← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وإسماعيل بن أبي خالد، قال العجليّ: لا يُحدّث إلا عن ثقة (١). وأبو كامل مُظفَّر بن مُدرك الخراسانيّ الحافظ، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعيّ الحافظ، والهيثم بن جَمِيل البغداديّ الحافظ، قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: لم يكونوا يَحملون عن كل أحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات (٢). ويحيى بن أبي كثير، قال أبو حاتم: يحيى إمام لا يُحدّث إلا عن ثقة (٣). ومنصور بن المعتمر، قال الآجرّيّ عن أبي داود: كان منصورٌ لا يروي إلا عن ثقة (٤). ووُهيب بن خالد الباهليّ، فقد قال أبو حاتم: ما أنقى حديثه؟ لا تكاد تجده يُحدّث عن الضعفاء (٥). وقد نظمت هؤلاء بقولي: مَنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ عَنْ غَيْرِ ثِقَهْ ... فِي غَالِبِ الْحَالِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ أَحْمَدُ يَحْيَى (٦) مَالِكٌ وَالشَّعْبِي ... بَقِيْ حَرِيزٌ مَعَهُ ابْنُ حَرْبِ وَنْجْلُ مَهْدِيٍّ مَعَ الْمَنْصُورِ (٧) ... يَحْيَى (٨) وَشُعْبَةُ عَلَى الْمَشْهُوَرِ وَابْنُ الْوَلِيدِ وَبُكَيْرٌ هَيْثَمُ ... وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ أَيَضًا يُعْلَمُ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ مَنْصُورُ (٩) ... وَقُلْ وُهَيْبٌ مَعَهُمْ مَذْكُورُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهات]: (الأول): قال الحافظ -رحِمَهُ اللهُ تعالى- في "لسان الميزان": وممن ينبغي أن يُتَوَقّف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة، سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الْجُوزَجانيّ لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدّة انحرافه في النَّصْب، وشهرة أهلها بالتشيعِ، فتراه لا يتوقف في جرح مَنْ ذَكَره منهم بلسان ذَلْقَة، وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يُليِّن مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله، أو أكبر منه، فوثّق رجلًا ضعّفه قُبِل التوثيق، ويَلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نُسب إلى الرفض (١٠)، فقد ثبت جَرْحُهُ

стр. 877

لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف، والتباين لهذا وغيره، فكل هذا ينبغي أن يُتَأَنَّى فيه، ويُتَأمّل، وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري -يعني ابن دقيق العيد-: أعراضُ الناس حُفْرة من حُفَر النار، وَقَفَ على شفيرها طائفتان: الحكام والمحدثون، هذا أو معناه. انتهى (١). (الثاني): قال الحافظ رحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا: وينبغي أن يُتأمّل أيضا أقوالُ المزكين ومخارجها، فقد يقول العدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يُحتَجُّ بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووُجِّهَ السؤالُ له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيُقرَن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يُريد أنه ليس من نمط من قُرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بَيَّن حاله في التوسط، فمن ذلك أن الدُّوريّ قال: سئل ابن معين عن محمد بن إسحاق، فقال: ثقة، فحكى غيره عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق وليس بحجة. ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح، فقال: عقيل ثقة متقن. وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يُحمَل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل، ممن وَثَّق رجلًا في وقت وجرحه في وقت آخر، وقد يَحكُمون على الرجل الكبير في الجرح -يعني لو وُجد فيمن هو دونه لم يُجرح به، فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها؛ ليتبين منها، فالعلة تخفى على كثير من الناس إذا عُرض على ما أصلناه. انتهى (٢). (الثالث): قال الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا: قال ابن المبارك: مَن ذا سَلِم من الوهم؟ وقال ابن معين: لست أعجب ممن يُحَدّث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب. قال الحافظ: وهذا أيضا مما ينبغي أن يُتوقّف فيه، فإذا جُرح الرجل بكونه أخطأ في حديث، أو وَهِمَ، أو تفرد، لا يكون ذلك جرحًا مستقرا، ولا يرد به حديثه، ومثل هذا إذا ضُعِّف الرجل في سماعه من بعض شيوخه خاصة، فلا ينبغي أن يُرَدّ حديثه كله لكونه ضعيفًا في ذلك الشيخ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا روى الثقة حديثا، وإن لم يروه غيره، فلا يقال له: شاذّ، إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على وجه، فيرويه

стр. 878

بعضهم فيخالفه، فيقال: شذ عنهم، وهذا صواب، ومع ذلك فلا يَخرُج الرجل بذلك عن العدالة؛ لأنه ليس بمعصوم من الخطإ والوهم، إلا إذا بُيِّنَ له خطؤه فأَصَرَّ. انتهى (١). (الرابع): قال عثمان بن سعيد الدارميّ. سئل يحيى بن معين عن الرجل يُلقي الرجل الضعيف بين ثقتين، ويصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول: أنقص من الإسناد، وأصل ثقة عن ثقة، قال: لا تفعل لعلّ الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا أحسنه إذا هو أفسده، ولكن يحدث بما رَوَى. قال عثمان: كان الأعمش ربما فعل هذا. قال الحافظ: ظاهر هذا تدليس التسوية، وما علمتُ أحدًا ذكر الأعمش بذلك، فيُستفاد. (الخامس): قال أبو مصعب الزبيري: سمعت مالكا يقول: لا تَحمِل العلم عن أهل البدع كلهم، ولا تَحمِل العلم عمن لم يُعرَف بالطلب، ومجالسةِ أهل العلم، ولا تحمل العلم عمن يَكذِب في حديث النبي ﷺ ، ولا عمن يكذب في حديث الناس، وإن كان في حديث النبي ﷺ صادقًا؛ لأن الحديث والعلم إذا سُمع من الرجل، فقد جُعل حجةً بين الذي سمعه وبين الله تعالى، فلينظر عمن يأخذ دينه. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ينبغي في صاحب الحديث أن يكون فيه خصال: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويَفهَم ما يقال له، ويَتَبَصَّر الرجال، ثم يتعاهد ذلك. وقال ابن مهدي: قيل لشعبة: مَنِ الذي يُترك حديثه؟ قال: إذا رَوَى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأكثر، طُرِح حديثه، وإذا أكثر الغلط طُرح حديثه، وإذا اتُّهِم بالكذب طُرح حديثه، وإذا رَوَى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه، فلم يَتَّهِم نفسه عليه طُرح حديثه، وأما غير ذلك فارْوِ عنه. وقال ابن مهدي: الناس ثلاثة: رجلٌ حافظٌ متقنٌ، فهذا لا يُختَلف فيه، والآخر يَهِم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يُترَك حديثه، ولو تُرِك حديث مثل هذا لذَهَب حديثُ الناس، والآخر يَهِم، والغالب على حديثه الوَهَم، فهذا يُترَك حديثه. قال الحافظ: هذا أقسام الصادقين، أما من يتعمد الكذب فلم يتعرض له ابن مهدي في هذا التقسيم. وقال ابن المبارك: يُكتَب الحديث إلا عن أربعة: غَلّاط لا يَرجِع، وكذّاب،

стр. 879

وصاحب هَوىً يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه. وقال الإمام أحمد: ثلاثةُ كتبٍ ليس لها أصول، وهي المغازي، والتفسير، والملاحم. قال الحافظ: ينبغي أن يضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات، وأما الفضائل فلا تُحصَى، كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت؟ ، وعارضهم جَهَلة أهل السنة بفضائل معاوية، بدأوا بفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله، وأعلى مرتبتهما عنها. وقال ابن قتيبة في "اختلاف الحديث": الحديثُ يدخله الثبوت والفساد من وجوه ثلاثة: منها الزنادقة، واحتيالهم للإسلام، وتهجينه بدس الأحاديث المستبشعة والمستحيلة، والقُصّاص فإنهم يُمِيلُون وجوهَ العوامّ إليهم، ويَستَدِرّون ما عندهم بالمناكير والغرائب والأحاديث، ومن شأن العوام ملازمة القُصّاص ما دام يأتي بالعجائب الخارجة عن نظر العقول. انتهى (١). (السادس): قال ابن أبي خيثمة: قلت لابن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلت لك: ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت: هو ضعيف فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال حمزة السهميّ: قلت للدارقطني: إذا قلتَ: فلان لَيِّن أَيْشٍ تريد به؟ قال: لا يكون ساقطًا، متروكَ الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقطه عن العدالة. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٦ - (بَابُ صِحَّةِ الاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ، إِذَا أَمْكَنَ لِقَاءُ الْمُعَنْعِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُدَلِّسٌ) فال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل: (المسألة الأولى): في تعريف "المعنعن": "المعنعن": اسم مفعول من عَنْعَن الحديث: إذا رواه بـ "عن" من غير بيان للتحديث، أو الإخبار، أو السماع. أفاده السخاويّ (٣).

стр. 880

ثم إن لفظة "عن" صيغة أداء، استُعملت في الأسانيد المتّصلة، كما أنها استُعملت في الأسانيد غير المتّصلة، وهي لا تفيد الاتصال، ولا عدمه، بل هي تستعمل فيهما معًا، إلا أن ورودها للانقطاع أكثر، فقد كثُر ورودها في الأسانيد المدلّسة والمنقطعة، واستعملها المدلّسون، والمرسِلون، قال الإمام الخطيب البغداديّ رحِمَهُ الله تعالى: وقول المحدّث ثنا فلانٌ، قال: ثنا فلان أعلى منزلة من قوله: ثنا فلان عن فلان؛ إذ كانت "عن" مستعملة كثيرًا في تدليس ما ليس بسماع. انتهى (١). وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحِمَهُ الله تعالى في معرِض كلامه عن المدلّس-: "ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: "أخبرنا فلان"، ولا "حدّثنا"، وما أشبهها، وإنما يقول: "قال فلان"، أو "عن فلان"، ونحو ذلك. فالإتيان بلفظة "عن" فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة معروف، ومشتهر عند المحدثين، وهو من عادتهم في الرواية بالعنعنة (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في قبول الإسناد المعنعن: (اعلم): أن الذي يتّضح اتصاله من الحديث هو الذي قال فيه ناقله: "سمعت فلانا"، أو "حدثنا"، أو "أنبانا"، أو "نَبّأنا"، أو "أخبرنا"، أو "خَبَّرنا"، أو "قرأ علينا"، أو "قرأنا"، أو "سمعنا عليه"، أو "قال لنا"، أو "حَكَى لنا"، أو "ذَكَر لنا"، أو "شافهنا"، أو "عرض علينا"، أو "عرضنا عليه"، أو "ناولنا"، أو "كَتَب لنا"، إذا كتب له ذلك الشيء بعينه، وكان يَعرِف خط الكاتب إليه، وفي اعتماده على إخبار الْمُوصِل الثقة بأنه خطه وكتابه، -ثم الأصح جواز إلغاء الواسطة، وإن كان الأحوط اعتبارها، وتبيين الحالة كما وقعت- أو ما أشبه ذلك من العبارات المثبتة للاتصال النافية للانفصال. فهذه كلها لا إشكال في اتصالها لغةً وعرفًا، إذا كان الطريق كله بهذه الصفة، وإن خالف بعضهم في بعضها. وهذا كله قبل أن يَشِيع اختصاص بعض هذه الألفاظ بالإجازة المعينة أو المطلقة، على ما هو معلوم من تفاصيل مذاهب المحدثين في ذلك، ومن تخصيص بعض هذه الألفاظ ببعض الصور تمييزًا لأنواع التحمل، وتحرزًا من الراوي تَظهَر به نَزَاهته على ما هو مفسر في مواضعه.

