← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 456–492 · переход к 461.

стр. 456

كما تنوَّعت الاستدراكات في التفسير باعتبار موضوعاتها، وهذا عرضٌ لبعض ما وقفتُ عليه من موضوعات الاستدراكات في كتب التفسير، مع التمثيل عليها (١): * الاستدراكات في القراءات: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول قراءةٍ أو رَدِّها، ومن أمثلتها: ١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (أنه قرأ ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]. فقيل له: إن سعيد بن المسيَّب يقرأ ﴿تُنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]، قال سعد: إن القرآن لم ينْزل على المسيَّب ولا آل المسيَّب، إنما هي: ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦] يا محمد. قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى ٦]، ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف ٢٤]) (٢). ٢ - قال الأعمش: (كان ابن مسعود يقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]، فقال ابن عباس: بلى ويُقتل. قال: فذكرَ ابنُ عباسٍ أن ذلك إنما كان في قطيفَةٍ، قالوا إن رسول الله غَلَّهَا يوم بدر، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]) (٣). * الاستدراكات في قصص الآي وأخبار بني إسرائيل: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول شيءٍ من أخبارِ بني إسرائيلَ، أو رَدِّها، أو تصحيحِهَا، ومن أمثلتها: ١ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٧]:

стр. 457

(المَفدِيُّ إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاقَ، وكذبت اليهود) (١). ٢ - قال الحسن في قوله تعالى ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص ٢٥]: (يقولون: شُعَيبٌ، وليسَ بشُعَيبٍ، ولكنَّه سيِّدُ الماءِ يومئذٍ) (٢). * الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها: وتشملُ استدراكاتٍ في معاني الألفاظ، وأسبابِ النُّزول، والناسخِ والمنسوخ، وأحكامِ القرآن، ونحوها من موضوعات التفسير وعلومه، ومن أمثلتها: ١ - قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المُتّكأُ هو: النّمرقُ يُتَّكَأُ عليه. وقال: زعمَ قومٌ أنه الأُترُجّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المُتّكأُ أُترُجّ يأكلونه (٣). وحكى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قولَ أبي عبيدةَ، ثم قال: والفقهاء أعلمُ بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُه) (٤). ٢ - قال سهل بن حنيف ﵁: (أتدرون فيم أنزلت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]؟ قيلَ: في سبيل الله. قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة) (٥). ٣ - كان ابن عباس ﵁ يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤]، ويقول: (ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أن يصوما،

стр. 458

فيُطعِمان مكان كُلِّ يومٍ مسكينًا) (١). ٤ - سُئِلَ الحسنُ عن قوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥]: (أهِيَ عليهم خاصَّةٌ؟ قالَ: عليهم وعلى الناس عامَّةً) (٢). هذه جُملَةُ الموضوعات العامَّة للاستدراكات، وما يندرج تحتها من موضوعاتٍ جزئيةٍ تابعةٍ لها وغيرِ خارجةٍ عنها. ويلاحَظُ في هذه الموضوعات العامَّة التَنَوُّعُ الظاهر الذي يشيرُ إلى انتشار هذا الأسلوب في علم التفسير وتأصُّلِه في وجوهه وأنواعه. وقد دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين: الأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا. والثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا. كما دارت طُرُقُ الاستدراكات في التفسير بين طريقين: أوَّلُهما: أن يَذكُرَ المفسرُ قولًا في الآية ثم يستدرك عليه. وثانيهما: أن يُذكَر للمفسرِ قولٌ في الآية فيستدرك عليه. ولَمَّا كانت الاستدراكات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبَّما أُفرِدت كُتُبٌ خاصَّةٌ في الاستدراكات على تفاسير متقدمة (٣)، ولم يَخلُ من ذلك سوى التفاسير المختصرة

стр. 459

التي قصد مُؤلفوها الاختيارَ والعرضَ دون التَّعَقُّب والرد. وكُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كُلَّما كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير: "جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن" لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) ﵀، فقد جمع فيه مؤلفُه أقوالَ مفسري السلف بأسانيدها، وعَرَضَ لضعف هذه الأسانيد وعِلَلِها عند الحاجة، ودرسَ مُتُونَها دراسةً تفسيريَّة نقديَّة شاملة، فميَّزَ الأقوال وبيَّنها، ورجَّح ما اختاره منها، مع ذكر وجه ترجيحه ومأخَذَ اختياره بالتفصيل والدليل. وقد اشتهر في الناس إمامةُ مؤلِفه، وتمَكُّنُه واجتهادُه في سائر العلوم، فلا غرو أن صار تفسيرُه أصلًا لعَامَّة من بعده؛ نقلًا وشرحًا وتهذيبًا واعتراضًا. وكان من أثرِ منهج ابن جرير (ت: ٣١٠) النقدي في تفسيره أن استدرك على من سبقه من المفسرين في مواضعَ كثيرة من تفسيره (١)، كما استدرك عليه من تبعه من المفسرين؛ مِمَّنْ جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان من أبرزهم في هذا الجانب: ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ كثير (ت: ٧٧٤) (٢).

