← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه سلم، أما بعد: فقد سبق أن أخرج الشيخ الدكتور سليمان بن صالح الغصن «شرح العقيدة التدمرية» وأشرف على طبعه ونشره، وقد قام في ذلك بجهد مشكور، مما مكَّن طلاب العلم من الاستفادة من العقيدة التدمرية وشرحها، والتعليق عليه؛ فجزاه الله على ما قدم خير الجزاء. وقد تبين لي أن الشرح بحاجة إلى مزيد عناية في إخراجه، ونظراً إلى أن الشيخ عبد الرحمن بن صالح السديس قد أخرجَ شرحي: العقيدة الواسطية والطحاوية؛ رأيت أن يقوم بإعادة إخراج «شرح العقيدة التدمرية»؛ فتم ذلك بحمد الله. وقد قرأ عليَّ الشرح؛ فأضفت له: زيادة قليلة، وتعديلات في عبارات كثيرة، ووقفت على عمله من التحقيق والتعليق؛ فألفيته عملاً جليلاً، وأذنت له بطبعه ونشره. فجزاه الله خيراً على ما بذل من جهد في خدمة الكتاب. أملاه عبد الرحمن بن ناصر البراك

стр. 2

المقدمة الحمدُ لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسانَ ما لم يعلمْ، وصلى اللهُ على عبدِه ورسولِه، وخيرته من خلقِه، وخاتِم أنبيائه ورسلِه، محمدٍ، وآله، وصحبه، وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد: فإنَّ نعمةَ الهدايةِ للإسلام، والتوفيق لمذهب السنة والجماعة؛ أعظمُ نعمةٍ، فمن وُفِّق لذلك؛ فليكثرْ مِنْ حَمْدِ الله؛ فإنَّ أكثرَ الناسِ يَتخبَّطون في ظلماتِ الكفرِ، وضلالاتِ البدعِ وجهالاتِها، والمُوفَّقُ حقاً؛ مَنْ رُزق التوفيقَ للزوم مذهب أهل السنة والجماعة، والاستقامة على ذلك: علماً، وعملاً. وقد بُلِيَتْ هذه الأمة بالافتراق والبدع؛ كما حدث في الأمم قبلها، وكان لهذه البدع أئمةٌ مُنظِّرون لَبَسُوا على الناس دينهم، وبثوا من الشبهات ما ضلَّ بها خلقٌ كثيرٌ؛ لم يعتصموا بالكتاب والسنة، واستمعوا لأهل البدع، أو قرأوا كتبهم، أو جلسوا إليهم، وقصَّروا في تَعَلُّمِ العلم النافع، والحُججِ العقلية والنقلية، التي دلَّ عليها الكتاب والسنة، وقرَّرها أهلُ العلم والإيمان وأوضحوها. وقد كان من نعمةِ الله وفضله؛ أنَّه لم تخلُ هذه الأمة على مرِّ عصورها من قائمٍ لله بالحجة والبيان، يزيِّفُ ما يُحدِثه المُحْدِثون، ويفتريه المُفترون، ويبيِّنُ الحقَّ، وينصحُ الخلقَ.

стр. 3

وقد كتب علماء أهل السنة في ذلك كتباً يتعذَّر على العادِّ حصرها، وكان الإمامُ، أبو العباس، أحمد ابن تيمية ﵀ له اليد الطولى في ذلك، فقد كتب في نشر العقيدة الصحيحة، والدفاع عنها، وكشف شبهات المخالفين بأنواعهم؛ كتباً كثيرة، كان من أحسنها كتابُ: «تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع» (١)، المشهور ب «العقيدة التدمرية»، أو «الرسالة التدمرية»، وهو كتاب نفيس، حافلٌ بتقريرِ مذهب أهل السنة والجماعة، والتقعيد له، والرد على أصناف المخالفين من الفلاسفة، والمتكلمين: عقلاً، ونقلاً. ولما كان في الكتاب ردٌّ على هذه الطوائف، ودخولٌ في محاورات معها؛ كان فيه مواضع كثيرة قد يصعب على طالب العلم فهمها؛ لوجود مصطلحات وتعبيرات لم يسبق له دراستها، ولما كان هذا الكتاب المبارك قد قُرِّر تدريسه في بعض الجامعات في بلادنا؛ أصبح طلاب العلم بحاجة ماسة لشرح يسهِّل فهمه ويكشف عن غامضه، ويُظهر دُرَرَه. وكان ممن تولَّى شرحه في هذا العصر: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله فشرحه للطلاب في «كلية الشريعة» و «أصول الدين» بالرياض سنين عدداً، وكان قد سُجِّل الشرح صوتياً، وكُتِب في مذكرات؛ كان الطلاب يتداولونها بينهم، ثم اعتنى به تحقيقاً وتعليقاً الشيخ الدكتور سليمان بن صالح الغصن حفظه الله؛ حسب _________ (١) هكذا سماه مؤلفه شيخ الإسلام، كما في «مجموع الفتاوى» ١٦/ ٤٣٠.

стр. 4

خطة بيَّنها في صدر عمله، ثم قرأه على الشارح، وطُبع في مجلد عن دار «كنوز أشبيليا»، في عام ١٤٢٥ هـ، ففرح به طلبة العلم، وانتفعوا به. وقد وقع في الكتاب ملحوظات في الإخراج، والتحقيق، وكان الشرح أيضاً في مواضع منه بحاجة إلى زيادةِ بيانٍ، وشرح، وتوضيح. لذا رأى الشيخ حفظه الله أن يُعاد إخراجه، وعَهِد إليَّ أن أعتني به، ثم أقرأه عليه. فاستعنتُ بالله على ذلك، وكانت طريقة العمل في الإخراج كما يلي: ١ اتَّخذتُ النسخة المطبوعة من الشرح أصلاً. ٢ صحَّحتُ ما وقفت عليه فيها من أخطاء: طباعية، وإملائية، ونحوية. ٣ قابلتُ متن «التدمرية» في الشرح على الطبعة التي حققها الشيخ الدكتور محمد السعوي حفظه الله، وصححتُ ما وجدت من أخطاء. وهناك عدة مواضع كان ما أُثْبِتَ في متن «التدمرية» المفرد؛ خلاف الصواب، فأثبتُّ هنا ما رجَّحه الشارح بين معكوفين []، وأشرت في الهامش إلى المرجوح. وجعلت المتن باللون الأحمر في أعلى الصفحة. ٤ جعلتُ توثيق المعلومات حسب ورودها في الشرحِ لا في المتن، إلا ما ورد في المتن ولم يذكر في الشرح؛ فإني أخرجه وأوثقه عند وروده في المتن.

