← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(ت: ٣٧٠) كلا المعنيين؛ تكثيرًا للمعاني، وجمعًا بينها. (١) واختار أن التذكير في الآية: ضد النسيان، سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاكُ (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (٢)، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهم (٣)، وهو الصواب من معنى الآية؛ لأنه الظاهر المُتبادر من اللفظ في هذا السياق، ولدلالة السياق عليه دلالةً صريحةً، إذ المُقابِلُ للضلال والنسيان المذكور فيها: التذكر بعد النسيان. (٤) أمَّا قولُ ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) فهو عند عامَّة المفسرين قولٌ غريبٌ شاذٌّ بعيدٌ باطلٌ (٥)،

стр. 422

من مُنْكَر التأويل (١)، وبدع التفاسير (٢)، ويتبَيَّن خَطَؤه من وجوه: الوجه الأول: خروجه عن مقتضى اللغة، فقد ذكر النحاس (ت: ٣٣٨) أنه قولٌ لا يعرفه أهل اللغة (٣)، وجعله أبو بكر النقاش (ت: ٣٥١) في مقدمة تفسيره ضمن باب: في شواذ التفسير ممَّا يُنكِره أهل اللغة والنظر، ويتذاكر به أصحاب الأخبار والأثر (٤). وكذا أدرجه أبو نصر الحدادي (٥) (ت: بعد ٤٠٠) في كتابه "المدخل لعلم التفسير" ضمن باب: ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصلٌ عند النحويين ولا في اللغة (٦). وبَيَّن أبو حيّان (ت: ٧٤٥) خللَ هذا القول من جهة اللغة فقال: (إن المحفوظ أن هذا الفعل لا يتعدى، تقول: أذكَرَت المرأةُ فهي مُذكر، إذا ولدت الذكور، وأما: أذكَرَت المرأةَ، أي: صيرتها كالذَّكَر، فغير محفوظ) (٧). الوجه الثاني: أن السياق صريحٌ في إرادة التذكير الذي هو ضد النسيان، قال ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): (والذي يَصِحُّ أن يعقُبَ الضلالَ والغفلَةَ: الذِّكرُ) (٨)، والضالَّة منهما إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار. (٩)

стр. 423

الوجه الثالث: اختلاله من جهة المعنى، وذلك من وجهين: أولهما ذكره النحاس (ت: ٣٣٨) بقوله: (لو كان إنما معناه: تجعلها بمنْزلة الذَّكَر. لم يُحتَج إلى ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأنها كانت تجعلها بمنْزلة الذَّكَر، ضَلَّت أو لم تَضِلّ، ولا يجوز أن تُصَيِّرها بمنْزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها) (١). وثانيهما ذكره أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٢) ومعناه: أنه لو سُلِّمَ بأن أذكَرَ بمعنى: تصيرها ذَكَرًا. فلا يصح؛ لأن التصيير ذَكَرًا سيشملُ المرأتين، إذ كلتاهُما سَتُذَكِّرُ الأُخرى على هذا التأويل، فتصبح شهادة المرأتين كشهادة رجلين، وهذا باطل. الوجه الرابع: أن النساء لو بَلَغنَ ما بَلَغنَ، ولم يكن معهنَّ رجلٌ لم تَجُز شهادَتُهُن (٣)، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذَكَّرَت الأولى) (٤). ولا حُجَّة لهذا القول في القراءة السبعية المذكورة؛ فإن "ذَكَّرَ وأَذْكَرَ" بمعنىً واحد، قال الجوهري (٥) (ت: ٣٩٣): (وذكرتُ الشيءَ بعدَ النسيانِ، وذَكَرْتُه بلساني وقلبي، وتَذَكَّرتُه، وأَذْكَرتُه غيري، وذَكَّرتُه بمعنىً) (٦)، قال مكيّ (ت: ٤٣٧): (فالقراءتان مُتعادِلتان) (٧)، أي في المعنى.

стр. 424

الوجه الخامس: ما قاله ابنُ جرير (ت: ٣١٠) عن هذا القول: (أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ) (١). وليس ذهابُ الجصاص (ت: ٣٧٠) للأخذ بكلا المعنيين للفائدة المتجددة في كلتيهما، بأولى من جمع القراءتين على معنىً واحدٍ صحيحٍ لُغةً وسياقًا ومعنىً، خاصَّةً إذا عُلِمَ ضعفُ أحد معنيي قراءة منهما، فالصواب يكون في حملها على معنى القراءة الثانية إذا صَحَّ ذلك لُغةً. وأمَّا تخريجُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) لقول ابن عيينة (ت: ١٩٨) على أنه رُبَّما أراد أن المرأة الأولى تعين الأُخرى وتُجَرِّئها على ذكرِ ما نَسِيَت، فتُقَوِّي ذاكِرَتَها بالتذكير حتى تكون كالرجل في التَّذَكُّر، كقولهم للشيء القوي في عمله: ذَكَر، وكما يُقال للسيف الماضي في ضربه: سيفٌ ذَكَر (٢) = فبعيدٌ لا وجه له؛ لنفي ابن عيينة (ت: ١٩٨) الصريح لمعنى التذكر المقابل للنسيان، ولأن مُؤَدَّاه للقول الثاني بعد تطويلٍ شديد، (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد) (٣)، وقد قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بِها عن معاني القرآن أقربَها إلى فهم سامعيه) (٤). * * *

стр. 425

[٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢]. قال سفيان بن عيينة: (ليس في الأرضِ صاحبُ بدعةٍ إلا وهو يجدُ ذِلَّةً تَغْشَاه، وهو في كتابِ الله. قالوا: وأين هي من كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قولَه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف ١٥٢]. قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجلِ خاصَّةً. قال: كلا، اتلوا ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، فهي لكل مُفتَرٍ ومُبتَدعٍ إلى يوم القيامة) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب بعضُ جلساءِ ابن عيينة (ت: ١٩٨) إلى أن الوعيد الوارد في الآية خاصٌّ بأصحابِ العجل، الذين سِيقَ الحديثُ عنهم فيها، ولا يعدوهم إلى غيرهم، فيكون المعنى: وهكذا نجزي هؤلاء المفترين الذين زعموا أن العجل إلاهُهُم. فهو تخصيصٌ لمعنى الآيةِ بحسب سياقها وقصَّتها. فبَيَّنَ لهم ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) من هذه الآية معنىً عامَّا، وذكر أنَّها شاملةٌ لكُلِّ مُفتَرٍ ومُبتَدِعٍ إلى يوم القيامة. وهذا العموم مأخوذٌ من لفظ الآية وهو قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، أي: وبمثل هذا العذاب نَجزي كَلَّ مُفتَرٍ. وهو ما استدَلَّ به على من استنكر قوله.

