قال: علي من الذين آمنوا) (١).
١٢٦ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]: (ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا) (٢).
١٢٧ - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. قال مسروق: (قالت عائشة ﵂: ثلاثٌ من قال واحدةً منهن فقد أعظم على الله الفرية .. ، ومن زعم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، فقلت: يا أم المؤمنين ألم يقل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]؟ فقالت: سألنا عن ذلك نبي الله ﷺ فقال: «رأيتُ جبريلَ ينزل من الأفق على خلقه وهيئته، أو على خلقه وصورته، سادًّا ما بينهما» (٣).
١٢٨ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. قالت عائشة ﵂: (إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذلك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه مثل أن يفعله ثم لا يفعله) (٤).
١٢٩ - عن محارب: (أن ناسًا شربوا الخمرَ بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي
стр. 37
سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: يقول الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارًا فلا تنتظر إلى الليل، وإن أتاك ليلًا فلا تنتظر بهم إلى النهار حتى تبعثهم إليّ. قال: فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا عليه قال: أشربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فقالوا: اقرأ التي بعدها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. فشاور فيهم الناس فقال لعليّ: ما ترى؟ قال: أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما ليس منه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبر الله بحدِّ ما يفتري بعضنا على بعض. قال: فحدَّهم ثمانين ثمانين) (١).
١٣٠ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر ﵁ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًّا من حدود الله حقًّا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر:
стр. 38
لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها. وهي امرأة قدامة، فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك. فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما) (١).
١٣١ - قال ابن جريج: (قال لي الحسنُ بن مسلم: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاةً فصاعدًا فذلك الذي قال الله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأما: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]: فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]: عدلُ النعامة أو عدلُ العصفور أو عدلُ ذلك
стр. 39
كلِّه. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء فقال: كلُّ شيء في القرآن "أو" فلصاحبه أن يختار ما شاء) (١).
١٣٢ - خصيف عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: (﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] قال: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك ما جعل الله من كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]. قال: فقلت: قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس، فما لك تقول هذا؟ فقال: هاه) (٢).
١٣٣ - قيل لابن عمر: (لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليُبلغ الشاهدُ الغائبَ»، فكنّا نحن الشهودُ وأنتم الغَيَب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يُقبل منهم) (٣).
١٣٤ - سألَ رجلٌ ابنَ مسعود عن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ فقال: (إن هذا ليس بزمانها، إنها اليومَ مقبولةٌ، ولكنّه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيُصنع بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يُقبل منكم. فحينئذٍ عليكم أنفسَكم، لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم) (٤).
стр. 40
١٣٥ - عن جبير بن نفير قال: (كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فأقبلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ وقالوا: تَنزِع بآيةٍ من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها! حتى تمنّيتُ أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامُهم قالوا: إنك غلامٌ حدَثُ السّنِّ، وإنك نزَعْت بآيةٍ لا تدري ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهوىً متّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك نفسَك، لا يضرّك من ضلَّ إذا اهتديت) (١).
١٣٦ - عن أبي العالية قال: (كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كلُّ واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك؛ فإن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال: فسمعها ابنُ مسعود، فقال: مَهْ! لم يجئ تأويلُ هذه الآية بعدُ، إن القرآن أُنزل حيث أُنزل ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن يَنزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبي ﷺ ، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آيٌ يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذُكر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذُكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهوائكم واحدة، ولم تلبسوا شيَعًا، ولم يَذقْ بعضُكم بأس بعض، فأمُروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوبُ والأهواء، وأُلبستم شيَعًا، وذاق بعضُكم بأس بعض، فامرؤٌ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويلُ هذه الآية) (٢).
стр. 41
١٣٧ - قال قيس بن أبي حازم: (قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية على غير موضعها: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإن الناس إذا رأوا الظالمَ فلم يأخذوا على يديه عمَّهم الله بعقابه. وفي لفظ: سمعت رسول الله يقول: «إذا رأى الناسُ المنكرَ فلم يغيّروه، والظالمَ فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمّهم الله منه بعقاب» (١).
١٣٨ - قال أبو أميّة الشّعباني: (أتيتُ أبا ثعلبة الخُشَني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيّةُ آية؟ قلت: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوىً متَّبَعًا، ودنيا مؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصّةِ نفسِك، ودَع عنك أمرَ العوامّ، فإن من ورائِكم أيام الصبر، الصابرُ فيهنّ مثلُ القابضِ على الجمر، للعامل فيهنّ مثلُ أجرِ خمسين رجلًا يعملون مثلَ عملِكم» (٢).
١٣٩ - عن أبي عامر الأشعري: (أنه كان فيهم شيء، فاحتبس على رسول الله ﷺ ، ثم أتاه فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال: فقال له النبي ﷺ : «أين ذهبتم! إنما هي لا يضرُّكم من ضلَّ من الكفار إذا اهتديتم» (٣).
١٤٠ - محمد بن عبد الله التيمي عن أبي بكر قال: (سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «ما ترك قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذلٍّ، ولا أقرَّ قومٌ المنكرَ بين أظهارهم إلا عمَّهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمَّكم الله بعقابٍ من عنده إلا أن
стр. 42
تأوَّلوا هذه الآية على غير أمرٍ بمعروفٍ ولا نهيٍ عن المنكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]» (١).
* سورة الأنعام:
١٤١ - جاء رجلٌ من الخوارج إلى ابن أبزى، وقرأ عليه هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال له: (أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. قال: وانصرف عنه الرجل، قال له رجل من القوم: يا ابن أبزى إن هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا، إنه رجل من الخوارج. فقال: ردّوه عليّ. فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدِّها) (٢).
