← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقولها: «أمرنا» له حكم الرَّفع، فهو بمعنى أمرنا النَّبيُّ ﷺ كما في روايةٍ عند مسلمٍ (١). والمأمورات هنَّ النِّساء الكبيرات كالأمَّهات، فلهنَّ التَّصرُّف في توجيه البنات الصَّغيرات. «العواتق» جمع عاتقٍ، وهنَّ البنات الأبكار، وهو صفةٌ لمحذوفٍ؛ أي: البنات العواتق، ولفظ «الصَّحيحين»: «العواتق وذوات الخدور» أو «العواتق ذوات الخدور» (٢)، والمراد بذوات الخدور: اللَّاتي لا يبرزن للنَّاس، والخدور جمع خدرٍ: اسمٌ للبيت الَّذي تكون فيه الفتاة، ولهذا يقال لهنَّ: المخدَّرات. وعطف ذوات الخدور على العواتق -في بعض الرِّوايات- من عطف الصِّفة على الصِّفة، أو من عطف الخاصِّ على العامِّ. وجملة: «ويعتزل» بالرَّفع مستأنفةٌ، وبالنَّصب معطوفةٌ على «نخرج». وجملة: «يشهدن الخير» تعليلٌ للأمر بخروجهنَّ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل أمِّ عطيَّة ﵂. ٢ - خروج النِّساء شابَّاتٍ وكبيراتٍ لصلاة العيد، وهذا جائزٌ ومشروعٌ بشرطه؛ من لزوم الحجاب، والبعد عن دواعي الفتنة. ٣ - أنَّ صلاة العيدين فرضٌ على الأعيان، فإذا أمر بها النِّساء والبنات الأبكار؛ فالرِّجال أولى، وتقدَّمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك. ٤ - أنَّ عادة الصَّحابة ﵃ عدم خروج البنات الأبكار، ولا إلى المساجد. ٥ - فضل حضور مجامع العبادة. ٦ - عظم مشهد صلاة العيد حتَّى أمر بخروج الجميع له. ٧ - أنَّ دعوة المسلمين في الصَّلاة والخطبة يعود نفعها على جميع الحاضرين، حتَّى ولو لم يكن من أهل الصَّلاة.

стр. 457

٨ - تنوُّع الشَّريعة في الاجتماعات للعبادة، وذلك في الاجتماع خمس مرَّاتٍ كلَّ يومٍ، والاجتماع مرَّةً كلَّ أسبوعٍ، واجتماعين في كلِّ سنةٍ، وكلَّما كان الاجتماع أعمَّ وأوسع كان المشروع منه أقلَّ، وذلك من وجوه يسر الشَّريعة. ٩ - أنَّ دعوة المسلمين مجتمعين أرجى للقبول. * * * * * (٥٦٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة العيدين. ٢ - مشروعيَّة الخطبة للعيد. ٣ - أنَّ السُّنَّة تقديم صلاة العيد على الخطبة. ٤ - أنَّ الأصل في الاقتداء هو النَّبيُّ ﷺ . ٥ - أنَّ أبا بكرٍ وعمر ﵃ يقتدى بفعلهما. ٦ - أنَّ تقديم الصَّلاة على الخطبة في العيد سنَّةٌ ماضيةٌ لا تجوز مخالفتها، ولهذا لمَّا أنكر الرَّجل على مروان تقديم الخطبة قال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: «أمَّا هذا فقد أدَّى ما عليه»، وروى قوله ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ … » (٢) الحديث. ٧ - ومن الفروق بين صلاة العيد والجمعة: تقديم صلاة العيد على الخطبة. * * * * *

стр. 458

(٥٦٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا ولا بَعْدَهُمَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ صلاة العيد ركعتان. ٢ - أنَّه لا يتنفَّل للصَّلاة قبلها ولا بعدها، وقال بعض أهل العلم: يجوز التَّطوُّع المطلق قبلها وبعدها؛ لأنَّه لم يرد نهيٌ عن الصَّلاة، لكن لم يؤثر عن الصَّحابة ﵃ أنَّهم كانوا يصلُّون قبل العيد كما كانوا يصلُّون قبل الجمعة، ولعلَّ ذلك أنَّ الحضور لصلاة العيد في وقت النَّهي، وإذا خرج وقت النَّهي حضر الإمام. لكن إذا وقعت صلاة العيد في المسجد فتصلَّى تحيَّة المسجد، ومن قال: إنَّ المصلَّى مسجدٌ؛ قال: تصلَّى فيه تحيَّة المسجد، والأظهر: أنَّه ليس له حكم المساجد المعدَّة للصَّلوات الخمس. ٣ - أنَّه ﷺ لا يتنفَّل بعد صلاة العيد مطلقًا؛ لظاهر الحديث، ولكن ورد أنَّه ﷺ كان يصلِّي بعد العيد إذا رجع لبيته ركعتين، والحديث عند ابن ماجه، وسيذكره المؤلِّف بعد الحديث القادم. * * * * * (٥٦٦) وَعنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، ولا إِقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ. وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٢). * * *

стр. 459

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه لا يؤذَّن لصلاة العيد. ٢ - أنَّه لا إقامة لصلاة العيد. ٣ - أنَّ من الفروق بين الجمعة والعيد ترك الأذان والإقامة للعيد. ٤ - أنَّ النِّداء لصلاة العيد كنداء صلاة الكسوف بدعةٌ، خلافًا لمن ذهب إلى ذلك من الفقهاء. * * * * * (٥٦٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). * * * تقدَّم ما يتعلَّق بهذا الحديث في الكلام على حديث ابن عبَّاسٍ ﵃ السَّابق (٢). * * * * * (٥٦٨) وَعنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فيقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ -وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ- فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يتنفَّل قبل العيد في المصلَّى. ٢ - أنَّ صلاة العيد قبل الخطبة. ٣ - مشروعيَّة الخطبة لصلاة العيد.

