← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن كان - أيضاً - أعلم بنعمه وأكثر استحضاراً لها؛ كان أقدر على حمده وشكره. قوله: (نستعينه) «السين والتاء» في اللغة العربية يفيدان الطلب (١)، فقول العبد: «أستعين الله» بمعنى: «اللهم أعني»، و «أستهديه» بمعنى: «اللهم اهدني»، و «نستغفرك» بمعنى: «اللهم اغفر لنا»، ف «السين والتاء» للطلب في الغالب (٢). فقوله: (نستعينه) فيه طلب العون من الله تعالى، وطلب العون من الله؛ يتضمن الاعتراف بتفرده تعالى بالملك، وبالعطاء والمنع، والاعتراف بالفقر إليه، قال الله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ [الفاتحة]. فعلى العبد: أن يعبد ربه، وعليه مع ذلك: أن يتوكل عليه، وأن يستعين به؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. وكذلك في حمدنا له: لا قدرة لنا ولا قوة على حمده؛ إلا بعون منه تعالى، ولهذا قَرَن ذِكرَ الحمدِ بذِكرِ الاستعانةِ. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) هذا يتضمن اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام به سبحانه من شرَّين عظيمين: شر النفس، وسيئات الأعمال، ولا يقي العبد ويحفظه من المخاطر

стр. 37

والشرور؛ إلا الله ؛ فحقيق بكل مؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى مما يُخاف ويُحذر. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) المراد بالنفس هنا: النفس الأمَّارة بالسوء؛ فإن النفس لها ثلاثة أحوال: نفس مطمئنة، ونفس أمَّارة بالسوء، ونفس لوَّامة (١). وشر النفس الأمارة بالسوء: دعوتها وأمرها بالسوء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ [يوسف: ٥٣]، وما يترتب على ذلك ويتبعه. قوله: (وسيئات أعمالنا) سيئاتُ الأعمال؛ قيل المراد بها: «الأعمال السيئة»؛ وهي: «المعاصي»، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعمال السيئة. وقيل المراد بسيئات الأعمال: «العقوبات المترتبة على الأعمال»؛ لأنها تسوء من وقعت عليه، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا؛ من إضافة المسبَّب إلى السبب، فالأعمال التي هي المعاصي سبب للعقوبات. فعلى الأول: التعوذ من السبب الذي هو الأعمال السيئة، وعلى الثاني: التعوذ من المسبَّب الذي هو العقوبات (٢).

стр. 38

فمن وقاه الله شر نفسه وسوء عمله؛ فقد أفلح ونجا، وهذان الشرَّان هما مصدرُ كلِّ سوء وشرٍّ يتضرر به العبد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. قال ابن القيم في هذا التعوذ: وسَلِ العياذَ من اثنتين هما اللَّتَ … انِ بِهُلْكِ هذا الخلق كافِلَتانِ شرُّ النفوس وسيِّئُ الأعمالِ ما … واللهِ أعظمُ مِنهما شَرَّانِ ولقد أتى هذا التعوذُ مِنهما … في خُطْبةِ المبعوثِ بالقرآنِ (١) قوله: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) في هذا اعتراف بتفرد الرب بالهداية والإضلال، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فلا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى. وهذا المعنى جاء صريحاً في القرآن، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون (١٧٨)﴾ [الأعراف]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون (١٨٦)﴾ [الأعراف]. فالرب تعالى هو المتفرد بالهدى والإضلال، وهو المتفرد

стр. 39

بالعطاء والمنع كما في الحديث في الذكر بعد الصلاة (١)، وفي الذكر بعد الرفع من الركوع (٢): «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ، منك الجَدُّ»، ففي هذا إقرار بتفرد الرب بالعطاء والمنع. ومن أنواع هذا العطاء والمنع: الهدى والضلال، ومن أدلة هذا المعنى في القرآن قوله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (١٠٧)﴾ [يونس]. والهداية نوعان: «هداية خاصة»، و «هداية عامة» (٣): أما «الخاصة»؛ فهي التي يعبر عنها ب: «هداية التوفيق والإلهام».

стр. 40

و «الهداية العامة»؛ هي التي يعبر عنها ب: «هداية الدلالة والإرشاد». ومن شواهد «الهداية الخاصة»: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]. ومن شواهد «الهداية العامة»: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى:﴾ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونحوها من الآيات. والفرق بين الهدايتين من وجهين: الوجه الأول: أن «الهداية العامةَ»؛ عامةٌ للخلق، وأما «الهدايةُ الخاصة»؛ فهي خاصة بالمؤمنين. الوجه الثاني: أن «الهداية العامةَ»؛ تكون من الرسل وأتباعهم، وأما «الهداية الخاصة»؛ فليست مقدورة لهم؛ بل هي خاصة لله . وفي ضوء ما تقدم تكون الهداية المذكورة في هذه الخُطبة؛ من: «الهداية الخاصة» التي تُفَسَّر ب: التوفيق، والإلهامِ.