стр. 881

ثم يتلو ما تقدّم ما شاع استعماله لدى الْمُسنِدين، وذاع في عرف المحدثين، عند طلب الاختصار من استعمال "عن" في مَعرِض الاتصال، وهو الذي قصدنا تحقيقه الآن. (١). قال أبو عبد الله بن رُشَيد رحِمَهُ الله تعالى: (اعلم): أن الإسناد المعنعن، وهو ما يقال فيه: فلان عن فلان، مثل قولنا: مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ المنقول فيه عن المتقدمين أربعة مذاهب، وحدث للمتأخرين فيه مصطلح خامس. (فالمذهب الأول): مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يُعَدّ متصلا من الحديث إلا ما نُصّ فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. حكاه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀، ولم يُسَمِّ قائله، ولفظ ما حكاه: "فلان عن فلان، عَدَّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره". قال ابن رُشَيد: وهذا المذهب وإن قَلّ القائل به بحيث لا يُسَمّى ولا يُعلَم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط، وحجته أن "عن" لا تقتضي اتصالا لا لغةً ولا عرفًا، وإن توهم مُتوهِّم فيها اتصالا لغةً فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه. تقول: أُخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلا بالمحل المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال الراوي بالمروي عنه، وما عُلم منهم أنهم يأتون بـ "عن" في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرِم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يُحكَم بالإرسال؛ لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه. قال ابن رُشَيد: وكان ينبغي لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال، بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراد هذا القائل، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يَقِفُون الخبرَ ولا يكون عندهم موضعَ حجة؛ لإمكان الإرسال فيه، وإن هذا القصد ليلوح من قول هذا القائل حتى يتبين اتصاله بغيره، ولكن صدر الكلام يأباه لقوله عَدّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، وكأن في ربط العجز بالصدر تنافرا ما إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين، بل جميعهم، وهو الذي لا إشكال في أن أحدا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار -كما قال مسلم ﵀ ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك، وشعبة بن

стр. 882

الحجاج، ومن سَمَّى معهم لا يَشتَرطه، ولا يَبحَث عنه، ولو اشتُرِط ذلك لضاق الأمر جدّا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير، إلا أن الله تعالى أتاح الإجماع عصمةً لذلك، وتوسعة علينا -والحمد لله-. فهذا المذهب المجهول قائله لا يُعَرَّج عليه، ولا يُلتَفتُ إليه. وقد تولى الإمام أبو عمرو بن الصلاح رَدَّ هذا المذهب الذي حكاه، وقال: إن الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، قال: وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه، وقَبِلُوه (١). وقد نقل أيضا هذا المذهب مبهما لقائله أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرّامَهُرْمُزِيّ ت (٣٦٠ هـ) في كتاب "المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي"، فقال: قال بعض المتأخرين من الفقهاء: كلُّ مَنْ رَوَى من أخبار النبي ﷺ خبرا، فلم يقل فيه: "سمعته"، ولا "حدثنا"، ولا "أنبأنا"، ولا "أخبرنا" ولا لفظة توجب صحة الرواية، إما بسماع أو غيره، مما يقوم مقامه فغير وأجب أن يُحكَم بخبره. وإذا قال: "نا"، أو "أنا فلان عن فلان"، ولم يقل: "نا فلان أن فلانا حدثه"، ولا ما يقوم مقام هذا من الألفاظ، احتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يسمه؛ لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: "حُدِّثنا عن النبي ﷺ بكذا وكذا"، و"فلان حدثنا عن مالك والشافعي"، وسواء قيل ذلك ممن عُلِم أن المخاطب لم يره، أو ممن لم يُعلَم ذلك منه؛ لأن معنى قوله: "عن" إنما هو أَنَّ رَدَّ الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة، مُستَعمل بين الناس. قال: وهذا هو العلة في المراسيل. قال: وقد نظم هذا بعض المتأخرين شعرا، فقال [من الخفيف]: يَتَأَدَّى إِلَيَّ عَنْكَ مَلِيحٌ ... مِنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِنْ بَيَانِ فَلِهَذَا اشْتَهَتْ حَدِيثَكَ أُذْنَايَ ... وَلَيْسَ الإِخْبَارُ مِثْلَ الْعِيَانِ بَيْنَ قَوْلِ الْفَقِيهِ "حَدَّثنَا سُفْـ ... يَانُ فَرْقٌ وَبَيْنَ عَنْ سُفْيَانِ انتهى كلام ابن خلاد (٢). قال ابن رُشيد: وقد رددنا هذا المذهب بما فيه الكفاية، وإذ بان أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين، فهو مسبوق بإجماع علماء الشأن. والله الموفق.

стр. 883

وقد بَيّن ذلك أبو عُمَر بن عبد البر بما حكاه من الإجماع، بعد أن ذكر بإسناده عن وكيع قال: قال شعبة: "فلان عن فلان" ليس بحديث، قال وكيع: وقال سفيان: هو حديث. قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان (١). قال ابن رُشَيد: وما نقله مسلم ﵀ عن العلماء الذين سَمَّى، ومن جملتهم شعبة من أنهم لا يتفقدون ذلك يدلك -أيضا- على رجوع شعبة كما ذكر أبو عمر. فقد بان أنه لا يُعلَم لمتقدم فيه خلاف إذا جَمَعَ رواته العدالة واللقاء والبراءة من التدليس، وأن شعبة رجع عن قوله: قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى رجوع شعبة تحتاج إلى بيّنة، ولم يذكر ابن عبد البرّ، ولا غيره لذلك دليلًا، فإن تشديد شعبة في البحث عن السماع مشهور، فقد أخرج ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته"، قال شعبة: قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟ ، قال: نعم سأله ابنه عنه. ثم أخرج أنه قيل لسفيان: إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار، قال سفيان: لكنا لم نستحلفه، سمعناه مرارًا (٢). وأخرج الخطيب في "الكفاية" من طريق أبي داود الطيالسيّ، وقراد، أنهما سمعا شعبة يقول: كلّ حديث ليس فيه "سمعت"، فهو خلّ وبقل (٣). فرجوع شعبة عن هذا المذهب يحتاج إلى بيّنة واضحة. والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمرو المقرىء: وما كان من الأحاديث المعنعنة التي يقول فيها ناقلوها: "عن، عن" فهي -أيضا- مسندة متصلة بإجماع أهل النقل، إذا عُرف أن الناقل أدرك المنقول عنه إدراكا بَيِّنًا، ولم يكن ممن عُرِف بالتدليس، وإن لم يذكر سماعا، إلا أن قوله: "إدراكا بينا" فيه إجمال، وسنستوفي الكلام عليه في ذكر المذهب الثالث بحول الله تعالى. (المذهب الثاني): وهو أيضا من مذاهب أهل التشديد، إلا أنه أخف من الأول، وهو ما حكاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح قال: "وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يُشترط طول الصحبة بينهم" (٤). قال ابن رُشيد: وهذا بلا ريب يتضمن السماع غالبا لجملة ما عند المحدث أو

стр. 884

أكثره، ولا بُدّ مع هذا أن يكون سالما من وَصْمَة التدليس. وحجة هذا المذهب هي الأولى بعينها، ولكنه خَفّف في اشتراك السماع تنصيصا في كل حديث حديث؛ لتعذر ذلك، ولوجود القرائن المفهمة للاتصال، من إيراد الإسناد، وإرادة الرفع بعضِهم عن بعض عند قولهم: "فلان عن فلان" مع طول الصحبة. (المذهب الثالث): اشتراط ثبوت السماع، أو اللقاء (١) في الجملة، لا في حديث حديث. قال ابن رشيد: وهو مذهب متوسط، وهو رأي كثير من المحدثين، منهم: الإمام أبو عبد الله البخاريّ، وشيخه أبو الحسن علي بن المديني، وغيرهما. نقل ذلك عنهم القاضي أبو الفضل عياض (٢) وغيره، وهذا هو الصحيح من مذاهب المحدثين، وهو الذي يَعضِدُه النظر، فلا يُحمَل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يُعلَم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدا، وما لم يُعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع، أو التحديث، أو ما أشبههما، من الألفاظ الصريحة، إذا أخبر بها العدل عن العدل. وحجة هذا المذهب أيضا ما تقدم من إجماع جماهير النقلة على قبول الإسناد المعنعن، وإيداعه في كتبهم التي اشترطوا فيها إيراد الصحيح، مع ما تقرر من مذاهبهم أن المرسل لا تقوم به حجة، وأنهم لا يُودعون فيها إلا ما اعتقدوا أنه مسند. قال أبو عمر بن عبد البر الحافظ الإمام: "وجدت أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطا ثلاثة: عدالتهم، ولقاء بعضهم لبعض مجالسةً ومشاهدةً، وبراءتهم من التدليس". قال أبو عمرو بن الصلاح الإمام الناقد: "والاعتماد في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور إنما هو على اللقاء والإدراك". قال ابن رُشيد: ولقد كان ينبغي من حيث الاحتياط أن يُشتَرط تحقق السماع في

стр. 885

الجملة، لا مطلق اللقاء فكم من تابع لقي صاحبا، ولم يسمع منه، وكذلك من بعدهم. وينبغي أن يُحمَل قولُ البخاري وابن المديني (١) على أنهما يريدان باللقاء السماع. وهذا الحرف لم نجد عليه تنصيصا يُعتَمد، وإنما وُجدَت ظواهرُ محتملة أن يحصل الاكتفاء عندهم باللقاء المحقق، وإن لم يُذكَر سماع، وأَن لا يحصل الاكتفاء إلا بالسماع، وأنه الأليق بتحريهما، والأقرب إلى صوب الصواب، فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنى واحدا. وفي قول مسلم حاكيا للقول الذي تولى رده ما يقتضي الاكتفاء بمجرد اللقاء، حيث قال في تضاعيف كلامه: "ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث". فظاهر هذا الكلام أن أحدهما بدل من الآخر، وأن "أو" للتقسيم، لا بمعنى الواو، وقد أتى به أيضا في أثناء كلامه بالواو، فقال: "وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام"، وكرره أيضا بالواو، فقال: "ثم أدخلت فيه الشرط، فقلت: حتى نَعلَم أنهما قد كانا قد التقيا مرة فصاعدا وسمع منه شيئا". وهذا أبين ألفاظه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون "أو" في كلام مسلم بمعنى الواو هو الحقّ؛ لأن من تأمل كلامه من أوله إلى آخره بإنصاف وإمعان يتبيّن له أنه يريد بـ "أو" معنى الواو. والحاصل أن المواضع التي وقع فيها الاقتصار على اللقاء فقط محمولة على لقاء معه سماع، فتبصّر بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم بالصواب. وقال الحافظ أبو عبد الله المعروف بابن البَيِّع الحاكم في كتاب "معرفة علوم الحديث" له في (النوع الحادي عشر) منه: "المعنعن بغير تدليس متصل بإجماع أهل النقل، على تورع رواته عن التدليس". وقال الفقيه المحدث أبو الحسن القابسي: "وكذلك ما قالوا فيه: "عن، عن" فهو أيضا من المتصل إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكا بَيّنا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس.

стр. 886

قال ابن رُشيد: وقولهما معا لا يخلو من إجمال، إذ لا بد أن يكون مراد الحاكم ثبوت المعاصرة أو السماع، إذ لا يقبل معنعن من لم تصح له معاصرة، فلا بد من قيد. وكأنه اكتفى عنه بقوله: "على تورع رواته عن التدليس". وقد سبق له في كتابه هذا في (النوع الرابع) منه في معرفة المسانيد من الأحاديث تقييد ذلك بما نصه: "والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسن محتملة، وكذلك سماع شيخ من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور، إلى رسول الله ﷺ ". إلا أن هذا الموضع من كتاب الحاكم فيه اضطراب بين رواته، فرُوي كما ذكرناه بـ "سن محتملة"، وعند ابن سعدون "بسن يحتمله". والمعنى واحد: أي أنه يُكتفَى في ظهور السماع بكون السن تحتمل اللقاء، ومعنى هذا يُكتَفَى بالمعاصرة، وإلى هذا المعنى ذهب مسلم ﵀ حيث قال: "وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه؛ لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بَيّنّا. انتهى. وإلى هذا المعنى أيضا ذهب الحافظ أبو عَمْرٍو المقرىء الداني في جزء له، وضعه "في بيان المتصل والمرسل والموقوف والمنقطع"، فقال: "المسند من الآثار الذي لا إشكال في اتصاله، هو ما يرويه المحدث عن شيخ يَظهَر سماعه منه بِسِنٍّ يحتملها، وكذلك شيخه عن شيخه، إلى أن يصل الإسناد إلى الصحابي، إلى رسول الله ﷺ ". فهذا موافق ظاهره لهذه الرواية. وقد يحتمل أن يكون مراده بقوله: "يظهر سماعه بسن تحتمله" أي أنه يُعلَم السماع بقوله، وتكون سنه تُصَدِّقُ ذلك. والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال -إن صحّت النسخة- هو الأولى، والأقوى. والله تعالى أعلم. ويروى أيضا كلام الحاكم: "يَظهَر سماعه منه، ليس يحتمله". قال ابن رُشيد: وهكذا قرأته بخط خَلَف بن مُدبر في أصله، وذَكَر في صدر كتابه: أنه رَوَى الكتاب عن الباجي والعذري. قال: وهذه الرواية عندي أظهر، وعليها يدل كلامه بعدُ عند التمثيل.

