← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٨ - أنَّ من أفعال الله الختم على قلوب من شاء؛ عقوبةً على ما ارتكبوا من مخالفة أمره. ٩ - الرَّدُّ على القدريَّة من المعتزلة وغيرهم في زعمهم أنَّ الله لا يُضلُّ أحدًا، ولا يهدي أحدًا. ١٠ - الرَّدُّ على الجبريَّة؛ لقوله: «لَيَنْتَهِيَنَّ» و «وَدْعِهِمُ». ١١ - إثبات الأسباب الشَّرعيَّة؛ فالمعصية سببٌ للعقاب، والتَّوبة سببٌ للسَّلامة. ١٢ - أنَّ تمادي الإنسان في ترك الجمعات يصيِّره من الغافلين عن ذكر الله وآياته، وعن ذكر اليوم الآخر، وعمَّا ينجي العبد من عذاب الله، مع الإقبال على الحياة الدُّنيا. * * * * * (٥١٠) وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَليْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظلُّ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٥١١) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» (٢). (٥١٢) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵃ قَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إِلَّا بعْدَ الجُمُعَةِ» (٣). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٥١٣) وَفِي رِوَايَةٍ: «فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». * * *

стр. 422

هذه الأحاديث استدلَّ بها على أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ التَّبكير بصلاة الجمعة، وأنَّه لم يكن يبرد بها؛ لقوله: «ثمَّ ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّ به»، وقوله: «نتتبَّع الفيء»؛ ممَّا يدلُّ على أنَّهم ينصرفون من صلاة الجمعة بُعَيد الزَّوال، وكذا قول سهلٍ: «ما كنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلَّا بعد الجمعة»، وكانت عادتهم في القيلولة والغداء قبل وقت صلاة الظُّهر. وقد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة؛ فذهب الجمهور إلى أنَّ وقتها وقت الظُّهر؛ فلا تصلَّى إلَّا بعد الزَّوال، وذهب الإمام أحمد -في المشهور- إلى أنَّ وقتها قبل الزَّوال، بل المذهب أنَّ وقتها من ارتفاع الشَّمس؛ فأوَّل وقتها أوَّل وقت صلاة العيد إلى آخر وقت صلاة الظُّهر، واستدلَّ الإمام أحمد على ذلك بحديث سلمة وسهلٍ ﵃، والحقيقة أنَّ دلالة الحديثين غير ظاهرةٍ، وإن كانت محتملةً، كيف وفي رواية حديث سلمة: «كنَّا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشَّمس». وقوله: «نجمِّع»؛ أي: نصلِّي الجمعة. وأمَّا قوله: «ثمَّ ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّ به»، وقوله: «ثمَّ نرجع نتتبَّع الفيء» فغاية ما يدلُّ عليه التَّبكير في أوَّل الوقت كما تقدَّم، ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يطيل الخطبة، وكان يقرأ في الصَّلاة ب «سبِّح» والغاشية، أو الجمعة والمنافقون، وهذا كلُّه ممَّا يؤيِّد أنَّه لم يكن يبتدئ الخطبة والصَّلاة إلَّا بعد الزَّوال، وبهذا يعلم أنَّ ما ذهب إليه الجمهور هو الصَّحيح، هذا؛ وصلاة الجمعة بدلٌ عن صلاة الظُّهر فوقتها وقتها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ السُّنَّة التَّبكير بصلاة الجمعة؛ ولو مع شدَّة الحرِّ، وأخذ بعض العلماء من ذلك أنَّه لا ينهى عن التَّنفُّل بالصَّلاة قبل الزَّوال يوم الجمعة؛ فقد أُثِرَ أنَّ الصَّحابة كانوا يكثرون من التَّنفُّل قبل صلاة الجمعة.