стр. 41

والهدى من الله سبحانه يكون بالتوفيقِ والإلهامِ، والإضلالُ يكون بمنع هذا التوفيق، فمن منعه الله التوفيق ولم يمنحه إياه؛ لزم من ذلك أن يَضل، فالعبد بين التوفيق والخذلان، فمن وفقه الله؛ اهتدى، ومن لم يوفقْه؛ ضلَّ، كما قال الله سبحانه في الحديث القدسي، الذي رواه الإمام مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: «يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه؛ فاستهدُوني أَهْدِكم» (١). وهذا الإقرار والاعتراف يتضمن توحيد الربوبية؛ فإن كونه تعالى رب كل شيء؛ يقتضي أنه المتفرد بالعطاء والمنع، والهدى والإضلال، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية. قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هاتان الشهادتان؛ هما أصل دين الإسلام، كما قال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» (٢) الحديثَ، متفق على صحته. والشهادة؛ هي: العلم بالشيء، والإقرار به، فلا بُدَّ في الشهادة من العلم، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون (٨٦)﴾ [الزخرف]. ولا بدَّ من الإقرار، فقول العبد: «أشهد أن لا إله إلا الله»، أي: أقِرُّ وأعترف ظاهراً وباطناً بأنه «لا إله إلا الله». فتضمنت الشهادتان: الإقرارَ بالتوحيد الذي هو أصل دين الرسل، والإقرار برسالة محمد ﷺ التي لا يتحقق إسلام العبد إلا بها

стр. 42

مع التوحيد، كما قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» (١) الحديثَ. وكلمةُ التوحيد مركبةٌ من نفي وإثبات، من نفي إلهيةِ كلِّ ما سوى الله تعالى، وإثبات الإلهية له سبحانه. إذاً؛ فالتوحيد لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، إلا بكفر وإيمان، كفرٍ بالطاغوت، وإيمانٍ بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة]. وقوله: (وحده) حالٌ، وقوله: (لا شريك له) حالٌ أيضاً، فالكلمتان حالان مؤكِدتان، ف (وحده) تأكيدٌ لما تضمنته كلمة الشهادة من الإثبات، و (لا شريك له) تأكيدٌ للنفي. والمراد ب (الإله) هنا: المستحق للعبادة، أو: المعبود بحق، فلا معبود بحق إلا الله. وأصل معنى (الإله) في اللغة هو: «المعبود» (٢)، فكلُّ معبود سوى الله؛ فهو معبود بالباطل، والله وحده هو المستحق للعبادة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير (٦٢)﴾ [الحج].

стр. 43

وشهادة أن لا إله إلا الله هي أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وشهادة أن محمداً رسول الله هي من أصل دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به محمداً ﷺ ، فالشهادتان هما أصل دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، وهما متلازمتان من حيث الحكمُ لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، ويعبر عن هاتين الشهادتين بالأصلين وهما: «التوحيد»، و «الرسالة». ولا بدَّ في شهادة أن محمداً رسول الله من الإقرار بأنه ﷺ عبد الله، وأنه رسول الله تعالى إلى الناس كافة، وأنه خاتم النبيين، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ في «الصحيحين» مرفوعاً: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (١)، وكما في التشهد: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» (٢)، وكما قال ﷺ : «لا تُطروني كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبده؛ فقولوا: عبدُ الله ورسولُه» (٣). وهذه الشهادةُ للنبي ﷺ بأنه عبدُ الله ورسولُه؛ هي: الصراطُ المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين في حقه ﷺ ؛ فإن الناس في حق الرسول ﷺ طرفان ووسط:

стр. 44

فريق جَفَوْا - وهم الأكثرون -؛ فكذَّبوه، أو قصَّروا في متابعته فيما جاء به، فهؤلاء فرَّطُوا في حقه ﷺ . وفريق من الناس غلوا فيه؛ فرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، ولا شك أنه ﷺ سيد ولد آدم، وأنه خاتم النبيين، وأنه سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، لكن من الجاهلين من غلا حتى جعل له شيئاً من خصائص الإلهية، والربوبية؛ كالذي يقول: يا أكرمَ الخلقِ ما ليْ مَنْ ألوذُ به … سِواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَمَمِ وقال: فإنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنيا وضَرَّتَها … ومِن علومِك علمَ اللوحِ والقلمِ وقال: إن لم يكنْ في معاديْ آخذاً بيدِي … فضلاً، وإلا فقل: يا زلةَ القَدمِ (١) وأقوالُ أهل الغلو كثيرة، فمَن نسب للرسول ﷺ شيئاً من خصائص الربوبية؛ كتدبيره للعالَم، أو القدرة على كلِّ شيء، أو نسب إليه مغفرة الذنوب والنجاة من النار؛ فقد غلا فيه.

стр. 45

فهو ﷺ عبدٌ، ولا يزول عنه هذا الوصف؛ بل إن منزلة العبودية هي أساس الشرف للرسل والمؤمنين؛ ولهذا يذكر الله تعالى نبيه ﷺ بوصف العبودية في أعلى المقامات. فقال في مقام «الإسراء»: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وقال في مقام «التحدي»: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال تعالى في مقام «الدعاء»: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال في مقام «الإنذار»: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان]. إذاً؛ فشهادةُ أن محمداً عبده ورسوله؛ هي: الوسط، وهي: الصراط المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين المكذبين والمفرطين في طاعته واتباعه وتحقيق متابعته ﷺ . فالشهادة بأن محمداً عبده ورسوله؛ تقتضي: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألَّا يُعبد الله إلا بما شرع. قوله: (صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً) الصلاةُ على الرسول ﷺ هي من أفضل الأعمال، وقد أخبر الله تعالى أنه هو وملائكتُه يُصَلُّون على النبي ﷺ ، وأمر المؤمنين بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].