стр. 887

وظاهر الكلام أيضا مُشعر بذلك من حيث قرينة المطابقة، حيث قال: "يَظهر سماعه"، فهذا إثبات لظهور السماع، ثم أكّد ذلك بقوله: "ليس يحتمله"، فنَفَى أن يُكتفَى بمجرد الاحتمال من حيث المعاصرة، بل لا بدّ أن يكون السماع ظاهرا معلومًا، والتمثيل يدل على صحة هذا، فإنه قال: "ومثال ذلك ما حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد، قال: نا الحسن بن مكرم، قال: نا عثمان بن عمر، قال: نا يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعه رسول الله ﷺ ، فخرج حتى كَشَفَ سِجْف حُجرته، فقال: "يا كعب ضَعْ من دينك هذا"، وأشار إليه: أي الشطر، قال: نعم، فقضَاه. قال الحاكم أبو عبد الله: وبيان مثال ما ذكرته أن سماعي من ابن السماك ظاهر، وسماعه من الحسن بن مُكرَم ظاهر، وكذلك سماع الحسن بن عثمان بن عمر، وسماع عثمان من يونس بن يزيد، وهو عالٍ لعثمان، ويونس معروف بالزهري، وكذلك الزهري ببني كعب بن مالك، وبنو كعب بأبيهم، وكعب برسول الله ﷺ ، وصحبته. انتهى ما أردناه من كلام الحاكم. قال ابن رُشيد: وأما لفظ القابسي فيمكن أن يريد به ثبوت المعاصرة البينة، وهو أظهر احتماليه فيه، ويمكن أن يريد طول الصحبة، فيكون موافقا لما ذكره أبو المظفر السمعاني. وحَكَى ابنُ عبد البر عن جمهور أهل العلم "أنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة". (١). قال ابن الصلاح: يعني مع السلامة من التدليس. قال ابن رُشيد: هذا ما حضرنا من النقل عن أئمة هذا الشأن، وأما من حيث النظر فكان الأصل -كما قدمنا- أن لا يُقبَل إلا ما عُلِم فيه السماع حديثا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل لاحتمال الانفصال، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تَتَبُّع طلب لفظ صريح في الاتصال يَعِزّ وجوده، وأنه إذا ثبت اللقاء (٢) ظُنّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنَوا كثيرًا بَلفظ "عن" في موضع "سمعت"، و"حدثنا"، وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتصال اختصارًا، ولَمّا عُرِف من عرفهم الغالب في ذلك، وأنه لا يَضعُها في محل الانقطاع عمن عُلِم سماعُهُ منه

стр. 888

لغير ذلك الحديث بقصد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يوهم أنه سمع ما لم يسمع أَنَفَةً من النزول، أو لغير ذلك من الأغراض التي لا يخلو أكثرها من كراهة، فانتهض ذلك مُرَجِّحًا لقبول المعنعن عند ثبوت اللقاء (١). لا يقال: إن غير المدلس قد يقول: "عن" في محل الإرسال، ولا يُعدّ بذلك مدلسا؛ لأنه قد عُلم من مذهبه أنه لا يدلس. لأنا نقول في الجواب: إن غير المدلس لا يفعله إلا فيما عُلِم أنه لم يسمعه لتحقق عدم المعاصرة، كما يقول التابعي أو تابعه أو من بعدهما: "روينا عن رسول الله ﷺ كذا"، فهذا معلوم أنه بلاغ، فلا يوهم ذلك سماعا، فعَدَل عن العرف إلى عام اللغة، مكتفيا بقرينة عدم اللقاء والسماع، كما عَدَل هناك إلى خاص الاصطلاح، مكتفيا بقرينة معرفة السماع. [فإن قيل]: قد وُجِد الإرسال من الصحابة ﵃، وممن بعدهم، ممن يُعلَم أو يُظَنّ أنه لا يدلس عمن لقيه، وسمع منه. [قلنا]: أما حال الصحابة ﵃ في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس، فتحتمل وجوها: منها: أن يكونوا فعلوا ذلك اعتمادا على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أُمِنَ، يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك ﵁، ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا: نا حماد بن سلمة، عن حميد: أن أنسا ﵁ حدثهم بحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ، فغَضِبَ غضبًا شديدًا، وقال: والله ما كل ما نُحدّثكم سمعنا من رسول الله ﷺ ، ولكن كان يُحدِّث بعضنا بعضًا، ولا يَتّهِم بعضنا بعضًا. قال ابن رُشيد: ولذلك قَبِلَ جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين، وإنما خالف في ذلك بعض من تأصّل من المحدثين المتأخرين مراسيلَ الصحابة ﵃، وعلى القبول محققو الفقهاء والأصلين. ومنها: أن يكونوا أَتَوْا بلفظ: "قال"، أو "عن"، ولفظ "قال" أظهر؛ إذ هو مَهْيَع الكلام (٢) قبل أن يَغلِب العرف في استعمالهما للاتصال.

стр. 889

ومنها: أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة، مُفهِمة للإرسال، مع تحقق سلامة أغراضهم، وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين، وأغراضهم. ومنها: أن يكونوا أَتَوا بلفظ مُفهم لذلك، فاختصره مَنْ بعدهم؛ لثقة جميعهم، ولعل قول كثير من التابعين عمن يروون عنه من الصحابة: "يَنمِي الحديث إلى رسول الله ﷺ " أو "يَبلُغ به النبي ﷺ "، أو "يَرْفَعُه"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ عبارةٌ عن ذلك. وأما مَن سوى الصحابة فإنما فَعَلَ ذلك من فعله منهم بقرينة مُفهمة للإرسال في ظنه، وإلا عُدَّ مدلسًا. وأما المعاصر غير الملاقي إذا أَطلَق "عن" فالظاهر أنه لا يُعَدُّ مدلسًا، بل هو أبعد عن التدليس؛ لأنه لم يُعرَف له لقاء ولا سماع، بخلاف مَن عُلِم له لقاء أو سماع. وبالجملة فلولا ما فُهِم قَصدُ الإيهام بالإفهام من جماعةٍ من الأعلام ما جاز أن يُنسَبوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مُرسِلين كما عُدَّ مَن تُحُقِّق منه أنه لا يُدَلِّس إذا أرسل. ورَحِم الله إمام الأئمة، وعالم المدينة، أبا عبد الله مالك بن أنس، حيث استعمل لفظ البلاغ، وجانب الألفاظ الموهمة، فلله دَرُّهُ، ما أجمل مقاصده، وأرضى مذاهبه. قال ابن رُشيد بعد ذكر ما تقدّم: هذا تقرير دليل هذا المذهب وتحريره، وهو أرجح المذاهب، وأوسطها. فَلا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقرر الحافظ أبو عمرو بن الصلاح هذا الدليل بما لا يَسْلَم معه من الاعتراض، فإنه قال: "ومن الحجة في ذلك أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسًا، والظاهر السلامة من وصمة التدليس، والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس". انتهى. قال ابن رُشيد: وهذا الذي قرره ينتقض بأقوام عنعنوا مرسلين، ولم يُعَدُّوا مدلسين، كما ذكر مسلم ﵀ من "أن الأئمة الذين نقلوا الأخبار كانت لهم تاراتٌ يُرسلون فيها الحديث إرسالا، ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا، فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا". فإذا قرر هذا الدليل كما قررناه نحن انزاح قول من قال: إنه لا يُقبَل إلا ما نُصَّ فيه على السماع رجلا رجلًا، وحديثا حديثًا، محتجا بأنهم يأتون بـ "عن" في موضع الإرسال والانقطاع، واضمحلت شبهته بما بيناه من أن غير المدلس إنما يفعله حيث

стр. 890

يُعلَم منه، أو يفهم عنه أنه بلاغ لا سماع، ومتى أَبْهَم، فأوهم قصدًا منه لذلك عُدَّ مدلسًا. ولا يُخَلِّص الإمامَ أبا عمرو الاحتراسُ بقوله: "والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس"؛ لأنا نقول: وكذلك فَرْضُنا نحن الكلامَ إنما هو فيمن لم يُعرَف بالتدليس، أما من عُرف بالتدليس فمعرفته بذلك كافية في التوقف في حديثه، حتى يتبين الأمر. وإنما اعترضنا قَوْلَهُ: "أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينهما مدلسًا"، فإن هذا لا يلزم؛ لإمكان وسط بينهما، وهو كونه مرسلا، فليس بمجرد العنعنة من غير ذكر الواسطة يُعَدُّ مدلسًا، بل بقصد إيهام السماع فيما لم يسمع، وكأن الإمام أبا عمرو استشعر النقض، فَرَامَ الاحتراسَ منه بقوله: "والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس". ومع ذلك فيصح أن يقال: لا يلزم من قوله: "لم يُعرَف بالتدليس" أن يُعرَف بالسلامة منه، بل الأمر محتمل، لكن حُمِلَ على السلامة؛ لأنها الغالب، وهو الذي أراد الإمام أبو عمرو بقوله: "والظاهر السلامة من وصمة التدليس". هذا هو الفيصل في هذه المسألة، وهذه نكتة نفيسة تَكشِف لك حجاب الإشكال، وتوضح الفرق بين من عنعن فَعُدَّ مُرْسِلًا، ومن عنعن فَعُدَّ مُدَلِّسًا. (المذهب الرابع): أنه لا يشترط في الحكم بالاتصال في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط، والسلامة من التدليس، عُلِم السماع أو لم يعلم، إلا أن يأتي ما يُعارض ذلك، مثل أن يُعلَم أنه لم يسمع، أو لم يلق المنقول عنه، ولا شاهده، أو تكون سِنُّهُ لا تقتضي ذلك. قال ابن رُشيد: وهذا المذهب الرابع هو الذي ارتضاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ في مقدمة كتابه "المسند الصحيح"، وهو المذهب الذي استدل عليه، وادعى فيه الإجماع، وعُرْفَ المحدثين، وأنكر قول من خالفه إنكارًا شديدًا بألفاظ مخشوشنة، ومعان مستوبلة، وجعل القائل به خارقًا للإجماع، ظنّا منه ﵀ أنه خلاف في موضع الإجماع، وموضع الإجماع لا يُسَلَّم له إنه يتناول محل النزاع، حسبما يتبين بَعْدُ- إن شاء الله تعالى. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: "وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة "صحيحه" على بعض أهل عصره، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع (١)، وادَّعَى أنه