стр. 423

٢ - التَّصريح بأنَّ صلاة الجمعة بعد الزَّوال؛ كما هو مذهب الجمهور. ٣ - جواز اتِّقاء الرَّمضاء بالمشي فيما تيسَّر من الظِّلِّ؛ والفيء هو: الظِّلُّ بعد الزَّوال، فالظِّلُّ أعمُّ من الفيء، وفيه معنى الفرار من قدر الله إلى قدر الله. ٤ - أنَّ المنفيَّ هو الظِّلُّ الممتدُّ الَّذي يستظلُّ به الإنسان؛ لا نفي أصل الظِّلِّ؛ كما تدلُّ عليه الرِّواية الأخرى «نتتبَّع الفيء». ٥ - أنَّ من عادة الصَّحابة ﵃ القيلولة؛ وهي: النَّوم قبل صلاة الظُّهر، ومن عادتهم تأخير القيلولة والغداء بعد صلاة الجمعة؛ ممَّا يدلُّ على تبكير النَّبيِّ ﷺ بها. ٦ - أنَّ الحجَّة فيما كانوا يفعلون في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وهو من السُّنَّة التَّقريريَّة. * * * * * (٥١٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * تضمَّن هذا الحديث ذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ الآية [الجمعة: ١١]، كما تضمَّن إشكالاً؛ إذ كيف ينفضُّ كثيرٌ من الصَّحابة إلى العير، ويتركون النَّبيَّ ﷺ قائمًا يخطب؟! وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنَّ الخطبة كانت بعد الصَّلاة؛ وقد جاء ما يؤيِّد ذلك عند أبي داود في (المراسيل) (٢). يضاف إلى ذلك أنَّ الأمر بالسَّعي إلى الجمعة وترك البيع إنَّما كان بعد هذه الحادثة، فما وقع منهم لم يكن مخالفةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:

стр. 424

٩]، وحتَّى لو كان هذا؛ فلم يعفوا من اللَّوم والعتاب، ومن عذرهم شدَّة الحاجة الَّتي لم تصل إلى حدِّ الضَّرورة؛ فلذا لم يعذروا، بل عوتبوا على ذلك. وممَّا يؤيِّد أنَّهم لم يرتكبوا ذنبًا عظيمًا أنَّهم لم يعاقبوا أو يهدَّدوا بعقابٍ، بل اقتصر على اللَّوم والتَّذكير بأنَّ ما عند الله من الأجر والثَّواب خيرٌ ممَّا انصرفوا إليه من اللَّهو والتِّجارة، بل ولم يواجهوا بالعتاب؛ فإنَّ الآية وردت في صيغة الخبر عن الغائب. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الجمعة. ٢ - القيام في خطبة الجمعة، وهذا هدي النَّبيِّ ﷺ في الجمعة وغيرها. ٣ - أنَّ من طبع النُّفوس محبَّة منافع الدُّنيا، والحرص عليها، ولا سيَّما مع الحاجة. ٤ - أنَّ الصَّحابة ليسوا بمعصومين، بل تجوز عليهم الذُّنوب في الجملة. ٥ - أنَّه يجزئ في عدد الجمعة اثنا عشر رجلاً، وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفي الاستدلال بالحديث على ذلك نظرٌ، وقد اختلف اختلافًا كثيرًا في العدد المشترط لوجوب الجمعة، وأقلُّ ما قيل: إنَّها تجب بثلاثةٍ مستوطنين، وقول الأكثرين إنَّها تجب بأربعين، والصَّواب: أنَّه يجزئ لوجوبها ثلاثةٌ؛ لحديث: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (١). ٦ - فضل من بقي مع النَّبيِّ ﷺ ؛ كأبي بكرٍ، وعمر، وجابرٍ ﵃.

