← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد قال الرازي (ت: ٦٠٤) بعد فراغه من إحدى المسائل في تفسيره: (ولنرجع إلى التفسير) (١). ويُلاحظ هنا أن هذه الجوانب الثلاثة إنما ذُكرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، لا لأنها هي التفسير بمفردها بلا بيان للمعنى، إذ إنها تابعةٌ للمعنى المُبَيَّن، ومبنيَّةٌ عليه، فإذا توقف البيان والفهم عليها فهي من التفسير، فإن لم يتوقفا عليها فهي زائدة عن حَدِّ التفسير، ذُكِرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد يستفيد التفسير منها (٢).

стр. 37

• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ "اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ". بعد معرفة معاني مفردات هذا المصطلح، يتكامل بها المعنى الإضافي له، فيُقال: استدراكات السلف في التفسير هي: إِتْبَاعُ المُفَسِّر مِنَ السَّلَفِ قَولًا يَذكُرُه أو يُذكَرُ لَهُ في بيان المعنى المراد من الآية القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولٍ آخَرَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، أَوْ يُكْمِلَ نَقْصَهُ. فخرج بقولنا: "إتباع المفسر" ما عداه من أنواع الاختلاف بين المفسرين؛ إذ إن استدراكات السلف في التفسير بهذا المعنى تعتبر نوعًا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، تتميز به عن مجرد عرض الأقوال الأخرى: بنوعِ نقدٍ واعتراضٍ وتَعَقُّبٍ وتكميلٍ (١). كما يخرج بقولنا: "من السلف" من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقد أصبحت الاستدراكات ظاهرةً في كثير من كتب التفسير بعد ذلك (٢). وفي قولنا: "قولًا يَذكُره أو يُذكَرُ له" توضيح لِطَريقَي الاستدراك على القول السابق، وهما: الأول: أن يذكر المفسرُ القولَ الأوّل بِنَفْسِه ثم يستدرك عليه، وهذا استدراك على مُطلق القول، بغض النظر عن قائله، أو أنه قد قيل، أو لِخشية المُفَسِّر من أن يُفهم أو يُقال، فيورده احترازًا منه، وتنبيهًا عليه، ورُبَّما سَمَّى قائله.

стр. 38

الثاني: أن يُذكَر للمفسر القول الأوّل فيستدرك عليه، وهو استدراك على قول مُعَيّن قد فُهم كذلك من السائل، أو قد قيل من غيره فينقله للمفسر. وفي قولنا: "في بيان المعني المراد من الآية القرآن الكريم" إخراج لما عدا ذلك مما زاد عن حَدِّ البيان وتحديد المراد، على ما سبق بيانه في معنى التفسير اصطلاحًا. وقولنا: "يصلح خطأه، أو يكمل نقصه" يُبيّن غرض المستدرك من استدراكه وهو أحد أمرين: أولًا: إصلاح خطأِ القول الأول، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التضاد بين القولين؛ السابق واللاحق. ثانيًا: تكميل نقص القول الأوّل، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التنوّع بين القولين؛ السابق واللاحق. وصورة هذا النوع من الاعتراض عند السلف: أن يتعقب المفسر منهم القولَ المذكورَ في تفسير الآية، مبينًا سبب ضعفه ورجحان غيره عليه أحيانًا، مع ذكره لرأيه في الآية، ووجه ترجيحه أحيانًا أخرى. * * *

стр. 39

الباب الأول دِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ "اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ " فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى وهي على الترتيب التالي: أولًا: الاستدراكات النبوية، وبلغت ثلاثةَ عشرَ استدراكًا (من: ١، إلى: ١٣). ثانيًا: استدراكات الصحابة، وبلغت واحدًا وأربعينَ استدراكًا (من: ١٤، إلى: ٥٤). ثالثًا: استدراكات التابعين، وبلغت عشرينَ استدراكًا (من: ٥٥، إلى: ٧٤). رابعًا: استدراكات أتباع التابعين، وبلغت ستةَ استدراكات (من: ٧٥، إلى: ٨٠).

стр. 40

أولًا: الاستدراكات النبوية [١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : (ليس بذلك- وفي لفظ: ليس كما تظنون- ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو الشرك) (١). * تحليل الاستدراك: القول الأول الذي ذهب إليه الصحابة ﵃ في فهم الآية هو عموم الظلم؛ الذي يشمل جميع مراتبه من أعلاها وهو الشرك، حتى أدناها وهي الصغائر، وكلها ظلم للنفس، فصار المعنى عندهم ﵃: أن من وقع في ظلمٍ لنفسه ولو بصغائر الذنوب التي لا يسلم منها أحد- إلا من عصم الله-؛ فقد حُرِمَ الأمن والاهتداء الموعود بهما من سلم إيمانه من أن يُخالطه أيّ ظلم كان (٢). ومرتكز هذا الفهم من الصحابة ﵃ هو الأصل اللغوي لكلمة الظلم في سياقها العام، فإن أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه (٣). وهم أهل اللسان والبيان، وبه نزل القرآن، فلذلك شَقَّ عليهم ﵃،