стр. 5

٥ اعتنيتُ بربط إحالات الشارح في الكتاب كقوله: «سيأتي» و «تقدم»، وهي كثيرة، وغيرها ممَّا لم يشر إليه، ولم أترك من ذلك إلا الإحالات القريبة. ٦ ربطتُ مسائل الكتاب العلمية بكتب الفنون، فمسائل «التفسير» بكتب «التفسير»، وهكذا مسائل «أصوله الفقه»، و «المنطق»، و «النحو»، و «البلاغة»، و «اللغة»، وغيرها. ٧ وثقَّتُ جميع النقول التي في الكتاب ممَّا ورد بنصه أو معناه؛ بل حتى ما أشير إليه إشارة، أو ورد عرضاً وهو موافق لنص؛ وثقته، ولا أذكر اسم المؤلف في الحاشية؛ لأنه مذكور في قائمة المراجع، إلا إذا كان اسم الكتاب متكرراً لأكثر من عالم. ٨ ترجمتُ للأعلام الذين ذُكروا في الكتاب، ولم أترك إلا المشاهير جدّاً؛ الذين يغلب على ظني أن أكثر القراء على دراية بتراجمهم. ٩ كتبتُ جملة من التعليقات؛ كدليل لقول، أو تعريف بمصطلح، أو تتمة تعريف، أو تقسيم، أو نسبة قول لقائله، أو بيان معنى غريب، ونحوها من الفوائد. ١٠ ضبطتُ بالحركات الكلمات التي قد تُشْكِل، وأخرى غيرها، واعتنيتُ كثيراً بعلامات الترقيم، وتقسيم فقرات الكتاب؛ لأنها تساعد على الفهم، مع ما فيها من إضافةِ جمالٍ للنص يشرح الصدر لقراءته.

стр. 6

١١ كتابة الآيات برسم المصحف، على رواية حفص عن عاصم، وعزوها إلى مواضعها من كتاب الله، وما يرد في المتن لا أعيد عزوه في الشرح مرة أخرى، طلباً للاختصار. ١٢ خرَّجتُ جميع الأحاديث، والآثار، والطريقة في التخريج ما يلي: (أ) إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما اقتصرت في العزو عليه، وأكتفي بموضع واحد. (ب) إذا كان الحديث في غير الصحيحين أُخرِّجه من أشهر المصادر وأهمها من غير استيعاب، وأنقل أهمَّ ما أجده من كلام لأهل العلم عليه تصحيحاً أو تضعيفاً، أو وجود شواهد، وأختصر في ذلك قدر الإمكان؛ إذ ليس هذا موضع استقصاء، وقد أُحيلُ للكتب المتخصصة في التخريج والعلل لمن أراد التوسع. (ج) أنبه في أثناء ذلك على ما رُوي منها بالمعنى. ١٣ ربطتُ كثيراً من مباحث الشرح بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكان الدكتور سليمان الغصن قد أحسن في هذا، فأفدت من عمله، وزدت عليه زيادات كثيرة جداً، والعزو إن كان لكتاب ضمن «مجموع الفتاوى» فسيكون باسمِهِ، ولمعرفة موضعه؛ تراجع قائمة المراجع في آخر هذا الكتاب. ١٤ قرأتُ الشرح كاملاً على الشيخ حفظه الله فصحَّح مواضع كانت غلطاً، وعدَّل عباراتٍ كثيرة جدّاً، وحذف أخرى، وقدَّم وأخَّر،

стр. 7

وجمع بعض المقاطع من المتن كانت مفرقة، وأضاف إضافات مفيدة تزيد على عشرين موضعاً بلغ بعضها نحو عشرة أسطر. كما أضاف مقدمة طويلة أثنى فيها على «العقيدة التدمرية»، ثم لخَّص مقاصدها، بعرض موجز يعطي تصوُّراً واضحاً لعامة مباحثها، ثم ختم المقدمة بذكر أهم القضايا التي تضمنتها «العقيدة التدمرية». وأضاف أيضاً عناوين للتوضيح في بداية جملة من المقاطع، وستُجعل في إطارات. وكنت أقترح على الشيخ زيادة إيضاح في بعض المواضع؛ فكان أحياناً يقول: «دعها للمُدرِّس»، وكلامه حفظه الله هذا من جنس قول الإمام الخليل بن أحمد: «من الأبواب ما لو شئنا أن نشرحه حتى يستوي فيه القوي، والضعيف؛ لفعلنا، ولكن يجب أن يكون للعالِمِ مزية بعدنا» (١). ١٥ وضعتُ بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للشارح، وأما ابن تيمية؛ فترجمته ميسورة في مواضع كثيرة؛ مفردة، وضمن كتب التراجم، وفي مقدمات جملة من كتبه. ١٦ صنعتُ للكتاب عدة فهارس: للآيات، والأحاديث، والآثار، والأشعار، والأعلام المترجَمين، وقائمة بالمراجع التي عزوتُ لها، وفهرساً شاملاً لمسائل الكتاب وفوائده، وفهرساً إجمالياً لموضوعاته. _________ (١) «شرح المفصل» ١/ ٢.

стр. 8

هذا، وقد بذلتُ وسعي ليخرج الكتاب في أحسن صورة، وأبهى حُلَّة، وأسأل الله أن أكون قد وفقت لذلك، وأن يكتب له القبول، كما أسأله تعالى أن يجزي أخي الدكتور سليمان الغصن خيراً على ما بذله من جهد في إخراج الكتابِ أولاً، وهذا العملُ إتمام لعمله: وهو بسبقٍ حائزٌ تفضيلاً … مستوجبٌ ثنائيَ الجميلا (١) كما أسأله أن يجزي الشيخ عبد الرحمن البراك خير الجزاء على بذله العلم، ونشره لطلابه، وتقريبه للأمة، وأساله تعالى أن يمدَّ في عمره على طاعته، وأن ينفع بعلمه المسلمين، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه؛ إنه تعالى جواد كريم. كتبه عبد الرحمن بن صالح بن عبد الله السديس الرياض ٠٥٠٨٠٣٢٢٤٠ assdais@gmail.com ٧/ ٦/ ١٤٣١ هـ _________ (١) «ألفية ابن مالك» ص ٩.