стр. 425

٧ - جواز التِّجارة إذا لم يترك لأجلها واجبٌ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. * * * * * (٥١٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أبو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١). * * * منطوق هذا الحديث أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة أنَّه يكون مدركًا لصلاة الجمعة، فيجزئه أن يضيف إليها ركعةً أخرى، فتتمَّ له جمعةٌ، ومفهومه أنَّ من لم يدرك ركعةً -والرَّكعة تدرك بإدراك الرُّكوع- فإنَّه لا تتمُّ له جمعةٌ فيجب عليه أن يصلِّيها ظهرًا، وهذا قول جمهور العلماء؛ وهو أنَّ الجمعة تدرك بإدراك ركعةٍ، ولا تدرك بأقلَّ من ذلك، ويؤيِّد هذا ما في «الصَّحيحين» أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢)، وهذا يشمل الجمعة وغيرها، واتَّفق العلماء على منطوق هذا الحديث وعلى مفهومه في الجمعة، واختلفوا فيما يدرك به الوقت وصلاة الجماعة؛ فقيل: لا تدرك إلَّا بإدراك ركعةٍ، وقيل: تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام، والصَّواب الأوَّل؛ للحديث المتَّفق عليه.

стр. 426

وقوله في حديث ابن عمر ﵃: «وَغَيْرِهَا»؛ أي: غير صلاة الجمعة، ومعناه -والله أعلم- أنَّ من أدرك ركعةً من الجمعة وغيرها فقد أدرك الصَّلاة، فإن كانت ثنائيَّةً كالجمعة والفجر فيجزئه أن يضيف إليها أخرى، وإلَّا أضاف إليها ما فاته من الصَّلاة. وهذا على أنَّ لفظة «وغيرها» محفوظةٌ، والأشبه أنَّها غير محفوظةٍ؛ فإنَّها لا تناسب قوله: «فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ»؛ فإنَّ الصَّلاة الرُّباعيَّة لا تتمُّ بإضافة ركعةٍ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ صلاة الجمعة ركعتان. ٢ - أنَّ من أدرك ركعةً فقد أدرك الجمعة. ٣ - أنَّ من لم يدرك ركعةً فإنَّه لم يدرك الجمعة؛ فيصلِّيها ظهرًا. ٤ - أنَّ حكم غير الجمعة حكم الجمعة في الإدراك بركعةٍ. ٥ - أنَّ ما يدركه المسبوق هو أوَّل صلاته، وما يأتي به بعد هو آخر صلاته. ٦ - صحَّة صلاة المأموم مع اختلاف نيَّته ونيَّة الإمام؛ فإنَّ من لم يدرك ركعةً عليه أن ينوي ظهرًا، ومن دخل مع الإمام بنيَّة الجمعة ثمَّ تبيَّن له أنَّه في الرَّكعة الأخيرة؛ فالَّذي يظهر أنَّه يجزئه أن يستأنف نيَّة الظُّهر وهو في الصَّلاة مع الإمام. ٧ - فضل الله على عباده أن جعل المدرك ركعةً مدركًا للجمعة والجماعة. * * * * *

стр. 427

(٥١٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ أن يخطب قائمًا. ٢ - أنَّه يشرع للجمعة خطبتان. ٣ - القعود بين الخطبتين. ٤ - جزم جابرٍ ﵁ بما أخبر به. ٥ - تكذيب من أخبر بخلاف الأمر الثَّابت. ٦ - أنَّ كلَّ ما ينافي الحقَّ فهو باطلٌ. * * * * * (٥١٧) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٥١٨) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ» (٣). (٥١٩) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (٤).

стр. 428

(٥٢٠) وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» (١). (٥٢١) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵃ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» رَوَاهُ مُسْلِم (٢). * * * حديثا جابرٍ وعمَّارٍ ﵃ قد اشتملا على بعض صفات الخطبة وصفة الخطيب حال الخطبة، وذكر بعض موضوعات الخطبة لصلاة الجمعة. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الخطبة لصلاة الجمعة، وتقدَّم أنَّها خطبتان. ٢ - استحباب تقصير الخطبة. ٣ - استحباب تطويل الصَّلاة. ٤ - أنَّ الملازمة لذلك من الفقه في الدِّين. ٥ - أنَّ تقرير ذلك بهديه ﷺ في الخطبة والصَّلاة. ٦ - أنَّ معرفة مقدار الطُّول والقصر يعرف بهديه ﷺ في الخطبة والصَّلاة. ٧ - استحباب رفع الصَّوت بالخطبة وإلقائها بصفة المنذر من خطرٍ؛ لقوله: «احمرَّت عيناه وعلا صوته … » إلخ. ٨ - أنَّ من هديه ﷺ في الخطبة أن يقول: «أَمَّا بَعْدُ». ٩ - التَّذكير بمنزلة الكتاب والسُّنَّة. ١٠ - أنَّ أحسن الكلام القرآن. ١١ - أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ في جميع الأمور خيرٌ من هدي كلِّ أحدٍ. ١٢ - الحثُّ على التَّمسُّك بالكتاب والسُّنَّة.

