بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد:
فإن أقوال السلف في التفسير هي معيار هذا العلم، في اتفاقهم واختلافهم، فالدين منهم أُخذ، والحقُّ عنهم عُرف، ومن سلك غير طريقهم في التفسير فقد اختار غير دينهم؛ فإن معاني القرآن هي الدين مع ما تمَّمته السنّة، فمن جاء بمعنى لم يعرفوه فقد ابتدع ما لم يكُن دينًا في تلك القرون الفاضلة.
وإن في اختلافهم في التفسير أضعاف ما في اتفاقهم من بيانٍ للحجّة والدليل، والعلم والأدب، فدونك أيّها الناظر ما شئت من تلك الفضائل، واشدد يديك بما في كلامهم من "أصول التفسير"، وطرائقهم فيه؛ فإنها أجلُّ ما في هذا العلم، وأولاه بالعناية والفهم.
وبين يديك في هذا الكتاب:
(جامع مرويّات استدراكات السلف في التفسير)
ذخيرةٌ وافرةٌ، جمعَت: (٤١٤) رواية مأثورة عن رسول الله ﷺ والسلف الصالح ﵃، استوفَت جميع استدراكاتهم في التفسير، باستقراءٍ من أصول كتب التفسير المسندة، في بضع سنين.
وكنت قد درستُ منها (٨٠) رواية في كتابي: "استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى"، وبعد عشر سنوات من طبعته الأولى فقدتُ فيها الملف
стр. 2
الإلكتروني لتلك المرويات، يسّر الله تعالى جمعها مرّة أخرى في هذا الكتاب.
وقد أوردتها على ترتيب السور، ذاكرًا الآية ثم ما فيها من استدراك أو أكثر، مختصِرًا في العزو، ومبيّنًا في المراجع الطبعات المعتمدة لمصادر المرويات.
وقد اخترتُ من الروايات ما ظهر فيها معنى الاستدراك، وإن كان غيرها أصحّ وأشهر، وأشرت في الحاشية إلى ما سبقت دراسته منها؛ لينهض لدراسة باقيها واستبطان دلائلها ومسائلها من شاء الله من أهل هذا العلم وطلّابه، فتتمَّ بذلك معلمَةً جامعةً لـ:
"علم الخلاف في التفسير".
ومن الموضوعات التي يمكن بحثها من هذا المجموع غير "الدراسة المقارنة لتلك المرويات":
١ - قوة الدليل في التفسير وأثرة في استدلالات السلف.
٢ - حدود الاحتجاج باللغة في تفسير السلف.
٣ - الاستدراكات في القراءات .. توجيه وتأصيل.
٤ - استدراكات السلف على المبتدعة في التفسير.
٥ - الإغلاظ في الجواب في التفسير .. توجيهه وأسبابه.
٦ - مناهج الاستدلال التي أبطلها السلف في التفسير.
٧ - استدراكات الأئمة الأربعة في التفسير. (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد).
٨ - أثر العلم بالإسرائيليات في تصحيح المعاني في التفسير.
٩ - استدراكات السلف في علم الاستنباط.
١٠ - أثر الأدلة العقلية في استدراكات السلف في التفسير.
١١ - أصول التفسير في استدراكات السلف.
стр. 3
١٢ - أصول الترجيح بين الأدلة في الاستدراكات في التفسير.
١٣ - أصول توجيه غرائب الأقوال المرويّة عن السلف في التفسير.
١٤ - مخالفة الطالب لشيخه في تفاسير السلف.
١٥ - تقريب المعاني وتسهيلها في تفاسير السلف.
١٦ - الرجوع عن القول في تفاسير السلف.
وغيرها الكثير ممّا يمكن تطبيقه على هذه المرويّات واستثمارها فيه.
سائلًا الله تعالى البركة والقبول، وداعيًا بخير الجزاء لكلّ من تمّمَ هذا العمل فزاده علمًا على علمٍ، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
* * *
стр. 4
* سورة البقرة:
١ - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. قال ابن جُريج: (قال مجاهد: نُبّئتُ أن الذنوبَ على القلب تحُفُّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع. والطبع: الخَتم. قال ابن جُريج: الخَتم خَتمٌ على القلب والسمع) (١).
٢ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. قال عبد الرحمن بن زيد: (هذا مرضٌ في الدين وليس مرضًا في الأجساد. قال: هم المنافقون) (٢).
٣ - ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قال الحسن: (ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عينٍ قطّ، وإنه لأصلُ الجن كما أن آدمَ أصلُ الإنس) (٣).
٤ - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. قال مجاهد: (ليس بالسحاب، هو الغَمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم) (٤).
٥ - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]. قال الحسن: (أما إنه لم يذكر أصفرَكم وأحمرَكم، ولكنه قال: ينتهون إلى حلاله) (٥).
٦ - ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]. قال مجاهد: (الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم) (٦).
стр. 5
٧ - ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. قال مجاهد: (مُسخَت قلوبهم، لم يُمسخوا قردةً، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثلما ضرب مثلَ الحمار يحمل أسفارًا) (١).
٨ - ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. عن القاسم بن ربيعة: (أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قرأ: (مَا نَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أَوْ تَنسها)، قلت له: فإن سعيد بن المسيَّب يقرؤها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيَّب ولا على آل المسيَّب، قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]) (٢).
٩ - قال عبد الله بن عباس ﵁: (والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامدٌ إلى حاجةٍ له، وفي يده الدِّرّة، وما معه غيري، قال وهو يحدّث نفسه، ويضرب جهةَ قدمه بدِرَّته، إذ التفتَ إليّ فقال: يا ابن عباس: هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، أنت أعلم. قال: فإنه والله إن الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] فوالله إني كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته، حتى يشهد عليها بآخرِ أعمالها، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت) (٣).