стр. 9

ترجمة الشارح الشيخ عبد الرحمن البراك اسمه ونسبه: عبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العرينات من قبيلة سبيع. ميلاده ونشأته: ولد الشيخ في بلدة «البكيرية» من منطقة «القصيم» في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ. وتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية. ولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى «مكة»، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك. وفي «مكة» التحق الشيخ بالمدرسة «الرحمانية»، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدَّر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره. طلبه للعلم ومشايخه: عاد من «مكة» إلى «البكيرية» مع أسرته، فشرع في حفظ القرآن على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم على الشيخ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريباً.

стр. 10

وفي حدود عام ١٣٦٤ - ١٣٦٥ هـ بدأ في حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل ﵀ جملة من كتاب «التوحيد»، و «الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل ﵀ «الأصول الثلاثة». ثم سافر إلى «مكة» مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريباً، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في «مكة» على إمام المسجد الحرام الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي ﵀ في «الآجرومية». وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، وهو الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح مديراً للمدرسة «العزيزية» في بلدة «الدلم» أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضياً في بلدة «الدلم»، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة «العزيزية» بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد «التجويد» الأساسية. وفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة «العزيزية»، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ ابن باز، ولازم دروسه المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه ﵀ في «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «عمدة

стр. 11

الأحكام»، و «بلوغ المرام»، و «مسند أحمد»، و «تفسير ابن كثير»، و «الرحبية»، و «الآجرومية». ومكث في «الدلم» في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيماً معه في بيته، ودَرَس عليه علم «العَروض». وحفظ في «الدلم»: «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «الآجرومية»، و «قطر الندى»، و «الرحبية»، وقدراً من «ألفية ابن مالك» في النحو، و «ألفية العراقي» في علوم الحديث. وبقي في «الدلم» إلى أواخر عام ١٣٧٠ هـ، وكانت إقامته هناك لها أثر كبير في حياته العلمية. ولما فتح «المعهد العلمي» في الرياض في محرم ١٣٧١ هـ التحق الشيخ به في القسم الثانوي، وكانت مدة الدراسة الثانوية أربع سنوات، فتخرج فيه عام ١٣٧٤ هـ، ثم التحق ب «كلية الشريعة» بالرياض، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ. ودرس في المعهد، والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم: العلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ودرسهم في «المعهد» «التفسير»، و «أصول الفقه»، والعلامة عبد الرزاق عفيفي، ودرسهم «التوحيد»، و «النحو»، و «أصول الفقه»، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وعبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان في النحو، وغيرهم، ﵏ جميعاً.

стр. 12

وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد. وأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثراً في نفسه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عاماً بدءاً من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم الشيخ صالح العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم «اللغة» من «نحو»، و «صرف»، و «عَروض». الأعمال التي تولاها: عُيِّن الشيخ مدرساً في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض سنة ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت «كلية أصول الدين» عام ١٣٩٦ هـ نقل إليها في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، وتولى تدريس العقيدة في الكُليتين إلى أن تقاعد عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية. وبعد التقاعد رغبت «الكلية» التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مراراً؛ فتمنَّع، ورضي منه شيخه أن ينيبه في «رئاسة الإفتاء» في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة «الطائف»، فأجاب الشيخ حياءً؛ إذ تولى العمل مرتين، ثم تركه.

стр. 13

وبعد وفاة العلامة ابن باز ﵀ طلب منه المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضو إفتاء، وألح عليه في ذلك؛ فامتنع، وآثر التفرغ للدعوة والتعليم. جهوده في نشر العلم: جلس الشيخ للتعليم في «مسجد الخليفي» بحي الفاروق مع توليه لإمامته، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث والمصطلح، والنحو، والعقيدة، وغيرها، كما أن له دروساً في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس في مساجد أخرى في «مدينة الرياض». وله كذلك مشاركات متعددة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، كما ألقى عدة دروس عبر الهاتف لطلاب العلم في «اليمن»، و «بريطانيا»، و «أوكرانيا»، وغيرها، إضافة لإلقائه كثيراً من المحاضرات في موضوعات متنوعة، وكذا الكلمات الدعوية في مختلف المناسبات، كما تُعرَض على الشيخ بعض الأسئلة من عدد من المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، ويجيب عليها. طلابه: بدأ الشيخ في تعليم العلم قبل نصف قرن تقريباً، ودرس عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، ومنهم أكثر أساتذة جامعاتنا الشرعية، وقضاة المحاكم، والدعاة المعروفين، وبعد أن يسَّر الله جملة من الوسائل الحديثة؛ ك «الشبكة العالمية»، تمكن كثير من

стр. 14

طلاب العلم في خارج بلادنا من متابعة دروس الشيخ مباشرة عن طريق الشبكة العنكبوتية. احتسابه: وللشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤولين والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، وتحذير الناس من البدع وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى ومقالات كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين. اهتمامه بأمور المسلمين: للشيخ حفظه الله اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع أخبارهم ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم. إنتاجه العلمي: انصرف الشيخ عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سُجل بعضها وما لم يسجل أكثر، ودروسه قائمة اليوم كما كانت سابقاً. وقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية» وهو كتابنا هذا، و «جواب في الإيمان ونواقضه»، و «موقف المسلم من

стр. 15

الخلاف»، و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» لابن حجر، و «توضيح مقاصد العقيدة الواسطية»، و «وشرح العقيدة الطحاوية»، و «توضيح المقصود بنظم ابن أبي داود»، «والفوائد المستنبطة من الأربعين النووية»، «والتعليق على القواعد المثلى»، و «شرح القصيدة الدالية»، و «شرح القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام، وكشف الشبهات»، و «إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد» وهناك كتب أخرى في طريقها إلى الطبع إن شاء الله. وفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره لي ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على طاعته، وينفع بعلمه المسلمين، إنه سميع مجيب. * * *