стр. 41

قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والذي يظهر لي أنهم- أي الصحابة- حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف (١)، وإنما حملوه على العموم لأن قوله ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] نكرة في سياق النفي) (٢). أمّا المعنى الثاني في هذه الآية فهو التفسير النبوي الكريم، الذي أبان معنىً آخر لكلمة الظلم، هو بعض معناها العام الذي فهمه الصحابة ﵃، وقد بيّن النبي ﷺ أن المراد بالظلم في هذه الآية: الشرك. وذلك بحسب ورودها في القرآن الكريم في مواضع أُخر، مع إقرار الوحي له على ذلك، وبهذا سُرِّيَ عن الصحابة ﵃ ما وجدوه من مشقّةٍ في فهمهم الأوّل لعموم الظلم. فمرتكز هذا البيان النبوي الكريم ما يأتي: أولًا: الوحي، ابتداءً أو تقريرًا. ثانيًا: صحّة المعنى لُغَةً؛ إذ الشرك من معاني الظلم وهو أعلى مراتبه، كما سبق، قال ابن قتيبة (٣) (ت: ٢٧٦): (أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم قد يصير الظلم بمعنى الشرك؛ لأن من جعل لله شريكًا فقد وضع الربوبية غيرَ موضعها) (٤). ثالثًا: الاعتماد على ورود كلمة الظلم بذلك المعنى في مواضع كثيرة من القرآن

стр. 42

الكريم، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (أكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يُراد به الكُفّار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم ٤٢]، وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٤]، ومثل هذا كثير) (١)، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس ١٠٦]. رابعًا: دلالة السياق على هذا المعنى النبوي، قال الرازي (ت: ٦٠٦) (٢): (المراد من الظلم الشرك .. ، والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة (٣) من أوّلها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك) (٤). * الحكم على الاستدراك: لقد نزع الصحابة ﵃ في هذه الآية منزعًا أصيلًا، ولا غرو، فإنما نزل القرآن عليهم وبِلُغتهم، فهم أعلم الناس بالتأويل، وأسعدهم بمشاهدة التنْزيل، وكلُّ فضلٍ وشرفٍ فيهم فإنما يُذكَر بعد فضيلة وشرف صحبتهم رسولَ الله ﷺ ، وحيثما جاء البيان عن رسول الله ﷺ فهو البيان، وهذا من أصول الديانة في كل ما جاء به رسول الله ﷺ عامّةً، وفيما أبانه من معاني كلام الله تعالى على الخصوص، قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وقال سبحانه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، فَمِنْ الله تعالى التنْزيل، وَمِنْ رسوله ﷺ البيان والتأويل.

стр. 43

ومن ثَمَّ فإن تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك هو المتعيّن؛ لوروده عن النبي ﷺ صحيحًا صريحًا، وقد نَصَّ العلماء على وجوب الأخذ بما هذا سبيله من التفسير عن رسول الله ﷺ ، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإن كان الله- جل ذكره- قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربيًّا، وأنّه أنزله بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملًا خصوصًا وعمومًا، لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله- تعالى ذكره- من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جُعِل إليه بيان القرآن؛ وهو رسول الله ﷺ (١)، وقال ابن العربي (٢) (ت: ٥٤٣) عند هذه الآية: (وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير، وليس للمُتَعَرِّضِ إلى غيره إلا النكير) (٣)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومما ينبغي أن يُعلم، أن القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيره من جهة النبي ﷺ ، لم يُحتَج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة؛ فإنه قد عُرِف تفسيره، وما أُريد بذلك من جهة النبي ﷺ فلم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم) (٤). وقد هُدِيَ الصحابة ﵃ في ذلك لأحسن الهدي؛ فلم يُعرَف عن أحد منهم مُراجعة رسول الله ﷺ في ذلك، بل استقام تفسيرهم بعد ذلك على بيان رسول الله ﷺ (٥).

стр. 44

فمِمّن فسَّر الظلم في هذه الآية بالشرك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وأُبيّ بن كعب، وسلمان، وعلي، وحذيفة، وابن عمر، وابن عباس ﵃ (١)، بل كان تعويلهم في كشف ما أشكل فيها على غيرهم هو بيان رسول الله ﷺ ، فعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سُئلَ عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال: ما تقولون؟ قالوا: لم يظلموا. قال: حملتم الأمر على أشده، بظلم: بشرك، ألم تسمع إلى قول الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية ففزع، فأتى أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب الله، من يسْلَم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ وقال: فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك) (٣). وسأل زيدُ بن صوحان (٤) سلمانَ ﵁ فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه. (٥)

стр. 45

كما سار على ذلك أئمة التفسير من التابعين وأتباعهم، كعلقمة (١) (ت: ٦٢)، وعمرو بن شرحبيل (٢) (ت: ٦٣)، وأبي عبد الرحمن السلمي (٣) (ت: ٧٤)، وإبراهيم النخعي (٤) (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (٥) (ت: ١٠٥)، والضحاك (٦) (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (٧) (ت: ١٢٨)، وابن زيد (٨) (ت: ١٨٢)، وعليه جمهور المفسرين مِنْ بَعدِهم (٩)،

