تقديم الطبعة الثانية
الحمد لله على إفضاله وإنعامه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .. أما بعد:
فبعد أزيد من عشر سنين من الطبعة الأولى لهذا الكتاب، أقدّمه للطبعة الثانية على غير حالته الأولى ولا بدّ؛ فقد أعدت فيه نظرًا وفكرًا، وصحّحت فيه مواضع اقتضى طول عهد الممارسة لعلم التفسير تغييرها، وزدته إيضاحًا وبيانًا، وخفّفتُ منه بالحذف أحيانًا، والاختصار أحيانًا أخرى، وكان ممّا حذفته أنواعًا من الفهارس التي لا تمس حاجة القارئ إليها، وأضفت مسائل وفوائد يسيرة في مواضعها من المتن أو الحاشية.
شاكرًا كلَّ من زاد هذا الكتاب مثل ذلك بعلم، وداعيًا لمن دلّني على كمال، ومحبًّا لمن نبّهني إلى نقص، وأستغفر الله من الزلل، وأتوب إليه من الذنب، وأختم بحمده كما بدأت، وأصلي وأسلّم على نبيّه وحبيبه محمدًا، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب
نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني
الأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بجامعة جدة
الخميس ١٩ محرّم ١٤٤١ هـ
بلد الله الحرام مكة المكرمة
стр. 2
مُلَخَّصُ البَحْثِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذا بحث بعنوان:
استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى .. دراسة نقدية مقارنة
يُرَادُ به: إتباع المفسر من السلف قولًا يذكره أو يُذكَر له في بيان معاني القرآن الكريم، بقولٍ آخر يُصلِح خطأه، أو يُكمِل نقصه.
وقد اشتمل البحث على دراسةِ ثمانين استدراكًا عن رسول الله ﷺ وصحابته، والتابعين، وأتباعهم. وذلك من خلال منهج تحليلي نقدي، يتناول كُلَّ رواية بالتحليل ودراسة الأقوال وما بُنيت عليه، ثُمَّ الحكم عليها، وبيان الراجح في موضع الخلاف، مع التعرض لعدد من المسائل الواردة في الرواية، ممَّا له علاقة بعلم التفسير وأصوله.
وقد بَيَّن البحث من خلال تلك الدراسة اهتمام مفسري السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وتَنَوُّع أساليبهم في ذلك، ومنها الاستدراكات التي نشأت مع أول نشأت التفسير وظهوره، من خلال البيان النبوي لمعاني آيات القرآن الكريم، ثم أصبحت سمتًا عامًا في كتب التفسير المتوسطة والموسعة، دون المختصرة، وكلما اشتهر كتاب في التفسير وعظم الاهتمام به، كثرت الاستدراكات عليه.
وقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائلها وموضوعاتها وأغراضها تنوعًا ظاهرًا، أظهر لها أثرًا بارزًا على طائفةٍ من علوم التفسير، تناول منها البحث:
стр. 3
أثر الاستدراكات على وجوه الترجيح في التفسير، وعلى أسباب الخطأِ في التفسير، وأسباب الاختلاف فيه، وعلى التفسير بالرأي، كما أوضح جانبًا من علاقة الاستدراكات بمدارس التفسير.
وقد أبرز البحث عِدَّةَ نتائج تتعلق بهذه الفروع من علم التفسير، يُرجَى لها أن تعود بفوائد حسنة إن شاء الله في جانب الدراسات التفسيرية بكافة فروعها.
стр. 4
• الْمُقَدِّمَة •
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن علم التفسير لَمَّا كان متعلقًا بكتاب الله تعالى فهمًا واستنباطًا وبيانًا، كان من أشرف العلوم وأعظمها، بل هو رأس العلوم ورئيسها، وقد حاز علم تفسير القرآن هذا الشرف من جهةِ موضوعه، وغَرَضهِ، وشِدَّة الحاجة إليه، فهو أشدُّ العلوم تعلُّقًا بكتاب الله تعالى، بل هو سبيل علمه ومنهج فهمه، وكُلُّ العلوم الشرعية متوقفةٌ عليه وراجعةٌ إليه، وكلُّ كمال ديني أو دنيوي، عاجلٍ أو آجلِ، إنما يكون بتحصيلها ومعرفة مراد الله تعالى بِها.
وقد أدرك سلفُ هذه الأمَّةَ مَنْزلة هذا العلم من الدين، فَنَزل منهم أشرفَ منْزل وأعلاه، وتفرَّغ له طائفةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم تحصيلًا وتأصيلًا، وسلكوا لنشره وتبيينه للناس كُلَّ سبيل، فكان بيانهم أحسن بيان، وجاء استنباطهم أدَقَّ استنباطٍ وألطفه، ولا غرو فهم خير هذه الأمة وأفضلها بشهادة خير البرية ﷺ ، وقد حازوا كمالَ كلِّ فضيلةٍ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وما أحسن ما قال الشافعي (ت: ٢٠٤) في رسالته البغدادية: (هم فوقنا في كلِّ علمٍ، وعقلٍ، ودينٍ، وفضلٍ، وكلِّ سببٍ يُنَال به علمٌ، أو يُدرَك به هدى، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا
стр. 5
لأنفسنا) (١)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام، ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم .. ، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهُّمِه وتعقُّلِه والتفقُّه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حقٍّ إلا وهو في كلامهم موجودٌ بأوجزِ عبارةٍ، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطلٍ إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمَّله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يُلِمُّ به) (٢).
