سَبِيلًا) أي لعدم قولهم بذلك، وإجماعهم على خلافه، حسبما رآه المصنّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أول دليل من أدلّة الإمام مسلم رحمه الله تعالى التي ساقها لإثبات مذهبه، ودحض قول من قال بخلافه، حسبما رآه، ولكن أدلته لا تزال محلّ أخذ وردّ، فقد قام العلماء في مناقشتها، فمن أبرز من ناقشها العلّامةُ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفِهْريّ (٦٥٧ - ٧٢١ هـ)، فقد تصدّى رحمه الله تعالى لذلك في رسالته المشهورة، فقد ذكر في مناقشة هذا الدليل: ما ملخّصه:
(اعلم): -وفقني الله وإياك للصواب- أن مسلما ﵀ استدل على صحة قوله: إنه لا يشترط في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط (١)، بما مُحَصَّله على التلخيص والتخليص أربعة أدلة:
[الأول]: أنه قال: ما معناه: "قد اتفقنا نحن وأنتم على قبول خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة إذا ضمهما عصر واحد، وأنه حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط زائدا".
فحاصل هذا الكلام ادعاء الإجماع على قبول المعنعن الذي هذه صفته مطلقا من غير تقييد بشرط اللقاء (٢)، وهو أعم أدلته، فكأنه يقول: الإجماع يتضمنه بعمومه وإطلاقه، فمن أثبت الشرط طالبناه بالنقل عمن سلف، أو بالحجة عليه إن عجز عن النقل.
والجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نُحَكِّم دعواك الإجماع في محل النزاع؛ لما نقلناه في ذلك عمن سلف، كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره، أي فكيف وقد تقرّر أنه مذهب جمهور المتقدّمين.
وإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط (٣)، ولسنا ننازعك في أن أخبار
стр. 912
الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مُكتَفىً فيه بالمعاصرة فقط، وإجماعك لا يتناول ذلك، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك، بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا، فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن المدلس، إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه، وكأنك لَمّا استشعرت توجه المطالبة عدلت باشتراط السماع في كل حديث حديث، وقد تقدم الجواب عنه.
وتَبَيَّن الآنَ أنّا قائلون بمحل الإجماع، وأنا لم نزد شرطًا، بل أنت نقصته، ففَلَجَت حجة خصمك عليك.
وأما الحجة التي طلبتَ على صحة مذهبنا، فقد قدمناها بما أغنى عن الإعادة فليراجعها من يناضل عنك (١).
ثم نقول: إنك -يرحمك الله- استشعرت خَرْمَ ما ذكرتَ من الإجماع لَمّا كان عندك استقرائيا بما توقعت أن يُنقَل لك من الخلاف، فعدلت إلى المطالبة بالحجة، وذلك توهين منك لنقل الإجماع في محل النزاع، على أنا لم نُسَلِّم لك أنه يتناول محل الخلاف -والله تعالى الموفق والمرشد-. انتهى كلام ابن رُشيد رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ردّ به ابن رُشيد على دليل مسلم رحمهما الله تعالى نقض ما أبرمه بزعمه من دعوى الإجماع، فقد تبيّن أنه لا إجماع فيما ادّعاه، بل لو قيل: إن الإجماع على خلاف ما ادّعاه، لما استُبعِد.
وقد ذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي زرعة الرازيّ، وغيرهم تدلّ على اشتراطهم السماع، ثم أعقب ذلك بقوله فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله، وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاريّ وغيره، فكيف يصحّ لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟ ، بل اتّفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتدّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم. انتهى كلام ابن رجب (٢).
стр. 913
فقد ظهر بهذا أن دعوى مسلم الإجماع غير مسلّمة، بل العكس هو الأقرب، فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف.
وقد ألّف بعض المعاصرين رسالة في دعم ما ادّعاه مسلم ﵀ من الإجماع، فطوّل نفسه، ولم يأت بشيء مُقنِع، وإنما هو مجرّد مصاولة ومجاولة من غير تحقيق، ولا تدقيق، وإن ادّعى ذلك هو، فلا يُهولنّك ما طوّل به نفسه، فاقرأه بتأمل وإنصاف، ترى ما فيه من الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم واصل مسلم رحمه الله تعالى مناقشته للمنتحل المذكور، فقال:
(وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ، فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ، وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا، عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لِأَدْنَى شَيْءٍ، ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ؛ لِإِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسنَادًا مُعَنْعَنًا، حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
واصل رحمه الله تعالى بهذا الكلام مناقشته للمخترع بأنه إن ادّعى دليلًا على ما اخترعه نُطالبه به، فإن قال: إنما قلت ذلك لأني وجدت المحدثين المتقدّمين والمتأخّرين أجازوا الرواية عمن لم يُعاينوه، ولم يسمعوا منه أصلًا، وهذا هو الإرسال، بعينه، والقاعدة عند أهل الحديث أن المرسل لا يُحتجّ به؛ لأجل الانقطاع، فلما رأيت ذلك احتجت للبحث عن سماع كلّ راو عمن روى عنه، ولو مرّةً واحدةً، فإذا وجدت ذلك ثبت عندي بسبب ذلك جميع ما يروي عن ذلك الشخص، وإن لم أجد شيئًا من ذلك توقّفت عن العمل بذلك الحديث؛ لاحتمال الإرسال الموجب لعدم القبول.
هذا خلاصة ما استدلّ به المخترع المذكور حسبما أشار إليه المصنّف بكلامه هذا، فردّ المصنّف رحمه الله تعالى عليه، قائلًا:
стр. 914
إذا كانت العلة في ردّك الخبر، وعدم الاحتجاج به ما ذكرت من إمكان الإرسال فيه، لزمك أن لا تقبل حديثًا إلا إذا ثبت لديك سماع رجال إسناده بعضهم من بعض من أول السند إلى آخره، فيلزمك منه أن لا تُثبت إسنادًا معنعنًا أصلًا. هذا خلاصة ما أشار إليه في إلزام خصمه. والله تعالى أعلم.
وقد ناقش العلماء هذا الدليل الثاني، فقال ابن الصلاح ﵀: والجواب عما احتجّ به مسلم: أنا قبلنا المعنعن، وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي (١) ممن لم يُعرف منه تدليس؛ لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلّسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يُعلَم تلاقيهما. انتهى كلام ابن الصلاح (٢).
وأجاب النووي ﵀ بأنه إذا ثبت التلاقي (٣) غلب على الظنّ الاتصال، والباب مبنيّ على غلبة الظنّ، فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبُت، فإنه لا يغلب على الظنّ الاتصال، فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه، أو وضعه بل للشكّ في حاله. انتهى كلام النوويّ (٤).
وأجاب العلائيّ، فقال: الفرق بين المقامين (٥) بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه، ومشافهته له، وكان بريئًا من تهمة التدليس، فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ "عن" الاتّصال، وعدم الإرسال حتّى يتبيّن ذلك (٦) بدليل -كما في الأمثلة التي ذكرها- وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يُعترض بها على الغالب لندرتها، بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه، فإنه كثير جدّا بلفظ "عن" فلا يلزم من عدم التوقّف في ذلك عدم التوقّف في هذا، ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض. انتهى كلام العلائيّ (٧).
وقال الحافظ: واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريّ بأنه يحتاج إلى أن
стр. 915
لا يقبل العنعنة أصلًا، وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرّةً (١) لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلّسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلّس. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هؤلاء الأئمة من الردّ على المصنّف في إلزامه خصمه بأنه يلزمه أن لا يقبل المعنعن أصلًا حجة قويّة تظهر ضعف إلزامه المذكور.
وذلك لأن خصمه يقول له: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه، وأراه غاية التعنّت، حيث ألزمتني برد كلّ سند معنعن قد ثبت سماع رواته بعضهم من بعض؛ لاحتمال عدم السماع في بعض ما يُروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك؛ لأن الاحتمال هنا نادرٌ، والحكم إنما يُبنى على الغالب، لا على النار.
والحاصل أن هذا الردّ في غاية من الحسن، ونهاية من المتانة. والله تعالى أعلم.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ) يعني أنه إذا لم يجد له سلفًا في هذا الرأي، ولكنه ادّعى أنه يجد بنفسه حجة يحتجّ بها على ما ادعاه (قِيلَ لَهُ وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ ) "ما" استفهاميّة: أي أيُّ شيء ذاك الدليل الذي تحتجّ به؟ (فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ) أي هذا القول الذي هو اشتراط اللقاء والسماع في أيّ حديث معنعن (لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ) -بضم راء "رُواة" جمع راو، وفتح همزة "الأخبار" جمع خبر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله (قَدِيمًا وَحَدِيثًا) أي في قديم الزمان وجديده (يَرْوِي) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ) أي لم يشاهد من روى عنه ذلك الحديث.
[فائدة]: "لما" هنا -بفتح اللام، وتشديد الميم- هي النافية بمعنى لم، يجتمعان في الحرفية، والنفي، والاختصاص بالمضارع، وقلب معناه إلى المضيّ، وجزمه، ودخول همزة الاستفهام عليهما. وتختصّ "لَمّا" بخمسة أشياء: أحدها: أنها لا تقترن بأداة شرط، فلا يقال: "إن لما تقم"، بخلاف "لم" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لم يَنْتَهُوا﴾ الآية [المائدة: ٧٣]. والثاني: وجوب اتصال منفيها بحال النطق، بخلاف "لم"، فقد يتصل، نحو ﴿لم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ الآية [الإخلاص: ٣]، وقد ينقطع كقوله: ﴿لم يَكُنْ شَيْئًا
стр. 916
مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] أي ثم كان. والثالث: أن منفيها لا يكون إلا قريبًا من الحال، فلا يقال: لما يقم زيد في العام الماضي. والرابع: كون منفيّها متوقّع الحصول غالبًا، نحو: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي إلى الآن ما ذاقوه، وسيذوقونه. والخامس: جواز حذف مجزومها اختيارًا لدليل، كقاربتُ المدينة، ولَمّا: أي ولما أدخلها، ولا يجوز ذلك في "لم" إلا في الضرورة (١).
(وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ) هذا صريح في أن المخترع يشترط السماع، ولا يكتفي باللقاء فقط، كما اشتهر عند كثير ممن كتب في هذه المسألة، فليُتنبّه (فَلَمَّا) -بفتح اللام، وتشديد الميم أيضًا- هي هنا "لَمّا" الحينيّة، وهي تقتضي جملتين، أولاهما شرطها، والثانية جوابها فشرطها هنا قوله: (رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا) أي أجازوا، فالسين، والتاء زائدتان للتوكيد (رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ) بنصب "روايةً" على المفعوليّة (هَكَذَا) أي رواية مشابهة لما ذُكر، وهو الرواية عن شخص لم يعاينه، ولا سمع منه، فقوله (عَلَى الْإِرْسَالِ) تأكيد لهكذا، وكذا قوله (مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ) لأن غير السماع هو الإرسال، والمراد بالإرسال هنا مطلق الانقطاع، لا بخصوص كونه رفع تابعيّ إلى النبيّ ﷺ ؛ لأن كثيرًا من المتقدّمين، كالمصنّف، والبخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، وغيرهم يستعملون الإرسال بمعنى الانقطاع، كما سنحقّقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(وَالْمُرْسَلُ) اسم المفعول من أرسل رباعيّا، وهو مبتدأ، خبره جملة "ليس" الآتية (مِنَ الرِّوَايَاتِ) بيان للمرسل (فِي أَصْلِ قَوْلِنَا) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه كائنًا. وقوله (وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ) بجرّ "قول" عطفًا على "قولنا" من عطف المؤكّد على المؤكّد؛ لأن المراد بضمير المتكلّم في "قولنا" هم أهل العلم بالأخبار. وقيّد بهم؛ لأن غيرهم من الفقهاء والأصوليين يحتجّون بالمراسيل على ما سنبيّنه، إن شاء الله تعالى.
وقوله (لَيْسَ بِحُجَّةٍ) خبر المبتدإ، كما تقدّم آنفًا.
وقوله (احْتَجْتُ) جواب "لما" الماضية في قوله: "فلما رأيتهم الخ" (لِمَا وَصَفْتُ) بكسر اللام الجارة، وهو تعليل للاحتياج: أي احتجتُ إلى البحث عن السماع؛ لأجل ما ذكرته (مِنَ الْعِلَّةِ) بيان لما: أي من السبب. وقوله (إِلَى الْبَحْثِ) متعلّق بـ "احتجت" (عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ) الجارّ والمجرور الأول متعلّق بـ "البحث"، والثاني متعلّق بـ "سماع".
стр. 917
خلاصة ما أشار إليه في هذا الكلام: أنه إنما احتاج للبحث عن سماع الراوي الْمُعَنْعِن عمن عنعن عنه؛ لكونه رأى أهل الحديث يروون المراسيل عمن لم يشاهدوه، ولم يسمعوا منه، فخشي أن يكون ما عنعنه مما لم يسمعه، فلذلك شدّد في البحث عن السماع.
(فَإِذَا أَنَا) "إذا" شرطيّة، وجوابها قوله: "ثبت عندي الخ"، ودخولها على الجملة الاسميّة مذهب كوفيّ، وهو الحقّ؛ لكثرة وروده في القرآن الكريم، كقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وغير ذلك (هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ) أي وصل علمي إلى سماعه، يقال: هجم عليه هجومًا، من باب قعد: انتهى إليه بغتةً، أو دخل عليه بغير إذن. أفاده في "القاموس". (مِنْهُ) أي من المرويّ عنه بالعنعنة (لِأَدْنَى شَيْءٍ) أي لقليل من الرواية. وقوله (ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ) أي بسبب ما هجم عليه من السماع (جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ) أي بالعنعنة (بَعْدُ) أي بعد هجومي على السماع، وهي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونية معناها، وقد تقدم البحث فيها مستوفىً عند قول المصنّف: "أما بعد".
(فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي) بفتح الزاي: أي بَعُدَ، وغاب عن علمي، يقال: عزَب الشيء يَعزُبُ بضم الزاي، كنصر ينصر، ويَعزِب بكسرها، كضرب يضرب، لغتان فصيحتان، قُرىء بهما في السبع، والضم أشهر، وأكثر.
وقوله: "عنّي" متعلق بـ "عزب": (مَعْرِفَةُ ذَلِكَ) أي معرفة سماعه لشيء من المرويات (أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ) أي توقّفت عن الاحتجاج به. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "أوقفت الخبر: " كذا هو في الأصول: "أوقفت"، وهي لغة قليلةٌ، والفصيح المشهور "وقفت" بغير ألف. انتهى (١).
وعبارة الجوهريّ في "الصحاح": وقفت الدار للمساكين وقفًا: حبستها، وأوقفتها بالألف لغة رديئة. وليس في الكلام أوقفت إلا حرف واحدٌ، أوقفت عن الأمر الذي كنت فيه: أي أقلعت، قال الطِّرِمَّاح [من الخفيف]:
جَامِحًا فِي غَوَايَتِي ثُمَّ أَوْ قَفْـ ... ـتُ رِضًا بِالتُّقَى وَذُو الْبِرِّ رَاضِي
وحكَى أبو عمرو: كلّمتهم، ثم أوقفت: أي أسكتُّ، وكلّ شيء تمسك عنه تقول: أوقفت انتهى (٢).
стр. 918
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ما ذكره الجوهريّ أن أوقفت لغة فصيحة، بل هي الواردة في كلام العرب لمعنى الإمساك عن الشيء، وأما وقفت ثلاثيا، فمستعمل لمعنى الحبس، كوقفت الدار، وأوقفت بالألف فيه لغة رديئة، فتأمل. والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَكُنْ) أي ذلك الخبر الذي رواه من لم يثبت عندي سماعه ممن روى عنه، ولو قليلًا (عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ) أي محل استدلال على الأحكام الشرعيّة (لِإِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ) علّة لعدم كونه موضع حجة؛ أي لاحتمال الانقطاع بين المعنعن والمعنعن عنه.
(فَيُقَالُ لَهُ) أي للمخترع المذكور (فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ) أي السبب (فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ) عطفه على ما قبله من عطف المسبب على السبب؛ لأن تركه الاحتجاج به؛ لتضعيفه الخبر (إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ) بالنصب على أنه خبر "كان" (فِيهِ) أي في ذلك الخبر الذي تركت الاحتجاج به لتضعيفك إياه (لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ) بضم أوله، من الإثبات رباعيّا (إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا) اسم مفعول من عنعنه إذا رواه بـ "عن" (حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ) أي من أول الإسناد إلى منتهاه، أي وذلك باطلٌ.
وحاصل ما أشار إليه أن ما احتجّ به على عدم إثبات الحديث المعنعن إلا إذا ثبت سماعه لديه ولو مرة، يستلزم أن لا يصحّح أيَّ حديث إلا إذا اتصل إسناده بسماع كل راو عمن روى عنه من أوله إلى آخره، ولا يكفي فيه ثبوت السماع في الجملة؛ لأنه يوجد الإرسال مع اللقاء، بل مع السماع الكثير، وهذا الإلزام قد عرفت الجواب عنه فيما سبق، فلا تنس نصيبك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم أوضح المصنّف ما ذكره بما ضربه من الأمثلة، حيث قال:
(وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ، لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا، وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ. وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ
стр. 919
صَاحِبِهِ سَمَاعًا كثِيرًا، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا، وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا، فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ. وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدًا، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى في هذه الفقرة ما دعّم به مذهبه بضرب الأمثلة على ذلك، فمن تلك الأمثلة الحديثُ الواردُ عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂، فإننا نعلم علمًا يقينًا أن هُشَامًا سمع من أبيه، وهو سمع من خالته عائشة ﵂، كما نعلم علمًا يقينًا أنها سمعت من النبيّ ﷺ ، لكن يمكن إذا عنعن هشام، ولم يُفصح بالسماع من أبيه أن يكون أخذه عنه بواسطة، فأرسله، ولم يذكر من أخذ عنه، ومثل هذا الإمكان موجود في أبيه أيضًا عن عائشة ﵂، وكذلك كلُّ إسناد لم يُصَرَّح فيه بسماع الرواة بعضهم من بعض، مع ثبوت سماع بعضهم من بعض في الجملة يمكن أن يكون بينهم وبين من رووا عنه واسطة، أسقطوه اختصارًا؛ إذ الراوي أحيانًا يَنشَط، فيَذكُرُ شيخه، وأحيانًا لا يَنشَط، فيُسقطه، ويُرسِل الحديث، وهذا الصنف موجود في الحديث، وكثير بين المحدّثين، كما سيظهر ذلك من ضرب الأمثلة فيما بعد، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقد رَدَّ على استشهاد المصنّف ﵀ بما ذُكر ابن رُشيد ﵀، فقال: ثم إنه مَثَّل ذلك بأمثلة منها حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، وقال: إن كُلا منهم يتحقق سماع بعضهم من بعض، فهشام من أبيه عروة، وعروة من خالته عائشة، وعائشة من النبي ﷺ ، ثم قال: وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت، أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه.
ثم طَرَّق الاحتمال أيضا في قول عروة عن عائشة، وأتبع ذلك بأمثلة من الرواة لقي بعضهم بعضًا، وأسندوا رواياتهم معنعنين ممن لم يُتَّهَم بالتدليس، على أن هشاما قد وقع له بعض الشيء.
قال عبد الله بن علي المديني: قال أبي: وسمعت يحيى يقول: كان هشام بن
стр. 920
عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين، وما ضَرَب بيده شيئا قط ... " الحديث. قال يحيى: فلما سألته قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: "ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين أمرين" لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه إنما هو عن الزهري. ذكره الحاكم في "علوم الحديث" له في باب المدلسين (١).
فحاصل ما أتيتَ به أيها الإمام من الأمثلة أنّ من عُلِمَ سماعه من إنسان، ثم اختَلَفَت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلًا أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومَثَّلتَ ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يُحكَم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال.
وهذه المسألة أيها الإمام من مُعضِلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يَعِزّ لدائها وجود الدواء، ويتعذّر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يُجعَل ما هذه حاله دليلا في محل النزاع، أو يُحكَم فيه حكما جُمْليّا، وليتَ الحكمَ التفصيلي يكشف بعض أمره.
فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رُواة لقي بعضهم بعضًا، ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه، أو معنعنا أيضًا نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح، فحكمنا لمن يُرَجَّح قولُه من الزائد أو الناقص، أو لمن تيقنا صوابه، كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلًا، أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ، كما قد نَحكُم بذلك إذا كان الحديث بلفظ "حدّثنا"، ثم زاد أحدهما راويا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.
فإن أشكل الأمر توقفنا، وجعلنا الحديث معلولًا؛ إذ كلُّ واحد من الطريقين مُتعرِّض لأن يُعتَرَضَ به على الآخر؛ إذ لعل الزائد خطأ. وإذا كان الزائد بلفظ "عن" أيضا فلعله نقص رجل آخر غير ذلك المزيد، وإنما يرتفع هذا الاحتمال، إذا قال الراوي الزائد: "حدثنا"، ويبقى احتمالُ أن يكون الحديث عنده عنهما معا.
فأما أن يُحكَم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقا ففيه نظر، لا سيما في رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد، أو عن الآباء فقط، أو الإخوة بعضِهِم عن بعض، فكثيرا ما يَتَحَمّلون النزول، ويَدَعُون العلو، وإن كان عندهم؛ حرصًا على ذكره عن الآباء والأجداد، وإبقاءً للشرف، ولذلك ما تجد الأسانيد تنزل كثيرا في المسافة في
стр. 921
هذا النوع، فيدعون الإسناد العالي إيثارا لطلب المعالي.