стр. 891

قول مخترع، لم يُسبَق قائله إليه، وأنَّ القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثًا، أنه يَكفِي في ذلك أن يحبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها". قال: "وفيما قاله مسلم نظر"، ثم قال: "وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما (١). انتهى. قال ابن رُشيد: وقد تبع مسلما على مذهبه فرقة من المحدثين، وفرقة من الأصليين، منهم: القاضي الإمام أبو بكر بن الطيب الباقلاني المالكي -فيما حكاه القاضي أبو الفضل عنه- وأبو بكر الشافعي الصيرفي -فيما حكى ابن الصلاح عنه- أنه قال: "كل من علم له سماع من إنسان، فحدث منه فهو على السماع، حتى يُعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه، وكل من عُلِم له لقاء إنسان، فحدث عنه فحكمه هذا الحكم"، قال: "وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه". قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل ابن رُشيد كلام الصيرفيّ، وعدّه ممن تبع مسلمًا في مذهبه، لكن من أين له ذلك؟ ، فإن هذا الكلام صريح فيمن له سماع أو لقاء، لا فيمن عاصر فقط، فليُتَنبّه. والله تعالى أعلم. قال ابن رشيد: ولا شك أنه مذهب مُتَساهَل فيه، نعم لو علمنا من كل واحد واحد من رواة ذلك الحديث أنه لا يُطلِق "عن" إلا في موضع الاتصال، ولا يُجيز غير ذلك، أو صح فيه إجماع من الرواة كلِّهم، وعُرِف لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يثبت، نعم قد يُسلّم المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكم به مطلقا؛ لوجود الاحتمال. قال الجامع: قوله: "مذهب مُتساهَلٌ فيه" إن أراد به ما نقله عن مسلم ومن قال بقوله فمسلم، وإن أراد ما نقله عن الصيرفيّ، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه هو المذهب الذي عزاه إلى البخاريّ ومن معه، إذ عزا إليهم اشتراط اللقاء، وهو عين ما نقله عن الصيرفيّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (المذهب الخامس): اصطلاحٌ حَدَثَ عند المتأخّرين. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وكَثُرَ في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال "عن" في الإجازة، فإذا قال أحدهم: "قرأت على فلان عن فلان"،

стр. 892

أو نحو ذلك فَظُنَّ (١) به أنه رواه عنه بالإجازة. قال: "ولا يُخرجه ذلك من قبيل الاتصال على ما لا يخفى. قال ابن رُشيد: وهذا اصطلاحٌ تواضع عليه قومٌ فلا نحتاج له إلى تكلف احتجاج، وكأن هؤلاء استشعروا أن الإجازة آخذة بشوب من الانقطاع، إذ لابد في الإجازة المجردة عن المناولة لذلك الشيء بعينه، أو كتابته بعينه من الاعتماد على الوجادة، أو بلوغ ذلك إليه بنقل الآحاد العدول، أو الاستفاضة، أو التواتر، فكأنهم رأوا أن إلغاء الْمُبَلِّغ يُدخِله شوبًا من الإرسال، فلذلك استعملوا فيها "عن" التي قد تستعمل في الإرسال، على أن الإمام أبا عمرو بن الصلاح أبي أن يكون في الإجازة انقطاع، وقال: "ليس في الإجازة ما يَقدَح في اتصال المنقول بها، وفي الثقة به". قال ابن رُشيد: وما اختاره هو الذي لا يَتّجِه غيره عند مُجِيزي الإجازة المطلقة، وجاعليها إخبارا في الجملة، وهو الذي اعتمده الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، فإنه يقول -فيما يروي بالإجازة-: أخبرنا مطلقا من غير ذكر إجازة؛ لأنه يراها إخبارا في الجملة زَمَنَ الإجازة، ثم يحصل العلم له بالتفصيل في ثاني حال. انتهى المقصود من كلام ابن رُشيد رحِمَهُ الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بعد أن قدمنا مذاهب أهل العلم في حكم العنعنة، كالتمهيد لبيان كلام المصنّف رحِمَهُ الله تعالى، فلنورد كلامه في ذلك مفصّلًا مشروحًا، فنقول: قال رحِمَهُ الله تعالى: (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ، مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا، فِي تَصْحِيحِ الْأَسَانِيدِ، وَتَسْقِيمِهَا، بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ، وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا، لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا، إِذِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ، وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ، وَالْأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ-)

стр. 893

إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رحِمَهُ الله تعالى أنه قد تكلّم بعض المعاصرين له ممن يدّعي علم الحديث، وليس هو من أهله في زعمه في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بكلام لا ينبغي أن يُذكَر، ويُشاع، بل الأليق به أن يُعرض عنه صفحًا؛ لأن الإعراض عن القول الباطل أليق بإماتته، وإسقاط ذكر قائله؛ لئلا يكون في إشاعته تنبيها للجهّال عليه، لكن لَمّا خشي من سوء عواقبه، حيث إن الجهال يكثر فيهم الاغترار بالأمور المحدثة، ويسرعون إلى اعتقاد أخطاء المخطئين، والأقوال الساقطة عند أهل العلم، رأى الكشف عن فساد قول هذا القائل، والردَّ على مقالته بقدر ما يليق بها من الردّ أنفع للناس، وأحسن عاقبةً. هذا حاصل كلامه رحِمَهُ الله تعالى. [تنبيهات]: (الأول): أنه لم يصرّح الإمام مسلم رحمه الله تعالى في محاورته بهذا الشخص الذي أراده، بل أبهمه، وقد اختلف الناس في تخمينه، فقيل: يعني البخاريّ، وممن قال بهذا الصنعانيّ، وبعض المتأخرين، وهذا يردّه ما سبق أن مسلمًا فرغ من كتابه قبل لقائه البخاريّ؛ لأنه فرغ منه سنة (٢٥٠ هـ) وقد قال الحاكم أبو عبد الله: أول ما ورد البخاريّ نيسابور سنة تسع ومائتين، وكانت سنه حينئذ (١٥) سنة، ووردها في الأخيرة سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدّث على الدوام. انتهى. ومن المعلوم أن مسلما إنما لازمه في وروده الأخير بعد أن أكمل تأليف كتابه، فتبيّن بهذا أنه ما قصد البخاريّ في هذه المهاجمة الشديدة. وقيل: أراد به البخاريّ وشيخه ابن المدينيّ، وهو ظاهر كلام الذهبيّ، وصرّح به سبط بن العجميّ، وفيه ما سبق في القول الذي قبله. وقيل: أراد به ابن المدينيّ فقط، وإليه مَيلُ ابن كثير، وأيّده البلقينيّ، وعبارة ابن كثير: قيل: إنه يريد البخاريّ، والظاهر أنه يريد علي بن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك في أصل صحّة الحديث، وأما البخاريّ فإنه لا يشترطه في أصل الصحّة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح" انتهى (١). وقال البلقينيّ: قيل: يريد مسلم بذلك البخاريّ، إلا أن البخاريّ لا يشترط في أصل الصحّة، ولكن التزمه في "جامعه"، أو لعله يريد ابن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك

стр. 894

في أصل الصحّة. انتهى (١). وهذا الرأي ردّه الحافظ ابن حجر، وهو الخبير بمنهج الإمام البخاريّ وشرطه في "الصحيح"، فقال: ادّعى بعضهم أن البخاريّ إنما التزم ذلك في "جامعه"، لا في أصل الصحّة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحّة عند البخاريّ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في "تاريخه" بمجرّد ذلك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله بعضهم: الظاهر أن مسلمًا لم يقصد إلا إحقاق ما هو حقّ عنده، وردّ ما بلغه من قول بعض العلماء الذين ليس لهم قدم راسخ في العلم، ولا إمامة في الحديث في نظره، ولا من الأئمة المعتبرين، وإلا لَمَا أقدم على مثل هذه الألفاظ القاسية، والعبارات النابية، ولا سيّما في مثل البخاريّ، وعليّ بن المدينيّ، وغيرهما من الفحول، والجهابذة، ومما يؤيّد هذا قوله: "قول مخترع، مستحدث غير مسبوق صاحبه". وقال الشيخ محمد زكريا الكاندهلويّ مؤيّدًا أن مسلمًا سمع هذا القول ممن ليس بإمام في العلم، أو الحديث: ما نصّه: وهو الذين يليق بشأن المؤلّف -أي مسلم- فإنه بعيد منه أن يردّ على شيخه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاريّ على أبلغ وجه وآكده بحيث يجترأ على تجهيله، وإخراجه عن زمرة أهل العلم، فالقول بأنه أراد به الردّ على الإمام البخاريّ بخصوصه -كما اشتهر على الألسنة- فهذا إساءة الظنّ بالمصنّف كما لا يخفى. والله تعالى أعلم (٣). وهو بحث نفيس جدّا. والحاصل أن مسلمًا لم يُرد البخاري، ولا ابن المدينيّ، بل أراد من ليس له رسوخ في العلم، ولا له شأن في تحقيق علم الحديث. والله تعالى أعلم. (الثاني): أنه على تقدير ما قيل: إن مسلمًا أراد بهذه المهاجمة الشديدة البخاريّ، أو ابن المدينيّ، أو كليهما معًا، فقد اعتذر عنه بعضهم، فقال صاحب "فتح الملهم": إن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين ﷺ وإن لم يكن الواقع كذلك -تأخذه غيرة دينيّة، وحميّةٌ إسلاميّة، ينشأ عنها غضبٌ في الله تعالى على ذلك القائل، وإبغاضه لوجه الله تعالى، فيحمله ذلك على الوقيعة، وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقّه، ظنّا منه أنه بصنيعه هذا مناضلٌ عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة، ثم قال: ومثاله ما تكلّم به مسلم- رحِمَهُ الله تعالى -في حقّ البخاريّ-

стр. 895

رحِمَهُ الله تعالى- في بحث اشتراط اللقاء في "مقدّمة صحيحه" ظنّا منه أن الأصل الذي أصّله البخاريّ إن سُلّم صحّته (١) كان مستلزمًا لردّ ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتدّ نكيره على تلك المقالة وقائلها بأشنع ما يُمكن، ومع هذا فعامّة الشرّاح قد رجّحوا مذهب البخاريّ، وصوّبوه، ولم يلوموا مسلمًا في تشديده وتغليظه. وهكذا ما جرى بين الصحابة ﵃ من المشاجرات والفِتَن، بناء على التأويل والاجتهاد، فإن كلّ فريق ظنّ أن الواجب ما صار هو إليه، وأنه أوفق وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعنًا فيهم، وانظر قصّة موسى مع هارون عليهما الصلاة والسلام، وتأمّل فيها تجد فيها شفاءً لما يتخالج في الصدور من مشاجرات الصحابة، ومناقشات الأئمة الثقات. (٢). فرأى مسلم ﵀ أن مذهب مخالفه يُلغي شطرًا كبيرًا من السنّة، ويُسقطه من الاحتجاج والعمل به، فكان هذا المذهب في نظره من باب التعنّت على السنّة، والإلغاء لها، فمن هنا اشتدّت غضبة مسلم، وقست لهجته، وتكرّر تهجينه، وتوبيخه، وتلوّن تقريعه وتجهيله؛ لأن هذا المذهب من منظوره حقّا خطير، ووقدة غضبةِ المحدّثين معروفة، وشدّتهم المنكرةُ في حَمْلتهم على مخالفهم مألوفة، ورحمة الله تعالى على مسلم ومخالفه، فكلّ منهما قصد الحِفاظَ على السنّة المطهّرة، فمسلم أراد الحفاظ عليها من أن يُعَطَّل شطرٌ كبيرٌ منها بالتشدّد في شروط قبولها، ومخالفه أراد الحفاظ عليها بأن لا يُحتجّ منها إلا بما ثبتَ بأحوط الطرق في ثبوتها. انتهى (٣). (الثالث): أنه مما ينبغي التنبّه له أنه اشتهر عند الكثيرين نسبة القول باشتراط اللقاء فقط إلى الإمام البخاريّ رحِمَهُ الله تعالى، وليس الأمر كذلك؛ إذ لم يوجد له نصّ بذلك، وإنما هذا الشرط مستفاد مما ذكره في كتبه، كـ"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الصغير"، و"الضعفاء الصغير"، و"جزء القراءة خلف الإمام"، و"جزء رفع اليدين"، و"خلق أفعال العباد"، وكلامه فيها صريحٌ في كونه يشترط السماع زيادةً على اللقيّ. ولقد أجاد في سرد عبارت الإمام البخاريّ ﵀ في الكتب المذكورة الأخ الفاضل خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه "موقف الإمامين"، وذكر من كلامه أكثر من مائة، ودونك بعض الأمثلة لذلك: ذكر البخاريّ ﵀ زيد بن أسلم فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر

стр. 896

سماعًا (١). وقال في ترجمة سليمان بن بُريدة (٢): ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه (٣). وقال: إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل (٤) أم لا؟ (٥). وقال: لا أدري عبيد بن نَضْلَة (٦) سمع من المغير بن شعبة أم لا؟ (٧). وقال: عثمان بن عبد الله بن موهب (٨) روى عن حمران بن أبان، ولم يذكر سماعًا (٩). قال في عمرو البكالي (١٠): لا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود (١١). وقال في محمد بن صفوان الجمحي (١٢) روى عن سعيد بن المسيب، ولم يذكر سماعًا، ولا أدري أسمع منه أم لا؟ . وقال في محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (١٣): لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ (١٤). وقال في محمد بن كعب القُرظيّ (١٥)، روى عن شبث بن ربعيّ: ولا نعلم لمحمد بن كعب سماعًا من شبث (١٦). وذكر محمد بن المنكدر (١٧) فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر سماعًا (١٨). وقال: ولم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل (١٩). وقال: لا يُعرف لأبي بردة (٢٠) بن أبي موسى سماع واثلة بن الأسقع (٢١) (٢٢). والله تعالى أعلم. (الرابع): أن البحث عن ثبوت سماع المتعاصرين بعضهم من بعض ليس قاصرًا على البخاريّ فقط، بل هو مذهب المحقّقين من جمهور المحدثين: فممن ثبت ذلك عنه شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطّان، وعليّ بن المدينيّ، والإمام الشافعيّ، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عليّ

стр. 897

الفلّاس، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيّان، ومحمد بن عوف الطائيّ الحمصيّ، وأبو زرعة الدّمشقيّ، وأبو بكر الرازيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، وسيأتي ما نُقِل عن هؤلاء من تفتيشهم عن محلّ السماع في السند المعنعن، إن شاء الله تعالى. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ) أي مدّعي علم الحديث، وليس من أهله، قال المجد في "القاموس": وانتحله، وتنَحّله: ادّعاه لنفسه، وهو لغيره. انتهى. وقال في "اللسان": والنِّحْلَةُ -بالكسر-: الدعوى، وانتحل فلان شعر فلان، أو قول فلان: إذا ادّعاه أنه قائله، وتنحّله: ادّعاه، وهو لغيره. انتهى. والمراد أن هذا القائل ليس من أهل الحديث، وإنما هو دعيّ فيه (مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا، فِي تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ) متعلّق بـ "منتحلي": أي في الحكم بأنها صحيحة (وَتَسْقِيمِهَا) أي الحكم بأنها مُعَلّة، غير صحيحة (بِقَوْلٍ) متعلّق بـ "تكلّم" (لَوْ) شرطيّة، وفسّرها سيبويه بأنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وفسّرها غيره بأنها حرف امتناع لامتناع (١) ولا يليها غالبا إلا ماضي المعنى، ويقلّ كونه مستقبل المعنى، قال في "الخلاصة": "لَوْ" حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ ... إِيلَاؤُهُ مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ (ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ) أي أعرضنا، وكففنا عن ذكره. قال النوويّ رحِمَهُ الله تعالى: كذا هو في الأصول: "ضربنا"، وهو صحيح، وإن كانت لغة قليلة، قال الأزهريّ: يقال: ضربتُ عن الأمر، وأضربتُ عنه: بمعنى كففتُ، وأعرضتُ، والمشهور الذي قاله الأكثرون: أضربتُ بالألف. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى القلّة في "ضربنا" محلّ نظر؛ إذ قرىء به في السبعة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الآية [الزخرف: ٥]. قال ابن منظور: وضرَب عنه الذكر، وأضرب عنه: صَرَفه. وأضرب عنه: أي أعرض. وقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾: أي أنُهملكم، فلا نُعرّفكم ما يجب عليكم؛ لأَنْ كنتم قومًا مسرفين: أي لأن أسرفتم. والأصل في قوله: ضربتُ عنه الذكر، أن الراكب إذا ركب دابّة، فأراد أن يصرفه عن جهته، ضربه بعصاه ليعدله عن الجهة التي يُريدها، فوُضِع الضرب موضع الصرف والْعَدْل. يقال: ضربتُ عنه، وأضربت. وقيل في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾: إن معناه: أفنضرب القرآن عنكم، ولا ندْعوكم إلى

стр. 898

الإيمان به صفحًا: أي معرضين عنكم، أقام "صفحًا" وهو مصدرٌ مقام صافحين، وهذا تقريع لهم، وإيجاب للحجة عليهم، وإن كان لفظه لفظ استفهام. انتهى (١). (وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا) قال السمين الحلبيّ رحِمَهُ الله تعالى في إعراب الآية المذكورة: قوله: ﴿صَفْحًا﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه مصدر في معنى يَضرب؛ لأنه يقال: ضرب عن كذا، وأضرب عنه: يعني أعرض عنه، وصرف وجهه عنه، والتقدير: أفنصفح عنكم الذكر: أي أفنزيل القرآن عنكم إزالةً ينكر عليهم ذلك. الثاني: أنه منصوب على الحال من الفاعل: أي صافحين. الثالث: أن ينتصب على المصدر المؤكّد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفًا، نحو: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]. قاله ابن عطيّة. الرابع: أن يكون مفعولًا لأجله. الخامس: أن يكون منصوبًا على الظرف. قال الزمخشريّ: و ﴿صَفْحًا﴾ على وجهين: إما مصدر من صَفَح عنه: إذا أعرض عنه، منتصبٌ على أنه مفعول له على معنى: أفنَعزل إنزال القرآن، وإلزام الحجة به إعراضًا عنكم. وإما بمعنى الجانب، من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه، وصفح وجهه بمعنى أفننحيه عنكم جانبًا، فينتصب على الظرف، نحو ضَعه جانبًا، وامش جانبًا، ويعضده قراءة "صُفْحًا" بالضمّ. قال السمين: يشير إلى قراءة حسان بن عبد الرحمن الضبعيّ، وسميط بن عمر، وشُبيل بن عزرة قرأوا "صُفْحًا" بضم الصاد، وفيها احتمالان: أحدهما: ما ذكره من كونه لغة في المفتوح، ويكون ظرفًا. وظاهر عبارة أبي البقاء أنه يجوز فيه ما جاز في المفتوح؛ لأنه جعله كالسَّدّ والسُّدّ. الثاني: أنه جمع صَفُوح، نحوُ صَبُور وصُبُر، فيُنصب حالا من فاعل نضرب. انتهى (٢). قال الجامِع عفا الله تعالى عنه: يستفاد مما سبق أن نصب قول المصنّف رحِمَهُ الله تعالى: "صفحًا" يحتمل الأوجه الخمسة: لأنه إما مفعول مطلق مُلاقٍ لعامله، وهو "ضربنا". أو منصوب على الحال من الفاعل: أي صافحين. أو مؤكّد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفًا، نحو قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾: أي صفحنا صفحًا. أو مفعول لأجله. أو يكون بمعنى جانب منصوبًا على الظرفيّة: أي ضربنا عنه جانبًا. والله تعالى أعلم. وقوله: (لَكَان رَأْيًا مَتِينًا) جواب "لو". و"المتين" بفتح الميم: فعيل بمعنى فاعل، من مَتُن الشيء، من باب كرُم: إذا اشتدّ، وقَوِي: أي لكان إعراضنا عنه، وعدم ذكرنا

стр. 899

له رأيا قويّا. وقوله: (وَمَذْهَبًا صَحِيحًا) مؤكّد لما قبله (إِذ الإعراض) "إذ" تعليليّة: أي لأن الإعراض (عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ) أي المرميّ، وهو بضم الميم، وتشديد الطاء المهملة: اسم مفعول من باب الافتعال، مبالغة في الطرح: أي الرمي (أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ) أي أحقّ وأولى لإماتة ذلك القول، وإعدامه. (وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ) أي إسقاطه، والخامل بالخاء المعجمة: الساقط، يقال: خمل الرجل خُمُولًا، من باب قعد، فهو خامل: أي ساقط النَّبَاهة، لا حظّ له، مأخوذ من خَمَل المنزل خُمُولًا: إذا عَفَا ودَرَس. قاله الفيّومي (١). (وَأَجْدَرُ) أي أحقّ (أنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ) أي ذكره، وإشاعته (تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ) فيه أن ذكر القول السيّىء، والفعل السخيف يكون ضررًا على العوامِّ، إذ فيه تنبيه لهم، وإلفات لأنظارهم نحوه، وربّما يتسبّب لاقتفاء آثارهم السيّئة (غيْرَ أَنَّا) بفتح الهمزة؛ لوقوعه موقع المضاف إليه (لَمَّا) -بفتح اللام، وتشديد الميم- أي حين (تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ) جمع عاقبة، وهي آخر الشيء، وإضافة "شرور" إليه بمعنى "في": أي من الشرور الحاصلة في آخر الأمر (وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ) -بفتحتين- جمع جاهل، ككامل وكملة (بِمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) -بضم الميم، وفتح الدال المهملة: جمع مُحدَثة، وهي الأمور التي ابتدعها أهل الأهواء. قاله الفيّوميّ. وإضافته إلى "الأمور" من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الأمور المحدثة، والجار والمجرور متعلّق بـ "الجهلة" (وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ) أي تصويبه، يعني أنهم لجهلهم إذا سمعوا، أو رأوا شيئا محدثًا يعتقدونه صوابًا (وَالْأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ) بالجرّ عطفًا على "اعتقاد" (عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) متعلّق بـ "ساقطة": أي الأقوال التي لا قيمة لها عندهم؛ لكونها خطأ (رَأَيْنَا الْكَشْفَ) أي الإيضاح والتبيين (عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ) أي قول المنتحل (وَرَدَّ مَقَالَتِهِ) بنصب "ردّ" عطفًا على "الكشف"، ويحتمل جرّه عطفًا على "فساد": أي رأينا الكشف عن ردّ مقالته (بقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا) أي يناسبها. يقال: لاق الشيءُ بغيره يليق به: إذا لزِقَ، وما يليق به أَن يفعل كذا: أي لا يَزْكُو، ولا يناسبه. أفاده الفيّوميّ. (مِنَ الرَّدِّ) بيان لما يليق. وقوله: (أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ) مفعول ثانٍ لرأينا. ومعناه: أفضل لهم، قال الفيّوميّ رحِمَهُ الله تعالى: جدا فلان علينا جَدْوًا، وجَدًا، وزانُ عصًا: إذا أفضل، والاسم الْجَدْوى، وجدوته، واجتديته، واستجديته: سألته، فأجدى عليّ: إذا أعطاك، وأجدى أيضًا: أصاب الْجَدْوى، وما أجدى فعله شيئًا مستعار من الإعطاء، إذا لم يكن فيه نفعٌ، وأجدى عليك الشيءُ: كفاك. انتهى (٢). و"الأنام" كسحاب، والآنام كساباط، والأنيم كأمير: الخلق، أو الجنّ والإنس،

стр. 900

أو جميع ما على الأرض. أفاده في "القاموس" (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "أجدى على الأنام" هو بالجيم، و"الأنام" بالنون، ومعناه: أنفع للناس، هذا هو الصواب، والصحيح، ووقع في كثير من الأصول: "أجدى عن الأثام" بالثاء المثلّثة، وهذا وإن كان له وجه، فالوجه هو الأول. ويقال في "الأنام" أيضًا: "الأنيم". حكاه الزبيديّ، والواحديّ، وغيرهما. انتهى (٢). (وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ) أي أكثر محمدةً في آخر الأمر. وإنما قال: - ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - عملًا بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وذلك لأنه ذكر أنه سيكشف فساد قول هذا المنتحل، ويردّ على مقالته السيئة، وأخبر أن ذلك سيكون أنفع للناس، وأحمد عاقبة، وهذا لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى ومشيئته، لا بحول أحد ولا قوته، فلا حول ولا قوّة إلا بالله. والله تعالى أعلم بالصواب. قال رحمه الله تعالى موضّحًا كلام المنتحل المذكور: (وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ، أَنَّ كُلَّ إِسنَادٍ لِحَدِيثٍ، فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي، عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ، أنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ، بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَتَلَاقِيهِمَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ، قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ، عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا حُجَّةٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رحمه الله تعالى أن هذا المنتحل زعم أن كلّ إسناد مُعَنْعَنٍ، قد عُلم معاصرة