стр. 46

وأحسن ما قيل في تفسير الصلاة من الله: «أن الصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى» (١). واللهُ تعالى يصلي على المؤمنين، و - أيضاً - الملائكةُ تصلي على المؤمنين، كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب]. وجاء في الحديث الصحيح أن العبد إذا «خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (٢). ولكن لنبينا ﵊ من صلاة الله تعالى، وصلاة ملائكته؛ ما يليق بمقامه، فله الحظُّ الأوفر، والنصيب الأكبر من صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِه. أما صلاةُ المؤمنين على النبي ﷺ فمعناها: «الدعاء له بأن يصلي الله عليه»، ولا بد من هذا القيد، فليس كلُّ دعاء يقال: إنه صلاة، فإن الصحابة ﵃ علَّمهم النبي ﷺ التشهد، ثم قالوا له:

стр. 47

«عَلِمْنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: «اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد»» إلى آخر الحديث بألفاظه المختلفة (١). إذاً؛ فالصلاة من العباد تكون بسؤال الله تعالى أن يصلي عليه، فهي إذاً؛ دعاء مخصوص، وإن كانت الصلاة في اللغة؛ هي: الدعاء (٢) في الجملة، لكن الصلاة على النبي ﷺ من المؤمنين تكون بسؤال الله أن يصلي عليه. وبعد هذا كله، يلاحظ أن هذه الخطبة اشتملت على أصول الدين: ١ - التوحيد بأنواعه الثلاثة: «توحيد الإلهية» الذي دلت عليه «شهادة أن لا إله إلا الله»، و «توحيد الربوبية» الذي تضمنته جملة «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» كما يتضمنه الالتجاء، والتعوذ؛ فإن الاستعانة، والالتجاء، والتعوذ؛ كلُّ ذلك يتضمن «توحيد الربوبية». و «توحيد الأسماء والصفات» يتضمنه «الحمد»؛ فإثباتُ الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يتضمن أنه تعالى المتصف بجميع المحامد. ٢ - كما تضمنت هذه الخطبة «إثبات الرسالة»، وذلك هو مضمون «شهادة أن محمداً رسول الله».

стр. 48

٣ - وتضمنت هذه الخطبة - أيضاً - أصلاً من أصول الإيمان؛ وهو: «الإيمان بالقدر خيره وشره»، وهذا مستفاد ممّا تضمن «توحيد الربوبية»؛ فقوله: «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له»، وكذلك «الاستعانة به»، و «الالتجاء إليه»، و «التعوذ»؛ كلُّ ذلك يتضمن: الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن «توحيد الربوبية»، يتضمن: إثبات القدر. ولهذا كانت الآياتُ المتضمنةُ لأصول الإيمان؛ مشتملةً على خمسة من أصول الإيمان؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [١٧٧]، وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [١٣٦]. ولم يُذكر فيها الأصل السادس؛ وهو: الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأنه يتضمنه الأصل الأول؛ وهو: الإيمان بالله تعالى؛ فإن الإيمان بالله تعالى: رباً وإلهاً، والإيمان بكمال ربوبيته وملكه؛ يتضمن: أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه الخالق لكل شيء؛ وهذا هو تحقيق الإيمان بالقدر؛ فإن الإيمان بالقدر يتضمن المراتب الأربع المعروفة، ومنها: «عموم المشيئة»، و «عموم الخلق».

стр. 49

إذاً؛ فإثبات القدر يدخل في «توحيد الربوبية»، ولهذا نقول: إن هذه الخطبة اشتملت - أيضاً - على إثبات القدر الذي هو الأصل السادس من أصول الإيمان. تنبيه: وهنا مسألة ذكرها شيخ الإسلام «ابن تيمية» ﵀، ونقلها عنه تلميذه العلامة «ابن القيم» ﵀؛ وهي: أنه يلاحظ في جُمل هذه الخطبة أنها جاءت بصيغة الجمع: (نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)، وفي الشهادتين جاءت بصيغة الإفراد: (وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وهذه هي الصيغة الصحيحة، فلا تقلْ: «ونشهد» بصيغة الجمع. فما السر في ذكر الجُمل الأولى بصيغة «الجمع»، وذكر الشهادتين بصيغة «الإفراد»؟ ذكر شيخ الإسلام أن لهذا وجهين: الأول: أن الجُمل الأولى فيها دعاء وطلب من الله ، وهذا مما تدخله النيابة، فالمسلم يدعو لنفسه ويدعو لإخوانه، وأمَّا الشهادتان؛ وهي: التوحيد، والإقرار بالرسالة؛ فإنهما لا ينوب فيهما أحد عن أحد، فلا تدخلهما النيابة. الوجه الثاني: أن الجمل الأولى هي إنشاء، أما الشهادتان؛ فهما إخبار من الإنسان عن نفسه بما يعتقد، ولا يمكن لأحد أن يخبر في هذا

стр. 50

على الحقيقة إلا عن نفسه، وأما إذا قلنا: فلانٌ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فهذا إخبار عمَّا أظهر، لا عمَّا يعتقد في نفسه. فهذا من السر في الفرق بين جُمل هذه الخُطبة (١)، والله أعلم. * * *

стр. 51

أما بَعْدُ: هذه الكلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، وهي جملة كان من هدي النبي ﷺ استعمالها في خُطبه، فبعد حَمْدِ الله والثناء عليه يقول: «أمَّا بَعْدُ» (١). وهذه الجملة للناس فيها كلامٌ من حيث أولُ من قالها، واختلفوا في هذا اختلافاً كبيراً، فقيل: أول من قالها: داودُ ﵇، وقيل: أولُ من قالها: سَحْبَانُ وائلٍ، الخطيبُ المشهور (٢)، وهناك أقوال أخرى، حتى فُسِّر بها فصلُ الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب (٢٠)﴾ [ص] (٣) وهذا مرجوح؛ بل المراد «الفصل»: الذي يفصل بين الحق والباطل، ويفصل بين المتخاصمين.