١٠ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال القاسم بن عبد الرحمن: (قال رجلٌ لابن عمر: من أنتم؟ قال: ما تقولون؟ قال: نقول إنكم سِبْط، وتقولون إنكم وسَط. فقال: سبحان الله، إنما السِّبط في بني إسرائيل، والأمة الوسَط أمة
стр. 6
محمد جميعًا) (١).
١١ - قال داود بن أبي هند: (قلت لأبي العالية: قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] هو عندك النصف؟ قال: لا، هو تلقاءه) (٢).
١٢ - قال عروة بن الزبير: (قلت لعائشةَ زوج النبي ﷺ ، وأنا يومئذٍ حَدَثٌ: أرأيتِ قولَ الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما أرى على أحدٍ شيئًا ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما. قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما تقول لكانت: فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما. إنما أُنزِلت هذه الآية في الأنصار، كانوا إذا أَهلّوا لمناةَ في الجاهلية، لا يَحِلُّ لهم أن يطَّوَّفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يَطَّوَّفوا بينهما؛ للَّذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قالت: فطافوا) (٣).
١٣ - قال عمر بن عبد العزيز يومًا: (إني أكلت حمّصًا وعدسًا فنفخَني. فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين إن الله يقول في كتابه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. فقال عمر: هيهاتَ، ذهبتَ به إلى غير مذهبِه، إنما يريد به طيّب الكَسب، ولا يريد به طيّب الطّعام) (٤).
١٤ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. عن ابن عباس ﵄: (أنه كان يقرأ: (وعلى الذين يُطوَّقونه) مشدّدَة، قال: يَكلَفونه ولا يُطيقونه.
стр. 7
ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهَرم، والعجوز الكبيرة الهَرِمة، يطعِمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون) (١).
١٥ - عن عكرمة: (أنه كان يقرأ (وعلى الذين يُطوَّقونه) [البقرة: ١٨٤] قال: يَكلَفونه. وقال: ليس هي منسوخَة، الذين يطيقونه يصومونه، والذين يُطوَّقونه عليهم الفدية) (٢).
١٦ - قال عدي بن حاتم ﵁: (لمّا نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عمَدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدَوتُ على رسول الله ﷺ ، فذكرتُ له ذلك فقال: «إنما ذلك سوادُ الليل وبياضُ النهار» (٣).
١٧ - قال سعيد بن جبير: (خرج إلينا ابن عمر ونحن نرجو أن يحدِّثَنَا حديثًا عجيبًا، فبَدرَ إليه رجلٌ بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك من القتال والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على المُلْك) (٤).
١٨ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. جاء رجلٌ إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال له: ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنةٌ؟ فقال سعد: (قد قاتلتُ مع رسول الله ﷺ حتى لم تكنْ فتنة، فأمَّا أنت وذا البَطينِ تريدون أن أقاتل حتى تكون فتنة) (٥).
стр. 8
١٩ - قال أسلم أبي عمران: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبةُ بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فصَفَفْنا صفين لم أَرَ صفين قَط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصِقون ظهورَهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ منَّا على العدوّ، فقال الناس: مَهْ، لا إله إلا الله! يلقي بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه! إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالنا ونصلحَها، وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) (١).
٢٠ - ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال أبو إسحاق: (قلت للبراء بن عازب ﵁: الرجل يحملُ على المشركين أهو ممّن ألقى بيده إلى التَّهلكة؟ فقال: لا، لأن الله بعث رسوله فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، إنَّما ذاك في النفقة) (٢).
٢١ - قال أبو إسحاق: (سمعتُ البراء، وسألَه رجلٌ فقال: يا أبا عمارة أرأيت قول الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أهوَ الرجلُ يتقدَّم فيقاتلُ حتى يُقتل؟ قال: (لا، ولكنَّه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيَده ولا يتوب) (٣).
стр. 9
٢٢ - قال ابن عباس ﵁: (ليس التَّهلكة أن يُقتل الرجلُ في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله) (١).
٢٣ - قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]: (ليس ذلك في القتال، ولكن في النفقة، إذا لقيتَ العدوّ فقاتلهم) (٢).
٢٤ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال سفيان: (هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد الا الحج، والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة، ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت، أو اعتمرت. وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره) (٣).
٢٥ - قال طاووس: (سألتُ ابن عباس عن قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]؟ قال: الرّفَث الذي ذَكَر هنا ليس الرّفَث الذي ذَكَر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ذاك الجماع، وهذا العِرَاب بكلام العَرَب، والتعريضُ بذكرِ النِّكاح) (٤).
٢٦ - قال حصين بن قيس: (نزل ابنُ عباس عن راحلته فجعل يسوقها وهو يرتجز ويقول:
وهُنّ يمشين بنا هَميسًا … إن تصدُق الطيرُ نَنِك لَميسا
فذكر الجماعَ ولم يَكْنِ عنه، فقلت له: يا أبا عباس، تقول الرَّفَث وأنت محرم؟! قال: الرَّفَث ما رُوجِع به النساء) (٥).
стр. 10
٢٧ - ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قال محمد بن عبيد الله بن الزبير: (ليس هذا بعامٍّ، هذا لأهل البلد) (١).
٢٨ - قال أبو الجوزاء: (قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس: ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد) (٢).
٢٩ - قال سعيد بن مسلم: (سألت عكرمةَ عن قول الله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أهوَ ذِكْري أبي؟ قال: لا، ولكن ذِكْر أبيك إيَّاك، إنّ الوالدَ موَكّلٌ بالولد) (٣).
٣٠ - ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال ابن عباس ﵁: (إنهم يتأوّلونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفّر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج!) (٤).
٣١ - قيل للحسن: (الناس يقولون: إن الحاجَّ مغفورٌ له. فقال: آيةُ ذلك أن يدعَ سيّءَ ما كان عليه) (٥).