فمن هنا عظمت الرغبة في البحث عن آثار السلف في التفسير، وأنواع العلوم والمسالك التي سلكوها في بيان كلام الله تعالى، فكان منها هذا النوع اللطيف من البيان، الذي يدل على حرص السلف على تصحيح الفهم لمعاني الآيات، وإيضاح الأصح والأكمل في حَقِّها من المعاني، كُلُّ ذلك في نمطٍ رفيعٍ من الأدب وحُسنِ الخطاب. وفي هذا النوع من البيان يقصِدُ المفسِّرُ منهم تَعَقُّب قولٍ مذكور في تفسير الآية، وذكر رأيه فيها عقب اعتراضه، وهو ما يعرف ب"الاستدراك".
وهذا النوع من العلوم- الاستدراكات- موجود ومشهور عند السلف من لدن الصحابة ﵃ فمن بعدهم (٣)، وفي تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى على الأخص مواضع كثيرة من هذه الاستدراكات، تباينت طرقها وأغراضها، واتَّفقت
стр. 6
أصولها ومناهجها، وكُلُّها يُنبِئ عن سعةِ عِلمٍ، وحسن أدبٍ، وهي جديرة بالدراسة والتأمل، ومن ثَمَّ إغناء مختلف معارف التفسير وأصوله بمسائلها العديدة، وفوائدها الجليلة.
* دواعي اختيار الموضوع:
تتلَخَّص أسباب اختيار الموضوع في النقاط الآتية:
١ - رغبةُ الباحث في الاتصال بعلوم السلف، وفهم مناهجهم وطرائقهم في علم التفسير على الخصوص، وقد كان في سعة هذا الموضوع، وتنوع مباحثه، وانتشار مادَّته في جمهرَة كتب التفسير، خيرُ معين على ذلك؛ لاستلزامه مطالعة عامَّة كتب التفسير في مرحلتي الجمع والدراسة.
٢ - الإسهام في بيان سعة علم السلف ودِقَّة فهمهم، وتوجيه النظر إلى الاهتمام بتلك الحقبة الفاضلة، التي احتوت أئمة هذا العلم والمتحقِّقين فيه.
٣ - إبرازُ صورةٍ جليَّةٍ من صور حرص السلف على تصحيح الفهم لكلام الله تعالى.
٤ - التعرُّضُ لفقه الخلاف بين السلف في التفسير، ثُمَّ استثمار ذلك الخلاف في تثبيت قواعد وأصول علم التفسير.
٥ - أنه مجالٌ رحبٌ لتوجيه أقوال السلف في مواضع الخلاف، والوقوف على منْزع كل قائل.
٦ - أنه من أحسن وسائل الوقوف على جملَةٍ من معارف التفسير وتأصيلها، كوجوه الترجيح في التفسير، وأسباب الخطأ فيه، والتفسير بالرأي وضوابطه، ونحو ذلك من علوم هذا الفن.
٧ - يُجَلِّي الموضوعُ صورةً مشرقةً من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض.
стр. 7
٨ - كما يوضح أيضًا أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه.
٩ - احتواؤه نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى.
١٠ - طرافةُ الموضوع، وحداثة تناوله، إذ لم أجد من تعرَّضَ له على هذا النحو، أو قصده بالجمع والتأليف.
فلهذه الأسباب، وبعد الاستخارة والاستشارة، استعنت بالله تعالى واخترت هذا الموضوع بعنوان:
اسْتِدْرَاكَاتُ السَّلَفِ في التَّفْسِيرِ في القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى
دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُقَارَنَةٌ
* خِطَّةُ البَحْثِ:
تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، على النحو الآتي:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
التمهيد: وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحث:
• المبحث الأول: مَعْنَى " الاسْتِدْرَاك ".
• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ " السَّلَفِ " وَبَيَانُ فَضْلِهِم. وَفِيهِ مَطْلَبَان:
المطلب الأول: تَعْرِيفُ " السَّلَفِ " لُغَةً واصطلاحًا.
المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.
• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ " التَّفْسِير ".
• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ " اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ ".
стр. 8
الباب الأول:
دِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ " اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ " فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى.
الباب الثاني:
"الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
وَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان:
• مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
الفصل الأول: " الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.
الفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
وَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِث:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.
• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.
الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
الفهارس: وتحتوي على أنواعٍ من الفهارس الفنية التي تتناسب مع طبيعة البحث، وتكشف عن مضمونه.
* مَنْهَجُ البَحْثِ:
أوَّلًا: جعلتُ الحدَّ الزمني للدراسة: القرون الثلاثة الأولى. التي تشمل طبقة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ﵃.
стр. 9
ثانيًا: قَدَّمتُ دراسةَ الاستدراكات على بيان نشأتها وتطوُّرها وأثرها في علم التفسير؛ لأنها مباحثُ مستخرجةٌ من قسم الدراسة ومبنيَّة عليه.
ثالثًا: قسَّمتُ العمل في البحث على مرحلتين:
المرحلةُ الأولى: جمع مرويَّات استدراكات السلف في التفسير من عامَّة كتب التفسير المسندة، ولتحقيق ذلك طالعت قريبًا من مِئَةِ مجلدٍ من التفاسير المسندة المطبوعة، والمخطوطة، وعدد من الرسائل الجامعية، ثُمَّ استعرضتُ من كتب السنة أمَّهاتِها، وما اعْتُنِى فيه بباب التفسير على الخصوص. وقد استغرقت مِنِّي هذه المرحلةُ من البحث قرابةَ عامٍ كامل، جمعتُ فيها كلَّ استدراكٍ كان الخلاف فيه من قبيل بيان المعنى للآية أو اللفظة القرآنية، دون غيره؛ إذ ليس غرضي دراسةُ الاستدراكات من حيث هي واردة في كتب التفسير، وإنما من حيث هي من علم التفسير، ولها تعلقٌ واضحٌ بأصوله وقواعده؛ للاستفادة منها في هذا الجانب المقصود بالبحث والدراسة. وقد بلغت الاستدراكات المجموعة في هذه المرحلة (٤٢٥) استدراكًا.