стр. 46

قال القاسمي (١) (ت: ١٣٣٢): (وبالجملة فلا يُعلمُ مُخالف من الصحابة والتابعين في تفسير "الظلم" هنا بالشرك، وقوفًا مع الحديث الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية، الموضِّح بعضها لِما أُبْهم في بعض) (٢). ومن مسائل هذا الاستدراك وأحكامه: أولًا: أن تفسير كلام الله تعالى وفهمه يكون بحسب المشهور المتبادر من لسان العرب الذي نزل به القرآن، وهذا ما فعله الصحابة ﵃ في فهمهم لكلمة "الظلم"، ولم ينهَهم رسول الله ﷺ عن أن يفسروا القرآن بلغتهم، ولو كان هذا المسلك خَطًا لنبههم عليه، كما لم يتغير هذا الفهم من الصحابة إلا بالنقل الشرعي لكلمة "الظلم" بحسب التفسير النبوي. ثانيًا: التفسير اللغوي لا يقدم على التفسير النبوي الصريح بحال، وهذا واضح من قبول الصحابة ﵃ لهذا التفسير من النبي ﷺ بلا جدال. ثالثًا: كما أن تفسير القرآن بالرأي المعتمد على استعمالات الكلمة في القرآن، أولى من تفسيره بحسب اللفظ مجردًا، وهذا واضح من تفسير النبي ﷺ لكلمة "الظلم" بحسب ورودها في موضع آخر من القرآن الكريم، وهو ما يُعرف ب: تفسير القرآن بالقرآن. قال الباقولي (٣) (ت: ٥٤٣): (وأبدًا ينبغي لك أن تُفَسر القرآن بعضَه ببعضٍ ما أمكنك، ويجبَ أخذُ التفسير من آيةٍ نظيرةِ تلك الآية التي

стр. 47

تُفَسِّرها) (١)، وقال العز بن عبد السلام (٢) (ت: ٦٦٠): (تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كلِّ تقدير) (٣)، أي: تقدير المحذوف في موضع من القرآن، يكون بما ظهر في القرآن في موضع آخر. وقال الزركشي (ت: ٧٩٤): (فحَمَل النبي ﷺ الظلم هاهنا على الشرك .. ، واستأنس عليه بقول لقمان) (٤). رابعًا: في قوله ﷺ لأصحابه: (ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) ثم تفسيره للكلمة بقوله: (إنما هو الشرك)، تنبيه للصحابة على هذه الطريقة في التفسير، وقد كان بالإمكان حصول البيان منه ﷺ بقوله: (إنما هو الشرك)، ولكنّه ﷺ شَرَعَ لمن بعده مسلكًا مهمًا في تبيين المُشكلات، وإيضاح المُبهمات، بل هو أولى طرق بيان القرآن الكريم، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصحَّ الطرق في ذلك أن يُفَسّرَ القرآن بالقرآن؛ فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختُصِرَ في مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر) (٥)، ونقل الشنقيطيُّ (ت: ١٣٩٣) إجماعَ العلماء على أن بيان القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير وأَجَلُّها؛ (إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا) (٦)، وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢): (وتَعَرُّفُ تلك القاعدة- أي: التفسير بالنظائر القرآنية- من مثل هذا الحديث يكشف غُمَّةَ أوهام كثيرة) (٧).

стр. 48

خامسًا: أن الصحابة ﵃ كانوا يتأولون القرآن على لغتهم، فإذا أشكل عليهم منه شيء سألوا رسول الله ﷺ فبيّنه لهم، وهذا يحدد نوع ما فسّرَه رسولُ الله ﷺ من القرآن للصحابة ﵃، وهو ما أشكل عليهم، واحتاجوا فيه إلى بيانٍ من النبي ﷺ وهو قليل (١). وسيتبيّن ذلك بوضوح في غيرما استدراك نبوي فيما يأتي- إن شاء الله تعالى-، وأما ما فسّرَه ﷺ مباشرة بلا سؤال أو استشكال فهو أقلّ ممّا سُئِلَ عنه. * * * [٢] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧]. عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لَمّا نزلت (٢) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] عَمَدت إلى عِقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجَعلتُهما تحت وِسادَتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبينُ لي، فَغَدَوتُ على رسول الله ﷺ ، فَذَكرتُ له ذلك فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) (٣).

стр. 49

* تحليل الاستدراك: اعتمد عديُّ بن حاتم ﵁ في فهمه لهذه الآية على أحدِ وجوهها في لغة العرب، وهو أقربها إلى ذهنه، والمتبادر له منها، ففهم الخيطين الأبيض والأسود على الحقيقة (١)، فصار المعنى عنده ﵁: إباحة الأكل والشرب ومباشرة النساء- ابتغاء ما كتبَ الله من الوَلَد- للصائم ليلًا، حتى يتبينَ خيطين أسودَ وأبيضَ بضياءِ الفجر. وعَبَّر عديٌّ ﵁ عن الخيطين بقوله (عقالٍ أسود وعقالٍ أبيض)، والعقالُ: الخيط؛ وسُمِّيَ بذلك لأنه يُعقَلُ به، أي يُربَط ويُحبَس (٢). وهذا الفهم هو عين ما فهمه عدد من الصحابة ﵃ قبل ذلك (٣)، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: أُنزلَت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] ولم ينْزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبينَ له رؤيتُهُما، فأنزل الله بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار) (٤)، قال القاضي عياض (٥) (ت: ٥٤٤): (إنما

стр. 50

أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأوّل الآية، لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فعلموا أن المراد به بياض النهار، وسواد الليل)، ثم قال: (وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوّلَه من لم يكن مُخالطًا للنبي ﷺ .. ، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار) (١). وقد عَنْوَنَ ابنُ حبَّان (٢) (ت: ٣٥٤) في صحيحه حديثَ عَديّ ﵁ بقوله: (ذِكرُ البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها) (٣)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (فأما من ذُكر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] علموا المراد؛ فلذلك قال سهل في حديثه: (فعلموا أنما يعني الليل والنهار)، وأمّا عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح (٤)، وحَمَلَ قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] على السببية، فَظَن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر (٥)، أو نَسِيَ قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] حتى ذَكَّرَهُ بها النبيُّ ﷺ (٦)، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر (٧):

