← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(٦١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدةٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من صفة المضمضة والاستنشاق في الوضوء الفصل بينهما، كما يفيده حديث طلحة، وذلك بأن يأخذ لكلٍّ منهما ماءً جديدًا، فيمضمض ويستنشق بغرفتين، فإن ثلَّث اقتضى ستَّ غرفاتٍ، وهذا بعيدٌ، والحديث ضعيفٌ. ٢ - أنَّ من صفة المضمضة والاستنشاق أن يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا من كفٍّ واحدةٍ، كما فهمه بعضهم من حديث عليٍّ ﵁، والأظهر: حمله على حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ المتَّفق عليه، وهو نصٌّ في المضمضة والاستنشاق ثلاثًا بثلاث غرفاتٍ. ٣ - الأحاديث كلُّها دالَّةٌ على مشروعيَّة المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو متَّفقٌ عليه. واختلف في وجوبهما، وقد تقدَّم. * * * * * (٦٢) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٢). * * *

стр. 72

هذا الحديث من الأدلَّة على وجوب إسباغ الوضوء، وفي «الصَّحيحين» عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال للَّذين قصَّروا في غسل أعقابهم: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (١). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب إسباغ الوضوء. ٢ - أنَّه لا يعفى عن اليسير في غسل أعضاء الوضوء. ٣ - وجوب الموالاة؛ لقوله: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، وقد جاء في حديث عمر ﵁ أنَّه أمره بإعادة الوضوء والصَّلاة (٢)، وإعادة الوضوء ليس لها موجبٌ إلَّا ترك الموالاة، ولكن إذا لم تنشف الأعضاء فإحسان الوضوء بغسل المتروك من أعضاء الوضوء وما بعده، مراعاةً للتَّرتيب. ٤ - أنَّ الإخلال بالوضوء لا يعذر فيه بالجهل -في الجملة- ولا بالنِّسيان. ٥ - الأمر بالمعروف. ٦ - أنَّ إسباغ الوضوء إحسانٌ. ٧ - وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء، إلَّا أن يكون اضطراريًّا كالجبيرة. * * * * * (٦٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 73

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - بيان مقدار الماء الَّذي كان النَّبيُّ ﷺ يتوضَّأ به ويغتسل به. ٢ - أنَّه ﷺ كان يتوضَّأ بالمدِّ، وهو ربع الصَّاع، وهو رطلٌ وثلثٌ. ٣ - أنَّه ﷺ كان يغتسل بالصَّاع إلى خمسة أمدادٍ. ٤ - الاقتصاد في ماء الوضوء، ولا ينافي هذا أنَّه ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه في إناءٍ يقال له (الفَرَقُ) (١) يسع ثلاثة أصواعٍ؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ممتلئًا. ٥ - بيان السُّنَّة للقرآن، فإنَّ الله أمر بالوضوء والغسل، ولم يذكر مقدار الماء لهما. ٦ - أنَّ من السُّنَّة مراعاة هذا المقدار في الوضوء والغسل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٧ - أنَّ تعمُّد الزِّيادة الكثيرة على المدِّ وخمسة الأمداد مخالفةٌ لهديه ﷺ ، ومن أفعال أهل التَّنطُّع والوسواس، وقد يتضمَّن إضاعة المال. * * * * * (٦٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وزاد: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» (٢).

стр. 74

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الوضوء عبادةٌ، ولذلك تعتبر فيه النِّيَّة، خلافًا للحنفيَّة. ٢ - فضل إسباغ الوضوء. ٣ - استحباب ذكر الشَّهادتين بعد الوضوء. ٤ - فضل الجمع بين الوضوء والشَّهادتين. ٥ - اعتبار لفظ الشَّهادة في هذا المقام، فلا يكفي أن يقول: لا إله إلَّا الله مُحمَّدٌ رسول الله؛ بل يقول: أشهد. ٦ - الجمع بين ذكر الله وذكر الرَّسول، وهو أحد المواضع الَّتي يقرن فيها ذكر الرَّسول ﷺ بذكر الله : كالتَّشهُّد والأذان والإقامة. ٧ - الجمع بين الطَّهارتين؛ الظَّاهرة والباطنة. ٨ - أنَّ من حقَّق الطَّهارتين: الحسِّيَّة بالوضوء، و المعنويَّة بالتَّوحيد، تفتح له أبواب الجنَّة الثَّمانية يوم القيامة. ٩ - أنَّ أبواب الجنَّة ثمانيةٌ. ١٠ - التَّعبير بالماضي عن المستقبل لتحقُّق الوقوع في قوله: «فُتِحَتْ». ١١ - استحباب هذا الدُّعاء بعد الوضوء: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ». ١٢ - فضل التَّوَّابين والمُتطهِّرين، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ١٣ - سِرُّ الجمع بين الوصفين: التَّوبة و التَّطهُّر، وهو أنَّ كلًّا منهما طهارةٌ وسببٌ لمغفرة الذُّنوب.

стр. 75

١٤ - الرَّدُّ على القدريَّة القائلين بأنَّ الله لا يقدر أن يجعل العبد فاعلاً، بل العبد يستقلُّ بفعله. ١٥ - الرَّدُّ على الجبريَّة في نفيهم لفعل العبد ومشيئته؛ لإضافة الفعل إليه كقوله: يتوضَّأ، يسبغ، يقول، شاء. ١٦ - أنَّ ما ذكر في هذا الحديث من الأحكام عامٌّ لكلِّ أحدٍ من المسلمين. ١٧ - أنَّ من صيغ العموم النَّكرة بعد النَّفي، ويؤكِّده مجيء (من) الجارَّة لتنصيص العموم، في قوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ». ١٨ - إثبات الجنَّة وأنَّ لها أبوابًا. فوائد تتضمنها الشهادتان: ١٩ - أنَّه لا يكفي في الشَّهادتين اعتقاد القلب، بل لا بدَّ من النُّطق. ٢٠ - لا بدَّ في الشَّهادتين من تصديق القلب وانقياده، وإقرار اللِّسان. ٢١ - أنَّه لا بدَّ في الشَّهادتين من العلم بمعناهما. ٢٢ - أنَّ التَّوحيد مبنيٌّ على الكفر بالطَّاغوت والإيمان بالله، فالكفر بالطَّاغوت مدلول النَّفي في كلمة التَّوحيد، والإيمان بالله مدلول الإثبات في بطلان إلهيَّة كلِّ معبودٍ سوى الله. ٢٣ - أنَّ الله هو المستحقُّ وحده للعبادة. ٢٤ - وجوب إفراده تعالى بالعبادة. ٢٥ - تأكيد المعاني المهمَّة، ولذا أكِّد ما في كلمة التَّوحيد من الإثبات بقوله: «وَحْدَهُ»، وما فيها من النَّفي بقوله: «لَا شَرِيكَ لَهُ». ٢٦ - أنَّ الاعتقاد الحقَّ هو الجمع بين العبوديَّة والرِّسالة في شهادة أنَّ مُحمَّدًا رسول الله، خلافًا لأهل الغلوِّ وأهل الجفاء.