стр. 460

٤ - أنَّ خطبة العيد واحدةٌ، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقيل: للعيد خطبتان كالجمعة، وقيل: بل ليس له إلَّا خطبةٌ واحدةٌ، واستدلَّ لذلك بأنَّ أكثر الأحاديث فيها ذكر الخطبة مطلقةً، وظاهرها أنَّها واحدةٌ، ولكن ورد عند ابن ماجه؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوسٍ. وقد ضعِّف الحديث (١). ٥ - عدم التَّحلُّق على الخطيب، بل يبقى النَّاس على صفوفهم. ٦ - أنَّ المقصود من الخطب الشَّرعيَّة الوعظ والتَّذكير والتَّعليم لأحكام الدِّين، وجاء في حديث ابن عبَّاسٍ في «الصَّحيحين» أنَّه ﷺ بعدما فرغ من خطبته عند الرِّجال انطلق ومعه بلالٌ إلى النِّساء فوعظهنَّ وأمرهنَّ بالصَّدقة، فجعلت النِّساء يلقين في ثوب بلالٍ ﵁ من خواتيمهنَّ وأقراطهنَّ (٢). ٧ - أنَّ من السُّنَّة أن تؤدَّى صلاة العيد في الصَّحراء خارج البلد، حتَّى في المدينة النَّبويَّة. * * * * * (٥٦٩) وَعَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٣). وَنَقَلَ التَّرْمِذِيُّ (٤) عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ. * * * اختلف العلماء في رواية عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وهو عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فقوله: (عن أبيه)؛ يعني: شعيبًا، وقوله: (عن جدِّه) يحتمل أن يكون جدَّ عمرٍو وهو محمَّدٌ؛ فتكون الرِّواية مرسلةً، ويحتمل أن يكون جدَّ شعيبٍ وهو عبد الله بن عمرٍو؛ فتكون الرِّواية

стр. 461

متَّصلةً إن كان شعيبٌ أدرك عبد الله، وإلَّا كانت الرِّواية منقطعةً. لذلك ذهب كثيرٌ من العلماء إلى تضعيف روايته لما تحتمله من الانقطاع أو الإرسال. وذهب أئمَّة الحديث كأحمد والبخاريِّ إلى تصحيح رواية عمرو بن شعيبٍ إذا صحَّ السَّند إليه، وهذا يقتضي أنَّهم يرون أنَّ شعيبًا قد أدرك عبد الله، وذكر بعضهم أنَّ محمَّدًا قد مات قبل شعيبٍ، فكان شعيبٌ يروي عن جدِّه عبد الله. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة التَّكبير سبعًا في الرَّكعة الأولى قبل القراءة، وخمسًا في الرَّكعة الثَّانية، ومن لا يصحِّح الحديث لا يقول بالتَّكبيرات الزَّوائد، والصَّحيح: أنَّها مشروعةٌ لصحَّة الحديث. والتَّكبيرات السَّبع الأولى يحتمل أن تكون تكبيرة الإحرام منها، فتكون الزَّوائد ستًّا، ويحتمل ألَّا تكون منها، فتكون الزَّوائد سبعًا، والأظهر الأوَّل. والله أعلم. ٢ - أنَّ التَّكبيرات الزَّوائد من الفروق بين العيد والجمعة (١).

стр. 462

٣ - أنَّ للعيدين خصوصيَّةً في التَّكبير، فيشرع الإكثار منه في صلاة العيد وخارج الصَّلاة، وقد دلَّ على ذلك أحاديث وآثارٌ، وصفة التَّكبير في عيد الفطر والأضحى وعشر ذي الحجَّة وأيَّام التَّشريق: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، كما جاء عند ابن مسعود ﵁ عند ابن أبي شيبة في المصنف (١). * * * * * (٥٧٠) وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ بِ ﴿ق﴾، وَ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * *

стр. 463

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة قراءة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ في صلاة العيدين أحيانًا؛ لما تقدَّم من حديث النُّعمان ﵁؛ أنَّه ﷺ كان يقرأ فيهما ب ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿الْغَاشِيَة﴾ (١). ٢ - عظم شأن هاتين السُّورتين؛ لقراءتهما في أعظم اجتماعٍ يكون في الصَّلاة في سائر بلاد المسلمين. ٣ - الحكمة من قراءة هاتين السُّورتين، وذلك راجعٌ إلى ما اشتملتا عليه من التَّذكير والموعظة، فسورة ﴿ق﴾ مدارها من أوَّلها إلى آخرها على اليوم الآخر، وما يكون فيه من البعث والنُّشور، والجزاء والحساب، والجنَّة والنَّار. وسورة ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ من أوَّلها إلى آخرها؛ في قصص المكذِّبين للرُّسل، وذكر مصارعهم وما يصيرون إليه في الآخرة ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَر (٤٨)﴾ [القمر: ٤٨]، وذكر ما يصير إليه المتَّقون ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (٥٤)﴾ [القمر: ٥٤]. ٤ - الجهر بالقراءة في صلاة العيدين. * * * * * (٥٧١) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢). (٥٧٢) وَلأَبِي دَاوُدَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، نَحْوُهُ (٣). * * * قوله: «خالف الطَّريق» معناه: ذهب إلى المصلَّى من طريقٍ ورجع من طريقٍ آخر، وورد مثل هذا في مواضع من حجَّته ﷺ ، فإنَّه دخل مكَّة من

стр. 464

أعلاها وخرج من أسفلها (١)، وخرج إلى عرفة من طريق ضبٍّ ورجع من طريق المأزمَيْن. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من السُّنَّة مخالفة الطَّريق في العيد، واختلف العلماء في حكمة ذلك، فقيل: لتكثير مواضع العبادة، وقيل: ليسلِّم على أهل الطَّريقين ويقضي حوائجهم، وقيل غير ذلك. ويحتمل أنَّ مخالفة الطَّريق في العيد وفي الحجِّ لم يكن للتَّشريع والتَّعبُّد بذلك، بل لأنَّه المناسب لذهابه ورجوعه، فيكون أمرًا عاديًّا، كما اختلف العلماء في نزوله ﷺ بالمحصَّب: هل كان نسكًا أو لأنَّه كان أسمح لخروجه؟ ومخالفة الطَّريق ليست مطَّردةً في هديه ﷺ في الذَّهاب إلى عبادةٍ والرُّجوع منها، كما في أسفاره ﷺ للجهاد، وعلى هذا فيقتصر في مخالفة الطَّريق على ما ورد. ٢ - حرص الصَّحابة ﵃ على نقل سيرته ﷺ . * * * * * (٥٧٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فقالَ: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ لأهل الجاهليَّة أعيادًا.