وقد حكم بعضُ المتأخرين بإرسال الناقص، ووصل الزائد، وهو الذي ظهر منك أيها الإمام في حكمك هنا، وهو كما قدمناه لا يَسلَم من التعقب بأن يُعتَرَض على أحدهما بالآخر. انتهى. كلام ابن رُشيد.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكره من أن قول المخترع المذكور يستلزم أمرًا باطلًا (أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أبي المنذر المدنيّ، تقدمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزى، ابن قصي الأسدي، أبي عبد الله المدني، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، فقيها، عالما، ثبتا، مأمونا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وكان رجلا صالحا، لم يدخل في شيء من الفتن. وقال ابن شهاب كان إذا حدّثني عروة، ثم حدثتني عمرة صدّق عندي حديث عمرة حديث عروة، فلما تبحّرتهما إذا عروة بحر لا يُنْزَف. وقال هشام عن أبيه: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج، أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها، إلا وقد وعيته. وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة مع مشيخة سواهم، من أهل فقه وفضل. وقال ضمرة، عن ابن شوذب: وقعت في رجله الآكلة، فنُشرت، وكان يقرأ ربع القرآن نظرا في المصحف، ثم يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله. وقال ابن عيينة عن هشام: خرج عروة إلى الوليد، فخرجت برجله آكلة، فقطعها، وسَقَط ابن له عن ظهر بيت له، فوقع تحت أرجل الدواب فوطئته، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، اللهم إن كنت أخذت، لقد أعطيت، وإن كنت ابتليت لقد عافيت.
قال خليفة في آخر خلافة عمر: سنة (٢٣) يقال: وُلد عروة بن الزبير. وقال مصعب الزبيري: ولد عروة لست خلون من خلافة عثمان، وكان بينه وبين أخيه عبد الله عشرون سنة. وقال ابن المديني: مات عروة سنة إحدى، أو اثنتين وتسعين، وعنه سنة اثنتين. وعنه سنة (٣). وفيها أرخه أبو نعيم، وابن يونس وغيرهما. وذكره ابن زبر فيمن مات في سنة (٢) ثم في سنة (٤). وقال: هذا أثبت من الأول، وكذا أرخه ابن سعد، وعمرو بن علي، وغير واحد. وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم: أبو بكر بن عبد الرحمن مات سنة (٩٤) وعروة بن الزبير، وسعيد، وعلي بن الحسين، وكان يقال لها: سنة الفقهاء. وقيل: غير ذلك في سنة وفاته.
стр. 922
وقال في "التقريب": ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان ﵁. انتهى.
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت ترجمتها في أوائل هذا الشرح (فَبِيَقِينٍ) الظاهر أن الباء زائدة، و"يقين" نعت لمصدر محذوف: أي علمًا يقينًا؛ وإنما قلت بزيادتها؛ لأن اليقين بمعنى الثابت، والواضح، قال في "المصباح": يَقِنَ الأمر يَيْقَن يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت، ووضح، فهو يقينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعل، ويُستعمل متعديا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي علمته. انتهى (١).
ويحتمل أن تكون الباء أصليّة سببية، و"يقين" نعت لمحذوف: أي بدليل يقين، أي ثابت وواضح، والجار والمجرور متعلّق بقوله: (نَعْلَمُ) أي نعلم علمًا يقينًا: أي ثابتًا واضحًا، أو نعلم بسبب وجود دليلٍ يقينٍ: أي ثابت واضح (أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ) عروة (وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ) ﵂ (كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ يَجُوزُ) أي يمكن، ويحتمل (إِذَا لم يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ) مقول "يقل" (أَوْ أَخْبَرَنِي) عطف على المقول (أَنْ) بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤول فاعل "يجوز" (يَكُونَ بَيْنَهُ) أي بين هشام (وَبَيْنَ أَبِيهِ) عروة (فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ) برفع "إنسان" على أنه اسم "يكون" (أَخْبَرَهُ بِهَا) أي بتلك الرواية (عَنْ أَبِيهِ) متعلق بحال مقدّر: أي حال كون ذلك الإنسان راويا عن أبيه عروة (وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ) أي لم يسمع تلك الرواية هشام (مِنْ أَبِيهِ) عروة (لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ضبطناه "لَمّا" بفتح اللام، وتشديد الميم، و"مُرسَلًا" بفتح السين، ويجوز تخفيف "لِمَا" وكسر سين "مرسلًا". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قوله: "لما أحب الخ" متعلّقٌ بمحذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: فترك ذكر ذلك الإنسان لما أحبّ الخ، و"لَمّا" بفتح اللام، وتشديد الميم حينيّة ظرف لترك المقدّر، أي ترك ذكر ذلك الإنسان حين أحبّ أن يروي تلك الرواية مرسلًا، أو بكسر اللام، وهي جارّة للتعليل، متعلقة بترك أيضًا، و"ما" مخفّفة الميم، مصدريّة، والتقدير: فترك ذكره لحبه روايتها مرسلا.
стр. 923
وأما "مرسلًا" فيحتمل أن يكون بكسر السين، حالًا من فاعل "يرويها"، ويحتمل أن يكون بفتح السين، حالًا من المفعول، إنما ذكّره مع كون الضمير مؤنثًا لعوده إلى الرواية، لتأويلها بالخبر، أو نحوه. ويحتمل أن يكون "مرسلًا" بالفتح مصدرًا ميميّا مفعولًا مطلقًا ليروي، على حذف مضاف: أي رواية إرسال، وهو واضح. والله تعالى أعلم.
وعطف قوله: (وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ) من عطف المؤكّد على المؤكَّد؛ لأنه بمعنى قوله: "أن يرويها مرسلا".
(وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ) أي الإرسال المذكور (فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة (فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (وَكَذَلِكَ) أي مثل ما سبق من احتمال الإرسال (كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ) أي في ذلك الإسناد (ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) برفع "ذكرُ" على أنه اسم "ليس" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله، وإضافة "ذكر" إلى سماع من إضافة المصدر إلى مفعوله، وإضافة "سماع" إلى "بعضهم" من إضافة المصدر إلى فاعله.
(وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ) بالبناء للمفعول (فِي الْجُمْلَةِ) أي في بعض الروايات (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في محل نائب الفاعل (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا، فَجَائِزٌ) أي ممكنٌ، ومحتملٌ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ) بالبناء للفاعل (فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ) أي من غير صاحبه (عَنْهُ) أي عن صاحبه (بَعْضَ أَحَادِيثِهِ) بنصب "بعض" على المفعوليّة ليسمع (ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا) أي يرويه عن صاحبه منقطعًا؛ لعدم نشاطه (وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ) أي الواسطة التي بينه وبين صاحبه (وَيَنْشَطَ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: نَشِطَ في عمله يَنْشَطُ، من باب تعب: خفَّ، وأسرع. قاله في "المصباح". وقال في "القاموس": نَشِط كسمع نَشَاطًا بالفتح، فهو ناشطٌ، ونَشِيطٌ: طابت نفسه للعمل وغيره. انتهى. وقوله: (أَحْيَانًا) جمع "حين" ظرف لينشط (فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ) أي روايته بالانقطاع. (وَمَا) موصول مبتدأ خبره "موجود": أي والذي (قُلْنَا مِنْ هَذَا) الذي ذكرناه من أن من سمع من شخص سماعًا كثيرًا يجوز أن يروي عنه بواسطة، فيذكرها أحيانًا لنشاطه، ويتركها أحيانًا لعدم نشاطه (مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ) أي كثير مشتهر (مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ) من عطف المؤكد على المؤكّد، ويحتمل أن يكون من عطف العام على الخاصّ؛ لأن أئمة أهل العلم يشمل ثقات المحدثين وغيرهم (وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ) أي الطريقة (الَّتِي ذَكَرْنَا) آنفًا، وهي الرواية بذكر الواسطة عند النشاط، وعدمه عند عدمه (عَدَدًا) مفعول به لسنذكر: أي روايات متعدّدةً،
стр. 924
أو أمثلةً متعدّدة (يُسْتَدَلُّ بِهَا) بالبناء للمفعول: أي بتلك الروايات، أو الأمثلة (عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) جملة إنشائيّة، أتي بها للتبرّك، امتثالًا لقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. والله تعالى أعلم بالصواب.
ثم ضرب بعض الأمثلة التي يُستدلّ بها على ردّ رأي الْمُختَرع في زعمه، كما وعد بها آنفًا، فقال:
(فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعًا، وَابْنَ نُمَيْرٍ، وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِحِلِّهِ وَلِحِرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ".
فَرَوَى هَذ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ، وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵄.
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
يعني أن من جملة العدد الذي يُستدلّ به على ما ذُكر من أن بعض الرواة يسمع الحديث بواسطة، فيرسله أحيانًا؛ لعدم نشاطه، ويوصله أحيانًا؛ لنشاطه ما رواه أيوب السختيانيّ، وابن المبارك، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن نمير، وجماعة آخرون عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنتُ أطيّب رسول الله ﷺ لحلّه ولحرمه بأطيب ما أجد"، فقد روى هذه الرواية نفسَها جماعة آخرون: الليث بن سعد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وحُميد بن الأسود، ووُهيب بن خالد، وأبو أسامة كلهم عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان بن عروة، عن عائشة ﵂.
قال ابن رُشيد بعد إيراده كلام مسلم هذا: ما نصّه: ثم أوردت في كتابك حديث عثمان (١)؛ لأنه الذي رَجَحَ عندك أنه المسند، ومن أسقطه أرسل، ولسنا ننفي أن يحصُل ظنّ في بعض الأحاديث بأن الحكم لمن زاد كما قد يَرْجَح أيضًا في بعضٍ أن الحكم لمن نقص، فتعميم الحكم في المسألة لا يصحّ. انتهى (٢).
قلت: خلاصة ما يُفهم مما سبق في كلام مسلم، وتعليق ابن رُشيد عليه ترجيح
стр. 925
زيادة عثمان في السند، وأن الحديث موصول، وأن رواية من أسقطه مُعلّة.
وبهذا قال المحقّقون، فقد ذكر الدارقطنيّ ﵀ في "العلل" أن الصحيح عن هشام بن عروة أنه سمع هذا الحديث من أخيه عثمان، وأن الرواية بدون ذكر عثمان مرسلة.