стр. 76

٢٧ - أنَّه لا غضاضة في وصف الرَّسول بالعبوديَّة بل في ذلك ذكر شرفه ﷺ بتحقيق العبوديَّة، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ٢٨ - الرَّدُّ على من جعل للنَّبيِّ ﷺ بعض خصائص الإلهيَّة. ٢٩ - وجوب اتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ ذلك مقتضى أنَّه رسول الله. ٣٠ - تحريم الابتداع في الدِّين، والرَّدُّ على المبتدعين. * * * * *

стр. 77

بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ * * * ذكر باب المسح على الخُفَّين بعد باب الوضوء؛ لأنَّ المسح على الخُفَّين داخلٌ في صفة الوضوء؛ لأنَّه بدلٌ عن غسل الرِّجلين. * * * * * (٦٥) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٦٦) وَلِلأرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٢). (٦٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز المسح على الخُفَّين في الوضوء. ٢ - جواز المسح على الخفَّين وإن كان فيهما ثقوبٌ، لإطلاق اسم الخُفِّ في الأحاديث.

стр. 78

٣ - الرَّدُّ على الرَّافضة والخوارج في إنكار المسح على الخُفَّين. ٤ - أنَّ حكم المسح على الخُفَّين متأخِّرٌ عن آية الوضوء في المائدة؛ لأنَّ هذا الحديث كان في غزوة تبوك. ٥ - البناء على الأصل حتَّى يرد الدَّليل النَّاقل؛ لأنَّ المغيرة أراد نزع الخُفَّين بناءً على أنَّ الفرض غسل الرِّجلين. ٦ - أنَّ السُّنَّة لمن كان لابسًا للخُفَّين المسح عليهما. ٧ - أنَّ المسح على الخُفَّين أفضل من خلعهما وغسل الرِّجلين. ٨ - أنَّ خلع الخُفَّين لغسل الرِّجلين فيه مشابهةٌ لأهل البدع. ٩ - أنَّ من لم يقنع بالمسح على الخُفَّين فهو مبتدعٌ. ١٠ - أنَّ شرط المسح على الخُفَّين لبسهما على طهارةٍ بالماء، لقوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»؛ أي: بالماء، وهذا قول الجمهور، وحكي فيه الإجماع (١)؛ لأنَّ التَّيمُّم لا تعلُّق له بالرِّجلين، ولقوله ﷺ : «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا … » (٢)، ولأنَّ طهارة التَّيمُّم تبطل بوجود الماء. ١١ - جواز المسح على الخُفَّين في الحضر والسَّفر؛ لقوله: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فالعلَّة عامَّةٌ. ١٢ - أنَّ الأحكام الشَّرعيَّة مُعلَّلةٌ. ١٣ - أنَّ العلَّة في هذه الرُّخصة لبسهما على طهارةٍ. ١٤ - جواز الوضوء بحضرة النَّاس.

стр. 79

١٥ - جواز إعانة المتوضِّئ بالصَّبِّ عليه وبخلع ما يحتاج إلى خلعه بلا كراهةٍ. ١٦ - فضيلة المغيرة بن شعبة ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ . ١٧ - قيل: قوله: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» يدلُّ على أنَّه لا يلبس الخُفَّ اليمنى إلَّا بعد غسل اليسرى، فإن فعل لم يجزئه إلَّا أن يخلع اليمنى ثمَّ يلبسها، والصَّحيح: جوازه؛ لأنَّ المقصود حصول القدمين في الخفَّين طاهرتين، ولأنَّه لا معنى لنزع الخفِّ ثمَّ لبسه. ١٨ - أنَّ المسح على الخُفَّين من وجوه يُسر الشَّريعة. ١٩ - أنَّ المشروع هو المسح على ظاهر الخُفِّ وهو أعلاه، كما يدلُّ عليه حديث عليٍّ ﵁، وأمَّا حديث مسح أسفل الخُفِّ فضعيفٌ، ومسح أسفل الخُفِّ كما أنَّه مخالفٌ للسُّنَّة فهو مخالفٌ للرَّأي والعقل؛ لأنَّ مسح أسفل الخُفِّ -وهو يتعرَّض للقذر- فيه تقذيرٌ لليد ولا يزول بالمسح قذرٌ. ٢٠ - التَّخيير بين مسح الخُفَّين باليدين دفعةً واحدةً أو اليمنى قبل اليسرى. ٢١ - أنَّ الدِّين ليس بالرَّأي، كما قال عليٌّ ﵁، بل بالشَّرع من الكتاب والسُّنَّة، والعقل الصَّريح لا يعارض ما جاء به الرَّسول ﷺ ، بل يشهد له أو لا يحكم بشيءٍ. * * * * * (٦٨) وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاه (١).

стр. 80

(٦٩) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ»؛ يَعْنِي: فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * الحديثان أصلٌ في توقيت المسح على الخُفَّين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - جواز المسح على الخُفَّين في السَّفر. ٢ - أنَّ مدَّة المسح على الخُفَّين في السَّفر ثلاثة أيَّامٍ. ٣ - أنَّ مدَّة الحضر يومٌ وليلةٌ. ٤ - أنَّ ابتداء مدَّة المسح من المسح بالفعل. ٥ - أنَّ المسح لا يُشرع إلَّا في الطَّهارة من الحدث الأصغر. ٦ - النَّهي عن خلع الخُفِّ من أجل غسل الرِّجلين؛ لقوله: «أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا». ٧ - أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء. ٨ - وجوب خلع الخُفَّين من أجل غسل الجنابة. ٩ - أنَّه لا يجوز المسح بعد انقضاء المدَّة، بل يجب استئناف الطَّهارة وغسل الرِّجلين. ١٠ - التَّوسعة في الرُّخصة للمسافر. ١١ - أنَّ للسَّفر رخصًا يختصُّ بها. ١٢ - مراعاة الشَّريعة في أحكامها لاختلاف الأحوال. ١٣ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.