стр. 465

٢ - أنَّ أعياد أهل الجاهليَّة تقصد للَّهو واللَّعب. ٣ - أنَّه كان لأهل المدينة يومان معيَّنان من السَّنة للَّعب فيهما. ٤ - نهي النَّبيِّ ﷺ عن هذين اليومين. ٥ - أنَّ الله قد أغنى المسلمين عن أعياد الجاهليَّة بعيد الفطر وعيد الأضحى. ٦ - ترك المسلمين لأعياد الجاهليَّة استغناءً بما شرع الله لهم، فلم يكن لذينك العيدين ذكرٌ في الإسلام. ٧ - تحريم العود لأعياد الجاهليَّة. ٨ - تحريم التَّشبُّه بأهل الجاهليَّة بإحداث أيَّامٍ تكون عيدًا، فالأعياد من الدِّين، وليس للمسلمين من ذلك إلَّا ما شرع الله، كما قال ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ» (١). * * * * * (٥٧٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنهُ (٢). (٥٧٥) وَعَنْ أَبِي هُريْرةَ ﵁: «أَنَّهمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ (٣). * * * هذان الحديثان اشتملا على حكمين: الأَوَّلُ: أنَّ من السُّنَّة الخروج لصلاة العيد مشيًا، وهذا يوافق ما دلَّت عليه السُّنَّة من فضل المشي إلى المساجد لصلاة الجماعة والجمعة، وأنَّ الخطى

стр. 466

تكتب بها الحسنات وتحطُّ بها السَّيِّئات، ولا يحصل ذلك للرَّاكب كما في قصَّة الرَّجل الَّذي كان يأتي إلى مسجد النَّبيِّ ﷺ ماشيًا، فقيل له: لو اتَّخذت لك حمارًا، فقال: إنِّي أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلكَ كُلَّهُ». رواه مسلمٌ (١). الثَّانِي: جواز صلاة العيد في المسجد من غير كراهةٍ إذا كان عذرٌ يمنع من الخروج إلى المصلَّى؛ كالمطر، ويكره ذلك من غير عذرٍ؛ لأنَّه خلاف سنَّة الرَّسول ﷺ الدَّائمة، ولأنَّ صلاة العيد في المسجد يفوت فيها بعض المعاني الشَّرعيَّة الَّتي لا تحصل إلَّا بأداء الصَّلاة في الصَّحراء؛ الَّتي منها إظهار هذه الشَّعيرة، وتيسير التَّجمُّع العامِّ. * * * * *

стр. 467

بَابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ الكسوف والخسوف هو: ذهاب ضوء أحد القمرين، وقيل: الكسوف أخصُّ بالشَّمس والخسوف أخصُّ بالقمر، قال تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَر (٨)﴾ [القيامة: ٨]. ويقال: كسفت الشَّمس وانكسفت وخسفت. وقد ثبت كسوف الشَّمس على عهد رسول الله ﷺ مرَّةً، ولم ينقل أنَّ القمر خسف على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يثبت كسوف الشَّمس في عهده ﷺ أكثر من مرَّةٍ. وقد ذكر العلماء السَّبب الكونيَّ للكسوف والخسوف، وأنَّ كسوف الشَّمس يكون بحيلولة القمر بينها وبين الأرض فيحجب ضوءها، وخسوف القمر بحيلولة الأرض بينه وبين الشَّمس، فإنَّ نور القمر يستمدُّه من ضوء الشَّمس بإذن الله، فما يرى من ظلمةٍ في القمر عند كسوفه هو ظلُّ الأرض، وما يرى من ظلمةٍ في قرص الشَّمس هو جرم القمر. ويذكر الفلكيُّون أنَّهم يدركون وقت الكسوف بالحساب، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم وقرَّراه، وهما إمامان مرضيَّان، ومؤتمنان على الشَّريعة، ولا ريب أنَّ الاشتغال بمعرفة وقت الكسوف من الفضول الَّذي لا فائدة فيه، وليس في علم المسلم للكسوف قبل حدوثه فائدةٌ، بل يهوِّن أمره، ولو كان في تقدُّم العلم به خيرٌ لأطلع الله عليه نبيَّه ﷺ بل فجأهم كسوف الشَّمس فقام النَّبيُّ ﷺ فزعًا يجرُّ رداءه، ولكن على المسلمين أن يفعلوا ما شرع الله لهم عند الكسوف ولو علموا ذلك من قبل، وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ في خطبته بعد صلاة الكسوف حكمة الله في حدوث كسوف الشَّمس والقمر فقال: «إِنَّ

стр. 468

الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ» (١)، وفي روايةٍ للبخاريِّ: «وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ» (٢). وإضافة الصَّلاة إلى الكسوف من إضافة الشَّيء إلى سببه. واتَّفق العلماء على شرعيَّة صلاة الكسوف، والجمهور على أنَّها سنَّةٌ، وقيل: واجبةٌ، وهو ظاهر الأدلَّة، كما سيأتي. * * * * * (٥٧٦) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فقالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٥٧٧) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «حَتَّى تَنْجَلِي» (٤). (٥٧٨) وَلِلْبُخَارِيِّ؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (٥). (٥٧٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (٥٨٠) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» (٦). (٥٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً،

стр. 469

ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٥٨٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلَّى حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» (٢). (٥٨٣) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ (٣). (٥٨٤) وَلَهُ: عَنْ جَابِرٍ ﵁: «صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» (٤). (٥٨٥) وَلأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: «صَلَّى، فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلكَ» (٥). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ للنَّبيِّ ﷺ ابنًا اسمه إبراهيم، وهو من سرِّيَّته مارية، ولمَّا ولد قال: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» (٦)، وفيه: استحباب التَّسمية باسم الأب أدنى أو أعلى إذا كان الاسم حسنًا. ٢ - أنَّ إبراهيم مات صغيرًا. ٣ - أنَّ الشَّمس كسفت في يوم موته.

стр. 470

٤ - أنَّ موت إبراهيم ليس سببًا في كسوف الشَّمس. ٥ - إبطال عقائد الجاهليَّة في كسوف الشَّمس والقمر. ٦ - ثبوت أنَّ الشَّمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ . ٧ - مشروعيَّة الصَّلاة للكسوف. ٨ - الجهر فيها بالقراءة. ٩ - أنَّه لا يعمل بالحساب في صلاة الكسوف بل بالرُّؤية، لقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا». ١٠ - مشروعيَّة النِّداء لها بلفظ: «الصَّلاة جامعةٌ»، ويجوز في الكلمتين الرَّفع على المبتدأ والخبر، والنَّصب على الإغراء؛ أي: احضروا الصَّلاة، وجامعةً حالٌ. ١١ - أنَّ صلاة الكسوف ركعتان؛ في كلِّ ركعةٍ ركوعان وسجدتان. ١٢ - تطويل صلاة الكسوف، وأنَّ كلَّ ركنٍ أطول من الَّذي بعده، إلَّا أن ينجلي؛ فلا تطوَّل. ١٣ - مشروعيَّة الخطبة بعد الصَّلاة. ١٤ - أنَّ أصحَّ الرِّوايات في صلاة الكسوف أنَّ في كلِّ ركعةٍ ركوعين. ١٥ - أنَّه قد ورد في رواياتٍ أنَّ في كلِّ ركعةٍ ثلاثة ركوعاتٍ وأربعة ركوعاتٍ وخمسة ركوعاتٍ، والرَّاجح الأوَّل، وهو ما جاء في حديث عائشة وابن عبَّاسٍ ﵃، متَّفقٌ على حديثهما، ونظرًا إلى أنَّ الكسوف لم يحدث إلَّا مرَّةً في عهد رسول الله ﷺ فقد رجَّح كثيرون من أهل العلم ما دلَّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ وعائشة ﵃؛ لأنَّه لا يمكن الجمع بينهما وبين الأحاديث الَّتي فيها الزِّيادة على ركوعين، فسلكوا طريق التَّرجيح.