المرحلةُ الثانية: دراسةُ ثمانين روايةٍ تفسيرية مُختَارَةٍ من هذا المجموع، كُلُّها نصوصٌ صريحةٌ، وافِرَةُ المسائلِ، عظيمةُ الفائدةِ. وفي هذه المرحلة قمت بتحليل كُلِّ قولٍ، وبَيَّنتُ مأخذَ قائله ومعتمده، وقارنت بين الأقوال في كُلِّ رواية، ثُمَّ ذكرتُ الراجح منها بعد المناقشة والاستدلال.
رابعًا: جعلتُ منهج دراسة هذه الاستدراكات على ما يأتي:
١ - تخريج الاستدراك، والحكم عليه من جهة الرواية.
٢ - تحليل الاستدراك ببيان مصدر كل قول، ومعتمد قائله.
٣ - الحكم على الاستدراك، وذكر الراجح في موضع الاستدراك، مع التعرض أحيانًا لبعض المسائل والفوائد الخاصة في كلِّ رواية، وذكر ثمرة الخلاف فيه.
стр. 10
خامسًا: لم تُحدَّد هذه الدراسة بسوَرٍ مُعَيَّنةٍ في ابتدائها وانتهائها؛ إذ لا علاقة لكثرة السور وقلتها بتكاثر الاستدراكات وقلتها، وإنما هي مبثوثة في مجموع سور القرآن الكريم.
سادسًا: رَتَّبتُ الاستدراكات باعتبار قائلها، ورأيتُ ذلك أعظمُ فائدةً في بيان التسلسل التاريخي لها، مع اعتبار منْزلة القائل في الترتيب، فابتدأتُ بالاستدراكات النبويَّة، ثُمَّ استدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين، ثُمَّ استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم، ثُمَّ كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين.
سابعًا: خَصَصْتُ الآيات القرآنية بالرسم العثماني، وجعلتها بين هذين القوسين ﴿﴾.
ثامنًا: خرَّجت القراءات القرآنية، وجعلتها بالرسم الإملائي بين هذين القوسين ﴿﴾.
تاسعًا: خَرَّجت الآيات في متن الرسالة، وجعلت تخريجها بين هذين المعقوفين [] عقب ذكر الآية مباشرة، سواءً كانت في نَصٍّ منقول أو غيره؛ وذلك لكثرتِها الظاهرة.
عاشرًا: خَرَّجتُ الأحاديث النبوية والآثار تخريجًا مختصرًا، أستوفي فيه عزو الحديث والأثر إلى مواضعه، مع بيان حال الأحاديث المرفوعة، وروايات الاستدراكات صِحَّةً وحُسنًا وضَعفًا.
إحدى عشر: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدِهِما اكتفي بذلك عن الحكم عليه، ولا أعزوه إلى غيرهما إلا لِحاجَة.
اثنى عشر: عند تخريج ما في الصحيحين أعزو إلى صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، وصحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي.
стр. 11
ثالث عشر: جعلت تخريج الاستدراك في الحاشية، وفَرَّغت متن الرسالة للدراسة التفسيرية (تحليل الاستدراك- الحكم على الاستدراك).
رابع عشر: نسبتُ الأشعار إلى قائليها، واكتفيتُ بعزوها إلى دواوينهم في الغالب، وإلا فإلى مصادر الشعر والشعراء المعتمدة.
خامس عشر: ترجمتُ للأعلام الواردة أسماؤهم في الرسالة تراجمَ مختصرة، واستثنيتُ منهم المشهورين، ولم أترجم للصحابة لاستغنائهم عن التعريف، إلا ما ندر.
سادس عشر: أتبعتُ كُلَّ علَمٍ بذكر سنة وفاته بين هلالين (ت:)، في جميع مواضع ورود اسمه، إلا إذا كان في نَصٍّ منقول ورأيتُ ذلك مفيدًا في معرفة السابق واللاحق، والمتقدم بالرأي والتابع فيه.
سابع عشر: جعلتُ التاريخ الهجري غُفْلًا، ولم أُشِر إليه بعلامة (هـ)؛ لأنه هو الأصل فلا حاجة لتكراره.
ثامن عشر: عَرَّفتُ بالأماكن والبقاع والمذاهب والفرق الواردة في متن الرسالة.
تاسع عشر: أختصرُ في ذكر أسماء المراجع في الحاشية؛ اكتفاءً بالتفصيل الموجود في ثبت المراجع، إلا في الأسماء المشتركة في أكثر من كتاب، فأبَيِّنُ من اسم الكتاب ما يُمَيِّزُه.
عشرون: استوعبت في مراجع علم التفسير أصولَ كتب التفسير، ونوَّعتُ في الأعصار والأمصار.
إحدى وعشرون: أشرتُ إلى صفحات المرجع بِهذا الرمز (ص:).
وقد ترددتُ بعد الانتهاء من جمع الاستدراكات بين ترتيبها على السور، ثُمَّ تقسيمها بحسب عددها ليمكن دراستها في أكثر من رسالة علمية، وبين انتقاء مجموعة وافِرَة منها، ثُمَّ دراستها بالتفصيل والمقارنة وإعطاء صورَة عامَّة كافيةٍ عن
стр. 12
موضوع الاستدراكات، مع الاستفادة التامَّة مِمَّا لم تتم دراسته من باقي الاستدراكات في تأكيد نتائج وآثار ما تمت دراسته.