стр. 52

فمن بديع الكلام أن يؤتى بها للانتقال من الافتتاح إلى الدخول في المقصود والشروع فيه. وهذه الكلمة تفسر عند أهل اللغة ب «مهما يكن من شيء بعد» (١). ف «أمَّا» شرطية، وجوابها؛ هو: ما بَعْدَ «الفاء» (٢). و «بَعْدُ» ظرفٌ مبني على الضم في محل نصب، لحذفِ المضافِ إليه ونيةِ معناه، فهو مقطوعٌ عن الإضافة لفظاً لا معنىً (٣). * * *

стр. 53

شرح مقدمة المؤلف فقد سألني من تعَيَّنَتْ إجابتُهم أن أكتبَ لهم مضمونَ ما سمعوه مني في بعض المجالس، من الكلام في «التوحيد والصفات»، وفي «الشرع والقدر»، لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرةِ الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كلِّ أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم، والإرادة والعبادة، لا بدَّ أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة، وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات. الشيخ في هذه الجملة يذكر السبب الباعث له على التأليف، وهو أمران: الأول: سؤال بعض الراغبين في العلم. والثاني: أهمية ما سألوا عنه. وبيَّن - أيضاً - الموضوعَ الذي سألوا عنه؛ وهو الأصلانِ: (التوحيد والصفات)، و (الشرع والقدر).

стр. 54

كما بيَّن رحمه الله تعالى الأسبابَ المقتضية لأهمية هذين الأصلينِ، والعناية بهما، وتحقيقهما. قوله: (من تعينت إجابتهم) أي: وجبت إجابتهم وجوباً عينياً. فإن الواجب عند «الأصوليين» نوعان: واجبٌ كفائي، وواجبٌ عيني (١)، أو فرضُ كفايةٍ، وفرض عين - على القول الصحيح أنه لا فرق بين الواجبِ، والفرضِ (٢) -: فالواجب العيني؛ هو: ما يجب على كل فرد، أو: يجب على فرد معين. والواجب الكفائي؛ هو: ما يقوم فيه البعض عن البعض، فإذا قام به من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين. وفرض الكفاية قد يصير فرضَ عينٍ بسبب من الأسباب، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإفتاء، والتعليم، والدعوة إلى الله ؛ كلُّ هذه من فروض الكفاية، إذا قام بها من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، لكن قد تتعين هذه الواجبات، فإذا لم يكن هناك من يقوم بهذا الواجب ويكفي؛ وجب على كلِّ قادرٍ على القيام به أن يقوم به. فإذا لم يكن هناك من يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المكان، أو بواجب الدعوة إلى الله تعالى، أو بواجب الإفتاء، أو التبليغ والتعليم؛ صار واجباً وجوباً عينياً على القادر على

стр. 55

القيام به؛ لأنه ليس هناك من يقوم بهذا الواجب في هذا المكان، أو في هذه الواقعة المعينة. فالشيخ هنا ذكر أنه قد سأله من تعينت عليه إجابتهم، وذلك لعدم من تقوم به الكفاية، بحيث يمكن لهؤلاء السائلين أن يجدوا عنده الجواب الشافي عمَّا سألوا عنه. والشيخ ﵀ كان يتكلم كثيراً في مسائل أصول الاعتقاد؛ كما يدل على ذلك كتاباته ومؤلفاته الواسعة في هذا المضمار. قوله: (من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر) هذا هو موضوع التأليف، ومحور الكلام الآتي. و (التوحيدُ والصفات)، و (الشرع والقدر) أصلانِ من أصول الاعتقاد: فالأصل الأول؛ هو: الإيمان بأن الله واحد لا شريك له ولا شبيه، والإيمان بأنه سبحانه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ . والأصل الثاني: الإيمان بالشرع، والقدر. والشرع؛ هو: دين الله تعالى الذي شرعه لعباده، من الأوامر والنواهي، وأصل ذلك كلِّه عبادتُه وحده لا شريك له، كما سيأتي (١).

стр. 56

والقدر يطلق ويراد به: التقدير، تقدير الله تعالى مقادير الأشياء: علماً، وكتابة. ويطلق القدر على: الشيء المقدَّر، فتقول فيما يحدث في الوجود: «هذا قَدَرٌ» ومن ذلك قول عمر ﵁: «نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله» (١) يعني: نفر مما قدره سبحانه إلى ما قدره، فالإيمان بالقدر يعني: الإيمان بالتقدير السابق، كما قال ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (٢). وهذانِ الأصلانِ داخلانِ في أصول الإيمان الستة؛ ف «الأصل الأول» يدخل في الإيمان بالله تعالى، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله؛ فمن الإيمان بالله تعالى: الإيمان بوحدانيته، والإيمان بصفاته، أي: الإيمان بما أنزل الله في كتبه. ومن الإيمان بالرسل: الإيمان بما أخبرت به عن الله تعالى، وصفاته. أما الأصل الثاني؛ وهو: الإيمان بالشرع، والقدر؛ فإنَّ الإيمان بالقدر أصلٌ برأسِه من أصول الإيمان الستة، وهو داخل في الإيمان بالله تعالى، كما تقدم (٣). وأما الإيمان بالشرع؛ فيدخل في الإيمان بالله سبحانه، وكتبه، ورسله؛ لأن من الإيمان بالله: الإيمان بأمره ونهيه الذي بعث به رسله.