стр. 16

مقدمة الشرح، وعرض مضمون «التدمرية» الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد: فقد قُدِّر لي أن أدرِّس «العقيدة» في «كلية الشريعة»، و «كلية أصول الدين» سنوات عديدة، وكان ممَّا قمتُ به شرح «العقيدة التدمرية» تأليف الإمام ابن تيمية ﵀؛ فوجدتها من بديع مؤلفات الشيخ؛ فإنها وإن كانت تعد من مختصرات مؤلفاته؛ فقد تضمنت أكثر المسائل «الكلامية»، و «الفلسفية» التي طَرَقَها، وبَسَطَ القول فيها في موسوعات كتبه، وسيأتي التنبيه عليها بعد استعراض ما تضمنته إجمالاً. فمدارها على الأصلين اللَّذَيْنِ سُئل الكتابةَ فيهما: «التوحيد والصفات»، و «الشرع والقدر»، وقد تضمن كلامه في الأصل الأول: بيان مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله، ومنهج الرسل في ذلك نفياً وإثباتاً، ومذهب الحائدين عن سبيلهم من طوائف الكافرين، ومن دخل فيهم من المتفلسفة، والباطنية، والجهمية، وقرر شبهتهم إجمالاً، وأقام الدليل على بطلانها عقلاً، وبسط ذلك بذكر «أصلين»، و «مَثَلين»، و «خاتمة» شملت قواعد نافعة؛ وهي: ست، أو سبع قواعد. فردَّ في «الأصل الأول»؛ وهو: «القول في بعض الصفات؛ كالقول في بعض» على الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والفلاسفة، وبنى هذا الرد على ما في مذاهبهم من التناقض. وردَّ ب «الأصل الثاني»؛ وهو: «القول في الصفات؛ كالقول في الذات» على من يُكيِّف صفات الله، وردَّ على الأشاعرة أيضاً بتناقضهم في النفي والإثبات، وفي تأويل ما أوَّلوه من نصوص الصفات التي ينفونها. وفي «المثَل الأول»؛ وهو: «أن موجودات الآخرة تُوافِق موجودات الدنيا من وجه وتُبايِنُها من وجه»، فأوضح ضرب المثل في ذلك في باب صفات الله، واستطرد بذكر مذاهب الناس فيما

стр. 17

أخبر الله به عن نفسه، وفيما أخبر به عن اليوم الآخر، وذكر ما يجب إثباته من «المثل الأعلى»، وأنه تعالى لا تُضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه. وأما «المثَل الثاني»؛ فهو يتعلق ب «الروح» التي فينا؛ فإن الشيخ قَبْلَ توضيح ضرب المثل بها في باب صفات الله؛ مَهَّد بذكر مذاهب الناس في «الروح» واضطرابهم؛ ليبني على ذلك ضربَ المثل بها. وأما القواعد؛ ف «القاعدة الأولى»؛ مدارها على «أن الله موصوف بالنفي والإثبات»، وقد أوضح الشيخ نوع النفي الذي يدخل في صفات الله، وردَّ في هذه القاعدة على الجهمية، وأجاب عن بعض شبهاتهم، ووازن بين الجهمية المحضة الغلاة، وغير الغلاة، وعلى من شارك

стр. 18

الباطنية في شيء من باطلهم؛ كمن قال: «إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه» هذا مضمون «القاعدة الأولى». وأما «القاعدة الثانية»؛ فمدارها على «ما يُوصف الله به مطلقاً»؛ وهو: ما ورد في الكتاب والسنة، وما لا يجوز إطلاقه في صفات الله نفياً ولا إثباتاً، مما لم يرد ك «الجهة»، و «المتحيز». وأما «القاعدة الثالثة»؛ فمدارها على «ظاهر النصوص، وهل هو مراد، أو غير مراد»؟ وبيَّن ما يجب في هذا المقام، وذكر بعض الأمثلة لما وقع من الغلط في بعض النصوص، وردَّ على من تناقض في الحكم على ظاهر النصوص. وأما «القاعدة الرابعة»؛ فمدارها على «بيان ما تَرتَّب من المحاذير على توهُّم التشبيه في نصوص الصفات»، وضرب المثل بصفتي «العلو»، و «الاستواء»، وبيَّن بطلان هذا التوهُّم من وجوه، وأوضح في هذا السياق معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وما يقتضيه مثل هذا اللفظ في سائر المواضع، وسياقات الكلام. وأما «القاعدة الخامسة»؛ فمدارها على «ما نعلمه وما لا نعلمه من نصوص صفات الله، واليوم الآخر»، وقصَدَ الشيخ بهذه القاعدة: الردَّ على أهل التفويض الذين يجعلون نصوص الصفاتِ من المتشابه، وعندهم أنَّ الآيات المتشابهات لا يعلم معناها إلا الله؛ فلا يُفهَم منها شيءٌ، ويظنون أنَّا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد.

стр. 19

وبيَّن الشيخ ما يُبطل هذا المذهب من دلالة العقل والشرع، وذكر من الدليل على القاعدة؛ آيات الأمر بتدبر القرآن مع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وبهذه المناسبة ذكر معاني التأويل، وميَّز بينها في الحُكم والحقيقة، وذكر الفَرق بين تأويل نصوص الأخبار، ونصوص الأمر والنهي. كما تضمنت هذه القاعدة بيان المحكم والمتشابه في القرآن، والفرق بين الإحكام والتشابُه العامِّ، والإحكام والتشابُه الخاصِّ، وبيَّن الشيخ في هذه القاعدة: أنَّ التشابُه هو منشأ ضلال بني آدم؛ فهو منشأ ضلال الاتحادية، والفلاسفة، والجهمية، وبيَّن أن التشابُه يكون في الألفاظ، وفي المعاني، وفي كلِّ شيء؛ لأنه ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق من وجه، واختلاف من وجه، وختم القاعدة بذكر ما في مذهب أهل التفويض من التناقض. وأما «القاعدة السادسة»؛ فمدارها على «بيان خطأِ الاعتماد في باب صفات الله، ومعرفة ما يجوز على الله، وما لا يجوز؛ على مطلق الإثبات من غير تشبيه، أو على مجرد نفي التشبيه»، وذكر الشيخ في هذه القاعدة شبهتي المعتزلة في نفي الصفات، وهما: ١ أنَّ أخص صفات «الإله»؛ «القِدَم»؛ فيلزم على إثبات الصفات: تعدد القدماء. ٢ أنَّ إثبات الصفات؛ يستلزم التجسيمَ، والأجسامُ متماثلة.