ومثّل العلائيّ ﵀ بهذا الحديث -كما في "جامع التحصيل" ص ١٢٩ - لما ترجّح فيه الحكم بالإرسال إذا رُوي بدون الراوي المزيد، وهذا الحديث جزمًا لم يسمعه هشام من أبيه، وإنما تحمّله عن أخيه عثمان، عن أبيه، فقد روى الحميديّ في "مسنده" ١/ ١٠٥ الحديث عن سفيان، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وقال الحميديّ: قال سفيان: فقال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام هذا الحديث إلا عنّي. انتهى.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(فَمِنْ ذَلِكَ) أي من العدد الذي يُستدلّ به على ما ذُكر (أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ) -بفتح السين المهملة، بعدها خاء معجمة ساكنة، ثم مثناة فوقية، ثم تحتانية، وبعد الألف نون- وهو ابن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت الحجة، من كبار الفقهاء العبّاد، تقدّمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (وَابْنَ الْمُبَارَكِ، ) هو عبد الله الإمام الحجة المشهور، أبو عبد الرحمن المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠ (وَوَكِيعًا) هو ابن الْجَرَّاح ابن مَلِيح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفي الإمام الحجة، تقدّم في ١/ ٢ (وَابْنَ نُمَيْرٍ) هو عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ الكوفي الثقة الثبت، تقدم في ١/ ٥ (وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ أنها (قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ، لِحِلِّهِ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام: أي لإحلاله من إحرام الحج، أو العمرة (وَلِحِرْمِهِ) بضم الحاء المهملة، وكسرها: أي لإحرامه بالحج، أو العمرة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قَيّدناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضمّ قيّده الخطابيّ، والهرويّ، وخطّأ الخطابيّ أصحاب الحديث في كسره، وقيّده ثابت بالكسر، وحكى عن المحدّثين الضمّ، وخطّأهم فيه، وقال: صوابه الكسر، كما قال: "لِحلّه". وقد جاء في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "وحِرْمٌ على قرية" [سورة الأنبياء: ٩٥]: أي حرام، والْحِرْم والحرام واحد. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": يقال: حرمه بضم الحاء، وكسرها لغتان، ومعناه لإحرامه. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀
стр. 926
تعالى: الْحِرمُ وزانُ حِمْل لغةٌ في الحرام أيضًا. انتهى (١).
(بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ) أي بأحسن ما أجده من أنواع الطيب.
(فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا، اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة المشهور، المجمع على ثقته وجلالته. وقال ابن سعد: كان قد اشتغل بالفتوى في زمانه، وكان ثقة، كثير الحديث، صحيحه، وكان سَرِيّا من الرجال، نبيلا سخيا. وقال أحمد بن سعد الزهري عن أحمد: الليث ثقة ثبت. وقال يحيى بن بكير عن شرحبيل بن جميل: أدركت الناس زمن هشام بن عبد الملك، والناس إذ ذاك متوافرون، وكان بمصر يزيد بن أبي حبيب وغيره، والليث إذ ذاك شاب، وإنهم ليعرفون له فضله وورعه، ويقدمونه. قال ابن بكير: ورأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، وفي رواية: ما رأيت أكمل من الليث، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، لم أر مثله. وقال شعيب بن الليث: قيل لليث: إنا نسمع منك الحديث، ليس في كتبك، فقال: أو كلما في صدري في كتبي، لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ما فاتني أحد، فأسفت عليه ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب. وقال ابن أخي ابن وهب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بكير يقول: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه فقها، وورعا، وعلما، وفضلا، وسخاء. وقال ابن أبي مريم: ما رأيت أحدا من خلق الله أفضل من ليث، وما كانت خصلة يُتقرب بها إلى الله إلا كانت تلك الخصلة في الليث. وقال أبو يعلى الخليلي: كان إمام وقته بلا مدافعة. وقال محمد بن صالح الأشج عن قتيبة بن سعيد: قدم منصور بن عمار على الليث، فوصله بألف دينار، واحترق بيت ابن لهيعة، فوصله بألف دينار، ووصل مالك بن أنس بألف دينار، وكساني قميص سندس، فهو عندي. وقال أبو العباس السراج عن قتيبة: قفلنا مع الليث من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن: فسفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه. وقال محمد بن رمح وقال ابن وهب: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها، فأحب أن تبعث إلي بشيء من عصفر، فبعث إليه ثلاثين حِمْلا من عصفر، فصبغ لأهله، ثم باع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده. وكان دخل الليث كل سنة ثمانين
стр. 927
ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة. وقال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير: وُلد الليث سنة (٩٤) ومات في يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. وكذا قال ابن أبي مريم، وغير واحد في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٨) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ فقيهٌ، إمام مشهور، من السابعة. انتهى.
(وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ) هو ابن عبد الرحمن، أبو سليمان العبدي المكيُّ، قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: ما رأيت أحدا أعبد من الفضيل بن عياض، ولا أورع من داود بن عبد الرحمن، ولا أفرس في الحديث من ابن عيينة. قال أبو داود: أخبرني ابن لداود قال: وُلد داود سنة مائة، قال: وذكر أيضا أنه مات سنة (١٧٥). قال ابن حبان: مات سنة أربع وسبعين. وذكر مولده سنة مائة بمكة، قال: وكان متقنًا من فقهاء أهل مكة، وكذا قال ابن سعد في تاريخ وفاته، وقال: كان كثير الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال العجلي: مكي ثقة، ووثقه أيضا البزار. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٣٠١ و ١٤١٠ و ٢٩٧٥.
وقال في "التقريب": ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلّم فيه، من الثامنة. انتهى.
(وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن الأشقر البصريّ، أبو الأسود الكرابيسي، قال عبيد الله القواريري: كان صدوقا. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له البخاري مقرونا بغيره في موضعين. وقال الأثرم عن أحمد: سبحان الله ما أنكر ما يجيء به. وقال العقيلي في "الضعفاء": كان عفان يحمل عليه؛ لأنه روى حديثًا منكرًا. وقال الساجي، والأزدي: صدوق عنده مناكير. وقال الحاكم عن الدارقطني: ليس به بأس. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في "صحيح مسلم" هنا في "المقدّمة". وقال في "التقريب": صدوقٌ، يَهِمُ قليلًا، من الثامنة. انتهى.
(وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت، صاحب الكرابيس. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن وهيب وابن علية، إذا اختلفا؟ قال: كان عبد الرحمن يختار وهيبا، قلت: في حفظه؟ قال: في كل شيء، وإسماعيل ثبت. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال وهيب، وذكر جماعة. وقال ابن المديني عن ابن مهدي: كان من أبصر أصحابه بالحديث والرجال. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد ذكره، فأحسن الثناء عليه. وقال يونس بن حبيب عن أبي داود: ثنا وهيب، وكان ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة. ويقال: إنه لم
стр. 928
يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، وكان يقال: إنه يَخلُف حماد بن سلمة. وقال ابن سعد: كان قد سُجِن فذهب بصره، وكان ثقة، كثير الحديث، حجة، وكان يُملي من حفظه، وكان أحفظ من أبي عوانة، ومات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وروى البخاري أنه مات سنة خمس وستين ومائة، وكان متقنا، وقد قيل: إنه مات سنة تسع وستين. انتهى. وفي سنة تسع أرخه ابن خليفة، وابن قانع. وقال الآجري عن أبي داود: تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة. وقال ابن المديني: قال يحيى بن سعيد: إسماعيل أثبت من وهيب. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٩) حديثًا.
وقال في "التقريب": ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلًا بآخره، من السابعة. انتهى.
(وَأَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الثقة الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٨. (عَنْ هِشَام) بن عروة، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، روى عن أبيه، وعنه أخوه هشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كان من خطباء الناس وعلمائهم، وكان أصغر من هشام، لكنه مات قبله. وقال مصعب: أمه أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص، عمة عبد الملك بن مروان، وكان من وجوه قريش وساداتهم. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات قبل الأربعين ومائة. وقال الواقدي: مات في أول خلافة أبي جعفر. وأخرج ابن مردويه وفاته في "كتاب أولاد المحدثين" سنة (٣٧). وقيل: كانت وفاته في ذي الحجة سنة (٣٦). أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وله في "صحيح مسلم" هذا الحديث فقط، برقم (١١٨٩) و (١١٩٠).
(عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ) عمّته (عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). يعني أن هؤلاء الخمسة رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن أبيهما عروة، عن عائشة ﵂.
وغرض المصنّف بذلك إلزام خصمه بأن اللقاء والسماع، وإن كان كثيرًا لا يمنع من وقوع الإرسال، فإنه من الواضح أن هشام بن عروة جالس أباه، وسمع منه كثيرًا، ومع ذلك روى عنه بواسطة أخيه، فأرسله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلقّ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا، وفي "الحجّ" ١١٨٩ و ١١٩١ و ١١٩٢ و (البخاريّ) في "الغسل" ٢٦٧ و ٢٧٠ و ٢٧١ و"الحجّ" ١٥٣٨ و ١٥٣٩ و"اللباس" ٥٩١٨ و (أبو داود) في
стр. 929
"المناسك " ١٤٨٣ و ١٤٨٤ و (الترمذيّ) في "الحجّ" ٨٤٠ و ٨٨٥ و"البيوع" ١٢١٩ و (النسائيّ) في "الغسل والتيمّم" ٤١٧ و ٤٣١ و"مناسك الحجّ" ٢٦٨٤ و ٢٦٨٥ و ٢٦٨٦ و ٢٦٨٧ و ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠ و ٢٦٩١ و ٢٦٩٢ و (ابن ماجه) في "المناسك" ٢٩١٧ و ٢٩١٨ و ٢٩١٩ و (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٩٨٢ و ٢٣٠٠٤ و ٢٣٥٣١ و ٢٣٦٠٧ و (الموطأ) في "الحجّ" ٦٣٥ و (الدارميّ) في "المناسك" ١٧٣٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): أَن فيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهذا مذهب جماهير العلماء، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف، وهذا مذهب كافة العلماء، إلا مالكا، فقد كرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث.
(ومنها): أن قولها: "لِحِلِّه" دليل على أنه حصل له تحلل، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلقِ، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول، أَيَّ اثنين كانا، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهنّ غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض الشافعيّة، وللشافعي قول: إنه لا يحل بالأول إلا اللبس، والحلق، وقلم الأظفار، والصواب ما سبق. والله أعلم. انتهى (١).
(ومنها): مشروعيّة خدمة المرأة زوجها، وهو الصواب من أقوال العلماء، وقد حقّقته بأدلته في محلّه من "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استعمال الطيب عند الإحرام:
ذهبت جماعة إلى جوازه، وبه قال خلائق من الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وداود، وغيرهم.
وذهب آخرون إلى منعه، منهم: الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وحُكي
стр. 930
أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين، قال القاضي عياض: وتأول هؤلاء حديث عائشة ﵂ هذا على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى: "طيبت رسول الله ﷺ ، عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرما"، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيما وقد نُقِل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك، ويكون قولها: "ثم أصبح يَنضَخُ طيبًا": أي قبل غسله، وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذَريرة، وهي مما يُذهبه الغسل، قال: وقولها: "كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم"، المراد به أثره، لا جرمه.