стр. 57

ومن الإيمان بالقرآن - وهو أشرف الكتب المنزلة -: الإيمان بما اشتمل عليه من الأوامر والنواهي. ومن الإيمان بالرسول ﷺ : الإيمان بما جاء به من الأوامر والنواهي. إذاً؛ هذانِ الأصلان داخلان في أصول الإيمان، فأدلتهما هي أدلة تلك الأصول الستة، وقد تقدمت الإشارة إليها (١)، والله أعلم. ثم ذكر ﵀ الأسبابَ الموجبة لأهمية هذين الأصلين المقتضية لتحقيقهما، فقال: (لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين)؛ لأنه لا قوام لدين العبد إلا أن يحقق توحيد الله، ويؤمن بوحدانيته، ويؤمن بصفاته، ولا يستقيم دين العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يؤمن بشرع الله تعالى. وتحقيق هذين الأصلين يكون: * بمعرفة الحق من الباطل فيهما. * وبإقامة الأدلة عليهما. * ودفع الشبه المعارضة لهما. وهذا لا يكون إلا لطلاب العلم. أما العوام؛ فيكفيهم معرفة الحق؛ لأنهم قاصرون عن معرفة الأدلة، فالتحقيق بالنسبة للعامي: أن يعرف الحق، فمن آمن بأنه تعالى واحد لا

стр. 58

شريك له في: ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص؛ كفاه ذلك إجمالاً. إذاً؛ فكلُّ مكلَّفٍ هو في حاجة إلى هذين الأصلين؛ هذا هو: السبب الأول. والسبب الثاني: قوله: (وكثرة الاضطراب فيهما) فإن الأمر المهم إذا كان فيه اضطراب وشبهات وخلاف؛ يجب على العاقل أن يعتني به؛ ليخرج من هذا الاضطراب بالحق الناصع، والنور الساطع. ومما يبين أن الاضطراب يقتضي مزيد عناية للتحقيق في المقام: أن المسائل المجمع عليها لا تحتاج إلى مزيد جهد، أما المسائل التي فيها خلاف؛ فهي تحتاج من طالب العلم، ومن أهل العلم جهداً للوصول إلى الحق، أو لمقاربة الحق، أو لمعرفة الراجح من تلك المسائل التي وقع فيها الخلاف، أعني: مسائل الفقه. أما غالب مسائل الاعتقاد؛ فإن فيها خطأ وصواباً، حقاً أو باطلاً، وليس فيها راجح ومرجوح، فما دل عليه الكتاب والسنة؛ هو الحق وما سواه؛ فهو الباطل. وهذان الأصلان هما من أعظم ما وقع فيه الاضطراب بين فرق الأمة؛ ففي باب الأسماء والصفات: من الناس من يسلب عن الله تعالى جميع الأسماء والصفات؛ مبالغة في التنزيه.

стр. 59

ومن الناس من يثبت لله صفات مثل صفات المخلوق؛ مبالغة في الإثبات. وبين هذين الطرفين طوائف من الناس، وكلُّ فريق من أولئك - أيضاً - هم طوائف؛ فالمعطلة طوائف، والمشبهة طوائف، فاضطربت المذاهب في هذا الأصل. وكذلك في الشرع والقدر؛ اضطرابٌ واسع: فمن الناس من ينفي الشرع والقدر، وينكرهما. ومن الناس من يثبت القدر، ويكذب بالشرع. ومن الناس من هو بالعكس (١). فكان لا بدَّ من التنصيص على وجوب الإيمان بالشرع والقدر، و - أيضاً - فالجمع بين الشرع والقدر له معنى، وذلك: أن كلاً منهما يتعلق بأفعال العبادِ، فالقدرُ هو موجَب «الإرادة الكونية»، والشرعُ هو موجَب «الإرادة الشرعية»، فهما متعلقان بأفعال المكلفين، فما يقع من أفعال المكلفين؛ فإنه تجري فيه الأحكام الكونية، والأحكام الشرعية. فطاعة المؤمن؛ موجَب الإرادتين، وكفر الكافر؛ هو موجَب «الإرادة الكونية»، فالإرادتان تجتمعان في إيمان المؤمن، وتنفرد «الإرادة الكونية» في كفر الكافر، ومعصية العاصي (٢).

стр. 60

إذاً؛ فالشرع والقدر بينهما ارتباط من حيث تعلقُهما بأفعال المكلفين؛ فإن أفعال العباد لا تخرج عن قدر الله تعالى. ولهذا فإن الذين اختلفوا في القدر؛ اختلفوا في أفعال العباد، فالجبرية يقولون: «لا فعل للعبد». والقدرية النفاة يقولون: «إن العباد هم الخالقون لأفعالهم». والحق: أن أفعال العباد هي أفعالهم لا أفعال الله، والعبادُ وأفعالهم كلهم خَلقُ الله تعالى، على حد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (٩٦)﴾ [الصافات]. ثم ذكر الشيخ السبب الثالث لأهمية تحقيق هذين الأصلين بقوله: (فإنهما مع حاجة كلِّ أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم، والإرادة والعبادة؛ لا بدَّ أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال). المعْنِيون بالدين فئتان: أهل علم، وأهل عبادة، أي: من يغلب عليه جانب العلم والنظر والبحث في المسائل، ومن يغلب عليه جانب السلوك والعبادة والإرادة والنواحي القلبية.

стр. 61

والعبرة في تصنيف الناس: بما يغلب عليهم، فمن الناس من هو من أهل العبادة ومن أهل العلم، وكلٌّ من الفئتين؛ منهم: المنحرف والمستقيم، فأهل السنة والجماعة المعتصمون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؛ فيهم العلماء، وفيهم العُبَّاد بحسب ما هو الأغلب على أحوالهم، وهذا لا يعني أن العلماء ليس عندهم عبادة، وأهل العبادة ليس عندهم علم، ولكن الحكم على الغالب، ومنهم من يوصف بهذا وهذا؛ والمخالفون لأهل السنة منهم أهل علم، ومنهم أهل عبادة. وأهل النظر من الخارجين عن مذهب أهل السنة والجماعة هم: المتكلمون، والفلاسفة، والخارجون عن مذهب أهل السنة والجماعة من أهل العبادة والإرادة يعرفون ب: الصوفية. وقوله: (لا بد أن يخطر لهم في ذلك) أي: في هذين الأصلين؛ فيما يتعلق ب: وحدانية الله، وصفاته، وفيما يتعلق ب: الشرع، والقدر. وقوله: (من الخواطر والأقوال) أي: من الخواطر القلبية، والأقوال الاعتقادية. وقوله: (ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال) أي: إلى فرقان يميزون به بين الحق والباطل، والصدق والكذب؛ فمن لم يكن له نور من هدى الله تعالى؛ فإنه عند ورود الشبهات على قلبه؛ إما أن يعتقد الباطل، أو يبقى في حَيْرة وتردد، والمَخْرَج من هذا؛ هو:

стр. 62

الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؛ فبِهِما يحصل الخروج من مضايق الشك، ومن مضايق الاعتقادات الباطلة. وبسبب عدم الاعتصام بهدى الله تعالى؛ حصلت الحَيرة والتردد، فهناك المشبهة لم يفهموا من نصوص الأسماء والصفات؛ إلا ما يماثل صفات المخلوقين؛ فشبهوا الله بخلقه. والمعطلة توهموا فيها التشبيه؛ فرأوا أن هذا لا يليق؛ فنفوا عن الله تعالى صفاتِه. وفريقٌ ترددوا كالأشاعرة فأثبتوا مثلاً كلام الله؛ لكنهم لم يثبتوه على طريقة أهل السنة، ولم ينفوه على طريقة المعتزلة؛ بل قالوا: إنه تعالى يتكلم، ولكن كلامه معنى نفسي واحد قديم ليس تابعاً لمشيئته تعالى، ولا هو بحرف ولا صوت. قوله: (لا سيما مع كثرة من خاض في ذلك؛ بالحق تارة، وبالباطل تارات) هذا هو السبب الرابع لأهمية تحقيق هذين الأصلين، فأكثرُ خوضِ الناس في مسائل الاعتقاد بالباطلِ. والخوضُ فيها بالحق؛ يكون بالنظر الصحيح، والنقل الصحيح، والعقل الصريح، فالنظرُ - مثلاً - في أسماء الله وصفاته على أساس قواعد ونظريات فلسفية وخيالات؛ خوضٌ بالباطل. لكن الخوض فيها من خلال التدبر لآيات الله تعالى الشرعية، وهي آيات القرآن، أو التدبر لآيات الله الكونية، أو التدبر لسنة الرسول

стр. 63

ﷺ ، وبالنظر في كلام السلف الصالح؛ كلُّ هذا من الخوض فيها بالحق. أما الخوضُ في القضايا الغيبية بمجرد الفِكر من غير تعويل على الأسس الصحيحة، أو على أساس آراء المتفلسفة والمتكلمين؛ فهذا خوضٌ بالباطل. وليس للإنسان أن يعول فيما يقوله في شأن الله، وفي شأن اليوم الآخر؛ على ما يتخيله، بل على ما جاء في الكتاب والسنةِ، فأكثرُ الناس خاض في هذا الميدان بالحق حيناً، وبالباطل أحياناً؛ كما يشهد به الواقع. قوله: (وما يعتري القلوب في ذلك من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات) هذا هو السبب الخامس لتحقيق هذين الأصلين. والشبهة: ما يشتبه فيها الحق بالباطل، وقد تكون الشبهةُ عقليةً؛ كالنظريات التي يُدَّعى أنها معقولات، وهي: خيالات وأوهام. أو: أدلةً نقليةً لا يصح بها الاستدلال على المطلوب، فلا يلزم من صحة الدليل صحة الاستدلال؛ لأن من الناس من يستدل بالشيء على ما لا يدل عليه؛ فيكون غالطاً في الاستدلال. فالشبهات تَرِدُ على القلوب - أحياناً - بوساوس الشيطان؛ فتورث شُكوكاً في القضايا العقدية، والمسائل الخبرية، و - أحياناً - تَرِدُ هذه الشبهات على القلب بما يلقيه بعضُ الجاهلين، وبعضُ المضلين من

стр. 64

أقوال يتكلمون بها؛ فيقع هذا الكلام في القلب؛ فيثير قَلقاً وشبهةً تُكَدِّرُ صفو الإيمان. لكن الإيمان إذا كان قوياً؛ فإنه يرُدُّ تلك الشبهة ويدفعها؛ إما بتصور فسادها، أو يدفعها بمجرد أنها تعارض الحق، فالشبهة يدفعُها المؤمن - تارة - بمعرفته وعلمه أنها باطلة، و - تارة - يردُّها بمجرد علمه بأنها تعارض الحق، فمجرد معارضتها للحق؛ دليل على بطلانها، كما إذا ورد حديث يعارض نصاً من نصوص القرآن ويناقضه؛ فإنك تعلم أن هذا غلطٌ وليس بصحيح؛ فإما أن يكون موضوعاً، أو يكون وهماً، مثل: الحديث الذي يدل على أن الله خلق الخلق في سبعة أيام (١) فقد نص العلماء على أن هذا الحديث وهمٌ؛ لأنه يعارض صريح القرآن في أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام. إذاً؛ فورود الشبهات على القلوب يقتضي العناية بتحقيق هذين الأصلين؛ لأن العناية بهما ممَّا تدفع به هذه الشبهات الواردة على القلوب، أما من فقد التحقيق العلمي، والتحقيق الإيماني؛ فإنه يتعرض لتأثير الشبهات على قلبه، حتى يضل بها، وتوقعه في أنواع الضلالات،

стр. 65

أما من عنده بصيرة في دينه، وعنده إيمان مشرق فإنه يدفع تلك الشبهات (١). فهذه خمسة أسباب لأهمية هذا الموضوع، والسبب الخامس أخص من الثالث، فعطفُه على ما قبله مِنْ عطف الخاص على العام، والله الموفق. * * *