стр. 81

* * * * * (٧٠) وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ يَعْنِي: العَمَائِمَ وَالتَّسَاخِينِ يَعْنِي: الخِفَافَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * الحديث أصلٌ في جواز المسح على العمامة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - بعث الإمام السَّرايا للجهاد، وهو مقيمٌ. ٢ - جواز المسح على العمامة. ٣ - جواز المسح على الخُفَّين. ٤ - أنَّ الأمر يأتي للإباحة. ٥ - أنَّ المسح لا يتقيَّد بمدَّةٍ؛ لأنَّ الحديث مطلقٌ، وفي حديث صفوان وعليٍّ ﵃ تقييد المسح على الخُفَّين بمدَّةٍ، كما مرَّ، فيجب حمل المطلق على المقيَّد. وحكم المسح على العمامة في ذلك كحكم المسح على الخفَّين. ٦ - جواز المسح على العمامة والخُفَّين على أيِّ حالٍ كان لبسهما، ولكن دلَّ حديث المغيرة المتقدِّم (٢) وغيره على اشتراط لبس الخُفَّين على طهارةٍ وأنَّ ذلك علَّة المسح، وحكم العمامة في ذلك كالخفَّين، فيشترط لجواز المسح اللُّبس على طهارةٍ. ٧ - توجيه الإمام من يبعثه في أمرٍ إلى ما يحتاج إليه. * * * * *

стр. 82

(٧١) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ مَوْقُوفًا، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، ولا يَخْلَعْهُمَا -إنْ شَاءَ- إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (١). (٧٢) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). (٧٣) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ (٣). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز المسح على الخُفَّين. ٢ - التَّخيير بين المسح على الخُفَّين أو خلعهما وغسل الرِّجلين؛ لقوله: «إنْ شَاءَ»، لكن لا زهدًا في الرُّخصة ولا تحرُّجًا. ٣ - اشتراط لبس الخُفَّين على طهارةٍ لجواز المسح؛ لقوله: «إِذَا تَوَضَّأَ»، «إذا تطهَّر». ٤ - وجوب خلع الخُفَّين للغسل من الجنابة، فلا يجزئ المسح عليها في الغسل من الجنابة وهذا مجمعٌ عليه. ٥ - أنَّ المسح على الخُفَّين موقَّتٌ بيومٍ وليلةٍ للمقيم، وثلاثة أيَّامٍ للمسافر، فلا يجوز المسح بعد انقضاء المدَّة.

стр. 83

٦ - أنَّ المسح على الخُفَّين رخصةٌ. ٧ - رحمة الله بعباده بتيسير شرائعه. ٨ - وفي حديث أُبيٍّ: جواز المسح على الخُفَّين وأنَّه غير موقَّتٍ بمدَّةٍ، ولكنَّ الحديث ليس بالقويِّ فلا يقاوم الأحاديث المستفيضة الدَّالَّة على التَّوقيت. وبهذا يعلم أنَّ الصَّواب: قول من يقول بتوقيت المسح بما ورد في حديث صفوان وعليٍّ وأبي بكرة، وهم الجمهور، وجمع بعض أهل العلم بين حديث أُبيٍّ وهذه الأحاديث بحمل حديث أُبيٍّ على من يتضرَّر بمراعاة التَّوقيت؛ كصاحب البريد والمريض، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (١). والله أعلم. * * * * *

стр. 84

بَابُ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ * * * نواقض الوضوء: هي مبطلات الطَّهارة، وسمِّيت نواقض؛ لأنَّ الطَّهارة كالشَّيء المبرم المحكم، ويقال للنَّواقض أيضًا: موجبات الطَّهارة؛ لأنَّها تجب الطَّهارة منها لما تشترط فيه الطَّهارة كالصَّلاة. والنَّواقض ثلاثة أقسامٍ: فمنها: ما هو ناقضٌ بالإجماع، ومنها: ما هو مختلفٌ فيه، والرَّاجح: النَّقض، ومنها: ما هو مختلفٌ فيه، والرَّاجح: عدم النَّقض. * * * * * (٧٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -عَلَى عَهْدِهِ- يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّؤُونَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (١). * * * الحديث أصلٌ في عدم نقض الوضوء بالنَّوم. وفيه فوائد، منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الجماعة. ٢ - التَّقدُّم إلى صلاة الجماعة قبل الإقامة. ٣ - فضل الصَّحابة وطلبهم للأجر. ٤ - الانتظار في الصَّلاة ليجتمع النَّاس.

стр. 85

٥ - أنَّ النَّوم اليسير لا ينقض الوضوء، وهذا يخالف حديث صفوان المتقدِّم «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» (١)، ولهذا اختلف العلماء في ذلك على ثمانية مذاهب، أهمُّها قولان: الأَوَّلُ: الفرق بين اليسير (وهو الخفيف) والكثير (وهو الثَّقيل المستغرق). الثَّانِي: الفرق بين نوم القاعد المتمكِّن وغيره؛ كالمضطجع والمستلقي. وحديث أنسٍ ﵁ يشهد للقول الأوَّل. والقول الثَّاني: مبنيٌّ على أنَّ النَّوم مظنَّةٌ لنقض الوضوء لا أنَّه بمجرَّده ناقضٌ. ٦ - وجوب الوضوء للصَّلاة، وذلك من ضروريَّات الدِّين. ٧ - أنَّ ما وقع في عهده ﷺ ولم ينه عنه دلَّ ذلك على جوازه، كما قال جابرٌ ﵁: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَنْهَنَا» (٢). * * * * * (٧٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: «لَا، إنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٧٦) وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ». وأشار مسلمٌ إلى أنَّه حذفها عمدًا (٤).

стр. 86

* * * الحديث أصلٌ في حكم المستحاضة. وفيه فوائد، منها: ١ - وقوع الاستحاضة في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وعدد النِّساء اللَّاتي استحضن نحوٌ من عشرٍ، منهنَّ: فاطمة بنت أبي حبيشٍ، وزينب وأمُّ حبيبة وحمنة بنات جحشٍ (١) ﵅. ٢ - أنَّ المستحاضة تتحيَّض بعض الزَّمان باعتباراتٍ مختلفةٍ يختلف أهل العلم في أولويَّاتها، وهي: العادة، و صفة الدَّم، و غالب الحيض، وينبني على ذلك معرفة إقبال الحيض وإدباره. ٣ - الفرق بين الحيض والاستحاضة في الحكم، فالحيض يمنع من الصَّلاة، والاستحاضة لا تمنع من الصَّلاة ولا غيرها. ٤ - الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة في مخرجهما من الرَّحم، فدم الاستحاضة من عرقٍ يسمِّيه الفقهاء: العاذل، ودم الحيض يقول الفقهاء: إنَّه يخرج من قعر الرَّحم، فدم الحيض دم طبيعةٍ وجبلَّةٍ، ودم الاستحاضة من علَّةٍ. ٥ - وجوب غسل الدَّم عند إدبار الحيضة، وهو انقضاؤها. ٦ - نجاسة دم الحيض. ٧ - وجوب الطَّهارة من النَّجاسة للصَّلاة، وأمَّا وجوب الغسل من الحيضة فيستفاد من غير هذا الحديث. ٨ - وجوب الوضوء على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ، ولهذا أورد المصنِّف هذا الحديث في باب نواقض الوضوء.