وبعد طول نظرٍ وتأمُّلٍ في هذه الروايات استقرَّ الرأيُ على الطريقة الثانية، ورأيتها أكثر نفعًا وتأصيلًا من الطريقة الأولى؛ لعِدَّة أمور:
الأول: أن جُملَةً وافِرةً من هذه الاستدراكات ليست استدراكات تفسيرية على ما وصفت قبل قليل، وعلى ما سيتبين في البحث إن شاء الله، إذ ليس الخلاف فيها من قبيل الخلاف في معنى الآية أو ما لابُدَّ منه في فهمها، وذلك نحو الاختلاف في اسم السورة، أو نوعها (مكيَّة أو مدنيّة)، أو الاختلاف في القراءات؛ فإن القراءَة سابقةٌ للمعنى، وكذا الاختلاف في مسائل فقهية لا علاقةَ لها ظاهرةً بلفظ الآية، ونحو ذلك. فهذا النوع من الروايات وإن وردت على أسلوب الاستدراكات إلا أنها ضعيفة الصِّلة بمعنى التفسير، قليلةُ الفائدة والأثر في بيان أصوله وعلومه. وقد بلغت الاستدراكات من هذا النوع (١٢٠) استدراكًا.
الثاني: أن عددًا كثيرًا من الروايات التفسيرية الفاضلةِ بعد ذلك تكرَّر الخلافُ فيها في آيةٍ واحدة، وإنما قد يختلف القائل- فَمَرَّة الشيخ وأخرى تلاميذه-، أو تتعدد الطرق الواردة عنه في هذا الاستدراك. فهذا المجموع من الروايات أو القائلين يكون في حقيقته استدراكًا واحدًا، ذا قولين محصورين.
الثالث: أن دراسةَ ثمانين استدراكًا دراسةً وافيةً مُفَصَّلة، ثُمَّ استخلاص مباحث شَتَّى من علوم التفسير وأصوله منها، وتأكيد هذه النتائج وتجليتها بوضوح من خلال الفاضل من الاستدراكات = أولى وأقعد من دراسة كُلِّ مجموعة منها على حِدة، مِمَّا لا تتميز معه هذه النتائج والآثار بوضوح، خاصَّةً إذا تغيرت مناهج تناولها وأساليب دراستها.
стр. 13
هذا ما قصدتُ إليه من هذا البحث، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأتُ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، وأسأله تعالى بفضله وكرمه أن يلهمني الصواب في القول والعمل، وأن يجعل ما أقدمه خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
• المبحث الأول: مَعْنَى "الاسْتِدْرَاك".
احتوى مصطلح "استدراكات السلف في التفسير" مفرداتٍ عِدَّةً، يحسن الوقوف على معانيها قبل تركيبها؛ لتكون مدخلًا مُوَضِّحًا للمعنى الإضافي المُرَكَّب لهذا المصطلح.
فأصل كلمة "اسْتِدْرَاك" بعد تجريدها من الزوائد: "دَرَكَ"، قال ابن فارس (١) (ت: ٣٩٥): (الدال والراء والكاف أصلٌ واحد وهو: لحوق الشيء بالشيء ووصُوله إليه، يُقال: أدركت الشيء أُدركه إدراكًا .. ، ويقال: أَدرَك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرُهم أوَّلَهم) (٢)، ووزنُ "اسْتِدْرَاك": "اسْتِفْعَال" يفيد معنى الطلب، وتستخدم في المعاني، قال الزمخشري (٣) (ت: ٥٣٨): (وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله) (٤)، وفي المعجم الوسيط: (تدارك الشيء بالشيء: أتبعه به، يقال: تدارك الخطأ بالصواب والذنب بالتوبة .. ، واستدرك عليه القولَ: أصلحَ خطأهُ، أو أكمل نقصَه، أو أزال عنه لَبْسًا) (٥).
стр. 16
وهذا المعنى الأخير هو المقصود بهذه اللفظة في هذا المقام، ويُستخلص منه وممّا سبق ما يأتي:
- أن في الاستدراك سابقًا مُستَدرَكًا عليه، ولاحقًا مُستَدرِكًا.
- وأن فعله لازم ومُتعَدٍ (١).
- وأن اللاحق في الاستدراك مُصلِحٌ لخطأِ الأوّل، أو مكمِّلٌ لنقصِه، أو كاشفٌ عنه لَبْسَه.
ومن ثَمَّ يمكن صياغة معنىً جامعٍ للاستدراك من مجموع ما سبق فيُقال: الاستدراك هو:
إِتْبَاعُ القولِ الأولِ بقولٍ ثانٍ، يُصْلِحُ خَطَأهُ، أو يُكْمِلُ نَقصه، أو يُزيلُ عنه لبسًا.
وعلى هذا المعنى جرى استخدام العلماء لهذه الكلمة في مُؤلفاتهم وتعَقُّباتهم في شتى العلوم. (٢)
стр. 17
• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ "السَّلَفِ" وَبَيَانُ فَضْلِهم.
• المطلب الأول: تَعْرِيفُ "السَّلَفِ" لُغَةً واصطلاحًا.
