مقدِّمة المستَمْلِي
الحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلامِ، وأبان لنا معالمَ الحلالِ والحرامِ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على عبدِهِ ورسولِهِ محمَّدٍ سيِّدِ المرسَلينَ وخيرِ الأنامِ، وعلى آلِهِ التقاة الكرامِ، وأصحابِهِ الهداةِ الأعلامِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ أشرفَ ما سعى في تحصيلِهِ أولو العقول - بعد كتاب الله ميراث الرسول ﷺ ، وهو الحديثُ النبويُّ، الذي هو المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن؛ فهو المبين للقرآن العظيم، والمفصل لمجملاته، والموضح لأحكامه؛ قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن؛ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؛ أي: في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد؛ فالرسول ﷺ يبين عن الله مراده مما أجمله في كتابه؛ من أحكام الصلاة والزكاة والحج، وسائر العبادات والشرائع.
ولقد عُني العلماء بالسنة أيما عناية، فصوبوا نحوها الأنظار، ووضعوا فيها الأسفار، وصنفوا في السنن والأحكام، وفي الحلال والحرام.
وإن من أجَلِّ الكتب المصنفة في أحاديث الأحكام: كتاب «بلوغ المرام، من أدلة الأحكام»، الذي ألفه الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تغمده الله برحمته؛ إذ استوعب فيه جمهرة أدلة الأحكام التي يحتاج إليها العلماء ويعتمدها المفتون، ولم يفُتْهُ إلا القليل؛ رغبة منه في الإيجاز.
وقد اعتنى الحافظ بتحرير كتابه هذا وتهذيبه، وأولاه ما أولاه من عناية، حتى بلغ به الغاية؛ ألا تراه في ديباجته يصرح بأنه: «حرره تحريرًا بالغًا؛ ليصير
стр. 2
من يحفظه من بين أقرانه نابغًا»؟، وكان الحافظ ﵀ قد صنفه في أول الأمر لابنه محمد؛ كما ذكر ذلك تلميذه السخاوي (١)، ويبدو -والله أعلم- أنه كانت له فيه نية حسنة، ومقصد صالح؛ إذ وُضع لهذا الكتاب القبول، واشتهر في الأمصار، كاشتهار الشمس في رائعة النهار، وتناوله العلماء من أهل المذاهب الفقهية المختلفة بالشرح والتعليق، وصار الكتاب منطلقًا لتدريس السنة والفقه ونفع الله به الأمة نفعًا نرجو أن يعود بره إلى مؤلفه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ومن آثار العناية ب «بلوغ المرام»: ما رأيناه من الشروح التي كتبت عليه وقد صدر منها طائفة لعدد من العلماء من المتقدمين والمتأخرين، ولكل درجات مما عملوا، وهذه الشروح -على التحقيق- يُكمِّل بعضها بعضًا، ولا يغني شرح عن شرح لدى العالم المفيد، والطالب المستزيد؛ وإن كان بعضها أتم من بعض وأجمع؛ لأن مادة الكتاب هي من الكلام النبوي، والمنهل العذب الروي؛ فإن كلام النبي ﷺ مبارك كثير العطاء، وكلما زدته نظرًا، زادك معنى؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من أصغى إلى كلام الله، وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة .. ما لا يجده في شيء من الكلام؛ لا منظومه، ولا منثوره» (٢).
وإن ممن اعتنى بهذا الكتاب المبارك في هذا العصر شيخنا العلامة أبا عبد الله عبد الرحمن بن ناصر البراك -وفَّقه الله لمرضاته، ومتَّعنا الله بحياته-؛ إذ حفظه يافعًا، وتفقه به على شيوخه الأماجد، ثم درَّسه سنين عددًا في المساجد، وفي كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وصارت له به عناية خاصة.
_________
(١) في «الجواهر والدرر، في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» (٣/ ١٢٢٠).
(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٨).
стр. 3
وقد كان من فضل الله عليَّ وفضله عليَّ عظيم- أن حبب إليَّ طلب العلم، ويسَّر لي ملازمة هذا العالم الجليل، الذي فتح لي صدره قبل بيته، إذْ أقامني من نفسه مقام أعز أصفيائه، بل مقام أبنائه، وغمرني بكرمه، وجاد عليَّ بعلمه؛ وذلك من أعلى الجود (١)؛ فلا عليَّ بعد هذا أن أخاطبه -أعزه الله- بقول الأول:
بِكَ اهْتَزَّ غُصْنِي فِي رِيَاضِكَ مُثْمِرًا … وَرَاقَتْ لِيَ الدُّنْيَا وَرَاقَ نَظِيرُهَا
أحسن الله إليه، وجزاه أعظم ما جزى شيخًا عن تلاميذه.
وإن أحب الساعات إلى قلبي -بعد عبادة الله تعالى- ساعة أجلس فيها إلى هذا العالم الرباني، فأنهل من حياضه، وأطوف في رياضه، وأتفقه بفقهه، وأتأدب بأدبه، ولا تجد أحسن من حديثه إذا تكلم؛ حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع:
لَقَدْ كَانَ لِي رَوْضَةً عَذْبَةً … مَوَارِدُهَا فِي فَمِ الصَّادِرِ
أُقَلِّبُ طَرْفِي بِأَرْجَائِها … فَيَرْتَعُ فِي مُونِقٍ زَاهِرِ
نفعنا الله بعلمه، وثاقب فهمه، وثبتنا وإياه على صراطه المستقيم، ودينه القويم.
لقد طلبت من شيخنا أنْ أقرأ عليه «بلوغ المرام»؛ ليُتْحفني بالفوائد والأحكام التي تضمنتها أحاديثه؛ فإنها الغاية التي يسعى إليها دارسو الكتاب من المتعلمين والطلاب، وهي أصل العلم وقاعدته، فأجابني إلى ذلك، وتبسَّط في الكشف عن مقاصد الأحاديث وفوائدها وأحكامها الفقهية والسلوكية وغيرها، في درس لم يحضره غيري، ولا سمعه سواي، وشرعت أكتب كلامه كله لنفسي، لما أعلم ويعلم غيري من غزارة علم الشيخ، وحسن فهمه، ودقة استنباطه، ومتانة اختياراته، وجميل عباراته؛ فهي - ولا غرو - أنقى من الراحة،
_________
(١) ينظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٢٩٣).
стр. 4
وأصفى من الزجاجة، وأحلى من الماء العذب، هذا؛ إلى ما هو معلوم من حسن أدب شيخنا مع الأئمة وأعلام الأمة.
وكنت استأذنته -حفظه الله-، في أن أقرأ عليه في نهاية كل درس ما دونته من فوائد الأحاديث، فكان يُقِرُّها أحيانًا، وربما زاد فيها في أحايين أخرى.
وحين سمع الأشياخ وطلاب العلم من تلاميذ شيخنا وغيرهم بهذا الشرح، أشاروا عليَّ بنشره؛ تعميمًا للفائدة به، وحفظًا له من الضياع، وترقبًا في أن يكون هذا العمل لشيخنا ولكاتبه ذخرًا صالحًا عند الله تعالى، فَراقَني ما رَأَوا، وأعجبني ما أبدَوا، وقلت في نفسي: هذا - والله - الرأي المنير، ولا ينبئك مثلُ خبير، وعرضت الأمر على شيخنا العلامة - أيَّده الله - فوافق عليه، كما وافق على نظري بتسميته:
الجامع لفوائد بلوغ المرام
لأن هذا الشرح -كما سيبدو للمُنصف- أجمعُ من غيره لفوائد الكتاب المذكور، فهو واسطة العقد من هاتيك الشروح؛ إذْ جمع فأوعى، وتقدم في هذا المضمار جنسًا ونوعا، وإذا طالعه العارفون علموا بلا شك ولا مرا، أن كلَّ الصيد في جوف الفَرا.
وبعد؛ فيا طالب العلم، دونك كتابًا جليلًا، حوى من غُرَر الفوائد، ودُرَر الفرائد، ما يشهد لصاحبه بالعلم الغزير، والتوفيق الكبير، وبالتجرد في اتباع الدليل، وسلوك سواء السبيل.
стр. 5
ولقد صيغ الكتاب بلغة عالية سهلة، وحررت عباراته أيما تحرير، فجاءت كنسج الحرير، كما لا يخفى على العالم النحرير والناقد البصير:
كِتَابٌ عَلَيْهِ بَهْجَةٌ وَجَلَالَةٌ … وَفِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ حُسْنٌ وَرَوْنَقُ
فَفِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْهُ عِقْدٌ مُنَظَّمٌ … وَمِنْ كُلِّ حَرْفٍ نَفْحَةُ الْمِسْكِ تَعْبَقُ
هذا؛ وقد سبرتُ الكتاب فرأيته صالحًا -إن شاء الله- لجميع الطبقات:
- فهو نافع للعلماء من جهة استقصاء الفوائد الحديثية والفقهية، والإشارة إلى وجوه الخلاف ومآخذها، على بعد من التفصيل الذي يحير الأفهام، ويوقع في الظلام.
- كما أنه مفيد للطلاب من جهة اختصاره، وبيان وجوه الاستشهاد في الحديث.
- وهو أيضًا: نافع لعامة الناس؛ لوضوح عبارته، ولما حواه فيه من الكشف عن سماحة الإسلام، وأسرار التشريع؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ والله ذو الفضل العظيم.
ولهذا؛ فإني أرشح لأئمة المساجد: أن يقرؤوا هذا الكتاب على المصلين؛ ويشرحوا ما شاؤوا من عباراته ولطيف إشاراته، وهذا من أحسن الوسائل لتفقيه المسلمين وأيسرها، وإنها لوصية مجرب، فاشدد بها يديك.
وأيًّا ما كان؛ فإني أحسب أن كل من قرأ الكتاب، انتفع به -إن شاء الله-، مع توفيق الله؛ كما قال الشاطبي ﵀ في خاتمة قصيدته الشهيرة «حرز الأماني»:
فَهَذَا مَعَ التَّوْفِيقِ كَافٍ مُحَصِّلَا
أسأل الله أن يجزي شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك خيرًا عن العلم وأهله، وأن يبارك في عمره وعلمه وعمله، كما أسأله سبحانه لهذا
стр. 6
الكتاب أن يحسُنَ وقعُه ويعُمَّ نفعُه، وأن يُتهِمَ ويُنجِدَ في البلاد، وأن ينفع الله به الحاضر والباد.
فاللهم اكتب له القبول، يا خير مأمول، وأكرم مسؤول، وانفع به من أملاه، ومن كتبه، ومن قرأه، ومن قرئ بين يديه، ومن أشار به، ومن دل عليه، ومن نشره، ومن طبعه؛ إنك يا ربنا بكل جميل كفيل، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم على نبي الرحمة والملحمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب ذلك
أ. د. عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر
سَلْخَ ذي القَعدة ١٤٣٦ هـ
стр. 7
ترجمةُ الشارحِ (حفظَهُ الله)
* * *
اسمُهُ ونسبُهُ:
هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن برَّاك بن إبراهيم البرَّاك، ينحدر نسبه من بطن العرينات، والمشهور عند العرينات: أنَّهم ينحدرون في نسبهم من قبيلة سبيع.
ميلادُهُ ونشأتُهُ:
ولد الشيخ في بلدة البكيريَّة من منطقة القصيم، في شهر ذي القعدة، سنة (١٣٥٢ هـ).
وتوفِّي والده وعمره سنةٌ، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمِّه، فتربَّى خير تربية.
ولمَّا بلغ الخامسة من عمره، سافر مع أمِّه إلى مكة، وكان في كفالة زوج أمِّه مُحمَّد بن حمودٍ البرَّاك.
وفي مكة التحق الشيخ بالمدرسة الرَّحمانيَّة، وهو في السنة الثانية الابتدائيَّة، وقدَّر الله أن يصاب بمرضٍ في عينيه، تسبَّب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره، ونحسب أنَّ الله عوَّضه البصيرة والرشد؛ بفضله ومِنَّته.
طلَبُهُ للعلمِ ومشايخُهُ:
عاد الشيخ من مكة إلى البكيريَّة مع أسرته، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا، على عمِّه عبد الله بن منصورٍ البرَّاك، ثم قرأ على مقرئ البلد عبد الرحمن بن سالمٍ الكريديس؛ ﵏.
стр. 8
وفي عام (١٣٦٤ هـ)، و (١٣٦٥ هـ): بدأ الشيخ حضور الدروس، والقراءة على العلماء؛ فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبيِّل ﵀ جملةً من «كتاب التوحيد» للشيخ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب ﵀، و «الآجرُّوميَّة» في العربيَّة، وقرأ «الأصول الثلاثة» للشيخ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب، على الشيخ مُحمَّد بن مقبلٍ قاضي البكيريَّة إذ ذاك ﵀.
ثمَّ سافر إلى مكة مرةً أخرى مع أهله في عام (١٣٦٦ هـ) تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في مكَّة على الشيخ عبد الله بن مُحمَّد الخليفيِّ ﵀، إمام المسجد الحرام، في «الآجرُّوميَّة»، وكانت القراءة في رباط الشاميَّة.
وحضر في الحرم المكيِّ دروس العلَّامة الفقيه مُحمَّد بن عبد العزيز المانع أول مديرٍ للمعارف السعوديَّة، كما حضر دروس الشيخ عليٍّ الهنديّ، وكانت أغلب دروسه في الفقه، ثمَّ التقى هناك بالشيخ العالم صالح بن حسينٍ العليِّ العراقيِّ ﵀ (١)، وكان من كبار تلاميذ العلَّامة الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعوديَّة ﵀؛ فعني الشيخ صالحٌ بالشيخ عبد الرحمن لما رأى من ذكائه وألمعيَّته، وجعل يدارسه العلم، واستفاد الشيخ عبد الرحمن منه كثيرًا.
ثمَّ إنَّ الشيخ عبد الرحمن -إذ ذاك- قام لديه ولدى أهله عزمٌ على أن يرتحل إلى الرياض لطلب العلم على يد العلَّامة الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، وفي تلك الأثناء لم يلبث الشيخ صالح بن حسينٍ العليُّ أن عيِّن مديرًا للمدرسة العزيزيَّة في بلدة الدِّلم (٢)، ويبدو أنَّ هذا التعيين كان برغبته؛ ليلتقي
_________
(١) توفِّي في مكة ٤ صفر ١٤٠٥ هـ، ودفن في مقبرة العدل، وكان قدم في شبابه من العراق إلى المملكة لطلب العلم، فاستفاد علمًا كثيرًا، وأفاد، وكان معروفًا بحبِّ السُّنَّة والتمسُّك بالدليل، ولي عدة أعمالٍ، من آخرها تولِّيه التدريس في الجامعة الإسلاميَّة ﵀.
(٢) جنوبيَّ الرياض العاصمة، تبعد عنها حوالي ١٠٠ كلم.
стр. 9
هناك بصديقه الكبير وزميله في الطلب العلَّامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀، وكان قاضي الدِّلم حينذاك.
ولقد حرص الشيخ صالحٌ على أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن إلى الدِّلم؛ حفاوةً به، وإكمالاً لسيره في العلم، فاستأذن الشيخ صالحٌ والدة الشيخ عبد الرحمن في ذلك، فأذنت له، وكان هذا بتيسير الله ولطفه؛ لأنَّه كان يؤمِّل أن يكون من حملة العلم البارزين، وهذا ما كان يحدِّث به الشيخ صالحٌ، وممَّن روى عنه ذلك الشيخ الفاضل عبد الرحمن الجلَّال ﵀، من أعيان الدِّلم، قال: سمعنا الشيخ صالحًا يقول: «إن أحياكم الله سترون لهذا الشابِّ شأنًا»، وصدقت فراسة الشيخ صالحٍ؛ فقد أصبح الشيخ عبد الرحمن أحد كبار العلماء في هذا العصر؛ نسأل الله أن يجزي الشيخ صالحًا أحسن ما جزى عالمًا عن تلاميذه.
وكان ارتحال الشيخ عبد الرحمن مع شيخه العراقيِّ إلى الدِّلم في ربيعٍ الأوَّل من عام (١٣٦٩ هـ)، وهناك التحق بالمدرسة العزيزيَّة في الصفِّ الرابع، وكان من أهمِّ ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد التجويد الأساسيَّة، وجعل هناك يختلف إلى حلقة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، وتعرَّف عن كثبٍ إلى كبار تلاميذه؛ من أمثال الشيخ عبد الله بن قعودٍ ﵀، والشيخ راشد بن خنينٍ ﵀، وغيرهما.
وفي السنة نفسها سافر مع جمعٍ من الطلاب مع الشيخ ابن بازٍ إلى الحجِّ، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة العزيزيَّة، وآثر الانكباب على العلم وحفظ المتون مع طلاب الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، ولازم دروس الشيخ ابن بازٍ المتنوِّعة، بعد الفجر، وبعد المغرب، وبعد الظهر أحيانًا، فقد كان يقرأ عليه في: «كتاب التوحيد»، و «الأصول الثلاثة»، و «عمدة الأحكام»، و «بلوغ
стр. 10
المرام»، و «مسند أحمد»، و «تفسير ابن كثيرٍ»، و «الرَّحبيَّة»، و «الآجرُّوميَّة»، وغيرها.
ومكث الشيخ عبد الرحمن في الدِّلم في رعاية الشيخ صالحٍ العراقيِّ؛ فقد كان مقيمًا في بيته، ودرس عليه علم العروض، وكان الشيخ صالحٌ بارعًا في هذا العلم؛ كما كان يجيد نظم الشعر التعليميِّ، وغيره، وله قصائد جيادٌ.
وحفظ الشيخ عبد الرحمن في بلدة الدِّلم كتبًا ومتونًا، منها: «كتاب التوحيد»، و «الأصول الثلاثة»، و «الآجرُّوميَّة»، و «قطر الندى»، و «نظم الرَّحبيَّة»، كما حفظ قدرًا من «ألفيَّة ابن مالك»، ومن «ألفيَّة العراقيِّ» في علوم الحديث.
وبقي في الدِّلم إلى أواخر سنة (١٣٧٠ هـ)، وكانت إقامته في الدِّلم لها أثرٌ كبيرٌ في حياته العلميَّة.
ثم لمَّا أعلن عن فتح المعهد العلميِّ في الرياض في عام (١٣٧٠ هـ)، انتقل إليه كثيرٌ من طلاب المشايخ، ومنهم طلاب الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، فاضطرَّ الشيخ للتسجيل فيه، وبدأت دراسة أوَّل دفعةٍ فيه في محرَّمٍ سنة (١٣٧١ هـ)، وكانت الدراسة في المعهد تتكوَّن من مرحلتين؛ تمهيديَّةٍ: للمبتدئين الصِّغار، وثانويَّةٍ: لمن بعدهم، والتحق به كثيرٌ من طلاب العلم في وقتها، وكانت الدراسة الثانويَّة أربع سنوات، فتخرَّج الشيخ عام (١٣٧٤ هـ)، والتحق بكليَّة الشريعة، وتخرَّج فيها سنة (١٣٧٨ هـ)، مع الدُّفعة الثالثة، وكان ترتيبه الثاني على زملائه البالغ عددهم أربعةً وأربعين طالبًا، كما في سجلِّ جامعة الإمام مُحمَّد بن سعودٍ الإسلاميَّة الصادر عام (١٤٠٢ هـ). وكان من زملائه في تلك الدُّفعة: الشيخ الفقيه عبد العزيز الداوود ﵀، والشيخ مُحمَّد بن صالحٍ المنصور عالم بريدة المشهور ب «المنسلح» ﵀، والشيخ صالحٌ الأطرم ﵀.
وقد تلمذ الشيخ في المعهد والكليَّة لمشايخ كثيرين، من أبرزهم:
стр. 11
العلَّامة عبد العزيز بن بازٍ، والعلَّامة مُحمَّدٌ الأمين الشِّنقيطيُّ، ودرَّسهم في المعهد في التفسير، وأصول الفقه، والعلَّامة عبد الرزَّاق عفيفي، ودرَّسهم في التوحيد، والنحو، وأصول الفقه، والشيخ مُحمَّد عبد الرزَّاق حمزة، والشيخ الفرضيُّ عبد العزيز بن ناصرٍ الرَّشيد، والشيخ الفرضيُّ عبد الله الخليفيّ، والشيخ عبد الرحمن الإفريقيّ، والأستاذ النحويُّ عبد اللطيف سرحان الأزهريّ، في آخرين؛ ﵏ جميعًا.
وكان الشيخ عبد الرحمن في تلك المدة يحضر بعض دروس العلَّامة مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.
وأكبر مشايخ الشيخ عبد الرحمن وأعظمهم أثرًا في نفسه: العلَّامة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀؛ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا؛ بدءًا من عام (١٣٦٩ هـ)، إلى وفاته في عام (١٤٢٠ هـ)، ثم شيخه العراقيُّ الذي استفاد منه حبَّ الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم اللغة؛ كالنحو، والصرف، والعروض.
الأعمالُ التي تولَّاها:
لما تخرَّج الشيخ عبد الرحمن في الكليَّة، صدر أمر الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاة لعصره: بتعيين الشيخ عبد الرحمن قاضيًا في مدينة شقراء (١)، فتوجَّه الشيخ عبد الرحمن إلى الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ مدير الكليَّات والمعاهد العلميَّة: أن يشفع لدى أخيه الشيخ مُحمَّدٍ: أن يعفيه من القضاء، فلمَّا لقيه، بادره الشيخ عبد اللطيف قائلاً: «إنَّ الشيخ مُحمَّدًا أصدر أمره أن تكون قاضيًا لشقراء، ولكنِّي رغبت في أن تكون مُدرِّسًا في المعهد العلميِّ؛ فوافق الشيخ مُحمَّدٌ على ذلك، والحمد لله؛ فإنِّي حريصٌ على انتقاء المُدرِّسين، كحرص الشيخ مُحمَّدٍ على انتقاء القضاة».
_________
(١) تبعد عن الرياض قرابة (١٨٠) كلم، من الناحية الشماليَّة الغربيَّة منه.
стр. 12
وصدر القرار بتعيين الشيخ مُدرِّسًا في «المعهد العلميِّ» في مدينة الرياض عام (١٣٧٩ هـ)، وبقي فيه ثلاثة أعوامٍ، ثم نقل بأمر الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم إلى كليَّة الشريعة بالرياض عام (١٣٨١ هـ)، وتولَّى هناك تدريس العلوم الشرعيَّة.
وهنا أقف لأدوِّن ما سمعته من معالي الشيخ إبراهيم ابن الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ وزير العدل الأسبق ﵀؛ حين زرتُه صحبة شيخنا الشيخ عبد الرحمن، في أوائل رمضان لعام (١٤١٢ هـ)؛ إذ قال لشيخنا الشيخ عبد الرحمن -بعد كلامٍ-: «إنَّ الوالد [يريد: الشيخ مُحمَّدًا] يجلُّك كثيرًا، ويذكرك بالخير».
ولمَّا افتتحت كليَّة أصول الدين عام (١٣٩٦ هـ)، صُنِّف الشيخ عبد الرحمن في أعضاء هيئة التدريس في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ونُقل إليها، وتولَّى التدريس في هذه الكليَّة إلى أن تقاعد في عام (١٤٢٠ هـ)، وأشرف خلالها على عشرات الرسائل العلميَّة.
وبعد التقاعد رغب مسؤولو الجامعة في التعاقد معه، فأبى؛ اكتفاءً بما قدَّم، وتفرُّغًا لدروسه في المساجد؛ كما طلب إليه سماحة الشيخ ابن بازٍ ﵀: أن يتولَّى العمل في الإفتاء مرارًا، فامتنع؛ للسبب نفسه؛ فرضي منه الشيخ ابن بازٍ أن يُنيبه على الإفتاء في دار الإفتاء في الرياض، في فصل الصيف؛ حين ينتقل المُفتون إلى مدينة الطائف؛ فأجاب الشيخ حياءً من شيخه؛ إذ تولَّى العمل مرتين، ثم تركه.
وأشهد أنَّ الشيخ عبد العزيز بن بازٍ كان كثير التقدير لتلميذه الشيخ عبد الرحمن مُجِلًّا له؛ لعلمه وفضله، ولقد شهدتُ مواقف كثيرةً جدًّا تدلُّ على ذلك، أحدها في منزلي.
وحين انتقل الشيخ عبد العزيز إلى الرياض سنة (١٣٩٥ هـ)، في إثر تعيينه رئيسًا لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء والدعوة والإرشاد، وصار إمامًا ل «الجامع الكبير» (جامع الإمام تركي بن عبد الله الآن)، طلب إلى الشيخ عبد
стр. 13
الرحمن أن يكون نائبًا له في الإمامة في حال غيابه في الصيف، وفي غير ذلك؛ فاعتذر الشيخ عبد الرحمن بكونه إمامًا في مسجد حيِّه، وبأنَّ له دروسًا هناك قائمةً وطلَّابًا ملازمين له.
ثم عرض الشيخ عبد العزيز ذلك على الشيخ الصالح فهد بن حميِّن ﵀، فاعتذر أيضًا، ثم عرض ذلك على شيخنا الفقيه الكبير عبد الله بن جبرين ﵀، فقبل ذلك، واستمرَّ إمامًا نائبًا عن الشيخ عبد العزيز مدةً طويلةً، إلى أن هُدم الجامع وأُعيد بناؤه عام (١٤٠٨ هـ)، ثم صار إمامه الرسميُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العامِّ للمملكة حاليًّا، ولا يزال إمامًا حتى تحريره؛ وفَّقه الله وأعانه، ونفع به وبعلمه.
وبعد وفاة الشيخ ابن بازٍ ﵀: طلب إليه سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضوًا في الإفتاء، وألحَّ عليه في ذلك، فامتنع، وآثر الانقطاع للتدريس في المساجد.
جهودُهُ في نشرِ العلمِ:
جلس الشيخ عبد الرحمن -ولا يزال- للتعليم في مسجده الذي يتولَّى إمامته، وهو مسجد الخليفيِّ بحيِّ الفاروق بمدينة الرِّياض -حرسها الله تعالى-، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير، وأصوله، والحديث، والعقيدة، والنحو، وغيرها، كما أنَّ له دروسًا في بيته مع بعض خاصَّة طلابه، وله دروسٌ منتظمةٌ في مساجد أخرى في مدينة الرياض، وله دروسٌ أخرى مع طلابٍ عبر الهاتف من داخل المملكة وخارجها، وله مشاركاتٌ متكرِّرةٌ في الدَّورات العلميَّة المكثَّفة التي تقام في الصيف، إضافةً لإلقائه كثيرًا من المحاضرات والكلمات الدَّعويَّة، وإجابته عن الأسئلة المعروضة عليه من عددٍ من أشهر المواقع الإسلاميَّة في الشَّبكة العالميَّة، وله موقعٌ يحمل مؤلَّفاته وفتاواه.
стр. 14
وقد تلمذ للشيخ خلائق من طلاب العلم يتعذَّر على العادِّ حصرهم؛ من المملكة العربيَّة السعوديَّة، وغيرها؛ لأنَّ الشيخ جلس للتدريس منذ أكثر من نصف قرنٍ، وكثيرٌ من أساتذة جامعاتنا الشرعيَّة، والدعاة المعروفين، قد تلمذوا له.
وبعد أن يسَّر الله جملةً من الوسائل الحديثة؛ كالشَّبكة العالميَّة، تمكَّن كثيرٌ من طلاب العلم في خارج البلاد من متابعة دروس الشيخ على الهواء مباشرةً، عن طريق موقع البثِّ الإسلاميِّ وغيره.
احتسابُهُ:
للشيخ جهودٌ كبيرةٌ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، والتحذير من البدع، وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى كثيرةٌ.
إنتاجُهُ العلميُّ:
توافرت للشيخ -بفضل الله- آلات التأليف؛ من الفهم الدقيق، والحافظة القويَّة، وسعة الاطلاع، ولكنَّه بذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة التي ترد عليه من أنحاء العالم شفويًّا وكتابيًّا، وكثيرٌ منها في مسائل دقيقةٍ ونوازل، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سجِّل بعضها، وما لم يسجَّل أكثر، وما زالت دروسه عامرةً بفضل الله ومنِّه، ومع ذلك فقد صدر للشيخ عددٌ من المؤلَّفات المطبوعة، انتفع بها الكثير، وذلك لما فيها من التحقيق والتحرير؛ منها:
١ - فوائد جزء تبارك.
٢ - شرح الرسالة التَّدمريَّة.
٣ - جوابٌ في الإيمان ونواقضه.
стр. 15
٤ - موقف المسلم من الخلاف.
٥ - التعليقات على المخالفات العقديَّة في فتح الباري.
٦ - توضيح مقاصد العقيدة الواسطيَّة.
٧ - شرح العقيدة الطحاويَّة.
٨ - الفوائد المستنبطة من الأربعين النوويَّة.
٩ - شرح نواقض الإسلام.
١٠ - شرح حائيَّة ابن أبي داود.
١١ - شرح داليَّة أبي الخطَّاب الكلوذانيِّ.
١٢ - إرشاد العباد، إلى معاني لمعة الاعتقاد.
١٣ - التعليق على القواعد المثلى.
١٤ - شرح كلمة الإخلاص لابن رجبٍ.
١٥ - شرح بلوغ المرام؛ وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.
وثمَّة مؤلَّفاتٌ أخرى للشيخ وفتاوى، في مجلَّداتٍ قيد الطبع؛ يسَّر الله صدورها.
وفي حياة الشيخ جوانب كثيرةٌ مشرقةٌ أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمدَّ فيه على الطاعة، وأن ينفع المسلمين بعلمه، كما أسأله تعالى أن يجزي خيرًا كلَّ من أسهم في نشر مؤلَّفاته، أو دلَّ عليها، وأن يوفِّق الجميع لهداه ومرضاته؛ إنَّه سميعٌ قريب.
стр. 16
مقدِّمةُ الشَّارحِ (حفظهُ الله)
* * *
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي منَّ على المؤمنين، ببعثة خاتم النبيين، يعلمهم ويزكيهم ويتلو عليهم الكتاب المبين، وقيَّض له الحملة العادلين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتَّابعين،
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ «بلوغ المرام» تأليف الحافظ ابن حجرٍ قال عنه مؤلِّفه في مقدِّمته: «حرَّرته تحريرًا بالغًا؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدي، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي»؛ وهو كما قال ﵀؛ فإنه انتخبه من دواوين السُّنَّة؛ خصوصًا «الصحيحين»، و «السنن الأربعة»، و «مسند الإمام أحمد»، وقد رتَّبه على أبواب الفقه المعروفة؛ العبادات والمعاملات، إلى كتاب القضاء والشهادات، وختمه بكتابٍ جامع، فضمَّنه جملةً من أحاديث الفضائل والأدعية والأذكار، وختمه بما ختم به البخاريُّ «الجامع الصحيح»، وهو قوله ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنْ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانْ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانْ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ».
وقد اعتنى العلماء وطلاب العلم بهذا المصنَّف شرحًا وتدريسًا وحفظًا؛ لذلك رأيت المشاركة في خدمة هذا الكتاب المبارك، وتقريب ما تضمَّنته أحاديثه بتدوين فوائدها، مما يسَّر الله استنباطه منها، مما يعين المعلِّم والطالب على فهم مقاصد هذه الأحاديث، ومناسبتها لأبوابها، وقد سمَّيته:
стр. 17
الجامع
لفوائد بلوغ المرام
أسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ولا بدَّ في هذا المقام من التنويه بجهد أخي الكريم الفاضل الشيخ الأستاذ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر؛ فإنَّه الذي اقترح عليَّ إملاء فوائد الأحاديث في هذا الكتاب، فأجبتُه إلى ذلك، وأمليتُ عليه ما تيسَّر استنباطه، وما أفدتُه بمراجعتي بعض الشروح، وكان ذلك بمساعدة الشيخ الفاضل عبد المحسن؛ فأسأل الله أن يجزيه خيرًا، وأن يشكر مسعاه، وأن يبارك له في علمه وعمله؛ إنه تعالى سميع الدعاء.
قال ذلك
عبد الرحمن بن ناصر البراك
стр. 18
مقدِّمةُ الحافظِ ابنِ حجرٍ العَسْقلانيِّ ﵀
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله على نِعمه الظَّاهرةِ والباطنةِ قديمًا وحديثًا، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّه ورسولِه محمَّدٍ وآلِه وصحبِه الذين ساروا في نُصرة دينِه سيرًا حثيثًا، وعلى أتباعِهم الذين وَرِثوا عِلمهم -والعلماءُ ورثةُ الأنبياءِ- أكرِمْ بهم وارثًا وموروثًا. أمَّا بعد:
فهذا مختصرٌ يشتملُ على أُصول الأدلَّةِ الحديثيةِ للأحكام الشرعيةِ، حرَّرتُه تحريرًا بالغًا، ليَصيرَ مَنْ يحفظُه مِنْ بين أَقرانِه نابغًا، ويستعينَ به الطالبُ المبتدي، ولا يستغني عنه الرَّاغبُ المُنتهي.
وقد بيَّنتُ عَقِبَ كلِّ حديثٍ مَنْ أخرجَه من الأئمة؛ لإرادةِ نُصحِ الأُمَّةِ:
فالمرادُ بالسَّبعة: أحمدُ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه.
وبالسِّتَّةِ: مَنْ عدا أحمدَ.
وبالخمسة: مَنْ عدا البخاريَّ ومسلمًا. وقد أقول: الأربعةُ وأحمدُ.
وبالأربعة: مَنْ عدا الثلاثةَ الأُوَل.
وبالثلاثة: مَنْ عداهم وعدا الأخيرَ.
وبالمتفق عليه: البخاريُّ ومسلمٌ، وقد لا أذكرُ معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مُبيَّنٌ.
وسمَّيتُه: «بُلوغُ المَرامِ مِنْ أَدلَّةِ الأحكامِ».
واللهَ أسألُ ألَّا يجعلَ ما علمناه علينا وبالًا، وأن يرزقنا العملَ بما يُرضيه .
стр. 19
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
стр. 20
بَابُ المِيَاهِ
(١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز ركوب البحر. وقد دلَّ القرآن على ركوبه للتِّجارة ونحوها، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (١٢)﴾ [الجاثية: ١٢].
٢ - أنَّ من نعم الله على العباد تسخير البحر لهم، وقد امتنَّ الله في كتابه بذلك.
٣ - الشُّبهة في طهوريَّة ماء البحر عند السَّائل، وهي شدَّة ملوحته.
٤ - إزالة الشُّبهة والإشكال بسؤال أهل العلم.
٥ - طهوريَّة ماء البحر، وتأكيد ذلك بالحصر «هُوَ الطَّهُور».
٦ - تأكيد الفتوى للسَّائل إذا دعت الحاجة.
٧ - استحباب زيادة المفتي على جواب السُّؤال ما تدعو إليه حاجة السَّائل، وذلك من فقهه ونصحه.
стр. 21
٨ - أنَّه لا فرق بين ماء البحر وغيره من المياه؛ كماء المطر، وماء العيون، ونحوها.
٩ - حلُّ ميتة البحر، وهي ما مات فيه أو خارجه من جميع حيوانه وهو ما لا يعيش إلَّا فيه، إلَّا ما ثبت ضرره.
١٠ - تخصيص القرآن بالسُّنَّة، وذلك في حكم الميتة، فقد دلَّ القرآن على تحريم الميتة مطلقًا، ودلَّ الحديث على حلِّ ميتة البحر.
* * * * *
(٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ (١).
(٣) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجهْ، وَضَعَّفَهُ أبو حَاتِمٍ (٢).
(٤) وَلِلْبَيْهَقِيِّ: «الْمَاءُ طَهورٌ إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ جنس الماء طهورٌ؛ أي: طاهرٌ مُطهِّرٌ، فيعمُّ جميع المياه.
٢ - طهوريَّة ماء البحر.
٣ - طهوريَّة الماء المتغيِّر بالطَّاهر، ما لم يغلب على اسم الماء.
стр. 22
٤ - طهوريَّة الماء المستعمل في طهارةٍ واجبةٍ من وضوءٍ أو غسلٍ، أو غسل يد قائمٍ من نوم ليلٍ.
٥ - أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النَّجاسة قليلاً كان أو كثيرًا، إلَّا أن يتغيَّر أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه؛ لحديث أبي أمامة ﵁ -وإن كان ضعيفًا- وللإجماع على معناه (١)، وأمَّا القليل (وهو ما دون القلَّتين) ففيه نزاعٌ؛ لحديث ابن عمر ﵃ الآتي.
٦ - أنَّه لا فرق بين ورود الماء على النّجاسة وورودها عليه.
٧ - التَّيسير في حكم الماء.
٨ - طهوريَّة ماء بئر بضاعة التي كانت سبب الحديث، وأنَّها لم تتغيَّر بما يقع فيها من أقذارٍ.
٩ - تواضعه ﷺ ؛ حيث يستقى له ممَّا يستقي منه سائر النَّاس (٢).
* * * * *
(٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، وَفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجُسْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ (٣).
стр. 23
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - انقسام الماء من حيث حكم ما لاقى النَّجاسة منه.
٢ - الفرق بين ما بلغ قلَّتين، وما دون القلَّتين من حيث حمل النَّجاسة، وهو تنجُّسه بها.
٣ - أنَّ ما بلغ قلَّتين من الماء لا ينجس بملاقاة النَّجاسة، إلَّا إن تغيَّر أحد أوصافه كما تقدَّم، وهذا منطوق الحديث.
٤ - أنَّ ما دون القلَّتين ينجس بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة، وهذا مفهوم الحديث، فمن ذهب من العلماء إلى الأخذ بمفهومه ورأى أنَّ الحديث صحيحٌ، خصَّ بمفهومه حديث بئر بضاعة، فحمل حديث أبي سعيدٍ ﵁ في بئر بضاعة على حديث ابن عمر ﵃ هذا، والذين لم يأخذوا بحديث ابن عمر ﵃ أجابوا عنه تارةً بالطَّعن فيه بالاضطراب، وتارةً بأنَّ دلالة المفهوم ضعيفةٌ، أو لا عموم لها، وتارةً بالاختلاف في مقدار القلَّتين، وبأنَّ تحديد الكثير بالقلَّتين لا يتيسَّر ضبطه لأكثر النَّاس، مع أنَّه متعلِّقٌ بما هو من أهمِّ أحكام الدِّين وهو الطَّهارة، وعليه؛ فالرَّاجح هو: الأخذ بمنطوق حديث أبي سعيدٍ ﵁، وهو أنَّ الماء لا ينجس إلَّا أن يتغيَّر بنجاسةٍ قليلاً كان أو كثيرًا.
* * * * *
(٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
стр. 24
(٧) وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (١).
(٨) وَلِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ» (٢).
(٩) وَلأَبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ» (٣).
* * *
في الحديث بمجموع الروايات فوائد، منها:
١ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم؛ وهو الذي لا يجري، كما جاء عند البخاريِّ (٤) ومسلمٍ من حديث أبي هريرة (٥) ﵃.
٢ - النَّهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدَّائم. كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلمٍ، وكما في رواية أبي داود.
٣ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم ثمَّ الاغتسال فيه، كما في رواية البخاريِّ.
٤ - النَّهي عن البول في الماء الدَّائم ثمَّ الاغتسال منه مطلقًا؛ لطهارةٍ أو غيرها، كما في رواية مسلمٍ: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».
٥ - أنَّ هذه الأحكام للماء الدَّائم قليلاً كان أو كثيرًا، وقد قال بظاهره بعض أهل العلم، وهم الذين لا يفرِّقون بين قليل الماء وكثيره، وقالوا: لا يجوز البول في الدَّائم ولا الاغتسال فيه من الجنابة، وإن كان كثيرًا، إلَّا المستبحر؛ وهو الذي يشبه البحر في كثرته.
стр. 25
وأمَّا الذين يقسِّمون الماء إلى قليلٍ وكثيرٍ ويفرِّقون بينهما في الحكم -كما تقدَّم- فيحملون هذا الحديث على القليل وهو ما دون القلَّتين؛ لأنَّ البول فيه ينجِّسه، والاغتسال فيه من الجنابة يسلبه الطَّهوريَّة عندهم.
وعلَّة النَّهي عند الأوَّلين تقذير الماء، وقد يفضي البول فيه إلى تنجيسه.
٦ - فيه جواز البول في الماء الجاري، كما يفيده الوصف ب «الدَّائم»، وتأكيده بالذي لا يجري، وإثبات هذا الحكم بدليل الخطاب، وهو المفهوم. والتَّحقيق: أنَّه لا عموم له، فلا يصحُّ أن يقال: يجوز البول في كلِّ ماءٍ جارٍ، فإنَّ الجاري قد يكون كثيرًا، وقد يكون قليلاً، وقد يكون موردًا للنَّاس فلا يجوز البول فيه حينئذٍ؛ لتقذيره على الواردين، أو تنجيسه إذا كان الجاري قليلاً.
* * * * *
(١٠) وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (١). وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
(١١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂. أَخرجَهُ مُسْلِم (٢).
(١٢) وَلأَصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَتْ: «إنِّي كُنْتُ جُنُبًا»، فَقَالَ: «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٣).
* * *
стр. 26
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - نهي الرَّجل عن الاغتسال بفضل المرأة، وهو ما بقي من طهورها. وفي حكم الغسل الوضوء، وهذا النَّهي محمولٌ على الكراهة، أو على خلاف الأولى عند جمهور العلماء؛ لحديثي ابن عبَّاسٍ ﵃ المذكورين.
وقال بعضهم: إنَّ النَّهي للتَّحريم، وشرطوا في التَّحريم أن تخلو بالماء، وعليه فلا يرفع حدث الرَّجل التَّطهُّر بما خلت به.
٢ - نهي المرأة أن تغتسل بفضل الرَّجل. وقد حكي الإجماع على عدم تحريم ذلك (١)، ولكن هل يكره؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الكراهة، والأظهر: أنَّه أولى بالجواز من تطهُّر الرَّجل بفضل المرأة، فالصَّارف للنَّهي في الحكم الأوَّل هو الصَّارف للنَّهي في الحكم الثَّاني.
٣ - جواز أن يغتسل الرَّجل مع امرأته من إناءٍ واحدٍ، وهذا متَّفقٌ عليه، وهو ثابتٌ من فعله ﷺ مع أزواجه.
٤ - جواز رؤية كلٍّ من الزَّوجين لعورة الآخر؛ فإنَّ ذلك لازمٌ من اغتسالهما جميعًا.
٥ - جواز أن يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، كما يدلُّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ ﵃، وأولى منه في الجواز أو مثله اغتسال المرأة بفضل الرَّجل.
٦ - جواز اغتسال الرَّجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به؛ لظاهر الرِّواية الثَّانية لحديث ابن عبَّاسٍ ﵃.
٧ - أنَّ هذا الحكم -وهو جواز اغتسال الرَّجل بفضل طهور المرأة- لا يختصُّ بالنَّبيِّ ﷺ ، لقوله: «إِنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ».
стр. 27
٨ - أنَّ غسل الجنب -رجلاً كان أو امرأةً- من الماء لا يسلبه الطَّهوريَّة، قليلاً كان أو كثيرًا.
٩ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وقد دلَّ على وجوبه الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
١٠ - تواضعه وحسن خلقه ﷺ لاغتساله من فضل غسل زوجته.
١١ - التَّنبيه إلى ما يخشى من وقوع الخطأ فيه، والسُّؤال عمَّا اشتبه حكمه، لقول ميمونة ﵂: «إنِّي كنت جنبًا».
١٢ - أنَّ الأمر في قوله ﷺ : «وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» للإباحة؛ وذلك لأنَّ ميمونة ﵂ اغتسلت من الجفنة قبله ﵊.
١٣ - تعليل الأحكام، لقوله ﷺ : «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ» فقد علَّل ﷺ جواز غسله من الماء ببيان أنَّ الماء لا يتأثَّر.
* * * * *
(١٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وفي لفظٍ له: «فَلْيُرِقْهُ» (١).
وللتِّرمذيِّ: «أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولاهُنَّ» (٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة لعاب الكلب، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، كما يدلُّ له الأمر بغسل الإناء سبعًا وتسمية ذلك طهورًا، وألحقوا بلعابه سائر أجزائه،
стр. 28
وألحق بعضهم الخنزير في نجاسته وحكم غسلها، وأكثر العلماء على خلاف ذلك وهو أظهر، وقاس بعضهم ما أصاب الكلب بفمه من الصَّيد على ما ولغ فيه، ولا يصحُّ هذا القياس لأمرين:
أحدهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّن أحكام ما صاد الكلب ولم يأمر بغسل ما عضَّ الكلب.
الثَّاني: أنَّ إصابة الكلب للصَّيد لا يمكن التَّحرُّز منه، فلذا جاءت الشَّريعة بالعفو عنه، بخلاف الإناء ونحوه فالتَّحرُّز فيه ممكنٌ.
٢ - نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ومن باب أولى نجاسة ما في الإناء، وهذا هو مقصود المؤلِّف من إيراد الحديث، ويدلُّ له رواية مسلمٍ: «فَلْيُرِقْهُ»، وإن كان قد تكلِّم فيها (١).
٣ - وجوب غسل الإناء سبعًا.
٤ - وجوب أن تكون إحداها بترابٍ، والأولى أن تكون الأولى، كما تدلُّ عليه رواية مسلمٍ، وأمَّا القائلون بعدم نجاسة الكلب، فحملوا الأمر بغسل الإناء على التَّعبُّد؛ بدليل تقديره بسبع مرَّاتٍ، وهذا هو المشهور عن مالكٍ وأصحابه.
٥ - أنَّ الكلب محرَّم الأكل؛ فإنَّ كلَّ نجسٍ حرامٌ أكله.
٦ - تحريم ملابسة الكلب وملاعبته؛ لما تؤدِّي إليه من التَّعرُّض لنجاسته، كما هي طريقة الكفَّار في اقتناء الكلاب.
٧ - أنَّ هذا الحكم عامٌّ في الكلاب المباح اقتناؤها وغيرها، وخصَّ بعضهم ذلك بغير المباحة، والصَّواب العموم.
* * * * *
стр. 29
(١٤) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي الْهِرَّةِ: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - طهارة سؤر الهرَّة، وهو بقيَّة شرابها وطعامها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث؛ لأنَّه المناسب للباب.
٢ - طهارة بدنها.
٣ - طهارة ريقها.
٤ - العلَّة في ذلك.
٥ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة بالأوصاف المناسبة.
٦ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.
٧ - يسر الشَّريعة برفع الحرج.
٨ - طهارة ما كان في معنى الهرَّة في الطَّواف كالفأر.
٩ - أنَّ الحجَّة في قول الرَّسول ﷺ وفعله.
١٠ - ذكر الحجَّة على حكم الفعل، كما يدلُّ لذلك سبب رواية أبي قتادة ﵁ للحديث (٢).
стр. 30
١١ - فضيلة أبي قتادة ﵁؛ لتواضعه ورحمته؛ حيث أصغى للهرَّة الإناء كما جاء في سبب رواية الحديث.
* * * * *
(١٥) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة بول الآدميِّ، وهذا متَّفقٌ عليه.
٢ - وجوب صيانة المسجد عن الأقذار والنَّجاسات.
٣ - حُرمة المسجد في نفوس المؤمنين.
٤ - أنَّ البول في المسجد منكرٌ.
٥ - وجوب تطهير البقعة التي يُصلَّى عليها.
٦ - صفة تطهير النَّجاسة التي على الأرض إذا لم يكن لها جرمٌ، وذلك بمكاثرتها بالماء.
٧ - أنَّه لا يجب حفر الأرض ولا نقل التُّراب، ولو كانت الأرض رخوةً.
٨ - أنَّ الماء القليل لا يتنجَّس بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة.
٩ - المبادرة في إنكار المنكر ما لم يعارض ذلك مصلحةٌ راجحةٌ.
١٠ - أنَّ إنكار المنكر فرض كفايةٍ؛ ومن ذلك تطهير المسجد عن النَّجاسة.
стр. 31
١١ - العذر بالجهل، والرِّفق بالجاهل الذي هو مظنَّة الجهل.
١٢ - مراعاة الحكمة في التَّعليم والإنكار، ومن ذلك بيان سبب الإنكار.
١٣ - فيه دليلٌ لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وهي قاعدةٌ عظيمةٌ دلَّ عليها الشَّرع في مواضع، والعقل يقتضيها.
١٤ - الإنكار على من خالف ما تجب مراعاته في الإنكار.
١٥ - أنَّ الغالب على الأعراب الجفاء والجهل.
١٦ - جواز البول قريبًا من النَّاس مع الاستتار عن العيون.
١٧ - حسن خلقه ﷺ ورفقه في التَّعليم.
١٨ - فضل الصَّحابة ﵃؛ لغيرتهم وغضبهم لفعل المنكر.
١٩ - جواز الخطأ على الصَّحابة ﵃.
* * * * *
(١٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ ماجهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ المطاعم منها حلالٌ ومنها حرامٌ.
٢ - أنَّ الإحلال والتَّحريم إلى الله وحده، وما حرَّمه الرَّسول ﷺ فهو ممَّا حرَّم الله، وكذا ما أحلَّه.
стр. 32
٣ - أنَّ الأصل تحريم الدَّم والميتة، وقد دلَّ على تحريمهما الكتاب والسُّنَّة والإجماع، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
٤ - حِلُّ الجراد والحوت من غير تذكيةٍ، فهما مخصوصان من عموم تحريم الميتة.
٥ - حِلُّ الكبد والطِّحال، وهما دمان جامدان، فهما مخصوصان من عموم تحريم الدَّم. وقد يخرجان من عموم الدَّم المحرَّم بوصف الدَّم بالمسفوح، فهما غير مسفوحين.
٦ - تخصيص القرآن بالسُّنَّة.
٧ - الإشارة إلى أنَّ الحكمة من إحلال الشَّيء هو نفع العباد والتَّيسير عليهم؛ لقوله: «لَنَا».
٨ - جواز الإبهام فيما هو مضافٌ إلى الله تعالى للعلم به؛ لقوله: «أُحِلَّتْ».
٩ - طهارة هذه الأجناس الأربعة.
١٠ - طهارة ما وقع فيه شيءٌ منها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الباب.
* * * * *
(١٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» (١).
* * *
стр. 33
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - طهارة الذُّباب.
٢ - طهارة ما لا نفس له سائلةٌ، مثل الخنفس والعقرب والصُّرصور.
٣ - طهارة ما وقع فيه شيءٌ من ذلك من ماءٍ وغيره، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الباب.
٤ - استحباب غمس الذُّباب في الشَّراب إذا وقع فيه، سواءٌ أكان حارًّا أم باردًا.
٥ - الحكمة من غمسه؛ وهي دفع دائه عن الشَّارب بدوائه.
٦ - الإرشاد إلى الانتفاع بالشَّراب الَّذي وقع فيه الذُّباب، وإن كانت إراقة الشَّراب تؤدِّي إلى إضاعة المال لكثرته؛ فتحرم إراقته للنَّهي عن إضاعة المال.
٧ - هداية الذُّباب لمنافعه واتِّقائه لمضارِّه.
٨ - فيه علمٌ من أعلام النُّبوَّة، وقد أثبت الطِّبُّ الحديث ما دلَّ عليه الحديث.
٩ - الإرشاد إلى الأخذ بأسباب الوقاية.
١٠ - اشتمال الشَّريعة على أصول طبِّ الأبدان.
١١ - كمال هذه الشَّريعة.
١٢ - أنَّ الشَّيء يُدفع بضدِّه.
١٣ - أنَّه ليس كلُّ ما يكرهه الإنسان كراهةً طبيعيَّةً يكون مُحرَّمًا، كما أنَّه ليس كلُّ ما يحبُّه يكون حلالاً، فلا تلازم بين المحبَّة والكراهة الطَّبيعيَّة والمحبَّة والكراهة الشَّرعيَّة، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
стр. 34
(١٨) وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ ما انفصل من الحيوان وهو حيٌّ بفعل الإنسان أو غيره فهو ميِّتٌ.
٢ - أنَّ ما انفصل ممَّا ميتته حرامٌ فهو حرامٌ، وما انفصل ممَّا ميتته حلالٌ -كحيوان البحر- فهو حلالٌ.
٣ - أنَّ ما قطع من البهيمة بعد ذكاتها فليس بميتةٍ، ولو قبل أن تزهق الرُّوح (أي: تخرج)، وقد خُصَّ من عموم الحديث أشياء:
- الشَّعر ونحوه: كالصُّوف والوبر والرِّيش، فإنّه يجوز أخذه من الحيوان والانتفاع به؛ لأنَّه لا ينجس بقطعه؛ لأنَّه لا تحلُّ فيه الحياة الَّتي من شأنها الحسُّ والحركة الإراديَّة.
- الطَّريدة؛ وهي: الصَّيد يتبعه جماعةٌ فيمسكون به؛ فيقتطع كلٌّ منهم جزءًا فيموت بذلك.
- فأرة المسك؛ وهي: غدَّةٌ تبرز في أسفل الغزال يجتمع فيها شيءٌ من دمه وله رائحةٌ طيِّبةٌ، وهو المسك.
٤ - أنَّ ما وقع فيه الجزء المنفصل من الحيوان فهو بحسبه طهارةً ونجاسةً، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في باب المياه.
* * * * *
стр. 35
بَابُ الآنِيَةِ
* * *
(١٩) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ولا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
(٢٠) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم الشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة، وتحريم الأكل في صحافهما، وأنَّ ذلك من كبائر الذُّنوب؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، وإضافة الشُّرب إلى الآنية والأكل إلى الصِّحاف خرج مخرج الغالب، وإلَّا فإنَّه يحرم الأكل فيهما والشُّرب فيهما.
٢ - تحريم المضبَّب من الآنية بذهبٍ أو فضَّةٍ؛ لقوله ﷺ : «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (٣).
٣ - تعليل التَّحريم بأنَّ ذلك من عادة الكفَّار، وإضافة الآنية إلى الكفَّار باعتبار الواقع، وليس للملك ولا للحلِّ ولا للاختصاص، بل باعتبار الواقع.
٤ - تحريم التَّشبُّه بالكفَّار في عاداتهم.
стр. 36
٥ - البشارة للمؤمنين بتنعُّمهم في الجنَّة بآنية الذَّهب والفضَّة وصحافهما، قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥].
٦ - إثبات الجزاء الأخرويِّ.
٧ - الإرشاد إلى اجتناب مظاهر السَّرف والتَّرف، فما جاء النَّهي عنه من ذلك فهو حرامٌ كما في هذا الحديث، وما لم يجئ فيه نهيٌ فهو مكروهٌ؛ كالشُّرب في الآنية الثَّمينة.
٨ - تحريم الوضوء في آنية الذَّهب والفضَّة، وهذا هو المقصود من إيراد الحديثين في هذا الباب من كتاب الطَّهارة.
٩ - تحريم اتِّخاذ آنية الذَّهب والفضَّة أو استعمالها مطلقًا؛ لقوله ﷺ : «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، فإنَّه يفيد عموم الحكم.
١٠ - وقوع المجاز في الحديث؛ لقوله ﷺ : «إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، فإنَّ ذلك من وضع المسبَّب موضع السَّبب.
١١ - أنَّ الجزاء من جنس العمل.
* * * * *
(٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١).
وعند الأربعة: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ» (٢).
стр. 37
(٢٢) وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ المُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
(٢٣) وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٢).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - نجاسة جلد الميتة؛ لقوله: «فَقَدْ طَهُرَ»، فهذا يدلُّ على أنَّه قبل الدَّبغ نجسٌ.
٢ - نجاسة الميتة.
٣ - أنَّ الأصل تحريم جميع أعضاء الميتة إلَّا ما خصَّه الدَّليل.
٤ - طهارة جلد الميتة إذا دبغ، وقد اختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا كثيرًا، وأهمُّ ما جاء في ذلك قولان:
الأوَّل: أنَّ أيَّ جلد ميتةٍ من مأكول اللَّحم وغيره يطهر بالدِّباغ، لقوله: «أَيُّمَا إِهَابٍ … ».
الثاني: أنَّ الَّذي يطهر بالدِّباغ جلد مأكول اللَّحم.
والرَّاجح هو: الثَّاني؛ لقوله في الحديث الآخر: «دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» (٣). وإنَّما تحلُّ الذَّكاة ما يؤكل لحمه، وعلى هذا فيكون الحديث مقيِّدًا لإطلاق
стр. 38
الرِّوايات في طهارة جلد الميتة. وعليه فلا يطهر جلد الكلب والحمار ونحوهما بالدِّباغ.
وقد عورضت هذه الأحاديث بحديث عبد الله بن عكيمٍ ﵁ مرفوعًا: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهَابٍ ولا عَصَبٍ» (١) وقد أخذ بظاهر هذا الحديث بعض أهل العلم، فقالوا: إنَّ جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ، فمنهم من قال: لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وقال بعضهم: يجوز الانتفاع به في اليابسات.
والصَّواب هو: القول بأنَّ جلد الميتة يطهر بالدِّباغ؛ فإنَّ حديث ابن عكيمٍ لا يقاوم الأحاديث الدَّالَّة على الطَّهارة، وعلى تقدير صحَّة حديث ابن عكيمٍ ﵁ فقد أجيب عنه بما قاله أهل اللُّغة: إنَّ الإهاب هو الجلد قبل الدَّبغ، فيحمل النَّهي على ذلك. والله أعلم.
٥ - استحباب الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ.
٦ - الإرشاد إلى دبغ جلد الميتة للانتفاع به بأيِّ مادَّةٍ طاهرةٍ؛ كالقرظ ونحوه ممَّا ينقِّي الجلد ويمنع تعفُّنه.
٧ - في الأحاديث دليلٌ على جواز بيع جلد الميتة بعد الدَّبغ، ويحتمل أن يجوز بيعه قبل الدَّبغ ليدبغ.
٨ - الإرشاد إلى حفظ المال.
* * * * *
стр. 39
(٢٤) وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - النَّهي عن الأكل والشُّرب في آنية أهل الكتاب (اليهود والنَّصارى) والنَّهي عن الأكل والشُّرب في آنية المشركين؛ لأنَّه أولى، وما عدا الأواني كالثِّياب ونحوها فهي على أصل الإباحة.
٢ - جواز الأكل في آنية أهل الكتاب إذا احتاج المسلم إليها.
٣ - الأمر بغسلها إذا أريد استعمالها، وكلُّ هذه الأحكام مخصوصةٌ بآنية الكفَّار الَّتي يطبخون فيها أو يشربون فيها ما هو حرامٌ كالميتة والخنزير والخمر، وما عداها ممَّا يستعملونه في الطَّاهرات والمباحات أو يصنعونه لعموم النَّاس فلا يتناولها الحديث، كما يدلُّ لذلك رواية أحمد وأبي داود بلفظ: إنَّا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر. فقال رسول الله ﷺ : «إِنْ وَجَدتُّمْ غَيْرَهَا … » الحديث (٢).
ويؤيِّده إباحة ذبائح أهل الكتاب، وأكل الرَّسول ﷺ عند يهوديٍّ من خبز شعيرٍ وإهالةٍ سنخةٍ (٣)، ومن الشَّاة المصليَّة الَّتي أهدتها يهوديَّةٌ (٤)، وعلى ما جاء في رواية أحمد وأبي داود يكون النَّهي للتَّحريم والأمر بالغسل للوجوب.
стр. 40
٤ - استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على نجاسة الخمر ولحم الخنزير، وممَّا تقدَّم تظهر مناسبة الحديث للباب.
٥ - جواز تبادل المنافع مع الكفَّار ممَّا لا يترتَّب عليه محرَّمٌ.
٦ - جواز مجاورة أهل الكتاب ومساكنتهم ما لم يترتَّب على ذلك ضررٌ في الدِّين.
* * * * *
(٢٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّؤوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١).
* * *
المزادة: راويةٌ من جلدٍ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - طهارة جلد الميتة بالدِّباغ؛ لأنَّ ذبائح المشركين ميتةٌ.
٢ - جواز استعمال جلد الميتة في المائعات بعد الدَّبغ.
٣ - جواز استعمال أوعية الكفَّار الطَّاهرة، وهذا ما سيق الحديث من أجله في الباب.
ومن فوائد قصة المرأة كما وردت في أصل الحديث:
٤ - إجبار الإنسان على بذل ما لا يضرُّه إذا احتاج إليه غيره.
٥ - الإحسان إلى الكافر غير الحربيِّ ومكافأته والرِّفق به.
٦ - التَّأليف على الإسلام بحسن المعاملة.