوليد بن مسلم. وغيرهم. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن أبي ذئب يُشَبّه بسعيد بن المسيب، قيل لأحمد: خلف مثله ببلاده؟ قال: لا، ولا بغيرها. قال: وسمعت أحمد يقول: ابن أبي ذئب كان يُعَدّ صدوقا أفضل من مالك، إلا أن مالكا أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث. وقال البغوي عن أحمد: كان رجلا صالحا، يأمر بالمعروف، وكان يُشَبَّه بسعيد. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبد الكريم أبا أمية. وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن صالح يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلا البياضي. وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة، صدوق، غير أن روايته عن الزهري خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب. قال: وسمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب وعبد الله بن جعفر الْمَخْرَمي، فقدّم أحمد المخرمي على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المخرمي شيخ، وأَيْشٍ روى من الحديث؟ وأَطْرَى ابن أبي ذئب، وقدّمه تقديما كثيرًا، قال: فقلت لعليّ بعدُ: أيهما أحب إليك؟ قال: ابن أبي ذئب. قال: وسألت عليا عن سماعه من الزهري، فقال: هو عَرْضٌ، قلت: وإن كان عرضا كيف هو؟ قال: مقارب. وقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي: ما فاتني أحد، فأَسِفتُ عليه ما أسفت على الليث، وابن أبي ذئب. وقال النسائي: ثقة. وقال أحمد بن علي الأبار: سألت مصعبا الزبيري عن ابن أبي ذئب، وقلت له: حدثوني عن أبي عاصم أنه كان قدريا، فقال: معاذ الله،

стр. 801

إنما كان في زمن المهدي، قد أَخَذُوا أهل القدر، فجاء قوم، فجلسوا إليه، فاعتصموا به، فقال قوم: إنما جلسوا إليه؛ لأنه يرى القدر. وقال الواقدي: كان من أورع الناس، وأفضلهم، وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريا، لقد كان يَتّقي قولهم ويعيبه، ولكنه كان رجلا كريما، يَجلِس إليه كل واحد، وكان يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان شديد الحال، وكان من رجال الناس صَرَامةً، وقولا بالحق، وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب. وقال يعقوب بن سفيان: قيل لأحمد: من أعلمُ، مالك أو ابن أبي ذئب؟ قال: ابن أبي ذئب أصلح في بدنه، وأورع، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يَهَبْهُ أن قال له الحقَّ، قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر. قيل له: ما تقول في حديثه؟ قال: كان ثقة صدوقا رجلا صالحا ورعا. وقال المفضل الغلابي عن ابن معين: ابن أبي ذئب أثبت من ابن عجلان في سعيد المقبري. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن أبي ذئب ما حاله في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة. وقال جعفر بن أبي عثمان عن ابن معين: لم يسمع ابن أبي ذئب من الزهري، يعني أنه عَرْضٌ. وقال علي عن يحيى بن سعيد: كان عَسِرًا. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: دخل ابن أبي ذئب على عبد الصمد بن علي، فكلمه في شيء، فقال له: إني لأحسبك مرائيا، قال: فأخذ عودا من الأرض، وقال: مَنْ أُرائي، فو الله للناسُ عندي أهون من هذا. قال: وكان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة، وكان عالما ثقة فقيها ورعا عابدا فاضلا، وكان يُرمَى بالقدر. وقال ابن حبان في "الثقات كان": من فقهاء أهل المدينة وعبادهم، وكان من أقول أهل زمانه للحق، وَعَظَ المهدي، فقال: أما إنك أصدق القوم، وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يَهجُره من أجله. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت الجواب عن سبب رميه بالقدر في كلام مصعب الزبيريّ، والحقّ أنه بريء منه. والله تعالى أعلم. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: سمع ابن أبي ذئب من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه. قلت: إنهم يقولون: لم يسمع منه، قال: قد سمع من الزهري. وقال عمرو ابن عليّ الفلاس: ابن أبي ذئب في الزهري أحب إليّ من كل شامي. وقال النسائي في "الكنى": أنا معاوية، سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب، وابن جريج عن الزهري، ولا يقبله. وقال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في "الصحيح"، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بَيَّنَ ابن أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال: إنه سأل عن شيء، فأجابه، فرد عليه، فتقاولا، فحلف