٣٢ - قال أبو معشر: (سمعتُ سعيدًا المقبُرِي يُذَاكِر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنا نجد في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصّبِر، يلبسون للناس مسوكَ الضأن من اللِّين، ويَجترُّون الدنيا بالدين، قال
стр. 11
الله ﵎: أَعَلَيَّ يجتَرِءون؟ وبِي يغتَرُّون؟ وعِزَّتِي لأبعَثَنَّ عليهم فتنةً تترك الحليمَ منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جلَّ ثناؤُه. فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥]. فقال سعيد: قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (١).
٣٣ - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. قال مجاهد: (إذا تولّى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبسُ الله بذلك القطرَ، فيهلك الحرثَ والنّسلَ، والله لا يحب الفساد. ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وقال: أما والله ما هو بحرُكم هذا، ولكن كلُّ قرية على ماءٍ جارٍ فهو بحر) (٢).
٣٤ - قال عبد الرحمن بن زيد: (كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السُّبحَة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فَمَرُّوا بهذه الآية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت، اقتتل الرجلان؟ قال: فلما
стр. 12
رأى ذلك ابنُ عباس قال: أرى هاهنا من إذا أُمِرَ بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله، فاقتتل الرجلان. قال عمر: لله بِلادُك يا ابن عباس) (١).
٣٥ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. قال قتادة: (ما هم بأهل الحَرور المُرّاقُ من دين الله تعالى، ولكن هم المهاجرون والأنصار) (٢).
٣٦ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قال مجاهد: (هو غير السحاب، لم يكن إلا لبني إسرائيل في تَيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءَت فيه الملائكة) (٣).
٣٧ - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. قال السّدي: (يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاةٌ، هي النفقة، نفقةُ الرجل عل أهله، والصدقةُ يتصدق بها) (٤).
٣٨ - قال ابن جُريج: (سألتُ عطاء قلت له: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، أواجبٌ الغزوُ على الناس من أجلها؟ قال: لا، كُتب على أولئك حينئذٍ) (٥).
стр. 13
٣٩ - قال أبو المنهال: (كنت عند أبي العالية يومًا فتوضأ وتوضأت، فقلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب) (١).
٤٠ - قال سعيد بن جبير: (بينا أنا ومجاهدٌ جالسان عند ابن عباس، أتاه رجلٌ فوقف على رأسه، فقال: يا أبا العباس، أو يا أبا الفضل، ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى. فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدمُ من ثَمّ أُمرتَ أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل كيف بالآية التي تتبعها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؟ فقال: إي ويحك، وفي الدُّبر من حَرث؟ لو كان ما تقول حقًّا لكان المحيضُ منسوخًا، إذا اشتغلَ من هاهنا جئتَ من هاهنا، ولكن أنّى شئتم من الليل والنهار) (٢).
٤١ - قال عكرمة: (جاء رجلٌ إلى ابن عباس فقال: كنتُ آتي أهلي في دبرها، وسمعتُ قولَ الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فظننتُ أن ذلك لي حلالٌ. فقال: يا لُكَع، إنما قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمةٌ وقاعدةٌ ومُقبلةٌ ومدبرةٌ في أقبالهن، لا تعد ذلك إلى غيره) (٣).
٤٢ - ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قال موسى بن أيوب الغافقي: (قلت لأبي ماجد الزيادي: إن نافعًا يُحدّث عن ابن عمرَ: في دُبر المرأة. فقال: كذبَ نافع، صحبتُ ابنَ عمر ونافعٌ مملوك، فسمعتُه يقول: ما نظرتُ إلى فرج امرأتي منذ كذا وكذا) (٤).
стр. 14
٤٣ - ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. رَوح بن القاسم عن قتادة قال: (سُئل أبو الدرداء عن إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: هل يفعل ذلك إلا كافر! قال رَوح: فشهدتُ ابنَ أبي مُلَيكة يُسأل عن ذلك فقال: قد أردتُه من جاريةٍ لي البارحةَ فاعتاصَ عليَّ فاستعنتُ بدُهنٍ أو بشحم. قال: فقلت له: سبحانَ الله، أخبرنا قتادةُ أن أبا الدرداء قال: هل يفعل ذلك إلا كافر! فقال: لعنك الله ولعن قتادة. فقلت: لا أحدّثُ عنك شيئًا أبدًا. ثمّ ندمتُ بعد ذلك) (١).
٤٤ - أبو بشرٍ عن سعيد بن جبير في قوله: (﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله؟ قال: لا، ولكنه تحريمك ما أحلّ الله لك، فذاك الذي يؤاخذك الله بتركه، وكفّر عن يمينك) (٢).
٤٥ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال عكرمة: (الأقراءُ الحيضُ وليس بالطّهر، قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولم يقل: لقروئهنّ) (٣).
٤٦ - ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال أبو بشر: (قال سعيد بن جبير: هو الزوج. وقال مجاهد وطاوس: هو الوَليّ. قال: قلت لسعيد: فإن مجاهدًا وطاوسَ يقولان: هو الوَليّ. قال سعيد: فما تأمرني إذًا؟ قال: أرأيتَ لو أنّ الوَليّ عفا وأبت المرأةُ أكان يجوزُ ذلك؟ فرجعتُ إليهما فحدّثتهما، فرجعا عن قولِهما وتابعا سعيدًا) (٤).
стр. 15
٤٧ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قيل لعبد الله بن عمرو ﵄: (إن أبا هريرة يقول: هي العصر. فقال: إن أبا هريرة يُكثر، إن ابن عمر يقول: هي الصبح) (١).
٤٨ - قال ابنُ وهب: (سألتُ مالكًا عن قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩]. فقال: راكبًا أو ماشيًا. ولو كانت إنما عنى بها الناس لم يأتِ إلا رجالًا. وانقطعت الألف، إنما هي: رجالٌ مُشاة. وعن: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] قال: يأتوك مُشاةً أو ركبانًا) (٢).