стр. 426

* الحكم على الاستدراك: عُرِفَ ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) بالاستنباطات الحسنة، والمنازِع المُستحسنة من الآيات (١)، ومن ذلك إدخاله المبتدعةَ في معنى الآية، فإن الابتداع افتراءٌ على الله ورسوله، كما قال تعالى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام ١٤٠]، وقال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]، وقال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل ٥٦]، وقال أيضًا ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل ١١٦] (٢)، وقد شمل عموم قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢] كُلَّ مُفتَرٍ على الله تعالى، فمن ثَمَّ صَحَّ تفسير ابن عيينة (ت: ١٩٨) للآية بذلك، مع ملاحظة أن أَوَّلَ المعاني دخولًا في الآية أصحاب العجل، ثم من شمله لفظ الآية بعدهم، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (المُراد أوَّلًا أولئك الذين افتروا على الله في عبادة العجل، وتكون قُوَّةَ اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مُفتَرٍ إلى يوم القيامة) (٣). وقد ورد نحو قول ابن عيينة (ت: ١٩٨) عن جماعة من السلف، كجارية بن قدامة ﵁ (٤)، وقيس بن عُبَاد (٥) (ت: بعد ٨٠)، وأبي قِلابَة (ت: ١٠٤)، والحسن

стр. 427

(ت: ١١٠)، وأيوب السختياني (١) (ت: ١٣١)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، والفضيل بن عياض (٢) (ت: ١٨٧). (٣) وورد حملُ الآية على عمومها عن ابن عباس ﵁ (٤)، وعليه عامَّة المفسرين (٥)، وهو الصواب. وما ذهب إليه بعض أصحاب ابن عيينة (ت: ١٩٨) من تخصيص الآية بأصحاب العجل، وعدم شمولها من سواهم قصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا من القصور في الفَهم، وقد أشار ابن القيم (ت: ٧٥١) إلى ذلك فقال: (وكذلك الحالُ في أحكامٍ وقعت في القرآن كان بُدُوُّ افتراضِها أفعالٌ ظهرت من أقوامٍ، فأنزل الله بسببها أحكامًا صارت شرائعَ عامَّةً إلى يوم القيامة، فلم يكن من الصوابِ أضافتها إليهم، وأنهم هم المرادون بها، إلا على وجه ذكر سبب النُّزول فقط، وأن تناولها لهم ولغيرهم تناولٌ واحدٌ)، ثُمَّ قال بعد أن مَثَّل لذلك: (ومن تأمَّلَ خطابَ القرآنِ وألفاظَه، وجلالَةَ المُتَكلِّم به، وعظمةَ مُلكِه،

стр. 428

وما أراد به من الهدايةِ العامَّةِ لجميع الأمم، قرنًا بعد قرنٍ إلى آخرِ الدهر، وأنه جعله إنذارًا لكل من بَلَغه من المُكلفين، لم يَخفَ عليه أن خطابَه العامُّ إنَّمَا جُعِلَ بإزاءِ أفعالٍ حسنةٍ محمودةٍ، وأخرى قبيحةٍ مذمومةٍ، وأنه ليس منها فعلٌ إلا والشَّرِكَةُ فيه موجودةٌ أو ممكنةٌ، وإذا كانت الأفعال مُشتَرَكة، كان الوعدُ والوعيدُ المُعَلَّقُ بها مشتَرَكًا، ألا ترى أن الأفعالَ التي حُكِيَت عن أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأضرابِهم، وعن عبد الله بن أُبَيّ، وأضرابِه، كان لهم فيها شركاءُ كثيرون، حُكمُهُم فيها حُكمُهُم؟ ولهذا عَدَلَ الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم، إلى ذكر أوصافهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لئلا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم اختصاصَ الوعيدِ بهم وقصره عليهم، وأنه لا يجاوزهم، فَعَلَّقَ سبحانه الوعيدَ على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماءِ من قامت به (١)، إرادةً لتعميم الحكم، وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم .. ، ولو أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المُستَكرَهَة المُستَغرَبَة، وحملوا العمومَ على الخصوص، وأزالوا لفظَ الآية عن موضوعه، علموا ما في ذلك من تصغير شأن القرآن، وهضمِ معانيه من النفوس، وتعريضه لجهلِ كثيرٍ من الناس بما عَظَّمَ اللهُ قدرَه، وأعلى خَطَرَه، لأَقَلُّوا مما استكثروا منه، ولَزَهِدوا فيما أظهروا الرغبة فيه، وكان ذلك من فعلهم أحسنُ وأجملُ وأولى بأن يُوَفَّى معه القرآنُ بعضَ حَقِّه من الإجلال والتعظيم والتفخيم، ولو لم يكن في تفسير القرآن على الخصوص دون العموم إلا ما يتصوره التَّالِي له في نفسه، من أن تلك الآيات إنما قُصِدَ بها أقوامٌ من الماضين دون الغابرين (٢)، فيكون نفعه وعائدته على البعض دون البعض، لكان في ذلك ما يُوجِب النُّفرَة عن ذلك، والرغبة عنه) (٣).

стр. 429

ومن مسائل هذا الاستدراك: بيانُ أن ما ذهب إليه بعضُ أصحابِ ابن عيينة (ت: ١٩٨) تفريطٌ في فهم المعنى، يُقابلُه إفراطٌ في تحميلِ الآيةِ ما لا تحتمله من المعاني، والحسنةُ بين سيِّئَتين؛ وذلك بتوفيةِ الألفاظ حَقَّها من المعاني بلا زيادةٍ ولا نقص، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والعلمُ بمرادِ المتكلمِ يُعرَف تارةً من عمومِ لَفظِه، وتارةً من عمومِ عِلَّتِه، والحَوَالَةُ على الأوَّل أوضَحُ لأربابِ الألفاظ، وعلى الثاني أوضحُ لأربابِ المعاني والفهم والتدبر، وقد يعرضُ لكُلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مُراد المتكلم، فيَعرِضُ لأربابِ الألفاظِ التقصيرُ بها عن عمومها، وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوقَ ما أُرِيدَ بها تارةً، ويعرض لأربابِ المعاني فيها نظيرُ ما يعرضُ لأربابِ الألفاظ، فهذه أربعُ آفاتٍ هي منشَأُ غَلَطِ الفريقين)، ثُمَّ مَثَّل لذلك، وقال: (ولهذا كان معرفةُ حدود ما أنزل الله على رسوله أصلُ العلم وقاعدته وآخِيَّتُه التي يَرجَعُ إليها، فلا يُخرِج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخِلُ فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقها، ويفهم المراد منها) (١). * * * [٧٨] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥]. قيل لأبي جعفر الباقر في هذه الآية: (مَنْ الذين آمنوا؟ قال: الذينَ آمنُوا. وفي لفظ: أصحابُ محمدٍ ﷺ . قيل له: بلغَنَا أنها نَزَلت في علي بن أبي طالب. قال: عليٌّ من الذين آمنوا) (٢).