أَوّلًا: السّلَفُ لُغَةً:
تدور كلمة السَّلَف في أصل الوضع اللغوي على معنى التَّقَدُّمِ والسَّبْق، فكُلُّ من تَقَدَّمكَ وما قَدَّمتَه فهو سَلَفٌ لك، ثم تفيد بعد ذلك مدحًا أو ذمًّا بحسب موضعها وسياقها. قال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (السين واللام والفاء أصلٌ يدل على تقدُّمٍ وسَبْق، من ذلك السَّلَف: الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المُتَقَدِّمون) (١)، والسَّلَفُ كلُّ عملٍ صالحٍ قدَّمته، أو فَرَطٍ فَرَطَ لك، وكلُّ من تقدمك من آبائك وقرابتك، مِمَّنْ هم فوقك في السِّنِّ والفضل (٢)، ومنه قول الشاعر (٣):
مضوا سلفًا، قَصد السبيل عليهِمُ … وصرفُ المنايا بالرجال تَقَلَّبُ
стр. 18
(أراد أنهم تقدمونا وقصدُ سبيلنا عليهم، أي: نموت كما ماتوا فنكون سلفًا لمن بعدنا كما كانوا سلفًا لنا) (١)، وقال الراغب الأصفهاني (٢) (ت: بعد ٤٠٠): (السَّلَفُ: المتقدم، قال تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، أي: مُعتَبَرًا متقدمًا) (٣)، (وفي الدعاء للميت "واجعله سلفًا لنا" (٤)، قيل: هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته) (٥)، ويشهد لهذا المعنى الأخير قول النبي ﷺ لفاطمة ﵂: (ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أوّل أهلي لُحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك) (٦) أي: المتقدم.
وقد تستعمل هذه الكلمة في الذم، كما في قوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، قال مجاهد (٧) (ت: ١٠٤): (قوم فرعون كفارهم سلفًا لكفار أمة محمد ﷺ (٨)،
стр. 19
وقال قتادة (١) (ت: ١١٧) ومعمر (٢) (ت: ١٥٣): (سلفًا إلى النار) (٣)، وعن زيد بن أسلم (٤) (ت: ١٣٦) قال: (ما من أحد إلا وله سَلَفٌ في الخير والشر) (٥).
ثَانِيًا: السَّلَفُ اصطلاحًا:
اشتهر استعمال مصطلح "السَّلَف" في كلام العلماء وإطلاقاتهم على أنه وصفُ مدحٍ وتزكية، قال ابن تيمية (٦) (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يُعرَف بالنقل عنهم، فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يُعرَف بالاستدلال المحض؛ بأن يكون كل من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: هذا قول السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب. فهذا هو الذي يُجرِّئ المبتدعة على أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السلف، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه: أن قوله هو الحق) (٧)، ووجه الخيرية والزَّكاءِ في الانتساب إلى السلف هو أنَّهم خيرُ القرون، كمَا ثبت عن ابن مسعود ﵁، أن
стр. 20
النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١).
وقد تعرَّضَ جماعةٌ من العلماءُ لِمُصطلح السلف، فذكروا تعريفاتٍ متفاوتةً، وحدودًا متغايرةً، تأثَّر بعضها بِاعتقادٍ سابق، ظهر أثره في بيان صاحبه لجوانب من هذا المصطلح. (٢)
وقد يُراد بلفظ السلف في استعمال بعض العلماء مجرد الدلالة اللغوية المبينة سابقًا (٣)، كما قد يراد به معنىً اصطلاحيًّا مشتقًّا من المعنى اللغوي، وقد تفاوتت أقوال العلماء في تحديد هذا المصطلح، وتعيين المراد به على عدة أقوال:
الأول: أنهم الصحابة. وهو قول بعض شُرَّاحِ "الرسالة" (٤)، لابن أبي زيد القيرواني (٥) (ت: ٣٨٩)، وكان ابن المبارك (٦) (ت: ١٨١) يقول: (دَعُوا حديث عمرو بن ثابت (٧)؛ فإنه كان يسُبُّ السلف) (٨)، أي: الصحابة كما ذكر أبو داود (ت: ٢٧٥) عنه
стр. 21
قوله: (لَمَّا مات النبي ﷺ كَفَرَ الناس إلا خمسة)، وقال عنه الإمام أحمد (ت: ٢٤١): (كان يشتم عثمان ﵁. (١)
الثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وإليه ذهب الغزالي (٢) (ت: ٥٠٥) فقال: (اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني: الصحابة والتابعين) (٣).
الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين؛ أهلُ القرون الثلاثة الأولى، ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. قال السفَّاريني (٤) (ت: ١١٨٨): (وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار ﷺ ، والذين اتبعوهم بإحسان، وأئمة الهدى بعد هؤلاء، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتقدمهم والاقتداء بهم، واتباعهم والسير بسيرهم، والنهج على منوالهم) (٥)، وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) السلف ثم قال: (من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الصالحة) (٦)، وقال أيضًا: (ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة؛ لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف،
стр. 22
حرفٌ واحدٌ يخالفُ ذلك؛ لا نَصًّا ولا ظاهِرًا) (١)، وقال ابن رجب (٢) (ت: ٧٩٥): (وفي زماننا يتعينُ كتابةُ كلامِ أئمةِ السلف المقتدى بِهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد) (٣).
وجرى على هذا المعنى جمهَرَةٌ من الأئمة (٤)، وكثيرٌ من الباحثين (٥).
الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة. وإليه ذهب الباجوري (٦) (ت: ١٢٧٧) حيث قال: (وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة:
стр. 23
الصحابة والتابعون وأتباع التابعين) (١).
وبالتأمل في الأقوال السابقة يُلاحَظ أن لها تعَلُّقًا ظاهرًا بحديث ابن مسعود ﵁ السابق في خيريّة القرون الثلاثة الأولى وتفضيلها على ما بعدها، كما يَبرزُ دخول الصحابة دُخولًا أَوَّلِيًّا في جميع هذه الأقوال. والقول بأن السلف هم:
الصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين، ممن التزم الكتاب والسنة ولم يتلبس ببدعة، ومن تبع نَهجهم بإحسان = هو أصحُّ الأقوال وأعدلها، وهو اختيار المحققين من أهل العلم، كما مَرَّ في القول الثالث، وقد اشتمل على المدلول الخاص للسلف بالحصر التاريخي في القرون الثلاثة الأولى، وكذا المدلول العام الشامل لأتباعهم من بعدهم، ووجه ترجيح هذا القول أمور:
أولًا: استناده على الأثر، الوارد في حديث ابن مسعود ﵁ السابق، فقد اشتمل هذا التعريف على القرون الثلاثة المفضلة بالنص النبوي، في حين أن الأقوال الأخرى زادت أو نقصت عنه بلا وجه.