стр. 471

وقد ورد في أحاديث صلاة النَّبيِّ ﷺ صلاة الكسوف؛ أنَّه عرضت عليه الجنَّة والنَّار في مقامه وهو يصلِّي، وقد رآه الصَّحابة مرَّةً تقدَّم ومرَّةً تأخَّر، فأخبرهم ﷺ بسبب ذلك، وبيَّن لهم حكمة الكسوف، وأبطل اعتقادات الجاهليَّة. وممَّا جاء في خطبته ﷺ : «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» (١). ١٦ - الأمر بالصَّلاة والصَّدقة والدُّعاء عند الكسوف. * * * * * (٥٨٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النبيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ولا تَجْعَلْهَا عَذَابًا». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ (٢). (٥٨٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: «هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (٣). (٥٨٨) وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ؛ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلَهُ؛ دُونَ آخِرِهِ (٤). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - شدَّة خوفه ﷺ من ربِّه. ٢ - مشروعيَّة هذا الدُّعاء عند هبوب الرِّيح الشَّديدة «اللَّهمَّ اجعلها رحمةً ولا تجعلها عذابًا».

стр. 472

٣ - أنَّ الرِّيح تكون رحمةً وتكون عذابًا، وتكون رحمةً لقومٍ وعذابًا لآخرين، تكون رحمةً؛ كالرِّيح الَّتي تسوق السَّحاب، وتكون عذابًا؛ كالرِّيح الَّتي أرسلت على عادٍ، وتكون رحمةً لقومٍ وعذابًا لآخرين؛ كالرِّيح الَّتي نصر بها الرَّسول ﷺ والمؤمنون على الأحزاب. ٤ - مشروعيَّة الصَّلاة للزَّلزلة. ٥ - أنَّها كصلاة الكسوف. ٦ - مشروعيَّة الصَّلاة لكلِّ آيةٍ يخوِّف الله بها عباده؛ كالرِّيح الشَّديدة، وكالصَّواعق والرَّعد القاصف المرعب. وقول ابن عبَّاسٍ ﵃: «هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ» يحتمل أن يكون قال ذلك باجتهاده قياسًا على صلاة الكسوف، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، فيكون دليلاً له على صلاته في الزَّلزلة. ٧ - مشروعيَّة اللَّجأ إلى الله في الشَّدائد بالصَّلاة والدُّعاء، والتَّوبة والاستغفار. * * * * *

стр. 473

بَابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ الاسْتِسْقَاءُ: طلب السُّقيا من الله تعالى، وإضافة الصَّلاة إلى الاستسقاء من إضافة الشَّيء إلى سببه، وهي سنَّةٌ عند جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّها لا تسنُّ؛ لأنَّها لم تثبت عنده، ولكنَّها ثابتةٌ عند غيره بأحاديث صحيحةٍ في الصَّحيحين وغيرهما كما سيأتي. وصفتها كصفة صلاة العيد، ووقتها وقت صلاة العيد، وتسنُّ في الصَّحراء كذلك. * * * * * (٥٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: «خَرَجَ النبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (١). (٥٩٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وقدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ». ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلاغًا إِلَى حِينٍ». ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ

стр. 474

رِدَاءَهُ، وهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَقَالَ: «غَرِيبٌ». وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (١). (٥٩١) وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، وَفِيهِ: «فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (٢). (٥٩٢) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ البَاقِرِ: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» (٣). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الاستسقاء. ٢ - الخروج إليها في خشوعٍ وتذلُّلٍ وتمهُّلٍ وتبذُّلٍ في الثِّياب. ٣ - أنَّها كصلاة العيد في صفتها ووقتها ومكانها. ٤ - أنَّ سببها تأخُّر المطر. ٥ - أنَّه ليس لها أيَّامٌ مخصوصةٌ، بل إذا حصل القحط وعد الإمام النَّاس يومًا يخرجون فيه. ٦ - أنَّ الخطبة والدُّعاء قبل الصَّلاة خلاف العيد، كما هو ظاهر حديث عائشة ﵂ وعبد الله بن زيدٍ ﵁، وإلى هذا ذهب جماعةٌ من العلماء. وذهب آخرون إلى أنَّ ذلك بعد الصَّلاة قياسًا على صلاة العيد، ولحديثٍ روي في ذلك عن أبي هريرة ﵁ (٤)، والأوَّل أظهر دليلاً.

стр. 475

٧ - جواز شكوى الحال إلى من له قدرةٌ على إزالتها أو عنده سببٌ في ذلك. ٨ - الخطبة على المنبر. ٩ - افتتاح الخطبة بفواتح سورة الفاتحة. ١٠ - حمد الله والثَّناء عليه بين يدي الدُّعاء. ١١ - استحباب الدُّعاء بما في حديث عائشة ﵂. ١٢ - التَّوسُّل إلى الله بتوحيده وبغناه وفقر العباد. ١٣ - التَّذكير بما يهيِّج على الدُّعاء، ويقوِّي الرَّجاء. ١٤ - إثبات جملةٍ من صفات الله تعالى: كالإلهيَّة، والرُّبوبيَّة، والفعل، والإرادة، والغنى التَّامِّ، وإجابة الدُّعاء، والأمر، والوعد والإجابة. ١٥ - التَّوسُّل إلى الله في الدُّعاء بما يقتضي حصول المطلوب. ١٦ - مشروعيَّة رفع اليدين عند الدُّعاء في الاستسقاء والمبالغة في رفعهما. ١٧ - إثبات الأسباب الكونيَّة والشَّرعيَّة، فالدُّعاء سببٌ شرعيٌّ وإنزال المطر سببٌ كونيٌّ. ١٨ - أنَّ الغالب من لباس النَّبيِّ ﷺ حلَّةٌ؛ وهي إزارٌ ورداءٌ؛ لأنَّ القميص لا يبدو منه الإبطان. ١٩ - مشروعيَّة تحويل الرِّداء ونحوه من الثِّياب، وذلك بتغيير هيئته؛ بجعل طرفه الأيمن على منكبه الأيسر، وطرفه الأيسر على منكبه الأيمن، ويفعل مثل ذلك في البشت (المشلح) ونحوه. ٢٠ - ذمُّ القنوط من رحمة الله، وسؤال العافية منه، كما جاء في روايةٍ في دعاء الاستسقاء عند البيهقيِّ (١). ٢١ - علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ ، وذلك من سرعة إجابة دعائه ﷺ .