стр. 20

وبيَّن بطلان الشبهتين، وذكر الضابط العقلي الصحيح فيما يجوز على الله، وما لا يجوز؛ وهو: «أنَّ كلَّ كمالٍ فهو أحقُّ به، وكلَّ نقص فهو منزَّه عنه»، وبيَّن أنَّه لا بدَّ من إثبات قَدْر مشترك بين صفات الخالق والمخلوق، وأن ذلك لا يستلزم محذوراً؛ فلا محذور في إثباته. ثم عقد في هذه القاعدة فصلين، ذكر في «الأول»: فساد الاعتماد في تنزيه الله على نفي التجسيم، وذكر وجوهاً في ذلك. وفي «الفصل الثاني»: بيَّن بطلان الاعتماد فيما يجوز إثباته لله على مطلق الإثبات من غير تشبيه، وما يستلزمه ذلك من الإلحاد. وختم القاعدة ببيان أن طرق تنزيه الله متعددة عقلاً وشرعاً، ولا يُحتاج فيه إلى هذه الطرق المبتدعة، وذكر الدليل العقلي على نفي المثل عن الله، وخلَص إلى أن ما قام الدليل على إثباته أثبتناه، أو على نفيه نفيناه، وما لم يقم على إثباته أو نفيه دليل؛ فلا نثبته ولا ننفيه. وأما «القاعدة السابعة»؛ فمدارها على «تقرير أن الأدلة الشرعية نوعان: خبرية محضة، وعقلية سمعية»، وفي هذه القاعدة بيانُ تقريرِ القرآنِ أصولَ الإيمانِ الثلاثة: «التوحيد»، و «النبوة»، و «المعاد»، والإرشاد على أدلتها العقلية؛ كقوله تعالى عن يوسف ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (٣٩)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون (١١٥)﴾ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم (١١٦)﴾ [المؤمنون]، ونظائر ذلك كثيرة.

стр. 21

وفي هذا الرد على من يزعم من المتكلمين، والفلاسفة أن القرآن ليس فيه دلالات عقلية؛ بل ما هو إلا أدلة لفظية ظنية. ثم استطرد الشيخ إلى الردِّ على شبهات المعطلة الكلامية والفلسفية مما يشبه ما سبق في «الأصل الأول»: «القول في بعض الصفات؛ كالقول في بعض»، و «القاعدة الأولى». ثم انتقل الشيخ إلى «الأصل الثاني»؛ وهو: «الإيمان بالشرع، والقدر»، وقد عبَّر في هذا الموضع ب «توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر»، وبيَّن ضرورة الجمع في الإيمان بين الشرع والقدر، وأن أصل الشرع؛ هو: الإيمان بالله وحده لا شريك له، وأن هذا هو دين الرسل كلهم؛ وهو «الإسلام»، وبيَّن وَحْدَة دين الرسل من وجوه: من حيث وحدة الحقيقة، وتلازم الإيمان بهم، وتبشير أولاهم بآخرهم، وتصديق لاحقهم بسابقهم. وبيَّن أن التوحيد الذي قامت عليه دعوة الرسل: «توحيد العبادة»، وأن الشرك الذي كان في الأمم؛ هو: الشرك في العبادة، وأنْ ليس في العالم من يثبت خالقَيْنِ متكافئين، ثم ذكر أنواع التوحيد عن كثير من المتكلمين، وبيَّن ما فيها من حقٍّ وباطل. ثم عقد موازنات بين الصوفية، وطوائف المتكلمين، وبين الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والكُلَّابية، والكَرَّامية، ثم ذكر أصْلَي الدِّينِ اللَّذَيْنِ هما مفترق الطوائف؛ وهما:

стр. 22

توحيد الله، وإثبات رسالة محمد ﷺ ، أي: «الشهادتان»، وأوضحهما ببيان حقيقتهما، وبيان حقوق الله، وحقوق الرسول ﷺ . ثم عقد الشيخ فصلاً ذكر فيه فِرَقَ الضلال الخائضين في القدر: مجوسية، ومشركية، وإبليسية، ومذاهبهم في الشرع، والقدر، ومذهب أهل الهدى والفلاح في ذلك، أي: أهل السنة والجماعة، واستطرد بذكر مذاهب الناس في «الأسباب»، وضرورة الإنسان في جميع أحواله إلى شرع الله؛ في معرفة ربه، ودينه، وجزائه. ثم تطرق إلى مسألة «التحسين والتقبيح»، ومذاهب الناس فيها، ثم ذكر ما يتضمنه مذهب الجبرية من الصوفية، وغيرِهم من الفساد والتناقض، وذكر أنواع «الفناء» ثم ذكر ما يوجبه الإيمان بالشرع، والقدر من فعل المأمور، وترك المحظور، والاستغفار من الذنوب، والصبر، والاستعانة، والتوكل على الله. ثم ذكر الأصلين اللَّذَيْنِ لا بدَّ منهما في العبادة: «الإخلاص لله»، و «موافقة الأمر». ثم ختم ذلك بذكر أقسام الناس في العبادة، والاستعانة اللَّذَيْنِ هما ثمرة الإيمان بالشرع، والقدر، وخيرُ الأقسام: مَنْ يعبده تعالى ويستعين به؛ فهو به وله، وشرُّ الأقسام: مَنْ لا يعبده ولا يستعين به، نعوذ بالله من الخِذلان ودَرَك الشقاء.

стр. 23

أهم القضايا التي تضمنتها «التدمرية» وبهذا يتبين لك أيها القارئ عظم شأن هذه العقيدة، وإليك أهم ما اشتملت عليه من القضايا: ١ مسألة «الأسماء والصفات»، ومذاهب الناس فيها. ٢ الدليل العقلي على وجود «واجب الوجود». ٣ الدليل العقلي على أنه لا بدَّ من قَدْر مشترك بين أسماء الله وصفاته، وأسماء العباد وصفاتهم، وأنه لا يلزم من ذلك التشبيه. ٤ بيان تناقض المُعطِّلةِ، وكلِّ من نفى شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ، وتقرير أصلين في ذلك: أ «القول في الصفات؛ كالقول في بعض». ب «القول في الصفات؛ كالقول في الذات». وإبطال شبهاتهم في «التشبيه»، و «التجسيم»، و «التركيب». ٥ تقرير مباينة الله لخلقه في: ذاته، وصفاته؛ بضرب المثلين. ٦ أقسام الناس فيما أخبر الله به عن نفسه. ٧ مذاهب الناس في «الروح». ٨ معاني «الجسم» اللغوية، والاصطلاحية.