стр. 87

٩ - أنَّ دم الاستحاضة ناقضٌ للوضوء، لكن تباح الصَّلاة بالوضوء لكلِّ صلاةٍ، وهذا مذهب الجمهور، لهذه الرِّواية عند البخاريِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ولم يرها مسلمٌ ثابتةً، فلم يروها، بل ذكر أنَّه تركها. ولهذا قال الحافظ: «وأشار مسلمٌ إلى أنَّه حذفها عمدًا»، وقد اختلف الرُّواة فيها اختلافًا كثيرًا في رفعها ووقفها على عروة ﵁، ومع ذلك أثبتها الإمام البخاريُّ وحسبك به، فمن لم تثبت عنده لا يرى وجوب الوضوء على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ، ولا يكون خروج دم الاستحاضة عنده ناقضًا، وهو مذهب المالكيَّة (١). ١٠ - أنَّ أحكام الحيض والاستحاضة من أمور الدِّين الَّتي يجب تعلُّمها وتعليمها، وقد جاء بعض ذلك في القرآن، ففي هذا الحديث وغيره من النُّصوص ردٌّ على من يهوِّن من شأن العلم بهذه الأحكام. ١١ - فضل نساء الصَّحابة وسؤالهنَّ عمَّا أشكل من مسائل الدِّين حتَّى ما يستحيا من ذكره، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأنْصَارِ؛ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ» (٢). ١٢ - أنَّ المتقرِّر عند نساء الصَّحابة أنَّ خروج الدَّم يمنع من الصَّلاة، فبيَّن النَّبيُّ ﷺ الفرق بين دم الحيض والاستحاضة. ١٣ - أنَّ صوت المرأة ليس بعورةٍ. ١٤ - ذكر ما يستحيا منه ممَّا يستقذر للحاجة. * * * * *

стр. 88

(٧٧) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الْوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). * * * الحديث أصلٌ في حكم المذي، وهو ماءٌ رقيقٌ يخرج بعد تحرُّك الشَّهوة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الوضوء من خروج المذي. ٢ - أنَّ المذي لا يوجب الغسل، بل الَّذي يوجبه خروج المنيِّ، وهو ماءٌ أبيض غليظٌ يخرج دفقًا بلذَّةٍ، إلَّا أن يكون من احتلامٍ، فلا يعتبر فيه الدَّفق واللَّذَّة. ٣ - غسل الأنثيين والذَّكر من المذي، كما جاء في رواياتٍ لهذا الحديث عند مسلمٍ وغيره؛ كقوله: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (٢)، وقوله: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (٣)، وقوله: «يَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ» (٤). ٤ - أنَّه لا يجزئ في التَّطهير من المذي إلَّا الغسل دون الاستجمار، كما تفيده روايات الحديث. ٥ - نجاسة المذي، لكنَّها نجاسةٌ مخفَّفةٌ. ٦ - إخبار الإنسان عن نفسه بما يستحيا منه للحاجة. ٧ - الاستنابة في السُّؤال مع حضور السَّائل أو غيبته.

стр. 89

٨ - سبب استنابة عليٍّ في السُّؤال عن حكم المذي، وهو حياؤه من النبيِّ ﷺ لأنَّه صهره على ابنته، كما صرَّح به في روايةٍ: «فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أسْأَلَهُ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي» (١). * * * * * (٧٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢)، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ (٣). * * * هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والأئمَّة المتقدِّمون على تضعيفه منهم الإمام البخاريُّ، ومن صحَّحه استدلَّ به على أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء. وعلى تقدير صحَّته: فيه فوائد، منها: ١ - أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء، ولو بشهوةٍ؛ لأنَّ تقبيل الزَّوجة لا يكون -في الغالب- إلَّا معها، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقيل: أوَّلاً: إنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، ومن أدلَّتهم هذا الحديث، وحديث عائشة ﵂ اعتراضها بين يدي النَّبيِّ ﷺ وهو يصلِّي من اللَّيل، قالت: «فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِ، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ» (٤). ويعضد هذا المذهب البراءة الأصليَّة، فالأصل عدم النَّقض إلَّا بدليلٍ. ثانيًا: ينقض إن كان بشهوةٍ؛ فإنَّ الشَّهوة مظنَّةٌ لخروج النَّاقض، وهو المسُّ الَّذي يختصُّ بالنِّساء في العادة.

стр. 90

ثالثًا: ينقض مسُّ المرأة مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ [النساء: ٤٣]، وقرئ: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (١)، فظاهره أنَّ مطلق اللَّمس موجبٌ للطَّهارة، وهذا أقوى ما استدلَّ به أصحاب هذا المذهب، كما أنَّه دليل القول الثَّاني، لكنَّهم خصُّوه بما كان لشهوةٍ. وأجاب الأوَّلون عن الآية بأنَّ اللَّمس أو الملامسة كنايةٌ عن الجماع، كما هي سنَّة القرآن في الكناية عنه بالمسِّ والمباشرة والدُّخول والإفضاء والإتيان. والصَّواب -إن شاء الله- هو القول الأوَّل. ٢ - جواز تقبيل الرَّجل زوجته ولو عند الخروج إلى الصَّلاة إذا أمن ما ينقض الوضوء من منيٍّ أو مذيٍ. ٣ - الكناية عمَّا يستحيا من ذكره في إخبار الإنسان عن نفسه، لقولها: «بعض نسائه»، وعائشة ﵂ تعني نفسها، كما جاء في الرِّواية حين سألها عروة. ٤ - أنَّ الاستمتاع بالزَّوجة لا ينافي كمال العبوديَّة، وشواهد هذا من هدي النَّبيِّ ﷺ كثيرةٌ؛ لأنَّ ذلك من مقتضيات البشريَّة والتَّعبُّد بترك ذلك بدعةٌ أنكرها النَّبيُّ ﷺ بقوله: «وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٢). ٥ - حُسن خلقه ﷺ مع أهله. * * * * * (٧٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ أَخَرَجَ منْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣).