стр. 802

الزهري أن لا يحدثه، ثم نَدِم ابن أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه، فكتب له، فكان يحدث بها. وقال الواقدي وغيره: وُلد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف. وقال إبراهيم بن المنذر، عن ابن أبي فديك: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة تسع وخمسين. وقال في "التقريب": ثقة فقيه فاضل، من السابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٣) حديثًا. (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، وقد تقدّم أن الأكثرين وافقوا مالكًا في تضعيفه، وإنما قوّى أمره ابن معين في رواية، وابن عديّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ حَرَامِ) -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الراء- (ابْنِ عُثْمَانَ) الأنصاري المدني، روى عن ابني جابر بن عبد الله، وروى عنه معمر وغيره. قال مالك ويحيى: ليس بثقة. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الشافعي وغيره: الرواية عن حرام حرام. وقال ابن حبان: كان غاليا في التشيع، يَقْلِب الأسانيد، ويرفع المراسيل. وقال إبراهيم بن يزيد الحافظ: سألت يحيى بن معين عن حرام، فقال: الحديث عن حرام حرام. وكذا قال الجوزجاني. وقال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لحرام بن عثمان: عبد الرحمن بن جابر، ومحمد بن جابر، وأبو عتيق هم واحد؟ قال: إن شئت جعلتهم عشرة (١). وحرام ليس من رجال الكتب الستّة. (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس حرام بن عثمان ثقة، وقد عرفت فيما سبق في ترجمته آنفًا أنهم اتّفقوا على تضعيفه. وقوله: (وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ) تأكيد لما سبق (وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ رَجُلٍ آخَرَ، نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ) مالك (هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ) مالك (لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا تصريح من مالك رحمه الله تعالى بأن من أدخله في كتبه فهو ثقة، فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيره. وقد اختلف العلماء في رواية العدل عن المجهول، هل يكون تعديلا له، فذهب بعضهم إلى أنه تعديل، وذهب الجماهير إلى أنه ليس بتعديل، وهذا هو الصواب، فإنه قد يروي عن غير ثقة، لا للاحتجاج به، بل للاعتبار والاستشهاد، أو لغير ذلك. أما

стр. 803

إذا قال مثل قول مالك، أو نحوه، فمن أدخله في كتابه فهو عنده عدل. وأما إذا قال: أخبرني الثقة، فإنه يكفي في التعديل عند من يوافق القائل في المذهب، وأسبابِ الجرح على المختار، فأما من لا يوافقه، أو يجهل حاله، فلا يكفي في التعديل في حقه؛ لأنه قد يكون فيه سبب جرح لا يراه القائل جارحا، ونحن نراه جارحا، فإن أسباب الجرح تَخْفَى، ومختلف فيها، وربما لو ذكر اسمه اطلعنا فيه على جارح. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن الله تعالى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٣ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكلانَ مُتَّهَمًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (الفضل بن سهل) الأعرج البغداديّ، خراسانيّ الأصل، تقدّم في ٤/ ٤١. ٢ - (يحيى بن معين) بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن، وقيل في نسبه: غير ذلك الْمُرّيّ الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، إمام الجرح والتعديل. رَوَى عن عبد السلام بن حرب، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وجرير ابن عبد الحميد، وحجاج بن محمد، وخلق كثير. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ورووا هم أيضا، والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد المسندي، وهناد بن السري، والفضل بن سهل الأعرج، وخلق كثير. قال ابن عدي عن شيخ له: كان معين على خراج الري، فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود وغيره: قال ابن المديني: ما أعلم أحدا كتب ما كتب يحيى بن معين. وقال محمد بن نصر الطبري: دخلت على ابن معين فوجدت عنده كذا وكذا سَفَطًا (٢)، وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ها هنا، وأشار بيده إلى الأَسْفاط فهو كذب. قال: وسمعته يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال صالح جزرة: ذُكر لي أن يحيى