стр. 901

المعنعِن -بالكسر- للمعنعَن عنه -بالفتح- وقد أمكن أن يتلاقيا، ويتشافها بالحديث، إلا أنا لا نعلم ذلك منهما يقينًا، أنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الحديث المعَنْعَن إلا إذا ثبت تلاقيهما، وتشافههما بالحديث، وكان ذلك الخبر موقوفًا إلى أن يتبيّن السماع، وكذا كلّ خبر جاء هذا المجيء. هذا خلاصة كلامه رحمه الله تعالى. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَزَعَمَ الْقَائِلُ) أي قال قولًا غير صواب؛ لأن أكثر استعمال "زعم" للباطل، فقد تقدّم عن الفيّوميّ، قال: قال الأزهريّ: أكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقيّ: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعمًا قال خبرًا، لا يُدرى أحقٌّ هو أو باطلٌ. انتهى. (الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ) بالجرّ عطفًا على "الحكاية"، ويحتمل النصب عطفًا على "الكلام" (عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ) أي فساد فكره. قال الفيّوميّ: الرَّوِيّة: الفكر، والتدبّر، وهي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز؛ تخفيفًا، وهي من رَوَّأْتُ في الأمر بالهمز: إذا نظرت فيه. انتهى (١). (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد؛ إذ المصدر المؤول مفعول "زعم" (كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ، فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ) أي روى فلان عن فلان، وهو المسمّى بالمعنعن، وقد تقدّم تعريفه أول الباب (وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا) الواو حالية: أي والحال أنه قد أحاط علمنا بأن كلّا من فلان وفلان (قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ) أي زمن واحد، قال المجد: العصر مُثلّثة، وبضمّتين: الدهر، جمعه: أعصارٌ، وعُصُورٌ، وأَعْصُرٌ، وعُصُرٌ. انتهى (٢). وإنما قيد بكونهما في عصر واحد؛ لأنهما لو كانا في عصرين لكان الحديث منقطعًا بلا خلاف. والله تعالى أعلم. (وَجَائِزٌ) الواو حاليّة أيضًا: أي والحال أنه جائزٌ: أي ممكن (أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي) أي حمله، يقال: رويتُ الحديث، من باب رمى: إذا حملته، ونقلته، ويُعَدّى بالتضعيف، فيقال: رَوّيت زيدًا الحديثَ، ويُبنى للمفعول، فيقال: رُوِّينا الحديث. قاله الفيّوميّ (٣). (عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَشَافَهَهُ بِهِ) أي خاطبه به (غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ) بالبناء للفاعل (لَهُ) أي للراوي (مِنْهُ) أي من المرويّ عنه (سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ) تقدم بيان ضبطها، وهي ظرف للزمان

стр. 902

الماضي، والغالب اختصاصها بالنفي، نحو ما رأيته قط، وقد تأتي في الإثبات، كحديث البخاريّ في "الكسوف": "أطول صلاة صليتها قطّ"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا (أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ) الظاهر من تصرّف المصنّف رحمه الله تعالى أن "أو" بمعنى الواو؛ لأنه جعل محط قول المنتحل اشتراط السماعِ، كما سيأتي تحقيقه (أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ) أي بالعنعنة (حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ) يحتمل أن تكون "يكون" ناقصة، و"العلم" اسمها، وخبرها الظرف مقدّمًا، ويحتمل أن تكون تامّة، و"العلم" فاعلها. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "حتى يكون الخ" هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول الصحيحة المعتمدة "حتّى" بالتاء المثنّاة من فوقُ، ثم المثنّاة من تحتُ. ووقع في بعض النسخ: "حين" بالياء، ثم النون، وهو تصحيف. انتهى (١). وقوله: (بِأَنَّهُمَا) متعلّقٌ بـ "العلم": أي بأن المعنعن والمعنعن عنه (قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا) يحتمل أن تكون "من" بمعنى "في"، أو هي للبيان مقدّمة على قوله: (مَرَّةً فَصَاعِدًا) أي فما فوق ذلك. وقد جاء نظير هذا التركيب في الحديث الصحيح: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا": أي فما زاد عليها، كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا. قال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعدًا، حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعدٍ كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا، ولا يجوز أن تقول: وصاعدًا؛ لأنك لا تريد أن تُخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلًا، ثم قرّرت شيئًا بعد شيء لأثمان شتّى، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعنى، ولم يلزم الواو الشيئين (٢) أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعدًا" بدل من زاد، ويزيد، و"ثُمّ" مثل الفاء لأن الفاء (٣) أكثر في كلامهم. قال ابن جني: وصاعدًا حال مؤكّدة، ألا ترى أن تقديره. فزاد الثمن صاعدًا، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلا صاعدًا. ذكره محمد مرتضى في "شرح القاموس" (٤). (أَوْ) الحق أن "أو" هنا بمعنى الواو؛ لأن سياق المصنّف أن حواره مع من

стр. 903

يشترط السماع، لا اللُّقيّ وحده (تَشَافَهَا) أي تخاطبا (بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا) وقوله: (وَتَلَاقِيهِمَا) عطف تفسير لما قبله (مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ) قد سبق قريبًا أن "يكن" يحتمل كونها ناقصة، وتامّة: أي إن لم يكن عند ذلك القائل علم ذلك، والإشارة إلى ما سبق من اجتماعهما، وتشافههما بالحديث الخ (وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ) أي الشيخ الذي روى عنه بالعنعنة (قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا) هذا صريح في كون هذا المنتحل يشترط السماع مع اللقاء، لا مجرّد اللقاء، كما ظنّه كثيرون، فتنبّه. وقوله: (لَمْ يَكُنْ) يحتمل أيضًا أن تكون ناقصة، واسمها "حجة" الآتي، وخبرها قوله: (فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ) ويحتمل أن تكون تامّة، بمعنى يحصُل، والجار والمجرور متعلّق بها، و"حجة" مرفوع على الفاعليّة. (عَمَّنْ رَوَى) بالبناء للفاعل، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "نقل" (عَنْهُ) متعلّق بـ "روى". وقوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى الحديث الذي رواه بـ "عن": أي عن الشيخ الذي روى عنه ذلك الخبر الْمُعَنْعَن. [تنبيه]: قوله: "عمن روى عنه ذلك" كذا هو معظم النسخ، وهو الصواب، ووقع في بعضها: "عمن روى عنه علم ذلك"، والظاهر أنه غلط، مفسد للمعنى، وقد تعب بعض من علّق على هذه المقدّمة (١) بتوجيه ذلك، وأطال في إعرابه، ولا أرى لذكره جدوى؛ لأنه مبنيّ على هذه النسخة، وفيها فساد المعنى، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وَالْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، والكاف بمعنى "على": أي والحال أن الأمر على ما وصفناه سابقًا من كونهما في عصر واحد، مع إمكان اللقيّ، والسماع، ولكن لم يُعلم ذلك بالتحقيق (حُجَّةٌ) بالرفع اسم "يكن"، أو فاعلها، كما سبق آنفًا، وهو على حذف مضاف: أي ثبوت حجة. و"الْحُجّة" بالضمّ: البُرهان والدليل، والجمع حُجَجٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف (٢) (وَكَانَ الْخَبَرُ) أي المنقول بالعنعنة الموصوفة بما ذكر (عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (مَوْقُوفًا) أي متوقَّفًا عن العمل به (حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ) أي على هذا القائل (سَمَاعُهُ) أي سماع المعنعِن -بالكسر- (مِنْهُ) أي من المعنعَن عنه -بالفتح- (لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ) فيه تصريح أن ذلك القائل يشترط السماع، لا اللقيّ فقط، كما أسلفناه قريبًا (قَلَّ) ذلك الحديث (أَوْ كَثُرَ) يعني أنه لا

стр. 904

يشترط أن يسمع منه حديثًا كثيرًا، بل إذا ثبت أنه سمع منه حديثًا أو أكثر يكفي، فيُحمل غيره مما لم يصرّح بسماعه عليه (فِي رِوَايَةٍ) متعلّق بـ "يَرِد" (مِثْلِ مَا وَرَدَ) بجرّ "مثل" صفة لرواية: أي في رواية مماثلة للّذي ورد بالعنعنة. ويحتمل أن يكون بإضافة "رواية" إلى "مثل" من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي رواية ذلك الراوي المعنعن حديثًا مصرّحًا فيه بالسماع مثلَ روايته المعنعن. ثم بعد أن ذكر مسلم رحمه الله تعالى قول المنتحل أراد تفنيد مذهبه الذي هو في نظره مذهب باطلٌ، ورأي عاطل، وإن لم يكن مسلمًا له كما ستراه، فقال: (وَهَذَا الْقَوْلُ -يَرْحَمُكَ اللهُ- فِي الطَّعْنِ فِي الْأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ، مُسْتَحْدَثٌ، غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ، رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَام، فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ، أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ، عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا، حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: ناقش رحمه الله تعالى بهذا الكلام المنتحل المذكور، فقال: إن هذا الذي أتى به المنتحل في طعن الأسانيد الصحيحة قول اخترعه هو، واستحدثه، ولم يسبقه إليه أحد من المتقدّمين، ولا يُساعده أحد من المتأخّرين؛ لأن الذي اشتهر بين أهل العلم بالحديث المتقدّمين، والمتأخرين، واتّفقوا عليه أن كلّ راو ثقة روى حديثًا عن مثله، وقد أمكن لقاؤه لشيخه، وسماعه منه؛ حيث كانا متعاصرين يُمكن لقاء أحدهما الآخر، بأن ارتفعت الموانع من وصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم نتأكّد ذلك اللقاء والسماع منهما؛ حيث لم ترد رواية توضّح ذلك قُبِلت تلك الرواية، ولزمت الحجة بها، إلا أن يدلّ دليلٌ بيّنٌ على أن ذلك الراوي لم يلق شيخه، ولم يسمع منه، فعند ذلك تكون الرواية منقطعة، وأما إذا كان الأمر مبهمًا على ما فسّرناه آنفًا من إمكان وصول أحدهما إلى الآخر، وسماع حديثه منه، فالرواية محمولة على الاتصال إلى أن يأتي ما يناقض ذلك من البيّنة الواضحة المثبتة للانقطاع. هذا خلاصة معنى كلامه رحمه الله تعالى، وستأتي مناقشته إن شاء الله تعالى. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَهَذَا الْقَوْلُ -يَرْحَمُكَ اللهُ-) جملة دعائيّة معترضة (فِي الطَّعْنِ فِي الْأَسَانِيدِ قَوْلٌ

стр. 905

مُخْتَرَعٌ) اسم مفعول من اخترع الشيء: إذا شقّه، وأنشأه، وابتدأه (١). وقوله: (مُسْتَحْدَثٌ) مؤكّد لما قبله، وكذا قوله: (غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ) "صاحبه" بالرفع على أنه نائب فاعل لمسبوق؛ لأنه يعمل عمل فعله بالشروط المعروفة في محلّها، كما قال في "الخلاصة": وَكُلُّ مَا قُرِّرَ لاسْم فَاعِلِ ... يُعْطَى اسْمَ مَفْعُولٍ بِلَا تَفَاضُلِ فَهْوَ كَفِعْلٍ صِيغَ لِلْمَفْعُولِ فِي ... مَعْنَاهُ كَالْمُعْطَى كَفَافًا يَكْتَفِي (وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ) ببناء "مساعد" على الفتح؛ لتركبه مع "لا" النافية للجنس، كما قال في "الخلاصة": وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَلَا ... حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ وَالثَّانِ اجْعَلَا واللام في "له" زائدة للتقوية، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وخبر "لا" محذوف: أي موجود. ويحتمل أن تكون "لا" عاملة عمل "ليس"، فيُرفع "مساعد" على أنه اسمها. وقوله (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كون ذلك المساعد كائنًا من أهل العلم. وقوله (عَلَيْهِ) متعلّق بـ "مساعد"، والضمير للقول المخترع. والمعنى: أن صاحب هذا القول منفرد باختراع هذا الرأي، فلا يوجد من أهل العلم أحد يوافقه على هذا الرأي المخترع. ثم أوضح وجه عدم من يساعده على رأيه، فقال: (وَذَلِكَ) إشارة إلى كونه قولا مخترعًا لم يُسبق إليه قائله (أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ) أي المنتشر (الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ) عطف تفسير لما قبله. ويحتمل أن يراد بالأخبار التواريخ ونحوها، وبالروايات الأحاديث مرفوعة كانت، أو لا، فيكون العطف للمغايرة، والأول أقرب. والله تعالى أعلم. (قَدِيمًا وَحَدِيثًا) أي في قديم الزمان وحديثه (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لسدّها مسدّ المصدر، كما قال في "الخلاصة": وَهَمْزَ "إنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ فاسمها وخبرها هنا في تأويل المصدر خبر "أنّ" الأولى.