стр. 91

* * * الحديث أصلٌ في اطِّراح الشَّكِّ والبناء على اليقين. وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ من تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحدث فإنَّه يبني على ما تيقَّن. ٢ - أنَّه لا فرق بين الشَّكِّ في الحدث في الصَّلاة أو خارج الصَّلاة وهذا قول الجمهور من العلماء. وفرَّق بعضهم (١) فقال: إذا كان الشَّكُّ في الحدث خارج الصَّلاة استأنف الطَّهارة؛ لأنَّ حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ في «الصَّحيحين» فيه ذكر الشَّكِّ في الحدث في الصَّلاة، ولفظه: شكي إلى النَّبي ﷺ الرَّجل يخيَّل إليه أنَّه يجد الشَّيء في الصَّلاة. قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٢). والصَّواب: ما ذهب إليه الجمهور لإطلاق حديث أبي هريرة ﵁ وأنَّ التَّقييد في الصَّلاة لا مفهوم له، كما أنَّ ذكر المسجد في حديث أبي هريرة لا مفهوم له بالاتِّفاق. ٣ - أنَّ الشَّكَّ لا يرفع اليقين في جميع العبادات والمعاملات. وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ اتَّفق عليها العلماء في الجملة، ومن فروع هذه القاعدة: أنَّ من تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة فهو محدثٌ، ومن تيقَّن نجاسة ثوبٍ أو بقعةٍ وشكَّ في تطهيرها فهي نجسةٌ. ومن شكَّ في نجاسة ثوبٍ أو بقعةٍ فهو طاهرٌ؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة، ومن شكَّ في أداء الصَّلاة المفروضة، لم يبرأ إلَّا أن يصلِّيها؛ لأنَّ وجوبها متيقَّنٌ وأداءها مشكوكٌ فيه، ومن ادَّعى على

стр. 92

غيره دينًا بلا بيِّنةٍ فالأصل براءة ذمَّته، ومن ثبت له دينٌ على آخر وادَّعى وفاءً بلا بيِّنةٍ فالأصل ثبوت الدَّين، وأمثلة هذه القاعدة كثيرةٌ لا حصر لها. ٤ - أنَّ اليقين يرتفع باليقين الطَّارئ عليه؛ لقوله: «يَسْمَعَ صَوْتًا». ٥ - يسر الشَّريعة ورفع الحرج عن أهلها، فإنَّ في اعتباره الشَّكَّ حرجًا عظيمًا. وهذا كلُّه لا يمنع من الورع والاحتياط بترك ما فيه شبهةٌ ما لم يبلغ حدَّ الوسواس والحرج وكثرة الشُّكوك، أو يؤدِّي إلى مخالفة دليلٍ صحيحٍ، ويدلُّ لذلك قوله ﷺ لمَّا وجد تمرةً ساقطةً: «لَوْلَا أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَة لأَكَلْتُهَا» (١). ٦ - أنَّ ما خرج مخرج الغالب لا يوجب تقييدًا، فيقين الحدث لا يتوقَّف على سماع الصَّوت والرِّيح، فمتى وجد غير الصَّوت والرِّيح وتحقِّق منه؛ وجب اعتباره. ٧ - أنَّ الرِّيح الخارجة من الدُّبر من نواقض الوضوء. ٨ - تحريم الانصراف من الصَّلاة لمجرَّد الشَّكِّ في الحدث. ٩ - أنَّ اعتماد ما جاء في هذين الحديثين -من اطِّراح الشَّكِّ- أعظم علاجٍ للوسواس. * * * * * (٨٠) وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسِسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَالَ: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاةِ، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا، إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). وَقَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.

стр. 93

(٨١) وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١). وَقَالَ البُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ. * * * هذان الحديثان يتعلَّقان بحكم الوضوء من مسِّ الذَّكر، والحديثان في حكمهما اختلافٌ، والأقرب: أنَّهما من نوع الحسن، وظاهرهما التَّعارض، فحديث طلقٍ يدلُّ على أنَّ مسَّ الذَّكر لا يوجب الوضوء، وحديث بسرة فيه أمر من مسَّ ذكره بالوضوء، ولهذا اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بمسِّ الذَّكر على مذاهب: ١ - أنَّ مسَّ الذَّكر لا ينقض الوضوء ترجيحًا لحديث طلقٍ على حديث بسرة ﵃ أو جمعًا بينهما بحمل حديث بسرة على استحباب الوضوء. ٢ - أنَّ مسَّ الذَّكر ينقض الوضوء، بل مسُّ الفرج قبلاً كان أو دبرًا ينقض الوضوء، كما جاء في حديث: «أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا اِمْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» (٢)، وأجيب عن حديث طلقٍ ﵁ بأنَّه منسوخٌ؛ لأنَّه: أَوَّلاً: مُبقٍ على البراءة الأصليَّة، وحديث بسرة ﵂ ناقلٌ. ثَانِيًا: ذكروا أنَّ طلقًا ﵁ قدم على النَّبيِّ ﷺ في أوَّل الهجرة، وقت بناء مسجده ﵊ (٣).

стр. 94

وأجاب بعضهم بالجمع بين الحديثين، وذلك بحمل حديث بسرة على ما إذا كان المسُّ بشهوةٍ، وحديث طلقٍ على ما لم يكن بشهوةٍ، أو بحمل حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلقٍ على نفي الوجوب. فتبين أن في حكم الوضوء من مس الذكر قولين: ١ - الوجوب. ٢ - الاستحباب. وبين القائلين بالوجوب اختلافاتٌ؛ فمنهم: من قيَّد الوجوب بالمسِّ بشهوةٍ، ومنهم: من قيَّده بتعمُّد ذلك، ومنهم: من أطلق. واختار شيخ الإسلام التَّوسُّط، وهو أنَّ الوضوء مستحبٌّ (١). وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنَّه لا يجب الوضوء من مسِّ الذَّكر؛ لحديث طلق. ٢ - تعليل ذلك بأنَّ الذَّكر كغيره من أعضاء الإنسان. ٣ - أنَّ مسَّ أيِّ موضعٍ من البدن لا ينقض الوضوء. ٤ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقوله: «إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ». ٥ - حسن تعليمه ﷺ ببيان الحكم مع دليله. ٦ - أنَّ مسَّ الذَّكر موجبٌ للوضوء؛ لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب فيكون ناقضًا للوضوء، ومن حمل الأمر على الاستحباب فعنده أنَّه غير ناقضٍ، وحمل الأمر على الوجوب أظهر؛ لأنَّه الأصل، ولاعتضاد حديث بسرة ﵁ بشواهد من الحديث (٢) بخلاف حديث طلقٍ ﵁ فلا شواهد له. * * * * *

стр. 95

(٨٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لا يَتَكَلَّمُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه (١)، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (٢). * * * الحديث استدُلَّ به على نقض الوضوء بالخارج النَّجس من البدن؛ كالدَّم والقيء، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ ومعارضٌ بما هو أرجح منه. وفيه على تقدير الاحتجاج به فوائد، منها: ١ - أنَّ القيء ناقضٌ للوضوء، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من العلماء، وعضدوا ذلك بحديث ثوبان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاء فتوضَّأ» (٣)، ولكنَّه حديثٌ مختلفٌ في لفظه. ٢ - وذهب آخرون من العلماء إلى أنَّ القيء لا ينقض الوضوء؛ لعدم الدَّليل النَّاهض في ذلك. ٣ - نجاسة القيء. ٤ - أنَّ القلس ناقضٌ للوضوء، والقلس: ما كان من القيء ملء الفم أو دونه. ٥ - أنَّه لا يشترط في النَّقض بالقيء أن يكون كثيرًا، واشترط بعضهم ذلك.