стр. 51

ولمَّا تَبَدَّت لنا سُدفَةٌ (١) ولاح من الصبح خيط أنارا) (٢). قال أبو حيّان (ت: ٧٤٥): (وكلُّ ما دَقَّ واستطال وأشبه الخيط؛ سَمَّته العرب خيطًا) (٣). ثم جاء تفسير النبي ﷺ مُبيّنًا ما أُجمِلَ على عديٍّ ﵁ (٤)، أو مُذَكِّرًا له ما فاته من التنبه إلى كلمة ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] بعد ذِكر الخيطين في الآية، مِمَّا كان ينبغي معه تفسير الخيطين ببياض النهار وسواد الليل. وقد جاء التنبيه النبوي الكريم لعَديّ ﵁ على خطئِه (٥) بنمط رفيع من الأدب وحُسن الخطاب، إذ قال له رسول الله ﷺ : (إنّ وِسادك إذًا لَعريض) (٦)، وفي لفظ: (إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين) (٧)، وأصح ما قيل في معناه ما قاله أبو العباس القرطبي (٨) (ت: ٦٥٦): (وإنما عَنى بذلك النبي ﷺ والله أعلم-: أنَّ وِسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هُما الليل والنهار، فهو إذًا عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: (إنما هُو سواد الليل وبياض النهار)؟!، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وِساد؟! وإلى هذا يرجع قوله: (إنك

стр. 52

لعريض القفا)؛ لأن هذا الوِساد الذي قد غَطّى الليل والنهار بعرضه، لا يرقد عليه ولا يتوسَّدُه إلا قفًا عريض؛ حتّى يناسب عرضُه عرضَه .. ، ويدل عليه أيضًا ما زاده البخاري قال: (إنّ وِسادك إذًا لَعريضٌ إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وِسادك) (١) (٢)، واختار هذا المعنى القاضي عياض (ت: ٥٤٤)، والنووي (ت: ٦٧٦)، وابن كثير (٣) (ت: ٧٧٤) (٤)، وهو الموافق للروايات السابقة، بخلاف من ذهب إلى أنه كناية عن الغباء، وتعريض بقلة الفهم (٥)؛ فإنه لا يتناسب مع أخلاق النبوة، وقدر الصحابة ﵁، كما أنّ عدِيًّا ﵁ (حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل؛ إذ لم يتبيّن له دليل التجوُّز، ومن تمَسَّكَ بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا يُنسَبُ إلى جهل) (٦)، قال الطحاوي (٧) (ت: ٣٢١) عَنْ فعل عَدي ومن معه من الصحابة: (فلم يُعَنِّفهم- ﷺ على ما كان منهم، ولم يقل لهم: قد كان الأبيض والأسود اللَّذَان عُنِيا في هذه الآية غير ما ذهبتم إليه .. ، ولم يَعِب عليهم ﷺ استعمال الظاهر في ذلك) (٨).

стр. 53

* الحكم على الاستدراك: لقد كان من عادة الصحابة ﵃ الأخذ بالظاهر المتبادر من اللفظ (١)، وما دلت عليه لُغَتُهم، حملًا للّفظ على الحقيقة، قال الشاطبي (٢) (ت: ٧٩٠): (ولِمَا كان فيهم- أي الصحابة ﵃ من حمل العبارة على حقيقتها نَزَلَ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧]) (٣). وما كان من عَديّ ﵁ في فهم هذه الآية هو صورة من ذلك، ولذا لا نجد في التصحيح النبوي ما يَمَسُّ هذا الأصل الصحيح الثابت عندهم ﵃، وإنما يتوجَّه التصحيح إلى بيان المجمل، وتذكيرُ من نسي منهم بما به تمام معنى الآية، أو نزول الوحي بما يتضح به المعنى بلا اشتراك. وقد جاء البيان النبوي في هذه الآية مُزيلًا لكلّ إشكال وإيهام، فوجب اتباعه والأخذ به، وهو ما جرى عليه الأئمة من بعدُ، وعليه جمهور المفسرين (٤)، بل حكى فيه ابنُ عطية (٥) (ت: ٥٤٦) إجماع العلماء (٦).

стр. 54

[٣] ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٢٣]. قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله كيف الإصلاح بعد هذه الآية ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٢٣]؟ فإن عملنا سوءًا نجز به؟ فقال النبي ﷺ : (غفر الله لك يا أبا بكر (ثلاث مرات)، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟) قال: بلى، قال: (فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا) (١).

стр. 55

* تحليل الاستدراك: فَهِم أبو بكر ﵁ من هذه الآية العموم، وأن كلَّ سوء يعمله الإنسان في الدنيا سيُجزَى به يوم القيامة، وهو المتبادر من لفظ الآية وظاهرها، ولذلك شَقَّ عليه ﵁ مشقَّةً عظيمة، وصفها في رواية أخرى بقوله لَمَّا سمع الآية من رسول الله ﷺ : (فلا أعلم إلا أَنّي قد كنت وجدت انقصامًا (١) في ظهري، فتَمطَّأتُ (٢) لها، فقال رسول الله ﷺ : ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأُمِّي وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ وإنَّا لَمُجزَون بِمَا عَمِلنا؟) (٣)، بل بلغت هذه المشقّةُ أيضًا مبلغها من صحابة رسول الله ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (لمَّا نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا) (٤)، وفي لفظ: (بكينا وحزِنَّا، وقلنا: يا رسول الله ما أبْقَت هذه الآية من شيء) (٥)، وربما كانت أشد آية في كتاب الله على بعض الصحابة، كما ورد