стр. 430

* تحليل الاستدراك: ذُكِرَ لأبي جعفر (ت: ١١٤) أن المُراد بالذين آمنوا في الآية علي بن أبي طالب ﵁ خاصًّةً، ومن ذهب إلى ذلك جعل جملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥] حالًا، وحملوا الركوعَ على ركوعِ الصلاةِ، أي: يؤتون الزكاة حالَ ركوعهم في صلاتهم. واعتمدوا أيضًا سبب النُّزول الوارد، وهو أن رجلًا سألَ صدقةً وكان عليٌّ ﵁ راكعًا في صلاة، فأخرج له خاتَمَه وكان من فِضَّة، وتصدقَ به عليه، فأخبر المسكينُ رسولَ الله ﷺ بذلك، فأنزل الله هذه الآية (١). كما يقوي هذا التخصيص صحةُ إطلاقِ الكُلّ وإرادة البعض لُغةً، فتكون هذه الآية من العام الذي أُريدَ به الخصوص (٢)، وقد صَحَّ في معنى هذه الآية من السنة قوله ﷺ : (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) (٣).

стр. 431

وذهب أبو جعفر (ت: ١١٤) إلى أن المُراد بالآية العموم، وهم: الذين آمنوا. ومعتمده في ذلك ظاهرُ لفظ الآية، فإن ﴿الَّذِينَ﴾ [المائدة ٥٥] في الآيةِ من صِيَغ الجمع وألفاظِ العمومِ لُغةً (١)، كما يدل عليه سببُ نُزول هذه الآيات وما قبلها، فهي نازلةٌ في عُبادة بن الصامت ﵁ حين تَبَرَّأ من حلفِ اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين (٢). ويدل على عمومها سياق الآيات قبلها وبعدها، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (إنه من المعلوم المُستَفيض عند أهل التفسير خَلَفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن مُوَالاة الكُفار، والأمر بموالاة المؤمنين) (٣)، ثُمَّ قال: (إن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبر القرآن، فإنه قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١]، فهذا نهيٌ عن موالاة اليهود والنصارى، ثُم قال ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا

стр. 432

دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة ٥٢]، إلى قوله ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٥٣]، فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار كالمنافقين، ثم قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة ٥٤]، فذكر فعل المرتدِّين و أنهم لن يَضُرُّوا الله شيئًا، و ذكر من يأتي به بَدَلَهُم، ثم قال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٥ - ٥٦]، فتضمن هذا الكلامُ ذكرَ أحوالِ من دخل في الإسلام من المنافقين، و مِمَّنْ يرتَدُّ عنه، وحالِ المؤمنين الثابتين عليه ظاهرًا و باطنًا) (١). كما أن لهذا المعنى نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١]، وقوله ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم ٤]، ومن سُنة رسول الله ﷺ قوله: (إن آلَ أبي فُلانٍ ليسوا لِي بأولياء، إنما وليِّي اللهُ وصالحُ المؤمنين) (٢)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (معناه: إنما ولِيِّي من كان صالحًا وإن بَعُدَ نسبًا منِّي، وليس ولِيِّي من كان غيرَ صالِحٍ وإن كان نسبُهُ قريبًا) (٣). * الحكم على الاستدراك: لا يُعرَفُ عن أحدٍ من السلف والمفسرين أن هذه الآيةَ خاصَّةٌ بعليٍّ ﵁ فلا تتناول غيره، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (أجمع أهلُ العلم بالنقل على أنها لم تَنْزل في عليٍّ بخصوصه)، والقولُ بالعُموم في الآية هو الصوابُ لُغةً وسَبَبًا وسِيَاقًا، وهو ظاهر

стр. 433

الآيةِ المُحتَفُّ بنظائره من الكتاب والسنة، قال ابن عباس ﵁: (من أسلَمَ فقد تولَّى الله ورسولَه والذين آمنوا) (١). وهو قول ابن عباس ﵁، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وأبي جعفر الباقر (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعتبة بن أبي حكيم (٢) (ت: ١٤٧) (٣)، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهُم (٤). ونَصَّ جماعةٌ من السلف على نفي التخصيص في الآية بقولهم: (عليٌّ من الذين آمنوا)، كما ورد عن ابن عباس ﵁، وأبي جعفر الباقر (ت: ١١٤)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، وعُتبةُ بن أبي حكيم (ت: ١٤٧) (٥). وما ورد عن بعضهم من أنها نزلت في علي ﵁ (٦) فليس مُرادُه أنها لا تتناول غيره، وإنما هو عنده تمثيلٌ لمعنى الآية، وبِهذا يَصِحُّ الإجماع على عموم معنى الآية كما ذكره ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀.

стр. 434

وما ذهب إليه من زَعَم التخصيص (١) فليس فيه مُستَمسَك، وقد أجاب عنه العلماء (٢) بِما يأتي: أولًا: سبب النُّزول المذكور باطلٌ موضوعٌ كما سبق تخريجه. ثانيًا: الأصل بقاء العام على عمومه، ولا يُصَارُ إلى التخصيص- فضلًا عن إرادة الخصوص- إلا بدليل صحيح صريح يتعيَّنُ المصير إليه. قال البيضاوي (ت: ٦٨٥): (مع أن حمل الجمع على الواحد أيضًا خلاف الظاهر) (٣). ثالثًا: أن حملَ الواو في قوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥] على العطف هو الأكثر، وهي المعروفة المُتبادرة في مثل هذا الخطاب (٤)، ولا دليل على أنها واو حال لا من السياق ولا من خارجه. رابعًا: أن الآيةَ جاءت في بيان وصف المؤمنين الذين هم أهل الولاية، فوصفهم الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومُداوَمَة الركوع، والتعبير بالجملة الإسمية- ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥]- مُفيدٌ للدوام والثبات على هذا الوصف، وإكثارهم من