стр. 460

ثُمَّ تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه. * * *

стр. 461

الفصل الثاني أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَفِيهِ تَمْهِيدٌ، وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ: تمهيد: تضمنت الاستدراكات في التفسير أنواعًا متعددةً من علوم التفسير وأصوله، فإن المفسِّر حين يتعرض لقولٍ من الأقوال بالردِّ والتصحيح، إنما ينطلق في ذلك من أصولٍ وقواعدَ تستلزم تقديم قوله واعتباره، وقد يُصَرِّح المُفَسِّرُ بهذه الأصول والقواعد، وقد لا يُصَرِّح بها وإنما تُتَعَرَّف من سياق الموقف ومناسباته، ومن مجموع ردود ذلك المفسِّر واستدراكاته. وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير جُملَةً وافرةً من هذه الأصول والقواعد المنهجية في علم التفسير، وتلمُّس هذه المعارف التفسيرية من تفاسير السلف أولى وأحرى من تلَمُّسِها مِمَّنْ بعدهم؛ فهم أصلُ كلِّ علمٍ نافعٍ، ومن بعدهم إنما يَصدُر عنهم ويَأخذُ منهم، ورُبَّما تتابعَ بعضُ مَنْ بعدهم على ما لم يقولوه، أو فهموا ما لم يريدوه، فأصَّلوا على ذلك أصولًا، وفَرَّعوا علومًا، بعيدةً عن هدي سلفهم، أو مناقضةً له. فمن ثَمَّ كانت العناية بجمع واستخراج أصول التفسير وقواعده من تفاسير السلف، وعبر استدراكاتِهم فيه، أحد مقاصد هذا البحث، وذلك من خلال صريح عبارتهم أوَّلًا، ثُمَّ بما يؤكدها من ترجيحاتهم واختياراتهم، مُعتمدًا في ذلك على ما سبق دراسته في الباب الأول من الاستدراكات، ثُمَّ بالاستدراكات من غيرها، مقتصرًا من ذلك على بيان أثرها في عَدَّةِ مباحث متنوعةٍ من مباحث أصول التفسير، مِمَّا له علاقةٌ مباشرةٌ بالاستدراكات فيه. * * *

стр. 462

• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِيه. ثَمَّةَ أمارات يُتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال في معاني الآيات، تعرف ب"وجوه الترجيح في التفسير" (١)، وهي وإن لم تكن دائمًا في محلّ الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم في الترجيح والاختيار، وقد كان لاستدراكاتهم في التفسير أثرٌ واضحٌ في إبراز هذه الوجوه والتأكيد عليها؛ لحاجة المفسر إلى ذكرها في استدراكاته عند الحاجة. وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، واستخراجها منها. ومن خلال ما تمَّت دراسته من الاستدراكات في الباب الأول يتبيَّن في هذا الجانب ما يأتي: أولًا: لم تكن هذه الوجوه الترجيحية نصوصًا صريحةً في كلام مفسِّري السلف على الأغلب، والصريح منها لم يكن مسبوكًا في صورة "قاعدةٍ" بمعناها الاصطلاحي، وإنما بدأت تبرز بِهذه الصورة في كلام نَقَدَةِ التفسير، ومحرري الأقوال فيه شيئًا فشيئًا. (٢) ومن أمثلة ذلك قاعدة: "العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب"، فإن أصلَها وارد عن رسول الله ﷺ حينما أخبره رجلٌ أنه أصاب ذنبًا، فنَزل فيه قولُه تعالى

стр. 463

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فقال الصحابة: يا رسول الله أَلِهَذا خاصَّةً؟ قال: (بل للنَّاس كافَّةً) (١). وفي أحدِ الاستدراكات رَجَّح محمد بن كعب القرظي (ت: ١٠٨) قولَه بِهذه القاعدة فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (٢)، ثم تتابع المفسرون على الاحتجاج بِهذه القاعدة والترجيح بِها، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (إن الآية كانت قد تنْزل لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نَزلت فيه) (٣). ثانيًا: انحصرت وجوه الترجيح في استدراكات السلف في أربعةِ أقسام عامَّة: الأول: ترجيح المعنى لدلالةٍ شرعيَّةٍ، كدلالة القرآن والسنة نَصًّا على المعنى، أو وروده فيهما بذلك المعنى، أو للإجماع على معنى وعدم المخالف فيه، أو لمخالفته لنصوص الشرع وقواعده، كما في الاستدراكات رقم (١، ٨، ١٠، ١١، ١٣، ١٩، ٢١، ٢٢، ٤٧، ٦٢، ٦٤، ٦٩، ٧٩). (٤) الثاني: ترجيح المعنى لدلالةٍ لُغَويَّةٍ، كأن يكون أظهر معاني اللفظ وأشهرها والمتبادر منها، أو يكون أصلًا لِمعانيه الأخرى، أو يكون بذلك المعنى في عُرفِ من

стр. 464

نزل عليهم القرآن، أو لمخالفته للُغَة العرب ومعهود كلامها، كما في الاستدراكات رقم (٢، ٢٦، ٣٢، ٣٣، ٤١، ٤٢، ٥٢، ٦٥، ٧٢، ٧٧، ٧٨، ٧٩). (١) الثالث: ترجيح المعنى لدلالةِ السياق، سواءً سياق الآيات قبلها وبعدها، أو سياق الآيةِ الواحدة، كما في الاستدراكات رقم (٧، ٢٨، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٥٧، ٦٠، ٧٧). (٢) الرابع: ترجيح المعنى لدلالةِ النُّزول، كذكر سببه، أو مكانه؛ مَكِيًّا كان أو مدنيًّا، كما في الاستدراكات رقم (١٥، ١٧، ٣٣، ٣٥، ٣٩، ٤٤، ٦٥، ٦٨، ٧١). (٣) وما عدا هذه الأنحاء الأربعة في الترجيح إمَّا أن يكون داخلًا فيها وتابعًا لها، وإما أن يكون استعماله والترجيح به قليلًا، أو يكون وجهًا غير معتبرٍ. ثالثًا: يتقدَّم الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّةٍ إجمالًا على غيره من وجوه الترجيح؛ لأن فيه ما هو نَصٌّ قاطِعٌ في الدلالة لا يُتَقَدَّمُ عليه بوجهٍ من الوجوه، وفيه ما أُجمِع عليه فلا