стр. 24

٩ وصف الله بالإثبات والنفي، وبيان ما يكون من النفي مدحاً ويدخل في صفاته تعالى، وما لا يكون مدحاً ولا يدخل في صفاته. ١٠ حكم الألفاظ المجملة التي تذكر في «باب الصفات»؛ ك «الجسم»، و «الجهة»، و «المتحيز». ١١ بيان المراد بظاهر نصوص الصفات، وهل هو مراد أو غير مراد؟ ١٢ بيان ما يلزم المعطلة من أنواع الإلحاد في أسماء الله، وآياته. ١٣ اختلاف دلالات الألفاظ باختلاف تراكيب وسياقات الكلام. ١٤ أن ما أخبر الله به معلوم لنا من وجه دون وجه، وبيان ذلك. ١٥ تعدُّد معاني «التأويل»، والفرق بينها. ١٦ الإحكام والتشابه في القرآن: العام، والخاص. ١٧ عامة ضلال بني آدم من قِبَل «التشابُه»، ومن ذلك ضلال الاتحادية والفلاسفة في مسمى الوجود. ١٨ حقيقة قول المفوضة، وبيان تناقضهم. ١٩ الاعتماد فيما يجوز على الله وما لا يجوز عليه على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد. ٢٠ لفظ «التشابُه» وما يحتمله. ٢١ أخص أوصاف «الإله» عند المعتزلة «القِدَم»، وبنوا على ذلك نفي الصفات حذراً من تعدُّد القدماء.

стр. 25

٢٢ شبهة أخرى للمعتزلة، وهي أن إثبات الصفات يستلزم «التجسيمَ»، والأجسامُ متماثلة، والجوابُ عنها من أربعة أوجه. ٢٣ إثبات قَدْرٍ مشترك لا يستلزم محذوراً. ٢٤ خمس مسائل كلامية: أ هل وجود الشيء عين ماهيته، أو زائد عليه؟ ب وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد عليه؟ ج هل المعدوم شيء أو لا؟ د هل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ هـ هل الأحوال ثابتة أو لا؟ ٢٥ الاعتماد في تنزيه الله عن النقائص على نفي «التجسيم»، أو «التحيز»، وبيان فساده من وجوه. ٢٦ الاعتماد فيما يجوز على الله على مطلق الإثبات من غير تشبيه، وما يستلزمه ذلك من الباطل، وأن من سلك ذلك لا يكفيه في الفرق فيما يثبته وما ينفيه على مجرد السمع. ٢٧ طرقُ تنزيه الله تعالى متعددةٌ. ٢٨ الدليل العقلي على نفي المِثل عن الله. ٢٩ اشتمال القرآن على أدلة عقلية، فتكون أدلته نوعين: أدلة خبرية، وأدلة عقلية شرعية.

стр. 26

٣٠ تضمُّنُ «توحيد العبادة»: الإيمانَ بالشرع والقدرِ. ٣١ وَحْدة دين الرسل، وأنه «الإسلام». ٣٢ أصل دين الرسل كلهم؛ هو: «توحيد الإلهية»، وضده الشرك في العبادة. ٣٣ أن التوحيد الذي يقرره أهل الكلام؛ ب: نفي أن يكون للعالم خالقان متكافئان؛ لم يقل أحد من الأمم بخلافه. ٣٤ أنواع التوحيد عند أكثر المتكلمين، والفَرق بينها، وما فيها من حق وباطل. ٣٥ الأصلانِ اللذان عليهما مدار الإسلام؛ هما: «التوحيد»، و «الرسالة»، وما يتفرع عنهما من حقوق الله ورسوله. ٣٦ فِرَقُ الناس في الشرع والقدر. ٣٧ مذاهب الناس في الأسباب. ٣٨ إبطال النظرية الفلسفية، وهي: «أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»، وبيان أنها لا تصح بالنسبة للخالق ولا المخلوق. ٣٩ ضرورة الإنسان إلى شرع الله وهُداه. ٤٠ مسألة الحُسْن والقُبْح العقليَّيْن والشرعيَّيْن. ٤١ تناقض الجبرية من الصوفية، وغيرهم. ٤٢ أنواع الفناء.

стр. 27

٤٣ آثار الإيمان بالشرع والقدرِ. ٤٤ ضرورة كل أحد إلى الاستغفار. ٤٥ مِنْ آثار الإيمان بالشرع والقدر؛ عبادةُ الله واستعانته، وأقسام الناس في ذلك، وأن أكملهم من كان لله، وبه. * * *

стр. 28

شرح خطبة الحاجة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين قال الشيخ، الإمام، العالم، العلَّامة، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، أوحد عصره، وفريد دهره، ناصر السنَّة، وقامع البدعة، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن الشيخ، الإمام، العلامة، شهاب الدين، عبد الحليم بن الشيخ، الإمام، العلامة، شيخ الإسلام، مجد الدين، أبي البركات، عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني ﵁ وأرضاه: الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله

стр. 29

هذه خُطبة الحاجة افتتح الشيخ بها هذا الكتاب، كما هي عادته في أجوبته، وتارة يختصر، ويقول: «الحمد لله» فقط، وتارة يُنْشِئُ خُطبة ويظهرُ فيها تحري السجع من غير تكلف، وهو قليل. وهذه الخُطبة تعرف بخُطبة الحاجة، وهي خُطبة مأثورة ليست من إنشاء الشيخ؛ إذ كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه، كما ذكر ذلك ابن مسعود ﵁. ويذكر أهل العلم هذه الخُطبة في «باب الجمعة»، وفي «باب النكاح» تنبيهاً على شرعية هذه الخُطبة عند عقد النكاح (١)؛ لأن عقد النكاح ليس كغيره من العقود، فيَسْتحِب العلماء قراءة هذه الخُطبة عند عقد النكاح، وهذه الخُطبة المأثورة رواها الإمام مسلم (٢)، وأهل «السنن» (٣)، وألفاظها متقاربة.