стр. 435

النوافل بعد الفرائض (١)، وهذه الآية بمنْزلة قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]، وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (من عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه) (٢). خامسًا: أن ثَناء الله تعالى على هذا الفعل في الصلاة يجعله دائرًا بين الوجوب والاستحباب؛ لأن الله تعالى لا يُثني إلا على ما هو محمودٌ عنده، والصدقةُ والهدية والعتق والهبة والإجارة والنكاح والطلاق ونحوها من العقود ليست مُستحبة ولا واجبةٌ في الصلاة باتفاق المسلمين، بل كثيرٌ منهم يُبطِل الصلاة بمثل ذلك وإن لم يتكلم فاعله، بل تبطل بالإشارة المفهومة (٣). ثُمَّ مُقتَضى إقامة الصلاة المذكور في الآية خُلُوُّها من أي عملٍ فيها من غير جنسها ولو قيلَ بإباحته. (٤) سادسًا: أنه لو قُدِّر أن هذا مشروعٌ في الصلاة لم يختص به الركوع، بل فعله في القيام والقعود أولى منه وأيسر. فإن قيل: أُرِيدَ بهذا التعريف، لا المدح بالوصف. قيل: وكيف يُتركُ تعريفُ علي ﵁ بالأمور الكثيرة المعروفة الظاهرة، ويُعرَّفُ بأمرٍ لا يعرفه إلا من سمعه وصَدَّقه؟! سابعًا: أن حمل لفظ الزكاة على التصدُّق بالخاتم فيه بُعدٌ؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا

стр. 436

بلفظها المختصِّ بها، وهو: الزكاة المفروضة. (١) ثامنًا: مُقتضى الآية على هذا القول: أن عليًّا ﵁ آتى الزكاة حالَ ركوعه. وعليٌّ ﵁ مِمَّنْ لم تجِب عليه على عهد رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا، وعليٌّ ﵁ لم يكن من هؤلاء. (٢) تاسعًا: أن المُراد بالوَلاية في الآية: المحبةُ والنصرة والإعانة. فهي ولايةٌ في الدين، وليس يُرادُ بها: الوِلاية، التي هي الإمارة والسلطنة. والفرقُ بينهما ظاهِرٌ معروف، فالأمير يُسَمَّى الوالي، ولا يُسمَّى الوليّ، فلفظ الوَليّ والوَلاية غير لفظ الوالي، والآيةُ عامَّةٌ في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامَّة. قال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (فالمولَى والوَليُّ واحد، والدليل على هذا قوله ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، ثُمَّ قال في موضعٍ آخَر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١]، فمعنى حديث النبيصلى الله عليه وسلم - من كنت مولاه-: في ولاية الدين، وهي أجَلُّ الولايات) (٣). عاشرًا: أن الله سبحانه لا يُوصَفُ بأنه مُتَوَلٍّ على عباده، أو أميرٌ عليهم، ﷻ وتقدست أسماؤه، فإنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم، وله الخلق والأمر. بل الرسول ﷺ أيضًا لا يُقال إنه مُتَوَلٍّ على الناس وأميرٌ عليهم، فإن قدرَه أجلُّ من ذلك. حادي عشر: ومن ثَمَّ فلا حُجَّة لهم في قوله ﷺ : (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)؛ لأن معناه كما قال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (من كنت وليًّا له أُعينه وأنصره، فعليٌّ يعينه وينصره في الدين) (٤).

стр. 437

ثاني عشر: أنه ليس كُلُّ من تَوَلَّى عليه إمامٌ عادلٌ يكون من حزب الله، ويكون غالبًا، فإن أئمة العدل يتوَلَّون على المنافقين والكُفار، كما كان تحت حكم النبي ﷺ في المدينة ذِمِّيُون ومنافقون. ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: أن تخصيص عموم المعاني القرآنية بلا دليل تحريفٌ لمعاني كتاب الله تعالى، وقصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا تقصير في الفهم يبعث عليه غالبًا الجهلُ والهوى (١)، وقد عَدَّ الأصفهاني (ت: ٧٤٩) هذا القصرَ من التأويل المُستَكرَه؛ وهو ما يُستَبْشَعُ إذا سُبِرَ بالحُجَّة (٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وهكذا تجدُ كلَّ أصحاب مذهب من المذاهب إذا ورد عليهم عامٌّ يخالفُ مذهبهم ادَّعوا تخصيصه، وقالوا: أكثرُ عمومات القرآن مخصوصةٌ. وليس ذلك بصحيح، بل أكثرُها محفوظةٌ باقيةٌ على عمومها. فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرةٍ باطلة) (٣). ثانيًا: من أهم أسباب الغلط في التفسير: الجهل بلغةِ العرب عمومًا، وبالفروق اللغوية بين الألفاظ المُتشابهة وحملها على معنىً واحدٍ خصوصًا، وهو من أبواب التحريف المَطروقة عند المبتدعة، قال الحسن (ت:): (أهلكتكم العُجْمَةُ، تتأوَّلون القرآنَ على غير تأوِيلِه) (٤)، وقال الزهري (ت: ١٢٤): (إنما أخطأَ الناسُ في كثيرٍ من تأويلِ القرآن لجهلهم بلغة العرب)، وقال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت أيوب السختياني يقول: عامَّةُ من

стр. 438

تزندَقَ بالعراق لجهلهم بالعربية) (١)، وقال الدارمي (ت: ٢٨٠) مُبَيِّنًا أثر المبتدعة في اللغة: (لقد تَقَلَّدتَ أيها المُعارض من تفاسير هذه الأحاديث أشياء لم يسبقك إلى مثلها فصيحٌ ولا أعجميّ، ولو قد عِشتَ سِنينَ لقلَبتَ العربيةَ على أهلها) (٢). * * * [٧٩] ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]. قال ابنُ قتيبة في قوله تعالى ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]: (قال أبو عبيدة: (يريدون بشرًا ذا سَحْرٍ؛ ذا رِئَةٍ) (٣)، ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سَبَقَ التفسيرُ من السلف بما لا استكراهَ فيه، قال مجاهد في قوله ﴿رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]: (أي: مخدوعًا) (٤)؛ لأن السِّحْرَ حِيلةٌ وخَديعةٌ. وقالوا في قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون ٨٩]: (أي: من تخدعون؟) (٥)، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء ١٥٣] (أي: المُعَلَّلِين) (٦)، وقال امرؤ القيس (٧):