стр. 465

يُخالَف، وكذا قول الصحابة فلا يخرَجُ عنه. رابعًا: ثَمَّةَ وجوهٌ من الترجيح ليست في قُوَّةِ هذه الوجوه الأربعة وتَقَدُّمِها، وهي مع ذلك مُفِيدةٌ مُعتَبَرة في الترجيح، ويقعُ الترجيح بها في تفاسير السلف كثيرًا مع تأخُّرها في القوَّة أو الظهور عن غيرها من الوجوه، ومن هذه الوجوه: ١ - الترجيح بما ورد من أخبار أهل الكتاب المروية عنهم أو من كتبهم؛ مِمَّا وافق شرعنا أو لم يخالفه، وما صَحَّ عن الصحابة ﵃ من ذلك أعلاها درجةً؛ لتوثُّقهم في النقل، وتحَرِّيهم في المعنى، وقد وقع من السلف الترجيح كثيرًا بهذا الوجه، كما في الاستدراك رقم (٢٨). (١) ٢ - فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني، كما في الاستدراك رقم (٦٢). ٣ - و ٤ - الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والتَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه. وقد أشار إليهما ابن عباس ﵁ فيما حكاه سعيد بن جبير (ت: ٩٥) قال: (اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء ٤٣]، فقال عبيد بن عمير: هو الجماع. وقلت أنا وعطاء: هو اللمس. قال: فدخلنا على ابن عباس فسألناه، فقال: (غُلب فريقُ الموالي، وأصابت العرب). أو قال: (أخطأ المَوْلَيَان وأصاب العربيُّ؛ هو الجماع، ولكن الله يَعُفُّ ويَكنِي) (٢)، وقد أُشيرَ إلى هذا الجانب

стр. 466

في غيرما رواية بقولهم: (وهو مَملوك- من الموالي- كذبَ العبد) (١)، ويلحق به من بعض الوجوه قولهم: (إنها نزلت وهو يهودي) (٢)، ووجه ذلك ما سبق ذِكرُه من عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والموالي وإن كانوا عربًا إلا أن العربيةَ فيهم ملكةٌ مُكتسبَةٌ ليست كالفطرية الراسخة في العربي صليبةً؛ الذي رضعها من صِغره، ودرجَ عليها في قومه، وارتاضَ بها لسانه، وشافه بها أجناس العرب، وعرف ألفاظهم ومعانيهم وأساليبهم وعاداتهم في الكلام. وكذا كان التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه من أسباب الرسوخ فيه، وإتقانه، ومعرفة وجه صوابه، وهذا ما لا يتيسَّر للمولى؛ لاشتغاله بخدمة سيده والقيام بأمره، فيفوته شيء من العلم يدركه المصاحب للعلماء، المُلازِم لمجالسهم. ٥ - عُلُوُّ السِّنِّ، وقد وردت الإشارة إليه في غيرما رواية، نحو قولهم: (وأنا يومئذ حدث- والله ما سِنٌّ عاليةٌ- وإني لأصغر القوم- إنك غلامٌ حَدَثُ السِّنِّ- إن صبيانا هاهنا)، وكما في الاستدراكات (٣٣، ٦٢) (٣)، وليس مُرادهم أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّهوا بعبارتهم هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق؛ ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص الصحابة ﵃، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده. (٤)

стр. 467

خامسًا: قد يتَّحِدُ قولان أو أكثرَ في وجهٍ من وجوه الترجيح العامَّة، فيُصَارُ إلى الترجيح بوجوهٍ عامَّةٍ أو فرعيَّةٍ أخرى، ومن أمثلته في الاستدراك الواحد الاستدراك رقم (٥٢) حيث وقع فيه الترجيح بدلالة اللغة والسياق في كلا القولين، وكذا الاستدراك رقم (٦٢) حيث وقع فيه الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّة للقول الأوَّل، وبدلالَةِ السياق للقولين الآخرين، فيُصَارُ هنا إلى الترجيح بوجه آخر من الوجوه العامَّة أو الفرعِيَّة. ومثاله في أكثر من استدراك في موضع واحد: قول الحسن (ت: ١١٠) في قوله تعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤] قال: كان والله سريًّا، يعني: عيسى ﵇. فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السَّريّ. فقال: صدقت (١). وقال جرير بن حازم (ت: ١٧٠): سألَني محمد بن عبَّاد بن جعفر: ما يقول أصحابكم في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤]؟ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول. قال: فأخبر قتادة عنِّي فإنما نزل القرآن بِلُغَتِنا: إنه الرجل السَّريّ. (٢) فقد اعتمد خالدُ بن صفوان ومحمدُ بن عبَّاد على الترجيح بدلالة اللغة، فهُنا يُصَارُ إلى مُرَجِّح آخر وهو ما ذكره السمرقندي (ت: ٣٧٥) عن حميد بن عبد الرحمن أنه لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: ١١٠) قال: ألا ترى أنه قال ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم ٢٦]؟ (٣). وهي دلالة السياق. وبِهذا يتبيَّن أثر استدراكات السلف في التفسير على وجوه الترجيح فيه، فقد قَرَّبت الاستدراكاتُ تلك الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصرها وما يُعتَبَرُ منها، وجعلَتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا.

стр. 468

• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ. تَضَمَّنت استدراكات السلف في التفسير إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من أسباب الخطأِ في التفسير؛ فإن المُفَسِّر حين يستدرك على قولٍ ويُخَطِّئُه يذكرُ أحيانًا وجه خَطَئِه وسبَبَه ليُعلَم ويُجتَنب. وذِكرُهم لهذه الأسباب ربما كان صريحًا في أنها سبب الخطأ، كما في قول عمر لقدامة بن مظعون ﵃: (أخطأتَ التأويل)، لَمَّا استدل له على إباحة شربه للخمر بالآية، ثم ذكر عمر سبب خطأِه بقوله: (إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حَرَّمَ اللهُ عليك) (١). وربما ذُكِرَ السبب على سبيل الإيماء والإشارة، كما في قول ابن مسعود ﵁ لمَّا بلغه قولٌ لكعب الأحبار (ت: ٣٢)، قال: (إنها نزلت وهو يهودي) (٢). وهذا جمعٌ لمَا ذُكِر عن السلف من أسباب الخطأِ في التفسير، من خلال ما تَمَّت دراسته من استدراكاتٍ في الباب الأول: ١ - عدم التأمُّل في نظائر الآية وما يُفَسِّرها في القرآن، كما في الاستدراكات (١، ٨، ١١، ١٨، ٦٠، ٦٢، ٧٩). (٣) ٢ - الأخذ بالنظائر القرآنية فقط دون النظر إلى غيرها من وجوه التفسير، كما في الاستدراكات (٣٦، ٦٢، ٦٤)، وهذا مُقابِلٌ للسبب الأول. ٣ - عدم العلم بالسُّنَّة النبويَّة المُفَسِّرة للآية، أو مخالفة صريحها (١١، ٢١، ٣٤، ٤٧).