ثانيًا: وضوح التحديد الزمني فيه ليشمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كبداية ومنطلق لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد تظهر في الرجوع إلى أقوالهم، والاحتكام إلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. (٢)
ثالثًا: اشتماله- إضافةً إلى البعد الزمني- على البعد الشرعي المتمثل في تقييد هذا الوصف باتباع الكتاب والسنة، مما وسَّع دائرة هذا التعريف ليشمل ما بعد القرون
стр. 24
المفضلة ممن سار على طريقهم، والتزم نَهجهم، وتلقى النصوص بفهمهم. (١)
رابعًا: ولأن غالب من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث. (٢)
خامسًا: ولأنه مانعٌ من دخول من لا يتناولهم لفظ الخيرية الوارد في الحديث، من رؤوس المبتدعة الذين ظهروا في تلك العصور المتقدمة، وذلك بالتقييد بالتزام الكتاب والسنة واجتناب البدع.
* مُصْطَلَحُ "السَّلَفُ" فِيْ كُتُبِ التَّفْسِير:
وفي كتب التفسير، واستعمالات المفسرين نجد مصطلح "السلف" سائرًا على هذا المعنى الذي ذُكِر (٣)، (وإذا أُطلق مصطلح "السلف" في علم التفسير فإن المراد به علماء هذه الطبقات الثلاث- أي: الصحابة والتابعون وأتباعهم-؛ لأن أصحابها أوّلُ علماء المسلمين الذين تعرضوا لبيان القرآن، وكان لهم فيه اجتهاد بارز، وقَلَّ أن تجد في علماء الطبقة التي تليهم من كان مشهورًا بالتفسير والاجتهاد فيه، بل كان الغالب على عمل من جاء بعدهم في علم التفسير نقل أقوال علماء التفسير في هذه الطبقات الثلاث، أو التخيّر منها والترجيح بينها، كما فعل الإمام محمد بن جرير الطبري (٤) (ت: ٣١٠)) (٥)، وغيره من نقلة التفسير في عصره.
стр. 25
وقد اصطلح العلماء على تسمية تفسير القرون الثلاثة الأولى: "التفسير المأثور"؛ لاستناده على الآثار المنقولة عن السلف في التفسير، من الصحابة والتابعين وتابعيهم (١).
• المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.
بعد أن تبيَّنت حدود مصطلح السلف الزمانية والمنهجية، تجدر الإشارة إلى شيء من فضائل السلف الثابتة لهم شرعًا، مع بيان منْزِلة علمهم، ووجه تَقَدُّمِهِم وإمامَتِهِم، من خلال عرض موجز لنصوص الكتاب والسنة، وكلام الأئمة.
فمن النصوص الشرعية في بيان فضل السلف قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]، وقوله سبحانه ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ١٠٠]. ففي الآية الأولى توعَّدَ من اتبع غير سبيل المؤمنين بالمصير إلى جهنم، ولا شك أن السلف هم أوّل من يشملهم اسم الإيمان من المؤمنين الذين نهى الله تعالى عن اتباع غير سبيلهم، وفي الآية الثانية وعَدَ الذين يتبعون سبيل المهاجرين والأنصار- وهم الصحابة- بإحسان، بالرضوان والجنان وذلك الفوز العظيم (٢).
ومن السنة قوله ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم
стр. 26
الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه) (١)، قال النووي (٢) (ت: ٦٧٦): (وقد اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ (٣)، وقال ابن حجر (٤) (ت: ٨٥٣): (واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين) (٥).
وعن العرباض بن سارية ﵁ في حديثٍ طويلٍ- قال: قال رسول الله ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (٦)، فدل الحديث على لزوم التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وسنة أصحابه ﵃، وترك ما خالفها، أو أُحدِث بعدها، خاصَّة في زمن الاختلاف والتفرق. (٧)
стр. 27
وهذه بعض أقوال الأئمة في بيان فضل السلف ومَنْزلة علمهم (١):
- قال ابن مسعود ﵁: (لا تقلدوا دينَكم الرجالَ، فإن أبيتم فبالأمواتِ لا بالأحياءِ) (٢).
- وعن محمد بن سيرين (٣) (ت: ١١٠) قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر) (٤).
- وقال الأوزاعي (٥) (ت: ١٥٧): (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكُفّ عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم) (٦).
- وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة- في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة- أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين،
стр. 28
وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام .. ، وما أحسن ما قال الشافعي- ﵀ في رسالته: هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) (١).
- وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام؛ ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم .. ، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به) (٢).
* * *
стр. 29
• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ "التَّفْسِير".
أوَّلًا: التَّفْسِير لُغَةً:
كلمة "تفسير" مشتقّةٌ في الأصل من "فَسَرَ"، وهذه اللفظة تدور في كلام العرب على معاني: الكشف والبيان والإيضاح. قال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه) (١)، وقال الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠): (الفَسْرُ: إظهار المعنى المعقول .. ، والتفسير في المبالغة كالفَسْر) (٢)، وقال ابن القيم (٣) (ت: ٧٥١): (التفسير أصله في الظهور والبيان) (٤).