١٤٢ - ومثلُه عن علي بن أبي طالب ﵁. (٣)
١٤٣ - ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. عن ابن عباس ﵁: (أنه قرأ (فإنَّهم لا يكذِبونك مخففة)، قال: لا يقدرون على ألّا تكون رسولًا، وعلى ألّا يكون القرآن قرآنًا، فأمّا أن يكذِّبوك بألسنتهم فهم يكذِّبونك، فذاك الكذب، وهذا التكذيب) (٤).
стр. 43
١٤٤ - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. عن حمزة بن عيسى قال: (دخلتُ على الحسن فسألتُه فقلت: يا أبا سعيد أرأيت قول الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨]، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في جماعة) (١).
١٤٥ - ابنُ جُريج عن مجاهد قال: (﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] المصلين المؤمنين بلال وابن أم عبد. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّمَ الإمام ابتدر الناسُ القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت: يتأولون ما قال الله. قال: وما قال؟ قلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢]. قال: وفي هذا ذا! إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة) (٢).
١٤٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]. قال مجاهد: (آزرُ لم يكن بأبيه، إنما هو صنم) (٣).
١٤٧ - قال السدي: (﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]: اسمُ أبيه، ويقال: لا، بل اسمه تارح، واسم الصنم آزر، يقول: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهةً) (٤).
١٤٨ - قال ابن جريج: (ليس آزر بأبيه، ولكن ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] وهن الآلهة، وهذا من تقديم القرآن، إنما هو إبراهيم بن تيرح) (٥).
стр. 44
١٤٩ - قال ابن عباس ﵁: (كان يقول اعضد، أتعتضد بالآلهة من دون الله؟ لا تفعل، ويقول: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما اسمه تارح) (١).
١٥٠ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : «ليس بذلك. وفي لفظ: ليس كما تظنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، إنما هو الشرك» (٢).
١٥١ - سأل زيدُ بن صوحان سلمان ﵁ فقال: (يا أبا عبد الله، آيةٌ من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى. فقال زيد: ما يسرُّني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كلِّ شيء أمسيتُ أملكُه) (٣).
١٥٢ - عن علي بن زيد عن المسيب: (أن عمر بن الخطاب قرأ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فلما قرأها فزع، فأتى أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب الله، من يسْلَم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؟ إنما هو: ولم يَلبسوا إيمانهم بشرك) (٤).
١٥٣ - سُئل أبو بكر ﵁ عن هذه الآية، فقال: (ما تقولون؟ قالوا: لم
стр. 45
يَظلموا. قال: حملتم الأمر على أشدّه، بظلم: بشرك؛ ألم تسمع إلى قول الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) (١).
١٥٤ - قال وهب: (إن الملائكة الذين يقرنون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون لهم آجالهم، فإذا كان يوم كذا وكذا توفته، ثم نزع: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. فقيل لوهب: أليس قد قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]؟ قال: نعم إن الملائكة إذا توفوا نفسًا دفعوها إلى ملك الموت، وهو كالعاقب، يعني: العشار. الذي يؤدي إليه من تحته) (٢).
١٥٥ - (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وخَرَّقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٠]. قال الحسن: «خَرَّقُوا) ما هو؟! إنما ﴿وَخَرَقُوا﴾ خفيفة، كان الرجل إذا كذب الكذبة فينادي القوم قيل: خرقها) (٣).
١٥٦ - قال عكرمة: (سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎. فقلت له: أليس الله يقول في كتابه: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ قال لي: لا أُمَّ لك، ذلك نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. وفي لفظ: إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر) (٤).
١٥٧ - عكرمة عن ابن عباس: (إن النبي ﷺ رأى ربه. فقال له رجل عند ذلك: أليس قال الله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ فقال له عكرمة: ألست ترى
стр. 46
السماء؟ قال: بلى. قال: فكلَّها ترى) (١).
١٥٨ - قال ابنُ زيد في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤]: (البصائر: الهدى، بصائر في قلوبهم لدينهم، وليست ببصائر الرؤوس، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، قال: إنما الدَّيِّنُ بصرُه وسمعُه في هذا القلب) (٢).
١٥٩ - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]. قال عمرو بن دينار: (سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن صبيانًا ههنا يقرؤون (دارَسْت) يعني بفتح السين وجزم التاء، وإنما هي: ﴿دَرَسْتَ﴾، ويقرؤون: (وحَرُم على قرية)، وإنما هي: ﴿وَحَرَامٌ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، ويقرؤون: ﴿حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، وإنما هي (حامية)، قال عمرو: وكان ابنُ عباس يخالفه فيهن كلهن) (٣).
١٦٠ - قيل للشعبي في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]: (تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا، إنما أُنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: أمّا ما قتلَ الله فلا تأكلوا منه، يعني: الميتة. وأمّا ما قتلتم أنتم فتأكلون منه. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، قال: لئن أكلتم الميتةَ وأطعتموهم إنكم لمشركون) (٤).
١٦١ - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]. قال مجاهد: (ليس في الجن رسل، إنما الرسلُ في
стр. 47
الإنس، والنذارة في الجن، وقرأ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]) (١).
١٦٢ - ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قال عطاء: (يعطي من حصاده يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة) (٢).
١٦٣ - ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. قال الحسن: (أما إنه لم يذكر أصفرَكم وأحمرَكم، ولكنه أسفرَكم، قال: تنتهون إلى حلاله) (٣).
١٦٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. سمع علي ﵁ رجلًا يقرأ عنده التي في الأنعام: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. فقال علي: (لا، ما فرّقوا دينهم، ولكنهم فارقوا دينهم) (٤).
١٦٥ - قال أبو هريرة ﵁: (ما تقولون: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] لمن هي؟ قلنا: للمسلمين، قال: لا والله، ما هي إلا للأعراب خاصة، فأما المهاجرون فسبعمائة) (٥).
١٦٦ - موسى بن أبي موسى عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «الميت يعذَّب ببكاء الحيّ عليه، إذا قالت النائحة واعضُداه وا ناصراه وا كاسباه، جُبِذَ الميتُ وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسبها؟»، فقلت: سبحان الله! يقول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فقال: ويحك أحدِّثك عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ وتقول هذا، فأيُّنا كذب، فوالله ما كذبتُ على أبي موسى، ولا كذب أبو موسى على رسول الله ﷺ (٦).
стр. 48
* سورة الأعراف:
١٦٧ - قال سعيد بن المسيب: (لما طُعن عمر قال كعب: لو دعا اللهَ عمرُ لأخّرَ في أجله. فقيل له: أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ فقال كعب: وقد قال الله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، قال الزهري: وليس أحد إلا له عمرٌ مكتوب، فرأى أنه ما لم يحضُر أجلُه فإن الله يؤخِّر ما شاء وينقص: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]) (١).
١٦٨ - عكرمة عن ابن عباس: (أنه كان يقرأ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاط﴾ [الأعراف: ٤٠] يعني: الحبل الغليظ. فذكرت ذلك للحسن فقال: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]. قال خالد الواسطي -الراوي عن حنظلة السدوسي عن عكرمة- يعني: البعير) (٢).
١٦٩ - قال عمران بن حُدير: (قلت لأبي مجلز: يقول الله: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]، وتزعم أنت أنهم الملائكة؟! فقال: إنهم ذكورٌ وليسوا بإناث) (٣).
١٧٠ - ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. قال الضحاك: كيف تقرؤون هذه الآية؟ قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. فقال الضحاك: إنما هي: (إلاهتك) أي عبادتك؛ ألا ترى أنه يقول: أنا ربكم الأعلى؟) (٤).
стр. 49
١٧١ - ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال أبو العالية: (قد كان إذن قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة) (١).
١٧٢ - قال سفيان بن عيينة: (ليس في الأرض صاحبُ بدعةٍ إلا وهو يجد ذلَّةً تغشاه، وهو في كتاب الله. قالوا: أين هي؟! قال: أما سمعتم إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]، قال: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجل خاصة. قال: كلا، اقرأ ما بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، فهي لكل مُفترٍ ومبتدعٍ إلى يوم القيامة) (٢).
١٧٣ - ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. عن أبي وجرة السعدي و-كان من أعلم الناس بالعربية- قال: (لا والله لا أعلمها في كلام أحد من العرب: ﴿هُدْنَا﴾. قيل: فكيف؟ قال: (هِدْنَا) بكسر الهاء، يقول: مِلنا) (٣).
١٧٤ - ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال ابن سيرين: (قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا في الدّين من حرجٍ أن نزني ونسرق؟ قال: بلى، ولكن الإصرَ الذي كان على بني إسرائيل وُضع عنكم) (٤).
١٧٥ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. قال عكرمة: (قال ابن عباس: ما أدري أنَجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ أم لا؟ قال: فما زلت أبَصّره حتى عرف أنهم قد
стр. 50
نجوا، فكساني حُلَّةً) (١).
١٧٦ - عن نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: (إني لفي حَلْقة فيها عبدُ الله بن عمر، فقرأ رجلٌ من القوم الآية التي في الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، فقال: أتدرون من هو؟ فقال بعضهم: هو صيفي بن الراهب. وقال بعضهم: هو بلعم، رجل من بني إسرائيل. فقال: لا. فقالوا: من هو؟ قال: أميّة بن أبي الصلت) (٢).
١٧٧ - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. قال قتادة: كان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته) (٣).
١٧٨ - وعن ابن عباس ﵁ مثله بلفظه. (٤)
١٧٩ - قال طلحة بن عبيد الله بن كَريز: (رأيتُ عبيد بن عُمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصُّ يقصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذّكر وتستوجبان الموعود؟ فنظرا إليّ ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت، فنظرا إليّ ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إليّ فقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]) (٥).
١٨٠ - سُئل عبد الله بن مغفل: (أكُلُّ من سمع القرآن يُقرأ وجبَ عليه الاستماع والإنصات؟ قال: لا. قال: إنما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
стр. 51
وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] في قراءة الإمام، إذا قرأ الإمامُ فاستمع له وأنصت) (١).
١٨١ - قال معاوية بن قرة: (إن الله أنزل هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] في الصلاة؛ إن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة، وأنزلها القُصّاصُ في القَصَص) (٢).
١٨٢ - قال ابن جريج: (قلت لعطاء: ما أَوْجَب الإنصات يوم الجمعة؟ قال: قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قال: ذاك زعموا في الصلاة وفي الجمعة. قلت: والإنصات يوم الجمعة كالإنصات في القراءة سواء؟ قال: نعم) (٣).
* سورة الأنفال:
١٨٣ - قال ابن عون: (كتبت إلى نافع أسأله عن قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، أكان ذلك اليوم أم هو بعد؟ قال: وكتب إليّ: إنما كان ذلك يوم بدر) (٤).
١٨٤ - قال نافع: (سألت ابنَ عمر قلت: إنا قومٌ لا نثبت عند قتال عدوّنا، ولا ندري مَنْ الفئةُ أمامَنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول ﷺ ، فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. قال: إنما أنزلت هذه الآية لأهل بدر، لا قبلها ولا بعدها) (٥).
стр. 52
١٨٥ - ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. قال عمر بن الخطاب: (لا تغرنّكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئةٌ لكلّ مسلم) (١).
١٨٦ - قال الحسن: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]: ذلك يوم بدر خاصّة، فأمّا اليوم فإن انحاز إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسبه قال: فلا بأس. وفي لفظ قال: ليس الفرار من الزحف من الكبائر) (٢).
١٨٧ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] قال الضحاك: (إنما كانت لأهل بدر خاصّة، لم تكن لهم فئةٌ ينحازون إليها) (٣).
١٨٨ - قال ابن زيد: (﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وليس بالأصمّ في الدنيا ولا بالأبكم، ولكن صُمُّ القلوب وبُكمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]) (٤).
١٨٩ - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]. قال عطاء: (كتب نجدةُ إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه كتابًا: قد كنّا نقول أنّا هم، فأبى ذلك علينا قومُنا، وقالوا: قريشٌ كلُّها ذوو قربى) (٥).
١٩٠ - قال المنهال بن عمرو: (سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين، عن الخُمُس؟ فقالا: هو لنا. فقلت لعلي: إن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى
стр. 53
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فقال: يتامانا ومساكيننا) (١).
١٩١ - عن عيسى بن الحارث: (أن أخاه شريح بن الحارث كانت له سُرِّية فولدت منه جارية، فلما شبَّت الجاريةُ زُوّجت، فولدت غلامًا، ثم ماتت السُرِّية، واختصم شريحُ بن الحارث والغلامُ إلى شريح القاضي في ميراثها، فجعل شريحُ بن الحارث يقول: ليس له ميراث في كتاب الله. قال: فقضى شُريحُ بالميراث للغلام، وقال: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فركب ميسرةُ بن يزيد إلى ابن الزبير وأخبره بقضاء شُريح وقولِه، فكتب ابنُ الزبير إلى شُريح: أن ميسرة أخبرني أنك قضيت بكذا وكذا، وقلتَ: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وإنه ليس كذلك، إنما نزلت هذه الآية: أن الرجل كان يُعاقد الرجلَ يقول: ترثُني وأرثك، فنزلت: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فجاء بالكتاب إلى شُريح، فقال شُريح: أعتقَها جنينُ بطنها. وأبى أن يرجع عن قضاءه) (٢).
١٩٢ - قيل لابن عباس: (إن ابنَ مسعود لا يورِّث الموالي دون ذوي الأرحام، ويقول: إن ذوي الأرحام أولى ببعض في كتاب الله. فقال ابن عباس: هيهات هيهات، أين ذهب! إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب، فنزلت: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، يعني أنه يورِّث المولى) (٣).
стр. 54
* سورة التوبة:
١٩٣ - قال سعيد بن جبير: (قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنّوا ألا يبقى أحد منهم إلا ذُكر فيها) (١).
١٩٤ - ابن جريج عن عطاء قال: (الحرم كلُّه قبلةٌ ومسجدٌ، قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، لم يعنِ المسجد وحده، إنما عَنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرة) (٢).
١٩٥ - سأل رجل أبا حذيفة فقال: (يا أبا عبد الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرّموه، فتلك ربوبيتهم) (٣).
١٩٦ - وعن عديّ بن حاتم ﵁ بلفظه السابق. (٤)
١٩٧ - قال عديّ بن حاتم ﵁: (أتيتُ النبي ﷺ وهو يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرموه» (٥).
стр. 55
١٩٨ - قال ابن عباس ﵁ في الآية: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله، فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أربابًا) (١).
١٩٩ - ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. قال ابن عباس ﵁: (لما نزلت هذه الآية كبُرَ ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحدٌ منّا لولده مالًا يبقى به، فقال عمر ﵁: أنا أفرّج عنكم. فانطلق عمر ﵁، واتّبَعه ثوبان، فأتى النبيَّ ﷺ وقال: يا نبي الله إنه قد كبُرَ على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيّبَ بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريثَ لأموالٍ تبقى بعدكم»، فكبًّر عمر ﵁، ثم قال له النبي ﷺ : «ألا أخبرك بخير ما يَكنز المرء؟ المرأةَ الصالحةَ التي إذا نظر إليها سرَّته، وإذا أمرَها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» (٢).
٢٠٠ - قال زيد بن وهب: (مررت بالرّبذة فلقيت أبا ذر، فقلت: يا أبا ذر، ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشام، فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية. فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب. قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان: أن أقبِل إليّ. قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنّهم لم يروني قبل يومئذٍ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنحَّ قريبًا، قلت: والله لن أدع ما أقول) (٣).
٢٠١ - سُئل ابن عمر عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
стр. 56
وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]؟ فقال: (إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله تطهيرَ الأموال) (١).
٢٠٢ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال ابن سيرين: (قال عمر بن الخطاب: ليس الفقير بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب. قال ابن عُليّة، الراوي عن ابن عون عن ابن سيرين: الأخلق: المُحارف عندنا) (٢).
٢٠٣ - روى ابن سيرين عن عمر بن الخطاب: (ليس المسكين بالذي لا مال له، ولكن المسكين الأخلق الكسب) (٣).
٢٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين بالذي تردّه اللقمةُ واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]» (٤).
٢٠٥ - ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. عن أبي سعيد الخدري: (أن رجلًا من بني خُدرة، ورجلًا من بني عوف امتريا في المسجد الذي أُسّس على التقوى، فقال العوفي: هو مسجدنا بقباء. وقال الخُدري: هو هذا المسجد؛ مسجد رسول الله ﷺ ، فسألاه عن ذلك فقال: هو هذا المسجد، مسجد رسول الله ﷺ ، وفي ذلك خيرٌ كثير) (٥).
стр. 57
٢٠٦ - قال السدي: (قلت لإبراهيم أرأيت قول الله ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠]؟ قال: الشك. قلت: لا. قال: فما تقول أنت؟ قلت: القوم بنوا مسجدًا ضرارًا وهم كفار حين بنوا، فلما دخلوا في الإسلام جعلوا لا يزالون يذكرون، فيقع في قلوبهم مشقّة من ذلك، فتراجعوا له، فقالوا: يا ليتنا لم نكن فعلنا، وكلّما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقّة وندموا. فقال إبراهيم: استغفر الله) (١).
* سورة يونس:
٢٠٧ - لما قدم خراجُ العراق إلى عمر ﵁ خرج ومولى له، فجعل يعدّ الإبل فإذا هو أكثر من ذلك، فجعل عمر ﵁ يقول: (الحمد لله. وجعل مولاه يقول: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر ﵁: (كذبت ليس هذا الذي يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]) (٢).
٢٠٨ - أتى وفد أهل مصر عثمان بن عفان ﵁ فقالوا له: (ادع بالمصحف وافتتح السابعة. وكانوا يسمّون سورة يونس السابعة. فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى آلله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، إنما نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر ﵁ حمى الحمى لإبل الصدقة، فلما وليت وزادت إبل الصدقة زدت في الحمى) (٣).
стр. 58
* سورة هود:
٢٠٩ - قال محمد بن الحنفية: (قلت لأبي: يا أبتِ أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧]؟ فقال: لا والله يا بني، وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسان محمد ﷺ (١).
٢١٠ - قال أبو جعفر: (﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] هذه بلغة طَيّ، لم يكن ابنه، كان ابن امرأته) (٢).
٢١١ - قال ابن عباس ﵁: (ما بغت امرأةُ نبي قط، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] يقول إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك) (٣).
٢١٢ - قال قتادة: (كنت عند الحسن فقال: نادى نوح ابنه! لعمر الله ما هو ابنه. قلت: يا أبا سعيد يقول: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، وتقول ليس بابنه! قال: أفرأيت قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]؟ قال: قلت: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه. قال: إن أهل الكتاب يكذبون) (٤).
٢١٣ - سعيد عن قتادة قال: (سمعت الحسن يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] فقال عند ذلك: والله ما كان ابنه، ثم قرأ هذه الآية ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال سعيد: فذكرت ذلك لقتادة، قال: ما كان ينبغي له أن يحلف) (٥).
стр. 59
٢١٤ - قال سليمان بن قَتَّةَ: (سمعت ابن عباس يُسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. قال: أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]. قال ابن عيينة، أحد رجال الحديث: وأخبرني عمّار الدّهني أنه سأل سعيدَ بن جبير عن ذلك فقال:: كان ابن نوح؛ إن الله لا يكذب، قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]. قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط) (١).
٢١٥ - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. قال مجاهد: (لم يكنّ بناته، ولكن كنَّ من أُمَّته، وكل نبي أبو أُمَّته) (٢).
٢١٦ - قال ابن عباس ﵁: (ما عرض لوط ﵇ بناته على قومه لا سفاحًا ولا نكاحًا، إنما قال: هؤلاء بناتي نسائكم؛ لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم، قال الله في القرآن: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أبوهم﴾ في قراءة أبيّ ﵁ (٣).
٢١٧ - قال ابن مسعود ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في البستان ففعلت بها كلَّ شيء غير أني لم أجامعها، قبّلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل له رسول الله ﷺ شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه. فأتْبَعه رسولُ الله بصرَه، فقال: ردّوه عليّ. فردّوه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فقال عمر، وفي لفظ: معاذ بن جبل: يا رسول الله ألَه خاصة أم للناس كافة؟ قال: بل للناس كافة) (٤).
стр. 60
٢١٨ - عن ابن أبي نجيح: (أن رجلَين اختصما إلى طاوس فاختلفا عليه، فقال: اختلفتما عليّ. فقال أحدهما: لذلك خُلقنا. قال: كذبت. قال: أليس يقول الله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]؟ قال: لم يخلقهم ليختلفوا، إنما خلقهم للرحمة والجماعة) (١).
* سورة يوسف:
٢١٩ - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. قال الحسن: (لم يبعه إخوته، إنما باعه التجار) (٢).
٢٢٠ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]. قال محمد بن كعب: (هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فإن المراد به محمد نبي الله ﷺ ، يقول: كما فعلتُ بيوسف بعدما لقي من إخوته ما لقي، وقاسى من البلاء ما قاسى، فمكَّنتُه في الأرض، ووطّأت له في البلاد، وآتيته الحكم والعلم، فكذلك أفعل بك، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكّنَ لك في الأرض، وأزيدك الحكم والعلم، لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي) (٣).
٢٢١ - قال عكرمة: ﴿(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] ما كان بصبي، ولكن كان رجلًا حكيمًا. وفي لفظ: ذُكر عند عكرمة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ
стр. 61
أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] فقالوا: كان صبيًّا. فقال: ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم) (١).
٢٢٢ - قال ابن جرير: (وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المتكأ: هو النمرق يتكأ عليه. وقال: زعم قوم أنه الأُترُجّ، قال: وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكإ أترج يأكلونه. وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله) (٢).
٢٢٣ - سئل وهب بن منبه عن قول يوسف لأخيه: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ [يوسف: ٦٩]: (كيف آخاه حين أخذ بالصواع وقد كان أخبره أنه أخوه، وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكرًا لهم يكابرهم حتى رجعوا؟ فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال أنا أخوك مكان أخيك الهالك) (٣).
٢٢٤ - ومثلُه قال الشعبي: (لم يقل له أنا يوسف، ولكن أراد أن يطيّب نفسه) (٤).
٢٢٥ - قال سعيد بن جبير: (حدّث ابنُ عباس بحديث، فقال رجل عنده: الحمد لله، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. فقال ابن عباس: العالم الله. وفي لفظ: بئسما قلت، الله العليم. وهو فوق كل عالم) (٥).
٢٢٦ - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ [يوسف: ١٠٠]. قال ابن زيد: (ذاك السجود تشرفةً، كما سجدت الملائكة ﵈ تشرفةً لآدم ﵇ وليس
стр. 62
بسجود عبادة) (١).
٢٢٧ - قال المطلب بن عبد الله: (قرأ ابنُ الزبير آية فوقف عندها، أسهرته حتى أصبح، فلما أصبح قال: من حبر هذه الأمة؟ قال: قلت: ابن عباس. فبعثني إليه فدعوته، فقال له: إني قرأت آية كنت لا أقف عندها، وإني وقفت الليلة عندها فأسهرتني حتى أصبحت: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. فقال ابن عباس: لا تسهرك؛ فإنّا لم نُعنَ بها، إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخرُف: ٨٧]، فهم يؤمنون هاهنا وهم يشركون بالله) (٢).
٢٢٨ - سأل مسلمُ بن يسار سعيدَ بن جبير فقال: (يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كلَّ مبلغ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] فهذا الموت أن تظنّ الرسلُ أنهم قد كُذِبوا، أو نَظُنَّ أنهم قد كَذَبُوا "مخفّفة"؟ قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن، حتى إذا استيأس الرسلُ من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنّ قومُهم أن الرسلَ كذبَتهم: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]. قال: فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرّج الله عنك كما فرّجت عني) (٣).
٢٢٩ - قال ابن جريج: (أخبرني ابنُ أبي مليكة أن ابن عباس قرأ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول "أُخْلِفوا". قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
стр. 63
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب إلى أنهم ضعفوا فظنوا أنهم أُخلفوا. وأخبرني عروةُ عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبَته، وقالت: ما وعد الله محمدًا ﷺ من شيءٍ إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كَذَّبهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثَقّلة، للتكذيب. وفي لفظ: قال ابن أبي مليكة: قرأ ابن عباس: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] فقال: كانوا بشرًا ضعفوا ويئسوا. قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة فقال: قالت عائشة: معاذ الله، ما حدّث اللهُ رسولَه شيئًا قطّ إلا وقد علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنه لم يزل البلاءُ بالرسل حتى ظنوا أن من تبعهم قد كَذَّبوهم. فكانت تقرؤها: (قَدْ كُذِّبُوا) تثقّلها) (١).
٢٣٠ - عن مسروق: (أن رجلاً سأل ابن مسعود: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]؟ قال: هو الذي تكره: مخفّفَة) (٢).
٢٣١ - قال أبو بشر: (قال سعيد بن جبير: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] قلت: كُذِبوا؟ قال: نعم؛ ألم يكونوا بشرًا!) (٣).
стр. 64
* سورة الرعد:
٢٣٢ - قال الجارود بن أبي سبرة: (سمعني ابن عباس أقرأ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١]. فقال: ليست هناك، ولكن: (له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه)) (١).
٢٣٣ - قال مصعب بن سعد: (سألت أَبي عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أمّا اليهود فكذّبوا محمدًا ﷺ ، وأمّا النصارى كفروا بالجنة، وقالوا: لا طعامَ فيها ولا شراب، ولكن الحرورية الذين: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. فكان سعدٌ يُسمّيهم: الفاسقين) (٢).
٢٣٤ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]. قال ابن عباس ﵁: (إنما تنقص الأنفس والثمرات، وأما الأرض فلا تنقص) (٣).
٢٣٥ - قال الشعبي: (لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات) (٤).
٢٣٦ - قال عكرمة: (هو الموت، لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانًا تجلس فيه) (٥).
стр. 65
٢٣٧ - قال أبو بشر: (قلت لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] أهو عبد الله بن سلام؟ قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام! قال: وكان يقرؤها: (ومِن عِندِهِ علم الكتاب)، يقول: من عند الله) (١).
٢٣٨ - قال عبد الله بن عطاء: (كنت جالسًا مع أبي جعفر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالسًا في ناحية، فقلت لأبي جعفر: زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب ﵁ (٢).
* سورة إبراهيم:
٢٣٩ - ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]. قال القيسي: (إنا لم نسمع واحدًا من العرب يقول: ردّ يده في فيه. إذا ترك ما أُمر به، وإنما المعنى أنهم عضّوا على الأيدي حيفًا وغيظًا) (٣).
٢٤٠ - قال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]: (هي شجرة في الجنة، وفي قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] قال: هذا مثل ضربه الله، لم يخلق الله هذه الشجرة على وجه الأرض) (٤).
٢٤١ - قال سفيان بن عيينة: (لم يعبد أحدٌ من ولد إسماعيل الأصنامَ؛ لقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. قيل: فكيف لم يدخل ولدُ إسحاق
стр. 66
وسائرُ ولد إبراهيم؟ قال: لأنه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا الأصنام، ودعا لهم بالأمن فقال: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولم يدع لجميع البلدان بذلك، وقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فيه، وقد خصّ أهلَه وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) (١).
* سورة الحجر:
٢٤٢ - قال أبو معشر: (سمعت عون بن عبد الله يُذاكر محمد بن كعب في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحِجر: ٢٤]، فقال عون: خيرُ صفوف الرجال المُقدَّم، وشَرُّ صفوف الرجال المُؤخَّر، وخيرُ صفوف النساء المُؤَخر، وشرُّ صفوف النساء المُقدَّم. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ [الحِجر: ٢٤] الميت والمقتول، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحِجر: ٢٤] من يلحق بهم من بعد، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحِجر: ٢٥]. فقال عون بن عبد الله: وفقك الله، وجزاك خيرًا) (٢).
٢٤٣ - قال داود بن صالح: (قال سهل بن حنيف الأنصاري: أتدرون فيم أنزلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحِجر: ٢٤]؟ قلت: في سبيل الله. قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة) (٣).
стр. 67
٢٤٤ - معتمر بن سليمان، عن شعيب بن عبد الملك، عن مقاتل بن سليمان في قوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحِجر: ٢٤] قال: (بلغنا أنه في القتال. قال معتمر: فحدثت أبي، فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يُفرض القتال) (١).
٢٤٥ - عن علي ﵁ أنه قال لابن طلحة: (إني أرجوا أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحِجر: ٤٧] فقال رجل من همدان: إن الله أعدل من ذلك. فصاح عليٌّ صيحةً تداعى لها القصر، وقال: فمن إذن إن لم نكن نحن أولئك!) (٢).
٢٤٦ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحِجر: ٨٧]. قال الربيع عن أبي العالية في هذه الآية: (فاتحة الكتاب سبع آيات؛ وإنما سُمّيت ﴿الْمَثَانِي﴾ لأنه ثَنّى بها، كلّما قرأ القرآن قرأها. قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطِّوَل. قال: لقد أُنزلت هذه الآية وما نزل من الطِّوَل شيء) (٣).
* سورة النحل:
٢٤٧ - ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. قال مالك: (﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يقولون: النجوم. وهي: الجبال) (٤).
٢٤٨ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. قال قتادة: (أن رجلًا قال لابن عباس: إن ناسًا بالعراق يزعمون أن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة،
стр. 68
ويتأوّلون هذه الآية، فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان عليٌّ مبعوثًا قبل يوم القيامة ما نكحنا نساءَه، ولا قسمنا ميراثه، قال الله ردًّا عليهم: ﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]) (١).
٢٤٩ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧]. عطاء الخراساني عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (سألهم عمر فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنّقص ما نردّده من الآيات. فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله. فخرج رجلٌ ممن كان عند عمر فلقي أعرابيًا فقال: يا فلان، ما فعل ربّك؟ فقال: قد تخيفته. يعني: تنقصته، فرجع إلى عمر فأخبره فقال: قدّر الله ذلك) (٢).
٢٥٠ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢]. قال زرّ بن حبيش: (قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحفدة يا زرّ؟ قال: قلت: هم أحفاد الرجل من ولده وولد ولده. قال: لا، هم الأصهار) (٣).
* سورة الإسراء:
٢٥١ - عن علي بن الحسين أنه قال لرجل من أهل الشام: (أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أفما قرأت في بني إسرائيل: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]؟ قال: وإنكم للقرابة الذي أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال: نعم) (٤).
стр. 69
٢٥٢ - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. قال ابن شوذب: (جلس الحسن مع أصحابه على مائدة، فقال بعضهم: هذه المائدة تسبح الآن. فقال الحسن: كلا، إنما ذاك كلّ شيءٍ على أصله) (١).
٢٥٣ - ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الإسراء: ٤٧]. قال ابنُ قتيبة: (قال أبو عبيدة: يريدون بشراً ذا سَحْرٍ؛ ذا رِئَةٍ (٢). ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستكرَه؟! وقد سَبَقَ التفسيرُ من السلف بما لا استكراهَ فيه، قال مجاهد في قوله ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الإسراء: ٤٧]: أي: مخدوعًا. لأن السِّحْرَ حِيلةٌ وخَديعةٌ. وقالوا في قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]: أي: من تخدعون؟ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: المُعلَّلين. وقال امرؤ القيس:
ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرَاب
أي: نُعَلَّلُ فَكَأنا نُخدَع. وقال لبيد:
فإن تَسْأَلِينا فِيمَ نحنُ؟ فإننا … عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ
أي: المُعَلَّل. والناس يقولون: سَحَرْتني بكلامك. يريدون: خَدَعتَني. وقوله ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] يدلُّ على هذا التأويل؛ لأنهم لو أرادوا رجلًا ذا رِئَةٍ لم يكن في ذلك مثلٌ ضربوه، ولكنهم لمَّا أرادوا رجلًا مخدوعًا كأنه بالخديعة سُحِر كان مثلًا ضربوه، وتشبيهًا شبَّهوه. وكأنَّ المشركين ذهبوا إلى أن قومًا يعلِّمونه ويخدعونه، وقال الله في موضع آخرَ حكايةً عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقول فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى
стр. 70
مَسْحُوراً﴾ [الإسراء: ١٠١] لا يجوز أن يُراد به: إني لأظنك إنسانًا ذا رئة. وإنما أراد: إني لأظنك مخدوعًا) (١).
٢٥٤ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. قال ابن عباس ﵁: (هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسريَ به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام) (٢).
٢٥٥ - أرسل عبد الله بن الحارث بن نوفل إلى ابن عباس: (نحن الشجرة الملعونة في القرآن؟ قال: فقال: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر. يعني: الكشوث) (٣).
٢٥٦ - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢]. قال ابن عباس ﵁: (لما نزلت هذه الآية جاء ابنُ أم مكتوم إلى النبيّ ﷺ باكيًا، فقال: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]) (٤).
٢٥٧ - ومثله عن مقاتل (٥).
٢٥٨ - جاء نفرٌ من أهل اليمن إلى ابن عباس، فسأله رجل: (أرأيت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]؟ فقال ابن عباس: لم تُصب المسألة، اقرأ ما قبلها: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦]، حتى
стр. 71
بلغ: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠]. فقال ابن عباس: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قد رأى وعاين، فهو في أمر الآخرة التي لم تُر ولم تُعاين: ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢]) (١).
٢٥٩ - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. عن يزيد بن زياد أنه بلغه أن رجلين اختلفا في هذه الآية، فقال أحدهما: (إنما أُريد بها أهلُ الكتاب. وقال الآخر: بل إنه محمد ﷺ ، فانطلق أحدهما إلى ابن مسعود ﵁ فسأله، فقال: ألست تقرأ سورة البقرة؟ فقال: بلى. فقال: وأيّ العلم ليس في سورة البقرة؟! إنما أُريد بها أهلُ الكتاب) (٢).
* سورة الكهف:
٢٦٠ - قال ابن عباس ﵁: (إن الرجل ليُفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض. ثم تلا: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥]، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة وتسع سنين. قال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]، ولكنه حكى مقالة القوم فقال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، وأخبر أنهم لا يعلمون، قال: سيقولون: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥]) (٣).
стр. 72
٢٦١ - عن قتادة في حرف ابن مسعود: (وقالوا لبثوا في كهفهم) .. الآية: (يعني: إنما قاله الناس؛ ألا ترى أنه قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]) (١).
٢٦٢ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. قال الحسن: (قاتل الله أقوامًا يزعمون أن إبليس كان من ملائكة الله؛ والله تعالى يقول: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]) (٢).
٢٦٣ - ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف: ٦٥]. قال سعيد بن جبير: (قلت لابن عباس: إن نوفًا -ابن امرأة كعب- يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى. فقال: كذب عدوّ الله، حدثنا أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا .. » الحديث) (٣).
٢٦٤ - قال عبيد بن تعلى: (إن الذي كان معه فتاه ليس بموسى الذي كلم الله، ولكن كان أعلم من على ظهر الأرض، إلا الملك الذي لقي) (٤).
٢٦٥ - قال أبيّ بن كعب في قوله: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]: (لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام) (٥).
٢٦٦ - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. قال عكرمة: (قلت لابن عباس: كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟! قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار) (٦).
стр. 73
٢٦٧ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. عن عثمان بن أبي حاضر: (أن ابن عباس ذُكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في الكهف: (تغرب في عين حامية)، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية ﵁: ما نقرؤها إلا ﴿حَمِئَةٍ﴾. فسأل معاويةُ عبدَ الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتَها، فقال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن. فأرسل إلى كعب، فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي حاضر: لو أني عندكما أيدتك بكلام وتزداد به بصيرة في ﴿حَمِئَةٍ﴾، قال ابن عباس: ما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كَلَفِه بالعلم واتباعه إياه:
قد كان ذا القرنين عمرو مسلمًا … ملكًا تدين له الملوك وتحسد
فأتى المشارق والمغارب يبتغي … أسباب ملك من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: ما الثأط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود. فدعا ابن عباس غلامًا فقال له: اكتب ما يقول هذا الرجل) (١).
٢٦٨ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. قال مصعب بن سعد: (قلت لأبي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] أهم الحَروريّة؟ قال: هم أصحاب الصوامع. وفي لفظ: قال: لا، هم اليهود والنصارى، ولكن الحَروريّة قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم) (٢).
стр. 74
٢٦٩ - قال كثير بن زياد: (قلت للحسن: قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] قال: في المؤمن نزلت. قلت: أشْرَك بالله؟ قال: لا، ولكن أشرك بذلك العمل عملًا يريد به الله والناس، فذلك يرد عليه) (١).
* سورة مريم:
٢٧٠ - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٤]. قال قتادة: (تلا الحسنُ هذه الآية وإلى جنبه حُميد بن عبد الرحمن الحِميري، قال: إن كان لسريًّا، وإن كان لكريمًا. فقال حُميد: يا أبا سعيد إنه الجدول. فقال الحسن: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء) (٢).
٢٧١ - قال سفيان بن حسين: (تلا الحسنُ هذه الآية فقال: كان والله سريًّا. يعني عيسى ﵇. فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السَّريّ. فقال: صدقت) (٣).
٢٧٢ - قال جرير بن حازم: (سألني محمد بن عباد بن جعفر: ما يقول أصحابكم في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٤]؟ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول. قال: فأخبر قتادة عنّي؛ فإنما نزل القرآن بلغتنا، إنه الرجل السَّريّ) (٤).
стр. 75
٢٧٣ - قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٤]: (يعني نفسه، قال: وأيُّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون السَّريّ هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها) (١).
٢٧٤ - قال المغيرة بن شعبة: (بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» (٢).
٢٧٥ - قال ابن سيرين: (نُبئت أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت. فقال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. فسكتت) (٣).
٢٧٦ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩]. قال عمر بن عبد العزيز: (لم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت) (٤).
٢٧٧ - ومثله عن القاسم بن مخيمرة. (٥)
٢٧٨ - قال ابن مسعود ﵁: (ليس إضاعتها تركها، قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها) (٦).