стр. 30

وهذه الخُطبة من جوامع الكلم الذي أوتيه ﷺ ؛ فمن خصائصه أنه: «أوتي جوامع الكلم» (١)، و «اختصر له الكلام اختصاراً» (٢)؛ فيأتي بالعبارة القصيرة التي تحمل معاني كثيرة. وخُطبة الحاجة من هذا؛ فإنها قصيرة؛ لكنها اشتملت على أصول الدين؛ فاشتملت على: «التوحيد» بأنواعه الثلاثة، و «إثبات القدر»، و «إثبات الرسالة»، وفيها: «تفويض الأمر إلى الله »، و «الالتجاء إليه» (٣)، ويتضح هذا بما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: (الحمد لله) من هدي النبي ﷺ أنه إذا خطب؛ افتتح خطبته ب «الحمد، والثناء على الله» (٤)، والله سبحانه قد حَمِد نفسه وعلَّمنا أن نحمده، وافتتح كلامه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيم (٣)﴾ [الفاتحة]. وفي الحديث القدسي: «قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين .. ، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي» الحديثَ (٥).

стр. 31

وقد اختلف أهل العلم من المفسرين، وشُرَّاح الحديث في: «الحمد، والشكر» (١)؛ فمنهم من قال: «الحمد والشكر شيء واحد؛ وهو: تعظيم المنعم والثناء عليه: قولاً أو فعلاً». وقال آخرون: «بل بينهما فرق، فالحمد؛ هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وأما الشكر؛ فهو: تعظيم المنعِم على إنعامه بالقول، أو الفعل». وبهذا تكون العَلاقة بين «الحمد، والشكر» العموم والخصوص الوجهي. فإن العَلاقة بين الكلمات والمعاني؛ تارة تكون: * العموم والخصوص مطلقاً. * أو: من وجه. * وتارة تكون: المماثلة. * وتارة تكون: المباينة. فالعَلاقة بين الإنسان والحجر: المباينة. والعَلاقة بين الإنسان والبشر: المماثلة.

стр. 32

والعَلاقة بين الإنسان والحيوان: العموم والخصوص المطلق، فالحيوان أعمُّ مطلقاً، والإنسان أخصُّ مطلقاً؛ فتقول: «كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وليس كلُّ حيوانٍ إنساناً»، فبعض الحيوان إنسان. ومثل هذا - أيضاً -: العبادة والصلاة؛ فبينهما عموم وخصوص مطلق. أما العموم والخصوص الوجهي؛ فضابطه: «أن المعْنَيينِ يجتمعان في حال، وينفرد كل منهما في حال»، ويُمَثِّل أهل «المنطق» لهذا: بالأبيض والإنسان؛ فإنهما يجتمعان في الإنسان الأبيض، وينفرد كل واحد منهما، فالأبيض في الثلج، والأسود في الإنسان الأسود (١). وهكذا نقول في «الحمد، والشكر» - على القول بالفرق، وهو الصحيح -: بينهما عموم وخصوص وجهي؛ فيجتمعان في الثناء على الله باللسان بما أَنْعَم، فتعظيمه تعالى باللسان لما أنعم به على عباده: حمدٌ، وشكرٌ. وينفرد «الشكر» في التعظيم بالفعل، وينفرد «الحمد» في الثناء باللسان في غير مقابلِ نعمة، فالله تعالى هو المحمودُ على كلِّ حال، محمودٌ على السراء والضراء، فحمدُه على السراء: حمدٌ، وشكرٌ، وحمدُه على الضراء: حمدٌ. وعلى هذا يكون «الشكر» أعم من حيث الأداة، ف «الحمد» إنما يكون باللسان، و «الشكر» يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، ويستشهد العلماء لهذا بقول الشاعر:

стр. 33

أفادتكُمُ النعماءُ مِنِّي ثلاثةً … يدِيْ ولسانِيْ والضَّميرَ المحَجَّبا (١) وجاء في القرآن: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور (١٣)﴾ [سبأ]. و «الحمد» أعم من جهة سببه، فالمقتضي ل «الحمد» أوسع من المقتضي ل «الشكر»، فالمقتضي ل «الشكر»؛ هو: النِّعم، والمقتضي ل «الحمد»: صفاتُ الكمال مطلقاً، فالثناء على الشجاع بشجاعته، والصبور بصبره؛ حمدٌ، وليس شكراً، لكن الثناء على الشجاع بما قام به من النصر للآخرين ومِن عونه لغيره: حمدٌ وشكرٌ. و «أل» في «الحمد لله» ل «الاستغراق». و «أل» تأتي لمعانٍ كثيرة (٢): ل «العهد الذهني»، و «الحضوري»، وتأتي ل «الجنس». والتي تأتي ل «الجنس»: تارة تأتي للدلالة على «الحقيقة»، وتارة تأتي ل «الاستغراق» (٣)، والمراد بها هنا: «الاستغراق»؛ فيكون معنى «الحمد لله» أي: «كلُّ الحمدِ لله تعالى».

стр. 34

والذي يستحق الحمد كله، والثناء كله، والتمجيد كله؛ هو: المتصف بجميع صفات الكمال. إذاً؛ فإثبات الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يدل على أنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، وليس هذا إلا لله تعالى وحده. والمخلوق قد يُحمَد، ولكن يحمد على ما عنده من المحامد، وما عنده من المحامد ليس أصيلاً فيه؛ بل هو موهوبٌ له، وفضلٌ من الله ، فهو الذي يُكرِم من يشاء بما شاء من المحامد والفضائل. وأعظمُ الناس استحقاقاً للحمد؛ أكثرُهم محامدَ وفضائلَ، وهو نبينا محمد ﷺ ، وهذا يتصل بالكلام على اسمه «محمد»، فاسمُه هذا ﷺ عَلَمٌ، وصفة، فهو عَلَمٌ على شخصه ﷺ ، ويدل - أيضاً - على معنى عظيمٍ؛ وهو: اتصافه بالمحامد (١). أما المستحق للحمد كله على الإطلاق لذاته؛ فهو الله تعالى. ويلاحظ بهذا: أن إثبات الحمد لله تعالى تضمن نوعاً من أنواع التوحيد، وهو توحيد «الأسماء والصفات»، فهو سبحانه الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شريك له في ذلك، ولا شبيه، فهذا كله يتضمنه إثبات الحمد، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها عدل، وحكمة، ورحمة.