стр. 476

(٥٩٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا … » فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من لم يحضر إلى الجمعة إلَّا والإمام يخطب لا ينكر عليه. ٢ - جواز استيقاف الخطيب وتكليمه إذا دعت الحاجة. ٣ - طلب الدُّعاء من النَّبيِّ ﷺ . ٤ - ذكر السَّبب الموجب لذلك. ٥ - جواز الإخبار بما نزل من المصائب، لا على وجه التَّسخُّط. ٦ - مشروعيَّة الاستسقاء على المنبر. ٧ - مشروعيَّة رفع اليدين في الدُّعاء. ٨ - ضعف بني آدم وقلَّة صبرهم على السَّرَّاء والضَّرَّاء. ٩ - أنَّ المصائب تكون بفقد المطلوب وزيادته. ١٠ - جواز الدُّعاء بوقف المطر إذا خيف الضَّرر، ويقال له: الاستصحاء. ١١ - مشروعيَّة رفع اليدين لذلك. ١٢ - الدُّعاء بذلك على المنبر. ١٣ - إجابة الله دعاء نبيِّه ﷺ في الحال، وذلك:

стр. 477

١٤ - علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ . ١٥ - مشروعيَّة الخطبة للجمعة. ١٦ - القيام في الخطبة. ١٧ - استحباب الدُّعاء بما دعا به النَّبيُّ ﷺ من قوله: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا». ١٨ - كمال قدرة الله تعالى. ١٩ - الاقتصاد في الدُّعاء. ٢٠ - جواز عدم افتتاح الدُّعاء بالحمد والصَّلاة على الرَّسول، ولعلَّ النَّبيَّ ﷺ اكتفى بما كان في أوَّل الخطبة من حمد الله والثَّناء عليه. * * * * * (٥٩٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز التَّوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ في حياته؛ أي: بدعائه. ٢ - جواز التَّوسُّل بدعاء الصَّالحين في حياتهم. ٣ - مشروعيَّة الاستسقاء عند القحط. ٤ - إكرام عمر ﵁ لقرابة النَّبيِّ ﷺ ، وفي ذلك فضيلةٌ لعمر ﵁. ٥ - فضيلة العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁. ٦ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يستسقى به بعد موته، ولا يطلب منه الدُّعاء.

стр. 478

٧ - إجماع الصَّحابة ﵃ على ذلك. ٨ - أنَّ الذُّنوب مجلبةٌ للمصائب. ٩ - أنَّ التَّوبة ترفعها، كما جاء عن العبَّاس ﵁ أنَّه قال: «اللَّهمَّ إنَّه ما نزل بلاءٌ إلَّا بذنبٍ، ولا رفع إلَّا بتوبةٍ» (١). ١٠ - الرَّدُّ على المبتدعة الَّذين يتوسَّلون بذاته ﷺ أو بجاهه. * * * * * (٥٩٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ وَقَالَ: «إِنَّه حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب التَّعرُّض للمطر ليصيب البدن، وكشف البدن لذلك. ٢ - تعليل الأحكام، لقوله: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». ٣ - أنَّ المطر أطيب ما يكون قبل وقوعه على الأرض. ٤ - أنَّ ماء المطر يخلقه الله في السَّحاب ثمَّ ينزله على من يشاء، ولعلَّ هذا -والله أعلم- هو معنى قوله: «حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»؛ أي: قريب العهد بخلق الله له، بخلاف ما إذا نزل على الأرض وسالت به الأودية، فلا تكون له هذه المزيَّة، وهي قرب العهد بربِّه. والمطر ماءٌ مباركٌ لكثرة منافعه، فكلُّ ما ينتفع به من الحيوان والنَّبات هو من آثار الماء، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ

стр. 479

وَحَبَّ الْحَصِيد (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيد (١٠) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: ٩ - ١١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]. ٥ - إثبات الرُّبوبيَّة العامَّة لله ؛ لقوله ﷺ : «حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». ٦ - إثبات الأفعال الاختياريَّة لله . * * * * * (٥٩٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا». أَخْرَجَاهُ (١). (٥٩٧) وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: «اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا منْهُ رَذَاذًا قِطْقِطًا، سَجْلاً، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ». رَوَاهُ أبو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ» (٢). * * * في هذين الحديثين فوائد، منها: ١ - استحباب هذا الدُّعاء إذا نزل المطر. ٢ - أنَّ من أسماء المطر الصَّيِّب، وهو من الصَّوب، وهو على وزن (فيعل)، والصَّوب: النُّزول، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. ٣ - أنَّ المطر قد ينزل ولا ينفع، وهذا مشهورٌ عند النَّاس.

стр. 480

٤ - استحباب الدُّعاء بما في حديث سعدٍ ﵁ في الاستسقاء، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، وفي متنه نكارةٌ، حيث يناقض آخره أوَّله؛ إذ كيف يقول: «تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا قِطْقِطًا» وقد قال: «دَلُوقًا»، والدَّلوق: المنهمر، والرَّذاذ: المطر الضَّعيف، والقطقط: المطر الصِّغار، وقصيفٌ: بمعنى قاصفٍ؛ وهو الرَّعد الشَّديد، فلا يناسب الدُّعاء بذلك. ٥ - أنَّ من أسماء الله «ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ»، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. ٦ - التَّوسُّل بأسماء الله وصفاته. * * * * * (٥٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (٥٩٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * في هذين الحديثين فوائد، منها: ١ - أنَّ الاستسقاء سنَّة الأنبياء. ٢ - الخروج إلى الصَّحراء للاستسقاء. ٣ - أنَّ النَّمل من عجائب المخلوقات. ٤ - أنَّ النَّملة تدرك ربَّها، وتفتقر إليه. ٥ - أنَّ النَّمل يستسقي.