وقد تعقّبه النوويّ، وأجاد في ذلك، فقال: هذا كلام القاضي، ولا يُوافَق عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحب للإحرام؛ لقولها: "طيبته لحرمه"، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام لا للنساء، ويَعضِده قولها: "كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب"، والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول؛ لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه. انتهى كلام النوويّ.
وحاصله أن التطيّب للإحرام بما يَبقَى أثره بعد الإحرام جائز، كما هو مذهب الجمهور؛ لظاهر حديث عائشة ﵂ هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم ذكر المصنّف رحمه الله تعالى أيضًا مثالًا آخر؛ زيادة في الإلزام، فقال:
(وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا اعْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ". فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَرَوَى هِشَامٌ) أي ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا اعْتَكَفَ) أي جلس في المسجد للعبادة. قال في "المصباح": عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من باب بابي قعد، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه. وقرىء بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٨]. وعكفتُ الشيءَ أعكُفُهُ، وأعكِفُهُ: حبسته. ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرّفات العاديّة. وعكفته عن حاجته. منعته. انتهى (١).
стр. 931
وقال الخطيب الشربينيّ رحمه الله تعالى: الاعتكاف هو لغة اللبث والحبس، وشرعًا اللبث في المسجد، من شخص مخصوص (١)، بنيّة.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وخبر "الصحيحين": أنه ﷺ "اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواخر، ولازمه حتى توفّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده". وهو من الشرائع القديمة، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٢٥] (٢).
(يُدْنِي) بضم أوله، من الإناء، رباعيّا، وهو التقريب: أي يقرّب (إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ) من الترجيل، وهو التسريح: أي أُسرّح شعر رأسه. وقوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَرَوَاهَا) أي هذه الرواية (بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الأصبحيّ، تقدّمت ترجمته في أوائل الشرح (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشيّ، أبي بكر الفقيه الحافظ الحجة المتفق على جلالته وإتقانه، تقدّمت ترجمته أوائل هذا الشرح (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زُرَارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة ﵂، قال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وقال أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي: سمعت ابن المديني ذكر عمرة بنت عبد الرحمن، ففَخّم أمرها، وقال: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأَثباتِ فيها. وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقال: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة. وقال ابن المديني عن سفيان: أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة. وقال شعبة عن محمد بن عبد الرحمن: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة. قال شعبة: وكان عبد الرحمن بن القاسم يسألها عن حديث عائشة. وقال ابن سعد: كانت عالمة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة. وقال نوح بن حبيب الْقُومَسِيّ: من قال عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة فقد أخطأ، إنما هو وَلَدُ سعد بن زرارة، وهو أخو أسعد، فأما أسعد فلم يكن له عقب، وإنما الولد لسعد، وإنما غلط الناس؛ لأن المشهور هو أسعد، سمعت ذلك من علي بن المديني، ومن الذين يعرفون نسب الأنصار. قال أبو حسان الزيادي: يقال: ماتت سنة ثمان وتسعين. وقيل: ماتت سنة
стр. 932
ست ومائة، وهي بنت سبع وسبعين. وقال ابن أبي عاصم: ماتت سنة ثلاث ومائة. أخرج لها الجماعة. ولها في "صحيح مسلم" (٣٦) حديثًا.
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
خلاصة ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى بهذا المثال أن الإرسال يوجد بين المتلاقيين، بل ممن أكثر السماع من شخص، حيث إن عروة مع كثرة سماعه عن عائشة ﵂ أرسل هذا الحديث، فأسقط الواسطة بينه وبين عائشة، وهي عمرة، فثبت بذلك أن السماع لا يمنع من إمكان الإرسال، فإذا كان كذلك، فلا فرق بينه وبين من عاصر، مع إمكان اللقاء، والسماع، فكما نحمل معنعنه على السماع فكذلك نحمل رواية المعاصر الموصوف بما ذُكر على السماع حتى يأتي ما يناقضه. هذا خلاصة ما أشار إليه رحمه الله تعالى.
وقد ناقشه الحافظ ابن رُشيد رحمه الله تعالى في هذا، فقال: ما نصّه:
ثم قلت: وروى هشام عن أبيه، عن عائشة: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إليّ رأسه، فأرجله وأنا حائض"، فرواها بعينها مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
قلت: وهذا أيضا من ذلك القبيل (١) حَكَمتَ فيه أن من نقص عمرة، فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب، عن عروة وعمرة معًا، عن عائشة ﵂، وهو الذي اعتمده البخاري، فقال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليّ رأسه، وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفًا" (٢).
وأما أنت فظهر من فعلك في كتابك أنك لم يَصْفُ عندك كَدَرُ الإشكال في هذا الحديث، فأوردت في كتابك حديثَ مالك مُصَدِّرًا به، بناءً على اعتقادك فيه الاتصال، وفي غيره الانقطاع، فقلت: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه، فأُرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
стр. 933
ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك، من أنك لا تُكَرِّر إلا لزيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد؛ لعلة تكون هناك، فقلت: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا ليث ﵀ وحدثنا محمد بن رُمْح، قال: أخبرنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة ابنة عبد الرحمن: أن عائشة ﵂ زوج النبيّ ﷺ قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة، وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليّ رأسه، وهو في المسجد، فأُرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا". وقال ابن رمح: "إذا كانوا معتكفين".
فقد بَيَّنَ الليثُ في حديثه عندك، وعند البخاري أنه له عنهما.
وقد كان يمكننا أن نقول: إنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة بهذا السياق الأتم، وعن عروة فقط مختصرًا، لولا ما أورده البخاري عن ابن شهاب عن عروة وعمرة مختصرًا أيضًا، وقد كفى الإمام أبو عبد الله البخاري مؤونة البحث، وبَيَّن أنه عند عروة مسموع من عائشة ﵂، فذكر رواية هشام عن أبيه، بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة: أخبرتني عائشة ﵂.
وذكر الحديث في "كتاب الحيض" من "صحيحه" في "باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله"، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال: أنا هشام بن عروة، عن عروة أنه سئل أتخدمني الحائض، أو تدنو مني المرأة، وهي جنب؟ فقال عروة: كل ذلك علي هَيّن، وكل ذلك تَخدُمني، وليس على أحد في ذلك بأس، أخبرتني عائشة ﵂ "أنها كانت تُرَجِّل رسول الله ﷺ ، وهي حائض، ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد، يدني لها رأسه، وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض".
فهذا نصّ جليٌّ على سماع عروة من عائشة ﵂، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم ﵀ من انقطاع رواية مَنْ أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة ﵂.
ولم يقل فيه أحد: عن عروة عن عمرة إلا مالك ﵀، وأنس ابن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فتابع مالكًا، والجمهور على خلافهما، بَيَّنَ ذلك الإمام أبو الحسن الدارقطني في جزء له جمعه في الأحاديث التي خولف فيها مالك ﵁، فقال: روى مالك في "الموطإ" عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرجله".
خالفه عقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، فرووه عن الزهري،
стр. 934
عن عروة وعمرة، عن عائشة ﵂. وقيل ذلك عن الأوزاعي، وتابعهم ابن جريج، والزُّبَيديّ، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن بن نَمِر، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بُدَيل، وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، لم يذكروا فيه عمرة، ويشبه أن يكون القول قولهم؛ لكثرة عددهم، واتفاقهم على خلاف مالك.
وقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فوافق مالكًا، ولا نعلم أحدًا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية، عن عبيد الله. والله أعلم. انتهى كلام الدارقطني ﵀.
قال ابن رُشيد: قلت -والله المرشد-: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا، ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة ﵂، كما بينه البخاري من طريق ابن جريج، حيث قال: أخبرتني عائشة ﵂، ويؤيد ذلك أن مالكًا رضوان الله عليه، قد اختُلف عليه في هذا الحديث كما نبينه، فروايته فيه مضطربة.
قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: هكذا قال مالك في هذا الحديث: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة ﵂، كذلك رواه عنه جمهور رواة "الموطإ"، قال: وممن رواه كذلك فيما ذكر الدارقطني مَعْن بن عيسى، والقعنبي، وابن القاسم، وأبو المصعب، وابن بُكير، ويحيى بن يحيى -يعني النيسابوري- وإسحاق بن الطباع، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ورَوْح بن عبادة، وأحمد بن إسماعيل، وخالد بن مخلد، وبشر بن عمر الزهرانيّ.
قال ابن رُشيد: وذكر أبو عيسى الترمذي عن مالك خلاف ذلك، فإذا كان الأمر هكذا، فيُرجَع إلى الاعتماد على رواية الليث، فإنها فيما علمت لم تضطرب، ولم يُختَلَف عليه، وقد بَيّنَ ذلك الإمام أبو عيسى الترمذي في "جامعه"، فشفى وكفى، يرحمه الله، فقال: حدّثنا أبو مصعب المدني قراءةً، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ﵂. وروى بعضهم عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة ﵂، والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة ﵂. وهكذا روى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ﵂، نا بذلك قتيبة، عن الليث. انتهى كلام أبي عيسى، حاكما بأن الصحيح عن عروة وعمرة، وقاضيًا في ظاهر الأمر بأن قول مالك الموافق للجماعة أولى من قوله
стр. 935
المخالف لهم (١). والله الموفق.
وذلك خلاف ما ظهر من أبي عمر بن عبد البر من أن الصحيح عن مالك ما رواه عنه الجماعة من قولهم: عن عروة عن عمرة إلا أن أبا عمر لم يتعرض للصحيح في نفس الأمر ما هو؟ .
وفيما ذكره أيضا أبو عمر، عن الدارقطني، من أن رواية أبي المصعب مثلُ رواية من سَمَّى معه خلاف لما قاله أبو عيسى الترمذيّ، عن أبي المصعب، وما قاله أبو عيسى عنه أولى، فإنه سمع ذلك منه قراءةً. انتهى كلام ابن رشيد رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة تعقّب ابن رشيد على المصنّف رحمهما الله تعالى أن المصنّف أراد ترجيح الإرسال على الوصل في هذا الحديث، فتعقّبه بأن كلا الطريقين صحيحان، ولذلك أخرجهما البخاريّ في "صحيحه" من كليهما، فأخرجه من طريق ابن شهاب، عن عروة وعمرة، جميعًا عن عائشة ﵂، وأخرجه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وقد وقع تصريح عروة بأن عائشة ﵂ أخبرته، فثبت بهذا أن الحديث ثابت بالوجهين، فلا يصلح لما أراده المصنّف.