стр. 35

قوله: (نحمده) هذا فيه توكيد للحمد الأول، فله الحمد الثابت؛ لأن الجملة الاسمية (الحمد لله) تفيد: الثبات، وله الحمد المتجدد؛ لأن الجملة الفعلية (نحمده) تفيد: التجدد (١). فهو تعالى المستحق للحمد كله على الإطلاق، وله منَّا أن نحمده حمداً متجدداً في الحاضر، وفي المستقبل، كلٌّ بحسب ما وفقه الله تعالى له، فهو سبحانه كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده. قال أعلم الخلق به ﷺ : «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٢). والعباد لا يستطيعون أن يثنوا على الله تعالى كما يستحق لذاته؛ لأن العباد لا يعلمون كلَّ ما لله من الأسماء والصفات (٣) حتى الرسول، لا يعلم كنه صفاته ، لذلك قال ﷺ : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وقال ﷺ في حديث الشفاعة: «فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله عليَّ من محامده، وحسن الثناء عليه: شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي» (٤). وحمدُ العباد لربهم بحسب علمهم به تعالى، فمن كان أعلم بأسماء الله تعالى وصفاته؛ كان أقدر على حمده ممن ليس كذلك،

стр. 36

ومن كان - أيضاً - أعلم بنعمه وأكثر استحضاراً لها؛ كان أقدر على حمده وشكره. قوله: (نستعينه) «السين والتاء» في اللغة العربية يفيدان الطلب (١)، فقول العبد: «أستعين الله» بمعنى: «اللهم أعني»، و «أستهديه» بمعنى: «اللهم اهدني»، و «نستغفرك» بمعنى: «اللهم اغفر لنا»، ف «السين والتاء» للطلب في الغالب (٢). فقوله: (نستعينه) فيه طلب العون من الله تعالى، وطلب العون من الله؛ يتضمن الاعتراف بتفرده تعالى بالملك، وبالعطاء والمنع، والاعتراف بالفقر إليه، قال الله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة]. فعلى العبد: أن يعبد ربه، وعليه مع ذلك: أن يتوكل عليه، وأن يستعين به؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. وكذلك في حمدنا له: لا قدرة لنا ولا قوة على حمده؛ إلا بعون منه تعالى، ولهذا قَرَن ذِكرَ الحمدِ بذِكرِ الاستعانةِ. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) هذا يتضمن اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام به سبحانه من شرَّين عظيمين: شر النفس، وسيئات الأعمال، ولا يقي العبد ويحفظه من المخاطر

стр. 37

والشرور؛ إلا الله ؛ فحقيق بكل مؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى مما يُخاف ويُحذر. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) المراد بالنفس هنا: النفس الأمَّارة بالسوء؛ فإن النفس لها ثلاثة أحوال: نفس مطمئنة، ونفس أمَّارة بالسوء، ونفس لوَّامة (١). وشر النفس الأمارة بالسوء: دعوتها وأمرها بالسوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ [يوسف: ٥٣]، وما يترتب على ذلك ويتبعه. قوله: (وسيئات أعمالنا) سيئاتُ الأعمال؛ قيل المراد بها: «الأعمال السيئة»؛ وهي: «المعاصي»، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعمال السيئة. وقيل المراد بسيئات الأعمال: «العقوبات المترتبة على الأعمال»؛ لأنها تسوء من وقعت عليه، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة المسبَّب إلى السبب، فالأعمال التي هي المعاصي سبب للعقوبات. فعلى الأول: التعوذ من السبب الذي هو الأعمال السيئة، وعلى الثاني: التعوذ من المسبَّب الذي هو العقوبات (٢).

стр. 38

فمن وقاه الله شر نفسه وسوء عمله؛ فقد أفلح ونجا، وهذان الشرَّان هما مصدرُ كلِّ سوء وشرٍّ يتضرر به العبد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. قال ابن القيم في هذا التعوذ: وسَلِ العياذَ من اثنتين هما اللَّتَ … انِ بِهُلْكِ هذا الخلق كافِلَتانِ شرُّ النفوس وسيِّئُ الأعمالِ ما … واللهِ أعظمُ مِنهما شَرَّانِ ولقد أتى هذا التعوذُ مِنهما … في خُطْبةِ المبعوثِ بالقرآنِ (١) قوله: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) في هذا اعتراف بتفرد الرب بالهداية والإضلال، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فلا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى. وهذا المعنى جاء صريحاً في القرآن، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون (١٧٨)﴾ [الأعراف]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون (١٨٦)﴾ [الأعراف]. فالرب تعالى هو المتفرد بالهدى والإضلال، وهو المتفرد

стр. 39

بالعطاء والمنع كما في الحديث في الذكر بعد الصلاة (١)، وفي الذكر بعد الرفع من الركوع (٢): «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ، منك الجَدُّ»، ففي هذا إقرار بتفرد الرب بالعطاء والمنع. ومن أنواع هذا العطاء والمنع: الهدى والضلال، ومن أدلة هذا المعنى في القرآن قوله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (١٠٧)﴾ [يونس]. والهداية نوعان: «هداية خاصة»، و «هداية عامة» (٣): أما «الخاصة»؛ فهي التي يعبر عنها ب: «هداية التوفيق والإلهام».

стр. 40

و «الهداية العامة»؛ هي التي يعبر عنها ب: «هداية الدلالة والإرشاد». ومن شواهد «الهداية الخاصة»: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]. ومن شواهد «الهداية العامة»: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى:﴾ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونحوها من الآيات. والفرق بين الهدايتين من وجهين: الوجه الأول: أن «الهداية العامةَ»؛ عامةٌ للخلق، وأما «الهدايةُ الخاصة»؛ فهي خاصة بالمؤمنين. الوجه الثاني: أن «الهداية العامةَ»؛ تكون من الرسل وأتباعهم، وأما «الهداية الخاصة»؛ فليست مقدورة لهم؛ بل هي خاصة لله . وفي ضوء ما تقدم تكون الهداية المذكورة في هذه الخُطبة؛ من: «الهداية الخاصة» التي تُفَسَّر ب: التوفيق، والإلهامِ.
следующие страницы →