стр. 469

٤ - عدم التَّنبُّه إلى لفظ الآية وتمامها، كما في الاستدراكات (٢، ١٦، ٣٨). (١) ٥ - إهمال السياق وعدم الأخذ به، كما في الاستدراكات (٧، ٤٠، ٥٧، ٧٧، ٧٩). (٢) ٦ - مخالفة العربية والجهل بِها، كما في الاستدراكات (٣٢، ٣٣، ٦٢). (٣) ٧ - عدم التَّنَبُّه للفروق اللغوية بين الألفاظ، كما في الاستدراك رقم (٤١). (٤) ٨ - عدم فصاحة اللسان، والجهل بأساليب القرآن، كما في الاستدراك رقم (٦٢). (٥) ٩، و ١٠ - عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، وعدم التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه. (٦) ١١ - الجهل بسبب النُّزول وعدم اعتباره، كما في الاستدراكات (١٧، ٣٣، ٣٥، ٣٩، ٥٦، ٦٨). (٧)

стр. 470

١٢ - التأخر عن زمن النُّزول، كما في الاستدراك رقم (٣٥). (١) ١٣ - الجهل بحال من نزل عليهم القرآن، كما في الاستدراك رقم (٢٦). ١٤ - الجهل بزمن النُّزول مَكِّيِّه ومدنِيِّه، كما في الاستدراك رقم (٧١). (٢) ١٥ - تخصيص المعنى بلا مُخَصِّص، كما في الاستدراكات (٦٥، ٧٢، ٧٧، ٧٨). (٣) ١٦ - عدم الأخذ بالمُخَصِّص، كما في الاستدراكات (٤٠، ٤٤). (٤) ١٧ - عدم الأخذ بمفهوم الآية الصحيح، كما في الاستدراك رقم (١٩). ١٨ - الاعتقاد قبل الاستدلال، وهو ما أشار إليه الحسن (ت: ١١٠) في جوابه عن قولٍ لبعض أهل الأهواء: (إنك والله لا تستطيع على شيء) (٥)، وجاء رجلٌ من الخوارج إلى ابن أبزى ﵁ وقرأ عليه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام ١]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ فقال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى،

стр. 471

إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حَدِّهَا. (١) وكما في الاستدراكات (٤٠، ٤٢، ٦٨). ١٩ - حداثةُ السِّنِّ. (٢) ٢٠ - مخالفة النصوص والأصول الشرعية. (٣) ٢١ - مخالفة تفسير السلف، كما في الاستدراك رقم (٧٩). ٢٢ - القول في الآية بلا علم، كما في الاستدراك رقم (٢٣). (٤) ٢٣ - الاستعجال في حمل الآية على معنىً قبل التحقق منه (٥)، ويدخل فيه: الإعجاب بالرأي، وهو ما ذكره إبراهيم النخعي (ت: ٩٦) في استدراكه على قولٍ لأحدهم: (كان معجبًا برأيه) (٦)، وذلك لمَا فيه من الاستعجال في حمل الآية على أحد المعاني دون تحقيقٍ وتأمُّلٍ، وقريبٌ منه قول عبد الله بن عمرو ﵁ عن قولٍ لأبي هريرة ﵁: (إن أبا هريرة يكثر) (٧). ٢٤ - العلم الواسع بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، ومنه قول ابن مسعود ﵁ عن قولٍ لكعب الأحبار (ت: ٣٢): (نزلت وهو يهودي) (٨)، وهو سبب في

стр. 472

مجانبة الصواب في التفسير إذا أوقع صاحبه في الدخول على المعاني القرآنيةِ بمقررات سابقة تؤثّر في اختيار المعاني، كما قال ابن مسعود ﵁: (ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه) (١). أو إذا حمل صاحبه على عدم الاهتمام بطرق التفسير الأخرى كاللغة والسياق وأسباب النُّزول ونحوها، والمبادرة إلى حمل القرآن على أخبار أهل الكتاب دون استيعاب وجوه التفسير الأخرى. ويلاحظُ في هذه الأسباب كثرتُها وتنوُّعها، وهي في الجملة مُتَفرِّعةٌ عن أمرين رئيسيَّين: الأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده. والثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح. (٢) وبهذا يتبين أثر الاستدراكات في إبراز هذا الجانب من جوانب علم التفسير، ومدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر. والمتأمِّلُ لهذه الأسباب وما أدَّت إليه من أخطاءَ وانحرافاتٍ في التفسير في القرون المفضلة الأولى، يجدها تتكرَّرُ أسبابًا لكلِّ الأخطاءِ والانحرافات الواقعة في التفسير بعد تلك القرون، فما من خطأٍ وانحرافٍ في تفسير آيةٍ وقع بعد عهد السلف إلا وله مثالٌ سابق في ذلك العهد، أشار علماؤهم إليه، ونبَّهوا عليه، وحَذَّروا منه،

стр. 473

ووَضَّحوا الصواب فيه أوضح بيان، وبكُلِّ سبيل (١)، فأبطلوا بذلك طرائق أهل الأهواء في التفسير، وقطعوا به أصول مناهج منحرفة ما فَتِئَ أعداء الإسلام يبعثونَها بكلِّ لباسٍ في كلِّ زمان. وإن في العناية بمنهج السلف في هذا الباب، وما لهم فيه من سابقة وحسن بلاء، ما يوفِّرُ على المفسِّر من بعدهم وقتًا وجهدًا كبيرين يبذلهما في كشفِ أخطاء وانحرافات التفسير في كُلِّ عصر، ومن ثَمَّ تصحيحها وبيان الحق فيها بلا التباس، والتَوَفُّر بعد ذلك الواجب على غيره من واجبات المفسر الكثيرة التي تمسُّ الحاجة إليها. * * *