стр. 439

ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرَاب أي: نُعَلَّلُ فَكَأنا نُخدَع. وقال لبيد (١): فإن تَسْأَلِينا فِيمَ نحنُ؟ فإننا … عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ أي: المُعَلَّل. والناس يقولون: (سَحَرْتَني بكلامك)، يريدون: خَدَعتَني (٢). وقوله ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء ٤٨] يدلُّ على هذا التأويل؛ لأنهم لو أرادوا رجلًا ذا رِئَةٍ لم يكن في ذلك مثلٌ ضربوه، ولكنهم لمَّا أرادوا رجلًا مخدوعًا- كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه، وتشبيهًا شبَّهوه. وكأنَّ المشركين ذهبوا إلى أن قومًا يعلِّمونه ويخدعونه، وقال الله في موضع آخرَ حكايةً عنهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، وقول فرعون ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] لا يجوز أن يُراد به: إني لأظنك إنسانًا ذا رئة. وإنما أراد: إني لأظنك مخدوعًا) (٣). * تحليل الاستدراك: ذهب أبو عبيدة (ت: ٢١٠) إلى أن المُراد بالمَسْحُورِ في الآية: بشرًا ذا سَحْرٍ، أي: رِئَةً. فصار المعنى عنده: ما تَتَّبعون أيها المؤمنون إلا بشرًا كالبشر يأكُل ويشرب. وقد أراد المشركون النبيَّ مَلَكًا لا يأكل ولا يشرب (٤)، قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام ٨]، وقال ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]. واعتمد أبو عبيدة (ت: ٢١٠) فيما ذهب إليه صحَّةَ المعنى لُغةً (٥)، واستشهد عليه بالبيتين السابقين،

стр. 440

وكذا اعتمد نظائر هذا المعنى في غيرما آية كما سبق، ومن أظهر نظائره قوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء ١٥٣ - ١٥٤]، فالسياق ظاهر في أن مرادهم بالمُسَحَّر- أي: المسحور-: المخلوق، وهو المروي عن ابن عباس ﵁. (١) ورَدَّ ابنُ قتيبة (ت: ٢٧٦) هذا القول، ووصفه بالقول المُستَكرَه، وفسَّر المسحور في الآية: بالمخدوع. واعتمد في ذلك وروده عن السلف قبله، كما حكاه عن مجاهد (ت: ١٠٤)؛ وذلك أنهم أعلم بالتفسير، وأيده بمجيئه في القرآن الكريم بهذا المعنى في عدد من الآيات منها ما ذكر، ومن أظهر نظائرها قوله تعالى عن فرعون ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١]، إذ لا يصح أن يُراد به إنسانًا ذا رئة، وإنما أراد: مخدوعًا، كما ذكر ابن قتيبة (ت: ٢٧٦). ودَلَّلَ على هذا المعنى بصحته لُغةً، واستشهد عليه بالبيتين السابقين، وبانتشاره بهذا المعنى على ألسنة الناس، وبدلالة السياق بعده صراحة عليه. * الحكم على الاستدراك: أصلُ كلمة "سَحَر" في اللغة يدل على: الخديعة. كما يدل على: عضو من الأعضاء (٢). فكلاهُما معنىً صحيح لهذه اللفظة، ولِكِلا المعنيين نظائر في كتاب الله تعالى تشهد له كما سبق، وقد قال ابن جرير (ت: ٣١٠) عن قول أبي عبيدة (ت: ٢١٠) هذا أنه: (غير بعيد من الصواب) (٣). غير أن قول ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) يترجح من ثلاث جهات ذكرها في استدراكه، وهي:

стр. 441

أولًا: أنه المذكور عن السلف، كمجاهد (ت: ١٠٤)، ولم يُنقَل عن أحد منهم تفسيرها هنا بما ذكر أبو عبيدة (ت: ٢١٠). ثانيًا: دلالة السياق، وهي أقوى جهات الترجيح هنا؛ لعدم استقامة المعنى الأول به. (١) ثالثًا: أنه المعنى الأشهر والمتبادر لكلمة "مسحور"، قال النحاس (ت: ٣٣٨): (والقول الأول- قول مجاهد- أنسب بالمعنى، وأعرفُ في كلام العرب) (٢)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (مسحور: من السِّحْر، على المشهور) (٣). ثُم هو كذلك اختيار أكثر المفسرين (٤)، ولا يبعدُ عنه من فَسَّرَه بأنه: المغلوب على عقله (٥). بل هُما بمعنىً؛ فإن المخدوع مغلوبٌ على عقله. ويُورَد على المعنى الذي ذكره أبو عبيدة (ت: ٢١٠) عدمُ استقامته مع نفس اللفظة في مواضع أُخر من القرآن، كالآية التي أوردها ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) فيما حكاه الله تعالى عن فرعون (٦). وما ذُكِر عن ابن عباس ﵁ في شواهد المعنى لا يصح؛ لضعف أبي صالح، وانقطاعه بينه وبين ابن عباس ﵁. والمعروف عن أبي صالح (ت: ١٢١) تفسير تلك الآية: بالمخدوعين. (٧)

стр. 442

ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: يظهر جلِيًّا من هذا الاستدراك بدايات النَّقدِ الموَسَّع للأقوال في التفسير في عصر السلف، وفي تحرير ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) لهذا الاستدراك يبرز بوضوح منهج المُفَسِّر الناقد، فبالإضافة إلى نقل الأقوال والإحاطة بها، نَجد تحريرها لُغةً، والاستشهاد عليها بكلام العرب، واعتبار نظائر معانيها في القرآن الكريم، واستقامتها فيها وعدم تناقضها، وكذا نقل أقوال السلف، وتقديمها، وعدم مخالفتها، ثم بيان مدى مناسبة المعاني للسياق، واشتهارها على الألسن. وهذا التحرير من ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) في هذه الآية، يُشبِه أن يكون أُنموذجًا لمنهج السلف في التفسير، وبمراعاة هذه الجوانب وتحقيقها يسهل الوصول إلى معاني الآيات ومقاصدها، كما يسهل تمييز الأقوال فيها وحصرها، ومعرفة صحيحها ومقبولها ومردودها، ومن ثَمَّ تجتمع الأقوال، ويقلُّ الخلاف، ويصح الاستنباط والاستشهاد. ثانيًا: في قول ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه)، إشارة إلى لزوم اعتبار أقوال السلف أولًا، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها بما يخرج عنها ويناقضها، وأن عدم مراعاة ذلك يوقع في الخطأ في التفسير. وقد تميز ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) بين أهل اللغة بالاستفادة من أقوال السلف حتى في بيان الغريب (١)، كما أن إغفال هذا الجانب من أظهر ما أُخِذَ على أبي عبيدة (ت: ٢١٠) في كتابه "مجاز القرآن". (٢) * * *

стр. 443

[٨٠] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]. قال يحيى بن سَلاَّم في قوله تعالى ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]: (العاصون، وليس بفسق الشرك، وهي كبيرة) (١). * تحليل الاستدراك: نفى ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) أن يكون المُراد بالفِسقِ في الآية: فسق الشرك، المُخرج من المِلَّة. ومن ذهب إلى ذلك اعتمدَ صحةَ هذا المعنى لُغةً، فإنَّ الفسق مُطلَقُ الخروج عن الطاعة (٢)، فيدخل فيه الخروج من الإسلام إلى الشرك. وهو الظاهر من اقترانه ب"ألْ" المفيدة للاستغراق والعموم، كما أن تقدم ضمير الفصل "هُمْ" يفيد اختصاصهم بصفة الفسق، وتمحضهم بها، وذلك حين كونهم مشركين. ثُم قد تكرر الاستعمال القرآني لكلمة الفسق بمعنى الشرك في غيرما آية، منها قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧]، وهذه الآية نظير آية النور تركيبًا ومعنىً، قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠): (وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق) (٣). ومن النظائر كذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]. بل الأعم الأغلب في زمن التنْزيل إطلاق الفاسق على الكافر، قال ابن الوزير (٤) (ت: ٨٤٠): (قد ورد في السمع ما يدل