стр. 56

عن أبي بكر وعمر وعائشة ﵃ (١). وما ذاك إلا لاستقامة فهمهم على ظاهر اللفظ، وعموم المعنى، فكانت منهم ﵃ بتلك المثابة، (وإنما عَظُمَ موقع هذه الآية عليهم؛ لأن ظاهرها أن ما من مكلف يصدر عنه شرٌّ كائنًا ما كان إلا جُوزِيَ عليه يوم الجزاء، وأن ذلك لا يُغفَر، وهذا أمرٌ عظيم) (٢). فجاء البيان النبوي الكريم فاتحًا من الرحمة والتيسير أبوابًا؛ فبيَّن أن ما ينالَ المؤمن من مصائب الدنيا المختلفة- من نَصَب وحُزْن ومَرَض ونَكبَة وحتى الشَّوكَة، وما هو أدنى منها ممّا يؤذي المؤمن- هو من الجزاء الذي يُجزى به في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : (قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبةَ يُنكَبَها، أو الشوكَةَ يُشاكَها)، وقال: (فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا) (٣). فصار المعنى بعد البيان النبوي: من يَعمَل سوءًا يُجزَ به عاجلًا أو آجِلًا (٤)، (فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فيُجازى في الدنيا غالبًا، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، يغفر الله لمن يشاء، ويُجازي من يشاء) (٥). * الحكم على الاستدراك: فهم أبو بكر ﵁ العموم من اللفظ، وكذا غيره من الصحابة ﵃، وهذا من هديهم المُقرِّ شرعًا، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (هذا يدل على أنهم- أي الصحابة- كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في

стр. 57

العمليات .. ، فإنهم فهموا عموم الأشخاص من "مَنْ"، وعموم الأفعال من "سُوء" المذكور في سياق الشرط) (١). ويُلاحظ هنا أن حديث أبي بكر وباقي الصحابة ﵃ كان عن كلمة ﴿سُوءًا﴾ وعمومها لكل سيئةٍ يعملها الإنسان، والتوضيح النبوي تناول كلمة ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ وأن من الجزاء ما يكون في الدنيا قبل الآخرة، فلم يتعرض النبي ﷺ للفهم العام لكلمة ﴿سُوءًا﴾ الذي فهمه الصحابة ﵃، بل أقرهم عليه. ثم حيث جاء البيان النبوي فلا بيان بعده (٢)، وهو ما أزال المشقّةَ واللبس في عهد النبوّة، كما أنه كان كذلك في عهد الصحابة والتابعين، فعن الربيع بن زياد (٣) قال: قلت لأبيّ بن كعب: قول الله ﵎ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣]، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا. قال أُبيّ: (والله إن كنت لأراك أفقه ممّا أرى، لا يصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو اللهُ عنه أكثر، حتى اللدغةَ والنفحةَ (٤) (٥). وسُئلت عائشة ﵂ عن قريب من ذلك فقالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا) (٦). واختار هذا المعنى ابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (٧) (ت: ٣٣٨)، وأبو عمرو

стр. 58

الداني (١) (ت: ٤٤٤)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (٢)، وعليه جمهور المفسرين (٣). * * * [٤] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨]. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نوقش (٤) الحساب يوم القيامة عُذِّب (٥)، فقلت: أليس قال الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨]؟ فقال: (ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب)، وفي لفظ: (هلك) (٦).

стр. 59

* تحليل الاستدراك: لَمَّا استقر عند عائشة ﵂ عموم لفظ الحساب في الآية؛ أَخذًا بظاهرها، وأنه في القليل والكثير (١)، ومنه حِسابٌ يسيرٌ يوم القيامة؛ استشكلت كلام رسول الله ﷺ الذي جعل مناقشة الحساب يوم القيامة عذابًا وهلاكًا؛ إذ فيه معارَضةٌ لظاهر الآية، فبيّنَ النبي ﷺ المُراد بالحساب اليسير في الآية، وأنّهُ أخَصُّ من حِساب التدقيق والمناقشة على كل عمل الإنسان، وأنَّ المُراد به هنا العَرضُ والتقرير؛ الذي يُجازى فيه- من أخذَ كتابه بيمينه- بالحسنات، ويُتَجاوزُ فيه عن السيئات، مَنًّا من الله وفضلًا (٢). قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (واعتراض عائشة ﵂ بقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنه يتناول القليل والكثير) (٣). وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (ولمَّا قال ﵊: (من نوقش الحساب عُذِّب) بناءً على تأصيل قاعدة أُخرَويّة، سألت عائشةُ عن معنى قول الله ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] لأنه يُشكِلُ دخوله تحت عموم الحديث؛ فبيّن ﵊ أن ذلك العرض لا الحساب المُناقش فيه) (٤).