стр. 429

١٣ - التَّحذير من المحدثات في الدِّين؛ وهي البدع. ١٤ - أنَّ كلَّ بدعةٍ في الدِّين ضلالةٌ. ١٥ - أنَّه ليس في البدع بدعةٌ حسنةٌ. ١٦ - التَّذكير بتفرُّده تعالى بالهدى والإضلال: «مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»، والهداية في هذا الحديث هي: الهداية الخاصَّة الَّتي أثبتها الله لنفسه، ونفاها عن نبيِّه في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. * * * * * (٥٢٢) وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد (١)﴾ [ق]، إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * ظاهر هذا الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ يقرأ سورة (ق) كاملةً في الخطبة كلَّ جمعةٍ، ويرد على هذا إشكالان: أَحَدُهُمَا: أنَّه قد ورد أنَّه ﷺ قرأ سورة (ص) وآياتٍ من سورة (الزُّخرف)، فوجب حمل العموم على الكثرة، ولا سيَّما أنَّه لم يرو هذا الحديث غير أمِّ هشامٍ ﵂. الثَّانِي: أنَّ قراءة سورة (ق) كاملةً في الخطبة وهي طويلةٌ إن لم يقتصر عليها كانت الخطبة طويلةً، وإن اقتصر عليها لم تكن وحدها خطبةً، والظَّاهر: أنَّه ﷺ يقرؤها ضمن الخطبة؛ ولهذا قال بعض شرَّاح الحديث للخروج من هذا الإشكال: «لعلَّه ﷺ يقرأ منها في كلِّ جمعةٍ، وأنَّ أمَّ هشامٍ ﵂ حفظت سورة

стр. 430

(ق) من مجموع خطبه ﷺ بهذه السُّورة» (١)، وهذا التَّأويل ألجأ إليه الإشكال المتقدِّم. ويمكن أن يقال: إنَّه ﷺ يقرأ بعضها في الخطبة الأولى وبعضها في الخطبة الثَّانية، مع ما يسبق ذلك من معاني الخطبة. والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة أمِّ هشامٍ بنت حارثة بن النُّعمان الأنصاريَّة النَّجَّاريَّة ﵂. ٢ - جواز حضور النِّساء صلاة الجمعة. ٣ - أنَّ من حضر الجمعة ممَّن لا تجب عليه أجزأته عن الظُّهر؛ كالمرأة، والعبد، والمسافر، وهذا باتِّفاقٍ. ٤ - فضل سورة (ق). ٥ - كثرة قراءة النَّبيِّ ﷺ لهذه السُّورة في خطبة الجمعة، وقولها: «كلَّ جمعةٍ» يمكن حمله على الكثرة. ٦ - السِّرُّ في ذلك: ما اشتملت عليه السُّورة من أمر البعث والجزاء، والرَّدِّ على المنكرين بذكر أدلَّة إمكان البعث وقدرته -تعالى- على ذلك؛ فالسُّورة من أوَّلها إلى آخرها في شأن البعث. ٧ - مشروعيَّة قراءة القرآن في خطبة الجمعة بسورة (ق) أو غيرها، وجواز الاقتصار في الموعظة على ذلك. ٨ - أنَّ قراءة هذه السُّورة (ق) لا ينافي تقصير الخطبة المستحبَّ. ٩ - مشروعيَّة التَّذكير بالقرآن؛ فإنَّه أنفع ما يذكَّر به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]. * * * * *