стр. 96

٦ - أنَّ خروج الدَّم ناقضٌ للوضوء قليلاً كان أو كثيرًا، والخلاف فيه كالخلاف في القيء، واستدلَّ لعدم النَّقض بالدَّم بما سيأتي من أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وصلَّى، ولم يتوضَّأ (١)، وهو أجود من هذا الحديث، وأظهر من ذلك أنَّ الصَّحابة ﵃ كانت تصيبهم الجراح في الجهاد ولم ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أحدًا بالوضوء، مع عموم البلوى بذلك (٢). فالصَّواب: أنَّ خروج الدَّم والقيء لا ينقض الوضوء، لكن يغسل ما أصاب الثَّوب والبدن منهما، ويعفى عن اليسير؛ لأنَّ الجمهور على أنَّ القيء والدَّم نجسان، بل حكي الإجماع على نجاسة الدَّم، وهذا كلُّه فيما خرج من غير السَّبيلين. ٧ - أنَّ المذي ناقضٌ للوضوء، وهذا متَّفقٌ عليه؛ لحديث عليٍّ ﵁ المتقدِّم (٣). ٨ - أنَّ من سبقه الحدث (٤) في الصَّلاة ينصرف ويتوضَّأ، ثمَّ يعود ويبني على صلاته، ولا يتكلَّم حال انصرافه، وقال بذلك قومٌ لهذا الحديث؛ ولكنَّه لا يصلح دليلاً، ويعارضه في هذا الحكم حديث عليِّ بن طلقٍ الآتي في شروط الصَّلاة (٥)، ولفظه: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ».

стр. 97

وجمهور العلماء على ما دلَّ عليه حديث عليِّ بن طلقٍ، وهو أنَّ المحدث في الصَّلاة لا يبني على ما مضى من صلاته، لكن صحَّ عن ابن عمر ﵃ أنَّه إذا رعف في الصَّلاة انصرف وتوضَّأ وبنى على صلاته (١)، ولعلَّ هذا عنده في الرُّعاف خاصَّةً، لا في أيِّ حدثٍ. * * * * * (٨٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * الحديث أصلٌ في وجوب الوضوء من لحم الإبل دون لحم الغنم وغيرها، وفي معناه حديث البراء بن عازبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : سئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: «تَوَضَّؤُوا مِنْهَا»، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: «لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا» (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وقد قال بذلك الإمام أحمد وجماعةٌ، وعلَّق الشَّافعيُّ القول بالحديث على صحَّته (٤)، والحديث صحيحٌ، بل الحديثان، وعلى هذا فأكل لحم الإبل ناقضٌ للوضوء.

стр. 98

٢ - وذهب الجمهور من العلماء إلى عدم النَّقض بلحم الإبل، فلا يجب الوضوء منه، وتأوَّلوا الحكم في الحديثين أنَّه من قبيل الوضوء ممَّا مسَّت النَّار، وهو منسوخٌ بحديث جابرٍ ﵁ قال: «كان آخِرَ الأمرَيْنِ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ» (١). والصَّحيح في هذه المسألة: أنَّ المنسوخ هو وجوب الوضوء ممَّا مسَّت النَّار. ٣ - وجوب الوضوء من لحم الإبل سواءٌ أكان نيئًا أم مطبوخًا للإطلاق في الحديث، وبهذا يردُّ على من حمله على ما مسَّته النَّار. ٤ - أنَّ الشَّحم والكرش كاللَّحم في نقض الوضوء؛ لأنَّه يعبَّر باللَّحم إذا أضيف إلى الحيوان عن جميع أجزائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وأكثر القائلين بوجوب الوضوء خصُّوه باللَّحم دون سائر الأجزاء، والأوَّل أظهر. واعلم أنَّ القائلين بوجوب الوضوء من لحم الإبل اختلفوا في مرق لحمها وألبانها، والأحوط الوضوء منهما. ٥ - أنَّه لا يجب الوضوء من سائر اللُّحوم؛ لقوله في الحديث: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ»، وهذا يدلُّ على فساد حمل الحديث على ما مسَّت النَّار؛ لأنَّه لو كان الأمر كذلك لما فرَّق بين الإبل والغنم. ٦ - أنَّ في لحم الإبل ما يقتضي الوضوء منه دون لحم الغنم؛ لأنَّ الشَّريعة لا تفرِّق بين المتماثلات، وقد قيل في حكمة الوضوء من لحم الإبل: إنَّها شرسة الأخلاق ففيها شيطنةٌ، وجاءت آثارٌ تشير إلى ذلك. ويشهد للفرق

стр. 99

بين الإبل وغيرها والأمر بالوضوء من لحمها النَّهي عن الصَّلاة في أعطانها، فالوضوء من لحم الإبل يمنع من التَّأثُّر بأخلاقها. * * * * * (٨٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١)، وَقَالَ أَحْمَدُ: لا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ (٢). * * * الحديث استدلَّ به على حكم الغسل من تغسيل الميِّت والوضوء من حمله، ولذلك أورده المؤلِّف في نواقض الوضوء ولكنَّ الحديث كما قال أحمد: «لا يصحُّ في هذا الباب شيءٌ». وفي الحديث -على تقدير الاحتجاج به- فوائد، منها: ١ - الأمر بالغسل من تغسيل الميِّت. واختلف العلماء في حكم هذا الغسل: فقيل: إنَّه واجبٌ لهذا الحديث. وقيل: إنَّه مستحبٌّ لهذا الحديث مع غيره؛ كحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يغتسل من أربعٍ» قالت: «ومن غسل الميِّت» (٣)، ولخبر أسماء بنت عميسٍ ﵃ امرأة أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁؛ أنَّها غسَّلت أبا بكرٍ حين توفِّي، فخرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: «إنِّي صائمةٌ وإنَّ هذا يومٌ شديد البرد، فهل عليَّ من غسلٍ؟ قالوا: لا» (٤).