٤٩ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال محمد بن سيرين: (سألتُ عَبيدة السلماني عن هذه الآية فقال: إنما ذلك في الزكاة. أو قال: إنما ذلك في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدّرهم الزّائف أحب إليّ -أو: خيرٌ- من التمرة) (٣).
٥٠ - قال ابن سيرين في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]: (إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوّع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدّرهم الزّائف، والدّرهم الزّائف خيرٌ من التمرة) (٤).
٥١ - ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال مجاهد: (ليست بالنبوّة، ولكنه القرآن والعلمُ والفقه) (٥).
стр. 16
٥٢ - قال ابنُ وهب: (حدثنا مالكُ بن أنس قال: قال زيدُ بن أسلم: إن الحكمة: العقل. قال مالك: وإنه ليقعُ في قلبي أن الحكمةَ هي الفقه في دين الله، وأمرٌ يُدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. وممّا يُبيّن ذلك أنك تجدُ الرجلَ عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجدُ آخرَ ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمةُ: الفقه في دين الله) (١).
٥٣ - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. عن مغيرة بن مِقسم عن الحسن: (أن الربيع بن خُثَيم كان له على رجلٍ دَيْن، فيقول: أثَمَّ فلانٌ؟ إن كنت موسرًا فأدِّه، وإن كنت مُعسرًا فإلى مَيْسرَة. قال مغيرةُ: فقلت ذلك لإبراهيم النخعي: فقال: إنما ذلك في الربا) (٢).
٥٤ - عن ابن سيرين: (أن رجلَين اختصما إلى شُريح في حقٍّ كان لأحدهما قِبلَ الآخر، فقضى عليه شُريح وأمرَ بحبسه، فقال رجلٌ عنده: إنه مُعسر، والله يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فقال شُريح: إنما ذلك في الربا، وإن الله قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ولا يأمرُنا الله بشيءٍ ثمّ يعذّبنا عليه) (٣).
٥٥ - قال سفيان بن عيينة: (ليس تأويل قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الذِّكْر بعد النِّسيان، إنما هو من الذَّكَر، بمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر) (٤).
стр. 17
٥٦ - ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال الشافعي: (إنما معناه أن يقرّ قطُّ بالحقّ، ليس معناه أن يُملي) (١).
٥٧ - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال داود بن أبي هند: (سألتُ مجاهدًا عن الظّهار من الأمةِ؟ فقال: ليس بشيء. فقلتُ: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، أفَلسن من النساء؟ فقال: والله يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أفَتجوزُ شهادةُ العبد!) (٢).
٥٨ - قال سعيد ابن مَرْجانة: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل) (٣).
стр. 18
* سورة آل عمران:
٥٩ - عن إسحق بن سويد: (أن يحيى بن يَعمَر وأبا فاخِتة تراجعا هذه الآية ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال أبو فاختة: هنّ فواتحُ السّور، منها يُستخرج القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] منها استُخرجت البقرة، و ﴿الم (١) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] منها استُخرجت آل عمران. قال يحيى: هنّ اللاتي فيهنّ الفرائضُ والأمرُ والنهيُ والحلالُ والحدودُ وعمادُ الدّين) (١).
٦٠ - عن عكرمة: (أن ابنَ عباس كان يقول: (﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] حقيقة. قال وزعموا أن تفسيرها: يخرج النطفة وهي مَيتة من الرجل الحيّ، ويخرج الحيّ من النطفة وهي مَيتة) (٢).
٦١ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠]. أبو عامر الخرّاز، عن رجلٍ أخبره عن سعيد بن المسيب: (أنه تلا هذه الآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] فقال: وَدّوا أن سيئاتهم كانت أكثر. قال: فذكرتُ ذلك لمجاهد، قال: وكان مجاهد إذا أنكر الشيءَ لم يقل: ليس كما قال. ولكنه يقول ما يعلم، قال: فتلا مجاهد هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] إلى ﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران: ٣٠]) (٣).
٦٢ - عن يوسف بن ماهك: (أن أعرابيًّا أتى ابنَ عباس، فذكر رجلًا حرّم امرأته. فقال: إنها ليست بحرام. فقال الأعرابي: أرأيت قول الله : ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]. فقال: إن إسرائيلَ كان به
стр. 19
عرْقُ النّسا، فحلف لئن عافاه الله أن لا يأكل العروقَ من اللحم، وأنها ليست عليك بحرام) (١).
٦٣ - قال خالد بن عرعرة: (سمعت عليًّا وقيل له: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] هو أوَّلُ بيت كان في الأرض؟ قال: لا، قال: فأين كان قوم نوح؟! وأين كان قوم هود؟! قال: ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركاً وهُدىً) (٢).
٦٤ - قال مطر الورّاق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]: (قد كانت قبله بيوت، ولكنّه أوّل بيت وُضع للعبادة) (٣).
٦٥ - عن عطاء: (أن ابن عباس قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال: لا، ولكن فيه آيةٌ بيّنة. لأن البيّنة التي ذكرَها هي مقامُه هذا الذي في المسجد الحرام، ومقام إبراهيم يعدّ كبيرًا، مقامُه الحجُّ كلُّه) (٤).
٦٦ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: (إنها لم تُنسَخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم) (٥).
٦٧ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. قال الشعبي: (إنما سُمّي بدرًا لأنه كان ماءٌ لرجلٍ من جُهينة يُقال له: بدر. وقال الحارث: قال ابنُ سعد: قال الواقدي: فذكرتُ ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه، وقالا: فلأيّ شيءٍ سُمّيت
стр. 20
الصفراء؟ ولأي شيءٍ سُمّيت الحمراء؟ ولأي شيءٍ سُمّي رابغ؟ هذا ليس بشيءٍ، إنما هو اسمُ الموضِع. قال: وذكرتُ ذلك ليحيى بن النّعمان الغفاري، فقال: سمعتُ شيوخَنا من بني غِفارٍ يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكَه أحدٌ قطُّ يُقال له: بدر. وما هو من بلاد جُهينةَ، إنما هي بلادُ غِفار. قال الواقدي: فهذا المعروفُ عندنا) (١).