стр. 474

• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ. يتحَصَّل من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين: الأولى: المُفَسِّرُ، فإنَّ طائِفةً من أسباب الاختلاف ترجع إليه؛ كالاختلاف في درجة العلم، ودِقَّة الفهم، والقصد والإرادة، ورسوخ الإيمان والتقوى، ونحو ذلك، ولولا هذا التفاوت لَمَا وقع الاختلاف، فإنه سُنَّةٌ كونية بَيَّنها تعالى في آياتٍ شرعية، كقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام ٣٥]. والثانية: المُفَسَّرُ، وهو الآيَاتُ القُرآنِيَّة في لفظها ومعناها، كالاختلاف بسبب تعدد القراءات، والاشتراك اللفظي، والإحكام والنسخ، ونحوها ممَّا سيرد مثاله فيما يأتي. وهذا جمعٌ لأسباب الاختلاف الواردة في التفسير من خلال استدراكات السلف فيه (١): ١ - تعدد القراءات في الآيات، كما في الاستدراك رقم (٦). (٢)

стр. 475

٢ - العلم بالسنة النبوية، من حيث بلوغها وثبوتِها وفهمها، كما في الاستدراكات (٣، ٤، ١٠، ١١، ٢١، ٣٤، ٤٧). (١) ٣ - احتمال الإحكام أو النسخ، كما في الاستدراكات (١٥، ١٧، ٢٥). (٢) ٤ - احتمال العموم أو الخصوص، كما في الاستدراكات (١، ٥، ٧، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ٢١، ٣٩، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٦، ٦٠، ٦٢، ٦٥، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ٨٠). ٥ - احتمال اللفظ لأكثر من معنى، ويدخل فيه احتمال الحقيقة أو المجاز، والاشتراك اللفظي، وإجمال اللفظ، كما في الاستدراكات (٢، ٨، ٩، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٤١، ٤٦، ٤٧، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨، ٦١، ٦٣، ٦٦، ٧١، ٧٩). ٦ - الاختلاف في تحديد مرجع الضمير، كما في الاستدراكات (٥٩، ٦٢، ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠). (٣) ٧ - الاختلاف في تقدير المحذوف، كما في الاستدراكات (٢٩، ٣٨). (٤)

стр. 476

٨ - احتمال الترتيب أو التقديم والتأخير، كما في الاستدراك رقم (٣٨). (١) هذه جُملَةُ أسباب الاختلاف في التفسير، الواقعة في زمن السلف، ويُلاحَظُ فيها أمور: أولًا: أن أكثر أسباب الاختلاف في زمن السلف ترجعُ إلى أمرين: أوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص. وثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى. وهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وعُرفًا وشرعًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-. ثانيًا: من الأسباب المعتبرة في عصر الصحابة على الخصوص: العلم بالسنة النبوية؛ بلوغًا وثبوتًا وفهمًا، وتعدد القراءات في الآيات، ويَقِلُّ تأثير هذين السببين في خلاف من بَعدَهم. ثالثًا: في مقابل كثرة وقوع الخلاف من جِهَةِ تلك الأسباب يَقِلُّ أن يوجد في زمن السلف اختلافٌ سببه الجهلُ أو الهوى؛ لِقِلَّة البدعِ وأهلِها في زمانِهم، وعلى الأخصِّ في زمن الصحابة ﵃؛ فإنه أشرف العصور، (وكلما كان العصر أشرف، كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر) (٢). رابعًا: تشتركُ جميعُ أسبابِ الاختلاف المذكورة في كونِها أسبابًا مُعتَبَرَة، والخلاف الناتج عنها له حَظٌّ من النظر، ونتيجته محتَرَمةٌ في كِلا نوعي الاختلاف: اختلاف التَّنَوعِ- وأكثرُ اختلافِهِم من هذا النوع-، واختلاف التضادّ. وبِهذا يتبيَّنُ أثر استدراكات السلف في التفسير في بيان أصول أسباب الاختلاف فيه، وانحصارها في صُوَرٍ معدودة معتَبَرة، يرجع أكثرها إلى المُفرَدَةِ القرآنيَّةِ بدلالاتِها المُتعدِّدَة. * * *

стр. 477

• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ. الرأيُ لُغةً: مصدر رَأَى الشيءَ، يَرَاه، رَأْيًا، وهو ما يراه الإنسان في الأمر ببصيرته (١)، ويغلب استعماله في المرئِيِّ نفسه، ويَرِدُ في استعمال العلماء مخصوصًا بما يراه القلب بعد فِكرٍ وتأمُلٍ وطلبٍ لمعرفةِ وجه الصواب مِمَّا تتعارضُ فيه الأمارات. (٢) والتفسير بالرأي هو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه. (٣) ويُرَادِفه التفسير الاجتهادي، والتفسير العقلي، وذلك أن الاجتهاد وسيلة التفسير بالرأي، والعقل مصدرُه. وهو مسلكٌ من مسالك التفسير المعروفة، وقد وُجِد في زمان رسول الله ﷺ ، وأقّرَّ أصحابه عليه، واستعمله السلف في تفاسيرهم. (٤) وحيث إن استدراكات السلف في التفسير تُعّدُّ بطبيعتها نوعًا من الخلاف