стр. 444

على أن الفاسق في زمان النبي ﷺ يُطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧]، وقوله ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩]، وقوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠])، وذَكَرَ آياتٍ كثيرةً ثم قال: (فهذه الآيات دالَّةٌ على أن الفاسق في العرف الأول يُطلَق على الكافر، ويسبق إلى الفهم) (١). وذهب ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) إلى أن المُرادَ بالفِسقِ في الآية: فسق المعصية، غير المُخرجِ من المِلَّة. ومعتمده في ذلك صحة المعنى لُغةً، فالعاصي خارجٌ عن الطاعة. وكذلك دلالة السياق؛ فإنه في الحديث عن قذف المسلم لأخيه المسلم. ولهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، منها قوله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧]، فسمى محظورات الإحرام ونحوها من المعاصي فسوقًا، كما سمى الكاذب فاسقًا في قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، وعَدَّ التنابز بالألقاب فسوقًا في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١]، وقد جاءت السنة بإطلاق اسم الفسق على العاصي، كما في قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق) (٢)، قال اللالكائي (ت: ٤١٨): (إن المسلم إذا سَبَّ المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق، فيزول عنه اسم الإيمان) (٣). وقال رسول الله ﷺ : (إن الفُسَّاق هم أهل النار)، قيل: يا رسول الله ومن الفُسَّاق؟ قال: (النساء)، قال رجل: يا رسول الله أوَ لَسْنَ أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: (بلى،

стр. 445

ولكنهن إذا أُعطِينَ لم يشكُرنْ، وإذا ابتُلِينَ لم يَصْبرنْ) (١). * الحكم على الاستدراك: الفسق لُغةً: الخروج عن الشيء، والعرب تقول: فَسَقَتْ الرُّطبَةُ من قشرها. إذا خرجت. ويقال: فسق الرجل. إذا فجر، وخرج عن الطاعة (٢)، قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨): (قال أهل اللغة: الفاسق معناه في كلام العرب: الخارج عن الإيمان إلى الكفر، وعن الطاعة إلى المعصية) (٣). وذلك معناه شرعًا (٤)، ثُمَّ هو في الإسلام على قسمين- أشار إليهما ابن الأنباري-: الأول: فسقٌ مُخرجٌ من الملَّة، وهو فسق الشرك. الثاني: فسقٌ غيرُ مُخرجٍ من الملَّة، وهو فسق المعصية. وهذه القسمة ثابتةٌ شرعًا، مشهورة عن السلف ﵃، قال ابن عباس ﵁: (كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسمٍ، مثلُ: خاسر، ومُسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذَّنب) (٥)، ورُوي عن ابن عباس ﵁، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء (ت: ١١٤)، وغيرُ واحد من أهل

стр. 446

العلم قولهم: (كُفرٌ دون كفر، وفِسقٌ دون فسق) (١)، قال المروزي (٢) (ت: ٢٩٤): (الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيُسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا) (٣). ثُمَّ ما ورد في النص تسميته فسقًا من الذنوب يكون أعظم مما لم يُسَمَّ بذلك، قال البيضاوي (ت: ٦٨٥): (والفسق إذا استُعمل في نوع من المعاصي دَلَّ على عظمته، كأنه مُتجاوزٌ عن حَدِّه) (٤)، بل قد خُصَّ الفاسقُ عرفًا واستعمالًا بمن ارتكب كبيرة، أو أصرَّ على صغيرة، قال الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠): (والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تُعُورِف فيما كان كثيرًا) (٥)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والفسق في عُرف الشرع أشدُّ من العصيان) (٦)، وقد أشار إلى ذلك ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) في هذه الآية بقوله: (وهي كبيرة). ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين صحيحٌ لُغَةً، مُستَعمَلٌ في القرآن الكريم (٧)، ويتحدد أيُّ نوعيه هو المراد بحسب السياق، كما سبق عن ابن عباس ﵁، فإن كان السياق في الكافرين فهو فسق الشرك، وإن كان في المؤمنين فهو فسق المعصية، ولا يصح حمل جميع ما في القرآن منه على معنىً واحد.

стр. 447

وحيثُ كان سياقُ الآيات هنا واضحًا في المؤمنين؛ في بيان أحكام الزنا حَدًّا ونِكاحًا وقَذفًا، فالصواب أن المُراد بالفسق هنا: فسقُ المعصيةِ. كما ذكر ابنُ سَلاَّم (ت: ٢٠٠)، وكذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن نصر المروزي (ت: ٢٩٤)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١) (١)، وعليه عامَّةُ العلماءِ والمفسرين. (٢) ولم أجد من فسر الفسق هنا بالشرك، غيرَ أنه جارٍ على أصول الخوارج في التكفير بالكبيرة (٣)، والمعتزلة وإن قالوا إن مرتكب الكبيرة في منْزلة بين المنْزلتين؛ لا كافر ولا مؤمن (٤)، والأباضية وإن سَمَّوا مرتكب الكبيرة كافرًا كفر نعمة، أو كفر نفاق (٥) = فإنهم جميعًا موافقون للخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار يوم القيامة. فتفسير الفسق هنا بالشرك، موافقٌ لرأي الخوارج صراحةً، وهو ما يؤول إليه قول المعتزلة والأباضية، باعتبار خلود الفاسق يوم القيامة مع المشركين (٦). قال هود

стр. 448

بن مُحَكِّم الأباضي (١) في تفسيره المختصر من تفسير ابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، عند آية النور هذه: (أي: العاصون، وليس بفسق الشرك، ولكن فسق النفاق، وهي كبيرة من الكبائر الموبقات) (٢)، ومع أن الأصل في المُختَصِر تقليل عبارة الأصل، إلا أن التصرف في عبارة صاحب الأصل وتحويرها (٣)، حمَلَ المُختَصِر على إقحام عبارة: (فسق النفاق) في وصف صاحب الكبيرة هنا، لتوافق رأيه، وتُبين مذهبه. (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: إن معرفة واقع المفسر له أثرٌ جليل في معرفة وجه اختياره ومأخذ تفسيره، وهذا جليٌّ جدًا في تفاسير السلف واختياراتهم، وقد مضت الإشارة إلى ذلك والتمثيل له (٥)، ومن ذلك تخصيص ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) قولَ الخوارج والأباضية بالرد في هذه الآية، وإن لم يكن قولًا معروفًا أو مذكورًا عند أهل السنة؛ لكن لآثارهم السياسية