стр. 481

٦ - أنَّ الله في السَّماء، لقوله: «مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ». ٧ - أنَّ الظَّاهر أنَّ النَّملة الَّتي استسقت هي النَّملة الَّتي أخبر الله عنها بذلك القول البليغ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. ومن قولها البليغ ما في هذا الحديث: «اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ»، ويحتمل أن تكون غيرها. ٨ - أنَّ الله يستجيب دعاء من دعاه حتَّى الحيوان. ٩ - إثبات الأسباب. ١٠ - أنَّ الدُّعاء من أسباب السُّقيا. ١١ - فهم سليمان ﵇ لكلام النَّملة، وقد قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]. ١٢ - إطلاع الله سليمان ﵇ على ما هو من علم الغيب؛ من قوله: «فَقَدْ سُقِيتُمْ». ١٣ - أنَّه قد ينتفع الإنسان بدعاء غيره. ١٤ - أنَّ النَّاس قد يسقون بدعاء غيرهم. ١٥ - أنَّ النَّاس إذا خرجوا إلى الاستسقاء فمطروا لم يستسقوا؛ لحصول مطلوبهم. ومن الفوائد في حديث أنسٍ ﵁: ١٦ - مشروعيَّة رفع اليدين في الاستسقاء. ١٧ - المبالغة في رفعهما لقوله: «فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء». ١٨ - إثبات العلوِّ لله تعالى. * * * * *

стр. 482

بَابُ اللِّبَاسِ اللِّبَاسُ: مصدر لبس يلبس لبسًا ولباسًا، وأكثر ما يطلق على الملبوس، وهو المراد هنا من إطلاق المصدر على اسم المفعول، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]. فهذا امتنانٌ من الله على عباده بما خلق لهم من اللِّباس، وبيان الحكمة منه؛ وهو ستر العورات والتَّجمُّل به، ولهذا سمّاه الله زينةً، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. والأصل في كلِّ لباسٍ الإباحة إلَّا ما خصَّه الدَّليل؛ كالذَّهب والحرير والمعصفر في حقِّ الرِّجال. وذكر هذا الباب في هذا الموضع لا تظهر له مناسبةٌ، وكثيرٌ من المصنِّفين في الأحكام يذكر أحكام اللِّباس عند الكلام على ستر العورة من شروط الصَّلاة. * * * * * (٦٠٠) عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١). * * * هذا الحديث رواه البخاريُّ معلَّقًا بصيغة الجزم عن شيخه هشام بن عمَّارٍ، وقد حكم المحقِّقون بأنَّه متَّصلٌ؛ لثبوت اللُّقيِّ بين البخاريِّ وشيخه، وأنَّ البخاريَّ ليس مدلِّسًا. ولهذا قال المصنِّف: «وأصله في البخاريِّ».

стр. 483

وقد طعن فيه ابن حزمٍ بتعليق البخاريِّ له في مقام دفع الاستدلال به على تحريم المعازف، وقد ردَّ عليه المحقِّقون من أهل الحديث كالحافظ العراقيِّ وغيره، قال العراقيُّ في ألفيَّة الحديث: وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعلِيقًا عُرِفْ وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ أمَّا الذِي لِشَيْخِهِ عَزَا ب (قالَ) فَكَذِي عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المَعَازِفِ لَا تَصْغَ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِفِ (١) قال ابن الصَّلاح: «ولا التفات إلى أبي محمَّد بن حزمٍ الظَّاهريِّ في ردِّ ما أخرجه البخاريُّ من حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ عن الرَّسول ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ» الحديث، من جهة أنَّ البخاريَّ أورده قائلاً فيه: قال هشام بن عمَّارٍ، وساقه بإسناده فزعم ابن حزمٍ أنَّه منقطعٌ فيما بين البخاريِّ وهشامٍ، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوهٍ، والحديث صحيحٌ معروف الاتِّصال بشرط الصَّحيح» (٢). ولفظ الحديث في البخاريِّ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الْفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

стр. 484

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم هذه المذكورات، وهي: الزِّنى والحرير والخمر والمعازف، والحر: الفرج، والمعازف: الغناء وآلاته. ٢ - أنَّ وقوع استحلال هذه المحرَّمات في الأمَّة علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ ، والمتدبِّر للواقع في هذا العصر يدرك أنَّ استحلال هذه المحرَّمات قد وقع في بلدانٍ كثيرةٍ من ديار الإسلام لم يسبق له نظيرٌ، ومن أعظم أسباب ذلك استيلاء النَّصارى على تلك البلدان. ٣ - إخباره ﷺ عمَّا سيكون في المستقبل. ٤ - التَّناسب بين هذه المذكورات، فالخمر والغناء من دواعي الزِّنى، وإن كانت متفاوتةً في الحكم، فأعظمها الزِّنى ثمَّ الخمر ثمَّ المعازف، وأمَّا الحرير فإنَّما يحرم لبسه على الذُّكور. ٥ - تحريم الحرير، وهذا هو الشَّاهد من الحديث، وهذا الحكم مجملٌ في الحديث، تبيِّنه الأحاديث الآتية، ومثله في الإجمال الحديث الآخر: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ في الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (١)، وقد جاء تقييد هذا التَّحريم بذكور الأمَّة، فجاءت الرُّخصة بقدر أربع أصابع، والرُّخصة في لبس الحرير للحاجة، كما سيأتي. ٦ - أنَّ استحلال هذه المحرَّمات سببٌ لعاجل العقوبات من الخسف والمسخ. ٧ - أنَّ عقوبة المستحلِّين لهذه المحرَّمات تقع بهم وقت البيات؛ لأنَّه وقت ممارستهم لهذه المنكرات؛ من الزِّنى والخمر والمعازف، كما يفيده قوله: «فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ». * * * * *

стр. 485

(٦٠١) وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٦٠٢) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٢). (٦٠٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ؛ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٦٠٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (٤). (٦٠٥) وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٥). * * * الحلَّة السِّيراء هي من لباس الحرير، قيل: إنَّها من الحرير الخالص، وقيل: إنَّها مضلَّعةٌ بالحرير؛ أي: معلَّمةٌ؛ أي: فيها أعلامٌ؛ أي: خطوطٌ من الحرير. وهذه الأحاديث الخمسة قد دلَّت على تحريم الحرير. وفيها فوائد، منها: في حديث حذيفة ﵁: ١ - تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة، وسبق في باب الآنية من كتاب الطَّهارة.

стр. 486

٢ - تحريم لبس الحرير والدِّيباج، وهو نوعٌ من الحرير، فعطفه عليه من عطف الخاصِّ على العامِّ. ٣ - تحريم الجلوس على الحرير والدِّيباج، والجلوس والافتراش من اللُّبس، كما قال أنسٌ ﵁: «فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس» (١). وأحسن ما قيل في تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة ما في ذلك من السَّرف والخيلاء، ولأنَّها آنية الكفَّار، كما قال ﷺ : «فَإِنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» (٢). وأمَّا تحريم لبس الرِّجال للحرير فلما فيه من الخيلاء، والتَّرف الَّذي لا يليق بالرِّجال. وفي حديث عمر ﵁: ٤ - الرُّخصة باليسير من الحرير بقدر: إصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ. وفي حديث أنسٍ ﵁: ٥ - الرُّخصة في لبس الحرير للحكَّة؛ لأنَّ غيره يثيرها. ٦ - تخصيص وتقييد الأحاديث المطلقة في تحريم الحرير بما وردت فيه الرُّخصة. ٧ - تفاوت المحرَّمات في التَّحريم؛ فمن المحرَّمات: ما لا يحلُّ إلَّا للضَّرورة، ومنها: ما لا يحلُّ إلَّا للحاجة، ومنها: ما يحرم على الرِّجال والنِّساء، ومنها: ما يحرم على الرِّجال، ومنها: ما يحرم على النِّساء. وفي حديث عليٍ وأبي موسى ﵃: ٨ - إنكار المنكر بإظهار الكراهة والغضب.