وقيل هو مقلوب "سَفَرَ" (٥)، يُقال: أسفر الصبح: إذا ظهر وبان، وسَفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته، ويُقال للكتاب سِفْر: لبيانه (٦). والأصل أن يكون للكلمة ترتيبها ومعناها، ثم قد تشترك مع غيرها في المعنى، أو تقترب في اللفظ، قال الآلوسي (٧)
стр. 30
(ت: ١٢٧٠): (والقول بأنه مقلوب السَّفْر، مما لا يسفر له وجه) (١)، ولذا يقول الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠): (الفَسْرُ والسَّفْرُ يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما) (٢).
ثانيًا: التَّفْسِيرُ اصطلاحًا:
من خلال المعنى اللغوي لكلمة التفسير، يُتَعرف على المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة، ويُستَحسَن قبل بيانه ذكرُ بعضِ تعريفات هذا المصطلح، فقد تفاوتت أقوال أهل العلم في بيان مفهوم التفسير وحدود معناه في استعمالات المفسرين، ومن تلك التعريفات:
- قول الثعلبي (٣) (ت: ٤٢٧): (فمعنى التفسير هو: التنوير وكشفُ المنغَلِق من المُراد بلفظه، وإطلاق المحتبس عن فهمه) (٤)، وقال: (قالت العلماء: التفسير: علمُ نزول الآية، وشأنها، وقصتها، والأسباب التي نزلت فيها) (٥).
- ونقل ابن الجوزي (٦) (ت: ٥٩٧) عن جماعةٍ من العلماء قولهم: (التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي) (٧).
стр. 31
- وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) أن تفسير الكلام هو: بيانه وشرحه وكشفُ معناه، ثُمَّ قال: (فالتفسير من جنس الكلام، يفسر الكلام بكلام يوضحه) (١).
- وقال ابنُ جُزيّ (٢) (ت: ٧٤١): (ومعنى التفسير: شرح القرآن (٣)، وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصِّه، أو إشارته، أو فحواه) (٤).
- وقال أبو حيّان (٥) (ت: ٧٤٥): (التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب، وتَتِمَّاتٌ لذلك.
فقولنا: "علم" هو جنس يشمل سائر العلوم.
وقولنا: "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن" هذا هو علم القراءات.
وقولنا: "ومدلولاتها" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم.
стр. 32
وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبية" هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع.
"ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب" شمل بقوله: التي تُحمل عليها. ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل على الظاهر صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحمل على غير الظاهر وهو المجاز.
وقولنا: "وتَتِمَّاتٌ لذلك" هو معرفة النسخ، وسبب النُّزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن، ونحو ذلك) (١).
- وقال شمس الدين الأصفهاني (٢) (ت: ٧٤٩): (والتفسير في عرف العلماء هو: كشف معاني القرآن، وبيان المُراد) (٣).
- وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فالتفسير هو: إبانة المعنى وإيضاحه، قال الله تعالى ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣]) (٤).
- وقال الزركشي (٥) (ت: ٧٩٤): (التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المُنَزل
стр. 33
على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه) (١)، وقال أيضًا مُعَرّفًا التفسير: (وفي الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومُحكَمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قومٌ فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعِبَرها وأمثالها، وهذا الذي مُنعَ فيه القول بالرأي) (٢).
- وقال الجرجاني (٣) (ت: ٨١٦): (التفسير في الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة) (٤).
- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (٥) (ت: ٨٤٢): (وعلوم القرآن كثيرة، منها: علمُ ألفاظه وما أُريدَ به، وهذا هو الذي يقال له: التفسير) (٦)، وقال بعد بيان معنى التفسير لغةً: (وأما معناه اصطلاحًا فهو: الكلام على أسباب نُزول القرآن، وبيان أحكامه المجملةَ فيه من السنة) (٧).
стр. 34
- وقال ابن عاشور (١) (ت: ١٣٩٣): (والتفسير .. هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع) (٢).
- وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧): (التفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية) (٣).
- وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١): (التفسير في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم) (٤).
من خلال العرض السابق للمعنى اللغوي وما ذكره العلماء في المعنى الاصطلاحي لكلمة "التفسير"، يُستَخلَص معنىً مُختارٌ يكشف عن حَدِّ التفسير ومفهومه، فيُقَال:
التفسير اصطلاحًا هو: بيان المراد من معاني القرآن الكريم.
ووجه اختيار هذا التعريف دون غيره، أمور:
أولها: أن هذا المعنى منطلِقٌ من الأصل اللغوي لكلمة التفسير، وهو البيان والكشف والإيضاح، كما سبق.
ثانيًا: أن هذا المعنى مشْتَرَكٌ في جميع تعريفات أهل العلم الاصطلاحية السابقة، نصًّا أو لُزومًا، فليس هو محل خلاف بينهم. (٥)
стр. 35
ثالثًا: أن هذا القدر من التعريف هو الذي دَلَّ عليه الواقع العملي عند المفسرين، وباستعراض كتب التفسير القديمة والحديثة، والموسَّعة والمختصرة، يتبين اشتراكها في هذا القدر من التعريف- الذي هو: "بيان المعنى المراد"، سواء كان ببيان اللفظة، أو الجملة، ثم إنها تتفاوت بعد ذلك في ثلاثِ نواحٍ، أشارت إليها بعض التعريفات السابقة وهي (١):
١ - احتوائها على موضوعات علوم القرآن المتنوعة، وغيرها من مباحث العلوم المستنبطة من القرآن الكريم، على تفاوت بين هذه التفاسير في العناية بها إكثارًا وإقلالًا، وعلى تفاوت أيضًا في شدة تعلق هذه العلوم بعلم التفسير، واقترانِها به في كلام السلف قلَّةً وكثرَةً.