стр. 478

المُتَضّمِّنِ لأكثَرَ من رأي؛ فإنها بِهذه الصورة تحتوي عَدَدًا من مسائل التفسير بالرأي، وتوضحُ جانبًا من هديِ السلف فيه، ومن هذه المسائل: أولًا: انحصرَ موضوع التفسير بالرأي عندهم في نوعٍ من التفسير لا يتعدَّاهُ إلى غيره؛ وهو ما يَصِحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، وبيانُ ذلك أنَّ تفسيرَ كُلِّ مُفَسِّرٍ يرجِعُ إلى أحَدِ نوعين: الأول: ما جِهَتُه النقل، كأسباب النُّزول، وقصص الآي، والمُغَيَّبات، وكُلُّ ما لا يتطَرَّق إليه الاحتمال، كاللفظ الذي ليس له غيرَ معنىً واحد في لغة العرب. وهذا النوع لا مجالَ فيه لإعمال المفسر رأيَه. والثاني: ما جِهَتُه الاستدلال، وهو كُلُّ ما تطَرَّق إليه الاحتمال، فيدخُلُه رَأيُ المُفَسِّر ونَظَرُه واستنباطُه؛ لأن توجيه المعنى إلى أحدِ المُحتملات دون غيره إنما هو برأي من المفسر. وهذا النوع هو موضوع التفسير بالرأي ومجاله. (١) ولذلك اشتَدَّ نكيرُ السلف على كُلِّ قولٍ خارجٍ عن هذا المجال، كما في الاستدراكات (٩، ٣٣، ٣٥، ٣٨، ٦٨) (٢). ثانيًا: التزم تفسير السلف بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح (٣)، ومن النادر في تفاسيرِهم وجود رأيٍ مبعثُه جهلٌ أو هوى، ومن وقع في شيء من ذلك فعن خَطأٍ منه لا يُقَرُّ عليه، ومن وقع فيه قاصِدًا تتابع عليه الإنكارُ

стр. 479

والتصحيحُ، والتحذيرُ من هذا المسلك بأكثَر من سبيل (١)، كما في الاستدراكات (١٢، ١٦، ٣٤، ٣٩، ٤٠، ٥٦، ٦٢، ٦٨، ٧٦، ٧٨). (٢) ثالثًا: يتحصَّلُ من النظر في مجموع الاستدراكات أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم؛ سواءً منه ما ليس له أصلٌ صحيح، أو ما ضَادَّ النصوصَ الثابتة، أو ما ضَعُفَ مأخَذُه. (٣) رابعًا: وفي مُقابل ذلك تكون موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها = شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر- على الحقيقة- من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا نقصٍ أو التباس، وأما ما زاد عليه من العلوم فمفيد وليس بلازم. (٤) خامسًا: كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة فما بعدهم أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وأمَّا النوع الثاني من مُسْتَنَدَي الاختلاف- وهو ما يُعلَمُ بالاستدلال لا بالنقل- فهذا أكثر ما فيه الخطأُ من جهتين، حدثَتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يُذكَر فيها كلام هؤلاء صِرفًا لا يكاد يوجد فيها شيءٌ من هاتين الجهتين) (٥)، وينظر

стр. 480

أمثلةُ ذلك في الاستدراكات (٤٠، ٤٨، ٦٨، ٧٨، ٨٠). (١) سادسًا: في الأخذِ بتفاسير السلف، وعدم الخروج عنها عِصمَةٌ من الوقوع في الرأي المذموم؛ الذي كان أحدُ أهمِّ أسباب بروزه مخالفةُ السلفِ والخروجُ عن أقوالهم؛ ولذلك جعل العلماءُ من شروط المفسِّر: (ألاَّ يكون تفسيرُه خارجًا عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة) (٢)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (من عَدَلَ عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يُخالف ذلك كان مُخطِئًا في ذلك بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه) (٣). وبِهذا يَتَّضِحُ أثر استدراكات السلف في التفسير على التفسير بالرأي، من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وبيان أَهَمِّ أسباب رَدِّه. * * *

стр. 481

• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ. تُطلَقُ المَدرسةُ ويُراد بها لغةً: مكانُ الدَّرسِ والتعليمِ (١). ثُمَّ تُوُسِّعَ في معناها حديثًا، فصار يُراد بِها في عُرف الاستعمال: (جماعةٌ من الباحثين تعتنقُ مذهبًا مُعَيَّنًا، أو تقولُ برأيٍ مُشتَرَك. ويُقالُ هو من مدرسة فلانٍ: على رأيِهِ ومذْهَبِه) (٢). وعلى هذا دَرَجَ جماعةٌ من المعاصرين (٣)؛ فاستعملوا مصطلح "مدارس التفسير" في هذا المعنى (٤)، وقَسَّموا هذه المدارس بحسب أمصار أعلام المفسرين

стр. 482

من الصحابة والتابعين (١)، ومَيَّزوا كُلَّ مدرسةٍ بخصائص تنفرد بِها عن غيرها. وقد انحصرت بِهذا مدارسُ التفسيرِ في ثلاثِ مدارس (٢): الأولى: مدرسة ابن عباس ﵁ بِمَكَّة، وأشهر تلاميذها سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤). الثانية: مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ ﵁ بالمدينة، وأشهر تلاميذها أبو العالية (ت: ٩٣)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١٠٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦). (٣) الثالثة: مدرسةُ ابن مسعود ﵁ في العراق، وأشهر تلاميذها علقمة بن قيس (ت: ٦٢)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣)، والشعبي (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧).

стр. 483

وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس (١)، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت بعض المسائل في هذا الجانب، وهي: أولًا: مع أن الاستدراكات هي مَظِنَّة بروز التمايز والتنوع بين هذه المدارس لطبيعة اختلاف الأقوال فيها- على ما سبق وصفه-، ومع كثرة هذا التداخل في الاستدراكات بين مختلف المدارس المذكورة = إلا أنه لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه. ثانيًا: كما أنه لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس- المذكور- على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم (٢)، وهذا يشير إلى أمرين: أولهما: ضعف الوحدة الفكرية الواجبِ توفُّرها في المدارس التفسيرية، والتي تقتضي قِلَّة هذا الاختلاف داخل المدرسة الواحدة. (٣)