وهذا الذي ذهب إليه ابن رُشيد من تصحيح الحديث بكلتا الطريقين هو الصواب عندي، فتبيّن بهذا أنه لم يتمّ غرض المصنّف من تمثيله بهذا الحديث، فتأمّل بإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بالحديث المذكور:
(المسألة الأولى): في تخريجه:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه المصنّف هنا، وفي "الحيض" (٢٩٧) وأخرجه (البخاريّ) في "الاعتكاف" (٢٠٨) و (٢٠٢٩) و (٢٩٦) و (أبو داود) في "الصوم" (٢١١) و (٢١٢) و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٣٣) و (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" (٢٣١٠٥) و ٢٣٣٨٠ و ٢٤٩٠٧ و ٢٥٠٦٠ و (مالك) في "الاعتكاف" ٦٠٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): استحباب الاعتكاف في المسجد. (ومنها): خدمة المرأة زوجها، وقد
стр. 936
تقدّم البحث عنه قريبًا. (ومنها): أن خروج جزء من المعتكف عن المسجد لا يُبطل الاعتكاف. (ومنها): أن للحائض أن تتناول بيدها شيئا في المسجد، وإنما تُمنع أن تدخل فيه، لا أن يدخل جزؤها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى زيادة في الأمثلة:
(وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ"، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، فِي هَذَا الْخَبَرِ، فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا، وَهُوَ صَائِمٌ").
(وَرَوَى الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّمت ترجمته (وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ) المدنيّ، رَوَى عن عبد الله بن حنظلة الراهب، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قتادة. وروى عنه ابن أبي ذئب، وخالد بن إلياس، وبكير بن الأشجّ.
قال الترمذي: سمعت محمدا يقول: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي رَوَى عنه ابن أبي ذئب ثقة. وقال النسائيّ: مجهول. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الخامسة. انتهى. تفرّد به الترمذيّ، والنسائيّ.
[تنبيه]: قال النوويّ في "شرحه": قوله: ورَوَى الزهريّ، وصالح بن أبي حسان، هكذا هو في الأصول ببلادنا، وكذا ذكره القاضي عياض عن معظم الأصول ببلادهم، وذكر أبو عليّ الغسانيّ أنه وُجِد في نسخة الرازيّ أحدِ رُواتهم: "صالح بن كيسان"، قال أبو عليّ: وهو وَهَمٌ، والصواب صالح بن أبي حسان، وقد ذكر هذا الحديث النسائيّ وغيره من طريق ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة.
قال النوويّ: قال الترمذيّ، عن البخاريّ: صالح بن أبي حسان ثقة، وكذا وثقه غيره، وإنما ذكرتُ هذا لأنه ربما اشتبه بصالح بن حسان، أبي الحارث البصريّ المدينيّ، ويقال: الأنصاريّ، وهو في طبقة صالح بن أبي حسان هذا، فإنهما يرويان جميعا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنهما جميعًا ابنُ أبي ذئب، ولكن صالح ابن حسان متفق على ضعفه، وأقوالهم في ضعفه مشهورة. وقال الخطيب البغدادي في "الكفاية": أجمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج بصالح بن حسان هذا؛ لسوء حفظه،
стр. 937
وقلة ضبطه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال.
رَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبادة بن الصامت، وقيل: لم يسمع منهما، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وابن أبي أسيد، وأسامة بن زيد، وحسان بن ثابت، ورافع بن خديج، وثوبان، ونافع بن عبد الحارث، وعبد الله بن سلام، وأبي هريرة، وعائشة ﵂، وأم سلمة، وفاطمة بنت قيس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
وروى عنه ابنه عمر، وأولاد إخوته: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن، والأعرج، وعمرو بن الحكم بن ثوبان، وعروة بن الزبير، والزهري، وخلق كثير.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: كان ثقة فقيها كثير الحديث، وأمه تُماضر بنت الأصبغ الكلبية، يقال: إنها أدركت النبي ﷺ ، وقال: مات سنة أربع وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال مالك بن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم، اسم أحدهم كنيته، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال معمر عن الزهري: أربعة من قريش وجدتهم بحورًا، سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: وكان أبو سلمة كثيرًا ما يخالف ابن عباس، فحُرِم لذلك من ابن عباس علمًا كثيرًا. وقال عُقيل عن الزهري: قال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وأنا بمصر: لقد تركت رجلين من قومك، لا أعلم أكثر حديثا منهما: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال أبو زرعة: ثقة إمام. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات قريش، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: أربع ومائة. وجزم ابن سعد، والزبير بن بكار بأن اسمه عبد الله. وقال ابن عبد البر: هو الأصح عند أهل النسب. وقال الجِعَابيّ: اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد الله، وهكذا قال الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عبدِ الله بن عبد الرحمن بن عوف، قال: وقيل: اسمه إسماعيل، زاد ابن سعد: ولَمّا وَلِيَ سعيد بن العاص لمعاوية المرة الأولى استَقْضَى أبا سلمة على المدينة.
وقال في "التقريب": ثقة مكثرٌ، من الثالثة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢١٤) حديثًا.
стр. 938
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، أنها قالت (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ) بضم أوله، وتشديد الموحّدة، من التقبيل، وهو اللَّثْم (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال.
(فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أبو نصر اليماميّ الحافظ الطائي مولاهم، واسم أبيه صالح بن المتوكل، وقيل: يسار، وقيل. نشيط، وقيل: دينار.
روى عن أنس وقد رآه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهلال بن أبي ميمونة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ويعلى بن حكيم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهما من أقرانه، والأوزاعي، وروى هو أيضا عنه، وحسين المعلم، ومعمر بن راشد، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائي، وخلق كثير.
قال وهيب عن أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى. وقال ابن عيينة: قال أيوب: ما أعلم أحدا بعد الزهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى. وقال القطان: سمعت شعبة يقول: يحيى أحسن حديثا من الزهري. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى من أثبت الناس، إنما يُعَدّ مع الزهري، ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري فالقول قول يحيى. وقال العجلي: ثقة كان يُعَدّ من أصحاب الحديث. وقال أبو حاتم: يحيى إمام لا يحدث إلا عن ثقة. ورَوَى عن أنس مرسلًا، وقد رأى أنسا يصلي في المسجد الحرام رؤية، ولم يسمع منه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العُبّاد، وكان يدلّس، فكلّ ما روى عن أنس، فقد دلّس عنه، لم يسمع من أنس، ولا من صحابيّ. وقال العقيليّ: كان يُذكَر بالتدليس.
قال عمرو بن علي: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقال غيره: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، لكنه يدلّس ويرسل، من الخامسة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٠٢) من الحديث.
(فِي هَذَا الْخَبَرِ) متعلّق بـ "قال" (فِي الْقُبْلَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، أو متعلّقٌ بصفة لـ "الخبر" أي في هذا الخبر الكائن في قبلة الصائم، و"القبلة" بضمّ، فسكون: اسم من التقبيل.
وقوله: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مقول "قال يحيى"، وأبو سلمة هو المذكور في السند الماضي (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى في رجب سنة (١٠١ هـ) (أَخْبَرَهُ) أي أبا سلمة (أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ) أي عمرَ بن عبد العزيز.
стр. 939
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": هذه الرواية اجتمع فيها أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، أولهم يحيى بن أبي كثير، وهذا من أطرف الطُّرَف، وأغرب لطائف الاسناد، ولهذا نظائر قليلة في الكتاب وغيره، سيمر بك -إن شاء الله تعالى- ما تيسر منها، وقد جمعت جملة منها في أول شرح "صحيح البخاري" ﵀، وقد تقدم التنبيه على هذا.
وفي هذا الإسناد لطيفة أخرى، وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن أبا سلمة من كبار التابعين، وعمر بن عبد العزيز من أصاغرهم سِنّا، وإن كان من كبارهم علمًا وقدرًا ودينًا وورعًا وزهدًا، وغير ذلك. انتهى (١).
(أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ) أي عروة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا) أي عائشة ﵂ (وَهُوَ صَائِمٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا تقوية ما سبق له من إلزام خصمه بأن اللقاء، بل السماع لا ينفي الإرسال، فقد أرسل أبو سلمة هذا الحديث في الرواية الأولى بإسقاط واسطتين، وهما عُمر بن عبد العزيز، وعروة، كما بينته الرواية الثانية، فإذا كان الأمر كذلك فإن المعاصرة بشرطها السابق كافية للحكم بالاتصال. هذا خلاصة ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى.
وقد تعقّبه ابن رُشيد ﵀، ونصّ عبارته:
ثم قلت: ورَوَى الزهري، وصالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ ، يقبل وهو صائم"، فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: أخبرني أبو سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن عروة أخبره، أن عائشة ﵂ أخبرته، أن النبي ﷺ "كان يقبلها وهو صائم".
فزاد يحيى -كما تراه- في الإسناد رجلين نَصّا على الإخبار، فاعتمدت في كتابك على حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنه زاد في الإسناد، والحكم عندك لمن زاد، ولسنا نُسَلّم ذلك، فإن أبا سلمة معلوم السماع من عائشة ﵂، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار، وهو معلوم السماع من أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، ذكر سماعه منهما البخاري فيما حكاه القاضي أبو الفضل (٢) وغيره، فتَقَوَّى به جانب الزهري.
стр. 940
ومع ذلك فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة، عن عائشة ﵂، ويكون عنده أيضا عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأَرَبٍ له في ذلك، فأعد نظرًا في هذا الحديث، فإنه لا يصفو من كدر العلة. انتهى كلام ابن رشيد باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل مناقشة ابن رُشيد للمصنف أن إلزامه خصمه بهذا الحديث يعود إلى ترجيح زيادة يحيى على نقص الزهريّ، ولكن هذا الترجيح غير مسلّم؛ لأن الظاهر أن العكس هو الأرجح؛ لأن يحيى، وان كان إمامًا لكن جانب الزهريّ أقوى؛ لمتابعة صالح بن أبي حسّان له، وهو وإن تَكَلّم فيه بعضهم، إلا أنه صالح للمتابعة، على أنه يحتمل تصحيح الطريقين جميعًا، كما سبق في نظائره، فيُحمل على أن أبا سلمة سمعه عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂، ثم سمعه عن عائشة ﵂ نفسها، فذكره بالوجهين.
وهذا الاحتمال هو الذي صرّح به ابن حبّان في "صحيحه"، حيث قال: سمع هذا الخبر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂، وسمعه من عائشة ﵂ نفسها، والدليل على صحّته أن معمرًا قال: عن الزهريّ، عن أبي سلمة قال: قلت لعائشة ﵂ في الفريضة والتطوّع؟ فمرّة أدّى الخبر عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂، وأخرى أدّى الخبر عنها نفسها. انتهى.
وتصريح أبي سلمة بالسماع له عن عائشة ﵂ وقع عند النسائيّ في "الكبرى" ٢/ ٢٠٠ و ٢٠١ وعند ابن حبّان رقم (٣٥٤٥ - إحسان).
وقال الشيخٍ المعلّميّ: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه بنزول توقيرًا لعمر بن عبد العزيز، وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتّهام أبي سلمة بالتدليس. انتهى.