стр. 449

والاجتماعية في ذلك الوقت (١)، ولواجب البيان والبلاغ، بَيَّن ﵀ بطلان هذا القول، في ذلك المقام. ومن ثَمَّ ينبغي أن لا تخلوا كتب التفسير في كلِّ زمان من مثل هذه الإشارات والوقفات؛ سيرًا على نهج السلف في هذا الباب، وربطًا للناس بكتاب الله تعالى واقعًا وسلوكًا، وردًا للباطل وأهله من كل سبيل. ثانيًا: تتلخص الأصول المنهجية للاختصار في ثلاثة أصول: الأول: صحة الفهم. الثاني: حسن البيان. الثالث: سلامة المقصد. فالأصل الأول يعصم من سوء الفهم، قلا يُبنَى المُختَصَر على ما لم يُرِده صاحب الأصل. والأصل الثاني يعصم من الخطأِ في إيصال مُراد صاحب الأصل. والأصل الثالث يعصم من تحريف مُراد صاحب الأصل، بزيادة أو نقص أو تصرُّفٍ في العبارة على وجه يُحيل المعنى إلى خلاف مُراد المؤلف، وعلى ما يوافق رأي المُختَصِر (٢). وأكثر ما يقع الخلل في مُختصرات التفسير من الإخلال بهذا الأصل، وعلى الأخص عند التخالف في الاعتقاد. وهو ما عُرِضَ لمثاله في اختصار هود بن محَكِّم لعبارة ابن سلاَّم (ت: ٢٠٠) ﵀. (٣)

стр. 450

الباب الثاني "الاسْتِدْرَاكَاتِ فِي التَّفْسِيرِ" نَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان: • مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. الفصل الأول: " الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا. الفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ. وَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ: • المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوه التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ. • المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ. • المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ. • المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ. • المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.

стр. 451

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. ظهر اهتمام السلف بعلم التفسير جليًّا منذ نزول القرآن على رسول الله ﷺ ، فقد حفظ الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ ألفاظَ القرآن، وتفهموا معانيه، فعرفوا أكثَرَه بلسانِهم الذي نزل به القرآن، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وما أشكل عليهم معناه سألوا عنه رسولَ الله ﷺ فبينه لهم كما أمره الله تعالى بقوله ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقوله ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل ٦٤] (١)، وقد كانت أفعالُ رسولِ الله ﷺ وأقواله وتقريراته بيانًا للقرآن الكريم، وتأوُّلًا لِمَا فيه، قالت عائشةُ تَصِفُ رسولَ الله ﷺ : (كان خُلُقُهُ القرآن) (٢)، وقالت: (كان رسول ﷺ يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يتأَوَّلُ القرآن) (٣). ولم يعهَد رسولُ الله ﷺ لأحدٍ من أصحابه بأمرٍ لم يعهده إلى الناس كافَّةً، قال عمَّار بن ياسر ﵁: (ما عهدَ إلينا رسولُ الله ﷺ شيئًا لم يعهدهُ إلى الناسِ كافَّةً) (٤)، ولمَّا قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا والذي فلَقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسمَة، إلا أن يُعطِي اللهُ عبدًا فهمًا في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة. قيل: وما فيها؟ قال: العقلُ، وفِكاكُ الأسير، وأن لا يُقتَلَ مسلمٌ بكافرٍ) (٥).

стр. 452

وحين تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ لم يكن شيءٌ من كتاب الله خَفِيَّ المعنى عن الصحابة ﵃، بل كُلُّ كتاب الله تعالى معلوم المعنى عند مجموع الصحابة ﵃، ثُمَّ يتفاوت علم أفرادهم به بحسب ما اختصَّ الله تعالى كُلًا منهم، ويتقدمهم في هذا العلم علي بن أبي طالب ﵁ (١)، وابنُ عباس الذي دعا له الرسول ﷺ بقوله: (اللهم فَقِّهه في الدين، وعَلِّمه التأويل) (٢)، وقال عنه ابن مسعود ﵁: (نعم ترجمان القرآن ابن عباس) (٣)، وكذا عبدُ الله بن مسعود، الذي قال: (والله الذي لا إله غيره، ما أُنزِلَت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ أينَ أُنزِلَت، ولا أُنزِلَت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ فيمَن أُنزِلَت، ولو أعلمُ أحدًا أعلمَ مِنِّي بكتاب الله تبلُغُه الإبلُ لرَكِبتُ إليه) (٤). ثُمَّ تَحَمَّلَ هذا العلم من بعدهم التابعون وتابعوهم، فساروا فيه على سَنَنِ من قبلَهُم، واختصَّ به جماعةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم، واشتهروا به دون غيره من العلوم، فقد سألَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) ابنَ عباس ﵁ عن تفسير القرآن كاملًا وقال: (عرضتُ القرآنَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، أَقِفُهُ على كُلِّ آية فيمَ نَزَلَت؟ وكيفَ كانَت؟) (٥)، كما كَتَبَ التفسير عنه كاملًا، قال ابن أبي مليكة (ت: ١١٧): (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب.

стр. 453

قال: حتى سأله عن التفسير كله) (١)، وقال أبو الجوزاء (ت: ٨٣): (أقمت مع ابنِ عباسٍ وعائشةَ اثنتي عشرةَ سنة، ليس من القرآنِ آيةٌ إلا سألتُهُم عنها) (٢)، وقال الشعبي (ت: ١٠٤): (والله ما مِنْ آيةٍ إلا قد سَأَلتُ عنها) (٣). وكان من مُقتَضى خيريَّةِ هذه القرون الثلاثة من السلف أن يُبَيِّنوا معاني كتاب الله تعالى للناس أوضَحَ بيان، وأن يُصَحِّحوا لهم معانيه كما يُصَحِّحوا ألفاظه، قال أبو عبد الرحمن السلمي (ت: ٧٤): (حدثنا الذين كانوا يُقرِؤوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب ﵃ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) (٤). ولأجل هذه المقاصد الجليلة تميَّز تفسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا. وقد اتَّخذَ بيانُهم للقرآن الكريم مسلَكَينِ عامَّين: أوَّلُهما: عرضُ معاني الآيات وبيانها ابتداءً، ونَشرُ ذلك بين الناس، وهذا الأصل في تفسيرهم، وهو الأكثر، وعليه قامت مُصَنَّفاتهم في التفسير. وثانيهما: رَدُّ المعاني الناقصة أو الباطلة، مع بيان صحيح المعاني وأولاها، وهو