стр. 431

(٥٢٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، ليْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادٍ لا بَأْسَ بِهِ (١). (٥٢٤) وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مَرْفُوعًا: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ -يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ- فَقَدْ لَغَوْتَ» (٢). (٥٢٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * في هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - تحريم الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة. ٢ - أنَّ خطبة الجمعة واجبةٌ، وللجمعة خطبتان، وقد عدَّ بعض العلماء تقديم الخطبتين شرطًا لصحَّة الجمعة (٤)، وقيل: إنَّهما واجبتان، وليستا بشرطٍ. ٣ - تشبيه من يتكلَّم يوم الجمعة حال الخطبة بالحمار يحمل أسفارًا، وفي ذلك ما فيه من التَّقبيح والذَّمِّ البالغ، ووجه الشَّبه: أنَّ الَّذي يتكلَّم حال الخطبة قد تكلَّف الحضور والانتظار، وحرم نفسه الانتفاع بما في الخطبة من الخير؛ فليس له من حضوره إلَّا التَّعب، وهكذا الحمار الَّذي يحمل الأسفار -وهي كتب العلم- ليس له من حملها إلَّا التَّعب، ويسمِّي البلاغيُّون هذا التَّشبيه تشبيهًا تمثيليًّا، وهذا المثل هو الَّذي ضربه الله لليهود؛ إذ لم يعملوا بما علموا. ٤ - أنَّه لا يجوز الكلام حال الخطبة ولا لإنكار المنكر؛ كتصميت من يتكلَّم حال الخطبة.

стр. 432

٥ - أنَّ من قال لمتكلِّمٍ: (أنصت) فذلك لغوٌ منه فلا ثواب له، بل يأثم ويحرم فضل الجمعة، وصلاته صحيحةٌ، ومن هذا القبيل ردُّ السَّلام وتشميت العاطس، فإنَّه داخلٌ في الكلام المنهيِّ عنه، بخلاف الذِّكر والدُّعاء والصَّلاة على الرَّسول ﷺ إذا حصل ما يقتضيه، ويجوز للخطيب أن يكلِّم بعض الحاضرين بما تدعو إليه الحاجة، كما يجوز لحاضر الجمعة تكليم الخطيب بما تدعو إليه الحاجة؛ ابتداءً، وجوابًا. ٦ - مشروعيَّة تحيَّة المسجد وتأكُّدها، والجمهور على أنَّها سنَّةٌ، وقيل بوجوبها، وهو قولٌ قويٌّ (١). ٧ - جواز فعلها والإمام يخطب، وقيل: لا يجوز ذلك، وإلى هذا ذهبت الحنفيَّة (٢)، وتأوَّلوا الحديث؛ بأنَّ الدَّاخل سليكٌ الغطفانيُّ ليقوم فيتصدَّق النَّاس عليه، وهذا تأويلٌ ساقطٌ لا دليل عليه. ٨ - أمر من تركها بأدائها. ٩ - أنَّ تحيَّة المسجد لا تسقط بالجلوس. ١٠ - التَّثبُّت في إنكار المنكر؛ لقوله: «صَلَّيْتَ؟». ١١ - وجوب القيام في تحيَّة المسجد؛ لقوله: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ويؤيِّده قوله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٣). ١٢ - أنَّه لا ينكر على من دخل والإمام يخطب، وإنكار عمر على عثمان ﵃؛ لأنَّ التَّأخُّر لا يليق به لعلوِّ منزلته، ومثله يقتدى به. * * * * *