стр. 60

* الحكم على الاستدراك: لقد كان من عادة الصحابة ﵃ أن يسألوا رسول الله ﷺ عمَّا أشكل عليهم من فهم كلام الله تعالى، فيكشف لهم عن وجهه، ويبيّن لهم معناه، وهذا من أنواع البيان النبوي للقرآن الكريم (١) كما سبق، ومن ذلك ما أشكل على عائشة ﵂ في هذه الآية، بناءً على المعنى العام للمحاسبة، وكذلك ورود الوصف للحساب في أحد نوعيه يوم القيامة بأنه يسير، فجاء التفسير النبوي للحساب اليسير مُزيلًا للإشكال، فخصص المعنى العام، وأوضح المُراد بالحساب اليسير. وقد وجب الأخذ بهذا البيان النبوي، وهو ما فَسَّرَت به عائشة ﵂ هذه الآية حيث قالت: (يُعَرَّف ذنوبه، ثم يُتَجاوَز له عنها) (٢)، واستقر عليه تفسير المفسرين بعد ذلك، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] بأن يُنظَر في أعماله، فيُغفَر له سيّئها، ويُجازَى على حَسَنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الخبر عن رسول الله ﷺ (٣)، واختاره النحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (٤) (ت: ٣٩٩)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (٥) (ت: ٤٦٨) ونسبه للمفسرين، والسمعاني (٦)

стр. 61

(ت: ٤٨٩)، والبغوي (١) (ت: ٥١٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (٢) (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (٣) (ت: ٦٨٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (٤) (ت: ١٢٥٠) (٥)، وكُلُّهم لم يذكروا قولًا آخرَ في الآية (٦). ومن مسائل هذا الاستدراك: أن بعض معاني القرآن لا يمكن معرفتها على الصواب إلا من جهة النبي ﷺ ، كما هو في هذه الآية؛ إذ خَصَّص البيانُ النبوي عمومَ لفظ الآية الذي استقر عند عائشة ﵂. وهذا يبين أهمية معرفة التفسير النبوي للآيات، ووجوب العناية بهذا المصدر المُقَدَّم من مصادر التفسير (٧).

стр. 62

[٥] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١]. عن عديّ بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونَهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم) (١).

стр. 63

* تحليل الاستدراك: استنكر عَديٌّ ﵁ حديثَ الآيات عن اتخاذ اليهود والنصارى- وهو العارف بعبادتهم- أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا يعبدونهم من دون الله، وبنى استغرابه على اشتمال لفظة "أربابًا" لعامَّة صور العبادة وأظهرها، قولًا وفعلًا، ولم يكن منها في علم عديّ ﵁ عبادتهم بطاعتهم فيما لا يُطاع في مثله إلا الله تعالى؛ في التحليل والتحريم والتشريع، فقال: (إنهم لم يكونوا يعبدونهم) أي: العبادة المعهودة عنده ﵁، والتي منها الركوع والسجود والصيام، ونحو ذلك. فجاء البيان النبوي الكريم ليبين معنىً جليلًا من معاني العبودية، وهو إفراد الله تعالى بالطاعة المطلقة في الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فمن أطاع غير الله تعالى في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، فقد عبده من دون الله، وهذا المعنى كثير الورود في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ

стр. 64

لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس ٦٠ - ٦١]، وقول إبراهيم ﵇ لأبيه ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٤]، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١] (١)، فَسَمَّى طاعة الشياطين وأوليائهم عبادة لهم، كما سَمَّى الذين يُطاعون في معاصي الله (شركاء)، فقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام ١٣٧]. (٢) * الحكم على الاستدراك: ما ذكره رسول الله ﷺ مبيّنًا فيه معنى الآية هو الموافق لحقيقة حال أهل الكتاب، كما أنه المعنى الشائع في القرآن، ونظائر هذه الآية في كتاب الله ما كانت لتخفى على من قرأها وعرفها، لكن عَديًّا ﵁ إنما سمع هذه الآية في أوّل لقائِه رسولَ الله ﷺ ليُسلِم، فكانت من أوّل ما طرق سمعه من كلام الله ، فلم يتفطّن لذلك المعنى القرآني الشائع فيه، وإنما فهمَ ما عهدَ من معنى اتخاذ الأرباب، واستلزامه صُوَرًا من العبادة معيَّنةً ما كان اليهود والنصارى يصرفونها لأحبارهم ورهبانهم. وهو أيضًا ما دَلَّ عله السياق قبله وبعده، ففي الآية قبل ذلك قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة ٢٩]، فممّا وُصِف به الذين أُوتوا الكتاب في هذه الآية، عدم تحريمهم لِما حَرَّم الله ورسوله، فأحَلُّوا الحرام وحَرَّموا الحلال، وهو ما ذُكِرَ بعد ذلك في هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، ثُمَّ في الآية بعدها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ

стр. 65

وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٤]، ومن أوضح سبلهم في أكل أموال الناس بالباطل تحليل ما حَرَّمَ الله، وتحريم ما أحل الله، تبعًا لأهوائهم، وإرضاءً لأتباعهم، قال الآلوسي (ت: ١٢٧٠): (وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ (١). وقال الشنقيطي (٢) (ت: ١٣٩٣): (وهذا التفسير النبوي المقتضي: أن كُلَّ من يتبع مُشَرِّعًا فيما أحلَّ وحرَّم، مُخالفًا لتشريع الله، أنّه عابد له، مُتَّخِذه رَبًّا، مُشركٌ به، كافرٌ بالله = هو تفسير صحيح لاشك في صحته، والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تُحصيها في المصحف الكريم) (٣). وهو ما ذَهَب إليه جمهور المفسرين كمقاتل (٤) (ت: ١٥٠)، والفرَّاء (٥) (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (٦) (ت: ٣٧٥)، والثعلبي

стр. 66

(ت: ٤٢٧)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والماوردي (١) (ت: ٤٥٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٦) ونسبه للأكثرين من المفسرين (٢)، وغيرهم (٣). ومن مسائلِ هذا الاستدراك أنه حيثما صَحَّ عن رسول الله ﷺ نَصٌّ في التفسير استقام به السياق؛ لأنه حَقٌ واجِبُ القبول، ومن الممتَنِع عقلًا وشرعًا أن يقع بينهما تعارضٌ أو تخالُف، وحيثُما تُوُهِّم ذلك وجب الرجوع بالنظر على ما يُظَنُّ سياقًا صحيحًا، ليوافق الوحي الصريح. * * * [٦] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]. عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ فقال: (لا، ولكن من يصوم ويصلي ويتصدق وهو وَجِل). وفي لفظ: (ويخاف ألاّ يقبل منه) (٤).