стр. 804

ابن معين خَلّف من الكتب لما مات ثلاثين قِمَطْرًا وعشرين حُبّا (١). وقال مجاهد بن موسى: كان ابن معين يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة. وقال الدُّوري عن ابن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه. وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث، وعُرف به، وكان لا يكاد يُحَدِّث. وقال الدوري: سمعته يقول: القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق. وسمعته يقول: الإيمان يزيد وينقص، وهو قول، عمل. وقال علي بن أحمد بن النضر عن ابن المديني: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم، وبعده إلى يحيى بن معين. وفي رواية عنه: انتهى العلم إلى ابن المبارك، وبعده إلى ابن معين. وقال صالح جزرة: سمعت ابن المديني يقول: انتهى العلم إلى ابن معين. وقال أبو زرعة الرازي وغيره عن علي: دار حديث الثقات على ستة، ثم قال: ما شذ عن هؤلاء يصير إلى اثني عشر، ثم صار حديث هؤلاء كلهم إلى ابن معين. قال أبو زرعة: ولم يُنتفع به؛ لأنه كان يتكلم في الناس، ويُرْوَى هذا عن علي من وجوه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ولم يُنتفع به الخ محل نظر؛ لأنه إن أراد أنه لم يُنتفع بعلمه فليس بصحيح؛ لأنه ما من محدث إلا وانتفع بكلامه في الرجال، وإن أراد قلة الرواية عنه، فليس لكلامه في الناس، إذ لا يوجد أحد من أهل الحديث أعرض عن ابن معين لهذا المعنى، وإنما قلت الرواية عنه؛ لقلة تحديثه، كما يأتي في كلام ابن سعد قريبًا، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة، أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له. وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بعلل الحديث ابن المديني، وبفقهه أحمد بن حنبل، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين. وفي رواية عنه: يحيى أعلم بالرجال والكنى. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال، علي أو يحيى؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت عليا يقول: كنت إذا قَدِمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء، فنسأل يحيى بن معين، فيقوم فيخرجه، ما كان أعرفه بموضع حديثه! . وقال ابن البراء عن ابن المديني:

стр. 805

ما رأيت يحيى بن معين استَفْهَم حديثا، ولا رَدّه. وقال عمرو الناقد: ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين، ما قدر أحد يَقلِب عليه إسنادا قط. وقال الإسماعيلي: سئل الْفَرْهَيَاني عن يحيى، وأحمد، وعلي، وأبي خيثمة، قال: أما علي فأعلمهم بالعلل، وأما يحيى فأعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء. وقال حنبل عن أحمد: كان ابن معين أعلمنا بالرجال. وقال القواريري: قال لي يحيى: ما قدم علينا مثل هذين الرجلين: أحمد ويحيى. وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى، ويقول: حدثني من لم تَطلُع الشمس على أكبر منه، فقال: وما تعجب؟ سمعت ابن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله. وقال أيضا: قلت لابن الرومي: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: الناس كلهم عيال على يحيى بن معين، فقال: صدق، ما في الدنيا مثله. قال: وسمعت ابن الرومي يقول: ما رأيت أحدا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى. وقال هارون ابن بشير الرازي: رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة، رافعا يديه، يقول: اللهم إن كنتُ تكلمتُ في رجل، وليس هو كذابا، فلا تغفر لي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الكلام من يحيى يُحمل على أنه قاله ليعلم الناس أنه إنما يتكلم فيمن يستحقّ ذلك، ولا يفعل ذلك تفكّهًا بأعراض الناس، وإلا فلا ينبغي لمسلم أن يقول: اللهم لا تغفر لي، وإن كانت ذنوبه من الموبقات. فليُفهم. والله تعالى أعلم. وقال هارون بن معروف: قَدِمَ علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول مَنْ بَكّر عليه، فسألته أن يُملي عليّ شيئا، فأخذ الكتاب يملي، فإذا بإنسان يَدُقّ الباب، فقال الشيخ: مَنْ هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده، لا يتحرك، فإذا بآخر، فذكر أحمدَ بنَ الدَّوْرقي، وعبدَ الله بنَ الرومي، وزهيرَ بنَ حرب كلهم يدخل، والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدق الباب، قال الشيخ: مَنْ هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: قَدِمَ علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقَدِمت بغداد، وقَبِلَني يحيى بن معين، والحمد لله. وقال ابن أبي الْحَوَاريّ: ما رأيت أبا مسهر يَسْهُل لأَحد من الناس سهولته ليحيى بن معين، ولقد قال له يوما: هل بقي معك شيء؟ . وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعتُ أبا سعيد الحداد يقول: لولا ابن معين ما كتبت الحديث. قال: وإنا لنذهب إلى المحدث، فننظر في كتبه، فلا نرى فيها إلا كل حديث صحيح، حتى يجيء أبو زكريا، فأول شيء يقع في يده الخطأ، ولولا أنه عَرّفناه لم نعرفه. فقال ابن الرومي: وما تعجب؟ لقد نفعنا الله