والحاصل أن احتجاج المصنّف بهذا الحديث على خصمه في المسألة لا يسلّم له؛ لأنا إن سلكنا مسلك الترجيح، فالنقص هو الراجح، وهو خلاف مقصوده، وإن سلكنا مسلك الجمع، فالحديث صحيح بالوجهين، فلا يكون محل حجة له أيضًا. فتأمّل بإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 941
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في تخريجه:
أما رواية الزهريّ وصالح بن أبي حسّان، فأخرجها (أحمد) في "مسنده" ٦/ ٢٥٦ من طريق حماد بن خالد، و (النسائيّ) في "الكبرى" ٢/ ٢٠٠ من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن أبي ذئب به. وقد اختُلف على ابن أبي ذئب، فرواه حسين المروزيّ عند أحمد ٦/ ٢٢٣ عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ وحده، وقد رواه ابن أبي فُديك عند النسائيّ في "الكبرى" ٢/ ٢٠٠ عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة به.
وأما رواية يحيى بن أبي كثير، فأخرجها (مسلم) ٣/ ١٣٦ و (النسائيّ) في "الكبرى" ٢/ ٢٠٢ و (الباغنديّ) في "مسند عمر" ص ١٠٣ من طريق شيبان، ومعاوية بن سلّام جميعًا عن يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عنها. وأخرجه (أحمد) في "مسنده" ٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠ من طريق شيبان وحده، وكذا (الدارميّ) في "مسنده" ٢/ ١٢ و (ابن حبان) في "صحيحه" ٣٥٣٩ "إحسان". والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): جواز القبلة للصائم. قال النوويّ في "شرحه": قال الشافعي والأصحاب: القبلة في الصوم على من لم تُحَرّك شهوته، لكن الأولى له تركها، ولا يقال: إنها مكروهة له، وإنما قالوا: إنها خلاف الأولى في حقه، مع ثبوت أن النبي ﷺ كان يفعلها؛ لأنه كان يؤمن في حقه مجاوزة حد القبلة، ويخاف على غيره مجاوزتها، كما قالت عائشة ﵂: "كان أَمْلَكَكُم لإِرْبه"، وأما من حركت شهوتَهُ فهي حرام في حقه على الأصح، عند أصحابنا، وقيل: مكروهة كراهة تنزيه. قال القاضي عياض: قد قال بإباحتها للصائم مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين، وأحمد، وإسحاق، وداود، وكرهها على الإطلاق مالك، وقال ابن عباس، وأبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعي: تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك. ورَوَى ابن وهب عن مالك ﵀ إباحتها في صوم النفل دون الفرض، ولا خلاف أنها لا تُبطل الصوم إلا أن يُنزِل المنيّ بالقبلة.
واحتجوا له بالحديث المشهور في "السنن" (١)، وهو قوله ﷺ : "أرأيت لو
стр. 942
مضمضت"، ومعنى الحديث أن المضمضة مُقَدَّمة الشرب، وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمةٌ للجماع فلا تفطر، وحَكَى الخطابي وغيره عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب أن مَن قَبَّل قَضَى يوما مكان يوم القبلة. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من جواز القبلة للصائم؛ لهذا الحديث، إلا لمن خاف إفساد صومه. والله تعالى أعلم.
(ومنها): جواز إخبار الشخص عما يكون بينه وبين أهله من مثل ما ذُكِر على الجملة دون التفسير، فإن ذلك منهيّ عنه، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجلُ يُفضِي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها".
(ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن المعاشرة لأهله؛ قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال: "إنما بعثتُ لأتمم صالح الأخلاق" (٢)، وقال أيضًا: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (٣).
(ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال رحمه الله تعالى:
(وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَة وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِر، قَالَ: "أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ"، فَرَوَاه حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
(وَرَوَى) سفيان (بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة المكيّ، تقدّمت ترجمته (وَغَيْرُهُ) هو الحسين بن واقد المروزيّ، كما سيأتي بيانه (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) الجمحيّ المكيّ أحد الأعلام الحفّاظ، تقدّمت ترجمته (عَنْ جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، تقدّمت ترجمته، أنه (قَالَ:
стр. 943
أَطْعَمَنَا) أي أباح لنا (رَسُولُ الله ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ) أي أكلها، والخيل بفتح، فسكون: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائلٌ؛ لأنه يَختال، جمعه أخيال، وخيول بالضمّ، ويُكسر. قاله في "القاموس". وقال في "المصباح":
الخيل معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ، قال بعضهم: وتُطلق الخيل على العراب، وعلى البراذين، وعلى الْفُرسان، وسمّيت خيلًا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا. انتهى (١). (وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) بضمّتين: جمع حمار، وهو الذكر، والأنثى أَتَانٌ، وحمارة بالهاء نادر، ويُجمع أيضًا على حَمِير.
(فَرَوَاهُ) أي هذا الحديث (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل الْجَهْضميّ البصريّ الحافظ أحد الأعلام، تقدّمت ترجمته (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار المذكور في السند الماضي (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أبي جعفر الإمام المعروف بالباقر، تقدّمت ترجمته (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا أيضًا إلزام خصمه بأن اللقاء والسماع لا يمنعان من الإرسال، فإن لقاء عمرو بن دينار لجابر بن عبد الله ﵄، وسماعه منه ثابتٌ بيقين، ومع ذلك فقد أخذ عنه هنا بواسطة محمد بن عليّ، وأسقطه في رواية سفيان بن عيينة.
وحاصل ما أشار إليه إعلال رواية ابن عيينة الناقصة برواية حماد بن زيد الزائدة. هذا حاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى.
وتعقّبه ابن رُشيد رحمه الله تعالى، فقال: قلت: وهذا أيضًا من ذلك القَبِيل، حَكَمتَ فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك، وليس حماد بن زيد ممن يُضَاهَى بسفيان بن عيينة، لاسيما في عمرو بن دينار، فهو المليّ به الثبت فيه المقدم على غيره، قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: من أثبت في عمرو بن دينار، سفيان أو محمد بن مسلم؟ فقال: سفيان أثبت في عمرو بن دينار من محمد بن مسلم، ومن داود العطار، ومن حماد بن زيد، سفيان أكثر حديثًا منهم عن عمرو وأسند، قيل: فابن جريج؟ قال: هما سواء. قال عثمان بن سعيد: قال يحيى بن معين: ابن عيينة أحبّ إليّ في عمرو بن دينار من سفيان الثوري، وهو أعلم به، ومن حماد بن زيد، قلت: فشعبة؟ قال: قال: وأيّ شيء عند شعبة عن عمرو بن دينار؟ إنما يروي عنه نحوا من مائة حديث.
стр. 944
وقال سفيان بن عيينة: جالست عمرو بن دينار ثنتين وعشرين سنة (١).
فكيف يُقَدَّم أحد على من هذه حاله في عمرو؟ مع أن عمرا معلوم بالرواية عن جابر، وقد تابع سفيان على قوله الحسين بن واقد، ذكر ذلك النسوي.
وما أرى محمد بن علي في هذا الموضع إلا من المزيد في متصل الأسانيد. والله أعلم. انتهى كلام ابن رُشيد رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما تعقّب به ابن رُشيد أنه يرى ترجيح رواية سفيان الناقصة على رواية حماد بن زيد الزائدة، خلاف ما يراه المصنّف، وذلك لسببين: أحدهما: كون سفيان أثبت في عمرو بن دينار من حمّاد بن زيد، كما قاله ابن معين، والثاني: متابعة الحسين بن واقد لسفيان، كما ذكر ذلك النسائيّ. هذا خلاصة تعقّبه.
لكن الذي يظهر لي أن رواية حماد الزائدة هي الراجحة، كما رآه المصنّف، ولذا أخرجها الشيخان، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه" ٧/ ١٢٣ "باب لحوم الخيل"، وأخرجها مسلم في "صحيحه" ٦/ ٦٥ - ٦٦ "باب أكل لحوم الخيل"، ولم يخرجا رواية سفيان؛ لكونها مرسلة.
قال الحافظ صلاح الدين العلائيّ ﵀ في "جامع التحصيل" (ص ١٣٠) تحت القسم الذي يُحكم فيه بالإرسال إذا لم يُذكر فيه المزيد، فمن أمثلته: حديث جابر هذا، وقال: وظاهر كلام مسلم حمه الله ترجيح الحكم بالإرسال على الرواية الناقصة، ثم قال: وحاصل الأمر أن الراوي متى قال: عن فلان، ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة، فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يُدخل الواسطة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يُعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلّسة. انتهى.
وعمرو بن دينار قد وُصف بالتدليس، وصفه به الحاكم أبو عبد الله في "معرفة علوم الحديث"، وقال: عامّة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة (٣).
стр. 945
وأخرج أحمد في "مسنده" ٣/ ٣٦٨ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "كنا نعزل ... " قال شعبة: قلت لعمرو: أأنت سمعته من جابر؟ قال: لا. انتهى. وهذا هو التدليس.
وأخرج الحميديّ في "مسنده" ٢/ ٥٢٨ قال: حدثنا سفيان، ثنا عمرو، قال: قال جابر: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ... ". وحدثنا سفيان، ثنا عمرو قال: قال جابر بن عبد الله: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة". قال سفيان: وكلّ شيء سمعته من عمرو بن دينار قال لنا فيه: سمعت جابرًا، إلا هذين الحديثين، فلا أدري بينه وبين جابر فيهما أحدٌ أم لا؟ . انتهى.
والحاصل أن عمرو بن دينار ممن ثبت تدليسه، فلا تقبل عنعنته، بل لا بدّ من تصريحه بالسماع في الطريق الناقصة، حتى يُقال: إن الزائدة من المزيد في متّصل الأسانيد، ولذلك قال الحافظ في "الفتح": والحقّ أنه إن وُجدت رواية فيها تصريح عمرو بالسماع من جابر، فتكون رواية حماد من المزيد في متّصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتّصلة. انتهى (١).
وأما قول ابن حبّان في "صحيحه" (٥٢٦٨) بعد أن أخرج رواية سفيان: ما نصّه: يشبه أن يكون عمرو بن دينار لم يسمع هذا الخبر من جابر، لأن حماد بن زيد رواه عن عمرو، عن محمد بن عليّ، عن جابر، ويَحتمل أن يكون عمرو سمع جابرًا، وسمع محمد بن عليّ، عن جابر. انتهى.
فهذا الاحتمال الثاني إنما ينفع فيمن لم يوصف بالتدليس، وأما من وُصف بالتدليس كعمرو بن دينار، فإنه يُحمل على أنه مما دلّسه، فتكون رواية سفيان الناقصة منقطعة؛ لما أسلفناه من الأدلة.