стр. 66

الفروق بين التوحيد والصفات، والشرع والقدر فالكلام في باب «التوحيد والصفات» هو من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في «الشرع والقدر» هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفياً وإثباتاً. والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع، حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الأخير معروف عند العامة والخاصة، معروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في «كتاب الأيمان»، وكما ذكره المقسمون للكلام من أهل النظر والنحو والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان: خبر، وإنشاء، والخبرُ دائر بين النفي والإثباتِ، والإنشاءُ: أمر، أو نهي، أو إباحة. ذكر الشيخ في هذه الجملة الفرق بين الأصلينِ المتقدمَينِ المسؤول عنهما: (التوحيد، والصفات)، (والشرع، والقدر).

стр. 67

والفرق بينهما من وجوه: الأول: الفرق بينهما من جهة نوع الكلام، فإن الكلام يقسمه أهل العلم من علماء النحو، والبيان، وكذلك الفقهاء إلى قسمين: خبر، وإنشاء، أو: خبر، وطلب (١). والخبر يدور على النفي والإثبات، نحو: «محمد قائم»، و «محمد ليس بقائم» وعلى التصديق والتكذيب، فإن الخبر؛ إما أن يكون صدقاً، أو كذباً، ولهذا يُعَرِّف أصحاب المعاني الخبر بأنه: «ما يحتمل الصدق والكذب لذاته» (٢). ومعنى: «لذاته» أي: بقطع النظر عن قائله، فإذا نظرت إلى الكلام بقطع النظر عن الأدلة، وبقطع النظر عن القائل؛ تقول: «هذه الجملة تحتمل الصدق والكذب»، لكن الأخبار الصادقة التي يخبر بها الصادقون - وأعلى ذلك أخبار الله هي أخبار صادقة لا تحتمل الكذب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]. والطلبُ يدور على المحبة والبغض، وعلى الحض والمنع، نحو: «قم»، و «لا تقم». والطلبُ له صيغ كثيرةٌ وأنواعٌ ليس هذا محَل ذكرها.

стр. 68

قوله: (نفياً وإثباتاً) أي: من حيث الغاية؛ فإن غايةَ الأمرِ الإثباتُ، وغايةَ النهيِ النفيُ، فقولك: «اذهب»، «اجلس»، ونحوه؛ غايته ومقصوده: حصول المطلوب، وهذا هو معنى الإثبات، وقولك: «لا تذهب»، «لا تجلس»، ونحوه؛ غايته ومقصوده: عدمٌ ونفيٌ، وبهذا يكون الطلب متضمناً للنفي والإثبات. قوله: (والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع) فهذا أمر جِبِلِّيٌّ في الإنسان، فالذي يقول لك مثلاً: «قمْ» لا تقول له: «صدقت»، أو «كذبت» والذي يقول لك: «فلانٌ مسافرٌ»، أو «فلانٌ لم يقدَمْ» تقول له: «صدقت»، أو «كذبت». فمِمَّا فطر الله تعالى عليه عباده الفرق بين التصديق والتكذيب، والحب والبغض، والحض والمنع. قوله: (كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الأيمان) جَمْعُ يمينٍ؛ وهو: القَسَم؛ فالفقهاء ذكروا في هذا الكتاب: أن الكلام ينقسم إلى: خبر وطلب؛ لأنهم يقسمون اليمين إلى: يمين مكفَّرة، ويمينٍ غير مكفَّرة. واليمين المكفرة؛ هي: التي تدخلها الكفارة، وغير المكفرة؛ هي: التي لا تدخلها الكفارة (١)، فالحلفُ على المستقبل على فعل، أو ترْك، هذا هو «الإنشاء»، والحلف على أمر واقع؛ هو «الخبر».

стр. 69

فاليمين المكفَّرة؛ هي: الحلف على مستقبَلٍ؛ كأن يقول قائل: «والله لأفعلنَّ كذا»، أو: «والله لا أفعلُ كذا»؛ فإنْ حَنِثَ؛ بأنْ حصل خلافُ ما حلف عليه؛ وجبتْ عليه الكفارةُ، وإن تحقق ما حلف على فعله، أو تَرَكَ ما حلف على تركه؛ كان باراً بيمينه، ولا كفارةَ عليه. وأما الحلف على أمر واقع؛ فهو اليمين التي لا تدخلها الكفَّارة؛ لأنها إن كانت صدقاً؛ فلا موجب للكفارة، وإن كانت كذباً؛ فالكذب لا تمحوه الكفارة؛ بل لا تمحوه إلا التوبة إلى الله تعالى. والمقصود: أن الكلام في «التوحيد، والصفات» من باب «الخبرِ»، والكلامُ في «الشرع، والقدر» من باب «الطلب»، وإيضاح هذا: أنَّ العباراتِ التي يعبَّر بها عن مسائل التوحيد والأسماء والصفات؛ خبريةٌ، كجمل سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد]. وقوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» الحديثَ (١)، وقوله ﷺ : «لَلَّه أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته» (٢)، وقوله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» (٣)، ونحوها.