стр. 906

(كُلَّ رَجُلٍ) هذا خرج خرج الغالب، وإلا فالمرأة في هذا كالرجل، فتنبّه (ثِقَةٍ) بالجرّ صفة لرجل (رَوَى عَنْ مِثْلِهِ) أي عن رجل ثقة، وهو ببناء الفعل للفاعل، والجملة صفة لرجل بعد صفة، أو حال: أي نقل حديثا عن راو ثقة مثله (وَجَائِزٌ) أي سائغ، فقوله: (مُمْكِنٌ) مؤكّد له (لَهُ) أي لذلك الرجل الثقة الراوي عن مثله (لِقَاؤُهُ) أي لقاء المرويّ عنه (وَالسَّمَاعُ مِنْهُ) أي سماع رواياته التي رواها منه. وقوله (لِكَوْنِهِمَا) تعليل لإمكان اللقاء والسماع، أي إنما قلنا بإمكان اللقاء والسماع لوجود مسوّغ لذلك، وهو كونهما (جَمِيعًا) حال من الضمير المجرور: أي حال كونهما مجتمعين (كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ) أي وُجدا في زمن ووقت واحد، فـ"كان" تامّة، بمعنى وُجد، ويحتمل أن تكون ناقصة، أو زائدة. (وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ) أي في الزمن الماضي. وقوله (أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا) في تأويل المصدر فاعل "يأت" (وَلَا تَشَافَهَا) أي تخاطبا (بِكَلَامٍ) والمعنى: أنه لم يأت خبر أن الراوي والمروي عنه المتعاصرين اجتمعا في مكان واحد، بحيث يرى أحدهما الآخر، ويجري بينهما تخاطب. وقوله: (فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ) خبر "أنّ" السابقة في قوله: "أن كلّ رجل إلخ"، ودخلت الفاء في الخبر؛ لكون اسم "أنّ" من ألفاظ العموم، على حدّ قول الشاعر [من الخفيف]: كُلُّ أَمْرٍ مُبَاعِدٍ أَوْ مُدَانٍ ... فَمَنُوطٌ بِحِكْمَةِ الْمُتَعَالِ و"أل" في "الرواية" للعهد: أي رواية الرجل الثقة، عن مثله الموصوفين بما ذُكر ثابتة، ومستقرّة (وَالْحُجَّةُ بِهَا) أي بتلك الرواية (لَازِمَةٌ) يعني أنه يجب العمل بها؛ لكونها ثابتة، حيث وُجد شروط ثبوتها، ومنها كونهما ثقتين، ووجود الاتصال بينهما حيث كانا في عصر واحد، مع ارتفاع موانع وصول أحدهما إلى الآخر، وليس الراوي مدلّسًا، كما هو فرض المسألة، على ما سيأتي للمصنّف قريبًا. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من جواز تلاقيهما، وتشافههما، حيث كانا في عصر واحد. و"يكون" يحتمل أن تكون تامّة بمعنى "يوجد"، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها "دلالة" وخبرها الظرف. (دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ) أي واضحة، و"الدلالة" بمعنى "الدليل"، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل (أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ) "أنّ" بفتح الهمزة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ "على" مقدّرةً. والمعنى: إلا أن يوجد هناك دليل على عدم لقاء هذا الراوي لمن روى عنه، وذلك بأن صرّح هو بذلك لَمّا سئل عنه، كما فعل ذلك، أبو عبيدة بن عبد الله بن

стр. 907

مسعود، فقد أخرج الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه" بسند صحيح عن عمرو بن مرّة، قال: سألت أبا عُبيدة بن عبد الله، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. أو يذكر إمام مطّلع على أحوال الرجال أن فلانًا لم يلق فلانًا. وقوله: (أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا) تقدّم أن "أو" بمعنى الواو؛ لأن احتجاج المصنّف رحمه الله تعالى ليس قاصرًا على من ادّعى اللقاء فقط، بل هو منصبّ على من ادّعى اللقاء والسماع. (فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ) أي غير متّضح (عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا) أي أوضحناه فيما سبق من الكلام، وهو كونهما في عصر واحد، مع جواز لقيّ أحدهما الآخر، ومشافهته، وإن لم يتحقّق ذلك بورود رواية تنصّ عليه. فجملة "والأمر مبهم" في محلّ نصب على الحال، وجواب "أما" قوله: (فَالرِّوَايَةُ) أي رواية الرجل الثقة عن مثله، فـ "أل" للعهد كما سبق، وهو مبتدأ خبره قوله: (عَلَى السَّمَاعِ) أي محمولة على أن الراوي الثقة سمع تلك الرواية من الثقة الذي أسندها إليه بـ "عن". وقوله (أَبَدًا) ظرف متعلّق بما تعلّق به الخبر، وأتى به لإفادة التوكيد (حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا) أي حتى يوجد الدليل الذي أوضحه بقوله: "إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه". [تنبيه]: قول المصنّف رحمه الله تعالى: "فأما والأمر مبهم، على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية إلخ" مشكلٌ؛ لأنه قد سبق لنا عند قول المصنّف: "أما بعد" أنه يجب الفصل بين "أما" والفاء بواحد من ستّة أمور لا بأكثر منه، وهي المجموعة في قول بعضهم: وَبَعْدَ "أَمَّا" فَافْصِلَنْ بِوَاحِدِ ... مِنْ ستَّةٍ وَلَا تَفُهْ بِزَائِدِ مُبْتَدَأٌ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الْخَبَرُ ... مَعْمُولُ فِعْلٍ بَعْدَ "أَمَّا" يُذْكَرُ كَذَاكَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ فَسَّرَهْ ... مَا بَعْدَ فَاءٍ بَعْدَهَا مُؤَخَّرَهْ وَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ تِلْكَ سِتُّ ... قَدْ قَالَهَا كُلُّ إِمَامٍ ثَبْتُ وليس كلام المصنّف من ذلك؛ لأنه فصل بينهما بأكثر من واحد؛ لأن قوله: "والأمر مبهم الخ" جملة من مبتدإ وخبر. إلا أن يُجاب بأن الجملة الاسميّة في محل نصب على الحال، والجملة الحاليّة في قوة المفرد؛ لأن قولك: جاء زيد يركب، في تقدير راكبًا، وهو في معنى الجارّ المجرور؛ إذ معنى "راكبًا": في حال ركوبه، كما قال في "الخلاصة": الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ... مُفْهِمُ "فِي حَالٍ" كَفَرْدًا أَذْهَبُ فيكون تقدير كلامه: فأما في حال إبهام الأمر. وأما قوله: "على الإمكان الخ"

стр. 908

فجارّ ومجرور خبر بعد خبر، أو صفة لقوله: "مُبْهَمٌ"، فليس أمرًا زائدًا على ما ذُكر؛ لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم واصل المصنّف رحمه الله تعالى مناقشته لخصمه، فقال: (فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ، أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ، عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ، حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ، فَإِنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ، مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ، فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ طُولِبَ بِهِ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلًا). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الفقرة مكمّلة لسابقتها، وخلاصتها: أن يقال لمخترع هذا القول، أو لمن يدافع عن رأيه: قد أثبتّ في خلال قولك أن خبر الراوي الثقة، عن الثقة يلزم العمل به؛ لثبوت حجيّته، ونحن سلّمنا لك ذلك، ثم بعد أن اتّفقنا نحن وأنت على هذا زدت من عندك شرطًا لإثبات ما قلته، وذلك حيث قلت: لا يلزمنا قبول الخبر المذكور إلا أن يثبت لدينا أن الراوي المذكور لقي شيخه، ولو مرّة واحدة وثبت سماعه منه، ونحن نطالبك هل وافقك على هذا الشرط غيرك من أهل العلم المعتبرين الذين يلزم قولهم، ويكون حجة على من بعدهم، فإن وجدت ذلك فهلمّ، وهيهات أن تجد ذلك وإن لم تجد ذلك فهلمّ دليلًا يُثبت مدّعاك، من هذا الشرط الذي أدخلته، ولن تجد إلى ذلك سبيلًا. هذا خلاصة ما أشار إليه، ولكن هذا كله في مقام المنع كما ستراه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ) اسم فاعل من اخترع الشيء، أي لمنشئه، ومبتدعه من غير أن يسبقه أحد من أهل العلم، على ما زعم المصنف (الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ) أي وهي قوله: لا يكون الخبر المعنعن حجة حتى يثبت سماع الراوي ممن روى عنه بـ "عن" (أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ) أي لمن يدافع عن رأي ذلك المخترع. وهو اسم فاعل من ذبّ، يقال: ذبّ عن حَرِيمه يذُبّ، من باب نصر: حَمَى، ودفع. (قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ) أي مجموع ما قلته في الخبر المنقول (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لكونها سدّت مسدّ مفعولي "أعطيت" (خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ) بالضمّ: أي برهان، ودليل (يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ) أي يجب العمل بمقتضاه، إن فرضًا،

стр. 909

ففرضًا، أو ندبًا، فندبًا، أو حرامًا فحرامًا، أو نحو ذلك، وإنما عبّر باللزوم تغليبًا لجانبه، أو المعنى: يثبُتُ به العمل. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ) هو من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد أن أثبتّ لزوم العمل به. ثم بيّن الشرط الذي أدخله بقوله (فَقُلْتَ) هو من عطف المفصّل على المجمل، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الآية [هود: ٤٥] (حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا) أي الراوي المعنعن والمعنعن عنه (قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا) أي فما زاد من الزمن، وقد تقدّم تمام البحث فيها، فلا تنسَ (أَوْ) تقدّم أنها بمعنى الواو: أي و (سَمِعَ) المعنعن بالكسر (مِنْهُ) أي من المعنعن عنه بالفتح. والتنوين في قوله: (شَيْئًا) للتقليل: أي ولو كان المسموع قليلًا. (فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ) من لزوم العلم بلقاء أحدهما الآخر، وسماعه منه (عَنْ أَحَدٍ) من أهل العلم. وأشار بقوله: (يَلْزَمُ قَوْلُهُ) إلى أنه لا بدّ أن يكون ممن يلزم قوله؛ لكونه حجة في العلم، فإن إثبات قاعدة من قواعد الشرع، أو إدخال شرط أو قيد في الأمور الشرعيّة لا بدّ أن يكون صادرًا ممن له قدمٌ راسخ في العلم، ونظر ثاقبٌ في أدلة الشرع، وخبرة طويلة في الاستنباط منها، فليس كلّ من يدّعي العلم يُقبل قوله، فللحروب رجال، وللثريد رجال، وقال الإمام ابن معين رحمه الله تعالى: وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ ... وَلِلدَّوَاوِينِ حُسَّابٌ وَكُتَّابُ وقال بعضهم: وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ... إِلَّا خِلَافٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ وقلت في "ألفية العلل" عند الكلام على "فنّ العلل"، والعلماء العارفين به: اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْفَنَّ ذَا ... أَغْمَضُ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ مَأْخَذَا لِذَاكَ مَا سَلَكَهُ كُلُّ أَحَدْ ... بَلْ خَصَّ أَقْوَامًا وُعَاةً كَالْعَمَدْ مِنْ أَهْلِ خِبْرَةٍ وَفَهْمٍ ثَاقِبِ ... وَالذَّوْقِ وَالْعَوْمِ وَفِكْرٍ صَائِبِ إلى أن قلت: فَلَيْسَ كُلُّ قَارِىٍ يُحْسِنُهُ ... وَلَيْسَ كُلُّ كَاتِبٍ يُتْقِنُهُ وَإِنَّمَا لَهُ رِجَالٌ مَهَرَهْ ... قَدْ خُلِقُوا لَهُ حُمَاةٌ بَرَرهْ