стр. 100

وقيل: لا يشرع الغسل؛ إذ لم يقم عليه دليلٌ. والأحاديث في ذلك لم يصحَّ منها شيءٌ، كما قال الإمام أحمد وعلي بن المديني (١)، ورجَّح شيخنا ابن باز ﵀ صحة حديث عائشة ﵂ كما سيأتي، وعلى هذا فالرَّاجح هو: القول بالاستحباب لمجموع الأحاديث والآثار. ومن ذلك ما رواه البيهقيُّ عن ابن عمر ﵃ أنَّه قال: «كنَّا نغسِّل الميِّت فمنَّا من يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» (٢). وممَّا يدلُّ على عدم وجوب الغسل ولا الوضوء حديث ابن عبَّاسٍ ﵃؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ؛ إنَّهُ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ طَاهِرٌ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» (٣). ٢ - أمر من حمل الميِّت بالوضوء. ولم يحفظ القول به عن أحدٍ من العلماء إلَّا ابن حزمٍ بناءً على تصحيحه لحديث الباب (٤)، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، ولم يرد له في هذا الحكم ما يعضده، ولا تظهر له مناسبةٌ شرعيَّةٌ. وفي وجوب الوضوء على كلِّ من حمل الميِّت حرجٌ ظاهرٌ، وإذا كان من غسَّل الميِّت لا يجب عليه الوضوء فمن باب أولى ألَّا يجب على من حمله، بل نقول: لا يستحبُّ الوضوء من حمل الميِّت؛ لعدم الدَّليل النَّاهض على ذلك، والعبادات توقيفيَّةٌ، والحديث لا يصلح حجَّةً على ذلك، والله أعلم.

стр. 101

ولهذا لا نحتاج إلى تأويله كما تأوَّله بعضهم بأنَّ المراد: فليكن على وضوءٍ ليتهيَّأ له الصَّلاة على الميِّت. * * * * * (٨٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀؛ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَنْ «لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ». رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (١). * * * هذا الحديث استدلَّ به على تحريم مسِّ المحدث للقرآن (أي: المصحف)، والحديث جاء مرسلاً؛ أي: منقطعًا، كما رواه مالكٌ، فقد سقط من إسناده اثنان أبو بكرٍ وأبوه مُحمَّد بن عمرٍو. ووصله النَّسائيُّ والبيهقيُّ فعندهما عن عبد الله بن أبي بكر بن مُحمَّد بن عمرو بن حزمٍ عن أبيه عن جدِّه، ولكنَّ الموصول معلولٌ كما قال الحافظ، فإنَّ الصَّواب: أنَّه من رواية سليمان بن أرقم وهو ضعيفٌ عند المحدِّثين، لا سليمان بن داود كما ظنَّه بعضهم. ولكنَّ الحديث له شواهد، وتعضده فتاوى الصَّحابة ﵃، فيرتقي بذلك إلى درجة الحسن لغيره (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه لا يمسُّ القرآن إلَّا طاهرٌ؛ أي: متوضِّئٌ. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، استدلالاً بهذا الحديث وما له من الشَّواهد.

стр. 102

وليس من الأدلَّة في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، فإنَّ الصَّواب: أنَّ المراد بالكتاب المكنون: اللَّوح المحفوظ، وب ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون (٧٩)﴾: الملائكة، كما حقَّق ذلك العلَّامة ابن القيِّم في كتابه «أقسام القرآن» (١)، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذه الآية تدل على هذا الحكم بطريق التنبيه والإشارة. وذهب آخرون إلى جواز مسِّ المحدث للمصحف؛ بناءً على ضعف الحديث عندهم، وتأوَّلوه -على تقدير صلاحيته للاستدلال- على المسلم، وقالوا: لا يمسُّه إلَّا طاهرٌ؛ أي: مسلمٌ. وهذا التَّأويل خلاف العرف الشَّرعيِّ في معنى الطَّاهر، فالصَّواب: تحريم مسِّ المحدث للمصحف. ٢ - تسمية المصحف قرآنًا، وهو من التَّعبير بالحالِّ عن المحلِّ، فإنَّ المصحف ليس كغيره من كتب العلم في الحرمة. ٣ - أنَّ من احترام المصحف ألَّا يمسَّه المسلم إلَّا على طهارةٍ. ٤ - تحريم الدُّخول بالمصحف في الأماكن المستقذرة؛ كالحشِّ ونحوه، وكذا وضعه في الأماكن النَّجسة. ٥ - تحريم كلِّ ما يشعر بامتهان المصحف؛ كإلقائه، أمَّا تعمُّد إلقائه في الحشِّ فكفرٌ، وليس المعوَّل في هذه المسائل على هذا الحديث وحده. ٦ - تحريم مسِّ الجنب للمصحف من باب أولى. ٧ - جواز كتابة الحديث. ٨ - بعث الدُّعاة إلى الله. * * * * *

стр. 103

(٨٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: الحديث استدلَّ به على جواز ذكر الله للمحدث، وأنَّه لا يشترط له الوضوء. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب الذِّكر على كلِّ حالٍ، وفي كلِّ حينٍ. ٢ - أنَّ مطلق الذِّكر لا تشترط له الطَّهارة، لكن تستحبُّ؛ لحديث تيمُّمه ﷺ لردِّ السَّلام (٢)، وقوله: «إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (٣). ٣ - جواز قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر من غير أن يمسَّ المصحف، أمَّا الجنب فلا يقرأ القرآن؛ لحديث عليٍّ ﵁: «كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا» (٤). وفي روايةٍ: «لا يحجبه عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» (٥). وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.

стр. 104

وذهب آخرون إلى جواز قراءة الجنب للقرآن، وقالوا: إنَّ التَّرك لا يدلُّ على التَّحريم، كما لا يدلُّ الفعل على الوجوب، وأمَّا الحائض ففي قراءتها للقرآن قولان: أَحَدُهُمَا: أنَّها كالجنب، وقد رُوي في ذلك حديث: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» لكنَّه ضعيفٌ (١). الثَّانِي: أنَّها ليست كالجنب، فيجوز لها أن تقرأ القرآن، وقالوا: لا يصحُّ قياس الحائض على الجنب؛ لأنَّ مدَّة الحيض تطول؛ فإنَّها لا يمكنها التَّطهُّر بخلاف الجنب. ٤ - استحباب كثرة الذِّكر، وقد قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ٥ - أنَّ من هدي الرَّسول ﷺ كثرة الذِّكر، واستثني من هذا: الذِّكر باللِّسان حال الجماع وحال قضاء الحاجة. * * * * * (٨٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَيَّنَهُ (٢). * * * تقدَّم ما يتعلَّق به عند الكلام على حديث عائشة ﵃: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ» (٣).

стр. 105

وفيه فوائد، منها: ١ - جواز الحجامة. ٢ - أنَّ خروج الدَّم لا ينقض الوضوء ولو كان كثيرًا، فلا يجب الوضوء من الحجامة، وأمَّا حديث أبي الدَّرداء ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ قاء فتوضَّأ» (١) فغايته أن يدلَّ على استحباب الوضوء. ٣ - أنَّ الحجامة دواءٌ. ٤ - جواز التَّداوي. * * * * * (٨٨) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢). (٨٩) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». وَفِي كِلَا الإسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ (٣). (٩٠) وَلأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مَرْفُوعًا: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (٤). * * * قوله: «وِكَاءُ السَّه»: السَّه حلقة الدُّبر، وعبَّر بالعين عن اليقظة، وشبَّه حال اليقظة بالوكاء الَّذي يربط به السِّقاء ونحوه، فيمنع خروج ما فيه. وأيَّد هذا التَّشبيه بقوله: «فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ».