стр. 806

تعالى به، ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته، ولقد كنا في مجلس لبعض أصحابنا، فقلت له: يا أبا زكريا ما نفيدك حديثا؟ وفينا يومئذ علي، وأحمد، فقال: وما هو؟ فقلت حديث كذا وكذا، فقال: هذا غلط، فكان كما قال. قال ابن الرومي: وكنت عند أحمد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكريا، فإنه يعرف الخطأ، قال: وكنت أنا وأحمد نَختَلِف إلى يعقوب ابن إبراهيم في المغازي، فقال أحمد: ليت أن يحيى هنا، قلت: وما تصنع به؟ قال: يعرف الخطأ. وقال علي بن سهل بن المغيرة: سمعت أحمد يقول في دهليز عفان، فذكر نحو هذه القصة. وقال عبد الخالق: حدثني أبو عمرو أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت عباسًا الدُّوري يقول: رأيت أحمد يسأل يحيى بن معين عند رَوْح بن عبادة مَنْ فلان؟ ما اسم فلان؟ . وقال الأصم عن الدوري: رأيت أحمد في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول: يا أبا زكريا كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كلما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد يسميه باسمه، بل يكنيه. وقال سليمان بن عبد الله: سمعت أحمد يقول: هَهنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين، يعني ابن معين. وقال الأثرم: رأى أحمد يحيى بن معين بصنعاء، يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فقال له أحمد: تكتب هذه الصحيفة، وتعلم أنها موضوعة؟ ، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: نعم أكتبها فأحفظها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا. وقال أحمد بن علي الأبار عن ابن معين: كتبنا عن الكذابين، ثم سَجَرنا به التنور. وقال أبو حاتم: إذا رأيت البغدادي يُحِبّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين، فاعلم أنه كذاب. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في ابن معين، فاعلم أنه كذاب، إنما يُبغضه لما بَيَّنَ من أمر الكذابين. وقال محمد بن رافع: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كل حديث لا يعرفه ابن معين فليس هو بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتا. وقال الحسن بن عُلَيْل العنزي: ثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا، ما أعلمت به أحدًا، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إليّ خلف بن سالم أن أذكرها، فَمَا قلت له. قال يحيى: وما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وما استقبلت رجلا في وجهه بما يكره، ولكن أُبَيّن له خطأه، فإن قبل، وإلا تركته. وقال موسى بن حمدون عن أحمد بن عقبة: سمعت يحيى بن معين يقول: من لم يكن سمحا في الحديث كان كذابا، قيل له: وكيف يكون سمحا؟ قال: إذا شك في