стр. 487

٩ - جواز التَّصرُّف في الحرير بالهبة والبيع، ولو لمن لا يحلُّ له إذا كان لا يلبسه. ١٠ - أنَّ الغضب ليس صفة ذمٍّ مطلقًا، بل منه ما هو محمودٌ. ١١ - جواز تشقيق الثَّوب لينتفع به عددٌ. ١٢ - حلُّ لبس الذَّهب والحرير للنَّساء الصَّغيرات والكبيرات. وحلُّ الذَّهب للنِّساء يختصُّ باللِّباس، لحاجتهنَّ إلى الزِّينة، وأمَّا الآنية من الذَّهب والفضَّة فحكمهنَّ حكم الرِّجال؛ أي: في التَّحريم. ١٣ - أنَّ تحريم لبس الذَّهب والحرير مختصٌّ بالرِّجال. ١٤ - الحكمة في التَّشريع، وهي هنا مناسبة لبس الذَّهب والحرير للنِّساء دون الرِّجال. * * * * * (٦٠٦) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إثبات صفة المحبَّة لله تعالى. ٢ - أنَّ من شكر الله إظهار العبد نعمة الله عليه، فمن أغناه الله فلا يظهر بمظهر الفقراء في الرَّثاثة والفرح بالزَّهيد من الدُّنيا، وإظهار نعمة الغنى يكون بالبذل في وجوه البرِّ، وبالتَّمتُّع بما أباح الله من المطعم والمشرب والملبس والمركب على وجه التَّوسُّط والاعتدال، فلا تقشُّف ولا سرف ولا اختيال.

стр. 488

وكلُّ نعمةٍ فإظهارها بحسبها؛ كالجاه والقوَّة البدنيَّة إظهارهما بنفع الضُّعفاء وذوي الحاجات كما فعل موسى ﵇ مع المرأتين، ومن أنعم الله عليه بالعلم أظهره بالتَّعليم والدَّعوة على بصيرةٍ فلا يكتمه فيشبه حال الجاهل. ٣ - إثبات الرُّؤية لله . ٤ - أنَّ كلَّ ما بالعبد من النِّعم من الله. * * * * * (٦٠٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٦٠٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقالَ: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان في الأوَّل منهما: النَّهي عن نوعٍ من الحرير، وهو القسِّيُّ، نسبةً إلى القسِّ موضعٍ بمصر، وفي الثَّاني: النَّهي عن المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر، وهو صبغٌ أحمر. وفيهما فوائد، منها: ١ - تحريم لبس القسِّيِّ، وكلُّ أدلَّة تحريم الحرير هو داخلٌ فيها، وتخصيصه بالذِّكر لسببٍ اقتضاه، ولا يوجب تخصيص الأحاديث العامَّة في النَّهي عن لبس الحرير. ومن القواعد المقرَّرة في الأصول أنَّ النَّصَّ على بعض أفراد العامِّ بحكم العامِّ لا يخصِّصه بقصر الحكم على الخاصِّ. ٢ - تحريم لبس المعصفر على الرِّجال، ومن شواهد النَّهي عن المعصفر؛ النَّهي عن المياثر الحمر. والمنهيُّ عنه هو الأحمر الخالص، بدليل ما ثبت عن

стр. 489

النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه لبس حُلَّةً حمراء (١). قال العلماء: إنَّها لم تكن خالصةً، وبهذا يندفع التَّعارض. ٣ - الإنكار على من فعل محرَّمًا، ولو كان جاهلاً؛ لقوله ﷺ لعبد الله: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟» ممَّا يشعر بأنَّ المعصفر من شأن النِّساء، وفي الحديث؛ قال عبد الله ﵁: «أغسلهما» قال: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا» (٢)، وفي هذا جواز التَّغليظ في الإنكار وجواز العقوبة بالمال. ولكن جاء عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن عمرٍو ﵃ قال: فنظر إليَّ رسول الله ﷺ فإذا عليَّ ريطةٌ مضرَّجةٌ بعصفرٍ، فقال: «مَا هَذِهِ؟» فعرفت أنَّ رسول الله ﷺ قد كرهها، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنُّورهم، فلففتها ثمَّ ألقيتها فيه، ثمَّ أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: «مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟» قلت: قد عرفت ما كرهت منها؛ فأتيت أهلي وهم يسجرون تنُّورهم فألقيتها فيه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!» (٣)، فقوله ﷺ : «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!» يشكل مع قوله عند مسلمٍ: «بَلْ أَحْرِقْهُمَا». فجمع بعضهم بين حديث الرَّيطة وحديث الثَّوبين بأنَّهما قصَّتان، وفيه بعدٌ؛ إذ لا يظنُّ بعبد الله بن عمرٍو ﵃ أن يعود إلى ما نهاه الرَّسول ﷺ عنه. وأحسن من هذا الجمع أن يقال: إنَّ قوله ﷺ : «بَلْ أَحْرِقْهُمَا» ليس على الحقيقة بل على التَّغليظ، كيف وعبد الله ﵁ كان جاهلاً بالحكم! ولكنَّه حمل كلام النَّبيِّ ﷺ على ظاهره فأحرق الرَّيطة، فلذلك قال له النَّبيُّ ﷺ : «فَهَلَّا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ!». * * * * *

стр. 490

(٦٠٩) وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵃؛ «أَنَّها أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١). (٦١٠) وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (٢)، وَزَادَ: «كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى؛ نَسْتَشْفِي بِهَا». (٦١١) وَزَادَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ: «وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ» (٣). * * * هذا الحديث من أدلَّة التَّبرُّك والاستشفاء بآثار بدن النَّبيِّ ﷺ ؛ كشعره وعرقه، ووضوئه ﷺ ، وأدلَّة ذلك مشهورةٌ في الصَّحيحين وغيرهما. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يلبس الجبَّة؛ وهي ذات أكمامٍ تلبس فوق الثِّياب مفتوحةً من الأمام، وهي باقيةٌ بهذا الاسم إلى اليوم عند بعض النَّاس. ٢ - جواز الاحتفاظ بثياب الميِّت إذا كان في ذلك مصلحةٌ. ٣ - الاستشفاء بثياب النَّبيِّ ﷺ ، وذلك بغسلها والاستشفاء بمائها. ٤ - جواز اليسير من الحرير؛ مثل ما يكفُّ به الجيب والكمَّان والفرجان، والمراد بفرجي الجبَّة: الشِّقَّان في أسفلها من الجانبين. ٥ - أنَّ ما جعل الله تعالى في نبيِّه ﷺ من البركة لا يزول بالغسل. ٦ - أنَّ قبض عائشة ﵂ لجبَّة النَّبيِّ ﷺ لا بالميراث، بل لنفع المسلمين بها، ولهذا لمَّا ماتت قبضتها أختها أسماء ﵂. ٧ - التَّجمُّل بالثِّياب لاستقبال الوفود ولصلاة الجمعة. * * * * *