стр. 454

أقلُّ المنهجين سلوكًا، ولا يلجأُ إليه المفسر إلا لحاجةٍ عارِضةٍ؛ كسؤال سائل، أو إيرادِ مُعتَرض، أو لمناسبةٍ واقعةٍ اقتضت التنبيه والرد. ومن أظهر صور المسلك الثاني: "استدراكات السلف في التفسير"، وذلك بإتباع المعاني المذكورة بمعانٍ أصحَّ وأصوَبَ، وأكملَ وأوضَح. * * *

стр. 455

الفصل الأول "الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ" نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا. نَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ إذ هي طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان أسلوب الاستدراكات في التفسير من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة. وقد أبانت الدراسةُ السابقةُ لنماذجَ مُختارةٍ من الاستدراكات في التفسير بداياتِ هذه النشأةِ، وكيف ارتبطت عند السلف بمسلك العرض والإيضاح غايةَ الارتباط، وقد كان أوَّلُ ظهورها في هذا العلم: في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير. وقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وقد احتوت الدراسةُ ثلاثةَ عشرَ استدراكًا نبويًا تفسيريًّا (من: ١، إلى: ١٣)، وواحدًا وأربعينَ استدراكًا عن الصحابة ﵃ (من: ١٤، إلى: ٥٤)، وعشرينَ استدراكًا عن التابعين (من: ٥٥، إلى: ٧٤)، وستةَ استدراكات عن أتباع التابعين (من: ٧٥، إلى: ٨٠).

стр. 456

كما تنوَّعت الاستدراكات في التفسير باعتبار موضوعاتها، وهذا عرضٌ لبعض ما وقفتُ عليه من موضوعات الاستدراكات في كتب التفسير، مع التمثيل عليها (١): * الاستدراكات في القراءات: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول قراءةٍ أو رَدِّها، ومن أمثلتها: ١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (أنه قرأ ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]. فقيل له: إن سعيد بن المسيَّب يقرأ ﴿تُنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]، قال سعد: إن القرآن لم ينْزل على المسيَّب ولا آل المسيَّب، إنما هي: ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦] يا محمد. قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى ٦]، ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف ٢٤]) (٢). ٢ - قال الأعمش: (كان ابن مسعود يقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]، فقال ابن عباس: بلى ويُقتل. قال: فذكرَ ابنُ عباسٍ أن ذلك إنما كان في قطيفَةٍ، قالوا إن رسول الله غَلَّهَا يوم بدر، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]) (٣). * الاستدراكات في قصص الآي وأخبار بني إسرائيل: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول شيءٍ من أخبارِ بني إسرائيلَ، أو رَدِّها، أو تصحيحِهَا، ومن أمثلتها: ١ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٧]:

стр. 457

(المَفدِيُّ إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاقَ، وكذبت اليهود) (١). ٢ - قال الحسن في قوله تعالى ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص ٢٥]: (يقولون: شُعَيبٌ، وليسَ بشُعَيبٍ، ولكنَّه سيِّدُ الماءِ يومئذٍ) (٢). * الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها: وتشملُ استدراكاتٍ في معاني الألفاظ، وأسبابِ النُّزول، والناسخِ والمنسوخ، وأحكامِ القرآن، ونحوها من موضوعات التفسير وعلومه، ومن أمثلتها: ١ - قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المُتّكأُ هو: النّمرقُ يُتَّكَأُ عليه. وقال: زعمَ قومٌ أنه الأُترُجّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المُتّكأُ أُترُجّ يأكلونه (٣). وحكى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قولَ أبي عبيدةَ، ثم قال: والفقهاء أعلمُ بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُه) (٤). ٢ - قال سهل بن حنيف ﵁: (أتدرون فيم أنزلت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]؟ قيلَ: في سبيل الله. قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة) (٥). ٣ - كان ابن عباس ﵁ يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤]، ويقول: (ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أن يصوما،

стр. 458

فيُطعِمان مكان كُلِّ يومٍ مسكينًا) (١). ٤ - سُئِلَ الحسنُ عن قوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥]: (أهِيَ عليهم خاصَّةٌ؟ قالَ: عليهم وعلى الناس عامَّةً) (٢). هذه جُملَةُ الموضوعات العامَّة للاستدراكات، وما يندرج تحتها من موضوعاتٍ جزئيةٍ تابعةٍ لها وغيرِ خارجةٍ عنها. ويلاحَظُ في هذه الموضوعات العامَّة التَنَوُّعُ الظاهر الذي يشيرُ إلى انتشار هذا الأسلوب في علم التفسير وتأصُّلِه في وجوهه وأنواعه. وقد دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين: الأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا. والثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا. كما دارت طُرُقُ الاستدراكات في التفسير بين طريقين: أوَّلُهما: أن يَذكُرَ المفسرُ قولًا في الآية ثم يستدرك عليه. وثانيهما: أن يُذكَر للمفسرِ قولٌ في الآية فيستدرك عليه. ولَمَّا كانت الاستدراكات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبَّما أُفرِدت كُتُبٌ خاصَّةٌ في الاستدراكات على تفاسير متقدمة (٣)، ولم يَخلُ من ذلك سوى التفاسير المختصرة

стр. 459

التي قصد مُؤلفوها الاختيارَ والعرضَ دون التَّعَقُّب والرد. وكُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كُلَّما كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير: "جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن" لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) ﵀، فقد جمع فيه مؤلفُه أقوالَ مفسري السلف بأسانيدها، وعَرَضَ لضعف هذه الأسانيد وعِلَلِها عند الحاجة، ودرسَ مُتُونَها دراسةً تفسيريَّة نقديَّة شاملة، فميَّزَ الأقوال وبيَّنها، ورجَّح ما اختاره منها، مع ذكر وجه ترجيحه ومأخَذَ اختياره بالتفصيل والدليل. وقد اشتهر في الناس إمامةُ مؤلِفه، وتمَكُّنُه واجتهادُه في سائر العلوم، فلا غرو أن صار تفسيرُه أصلًا لعَامَّة من بعده؛ نقلًا وشرحًا وتهذيبًا واعتراضًا. وكان من أثرِ منهج ابن جرير (ت: ٣١٠) النقدي في تفسيره أن استدرك على من سبقه من المفسرين في مواضعَ كثيرة من تفسيره (١)، كما استدرك عليه من تبعه من المفسرين؛ مِمَّنْ جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان من أبرزهم في هذا الجانب: ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ كثير (ت: ٧٧٤) (٢).

стр. 460

ثُمَّ تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه. * * *
следующие страницы →