стр. 67

* تحليل الاستدراك: كانت عائشة ﵂ تقرأ هذا الحرف (١): ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] قَصْرًا، وتقول: (كذلك نزلت على النبي ﷺ (٢)، وقرأ الجمهور ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] بالمَدِّ (٣). فقراءة عائشة ﵂ من الإتيان والمجيء، وقراءة الجمهور من الإيتاء والإعطاء، وحيث إن معرفة قراءة المفسر لازمة لمعرفة تفسيره؛ - لتوقي نسبة الاختلاف إلى المفسرين

стр. 68

في الموضع الواحد، في حين أن كُلًا منهما فَسَّرَ قراءةً غيرَ الأُخرى (١) - فإن المعنى على قراءة عائشة ﵂: يعملون ما عَملوا، وعلى قراءة الجمهور: يُعطُون ما أَعطوا. (٢) وأجابت عائشة ﵂ عن القراءة الأُخرى بقولها: (كانوا أعلم بالله من أن توجل قلوبهم) (٣) أي: بسبب الطاعة؛ فإنها مبعث الطمأنينة، والمؤمن لا يَوجَل بطاعته لِرَبه، وإنما يَطمَئِنُّ بها، وبما يَخلُفُه منها، قال الفراء (ت: ٢٠٧): (تعني به الزكاة، تقول: كانوا أتقى لله من أن يُؤتوا زكاتهم وقلوبُهُم وَجِلة) (٤). وجواب عائشة ﵂ هنا يُبقِي نوعًا واحدًا من نَوْعَي العمل المُحتَمَلين في قراءتها، وهو العمل الفاسد؛ الذي مَثَّلتْ له في حديث الاستدراك: بالسرقة والزنا وشرب الخمر، ومُعتَمَدُها في ذلك امتناع أن تكون الطاعة من المؤمن سببًا لِوَجَل قلبه، وعدم طمأنينته، وإنما الأَولى بذلك أهل المعصية والفجور، في اضطراب قلوبِهم، وخوفهم سوءَ عاقبتهم. ويجيء البيان النبوي الكريم لِهذه الآية مُبَيّنًا أن المُراد هنا: من يَعمَل العَمَل الصالح- ومنه الصدقة والزكاة- وهو يخاف ألاَّ يُقبَلَ منه. وبهذا المعنى يتّسق ظاهر الآية، وسياق الكلام، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضي أنه يُؤتِي الطاعة؛ لأنه وَصَفَهم بالخشية لربهم، والإيمان بآياته، وتنْزيهه عن الشرك، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائِه لهم، فلا جَرَمَ من كان بهذه الصفة يُسارع في الخيرات، وأمّا من كان على العصيان متماديًا، في الخِلاف مُستَمِّرًا، فكيف يُوصَف بأنَّه يُسارع في الخيرات، أو بالخشية لِرَبه، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه!) (٥).

стр. 69

ولزيادة إيضاح السياق يُضاف أن الله تعالى قال قبل ذكر صفات المؤمنين ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٤ - ٥٥]، ثم قال بعد ذِكر صفات أهل الإيمان ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون ٦١]، فبعد أن نَفى المسارعة في الخيرات للكافرين، أثبتها للمؤمنين الطائعين، وكذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون ٦٢]، وكثيرًا ما يُذكَرُ نَفيُ التكليف بما فوق الوُسعِ بعد الحديث عن فعل الطاعات. (١) * الحكم على الاستدراك: ما ذهبت إليه عائشة ﵂ من معنى الآية قبل البيان النبوي صحيح في نفسه، ولكن لا يُساعد عليه هنا تَمامُ الآية وسياقُها، فإن في تمام الآية بيانُ سببِ وجلِ قلوبِ المُؤمنين، وهو ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، فَلَمَّا علموا أنهم إلى ربهم راجعون للمُجازاة والمُساءَلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال؛ خافوا ألاّ يكونوا أَتَوا بالعمل على وجهه المأمور (٢)، وسبق ذكر سياق الآية ودلالته على المعنى النبوي. وحيث جاء بيان رسول الله ﷺ فبِهِ البيان، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦) بعد ذكره للحديث الوارد في تفسير هذه الآية: (ولا نَظَرَ مع الحديث) (٣)، وإليه ذهب كثير من المفسرين، كابن عباس ﵁، والقُرظي (٤) (ت: ١٠٨)، والحسن (٥) (ت: ١١٠)، وقتادة

стр. 70

(ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ويحيى بن سَلاَّم (١) (ت: ٢٠٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسمعاني (ت: ٤٨٩) وقال: (وهذا هو القول المعروف في الآية) (٢)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والقرطبي (ت: ٦٧١). (٣) * * * [٧] ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم ٧١]. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أخبرتني أمُّ مُبَشِّر (٤) أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: (لا يدخل النار- إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحدٌ من الذين بايعوا تحتها) قالت: بلى يا رسول الله (٥). فانتهرها، فقالت حفصة: ألم يقل الله ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]؟ فقال النبي ﷺ : (وقد قال ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢]) (٦).