٦٨ - عن عمر بن كعب أن عليًّا ﵁ سُئل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]: (آلتعرُّبُ هو؟ فقال: بل هو البدع) (٢).
٦٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: (فُقدَت قطيفةٌ حمراء يوم بدر ممّا أُصيبَ من المشركين، فقال بعضُ الناس: لعل النبيَّ ﷺ أخذها فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. قال: خُصيف: فقلت لسعيد بن جبير: (وما كان لنبيٍّ أن يُغلّ) [آل عمران: ١٦١]، يقول: ليُخان. قال: بل يَغُل. فقد كان النبي ﷺ والله يُغلُّ ويُقتلُ أيضًا) (٣).
٧٠ - قال الأعمش: (كان ابنُ مسعود يقرأُ: (وما كان لنبيٍّ أن يُغلّ) [آل عمران: ١٦١]. فقال ابنُ عباس: بلى ويُقتَل. قال: فذكرَ ابنُ عباس: أن ذلك إنما كان في قطيفةٍ قالوا إن رسولَ الله غلَّها يومَ بدر، فأنزلَ الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) (٤).
٧١ - قال مجاهد: (كان ابنُ عباس يُنكر على من يقرأ: (وما كان لنبيٍّ أن يُغلّ) [آل عمران: ١٦١]، ويقول: كيف لا يكونُ له أن يُغلّ وقد كانَ له أن يُقتَل، قال الله:
стр. 21
﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ولكن المنافقين اتهموا النبيَّ ﷺ في شيءٍ من الغنيمة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]) (١).
٧٢ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. قال قتادة: (مَنَّ الله عليهم من غير دعوةٍ ولا رغبةٍ من هذه الأمة، جعلَه الله رحمةً لهم، ليُخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم. قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، الحكمة: السنّة. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ليس والله كما تقول أهلُ حَروراء: محنةٌ غالبةٌ من أخطأَها أُهريق دمه. ولكنّ الله بعثَ نبيَّه ﷺ إلى قومٍ لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قومٍ لا أدبَ لهم فأدَّبهم) (٢).
٧٣ - عن علقمة بن وقاص: (أن مروان قال لبَوَّابِه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كلُّ امرئٍ فرِح بما أوتِيَ، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ معذباً، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبيُ ﷺ يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فَأَرَوْه أنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتَوْا من كِتْمَانِهِم. ثُمَّ قرأ ابنُ عباس: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ١٨٧]، كذلك حتى قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]) (٣).
стр. 22
٧٤ - قال أبو عبيدة: (جاء رجلٌ إلى قومٍ في المسجد وفيهم عبد الله بن مسعود، فقال: إن أخاكم كعبًا يقرئُكم السلام، ويبشّركم أن هذه الآية ليست فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. فقال له عبدُ الله: وأنت فأقرئه السلام، وأخبره أنها نزلَت وهو يهوديّ) (١).
٧٥ - قال عمرو بن دينار: (قدم علينا جابرُ بن عبد الله في عُمْرَة، فانتهيتُ إليه أنا وعطاء، فقلت: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. قال: أخبَرني رسولُ الله ﷺ أنهم الكفار. قلت لجابر: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، قال: وما أَخْزاه حين أحْرقَه بالنار! وإنَّ دُون ذلك لخِزْيًا) (٢).
٧٦ - قال الأشعث الحَمْلي: (قلتُ للحسن: يا أبا سعيد أرأيتَ ما تَذكر من الشفاعة حقٌّ هو؟ قال: نعم حقّ. قلتُ: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، قال: فقال لي: إنك والله لا تستطيعُ على شيء، إنّ للنار أهلًا لا يخرجون منها كما قال الله. قلت: يا أبا سعيد: فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبًا في الدنيا، فأخذهم الله بها فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به) (٣).
٧٧ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. قال محمد بن كعب القرظي: (ليس كل الناس سمع النبي ﷺ ، ولكن المنادي: القرآن) (٤).
стр. 23
٧٨ - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦]. قال قتادة: (والله ما غَرّ نبيٌّ، ولا وَكَل إليهم شيئًا من أمر الله حتى قبضه الله على ذلك) (١).
٧٩ - عن داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: (يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة) (٢).
٨٠ - قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: (أقبلَ عليَّ أبو هريرة ﵁ يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قال: قلت: لا. قال: أما إنّه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزوٌ يُرابطون فيه، ولكنها نزلَت في قومٍ يَعمُرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أُنزلت: ﴿اصْبِرُوا﴾ أي: على الصلوات الخمس. ﴿وَصَابِرُوا﴾: أنفسَكم وهواكم. ﴿وَرَابِطُوا﴾: في مساجدكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فيما علَّمكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]) (٣).
стр. 24
* سورة النساء:
٨١ - ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قال إبراهيم النّخعي: (ليس المعروف بلبس الكتّان والحُلل، ولكن المعروف ما سدّ الجوع ووارى العَورة) (١).
٨٢ - عن القاسم بن محمد: (أن عبدَ الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسَم ميراثَ أبيه عبد الرحمن وعائشةُ حيَّة، قال: فلم يدع في الدار مسكينًا، ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨]. قال القاسم: فذكرتُ ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك للوصيّة، وإنما هذه الآية في الوصيّة، يريد الميتُ أن يوصي لهم) (٢).
٨٣ - قال حبيب: (ذهبت أنا والحكم بن عُيينة، فأتينا مِقسمًا فسألناه، يعني عن قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] الآية، فقال: ما قال سعيد بن جبير؟ فقلنا: كذا وكذا. فقال: ولكنه الرجلُ يحضره الموت، فيقولُ له من يَحضره: اتق الله وأمسك عليك مالك، فليس أحدٌ أحقُّ بمالك من ولدك. ولو كان الذي يوصي ذا قرابةٍ لهم، لأحبوا أن يوصي لهم) (٣).