стр. 807

الحديث تركه. وقال سعيد بن عمرو البردعي: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أحد ممن امتحن فأجاب، وذكر ابن معين وأبا نصر التمار. وقال الخطيب: كان إماما ربانيا عالما حافظا ثبتا متقنا. وقال ابن حبان في "الثقات": أصله من سَرَخْسَ، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع السنن، وكثرت عنايته بها، وجمعه وحفظه إياها، حتى صار عَلَمًا يُقتَدى به في الأخبار، وإماما يُرجع إليه في الآثار. وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد، وابن المديني، ونظرائهم، فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث، لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خُلطت، وتلبست، فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال. وقال أبو بكر بن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جَرّ ذيول الناس جَرُّوا ذيله. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: وُلد يحيى بن معين سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول ﷺ سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وقد استوفى خمسًا وسبعين سنة، ودخل في الست. وقال البخاريّ: مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، إلا نحوًا من عشرة أيام. وقال الحسين بن فَهْم: سمعت ابن معين يقول: وُلدت في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها. وقال الدوري نحو ما قال البخاري، وزاد قبل أن يحج. وفيها أرخه غير واحد، زاد عباس في موضع آخر: ونودي بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ . وزاد إبراهيم بن المنذر: فرأى رجل النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين، فسألهم، فقال: "جئت لهذا الرجل، أصلي عليه، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي". وقال حُبَيش بن مبشر: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأعطاني، وزوجني ثلاثمائة حوراء، وأدخلني عليه مرتين. وقال عبد الله بن أحمد: قال فيه بعض أهل الحديث [من الكامل]: ذَهَبَ الْعَلِيمُ بِعَيْب كُلِّ مُحَدِّثٍ ... وَبِكُلِّ مُخْتَلِفٍ مِنَ الإِسْنَادِ وَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الْحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ ... يُعْنَى بِهِ عُلَمَاءُ كُلِّ بِلَادِ وقال في "التقريب": ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، من العاشرة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث فقط برقم ١٠١٨ و ١٤٢٤ و ١٥٤٢. ٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، مولى سليمان بن مجالد،

стр. 808

ترمذيّ الأصل، سكن بغداد، ثم تحول إلى الْمِصِّيصَة. رَوَى عن حريز بن عثمان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والليث، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وأبو عبيد، وخلق كثير. قال أحمد: ما كان أضبطه، وأشد تعاهده للحروف، ورفع أمره جدّا. وقال مرة: كان يقول: حدثنا ابن جريج، وإنما قرأ على ابن جريج، ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ. وقال أحمد أيضا: سمع التفسير من ابن جريج إملاءً، وقرأ بقية الكتب. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي أيما أثبت: حجاج، أو الأسود بن عامر؟ فقال: حجاج. وقال الزعفراني: سئل ابن معين أيما أحب إليك: حجاج، أو أبو عاصم؟ فقال: حجاج. وقال الْمُعَلَّى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج. وقال علي بن المديني، والنسائي: ثقة. وقال أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله السُّلَميّ: حجاج نائمًا أوثق من عبد الرزاق يقظان. وقال ابن سعد: تحول إلى المصيصة، ثم قدم بغداد في حاجة له، فمات بها سنة (٢٠٦)، كان ثقة صدوقا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره، حين رجع إلى بغداد. وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لَمّا قَدِم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خلط، فقال لابنه لا تُدخل عليه أحدًا، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس، فأعطوه كتاب شعبة، فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبس أبي مريم، عن خيثمة، فقال يحيى لابنه: قد قلت لك. وذكره أبو العرب القيرواني في "الضعفاء" بسبب الاختلاط. وقد وثقه أيضا مسلم، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ربيع الأول. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره، لَمّا قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة (٢٠٦). انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٤) حديثًا. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن المذكور في الأثر الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن حجاج بن محمد الأعور رحمه الله تعالى، أنه قال: (حَدَّثَنَا) محمد بن عبد الرحمن