стр. 910

فَلِلْحُرُوبِ فِتْيَةٌ أَبْطَالُ ... وَلِلثَّرِيدِ فِرْقَةٌ أُكَّالُ (وَإِلَّا) -هي "إن" الشرطيّة أُدغِمت في "لا" النافية: أي فإن لم تجد أحدًا ممن يلزم قوله أدخل هذا الشرط كما أدخلته أنت (فَهَلُمَّ) -بفتح الهاء، وضمّ اللام، وتشديد الميم-: أي أحضر. قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى: "هَلُمّ" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ. قال الخليل: أصله: "لُمَّ" من الضمّ والجمع، ومنه "لَمَّ اللهُ شَعَثَه"، وكأن المنادي أراد لُمَّ نفسك إلينا. و"ها" للتنبيه، وحُذِفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا. وقيل: أصلها هَلْ أُمَّ: أي قُصِد، فنُقِلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء. وأهلُ الحجاز يُناودون بها بلفظ واحد للمذكّر، والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ الآية [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلْحقُها الضمائر، وتُطابِقُ، فيُقال: هَلُمّي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيُلحِقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقوما، وقُمُوا، وقُمن. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجمع من لغة عُقَيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: أي أقبل، ومتعدّية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "هلم" في قول المصنف هنا من المتعدّي، ولذا نصب قوله: (دَلِيلًا) فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو المرشد والكاشف للشيء، وتقدّم البحث فيه مستوفىً عند قول المصنّف: "والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم الخ" (عَلَى مَا زَعَمْتَ) أي قلته، وقد تقدّم أن أكثر استعمال زعم فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، بل قال بعضهم: هو كناية عن الكذب، قال الخطّابيّ: ولهذا يقال: "زعم مطيّة الكذب"، وقد تقدّم تمام البحث فيها عند قول المصنّف: "فإن ذلك زعمت مما يَشغلك الخ" (فَإِنِ ادَّعَى) أي المخترع المذكور (قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ) متعلّق بقوله (مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ) بيان لما زعم. و"الشريطة" -بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء-: بمعنى الشرط، جمعها شَرَائط (فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ) أي تصحيحه، يقال: ثَبَت الأمر يثبت ثبوتًا: إذا صحّ، وثبت الشيء: إذا دام، واستقرّ، فهو ثابتٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أثبتُّهُ، وثَبَّتُّهُ. أفاده في "المصباح" (٣) (طُولِبَ بِهِ) أي بإثبات ما ادّعاه من قول أحد من السلف في ذلك (وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ

стр. 911

سَبِيلًا) أي لعدم قولهم بذلك، وإجماعهم على خلافه، حسبما رآه المصنّف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أول دليل من أدلّة الإمام مسلم رحمه الله تعالى التي ساقها لإثبات مذهبه، ودحض قول من قال بخلافه، حسبما رآه، ولكن أدلته لا تزال محلّ أخذ وردّ، فقد قام العلماء في مناقشتها، فمن أبرز من ناقشها العلّامةُ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفِهْريّ (٦٥٧ - ٧٢١ هـ)، فقد تصدّى رحمه الله تعالى لذلك في رسالته المشهورة، فقد ذكر في مناقشة هذا الدليل: ما ملخّصه: (اعلم): -وفقني الله وإياك للصواب- أن مسلما ﵀ استدل على صحة قوله: إنه لا يشترط في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط (١)، بما مُحَصَّله على التلخيص والتخليص أربعة أدلة: [الأول]: أنه قال: ما معناه: "قد اتفقنا نحن وأنتم على قبول خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة إذا ضمهما عصر واحد، وأنه حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط زائدا". فحاصل هذا الكلام ادعاء الإجماع على قبول المعنعن الذي هذه صفته مطلقا من غير تقييد بشرط اللقاء (٢)، وهو أعم أدلته، فكأنه يقول: الإجماع يتضمنه بعمومه وإطلاقه، فمن أثبت الشرط طالبناه بالنقل عمن سلف، أو بالحجة عليه إن عجز عن النقل. والجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نُحَكِّم دعواك الإجماع في محل النزاع؛ لما نقلناه في ذلك عمن سلف، كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره، أي فكيف وقد تقرّر أنه مذهب جمهور المتقدّمين. وإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط (٣)، ولسنا ننازعك في أن أخبار

стр. 912

الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مُكتَفىً فيه بالمعاصرة فقط، وإجماعك لا يتناول ذلك، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك، بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا، فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن المدلس، إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه، وكأنك لَمّا استشعرت توجه المطالبة عدلت باشتراط السماع في كل حديث حديث، وقد تقدم الجواب عنه. وتَبَيَّن الآنَ أنّا قائلون بمحل الإجماع، وأنا لم نزد شرطًا، بل أنت نقصته، ففَلَجَت حجة خصمك عليك. وأما الحجة التي طلبتَ على صحة مذهبنا، فقد قدمناها بما أغنى عن الإعادة فليراجعها من يناضل عنك (١). ثم نقول: إنك -يرحمك الله- استشعرت خَرْمَ ما ذكرتَ من الإجماع لَمّا كان عندك استقرائيا بما توقعت أن يُنقَل لك من الخلاف، فعدلت إلى المطالبة بالحجة، وذلك توهين منك لنقل الإجماع في محل النزاع، على أنا لم نُسَلِّم لك أنه يتناول محل الخلاف -والله تعالى الموفق والمرشد-. انتهى كلام ابن رُشيد رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ردّ به ابن رُشيد على دليل مسلم رحمهما الله تعالى نقض ما أبرمه بزعمه من دعوى الإجماع، فقد تبيّن أنه لا إجماع فيما ادّعاه، بل لو قيل: إن الإجماع على خلاف ما ادّعاه، لما استُبعِد. وقد ذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي زرعة الرازيّ، وغيرهم تدلّ على اشتراطهم السماع، ثم أعقب ذلك بقوله فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله، وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاريّ وغيره، فكيف يصحّ لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟ ، بل اتّفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتدّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم. انتهى كلام ابن رجب (٢).

стр. 913

فقد ظهر بهذا أن دعوى مسلم الإجماع غير مسلّمة، بل العكس هو الأقرب، فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. وقد ألّف بعض المعاصرين رسالة في دعم ما ادّعاه مسلم ﵀ من الإجماع، فطوّل نفسه، ولم يأت بشيء مُقنِع، وإنما هو مجرّد مصاولة ومجاولة من غير تحقيق، ولا تدقيق، وإن ادّعى ذلك هو، فلا يُهولنّك ما طوّل به نفسه، فاقرأه بتأمل وإنصاف، ترى ما فيه من الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم واصل مسلم رحمه الله تعالى مناقشته للمنتحل المذكور، فقال: (وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ، فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ، وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا، عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لِأَدْنَى شَيْءٍ، ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ؛ لِإِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسنَادًا مُعَنْعَنًا، حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: واصل رحمه الله تعالى بهذا الكلام مناقشته للمخترع بأنه إن ادّعى دليلًا على ما اخترعه نُطالبه به، فإن قال: إنما قلت ذلك لأني وجدت المحدثين المتقدّمين والمتأخّرين أجازوا الرواية عمن لم يُعاينوه، ولم يسمعوا منه أصلًا، وهذا هو الإرسال، بعينه، والقاعدة عند أهل الحديث أن المرسل لا يُحتجّ به؛ لأجل الانقطاع، فلما رأيت ذلك احتجت للبحث عن سماع كلّ راو عمن روى عنه، ولو مرّةً واحدةً، فإذا وجدت ذلك ثبت عندي بسبب ذلك جميع ما يروي عن ذلك الشخص، وإن لم أجد شيئًا من ذلك توقّفت عن العمل بذلك الحديث؛ لاحتمال الإرسال الموجب لعدم القبول. هذا خلاصة ما استدلّ به المخترع المذكور حسبما أشار إليه المصنّف بكلامه هذا، فردّ المصنّف رحمه الله تعالى عليه، قائلًا:

стр. 914

إذا كانت العلة في ردّك الخبر، وعدم الاحتجاج به ما ذكرت من إمكان الإرسال فيه، لزمك أن لا تقبل حديثًا إلا إذا ثبت لديك سماع رجال إسناده بعضهم من بعض من أول السند إلى آخره، فيلزمك منه أن لا تُثبت إسنادًا معنعنًا أصلًا. هذا خلاصة ما أشار إليه في إلزام خصمه. والله تعالى أعلم. وقد ناقش العلماء هذا الدليل الثاني، فقال ابن الصلاح ﵀: والجواب عما احتجّ به مسلم: أنا قبلنا المعنعن، وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي (١) ممن لم يُعرف منه تدليس؛ لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلّسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يُعلَم تلاقيهما. انتهى كلام ابن الصلاح (٢). وأجاب النووي ﵀ بأنه إذا ثبت التلاقي (٣) غلب على الظنّ الاتصال، والباب مبنيّ على غلبة الظنّ، فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبُت، فإنه لا يغلب على الظنّ الاتصال، فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه، أو وضعه بل للشكّ في حاله. انتهى كلام النوويّ (٤). وأجاب العلائيّ، فقال: الفرق بين المقامين (٥) بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه، ومشافهته له، وكان بريئًا من تهمة التدليس، فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ "عن" الاتّصال، وعدم الإرسال حتّى يتبيّن ذلك (٦) بدليل -كما في الأمثلة التي ذكرها- وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يُعترض بها على الغالب لندرتها، بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه، فإنه كثير جدّا بلفظ "عن" فلا يلزم من عدم التوقّف في ذلك عدم التوقّف في هذا، ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض. انتهى كلام العلائيّ (٧). وقال الحافظ: واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريّ بأنه يحتاج إلى أن

стр. 915

لا يقبل العنعنة أصلًا، وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرّةً (١) لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلّسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلّس. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هؤلاء الأئمة من الردّ على المصنّف في إلزامه خصمه بأنه يلزمه أن لا يقبل المعنعن أصلًا حجة قويّة تظهر ضعف إلزامه المذكور. وذلك لأن خصمه يقول له: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه، وأراه غاية التعنّت، حيث ألزمتني برد كلّ سند معنعن قد ثبت سماع رواته بعضهم من بعض؛ لاحتمال عدم السماع في بعض ما يُروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك؛ لأن الاحتمال هنا نادرٌ، والحكم إنما يُبنى على الغالب، لا على النار. والحاصل أن هذا الردّ في غاية من الحسن، ونهاية من المتانة. والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ) يعني أنه إذا لم يجد له سلفًا في هذا الرأي، ولكنه ادّعى أنه يجد بنفسه حجة يحتجّ بها على ما ادعاه (قِيلَ لَهُ وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ ) "ما" استفهاميّة: أي أيُّ شيء ذاك الدليل الذي تحتجّ به؟ (فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ) أي هذا القول الذي هو اشتراط اللقاء والسماع في أيّ حديث معنعن (لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ) -بضم راء "رُواة" جمع راو، وفتح همزة "الأخبار" جمع خبر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله (قَدِيمًا وَحَدِيثًا) أي في قديم الزمان وجديده (يَرْوِي) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ) أي لم يشاهد من روى عنه ذلك الحديث. [فائدة]: "لما" هنا -بفتح اللام، وتشديد الميم- هي النافية بمعنى لم، يجتمعان في الحرفية، والنفي، والاختصاص بالمضارع، وقلب معناه إلى المضيّ، وجزمه، ودخول همزة الاستفهام عليهما. وتختصّ "لَمّا" بخمسة أشياء: أحدها: أنها لا تقترن بأداة شرط، فلا يقال: "إن لما تقم"، بخلاف "لم" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لم يَنْتَهُوا﴾ الآية [المائدة: ٧٣]. والثاني: وجوب اتصال منفيها بحال النطق، بخلاف "لم"، فقد يتصل، نحو ﴿لم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ الآية [الإخلاص: ٣]، وقد ينقطع كقوله: ﴿لم يَكُنْ شَيْئًا
следующие страницы →