стр. 71

* تحليل الاستدراك: تعارض عند حفصة ﵂ استثناءُ رسول الله ﷺ مَنْ بايع تحت الشجرة من دخول النار، وما استقر عندها من لزوم ورود جهنمَ لجميع الناس، تَمَسُّكًا منها بعموم الآية، وحيث إن الورود عندها بمعنى الدخول؛ استشكلت استثناء رسول الله ﷺ أهلَ الشجرةِ من ذلك، مع أن عموم الآية لا استثناء فيه. فقابلت الحديث: (لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، بعموم الآية ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (وكأنها رجَّحَت عموم القرآن؛ فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ ، بأنَّ آخر الآية يبين المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢]، وحاصل الجواب: تسليم أن الورودَ دخولٌ، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويُترَك فيها من ظلم) (١). فكان بيان رسول الله ﷺ معتمدًا على السياق، في مقابل أخذ حفصة ﵂ بالعموم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فأشكل عليها- أي حفصة- الجمع بين النصين، وظَنَّت الورود دخولها، كما يُقال: وَرَدَ المدينة. إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ : بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا فيها به، فليس الورود كالورود) (٢)، فصار المعنى: إن المتقين يدخلونها دُخول ناجٍ من عذابها، لا دخول جاثٍ فيها، كما هو حال الظالمين. ويشير لهذا المعنى التعبير بقوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ [مريم ٧٢]؛ والنجاة لا تكون إلا لِمَنْ تعرض لِهَلاك، وذلك يكون حين المرور على الصراط كما بيَّنَته الأحاديث على ما يأتي.

стр. 72

* الحكم على الاستدراك: فهمَت حفصة ﵂ من هذه الآية أن: المُراد بالورود الدخول في النار مع التعذيب فيها (١)، ومَنشأُ هذا الغلط ذهابها إلى أن الورود دخول، ودخول النار يستلزم حصول العذاب، في حين أن من الورود دخول عبور لا يلزم منه حصول العذاب، وهو ما صَحَّ بيانه من النبي ﷺ ، فوجب اتباعه والأخذ به، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وأمَّا الورود المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، فقد فسَّرَه النبي ﷺ في الحديث الصحيح؛ أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر (٢)، بأنه: المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلابد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة) (٣)، وقال النووي (ت: ٦٧٦): (والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جِسرٌ منصوبٌ على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون) (٤)، وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦) عن ذلك: (وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة، والنظر المستقيم) (٥). واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يَرِدُها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم) (٦)، وذَكَرَ الأدلة على ذلك، ومنها حديث الاستدراك،

стр. 73

وحديث جابر الذي أشار إليه ابن تيمية، ثم أسند (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من مات له ثلاثة لم تمسّه النار إلا تَحِلَّة القسم) (١) يعني: الورود). (٢) وبالمرور على الصراط فَسَّرَها ابن مسعود، وجابر ﵃، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، والكلبي (٣) (ت: ١٤٦)، واختاره القاضي عياض (ت: ٥٤٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (٤). ولا يتعارض هذا مع من فسَّرَ الورود بالدخول، كابنِ عباس وأبي هريرة ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والزهري (ت: ١٢٤)، ومالك (ت: ١٧٩)، والبخاري (ت: ٢٥٦)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩) وقال عنه: (أولى الأقاويل) (٥)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّرَ بالدخول تَجَوَّزَ به عن المرور، ووجهه أن المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف

стр. 74

أعمالهم .. ، ويُؤيد صحة هذا التأويل، ما أخرجه مسلم من حديث أم مُبَشّر .. ) ثُمَّ ذكره (١). ومما يدل أيضًا على أنه لا تعارض بينهما، أن ابن مسعود ﵁ فسَّرَ الورود مَرَّةً بالدخول، ومَرَّةً بالمرور على الصراط (٢)، وممَّن جعلهما قولًا واحدًا: أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والسيوطي (ت: ٩١١) (٣). ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: اعتمد بيان رسول الله ﷺ لهذه الآية على السياق، في مقابل أخذِ حفصة ﵂ بالعموم، ودلالة السياق من أقوى الدلالات في تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، ومن ذلك تخصيص العام، كما هو هاهنا، قال ابن دقيقِ العيد (٤) (ت: ٧٠٢): (يجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام) (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١)، والزركشي (ت: ٧٩٤) عن السياق: (وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته) (٦)،

стр. 75

وقد عَدَّه ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير (١)، واقتطاع الكلام من سياقه من أبرز سمات المبتدعة في الاستدلال والمناظرة. (٢) ثانيًا: كما اعتمد ابنُ عباس ﵁ في تفسيره الورود بالدخول على مجيء هذه اللفظة بهذا المعنى في غيرما موضع في كتاب الله، ففي مخاصمة نافع بن الأزرق (٣) (ت: ٦٥) لا بن عباس ﵁، قال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقال ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، أورود هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك) (٤). وخير ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآن (٥)، قال مسلم بن يسار (٦) (ت: ١٠٠): (إذا حَدَّثت عن الله حديثًا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده) (٧)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥): (إذا
следующие страницы →