стр. 491

كِتَابُ الجَنَائِزِ

стр. 492

هذا الكتاب يتضمَّن أحكام معاملة الأموات من المرض إلى ما بعد الدَّفن. والجنائز: جمع جنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها، وهو جثمان الميِّت، وقيل: الجنازة -بالفتح-: الميِّت، وبالكسر: النَّعش عليه الميِّت. وأحكام الجنائز من أدلَّة كمال الشَّريعة، وشمولها لشأن الإنسان حيًّا وميِّتًا. وفي موضوعات هذا الكتاب عظاتٌ بالغةٌ، وكلُّها تذكِّر بالموت وبالآخرة، ولهذا استهلَّ المصنِّف أحاديث هذا الكتاب بقوله ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ»، وبالموت ينتقل الإنسان من دار العمل إلى دار البرزخ؛ وهي من دار الجزاء، وبعدها البعث من القبور إلى دار النُّشور إلى دار القرار في الجنَّة أو النَّار، وليس القبر هو المثوى الأخير كما يقول بعض النَّاس. وللإنسان في هذا الوجود أربع أحوالٍ: موتتان وحياتان، قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨]. وقد جرى كثيرٌ من المصنِّفين في الأحكام على ذكر هذا الكتاب في إثر كتاب الصَّلاة، ومناسبته ظاهرةٌ؛ لأنَّ أهمَّ أحكام كتاب الجنائز: تغسيل الميِّت وتكفينه والصَّلاة عليه، وكلُّها تدخل في جنس أحكام الصَّلاة. * * * * * (٦١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). (٦١٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْينِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).

стр. 493

(٦١٤) وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذه الأحاديث الثلاثة اشتملت على فوائد، منها: ١ - استحباب الإكثار من ذكر الموت، والمراد: تذكُّره في القلب والتَّذكير به. ٢ - الحكمة من ذلك، وهي: الاستعداد له بالعمل الصَّالح، ولا يجوز أن يكون تذكُّر الموت سببًا للتَّحسُّر والحزن، وتعطيل مصالح الدِّين والدُّنيا. ٣ - أنَّ اللَّذَّات تسبِّب الغفلة والرُّكون إلى الدُّنيا، وتذكُّر الموت يوجب اليقظة؛ جاء في الحديث: «فَإِنَّه مَا كَانَ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، ولا قَلِيلٍ إِلَّا جَزَّأَهُ» (٢)، وفي حديث آخر: «فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، ولا ذَكَرَهُ وهُوَ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» (٣). ومعنى هذا: أنَّ تذكُّر الموت يوجب القناعة بالقليل من الدُّنيا، ويوجب احتقار الكثير من الدُّنيا. ٤ - أنَّ لذَّات الدُّنيا لا تدوم، وأقصى مداها الموت، فالموت يقطعها ويهدمها، وهو معنى «هاذم اللَّذَّات» أو «هادم اللَّذَّات»، وقد تنقطع قبل ذلك بأسبابٍ؛ كالمرض والهرم. وفي حديث أنسٍ ﵁: ٥ - تحريم تمنِّي الموت لما نزل بالإنسان من المصائب. ٦ - أنَّ تمنِّي الموت ممَّا ينافي الصَّبر.

стр. 494

٧ - جواز التَّفويض على الله بسؤال خير الأمرين من الحياة أو الموت. ٨ - أنَّ الأولى من ذلك سؤال الحياة الطَّيِّبة. ٩ - أنَّ الحياة خيرٌ للمؤمن؛ لأنَّ من شأنه أن يزداد من العمل الصَّالح ولهذا جاء: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (١). ١٠ - تفرُّد الله بعلم الغيب. ١١ - قوله: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» قيل: هو كنايةٌ عن جهاده واجتهاده فيما يقرِّب إلى الله حتَّى ينزل به الموت وهو على ذلك. وقيل: إنَّه كنايةٌ عن شدَّة معالجته للموت، وأنَّه يشدَّد على المؤمن تمحيصًا لذنوبه أو رفعًا لدرجاته، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا نزل به الموت جعل يطرح خميصةً على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها كما في الصَّحيح (٢). وجاء في «صحيح البخاريِّ» أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت عنده ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ يدخل فيها يديه ثمَّ يمسح وجهه منه، ويقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» (٣). وهذا لا ينافي ما جاء في حديث البراء ﵁ من أنَّ نفس المؤمن تخرج كما تسيل القطرة من في السِّقاء، وأنَّ نفس الكافر تنتزع كما ينتزع السَّفُّود من الصُّوف المبلول (٤)؛ فهذا وصفٌ للحظة خروجها وقبض ملك الموت لها. * * * * *

стр. 495

(٦١٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالأَرْبَعَةُ (١). (٦١٦) وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ ﴿يس﴾». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * * هذان الحديثان اشتملا على بعض ما يعامل به المحتضر، فالموتى في الحديثين المراد بهم: من حضره الموت. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - استحباب تلقين المحتضر (لا إله إلَّا الله)؛ والحكمة من ذلك أن تكون آخر كلامه، وقد جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣)؛ والتَّلقين: هو التَّذكير بالقول، والنُّطق به عند من قد يعجز عن النُّطق به؛ إعانةً له أو تذكيرًا له. ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب تلقين المحتضر، واختلفوا في تلقين الميِّت بعد الدَّفن جواب المسائل الثَّلاث، ولم يثبت فيه عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ، بل الَّذي صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ القيام على القبر، والدُّعاء للميِّت بالمغفرة والتَّثبيت. وقد جاء عن جماعةٍ من السَّلف تلقين الميِّت أوَّل ما يدفن من فعلهم، وهذا لا يكفي دليلاً على الشَّرعيَّة، فالصَّواب: أنَّ تلقين الميِّت لا يشرع ولا ينفع، فيغني عنه قوله ﷺ : «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ» (٤).
следующие страницы →