وقد شرط مسلم في الأحاديث التي ساقها لإلزام خصمه سلامة رواتها من التدليس، وهذا الحديث لم يسلم منه.
والحاصل أن تعقّب ابن رُشيد ترجيح المصنّف لرواية حماد الزائدة على رواية سفيان الناقصة لا وجه له، بل ما رآه المصنّف هو الحقّ؛ لما أسلفناه.
لكن احتجاجه لإلزام خصمه بمثل هذا، وإن كان الإرسال فيه راجحًا -كما رآه- غير مسلّم؛ لأن ترجيح الإرسال هنا حكم جزئيّ فلا يكفي لبناء القاعدة الكليّة، وقد
стр. 946
عرفت أن أدلّته الأخرى التي أوردها كلها مخدوشة، فلا ينفعه هذا الواحد، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بحديث جابر ﵁ هذا:
(المسألة الأولى): في تخريجه:
أما رواية سفيان بن عيينة، فقد أخرجها (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٥٤) و (الشافعيّ) في "الأم" ٢/ ١٧٢ و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ٨/ ٢٥٦ و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٨٧٣٤) والترمذيّ في "جامعه" في "الأطعمة" (١٧٩٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" ٣/ ١٥٩ و (ابن حبان) في "صحيحه" (٥٢٦٨) و (الدارقطنيّ) في "سننه" ٤/ ٢٨٩ و (البيهقيّ) في "المعرفة" ١٤/ ٩٥.
وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ورواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ، عن جابر، ورواية ابن عيينة أصحّ، وسمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: سفيان أحفظ من حماد بن زيد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن الأرجح رواية حماد، ولذا أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فنقل الترمذي عنه قوله: سفيان أحفظ من حماد بن زيد لا يستلزم ترجيحه في هذه الرواية، كما يدلّ على ذلك عمله في "صحيحه". فتفطّن. والله تعالى أعلم.
وأما رواية حماد بن زيد فأخرجها (البخاريّ) في "صحيحه" في "المغازي" (٤٢١٩) وفي "الذبائح" (٥٥٢٠) و (٥٥٢٤) و (مسلم) في "الصيد" (١٩٤١) و (أبو داود) في "سننه" (٣٧٨٨) و (النسائيّ) في "الصيد" ٧/ ٢٠١ و (الطحاويّ) ٤/ ٢٠٤ و (ابن الجارود) (٨٨٥) و"البيهقيّ" في "الكبرى" ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧ و"البغويّ" في "شرح السنة" (٢٨١٠). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الخيل:
ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن أكلها مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفَضَالة بن عُبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسُوَيد بن غَفَلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشُريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود الظاهريّ، وجماهير المحدثين، وغيرهم.
وكرهها طائفة منهم: ابن عباس، والحَكَم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله، ولا يُسَمَّى حرامًا.
стр. 947
واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]، ولم يذكر الأكل، وذَكَرَ الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدم، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، وكلِّ ذي ناب"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من رواية بقيّة بن الوليد، عن صالح بن يحيى، وقد اتفق العلماء، من أئمة الحديث وغيرهم، على أنه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، رَوَى الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ قال: هذا حديث ضعيف، قال: ولا يعرف صالح بن يحيى، ولا أبوه. وقال البخاريّ: هذا الحديث فيه نظر. وقال البيقهيّ: هذا إسناد مضطرب. وقال الخطابيّ: في إسناده نظر. قال: وصالح بن يحيى، عن أبيه، عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض. وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائيّ: حديث الإباحة أصح، قال: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا.
واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أُخَر صحيحةٍ، جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث، وأما الآية فأجابوا عنها بأن ذِكْرَ الركوب والزينة لا يدل على أنّ منفعتهما مختصة بذلك، فإنما خُصَّ هذان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فذَكَرَ اللحم؛ لأنه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه، ودمه، وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حَمْل الأثقال على الخيل، مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ الآية [النحل: ٧]، ولم يَلزَم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. قاله النوويّ في "شرحه" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من إباحة أكل لحوم الخيل هو الصواب؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الحمر الأهليّة:
ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى تحريم لحومها للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، كحديث عليّ ﵁: "إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسيّة"، وحديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ ﵁: "حرّم
стр. 948
رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهليّة". وحديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهليّة". وفي روايات أنه ﷺ وجد القُدُور تَغْلِي، فأمر بإراقتها، وقال: "لا تأكلوا من لحومها شيئًا"، وفي رواية: "نُهينا عن لحوم الحمر الأهلية"، وفي رواية أن النبيّ ﷺ قال: "أهريقوها، واكسروها"، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك"، وفي رواية: نادى منادي النبيّ ﷺ : "ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فانها رجس من عمل الشيطان"، وفي رواية: "ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس، أو نجس"، فأُكفئت القدور بما فيها. وكل هذه الأحاديث في "صحيح مسلم"، وغيره.
وقال ابن عباس ﵄: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة مباحة.
قال النوويّ: والصواب التحريم، كما قاله الجماهير؛ للأحاديث الصريحة.
وأما الحديث المذكور في "سنن أبي داود" عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سَنَةٌ، فلم يكن في مالي شيء أُطعم أهلي إلا شيء من حُمُر، وقد كان رسول الله ﷺ حَرَّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أصابتنا السَّنَةُ، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلا سِمَان حُمُر، وإنك حَرَّمتَ لحوم الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سَمِين حُمُرك، فإنما حرمتها من أجل جَوّال القرية"، يعني بالْجَوّال التي تأكل الْجَلَّة، وهي الْعَذِرة، فهذا الحديث مضطرب، مختلف الإسناد، شديد الاختلاف، ولو صَحَّ لحُمِل على الأكل منها في حال الاضطرار. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم أكل لحوم الحمر الأهليّة هو الحقّ للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي مرّ ذكر بعضها، وليس عند من أباحها دليلٌ صحيح يصلح للاعتماد عليه، وعلى تقدير صحته يُحمل على حالة الاضطرار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال رحمه الله تعالى:
(وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ).
(وَهَذَا النَّحْوُ) بالرفع على الابتداء، وخبره "كثير"، وقد ذُكر للنحو في كتب اللغة
стр. 949
عدّة معان، قال في "القاموس": "النحو": الطريق، والجهة، جمعه أنحاء، ونُحُوٌّ، والقصد، يكون ظرفًا، واسمًا، ومنه نحو العربيّة، وجمعه نُحُوّ، كعُتُلّ، ونُحِيّةٌ، كدَلْوٍ ودُلِيّةٍ. انتهى. وزاد الشارع: المثل، والنوع، والمقدار، والقسم، قالوا: هو على ثلاثة أنحاء. انتهى.
وقد نظم بعضهم معاني النحو المذكورة، فقال:
لِلنَّحْوِ سَبْعُ مَعَانٍ قَدْ أَتَتْ لُغَةً ... جَمَعْتُهَا ضِمْنَ بَيْتٍ مُفْرَدٍ كَمَلَا
قَصْدٌ وَمِثْلٌ وَمِقْدَارٌ وَنَاحِيَةٌ ... نَوْعٌ وَبَعْضٌ وَحَرْفٌ فَاحْفَظِ الْمُثُلَا (١)
والمناسب هنا من هذه المعاني هو النوع، أي وهذا النوع. والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي الرِّوَايَاتِ) متعلّق بـ (كَثِيرٌ) وقوله: (يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ"كثير"، والتعداد بالفتح مصدر عدّه، يقال: عدّ الشيءَ يعُدّ عَدّا، وتَعْدادًا: إذا أحصاه. أفاده في "اللسان" (وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا) أي من الروايات (كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ) أي لصاحب الفهم الكامل، فأل" للكمال، و"الفهم" أخصّ من العلم، قال في "القاموس": فَهِمَه كفرحِ فَهْمًا، ويُحرَّك، وهي أفصح، وفَهَامة -بالفتح- ويُكسر، وفَهَامِيَةً كعَلانيَةٍ: عَلِمه وعَرَفه بالقلب انتهى. قال الشارح: فيه إشارة إلى الفرق بين الفهم والعلم، فإن العلم مطلق الإدراك، والفهم سُرْعة انتقال النفس من الأمور الخارجيّة إلى غيرها، وقيل: تصوّر المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يَتحقَّق بها ما يُحسّن. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال رحمه الله تعالى:
(فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا إِمْكَانَ الْإِرْسَالَ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ، بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الّذِينَ نَقَلُوا الْأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ، يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا، وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا، فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ، وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ
стр. 950
أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَّشُوِا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الْأَسَانِيدِ، كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ، وَشُهِرَ بهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلَيسِ، فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الْأَئِمَّةِ).
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذا الكلام أنه إذا كان السبب عند هذا المنتحل المخترع في ردّه الحديث المعنعن إذا لم يُعلَم سماع المعنعِنِ للمعَنعَن عنه إمكان الانقطاع في ذلك الحديث لزمه بمقتضى رأيه هذا أن لا يقبل حديثا معنعنًا ولو كان يُعلم سماع المعَنعِن للمعنعن عنه، إلا في نفس الحديث الذي صرّح فيه بالسماع؛ لما سبق لنا من أن أئمة الحديث أحيانًا يَحذفون الواسطة، ويذكرون السند منقطعًا، وأحيانًا يذكرون الواسطة، فيُسندون الخبر على الصفة التي نقلوه بها عن مشايخهم، وذلك حسب توفّر نشاطهم، وعدمه، وما علمنا أحدًا من أئمة السلف الذين يتفقّدون صحة الأسانيد، وضعفها، مثل الأئمة الذين ذكرهم أنهم فتّشوا عن موضع السماع على الإطلاق كما ادّعاه المخترع المذكور، وإنما يفتّشون عنه إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس، فيبحثون عند ذلك عن تصريحه بالسماع؛ لتزول عنهم علة التدليس. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
وناقشه العلّامة ابن رُشيد رحمهما الله تعالى، فقال -بعد أن ساق كلام المصنّف المذكور-: ما نصّه:
ثم قلت رحمك الله: وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم ... ثم ساق عبارة المصنّف السابقة برمّتها إلى قوله: "عن أحد ممن سمينا، ولم نسمّ من الأئمة"، ثم قال: انتهى كلامه محتويا على ثلاثة فصول:
(الأول): سؤال النقض بإلزام التنصيص على السماع في كلّ حديث حديث، وقد تقصينا الكلام فيه قبلُ، وتقصينا عن عهدته بما أغنى عن الإعادة.
(الثاني): الحكم أيضًا على هؤلاء الأئمة الذين نقصوا من الإسناد رجلًا أو أكثر أنهم أرسلوا؛ لأنهم غير مدلسين، وهذا يقتضي أن كثيرًا من الأسانيد المعنعنة مرسلة.
(الثالث): أنهم إنما كان تَفَقُّدُ من تَفَقَّد منهم سماعَ رواية الحديث ممن رَوَى عنهم إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس.