← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٥ - البشارة للمؤمنين بتنعُّمهم في الجنَّة بآنية الذَّهب والفضَّة وصحافهما، قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]. ٦ - إثبات الجزاء الأخرويِّ. ٧ - الإرشاد إلى اجتناب مظاهر السَّرف والتَّرف، فما جاء النَّهي عنه من ذلك فهو حرامٌ كما في هذا الحديث، وما لم يجئ فيه نهيٌ فهو مكروهٌ؛ كالشُّرب في الآنية الثَّمينة. ٨ - تحريم الوضوء في آنية الذَّهب والفضَّة، وهذا هو المقصود من إيراد الحديثين في هذا الباب من كتاب الطَّهارة. ٩ - تحريم اتِّخاذ آنية الذَّهب والفضَّة أو استعمالها مطلقًا؛ لقوله ﷺ : «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، فإنَّه يفيد عموم الحكم. ١٠ - وقوع المجاز في الحديث؛ لقوله ﷺ : «إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، فإنَّ ذلك من وضع المسبَّب موضع السَّبب. ١١ - أنَّ الجزاء من جنس العمل. * * * * * (٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). وعند الأربعة: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ» (٢).

стр. 37

(٢٢) وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ المُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). (٢٣) وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٢). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - نجاسة جلد الميتة؛ لقوله: «فَقَدْ طَهُرَ»، فهذا يدلُّ على أنَّه قبل الدَّبغ نجسٌ. ٢ - نجاسة الميتة. ٣ - أنَّ الأصل تحريم جميع أعضاء الميتة إلَّا ما خصَّه الدَّليل. ٤ - طهارة جلد الميتة إذا دبغ، وقد اختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا كثيرًا، وأهمُّ ما جاء في ذلك قولان: الأوَّل: أنَّ أيَّ جلد ميتةٍ من مأكول اللَّحم وغيره يطهر بالدِّباغ، لقوله: «أَيُّمَا إِهَابٍ … ». الثاني: أنَّ الَّذي يطهر بالدِّباغ جلد مأكول اللَّحم. والرَّاجح هو: الثَّاني؛ لقوله في الحديث الآخر: «دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» (٣). وإنَّما تحلُّ الذَّكاة ما يؤكل لحمه، وعلى هذا فيكون الحديث مقيِّدًا لإطلاق

стр. 38

الرِّوايات في طهارة جلد الميتة. وعليه فلا يطهر جلد الكلب والحمار ونحوهما بالدِّباغ. وقد عورضت هذه الأحاديث بحديث عبد الله بن عكيمٍ ﵁ مرفوعًا: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهَابٍ ولا عَصَبٍ» (١) وقد أخذ بظاهر هذا الحديث بعض أهل العلم، فقالوا: إنَّ جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ، فمنهم من قال: لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وقال بعضهم: يجوز الانتفاع به في اليابسات. والصَّواب هو: القول بأنَّ جلد الميتة يطهر بالدِّباغ؛ فإنَّ حديث ابن عكيمٍ لا يقاوم الأحاديث الدَّالَّة على الطَّهارة، وعلى تقدير صحَّة حديث ابن عكيمٍ ﵁ فقد أجيب عنه بما قاله أهل اللُّغة: إنَّ الإهاب هو الجلد قبل الدَّبغ، فيحمل النَّهي على ذلك. والله أعلم. ٥ - استحباب الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ. ٦ - الإرشاد إلى دبغ جلد الميتة للانتفاع به بأيِّ مادَّةٍ طاهرةٍ؛ كالقرظ ونحوه ممَّا ينقِّي الجلد ويمنع تعفُّنه. ٧ - في الأحاديث دليلٌ على جواز بيع جلد الميتة بعد الدَّبغ، ويحتمل أن يجوز بيعه قبل الدَّبغ ليدبغ. ٨ - الإرشاد إلى حفظ المال. * * * * *

стр. 39

(٢٤) وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - النَّهي عن الأكل والشُّرب في آنية أهل الكتاب (اليهود والنَّصارى) والنَّهي عن الأكل والشُّرب في آنية المشركين؛ لأنَّه أولى، وما عدا الأواني كالثِّياب ونحوها فهي على أصل الإباحة. ٢ - جواز الأكل في آنية أهل الكتاب إذا احتاج المسلم إليها. ٣ - الأمر بغسلها إذا أريد استعمالها، وكلُّ هذه الأحكام مخصوصةٌ بآنية الكفَّار الَّتي يطبخون فيها أو يشربون فيها ما هو حرامٌ كالميتة والخنزير والخمر، وما عداها ممَّا يستعملونه في الطَّاهرات والمباحات أو يصنعونه لعموم النَّاس فلا يتناولها الحديث، كما يدلُّ لذلك رواية أحمد وأبي داود بلفظ: إنَّا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر. فقال رسول الله ﷺ : «إِنْ وَجَدتُّمْ غَيْرَهَا … » الحديث (٢). ويؤيِّده إباحة ذبائح أهل الكتاب، وأكل الرَّسول ﷺ عند يهوديٍّ من خبز شعيرٍ وإهالةٍ سنخةٍ (٣)، ومن الشَّاة المصليَّة الَّتي أهدتها يهوديَّةٌ (٤)، وعلى ما جاء في رواية أحمد وأبي داود يكون النَّهي للتَّحريم والأمر بالغسل للوجوب.

стр. 40

٤ - استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على نجاسة الخمر ولحم الخنزير، وممَّا تقدَّم تظهر مناسبة الحديث للباب. ٥ - جواز تبادل المنافع مع الكفَّار ممَّا لا يترتَّب عليه محرَّمٌ. ٦ - جواز مجاورة أهل الكتاب ومساكنتهم ما لم يترتَّب على ذلك ضررٌ في الدِّين. * * * * * (٢٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّؤوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١). * * * المزادة: راويةٌ من جلدٍ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - طهارة جلد الميتة بالدِّباغ؛ لأنَّ ذبائح المشركين ميتةٌ. ٢ - جواز استعمال جلد الميتة في المائعات بعد الدَّبغ. ٣ - جواز استعمال أوعية الكفَّار الطَّاهرة، وهذا ما سيق الحديث من أجله في الباب. ومن فوائد قصة المرأة كما وردت في أصل الحديث: ٤ - إجبار الإنسان على بذل ما لا يضرُّه إذا احتاج إليه غيره. ٥ - الإحسان إلى الكافر غير الحربيِّ ومكافأته والرِّفق به. ٦ - التَّأليف على الإسلام بحسن المعاملة.

стр. 41

٧ - عَلَمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ ، وذلك بتكثير ماء المزادتين حتَّى سقي النَّاس منهما ولم تنقصا ببركة ريق النَّبيِّ ﷺ ، وهذا ظاهرٌ من قوله: "دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ»، وزاد البيهقيُّ والطَّبرانيُّ: «فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ» (١)، إلى قوله: «فَنُودِيَ فِي النَّاسِ»، إلى قوله: «لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا» (٢). ٨ - جواز مخاطبة المرأة الأجنبيَّة إذا أمنت الفتنة وانتفت الرِّيبة. * * * * * (٢٦) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ملك النَّبيِّ ﷺ للقدح ونحوه، ممَّا يحتاج إليه في شؤون الحياة، لقوله: «قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ ». ٢ - تقلُّل النَّبيِّ ﷺ من متاع الدُّنيا، وذلك لاستعماله قدحًا مكسورًا؛ وهو إناءٌ من الخشب. ٣ - إصلاح ما يفسد من متاع البيت. ٤ - جواز استعمال الضَّبَّة اليسيرة من الفضَّة أو السِّلسلة في الآنية للحاجة، والضَّبَّة هي: ما يسدُّ به الكسر في الإناء.

стр. 42

٥ - جواز استعمال الآنية المضبَّبة بالفضَّة، وبهذا تظهر مناسبة الحديث لباب الآنية. ٦ - حفظ المال بإصلاح ما فسد منه. ٧ - تخصيص النَّهي عن الأكل في آنية الذَّهب والفضَّة؛ وذلك بالرُّخصة في الضَّبَّة اليسيرة من الفضَّة والسِّلسلة للحاجة، ولا يقاس على ذلك الضَّبَّة من الذَّهب؛ فإنَّ الذَّهب أغلى من الفضَّة، فالنَّهي عنه آكد، وإنَّما يقاس الشَّيء على نظيره. * * * * *

стр. 43

بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا * * * (٢٧) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الخمر؛ وهي كلُّ مسكرٍ، وتحريمها ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، فتحريمها معلومٌ من دين الإسلام بالضَّرورة، ومنكره كافرٌ. ٢ - تحريم بيعها وتحريم الانتفاع بها. ٣ - تحريم تخليلها. ٤ - وجوب إتلافها. ٥ - أنَّها لا تحلُّ بالتَّخليل، بل إذا تخلَّلت بنفسها. ٦ - أنَّها لا تطهر بالتَّخليل، وذلك على القول بنجاستها -وهذا قول الجمهور، وقيل: ليست بنجسةٍ لأدلَّةٍ معروفةٍ، ولكن ينبغي اجتنابها والتَّنزُّه عنها احتياطًا، وعليه فلو صلَّى من على ثيابه شيءٌ من الخمر فصلاته صحيحةٌ- وتطهر الخمر إذا تخلَّلت بنفسها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذا الباب. ٧ - سدُّ الذَّرائع؛ لأنَّ تجويز تخليلها يدعو إلى استبقائها.

стр. 44

(٢٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم لحوم الحمر الأهليَّة، وإلى هذا ذهب جمهور الأمَّة، وهو الصَّواب؛ لهذا الحديث وغيره، وكلُّ تأويلٍ عورض به هذا التَّحريم فباطلٌ. ٢ - حلُّ الحمر الوحشيَّة؛ لتقييد التَّحريم بالأهليَّة. ٣ - أنَّ تحريم الحمر الأهليَّة كان يوم خيبر، وكانت قبل ذلك على أصل الإباحة. ٤ - أنَّ مردَّ الأحكام في الحلال والحرام إلى الله ورسوله. ٥ - الاستنابة في تبليغ العلم. ٦ - رفع الصَّوت بالعلم. ٧ - جواز جمع الضَّمير العائد إلى الله ورسوله ﷺ ، وذلك خاصٌّ بكلام الرَّسول ومن يبلِّغ عنه كلامه؛ وهذا أحد وجوه الجمع بين هذا الحديث وحديث: «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أَنْتَ» حين قال: «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» (٢). ٨ - تعليل الأحكام. ٩ - اشتمال الأحكام على الحكمة.

стр. 45

١٠ - نجاسة لحوم الحمر الأهليَّة؛ لقوله: «فَإِنَّهَا رِجْسٌ»، ولأنَّها بالتَّحريم تصير ميتةً وإن ذكِّيت، والميتة نجسةٌ كما تقدَّم، وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث لباب إزالة النَّجاسة. ١١ - تحريم كلِّ رجسٍ؛ وكلُّ نجسٍ رجسٌ. ١٢ - أنَّ ما حرِّم فيجب إتلافه ولو كثر، وإن كان النَّاس في حاجةٍ إليه، ولا يقال: إنَّه من إضاعة المال؛ لأنَّ الحرام ليس بمالٍ. ١٣ - تأكيد النَّهي بإضافته إلى الله والرَّسول ﷺ . ١٤ - حسن تعليم النَّبيِّ ﷺ ، ومن ذلك بيان حكمة الحكم. ١٥ - أنَّ ما علم المكلَّف تحريمه وجب عليه تركه فورًا. ١٦ - وجوب غسل الأواني الَّتي استعملت في محرَّمٍ لإزالة أثره. ١٧ - نجاسة جميع أجزاء الحمار ورطوباته، وخصَّ من ذلك: عرقه وريقه وشعره؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ وأصحابه كانوا يركبون الحمير، ولا يسلم راكبها من ملامسة شيءٍ من ذلك؛ ولم يأت أمرٌ بالتَّنزُّه عن شيءٍ منها. ومن فوائد القصة التي هي سبب الحديث: ١٨ - جواز النَّسخ مع التَّمكُّن من الامتثال وقبل الفعل؛ لأنَّه ﷺ أمرهم بكسر القدور، فلمَّا قالوا له: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «اغْسِلُوا» (١). ١٩ - أنَّ أكل الحمر ليس معتادًا لهم، ولذلك جاء من يبلِّغ الرَّسول ﷺ عمَّا حدث، فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ: أُكِلَتِ الْحُمُرُ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ» (٢). ٢٠ - أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابه تعرض لهم العوارض البشريَّة كالجوع والمرض، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس لهم من الأمر شيءٌ، ولا يملكون لأنفسهم

стр. 46

نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء الله، فيعلم بذلك بطلان عبادتهم من دون الله فضلاً عن غيرهم، كما أشار إلى ذلك الشَّيخ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب في مسائل باب الدُّعاء إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله: المسألة الثَّامنة عشرة. * * * * * (٢٩) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من السُّنَّة الخطبة بمنًى أيَّام منًى أو يوم النَّحر، وقد ثبت أنَّه ﷺ خطب يوم النَّحر (٢)، وخطب في اليوم الثَّاني من أيَّام منًى (٣). ٢ - الخطبة على الرَّاحلة أو موضعٍ عالٍ. ٣ - خدمة الصَّحابة للنَّبيِّ ﷺ إكرامًا له واحتسابًا. ٤ - طهارة لعاب الإبل، وعلى قياسه لعاب سائر ما يؤكل لحمه، ومن أجل ذلك أورد المؤلِّف الحديث في الباب. ٥ - فضيلة عمرو بن خارجة ﵁؛ حيث كان يمسك بخطام ناقة النَّبيِّ ﷺ وهو واقفٌ ولعابها يسيل عليه ولا يبالي بذلك. ٦ - تعليم النَّبيِّ ﷺ أمَّته أحكام العبادات، وتحرِّي المواسم والمناسبات. * * * * *

стр. 47

(٣٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣١) وَلِمُسْلِمٍ: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ» (٢). (٣٢) وفِي لَفْظٍ لَهَا: «لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ» (٣). * * * في الحديث برواياته فوائد، منها: ١ - مشروعيَّة غسل المنيِّ رطبًا، وفركه وحكِّه يابسًا. ٢ - طهارة المنيِّ، فلا يجب غسله؛ إذ لم يرد الأمر به، وقال بعض أهل العلم بنجاسته قياسًا على ما يخرج من البول والمذي وغيرهما، والصَّواب الأوَّل، وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ ﵃ أنَّه قال: «إِنَّمَا هُوَ [أَيِ: المَنِيُّ] بِمَنْزِلَةِ البُصَاقِ، أَمِطْهُ عَنْكَ وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ» (٤)، وقد روي مرفوعًا. ٣ - استحباب التَّنظُّف من الأقذار ولو لم تكن نجسةً. ٤ - خدمة المرأة زوجها وتعاهدها لشؤونه. ٥ - جواز الصَّلاة في الثَّوب الذي فيه بقع الماء بعد التَّنظيف. ٦ - استحباب النَّظافة للصَّلاة وأخذ الزِّينة. ٧ - أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ أعلم بأحواله الخاصَّة. ٨ - التَّصريح بما يستحيا من ذكره للحاجة.

стр. 48

٩ - جواز الصَّلاة في الثَّوب الَّذي ينام فيه الإنسان وتصيبه الجنابة فيه. ١٠ - زهده ﷺ في الدُّنيا؛ حيث لم تكن له أثوابٌ للأحوال المختلفة. * * * * * (٣٣) وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلامِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - نجاسة بول الآدميِّ وهو مجمعٌ عليه. ٢ - وجوب غسل البول. ٣ - أنَّ نجاسة بول الصَّبيِّ -أي: الَّذي لم يأكل الطَّعام- مخفَّفةٌ يكفي فيها الرَّشُّ. ٤ - أنَّ بول الأنثى الصَّغيرة كالكبيرة. ٥ - الفرق بين بول الصَّبيِّ والجارية في النَّجاسة وصفة التَّطهير. ٦ - حكمة هذا الفرق؛ فإنَّ الشَّريعة لا تفرِّق بين المتماثلين. قال العلماء: حكمة الفرق -والله أعلم- أنَّ بول الصَّبيِّ يكثر التَّعرُّض له ويشقُّ التَّحرُّز منه من جهة أنَّ حمل النَّاس له أكثر من الأنثى ومن جهة أنَّ بوله ينتشر من حوله بخلاف الأنثى فإنَّه لا يتجاوز موضعها. وقيل في الفرق: إنَّ بول الصَّبيِّ أقلُّ خبثًا من الأنثى لاختلاف طبيعتهما. والله أعلم. ٧ - فيه وجهٌ من وجوه تفضيل الذَّكر على الأنثى.

стр. 49

٨ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير. ٩ - يسر الشَّريعة برفع الحرج وتخفيف المشقَّة. * * * * * (٣٤) وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٢). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - نجاسة دم الحيض، وفي حكمه دم النِّفاس، ونجاستهما قطعيَّةٌ، وألحق بهما في النَّجاسة سائر الدِّماء المحرَّمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحدٍ من العلماء. ٢ - وجوب تطهير الثَّوب من دم الحيض وما في حكمه، وتطهير البدن من باب أولى، وقد قال ﷺ للمستحاضة: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ [أَيْ: حَيْضَتُكِ] فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (٣). ٣ - صفة تطهير الثَّوب من دم الحيض في قوله: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ». ٤ - أنَّه لا يُعفى عن يسير دم الحيض. ٥ - وجوب تطهير الثَّوب للصَّلاة.

стр. 50

٦ - تحريم الصَّلاة في الثَّوب النَّجس. ٧ - أنَّ الأصل في إزالة النَّجاسة هو الماء. ٨ - أنَّه لا يجب غسل جميع الثَّوب الَّذي أصابه دم الحيض؛ وإنَّما يغسل الموقع الَّذي أصابه الدَّم. ٩ - أنَّ الواجب إزالة عين النَّجاسة دون أثرها، وجاء في ذلك هذا الحديث الضَّعيف: «يَكْفِيكِ الْمَاءُ ولا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ»، فمعنى الحديث صحيحٌ وإن كان ضعيفًا من حيث الرِّواية؛ لأنَّ التَّكليف بإزالة الأثر حرجٌ؛ لأنَّ العمل على إزالته قد يفضي إلى تمزيق الثَّوب وذلك من إتلاف المال، ومناسبة الحديث للباب ظاهرةٌ. * * * * *

стр. 51

بَابُ الوُضُوءِ (٣٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - رأفة الرَّسول ﷺ ورحمته بأمَّته. ٢ - ترك ما يحبُّ أن يأمر به خوف المشقَّة على أمَّته ﷺ . ٣ - محبَّته ﷺ للسِّواك. ٤ - فضل السِّواك. ٥ - تأكُّده مع الوضوء، وهذا أحد المواضع الَّتي يتأكَّد فيها السِّواك. ٦ - أنَّه لا يكره السِّواك للصَّائم في العشيِّ؛ لعموم قوله: «مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ»، وأمَّا حديث: «وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» (٢)؛ فضعيفٌ. ٧ - أنَّ الأصل في الأمر الوجوب. ٨ - إضافة الأمَّة إلى الرَّسول ﷺ ، وذلك تشريفٌ لها، والمراد: أمَّة الإجابة.

стр. 52

٩ - المشقَّة تجلب التَّيسير؛ إمَّا بعدم شرع ما يشقُّ -كما في هذا الحديث ونحوه- أو بتخفيف ما شرع من أجل المشقَّة. ١٠ - يُسر هذه الشَّريعة. ١١ - أنَّ بعض ما يأمر به النَّبيُّ ﷺ قد يكون باجتهادٍ، وقد يترك ما يحبُّ الأمر به باجتهادٍ، فإن أقرَّ عليه ثبت الحكم، وإلَّا لم يثبت. ١٢ - أنَّ درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح عند التَّكافؤ. * * * * * (٣٧) وَعَنْ حُمْرَانَ: «أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٨) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي البَابِ (٢). (٣٩) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵃ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «وَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٤٠) وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» (٤). * * *

стр. 53

حديث عثمان أصلٌ في صفة الوضوء، وهو من أصحِّ الأحاديث الواردة في ذلك. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - صفة الوضوء الكامل. ٢ - استحباب غسل الكفَّين ثلاثًا قبل إدخالهما في الوضوء. ٣ - مشروعيَّة المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه. ٤ - مشروعيَّة غسل الوجه، وهو أحد فروض الوضوء الَّتي أمر الله بها في كتابه. ٥ - غسل اليدين إلى المرفقين، وذلك من فروض الوضوء. ٦ - المسح بالرَّأس، وهو من فروض الوضوء. ٧ - غسل الرِّجلين إلى الكعبين، وهو من فروض الوضوء. ٨ - الرَّدُّ على الرَّافضة في قولهم بمسح القدمين. ٩ - استحباب التَّثليث في غسل أعضاء الوضوء. ١٠ - صفة مسح الرَّأس. ١١ - أنَّ مسح الرَّأس واحدةٌ، وأمَّا رواية تثليث مسح الرَّأس في حديث عثمان ﵁ فشاذَّةٌ (١). ١٢ - مسح الأذنين مع الرَّأس وصفته. ١٣ - التَّيامُن في الوضوء بغسل اليمنى قبل اليسرى.

стр. 54

١٤ - مشروعيَّة التَّرتيب، وهذا مذهب الجمهور، وهو من فروض الوضوء عندهم، وقال بعض أهل العلم بأنَّ التَّرتيب سنَّةٌ، والأظهر: أنَّه واجبٌ يسقط بالنِّسيان. ١٥ - التَّعليم بالفعل. ١٦ - رواية قول النَّبيِّ ﷺ بالقول والفعل. ١٧ - أنَّ الاستنجاء ليس من الوضوء الَّذي يقصد لرفع الحدث. ١٨ - استحباب ركعتين بعد الوضوء، كما جاء في أصل حديث عثمان ﵁. ١٩ - فضل الإقبال على الصَّلاة، وترك حديث النَّفس فيها. ٢٠ - أنَّ الوضوء والصَّلاة من أسباب مغفرة الذُّنوب. ٢١ - بيان السُّنَّة للقرآن. ٢٢ - أنَّ القدوة بالنَّبيِّ ﷺ بحسب الاستطاعة، وذلك من يسر الإسلام. ٢٣ - جواز طلب الرَّجل الخدمة من أهله وخدمه. * * * * * (٤١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مسح الرَّأس في الوضوء، وهو أحد فروضه، كما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة المتواترة.

стр. 55

٢ - مسح الأذنين مع الرَّأس في الوضوء، وهذا هو الصَّحيح في حكم الأذنين، أنَّهما يمسحان مع الرَّأس، ويؤيِّده حديث: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (١)، وقد قيل بغسلهما مع الوجه، وقيل بغسل باطنهما مع الوجه ومسح ظاهرهما مع الرَّأس. ومسحهما مع الرَّأس قيل: واجبٌ، وقيل: سنَّةٌ، وهذا هو الصَّحيح، وهو قول الجمهور، وحكى الوزير ابن هبيرة الإجماع عليه (٢). ٣ - فيه صفة مسح الأذنين؛ باطنهما بالسَّبَّاحتين، وظاهرهما بالإبهامين. * * * * * (٤٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِه (٣)؛ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الأمر بالاستنثار ثلاثًا بعد الاستيقاظ من النَّوم، وهو واجبٌ للأمر، وقيل بالاستحباب. والاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، فيستلزم الأمر بالاستنشاق. ٢ - بيان علَّة الحكم؛ ويؤخذ ذلك من قوله: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». ٣ - أنَّ الأحكام الشَّرعيَّة معلَّلةٌ.

стр. 56

٤ - أنَّ الشَّيطان خبيثٌ يورث ما لابسه خبثًا، وهو خبثٌ معنويٌّ. ٥ - أنَّ الاستنثار ثلاثًا يزيل أثر الشَّيطان. ٦ - أنَّ الاستنثار ثلاثًا بعد الاستيقاظ من النَّوم مختصٌّ بنوم اللَّيل لقوله: «يَبِيتُ»، ويؤيِّد ذلك رواية: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ» (١). ٧ - أنَّ هذا الحكم لا يختصُّ بمن أراد الوضوء، فيشرع قبله أو معه أو بدونه، ولكن في رواية البخاريِّ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا … » (٢) فتفيد هذه الرِّواية اختصاص حكم الاستنثار ثلاثًا بالمُتوضِّئ حملاً للمطلق على المقيَّد. ٨ - أنَّ هذا الشَّيطان هو القرين الملازم للإنسان، فلا يبعده ذكرٌ ولا تعوُّذٌ، لكنَّ ذلك يقي من شرِّه بإذن الله. ٩ - أنَّ الاستنثار الَّذي يزيل أثر الشَّيطان من الخيشوم هو ما كان على وجه التَّعبُّد لله، فلا بدَّ فيه من نيَّةٍ. ١٠ - أنَّ الوتر معتبرٌ في بعض الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقوله: «ثَلَاثًا». ١١ - الاقتصار على الثَّلاث، فلا تشرع الزِّيادة؛ كالتَّثليث في الوضوء. ١٢ - ابتلاء الإنسان بالشَّيطان. ١٣ - علم النَّبيِّ ﷺ ببعض أمور الغيب، وذلك بإطلاع الله له؛ فإنَّ الشَّيطان ومبيته على خيشوم الإنسان ممَّا لا يدرك بالحسِّ. * * * * *

стр. 57

(٤٣) وَعَنْه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - نهي المستيقظ من النَّوم عن غمس يده في الإناء الَّذي فيه الماء حتَّى يغسلها ثلاثًا، وفي رواية البخاريِّ: الأمر بالغسل قبل الإدخال (٢). ٢ - مشروعيَّة غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ من النَّوم قبل إدخالهما في الإناء، وجمهور العلماء على أنَّ الأمر للاستحباب، وقيل: للوجوب، وهو الأظهر؛ لأنَّه الأصل في الأمر، فعلى الأوَّل النَّهي للكراهة، وعلى الثَّاني يكون النَّهي للتَّحريم. ٣ - اختصاص هذا الحكم بالاستيقاظ من نوم اللَّيل؛ لقوله: «لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والبيتوتة إنَّما تكون في اللَّيل. ٤ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة، وعلَّة هذا الحكم عدم العلم بما وقعت عليه اليد حال النَّوم، ولهذا قيل: إنَّ العلَّة الشَّكُّ في النَّجاسة، وقيل: لعلَّها كانت على المكان الَّذي يبيت عليه الشَّيطان وهو الخيشوم، فيظهر بذلك تناسبٌ بين أمر المستيقظ بالاستنثار ثلاثًا وغسل يده ثلاثًا، وقيل: إنَّ العلَّة معنويَّةٌ، فالأمر بغسل اليد ثلاثًا كالأمر بغسل أعضاء الوضوء من الحدث، ومن قال ذلك قال: إنَّ غمس اليد في الإناء قبل غسلها يسلب الماء الطَّهوريَّة؛ لأنَّه يصير مستعملاً، والصَّحيح: أنَّ طهوريَّة الماء لا تزول بالاستعمال في رفع الحدث ونحوه. وقيل: إنَّ الأمر تعبُّديٌّ؛ أي: لا تعلم له علَّةٌ، لكن يردُّ على هذا قوله: «فَإِنَّهُ لا

стр. 58

يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، ولكنَّ الَّذي لا يعلم هو وجه هذه العلَّة؛ أي: كيف كان ذلك موجبًا لغسل اليد؟ ٥ - الاحتياط لطهارة الماء. ٦ - الاحتياط للدِّين إذا وجد الشَّكُّ ولم يكن هناك أصلٌ متيقَّنٌ، والاحتياط واطِّراح الشَّكِّ تارةً يكون واجبًا وتارةً يكون مستحبًّا، بحسب نوع الحكم من وجوبٍ واستحبابٍ وتحريمٍ وكراهةٍ. ٧ - أنَّ النَّهي عن الغمس شاملٌ لكلِّ اليد وبعضها؛ لقوله ﷺ : «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» أو «فَدَعُوهُ» (١). ٨ - أنَّ غسل اليد من الإناء يكون بالإكفاء عليها من الإناء. ٩ - جواز إدخال اليد في الإناء بعد غسلها ثلاثًا. ١٠ - أنَّ الوتر معتبرٌ في الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقوله: «ثَلَاثًا». ١١ - كمال الشَّريعة وشمولها للأحكام الكلِّيَّة والجزئيَّة، والأصول والفروع. ١٢ - أنَّ هذا الحكم لا يختصُّ بالمتوضِّئ أو بمُريد الوضوء، وإنَّما هو عامٌّ لكلِّ من أراد استعمال الماء الَّذي في الإناء. ١٣ - أنَّ هذا الحكم مختصٌّ بالماء اليسير الَّذي يكون في الآنية دون الَّذي يكون في الأحواض. ١٤ - أنَّ غسل اليدين ثلاثًا مشروعٌ لمن أراد استعمال الماء ولو بالصَّبِّ عليه، فإنَّ علَّة الحكم تقتضيه.

стр. 59

١٥ - رفع التَّكليف عن النَّائم؛ لأنَّه لا يؤاخذ بما وقعت عليه يده من نجسٍ أو قذرٍ. * * * * * (٤٤) وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). (٤٥) وَلأبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة إسباغ الوضوء، والمراد به: تعميم أعضاء الوضوء بالغسل، وهو واجبٌ، كما يدلُّ له حديث: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٣). ٢ - مشروعيَّة تخليل الأصابع، وهو دلك ما بين الأصابع؛ ليصل إليها الماء، فإن كان الماء لا يصل إليها إلَّا به وجب، وإلَّا كان مستحبًّا. ٣ - مشروعيَّة المبالغة في الاستنشاق. ٤ - أنَّ المبالغة في الاستنشاق لا تشرع للصَّائم. ٥ - مشروعيَّة الاستنشاق في الوضوء، والصَّحيح: أنَّه واجبٌ، ولا بدَّ بعد الاستنشاق من الاستنثار؛ لحديث: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً

стр. 60

ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» (١)، وفي لفظٍ لمسلمٍ: «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ» (٢)، ولمداومته ﷺ على ذلك. ٦ - مشروعيَّة المضمضة في الوضوء، وهي واجبةٌ للأمر في هذا الحديث: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» ولمداومته ﷺ . ٧ - في الحديث شاهدٌ لقاعدة سدِّ الذَّرائع؛ لنهي الصَّائم عن المبالغة في الاستنشاق؛ لأنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى وصول الماء إلى جوفه. ٨ - وجوب إكمال الصَّلاة؛ لأنَّ ذلك أولى من إكمال الوضوء الَّذي هو شرطها. ٩ - أنَّ الأنف منفذٌ لما يفسد الصَّوم، فالأنف بخلاف العين وسائر منافذ البدن، وكذلك ما يحقن في البدن بواسطة الإبر، إلَّا أن يكون طعامًا أو شرابًا لتغذية البدن. ١٠ - الاحتياط لسلامة الصَّوم، وهو يقتضي الاحتياط لسلامة الدِّين، ويشهد لذلك حديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٣)، وحديث: «وَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (٤). ١١ - فيه شاهدٌ لقاعدة أنَّ أمر النَّبيِّ ﷺ لواحدٍ أمرٌ للأمَّة، كما يدلُّ لذلك قوله ﷺ : «إِنَّمَا قَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ» (٥).

стр. 61

١٢ - فيه شاهدٌ لقاعدة أنَّ درء المفسدة الرَّاجحة مقدَّمٌ على حصول المصلحة المرجوحة، أو تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، فسلامة الصَّوم قدِّمت على المبالغة في الاستنشاق. * * * * * (٤٦) وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * الحديث حسنٌ؛ لتحسين البخاريِّ له، ولشواهده (٢). وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ الرَّسول ﷺ كان ذا لحيةٍ كثَّةٍ. ٢ - مشروعيَّة تخليل اللِّحية في الوضوء، وفي الغسل أولى، والتَّخليل هو: إيصال الماء إلى باطن الشَّعر بالأصابع. ٣ - مداومة النَّبيِّ ﷺ على ذلك؛ لقوله: «كان». ٤ - أنَّ إعفاء اللِّحية من هدي النَّبيِّ ﷺ ، وقد جاء الأمر بذلك في أحاديث صحيحةٍ، وأنَّ في ذلك مخالفةً للمجوس والمشركين فيكون واجبًا، وخلافه حرامٌ. * * * * *

стр. 62

(٤٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الاقتصاد في ماء الوضوء. ٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ ربَّما توضَّأ بأقلَّ من المدِّ، وفي حديث أنسٍ ﵁؛ أنَّه ﷺ كان يتوضَّأ بالمدِّ ويغتسل بالصّاع (٢). ٣ - دلك أعضاء الوضوء عند غسلها، وهو ممَّا يعين على الاقتصاد في ماء الوضوء، والله قد أمر بغسل الوجه واليدين والرِّجلين في الوضوء، فمن أدخل الدَّلك في معنى الغسل أوجبه، ومن لم يدخله في معنى الغسل لم يوجبه، وهذا هو الأظهر، لكن يستحبُّ الدَّلك لفعله ﷺ ، وهذا إذا حصل الإسباغ بدون دلكٍ، وأمَّا إذا لم يحصل الإسباغ إلَّا بدلكٍ؛ فالدَّلك واجبٌ؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ. * * * * * (٤٨) وَعَنْهُ، ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لأُذُنَيْهِ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (٣). (٤٩) وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ» (٤). وَهُوَ المَحْفُوظُ. * * *

стр. 63

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة مسح الأذنين في الوضوء، وهو متَّفقٌ عليه. ٢ - استحباب أخذ ماءٍ جديدٍ لمسح الأذنين غير ماء الرَّأس، ولكنَّ هذه الرِّواية شاذَّةٌ، وعليه؛ فلا يسنُّ أخذ ماءٍ جديدٍ للأذنين، والمحفوظ رواية مسلمٍ وفيها دلالةٌ على أخذ ماءٍ جديدٍ للرَّأس. * * * * * (٥٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ». فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الوضوء. ٢ - أنَّ من ثواب الوضوء السِّيماء، وهي الغرَّة والتَّحجيل، وأصل الغرَّة: بياضٌ يكون في وجه الفرس، والتَّحجيل: بياضٌ يكون في قوائمها، والمراد به في الحديث: ما يكون في وجوه المؤمنين وأعضائهم من الحسن والبهاء. ٣ - أنَّ الغرَّة والتَّحجيل علامةٌ تميِّز هذه الأمَّة عن سائر الأمم، يعرفهم بها النَّبيُّ ﷺ ، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁؛ وفيه أنَّ الصَّحابة قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من لم يأت بعد من أمَّتك؟ فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ … » (٢)، وفي حديث

стр. 64

أبي هريرة ﵁ أيضًا: قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذٍ؟ قال: «نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» (١). ٤ - فضل هذه الأمَّة على غيرها من الأمم. ٥ - الدَّلالة على أنَّ الجزاء من جنس العمل. ٦ - إظهار فضل هذه الأمَّة في مواقف القيامة. ٧ - وقوله: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ»، فيه استحباب الزِّيادة في غسل الوجه لتطول الغرَّة الَّتي تكون يوم القيامة، وإطالة التَّحجيل بالزِّيادة في غسل اليدين والرِّجلين إلى أنصاف العضدين أو المنكبين وأنصاف السَّاقين أو الرُّكبتين، وقد كان أبو هريرة ﵁ يفعل شيئًا من ذلك، ولكن رجَّح المحقِّقون أنَّ قوله: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ … إلخ» مدرجٌ من قول أبي هريرة ﵁، وعلى هذا فلا تشرع الزِّيادة في غسل الوجه، ولا المبالغة في غسل اليدين والرِّجلين، وهذا هو الصَّواب. ٨ - إثبات البعث. ٩ - أنَّ كلَّ أمَّةٍ تأتي يوم القيامة مستقلَّةً عن غيرها. ١٠ - استنبط بعض أهل العلم من الحديث كفر تارك الصَّلاة؛ لأنَّ ترك الصَّلاة يستلزم ترك الوضوء، وترك الوضوء يستلزم ألَّا يكون من أمَّة مُحمَّدٍ ﷺ الَّذين يدعون غُرًّا محجَّلين، ويعرفهم بذلك النَّبيُّ ﷺ من بين سائر الأمم. والله أعلم. * * * * *

стр. 65

(٥١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٥٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). * * * الحديثان أصلٌ في التَّيمُّن. وفيهما فوائد، منها: ١ - استحباب التَّيمُّن في لبس النَّعل بأن يلبس اليمنى قبل اليسرى، والخلع بالعكس، وقد جاء في ذلك حديثٌ خاصٌّ، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». متَّفقٌ عليه (٣). ٢ - استحباب التَّيمُّن في ترجيل شعر الرَّأس، وهو تسريحه ودهنه أو غسله. ٣ - استحباب التَّيمُّن في الوضوء والغسل، وقد جاء الأمر به في الوضوء في حديث أبي هريرة ﵁: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ»، والأمر فيه للاستحباب، وحكى الإجماع على ذلك غير واحدٍ، منهم النَّوويُّ (٤)، وقال ابن قدامة: «لا نعلم فيه خلافًا» (٥).

стр. 66

٤ - أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ التَّيمُّن في شأنه كلِّه، وهو ما كان من باب التَّزيين والتَّكريم كهذه المذكورات والأكل والشُّرب، وقد جاء الأمر بذلك؛ كقوله ﷺ : «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» (١). وأمَّا الأمور المكروهة والمفضولة فحقُّها الشِّمال؛ كالاستنجاء، والاستنثار، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد. وأمَّا السِّواك فلم يرد فيه نصٌّ بخصوصه، وقد ذكر العلماء استحباب البداءة بشقِّ الفم الأيمن، واختلفوا فيما يمسك به السِّواك، فقيل: باليمين، وقيل: بالشِّمال، وقيل: بالتَّفصيل بالفرق بين التَّسوُّك عبادةً وتسنُّنًا والتَّسوُّك تنظيفًا، والأظهر: أنَّ التَّسوُّك يكون باليمين؛ لقوله ﷺ : «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٢)، فيدخل في قولها: «وَطُهُورِهِ». ٥ - محبَّة الرَّسول ﷺ للتَّيمُّن، لقولها: «يُعْجِبُهُ» أي: يحبُّ التَّيمُّن، والظَّاهر: أنَّها محبَّةٌ شرعيَّةٌ طبعيَّةٌ فطريَّةٌ. ٦ - كمال هذه الشَّريعة وشمولها، حيث اشتملت على أحكام العادات والعبادات وآدابها. ٧ - أنَّ الرَّسول ﷺ كان لا يحلق شعره إلَّا في حجٍّ أو عمرةٍ، لكن يقصِّره فيكون شعره تارةً لمَّةً وتارةً جمَّةً. ٨ - استحباب إصلاح الشَّعر بالتَّنظيف والتَّسريح. ٩ - جواز الانتعال، ويستحبُّ في الصَّلاة، وقد يجب إذا كان يؤدِّي إلى تضرُّر القدمين، ويحسن الاحتفاء أحيانًا تجنُّبًا للتَّرف.

стр. 67

* * * * * (٥٣) وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - لبس النَّبيِّ ﷺ للعمامة، ولم يعرف أنَّه يكون حاسر الرَّأس إلَّا في الإحرام. ٢ - جواز المسح على العمامة في الوضوء، قال العلماء: بشرط لبسها على طهارةٍ، قياسًا على الخفَّين، وأن تكون محنَّكةً لمشقَّة نزعها، وقاس بعض أهل العلم خمار المرأة المشدود على رأسها على العمامة في جواز المسح، وقال بجواز المسح على العمامة جمعٌ من الصَّحابة والتَّابعين، وهو مذهب الإمام أحمد وهو الصَّواب لفعله ﷺ . ٣ - الجمع بين مسح النَّاصية والعمامة، والغالب من هديه مسح الرَّأس مباشرةً كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيدٍ وعليٍّ (٢)، ولهذا قال ابن القيِّم ﵀: «ثبت عنه ﷺ في الرَّأس ثلاث سننٍ: مسح الرَّأس فقط، ومسح العمامة فقط، والجمع بينهما» (٣). ٤ - المسح على الخفَّين في الوضوء بشرط لبسهما على طهارةٍ، كما يدلُّ عليه حديث: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» الآتي (٤) في باب المسح.

стр. 68

وحكم المسح على الخفَّين قد تواترت به السُّنَّة، ولم ينكره إلَّا أهل البدع من الرَّافضة والخوارج. ٥ - اليسر في أحكام الشَّريعة، وأنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير. ٦ - الجمع في الوضوء بين المسح على العمامة وعلى الخفَّين. * * * * * (٥٤) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الخَبَرِ (١). * * * هذا الحديث طرفٌ من حديث جابرٍ ﵁ الطَّويل في صفة حجِّ النَّبيِّ ﷺ . وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الأمر بالبداءة بما بدأ الله بذكره في كتابه. ٢ - وجوب البداءة بالصَّفا في السَّعي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فإن بدأ بالمروة سقط الشَّوط الأوَّل. ٣ - وجوب التَّرتيب في الوضوء، وذلك بالبداءة بالوجه ثمَّ ما ذكر بعده من أعضاء الوضوء؛ لعموم قوله: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، ولهذا أورده المؤلِّف. ٤ - أنَّ الأصل البداءة بالأهمِّ، فيدلُّ التَّقديم على الأهمِّيَّة. ٥ - استشعار الامتثال عند أداء المأمور؛ لتلاوة النَّبيِّ ﷺ الآية مذكِّرًا ومفسِّرًا، ومثل ذلك أنَّه حين أتى مقام إبراهيم ﷺ قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 69

٦ - أنَّ الصَّفا والمروة من معالم الدِّين؛ فيجب تعظيمهما بما شرع الله من الطَّواف بينهما في الحجِّ أو العمرة. ٧ - بيان الرَّسول ﷺ للقرآن بقوله وفعله، وبيانه لهذه الآية بما قاله على الصَّفا والمروة، وبسعيه بينهما سبعة أشواطٍ. ٨ - فيه شاهدٌ لقاعدة اعتبار عموم اللَّفظ دون خصوص السَّبب. ٩ - أنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة نسكٌ من مناسك الحجِّ والعمرة. * * * * * (٥٥) وَعَنْهُ، ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضعِيفٍ (١). * * * وفي الحديث فائدةٌ، وهي: الدَّلالة على دخول المرافق في المغسول عند غسل اليدين في الوضوء، وقد ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ غسل يديه حتَّى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتَّى أشرع في السَّاق (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ الغاية داخلةٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولهذا قال المفسِّرون: إنَّ ﴿إِلَى﴾ في الآية بمعنى (مع)، فمعنى الحديث صحيحٌ وإن كان سنده ضعيفًا. * * * * * (٥٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ ماجهْ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٣).

стр. 70

(٥٧) (٥٨) وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، وَأَبِي سَعِيدٍ ﵁ نَحْوُهُ (١). وَقَالَ أَحْمَدُ: «لا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ» (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ظاهر الحديث أنَّ التَّسمية شرطٌ لصحَّة الوضوء، وقال به بعض أهل العلم، ومنهم الظَّاهريَّة -إلَّا ابن حزمٍ فقال: إنَّه سنَّةٌ وهو قول الجمهور- وقال الإمام أحمد في الرِّواية المشهورة بوجوب التَّسمية مع الذِّكر، وكلُّ من قال بوجوب التَّسمية في الوضوء أو السُّنِّيَّة فالحديث عنده حسنٌ بمجموع طرقه، ولعلَّ مراد الإمام أحمد بقوله: «لا يثبت فيه شيءٌ»، أنَّه لم يثبت حديثٌ واحدٌ من أحاديث التَّسمية، وهذا لا ينفي ثبوت الحكم بمجموع الأحاديث. ٢ - فضيلة ذكر اسم الله، ولهذا شرع في كثيرٍ من العبادات والعادات وجوبًا أو استحبابًا، تارةً بلفظ التَّسمية باسم الله، وتارةً بلفظ الحمد، وتارةً بالتَّكبير كما في الصَّلاة، وتارةً بالتَّلبية كما في الحجِّ والعمرة، والغالب بلفظ التَّسمية، وأكثر ذلك في العادات كالأكل والشُّرب والجماع والنَّوم والدُّخول والخروج والذَّبح، عادةً كان أو عبادةً. * * * * * (٥٩) وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٣). (٦٠) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ منْهُ الْمَاءَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٤).

стр. 71

(٦١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدةٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من صفة المضمضة والاستنشاق في الوضوء الفصل بينهما، كما يفيده حديث طلحة، وذلك بأن يأخذ لكلٍّ منهما ماءً جديدًا، فيمضمض ويستنشق بغرفتين، فإن ثلَّث اقتضى ستَّ غرفاتٍ، وهذا بعيدٌ، والحديث ضعيفٌ. ٢ - أنَّ من صفة المضمضة والاستنشاق أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا من كفٍّ واحدةٍ، كما فهمه بعضهم من حديث عليٍّ ﵁، والأظهر: حمله على حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ المتَّفق عليه، وهو نصٌّ في المضمضة والاستنشاق ثلاثًا بثلاث غرفاتٍ. ٣ - الأحاديث كلُّها دالَّةٌ على مشروعيَّة المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو متَّفقٌ عليه. واختلف في وجوبهما، وقد تقدَّم. * * * * * (٦٢) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٢). * * *

стр. 72

هذا الحديث من الأدلَّة على وجوب إسباغ الوضوء، وفي «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال للَّذين قصَّروا في غسل أعقابهم: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (١). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب إسباغ الوضوء. ٢ - أنَّه لا يعفى عن اليسير في غسل أعضاء الوضوء. ٣ - وجوب الموالاة؛ لقوله: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، وقد جاء في حديث عمر ﵁ أنَّه أمره بإعادة الوضوء والصَّلاة (٢)، وإعادة الوضوء ليس لها موجبٌ إلَّا ترك الموالاة، ولكن إذا لم تنشف الأعضاء فإحسان الوضوء بغسل المتروك من أعضاء الوضوء وما بعده، مراعاةً للتَّرتيب. ٤ - أنَّ الإخلال بالوضوء لا يعذر فيه بالجهل -في الجملة- ولا بالنِّسيان. ٥ - الأمر بالمعروف. ٦ - أنَّ إسباغ الوضوء إحسانٌ. ٧ - وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء، إلَّا أن يكون اضطراريًّا كالجبيرة. * * * * * (٦٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 73

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - بيان مقدار الماء الَّذي كان النَّبيُّ ﷺ يتوضَّأ به ويغتسل به. ٢ - أنَّه ﷺ كان يتوضَّأ بالمدِّ، وهو ربع الصَّاع، وهو رطلٌ وثلثٌ. ٣ - أنَّه ﷺ كان يغتسل بالصَّاع إلى خمسة أمدادٍ. ٤ - الاقتصاد في ماء الوضوء، ولا ينافي هذا أنَّه ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه في إناءٍ يقال له (الفَرَقُ) (١) يسع ثلاثة أصواعٍ؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ممتلئًا. ٥ - بيان السُّنَّة للقرآن، فإنَّ الله أمر بالوضوء والغسل، ولم يذكر مقدار الماء لهما. ٦ - أنَّ من السُّنَّة مراعاة هذا المقدار في الوضوء والغسل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٧ - أنَّ تعمُّد الزِّيادة الكثيرة على المدِّ وخمسة الأمداد مخالفةٌ لهديه ﷺ ، ومن أفعال أهل التَّنطُّع والوسواس، وقد يتضمَّن إضاعة المال. * * * * * (٦٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وزاد: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» (٢).

стр. 74

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الوضوء عبادةٌ، ولذلك تعتبر فيه النِّيَّة، خلافًا للحنفيَّة. ٢ - فضل إسباغ الوضوء. ٣ - استحباب ذكر الشَّهادتين بعد الوضوء. ٤ - فضل الجمع بين الوضوء والشَّهادتين. ٥ - اعتبار لفظ الشَّهادة في هذا المقام، فلا يكفي أن يقول: لا إله إلَّا الله مُحمَّدٌ رسول الله؛ بل يقول: أشهد. ٦ - الجمع بين ذكر الله وذكر الرَّسول، وهو أحد المواضع الَّتي يقرن فيها ذكر الرَّسول ﷺ بذكر الله : كالتَّشهُّد والأذان والإقامة. ٧ - الجمع بين الطَّهارتين؛ الظَّاهرة والباطنة. ٨ - أنَّ من حقَّق الطَّهارتين: الحسِّيَّة بالوضوء، و المعنويَّة بالتَّوحيد، تفتح له أبواب الجنَّة الثَّمانية يوم القيامة. ٩ - أنَّ أبواب الجنَّة ثمانيةٌ. ١٠ - التَّعبير بالماضي عن المستقبل لتحقُّق الوقوع في قوله: «فُتِحَتْ». ١١ - استحباب هذا الدُّعاء بعد الوضوء: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ». ١٢ - فضل التَّوَّابين والمُتطهِّرين، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ١٣ - سِرُّ الجمع بين الوصفين: التَّوبة و التَّطهُّر، وهو أنَّ كلًّا منهما طهارةٌ وسببٌ لمغفرة الذُّنوب.

стр. 75

١٤ - الرَّدُّ على القدريَّة القائلين بأنَّ الله لا يقدر أن يجعل العبد فاعلاً، بل العبد يستقلُّ بفعله. ١٥ - الرَّدُّ على الجبريَّة في نفيهم لفعل العبد ومشيئته؛ لإضافة الفعل إليه كقوله: يتوضَّأ، يسبغ، يقول، شاء. ١٦ - أنَّ ما ذكر في هذا الحديث من الأحكام عامٌّ لكلِّ أحدٍ من المسلمين. ١٧ - أنَّ من صيغ العموم النَّكرة بعد النَّفي، ويؤكِّده مجيء (من) الجارَّة لتنصيص العموم، في قوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ». ١٨ - إثبات الجنَّة وأنَّ لها أبوابًا. فوائد تتضمنها الشهادتان: ١٩ - أنَّه لا يكفي في الشَّهادتين اعتقاد القلب، بل لا بدَّ من النُّطق. ٢٠ - لا بدَّ في الشَّهادتين من تصديق القلب وانقياده، وإقرار اللِّسان. ٢١ - أنَّه لا بدَّ في الشَّهادتين من العلم بمعناهما. ٢٢ - أنَّ التَّوحيد مبنيٌّ على الكفر بالطَّاغوت والإيمان بالله، فالكفر بالطَّاغوت مدلول النَّفي في كلمة التَّوحيد، والإيمان بالله مدلول الإثبات في بطلان إلهيَّة كلِّ معبودٍ سوى الله. ٢٣ - أنَّ الله هو المستحقُّ وحده للعبادة. ٢٤ - وجوب إفراده تعالى بالعبادة. ٢٥ - تأكيد المعاني المهمَّة، ولذا أكِّد ما في كلمة التَّوحيد من الإثبات بقوله: «وَحْدَهُ»، وما فيها من النَّفي بقوله: «لَا شَرِيكَ لَهُ». ٢٦ - أنَّ الاعتقاد الحقَّ هو الجمع بين العبوديَّة والرِّسالة في شهادة أنَّ مُحمَّدًا رسول الله، خلافًا لأهل الغلوِّ وأهل الجفاء.
следующие страницы →