стр. 484

ثانيهما: لا فرق عند المستَدرِك في استدراكه بين قائلٍ وآخر، بل ربما وقع الاستدراك من الطالب على شيخه (١)؛ فإنهم لا يلتزمون آراء شيوخهم في كل موضع في التفسير، بل يجتهدون ثم يوافقون أو يخالفون عن عِلمٍ وعَدلٍ، ولم يكن تنوُّع الأمصار وتعدد الشيوخ مثيرًا لأحدهم في اعتراضه واستدراكه على غيره. ثالثًا: إن كان المُرادُ باختلاف المدارس وتنوعها اختلافًا فكريًا منهجيًّا يَمَسُّ أصول التفسير ومنهجه فهذا غير موجود بين السلف كما سيأتي، وإن كان المُراد بهذا التنوع اختلافًا وتمايُزًا فرعيًا جزئيًّا فهو موجود- وبشكلٍ ظاهرٍ كما سبق- في داخل كُلِّ مدرسةٍ تفسيرية، فعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن (٢) وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع. رابعًا: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير،، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ هذه المدارس في الإلمام بكامل هذه الجوانب، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم، فاعتماد أحدهم في تفسيره على القراءات أو الشِّعْر لا يعني عدم اعتماد الآخر عليها، أو رَدِّه لها، وإنما هو تفاوت في الإقلال أو الإكثار من هذا المصدر أو ذاك. هذه أبرز المسائل المتعلقة بالمدارس التفسيرية، والتي برزت من خلال

стр. 485

استدراكات السلف في التفسير، وهي في مجملها- في الاستدراكات المدروسة وغيرها- لا تحتوي أيَّ إشارةٍ تَدُلُّ على وجود هذه المدارس في عصر السلف، بحسب المعنى اللغوي المتعارف عليه لهذه الكلمة. فإذا انضاف إلى هذه المسائل عدمُ وجودِ تعريفٍ واضحٍ لهذا المصطلح عند من استعمله، وعدمُ الاتفاقِ على تقسيمٍ واحدٍ مستوعِبٍ لهذه المدارس، وعدمُ صحةِ نسبةِ عددٍ من أعلام مفسري التابعين إلى هذه المدارس؛ لا بحسب الشيوخ، ولا بحسب الأمصار، وعدمُ شمولِ هذا المصطلح ليستوعبَ كُلَّ من له مشاركة في علم التفسير من أعلام التابعين، وحيث إن كلمة "مدرسة" في عُرف الاستعمال تتضَمَّن نوعًا من الاختلاف أكبرُ وأعمقُ من الاختلاف الموجود بين السلف في علم التفسير، وفي غيره من العلوم = اقتضى ذلك كُلُّه إعادةَ النظرِ في هذا الاصطلاح؛ وتجاوزه إلى التعبير بما هو أصَحُّ وأدقُّ في الدلالة على المُراد منه؛ سواءً في بيان أئمة المفسرين من الصحابة ومن لهم جمهرةٌ من الطلاب اختَصُّوا بهذا العلم، أو بيان أشهر الأمصار التي تميزت ببثِّ علم التفسير بصورة واضحة. ومِمَّا يَصِحُّ أن يُعَبَّر به في هذا المقام، قول ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀: (وأما التفسير فإن أعلمُ الناس به أهلَ مكةَ؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب) (١). * * *

стр. 486

• الْخَاتِمَة • الحمد لله على إتْمام النعمة، واكتمال مباحث هذه الرسالة، وأسأله تعالى المزيد من فضله وتوفيقه، وبعد: فهذا آخرُ هذا البحث وخاتِمَتُه، والتي أعرضُ فيها- بإذن الله- أبرزَ النتائج، وأهمَّ التوصيات، موضِّحًا جُملَةً من القضايا التي تبيَّنَت وتأكَّدَت من معاناة هذا البحث عدَدَ سنين، على ضخامة مادَّته، وتشَعُّب علومه ومسائله، وقد ثنيتُ القلم مرارًا عن كثير من العلم؛ اقتصارًا منه على ما توثَّقت صلته بعلم التفسير، وعَظُمَت فائدته فيه. وتتلخَّصُ هذه النتائج فيما يأتي: أولًا: إن أَهَمَّ وأَجَلَّ مرحلةٍ في تاريخ علم التفسير هي: التفسير في عهد السلف؛ من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إذ إنها مرحلةُ نشأةٍ ونضوجٍ، واكتمالٍ وتمام في آنٍ واحد، فقد تكامل هذا العلم بأصوله وقواعده، ومنهجه وطرائقه في ذلك العهد الفاضل، وهذا من مقتضى خيرية تلك القرون الكاملة في العلم والدين، وهو كذلك ما يوقن به كُلُّ مطالعٍ لأخبارهم، ودارسٍ لتراثهم في هذا الباب. ثانيًا: للتوصُّل إلى أنواع العلوم والمعارف التفسيرية في زمن السلف يَتَعَيَّنُ تفصيل طرائقهم ومسالكهم في تناول هذا العلم بيانًا وتبليغًا، ومنها هذا النوع من أنواع البيان، وهو: الاستدراكات في التفسير. ثالثًا: اهتمَّ مُفَسِّروا السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وصَحَّحوا للناس معاني القرآن كما صَحَّحوا لهم أداء ألفاظه، ولأجلِ ذا تميَّزت تفاسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا.

стр. 487

رابعًا: نَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ فإنها طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان هذا الأسلوب من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة. خامسًا: اعتمدَ السلفُ كثيرًا على هذا النوع من البيان في الكشف عن معاني القرآن وتصحيحها. سادسًا: كان أوَّلُ ظهور الاستدراكات في هذا العلم: في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير. سابعًا: أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه. ثامنًا: كُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير، وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير: "جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن" لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) ﵀. تاسعًا: تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وكان من موضوعاتها الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها وقراءاتها.

стр. 488

عاشرًا: دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين: الأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا. والثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا. إحدى عشر: تمَيَّز هذا النوع من أنواع بيان علم التفسير باشتماله على جُملَةٍ وافِرةٍ من أصوله ومسائله، بل تعَدَّى أثرُه ليشمل عامَّة أصول ومسائل علم التفسير، على تفاوتٍ في وضوح ذلك وخفائه في كُلِّ موضع. اثنى عشر: أبرزَ البحثُ أثر استدراكات السلف في التفسير على أربعة فروع من علوم التفسير، وهي: ١ - وجوه الترجيح في التفسير، وهي وإن لم تكن بهذا الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم ومرجعهم في الترجيح والاختيار، وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، ثم استخراجها منها. وقد قَرَّبَت الاستدراكاتُ هذه الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصر أنواعها، وما يُعتَبَرُ منها، وجعلتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا. ٢ - أسباب الخطأِ في التفسير، إذ تَضَمَّنت الاستدراكاتُ إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من هذه الأسباب، والتي بلغت أربعةً وعشرين سببًا، تتفرَّع في جُملَتِها عن أمرين رئيسيَّين: الأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده. والثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح.