٢ - ظهور الجانب العلمي الأبرز في المفسر على تفسيره، فيصطبغ تفسيره به، كتمكنه في اللغة، أو الفقه، أو غيرهما من الفنون. (٢)
٣ - ظهور أثر الواقع على تفسيره، وتفاعل المفسر مع أحداث عصره وعلومه، فيربط بين واقعه وبين مواضع من الآيات يستدِل بها عليه بوجه من الوجوه.
وتتجَلَّى هذه النتيجةُ أكثَر باستعراض كُتُب المُفَسِّر الواحد في التفسير، كتفاسير الواحدي (ت: ٤٦٨): البسيط، والوسيط، والوجيز، فما كتبه المؤلف في الوجيز هو الحَدُّ الأدنى من التفسير، الذي يقتَضيه مَقامُ الاختصار؛ وهو "بيان المعنى المراد" وما لا بُدَّ منه لِبَيانه، كسبب النُّزول ونحوه، ثُمَّ تتكاثر تلك الجوانب الثلاثة في الوسيط، لتكتمل عند المؤلف في البسيط، الذي بسط فيه القول وأشبَعَه، وتَجَلَّت فيه تلك الجوانب بوضوح.
стр. 36
وقد قال الرازي (ت: ٦٠٤) بعد فراغه من إحدى المسائل في تفسيره: (ولنرجع إلى التفسير) (١).
ويُلاحظ هنا أن هذه الجوانب الثلاثة إنما ذُكرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، لا لأنها هي التفسير بمفردها بلا بيان للمعنى، إذ إنها تابعةٌ للمعنى المُبَيَّن، ومبنيَّةٌ عليه، فإذا توقف البيان والفهم عليها فهي من التفسير، فإن لم يتوقفا عليها فهي زائدة عن حَدِّ التفسير، ذُكِرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد يستفيد التفسير منها (٢).
стр. 37
• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ "اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ".
بعد معرفة معاني مفردات هذا المصطلح، يتكامل بها المعنى الإضافي له، فيُقال:
استدراكات السلف في التفسير هي:
إِتْبَاعُ المُفَسِّر مِنَ السَّلَفِ قَولًا يَذكُرُه أو يُذكَرُ لَهُ في بيان المعنى المراد من الآية القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولٍ آخَرَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، أَوْ يُكْمِلَ نَقْصَهُ.
فخرج بقولنا: "إتباع المفسر" ما عداه من أنواع الاختلاف بين المفسرين؛ إذ إن استدراكات السلف في التفسير بهذا المعنى تعتبر نوعًا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، تتميز به عن مجرد عرض الأقوال الأخرى: بنوعِ نقدٍ واعتراضٍ وتَعَقُّبٍ وتكميلٍ (١).
كما يخرج بقولنا: "من السلف" من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقد أصبحت الاستدراكات ظاهرةً في كثير من كتب التفسير بعد ذلك (٢).
وفي قولنا: "قولًا يَذكُره أو يُذكَرُ له" توضيح لِطَريقَي الاستدراك على القول السابق، وهما:
الأول: أن يذكر المفسرُ القولَ الأوّل بِنَفْسِه ثم يستدرك عليه، وهذا استدراك على مُطلق القول، بغض النظر عن قائله، أو أنه قد قيل، أو لِخشية المُفَسِّر من أن يُفهم أو يُقال، فيورده احترازًا منه، وتنبيهًا عليه، ورُبَّما سَمَّى قائله.
стр. 38
الثاني: أن يُذكَر للمفسر القول الأوّل فيستدرك عليه، وهو استدراك على قول مُعَيّن قد فُهم كذلك من السائل، أو قد قيل من غيره فينقله للمفسر.
وفي قولنا: "في بيان المعني المراد من الآية القرآن الكريم" إخراج لما عدا ذلك مما زاد عن حَدِّ البيان وتحديد المراد، على ما سبق بيانه في معنى التفسير اصطلاحًا.
وقولنا: "يصلح خطأه، أو يكمل نقصه" يُبيّن غرض المستدرك من استدراكه وهو أحد أمرين:
أولًا: إصلاح خطأِ القول الأول، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التضاد بين القولين؛ السابق واللاحق.
ثانيًا: تكميل نقص القول الأوّل، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التنوّع بين القولين؛ السابق واللاحق.
وصورة هذا النوع من الاعتراض عند السلف: أن يتعقب المفسر منهم القولَ المذكورَ في تفسير الآية، مبينًا سبب ضعفه ورجحان غيره عليه أحيانًا، مع ذكره لرأيه في الآية، ووجه ترجيحه أحيانًا أخرى.
* * *
أولًا: الاستدراكات النبوية
[١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢].
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : (ليس بذلك- وفي لفظ: ليس كما تظنون- ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو الشرك) (١).
* تحليل الاستدراك:
القول الأول الذي ذهب إليه الصحابة ﵃ في فهم الآية هو عموم الظلم؛ الذي يشمل جميع مراتبه من أعلاها وهو الشرك، حتى أدناها وهي الصغائر، وكلها ظلم للنفس، فصار المعنى عندهم ﵃: أن من وقع في ظلمٍ لنفسه ولو بصغائر الذنوب التي لا يسلم منها أحد- إلا من عصم الله-؛ فقد حُرِمَ الأمن والاهتداء الموعود بهما من سلم إيمانه من أن يُخالطه أيّ ظلم كان (٢).
ومرتكز هذا الفهم من الصحابة ﵃ هو الأصل اللغوي لكلمة الظلم في سياقها العام، فإن أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه (٣). وهم أهل اللسان والبيان، وبه نزل القرآن، فلذلك شَقَّ عليهم ﵃،