стр. 70

حتى العبارات التي يتكلم بها الإنسان إذا أراد أن يخبر عن الله تعالى؛ فإن كلامه هذا خبرٌ، كقوله: «اللهُ تعالى عظيمٌ»، «اللهُ تعالى فوقَ عرشه»، «اللهُ تعالى ليس حَالَّاً في مخلوقاته» إلخ. حتى الأقوال الأخرى المردودة، كقول المبتدعة: «إن اللهَ جسمٌ»، أو: «ليس بجسم»، ونحوها من الألفاظ التي لا يصح إطلاقها نفياً ولا إثباتاً، وكقول بعض المبتدعة: «إن الله تعالى لا ينزل إلى السماء الدنيا»، أو: «لا يجيءُ يوم القيامة، وإنما يجيءُ أمره»، فكل هذا من باب «الخبر». وأما الكلام في «الشرع والقدر»؛ فهو من باب «الطلبِ»، والواقعُ أن الذي من باب «الطلب» هو «الشرع»، فالكلام فيه شيء من التجوز، أو التغليبِ: تغليبِ الشرع على القدر. وبيْن الشرع والقدر ارتباطٌ وثيق؛ لأن كُلاً منهما متعلق بأفعال المكلفينَ، فكل ما وقع من أفعال المكلفين فإنه بقدر الله تعالى، وكلها يتعلق بها الشرع، لأن أفعال المكلفين؛ إما طاعة، أو معصية، أو مباحة. فالذي نصوصه من باب «الطلب» هو «الشرع»، وأما نصوص «القدر»؛ فهي من باب «الخبر» لما تقدم (١): أن الإيمان بالقدر هو من الإيمان بالله تعالى؛ لأن الإيمان بالقدر هو الإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته لمقادير الأشياء، والإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والإيمان بعموم خلقه تعالى، وهذا كلُّه من الإيمان بالله .

стр. 71

وأما «الشرع»؛ فهو الأوامر والنواهي، وهو دين الله تعالى الذي جعله لعباده يسيرون عليه، فالكلام فيه من باب «الطلب»، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين (٤٣)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقد يأتي الكلام بصورة «الخبر»؛ ومعناه: «الأمر»، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية. * * *

стр. 72

وإذا كان كذلك؛ فلا بُدَّ للعبدِ أنْ يثبتَ لله ما يجبُ إثباتُه له من صفاتِ الكمالِ، وينفي عنه ما يجبُ نفيه عنه مما يضاد هذه الحال. ولا بُدَّ له في أحكامه مِنْ أنْ يثبتَ خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمالَ قدرتِه، وعمومَ مشيئته، ويثبت أمرَه المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدَره إيماناً خالياً من الزلل. قوله: (وإذا كان كذلك) أي: إذا كان الأمر أن الكلام في «التوحيد، والصفات» من باب «الخبر»، والكلام في «الشرع، والقدر» من باب «الطلب»؛ (فلا بد للعبد … ) إلخ. الفرق الثاني بين الأصلينِ المتقدمينِ في قوله: (فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب - إلى قوله - خالياً من الزلل)؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ جهةِ ما يجبُ على العبد فيهما. فالواجب على العبد في توحيد الصفات: أن يثبت لله ما يجب إثباته من صفات الكمال، وينفي ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال. ويجب على العبد في الشرع والقدر: أن يثبت أحكام الله الكونية والشرعية؛ فيثبت خَلق اللهِ وأمرَه، ولهذا قال الشيخ: (ولا بد له في أحكامه .. ).

стр. 73

وأحكام الله تعالى نوعان: أحكام شرعية، وأحكام كونية، وهذا التقسيم من جنس تقسيم الإرادة، والأمر، والقضاء، والكتابة، والإذْن، والجَعْل، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم: إلى شرعي، وكوني (١). ومن شواهد الحكم الكوني؛ قوله : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين (١٠٩)﴾ [يونس]، وقوله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (٦٧)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]. ومن شواهد الحكم الشرعي؛ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد (١)﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٤٠)﴾ [يوسف]. قوله: (ولا بدَّ له في أحكامه من أن يثبت: خلقه، وأمره) إثباتُ الخلق يتضمنُ الإيمانَ بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه تعالى على كل شيء قدير، وهذا معنى قول الشيخ: (فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته)؛ فالشيخ رحمه الله تعالى عبَّر عن الأصل الثاني ب «الأحكام». قوله: (ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل) أي: والمتضمن بيان ما يسخطه، فإن الله تعالى بيَّن لنبيه ﷺ ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال، وبيَّن ما يسخطه

стр. 74

ويبغضه من الأقوال والأعمال، ففيه شيء من الاكتفاء بالمذكور عن غيره لدلالته عليه. قوله: (ويؤمن بشرعه وقدره؛ إيماناً خالياً من الزلل) أي: مَنْ أثبتَ الخلْقَ كلَّه لله، وقال: «إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شيء»، ويَدخلُ في هذا أفعال العباد، وآمن مع ذلك بشرع الله تعالى، وأنه أمر عباده ونهاهم؛ فقد حقق الإيمان بالشرع، والقدر. * * *

стр. 75

وهذا يتضمنُ التوحيدَ في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيدُ في القصد والإرادة والعملِ، والأولُ يتضمنُ التوحيدَ في العلم والقول، كما دلت على ذلك سورةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، ودلت على الآخَر سورةُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر، وركعتي الطواف، وغير ذلك. وقوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته .. ) إلخ، هذا هو الفرق الثالث بين الأصلين؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ حيث تضمنُهما لنوعي التوحيد. قوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل) أي: أن الإيمان بالشرع والقدر يتضمن: «التوحيد في العبادةِ»، والتوحيدُ في العبادة له اسم آخر؛ وهو: «التوحيد في القصد والإرادة والعمل»، ويعبر عن هذا النوع: ب «التوحيد الطلبي»؛ لأنَّ نصوصَه طلبيةٌ. قوله: (والأول يتضمن التوحيد في العلم، والقول) أي: الأصل الأول، وهو: «التوحيد والصفات»؛ يتضمن التوحيد في العلم، والقول، ويعبر
следующие страницы →