стр. 489

وكان من أثر الاستدراكات في هذا الجانب إبرازه، وبيان مدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر. كما بَيَّن البحث أن هذه الأخطاء كانت أصول وبذور كُلِّ خطأٍ وانحراف حدث بعد ذلك في التفسير. ٣ - أسباب الاختلاف في التفسير، فقد تَبَيَّن من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين: الأولى: المُفَسِّر. والثانية: الآيات القرآنية لفظًا ومعنىً. وقد أمكن حصرُ هذه الأسباب في ثمانية أوجه، كُلُّها أسبابٌ معتبرة، وليس فيها خلافٌ مبعثه جهلٌ أو هوى، وأكثرها راجعٌ إلى أمرين: أوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص. وثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى. وهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وشرعًا وعُرفًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-. ٤ - التفسير بالرأي، وهو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه. وقد اتَّضَحَ أثر الاستدراكات في التفسير على هذا الجانب من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وأهمِّ أسباب ردِّه. وقد كان تفسير السلف بالرأي محصورًا في ما يصحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، ثُمَّ التزم تفسيرهم بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح، وتَبَيَّن أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم، وأن موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها، شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا

стр. 490

نقصٍ أو التباس. ثُمَّ كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير. ثالث عشر: بَيَّن البحث المراد بمدارس التفسير عند من استعمله من الباحثين، وحَدَّد أمصارها، وأعلامها من الصحابة والتابعين. وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت مسائل مهمة في هذا الجانب، وبيانها: ١ - لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه. ٢ - لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم. ٣ - أن الاختلاف بين مدارس التفسير إمَّا أن يكون أصليًّا جوهريًّا، وهذا غير موجود بينهم، بل أثبت البحث اتفاق أصولهم واتحاد منهجهم. وإمَّا أن يكون فرعيًّا ثانويًّا وهذا موجود داخل المدرسة الواحدة من هذه المدارس، وعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع. رابع عشر: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، والإسرائيليات، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ السلف في الإلمام بهذه الجوانب على الكمال، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم.

стр. 491

خامس عشر: تَجَلَّت في هذا الموضوع صورٌ مشرقةٌ من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض، كما أوَضَّح البحث أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه، وقد احتوى في أثناء ذلك الخلاف على نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى. هذه أبرز نتائج الدراسة، وقد اشتملت إلى ذلك على عدد من المسائل العلمية التي تحتاج إلى مزيد بيانٍ وقصدٍ بالجمع والتحقيق، إلى جانب بعض التوصيات الهادفة إلى رفع مستوى التأصيل والإيضاح لجُملَةٍ من علوم التفسير والقرآن، وأُجمِلُ جميع ذلك فيما يأتي: أولًا: توجيه الباحثين إلى تمييز طرائق السلف ومناهجهم في هذا العلم، ومن ثَمَّ إفراد هذه الطرائق بالجمع والدراسة، واستخلاص أصول وشواهد علوم التفسير المتنوعة من هذا المجموع بعد ذلك، على سَنَن دراسة استدراكاتهم في التفسير. ثانيًا: الدعوة إلى جمع مرويَّات التفسير وعلومه من جميع كتب الإسلام المسندة في كافَّة العلوم، لتكون موردًا أصيلًا لكلِّ دراسةٍ احتاجت إلى مطالعة تلك المرويَّات والصدور عنها. فقد رأيت أثناء جمعي لروايات الاستدراكات من كتب التفسير والسنة، أن ثَمَّةَ جُملَةً وافِرَةً من المرويات التفسيرية في غير هذه الكتب، وأخُصُّ من ذلك كتب اللغة والأدب، والوعظ والرقائق. وهذا مشروع جليل ضخم، يحتاج إلى جهاتٍ إشرافية وتنفيذيَّة على قدرٍ عالٍ من الكفاءة والتحقق في هذا العلم. (١)

стр. 492

ثالثًا: تكرر عن السلف: "الاستنباط" و"التفسير على الإشارة والقياس"، وهذا النوع من العلوم يحتاج إلى دراسةٍ وافيةٍ تُبَيِّنه، وتحدد مجاله، ومنْزلته من التفسير، وتطبيقاته عند السلف، ونحو ذلك ممَّا يزيده جلاءً وبيانًا؛ لشِدَّة الحاجة إلى تحريره وتأصيله من خلال تفاسير السلف على الخصوص. (١) رابعًا: وجوب العناية بتقريب معاني الآيات، وتسهيلها للناس بكلِّ سبيل مباحٍ مُتاح، كما كانت عادَة السلف في ذلك، من نحو التفسير على المعنى، والإجمال والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، وربط الحوادث المستجدَّة لديهم بمعاني صحيحة من آيات القرآن. خامسًا: يلزم العناية بآثار السلف في الإشارة إلى أسباب الخطأِ في التفسير، والصدور عنها في رّدِّ كُلِّ انحراف وخطأٍ يحصل في تفاسير من بعدهم في كُلِّ زمان ومكان. سادسًا: أهمية جمع الإسرائيليات الواردة عن الصحابة على وجه الخصوص، ثُمَّ دراستها دراسةً تحليلية، تكشف عن منهجهم فيها، وتؤَصِّل لمن بعدهم هديًا قصْدًا لا إفراط فيه ولا تفريط. (٢) هذا ما تيسر جمعه والدلالة عليه، وبالله تعالى التوفيق، وأسأله تعالى حُسنَ القبول، وحُسنَ الخِتام، وآخرُ دعوايَ أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. * * *