٨٤ - قال ابن جريج: (قلت لعطاء بن أبي رباح: الرجل يَنكح المرأة ثم لا يراها حتى يطلقها أتحل لابنه؟ قال: لا، هي مرسلَة، قال الله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. قلت لعطاء: ما قوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]؟ قال: كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهليَّة) (٤).
стр. 25
٨٥ - قال مالك بن أوس بن الحدثان: (كانت عندي امرأة، فتوفّيَت وقد ولدَت لي، فوجَدتُ عليها، فلَقيَني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفّيَت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؟! قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك) (١).
٨٦ - ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. قال عبد الله بن عتبة: (سُئلَ ابن مسعود عن الرجل يجمع بين الأختين الأمَتين؟ فكرهَهُ. فقلت: يقول الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فقال ابن مسعود: بعيرُك أيضًا ممّا ملكت يمينك) (٢).
٨٧ - قال عكرمة: (ذُكر عند ابن عباس قولُ عليٍّ في الأختين من ملك اليمين، فقالوا: إن عليًّا قال: أحلّتهما آية وحرّمتهما آية. فقال ابن عباس عند ذلك: أحلّتهما آية وحرّمتهما آية! إنما يُحرمهن عليّ قرابتي منهنّ، ولا يُحرمهن عليّ قرابةُ بعضهنّ من بعض، لقول الله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) (٣).
٨٨ - عن ابن جريج، عن عطاء قال: (إن افترى عبدٌ على حرٍّ جُلد أربعين أُحصنَ بنكاحِ امرأةٍ أو لم يُحصن. قلت: فإنهم يقولون: يُجلد ثمانين. فأنكر ذلك، وتلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور: ٤]، ولا شهادة لعبد) (٤).
стр. 26
٨٩ - عن أبي نضرة قال: (قرأت على ابن عباس: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]. قال ابن عباس: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) [النساء: ٢٤]. فقلت: ما نقرؤها كذلك. فقال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك) (١).
٩٠ - ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. قال ليث: (فضله العبادة، ليس من أمر الدنيا) (٢).
٩١ - ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. قال ابن عباس ﵁: (لا تُترك في الكلام، ولكن الهجران في أمر المضجع) (٣).
٩٢ - قال عكرمة: (إنما الهجران بالمنطق، أن يُغلظَ لها، وليس بالجماع) (٤).
٩٣ - قال الكلبي: (ليس الهجران في المضاجع أن يقول لها هُجرًا، والهجرُ أن يأمرها أن تفيءَ وترجع إلى مضجعها) (٥).
٩٤ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. قال مجاهد: (أما إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان) (٦).
٩٥ - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]. قال سعيد بن جبير: (هذا للعلم، ليس للدنيا منه شيء) (٧).
стр. 27
٩٦ - قال عبد الله بن عمر ﵁: (نزلت هذه الآية في الأعراب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فقال رجلٌ: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم من ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠]، وإذا قال الله لشيء عظيمٌ فهو عظيم) (١).
٩٧ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. قال الضحاك: (لم يَعن سكرَ الخمر، إنما يعني سكرَ النوم) (٢).
٩٨ - قال سعيد بن جبير: (اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فقال عبيد بن عمير: هو الجماع، وقلت أنا وعطاء: هو اللمس. قال: فدخلنا على ابن عباس فسألناه، فقال: غُلب فريقُ الموالي وأصابت العرب، هو الجماع، ولكن الله يَعف ويَكني) (٣).
٩٩ - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]. عن عونٍ قال: (قيل لعمر بن الخطاب: إن مدركَ بن عوفٍ نشَرَ نفسَه يوم نهاوند. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ذاك خالي، وناسٌ يزعمون أنه ألقى بيده إلى التَّهلُكة. فقال عمرُ: كذَبَ أولئك، ولكنّه من الذين اشتروا الآخرةَ بالدنيا) (٤).
١٠٠ - عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد أَمِن الناس! فقال: عجبتُ مِمَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال:
стр. 28
«صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه» (١).
١٠١ - عن الضحاك عن ابن مسعود ﵁: (أن أُناسًا يقومون بعد العشاء الآخرة يدعون قيامًا، فأتاهم فقال: ما هذا؟ قالوا: سمعنا الله يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فقال: إنما ذاك في الصلاة، يُصلي الرجل قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه. ثم نهاهم) (٢).
١٠٢ - قال القاسم بن أبي بَزَّةَ: (قال لي مجاهد: سل عنها عكرمةَ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فسألته، فقال: الإخصاء. قال مجاهد: ما له لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء. ثم قال لي: سله. فسألته، فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله ﵎: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]؟ قال: لدين الله. فحدثت به مجاهدًا، فقال: ما له أخزاه الله!) (٣).
١٠٣ - قال الورّاق: (ذكرتُ لمجاهد قولَ عكرمة في قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فقال: كذب العبد، ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، قال: دين الله) (٤).
١٠٤ - ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. سألَ زيادُ بن الربيع أُبيَّ بن كعب عن هذه الآية، وقال: (والله إن كان كلُّ ما عملنا جُزينا به هلكنا. فقال أُبيّ: ما كنت أراك إلا أفقَه ممّا أرى، لا يُصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو الله عنه
стр. 29
أكثرُ، حتى اللدغةَ والنّفحَة) (١).
١٠٥ - قال أبو بكر ﵁: (يا رسول الله كيف الإصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؟ فإن عملنا سوءًا نُجزَ به؟ فقال النبي ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر. ثلاث مرات. ألستَ تمرض؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ تنصب؟ ألستَ تصيبك اللأواء؟ قال: بلى. قال: فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا» (٢).
١٠٦ - قالت عائشةُ ﵂: (قلت: يا رسول الله إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن. قال: ما هي يا عائشة؟ قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. فقال: هو ما يُصيب العبدَ من السوء، حتى النَّكبةَ يُنكبَها، يا عائشة من نُوقش هلك، ومن حوسب عُذّب. فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]؟ قال: «ذاك العرض، يا عائشة من نُوقش الحسابَ هلك» (٣).
стр. 30
* سورة المائدة:
١٠٧ - ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]. قال أبو عبد الله الصنابحي: (ليست الموقوذة إلا في مالك، وليس في الصيد وقيذ) (١).
١٠٨ - ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. سأل نافعُ بن الأزرق ابنَ عباس فقال: (أرأيت إذا أرسلتُ كلبي وسميت فقتل الصيد، آكُله؟ قال: نعم. قال نافع: يقول الله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وتقول أنتَ وإن قَتل! قال: ويحك يا ابن الأزرق! أرأيتَ لو أمسك عليَّ سنّور فأدركتُ ذكاتَه أكان يكون عليّ بأس؟ والله إني لأعلم في أيّ كلابٍ نزلت، في كلاب نبهان من طيّ، ويحك يا ابن الأزرق ليكوننّ لك نبأ) (٢).
١٠٩ - قال المسوَر بن مَخرمة لابن عباس: (هل لك في عُبيد بن عُمير، إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان. فدعاه، فقال: ما يَحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت؟ قال: إن الله يقول: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية. قال: ليس هذا إذا توضأت، فإنك على طُهر حتى تُحدث. ثم قال: هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء، ولَّى وله ضُراط) (٣).
١١٠ - عن عكرمة: (أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم أن قومًا يخرجون من النار وقد قال الله جلّ وعزّ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]؟ فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفار) (٤).
стр. 31
١١١ - قال عمرو بن دينار: (سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول-بأُذُني هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه-: (﴿يُخرج الله قومًا من النار فيدخلهم الجنة))، فقال له رجل: إن الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاصَّ عامَّاً، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]، هذه للكفار) (١).
١١٢ - قال عكرمة: (إن الله إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتابًا من تحت عرشه فيه: "رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين"، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة. أو قال: مثلَيْ أهل الجنة، مكتوبٌ ههنا منهم -وأشار إلى نحره-: عتقاء الله تعالى. فقال رجلٌ لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: ويلك، أولئك هم أهلها الذين هم أهلها) (٢).
١١٣ - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. سُئل ابن مسعود عن السُّحت (أهو الرشوة في الحكم؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، ولكن السُّحت أن يستعينك الرجل على مظلمةٍ، فيُهدي لك فتقبَله، فذلك السُّحت) (٣).
стр. 32
١١٤ - قال عمران بن حُدير: (قعد نفرٌ من الأباضية من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز أرأيت قول الله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: يا أبا مجلز فيَحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينُهم الذي يَدينون به، وبه يقولون، وإليه يَدعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرَفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا. فقالوا: لا والله، ولكنك تَفرَقُ. قال: أنتم أَولى بهذا منّي، لا أرى، وإنكم ترون هذا ولكنكم يمنعكم أن تُمضوا أمرَكم من خشيتهم، إنما أُنزلت هذه الآية في اليهود والنصارى وأهلِ الشرك) (١).
١١٥ - قال أبو صالح: (﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار) (٢).
١١٦ - قال حكيم بن جبير: (سألتُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآيات في المائدة: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، فقلت: زعم قومٌ أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه، فقال: لا، بل نزلت علينا. ثم لقيتُ مِقسمًا مولى ابن عباس، فسألته عن هذه الآيات في المائدة، قلت: زعم قومٌ أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال: إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم. ثم دخلتُ
стр. 33
على عليّ بن الحسين، فسألته عن هذه الآيات في المائدة، وحدّثته أني سألت عنها سعيدَ بن جبير ومقسمًا، قال: فما قال مقسم؟ فأخبرته بما قال، قال: صدق، ولكنه كفرٌ ليس ككفرِ الشرك، وفسقٌ ليس كفسق الشرك، وظلمٌ ليس كظلم الشرك. فلقيتُ سعيد بن جبير فأخبرته بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته؟! لقد وجدتُ له فضلًا عليك وعلى مِقسم) (١).
١١٧ - قال أبو البختري: (سأل رجلٌ حذيفة عن هؤلاء الآيات: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]؟ قال: قيل ذلك في بني إسرائيل. قال: نِعمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لهم كلُّ مُرّة، ولكم كلُّ حُلوة، كلا والله لتسلكنّ طريقَهم قَدرَ الشّراك) (٢).
١١٨ - قال أبو الزّناد: (ذكرَ رجلٌ عند عبيد الله بن عبد الله بن مسعود: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، فقال عبيدُ الله: أما والله إن كثيرًا من الناس يتأوّلون هذه الآيات على ما لم ينزلن عليه، وما أُنزلن إلا في حيّيْن من يهود قريظة والنّضير، وذلك أن إحدى الطائفتين كانت قد غزت الأخرى وقهرَتها قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كلّ قتيلٍ قتلَته العزيزةُ من الذّليلة فدِيَتُه خمسون وَسقًا، وكلّ قتيلٍ قتلَته الذّليلة من العزيزة فدِيَتُه مئةَ وَسق، فأعطوهم فَرَقًا وضَيمًا، فقدم النبي ﷺ وهم على ذلك، فذلّت الطائفتان بمقدم النبي ﷺ ، و النبي صلى الله عليه وسلملم يظهر عليهما. فبينما هما على ذلك أصابت الذّليلةُ من العزيزة قتيلًا،
стр. 34
فقالت العزيزة: أعطونا مئةَ وَسق. فقالت الذّليلة: وهل كان هذا قطُّ في حيّيْن دينهما واحدٌ، وبلدُهما واحد، دِيَة بعضهم ضعف دية بعضٍ؟ إنما أعطيناكم هذا فرقًا منكم وضيمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا ﷺ ، فتراضيا على أن يجعلوا النبي ﷺ بينهم. ثم إن العزيزةَ تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يُعطيها النبي ﷺ من أصحابها ضِعفَ ما يُعطي أصحابها منها، فدسّوا إلى النبي ﷺ إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: أُخبُروا لنا رأي محمد ﷺ ، فإن أعطانا ما نريد حكّمناه، وإن لم يُعطنا حذِرناه ولم نُحكّمه. فذهب المنافقُ إلى النبي ﷺ ، فأَعلمَ الله تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ ما أرادوا من ذلك الأمر كلّه. قال عبيدُ الله: فأنزل الله تعالى ذكرُه فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، هؤلاء الآيات كلُّهن حتى بلغ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، قرأ عبيدُ الله ذلك آيةً آيةً، وفسّرَها على ما أُنزل، حتى فرغَ من تفسير ذلك لهم في الآيات، ثم قال: إنما عَنى بذلك يهودَ، وفيهم أُنزلت هذه الصّفَة) (١).