стр. 809

بن المغيرة بن الحارث (بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ) بضم الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، وكسر الموحّدة، اسم عجميّ لا ينصرف (ابْنِ سَعْدٍ) هو: أبو سعد الخطمي المدني، مولى الأنصار. روى عن زيد بن ثابت، وأبي رافع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، والحسن بن علي، وعُويم بن ساعدة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومالك، وغيرهم. قال بشر بن عمر: سألت مالكا عنه؟ فقال: ليس بثقة. وقال يزيد بن هارون: عن ابن أبي ذئب: أنا شُرحبيل، وهو شرحبيل، وقد بينا لكم. وقال ابن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: كان شرحبيل بن سعد يُفتي؟ قال: نعم، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي، والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه. وقال في موضع آخر عن سفيان: لم يكن أحد أعلم بالبدريين منه، وأصابته حاجة، فكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل، فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرًا. وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف. وقال أيضا: كان أبو جابر البياضي كذابا، وشرحبيل خير من ملء الأرض مثله. وقال مرة: ضعيف، يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى القطان قال: قال رجل لابن إسحاق: كيف حديث شرحبيل؟ فقال: وأحدٌ يحدث عن شرحبيل؟ ! قال يحيى: العجب من رجل يحدث عن أهل الكتاب، ويرغب عن شرحبيل. وقال ابن سعد: كان شيخا قديما، روى عن زيد بن ثابت، وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث، وليس يحتج به. وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف يُعتَبَر به. وقال ابن عدي: له أحاديث، وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة. وخرّج ابن خزيمة، وابن حبان حديثه في "صحيحيهما". وقال ابن الْبَرْقِيّ في "باب من كان الأغلب عليه الضعف": ويقال: إن الرجل الذي روى عنه مالك حديث: "اصطدتُّ نُهَسًا (١) " في "كتاب الحج" شرحبيل بن سعد، وهو يضعف، وإنما ترك مالك تسميته لذلك. وحَكَى مضر بن محمد عن ابن معين أنه وثقه. وقال ابن المديني أَتَى لشرحبيل أكثر من مائة سنة. وقال جويرية: قلت له: رأيت عليا؟ قال: نعم. انتهى. وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويما مات في حياة رسول الله ﷺ ، ويقال: في خلافة عمر ﵁. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة.

стр. 810

وقال في "التقريب": صدوقٌ اختلط في آخره، من الثالثة، مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة. انتهى. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، وابن ماجه. (وَكَانَ مُتَّهَمًا) أي بالكذب في الحديث، وقد سبق أن هذا في آخر عمره لَمّا احتاج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٩٤ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ ابْنَ مُحَرَّرٍ، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠. ٢ - (أبو إسحاق الطالقانيّ) هو: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى نزيل مرو، تقدّم في ٤/ ٣٢. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ رحمه الله تعالى، أنه قال: (سَمِعْتُ) عبد الله (ابْنَ الْمُبَارَكِ) الإمام الجليل رحمه الله تعالى، تقدّم في ٤/ ٣٠ (يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء الأولى، بصيغة اسم المفعول- العامري الجزري الحرّاني، ويقال: الرَّقّيّ، قاضي الجزيرة، متّفق على ضعفه، وقد تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف رحمه الله تعالى الرواة الذين يغلب على أحاديثهم المنكر، أو الغلط. والله تعالى أعلم. (لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي لشدّة حرصه على سماع أحاديثه (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ) بفتح الموحّدة، وفتح المهملة، وتُسكّن-: واحدة البعَر. قال الفيّوميّ: الْبَعَر -أي بفتح العين- معروف، والسكون لغة فيه، وهو من كلّ ذي ظِلْف، وخُفّ، والجمع أبعار، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (١). وقال في "المعجم الوسيط": "البعر": رجيع ذوات الخفّ، وذوات الظلف، إلا البقر الأهليّ. انتهى (٢). (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ) أي لكونه واهي الحديث، وقد وافق العلماء ابن المبارك على تضعيفه، فقد سبق
следующие страницы →