стр. 106

وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -على ما ذكر الحافظ- فقد استدلَّ بها بعض العلماء على أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء، من حيث إنَّه مظنَّةٌ للحدث، ولهذا قال: «فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب العلماء في نقض الوضوء بالنَّوم، وأصحُّ ما ورد في هذا حديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ المتقدِّم في باب المسح على الخفَّين (١)، وحديث أنسٍ ﵁ وهو أوَّل حديثٍ في باب النَّواقض (٢)، وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب النَّاس في نقض الوضوء بالنَّوم، وهي ثمانية مذاهب؛ أرجحها: أنَّ النَّوم من الجالس المتمكِّن لا ينقض الوضوء، وكذا النَّوم اليسير الَّذي لا يفقد الإنسان معه كامل شعوره. * * * * * (٩١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (٣). وأصله في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ (٤). (٩٢) وَلِمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ (٥). (٩٣) وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ». وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ» (٦). * * *

стр. 107

هذه الأحاديث تقدَّم الكلام في موضوعها في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا … » الحديث (١). وفي هذه الأحاديث من الفوائد زيادةً على ما تقدم: ١ - إثبات وجود الشَّيطان من الجنِّ، والأدلَّة على ذلك أكثر من أن تحصى وتحصر. ٢ - حرص الشَّيطان على إفساد صلاة العبد. ٣ - تخييله للمصلِّي أنَّه أحدث وهو لم يحدث. ٤ - أنَّ الشَّيطان يجمع في التَّشويش على المصلِّي بين الفعل والقول فينفخ في مقعدته، ويقول له في نفسه: أحدثت. ٥ - أنَّ ما يحسُّ به الإنسان في مخرج الحدث لا يلتفت إليه ما لم يتيقَّن خروج الحدث. ٦ - أنَّ ممَّا يحصل به اليقين سماع الصَّوت، ووجدان الرِّيح، وقد يحصل اليقين بغيرهما. ٧ - استحباب أن يقول المصلِّي للشَّيطان إذا قال له: أحدثت، أن يقول له في نفسه: كذبت. تنبيهٌ: وكان من المناسب ذكر أحاديث آخر الباب مع ما يناسبها في أوَّله، لكن يظهر من صنيع المؤلِّف أنَّ منهجه: ذكر أصول الباب في أوَّله، ومكمِّلاته في آخره، وهذا بيِّنٌ في هذا الباب وغيره. * * * * *

стр. 108

بَابُ آدَاب قَضَاء الْحَاجَة الآداب: جمع أدبٍ، والأدب: ما يستحسن من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ. والمراد به هنا: ما يجب على مريد قضاء الحاجة وما يستحبُّ له حال قضاء الحاجة أو قبله أو بعده. وورود الشَّريعة بهذه الآداب، وبيان النَّبيِّ ﷺ لها يدلُّ على أمرين: ١ - كمال الشَّريعة. ٢ - وأنَّ الرَّسول ﷺ قد بلَّغ البلاغ المبين، وأنَّه دلَّ أمَّته على كلِّ خيرٍ وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، ومن أعظم ذلك أن بيَّن لهم ما يجب عليهم اعتقاده في ربِّهم؛ ممَّا يجب له أو يجوز عليه أو يمتنع عليه. وقد نبَّه على هذا الاستدلال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مطلع «العقيدة الحمويَّة». * * * * * (٩٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (١). * * * الحديث مختلَفٌ في صحَّته (٢)، ويشهد لصحَّة معناه الأدلَّة على تعظيم ذكر الله، وما فيه ذكر الله، وما له من الحرمة.

стр. 109

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب إبعاد ما فيه ذكر الله عند إرادة دخول الخلاء، وهو محلُّ قضاء الحاجة. ٢ - أنَّ الخلاء ليس محلًّا لذكر الله. ٣ - كراهية دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من خاتمٍ وغيره، كمن نقش خاتمه عبد الله وعبد الرَّحمن، أو نقش خاتمه كلمة التَّوحيد. وأمَّا القرآن فحرمته أعظم، فدخول الخلاء به أشدُّ كراهةً، وأمَّا المصحف فالقول بتحريم دخول الخلاء به قويٌّ، كلُّ ذلك لأنَّ الخلاء محلٌّ للخبائث الحسِّيَّة والمعنويَّة والأرواح الخبيثة، ولهذا استحبَّ التَّعوُّذ بالله من الخبث والخبائث عند إرادة دخول الخلاء. وهذه الكراهة أو التَّحريم ما لم يخش الإنسان على ما معه من ذلك من نسيانٍ أو سرقةٍ، وحينئذٍ فلا كراهة ولا تحريم؛ لما في ذلك من الحرج. ٤ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له خاتمٌ، وهذا ثابتٌ في الأحاديث الصَّحيحة، وكان نقشه (مُحمَّدٌ رسول الله)، (مُحمَّدٌ) سطرٌ و (رسول) سطرٌ و (الله) سطرٌ. ومن أجل ما فيه من ذكر الله كان يضعه من يده عند دخول الخلاء، على ما جاء في هذا الحديث. ٥ - جواز لبس الخاتم، ولا يقال: استحباب الخاتم؛ لأنَّ لبسه من الأمور العاديَّة، لا من الأمور التَّعبُّديَّة. * * * * *

стр. 110

(٩٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ بشرٌ يكون منه قضاء الحاجة، ففيه الرَّدُّ على من جعلوا له ﷺ بعض خصائص الإلهيَّة. ٢ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في الوقاية من الشُّرور. ٣ - اتِّخاذ مكانٍ في البيت لقضاء الحاجة. ٤ - استحباب هذا الذِّكر عند إرادة دخول الخلاء، وقد جاء في غير الصَّحيحين زيادة «باسم الله» (٢) قبل هذا الدُّعاء كما في «سنن سعيد بن منصورٍ» وغيرها، وجوَّد الحافظ ابن حجرٍ إسناده (٣). ٥ - أنَّ الأماكن الخبيثة تأوي إليها الأرواح الخبيثة، ويدلُّ له حديث زيد بن أرقم، وهو قوله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» (٤). ٦ - أنَّ الشَّياطين من الجنِّ فيهم الذُّكور والإناث. ٧ - أنَّ التَّعوُّذ بالله من أعظم أسباب العصمة من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ. ٨ - أنَّ قدرة الله فوق كلِّ شيءٍ، فلا يعصم من جميع الشُّرور إلَّا هو. * * * * *
следующие страницы →