١١٩ - قال طاوس: (﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ليس بكفر ينقل عن الملة) (٢).
١٢٠ - قال ابن عباس ﵁: (﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله. أو: وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا. أو: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه) (٣).
стр. 35
١٢١ - سئل الحسن عن قوله تعالى: (﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] أهي عليهم خاصة؟ قال: عليهم وعلى الناس عامّة) (١).
١٢٢ - سأل مجاهدٌ أبا إسحاق عن قوله: (﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]؟ فقال له أبو إسحاق: هو الذي يعفوا. قال مجاهد: بل هو الجارح صاحب الذنب) (٢).
١٢٣ - عن محمد بن كعب القرظي: (أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا وعمرُ أميرُ المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزةَ آيةٌ أسهرتني البارحة. قال محمد: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. فقال محمد: أيها الأمير إنما عنى الله ب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الولاة من قريش. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: عن الحق) (٣).
١٢٤ - قال شريح بن عبيد: (لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : «لا، بل هذا وقومه. يعني أبا موسى الأشعري» (٤).
١٢٥ - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. قيل لأبي جعفر محمد بن علي في هذه الآية: (من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. وفي لفظ: أصحاب محمد ﷺ . قيل له: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب.
стр. 36
قال: علي من الذين آمنوا) (١).
١٢٦ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]: (ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا) (٢).
١٢٧ - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قال مسروق: (قالت عائشة ﵂: ثلاثٌ من قال واحدةً منهن فقد أعظم على الله الفرية .. ، ومن زعم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، فقلت: يا أم المؤمنين ألم يقل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]؟ فقالت: سألنا عن ذلك نبي الله ﷺ فقال: «رأيتُ جبريلَ ينزل من الأفق على خلقه وهيئته، أو على خلقه وصورته، سادًّا ما بينهما» (٣).
١٢٨ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. قالت عائشة ﵂: (إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذلك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه مثل أن يفعله ثم لا يفعله) (٤).
١٢٩ - عن محارب: (أن ناسًا شربوا الخمرَ بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي
стр. 37
سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: يقول الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارًا فلا تنتظر إلى الليل، وإن أتاك ليلًا فلا تنتظر بهم إلى النهار حتى تبعثهم إليّ. قال: فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا عليه قال: أشربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فقالوا: اقرأ التي بعدها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. فشاور فيهم الناس فقال لعليّ: ما ترى؟ قال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما ليس منه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبر الله بحدِّ ما يفتري بعضنا على بعض. قال: فحدَّهم ثمانين ثمانين) (١).
١٣٠ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر ﵁ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًّا من حدود الله حقًّا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر:
стр. 38
لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها. وهي امرأة قدامة، فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك. فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما) (١).
١٣١ - قال ابن جريج: (قال لي الحسنُ بن مسلم: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاةً فصاعدًا فذلك الذي قال الله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأما: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]: فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]: عدلُ النعامة أو عدلُ العصفور أو عدلُ ذلك
стр. 39
كلِّه. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء فقال: كلُّ شيء في القرآن "أو" فلصاحبه أن يختار ما شاء) (١).
١٣٢ - خصيف عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: (﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] قال: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك ما جعل الله من كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]. قال: فقلت: قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس، فما لك تقول هذا؟ فقال: هاه) (٢).
١٣٣ - قيل لابن عمر: (لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليُبلغ الشاهدُ الغائبَ»، فكنّا نحن الشهودُ وأنتم الغَيَب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يُقبل منهم) (٣).
١٣٤ - سألَ رجلٌ ابنَ مسعود عن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ فقال: (إن هذا ليس بزمانها، إنها اليومَ مقبولةٌ، ولكنّه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيُصنع بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يُقبل منكم. فحينئذٍ عليكم أنفسَكم، لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم) (٤).
стр. 40
١٣٥ - عن جبير بن نفير قال: (كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فأقبلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ وقالوا: تَنزِع بآيةٍ من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها! حتى تمنّيتُ أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامُهم قالوا: إنك غلامٌ حدَثُ السّنِّ، وإنك نزَعْت بآيةٍ لا تدري ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهوىً متّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك نفسَك، لا يضرّك من ضلَّ إذا اهتديت) (١).
١٣٦ - عن أبي العالية قال: (كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كلُّ واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك؛ فإن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال: فسمعها ابنُ مسعود، فقال: مَهْ! لم يجئ تأويلُ هذه الآية بعدُ، إن القرآن أُنزل حيث أُنزل ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن يَنزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبي ﷺ ، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آيٌ يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذُكر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذُكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهوائكم واحدة، ولم تلبسوا شيَعًا، ولم يَذقْ بعضُكم بأس بعض، فأمُروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوبُ والأهواء، وأُلبستم شيَعًا، وذاق بعضُكم بأس بعض، فامرؤٌ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويلُ هذه الآية) (٢).