стр. 433

(٥٢٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ (الْجُمُعَةِ)، وَ (الْمُنَافِقُونَ)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٥٢٧) وَلَهُ: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵃: «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [سورة الأعلى]، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة (١)﴾ [سورة الغاشية]» (٢). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - فضل هذه السُّور لقراءتها في المجامع العظيمة. ٢ - مشروعيَّة قراءة (الجمعة) و (المنافقون) بعد الفاتحة في صلاة الجمعة. ٣ - الحكمة من قراءة هاتين السُّورتين؛ وهي: التَّذكير بما اشتملتا عليه من تسبيح الله والامتنان على المؤمنين ببعثة محمَّدٍ ﷺ ، وتوبيخ اليهود على عدم عملهم بالتَّوراة، ومن ذلك تكذيبهم للنَّبيِّ ﷺ مع معرفتهم له، كما اشتملت على النَّدب إلى صلاة الجمعة وترك الاشتغال عنها بالتِّجارة، وكذا ما اشتملت عليه سورة المنافقون من فضحهم وذكر بعض صفاتهم القوليَّة والفعليَّة، ثمَّ توجيه المؤمنين إلى عدم الاشتغال عن ذكر الله بحظوظ الدُّنيا من المال والولد، وندبهم إلى الإنفاق من رزق الله والحثِّ على ذلك قبل الفوت، ولا يخفى ما بين السُّورتين من التَّناسب. ٤ - مشروعيَّة قراءة (سبِّح) و (الغاشية) في الجمعة والعيدين، والحكمة من ذلك: ما اشتملت عليه السُّورتان من تسبيح الله وذكر صفاته، والامتنان على نبيِّه ﷺ ، وذكر انقسام النَّاس عند التَّذكير، وذكر عاقبة الفريقين إجمالاً في سورة (سبِّح)، وبتفصيلٍ في سورة (الغاشية)، مع التَّذكير بآيات الله الكونيَّة في

стр. 434

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧] الآيات، وآياته الشَّرعيَّة في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١]. ٥ - أنَّ قراءة هذه السُّور ليس من التَّطويل المنهيِّ عنه، ولا من التَّقصير الَّذي ينافي الفقه؛ كما تقدَّم في قوله ﷺ : «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» (١). * * * * * (٥٢٨) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبيُّ ﷺ العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ؛ فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه قد وقع اجتماع الجمعة والعيد في عهد النَّبيِّ ﷺ . ٢ - أنَّه إذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ رخِّص لمن حضر صلاة العيد في ترك الجمعة. ٣ - أنَّه لا يرخَّص لمن لم يحضر صلاة العيد في ترك الجمعة. ٤ - وجوب صلاة الجمعة. ٥ - اليسر في الشَّريعة. ٦ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير. ٧ - أنَّ صلاة الجمعة لا تسقط بصلاة العيد، بل تجب إقامتها؛ كما يدلُّ لذلك حديث النُّعمان بن بشيرٍ ﵁ قال: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ

стр. 435

وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلاتَيْنِ» (١)، وسقوط وجوب الجمعة لا يسقط فرض الظُّهر؛ فإنَّ الله كتب على عباده خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ. وهذا يبطل قول من ذهب إلى سقوط صلاة الظُّهر. * * * * * (٥٢٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ للجمعة راتبةً بعديَّةً. ٢ - أنَّ راتبة الجمعة أربع ركعاتٍ، وتقدَّم في حديث ابن عمر ﵃؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي ركعتين بعد الجمعة في بيته (٣)، وقد جمع بعض العلماء بين الحديثين بأنَّ من صلَّى في المسجد صلَّى أربعًا، ومن صلَّاها في بيته صلَّى ركعتين، وجمع بعضهم بأنَّه يصلِّي ركعتين في المسجد وركعتين في بيته، والأظهر: أنَّ راتبة الجمعة أربعٌ؛ سواءٌ صلِّيت في المسجد أو في البيت؛ لأنَّ حديث أبي هريرة ﵁ قوليٌّ، وهو صريحٌ في الأمر بصلاة أربعٍ، وحديث ابن عمر ﵃ فعلٌ؛ والقول مقدَّمٌ على الفعل عند الاختلاف. * * * * * (٥٣٠) وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ لَهُ: «إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ؛ أَلَّا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). * * *

стр. 436

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إرشاد الجاهل. ٢ - تعليم النَّاس السُّنَّة، كما فعل معاوية مع السَّائب ﵃. ٣ - النَّهي عن وصل الجمعة بصلاةٍ بعدها؛ حتَّى لا يظنَّ أنَّها أربعٌ. ٤ - النَّهي عن وصل الصَّلاة المكتوبة بصلاة النَّافلة بعدها. ٥ - أنَّ الفصل بين المكتوبة والنَّافلة يكون بالخروج، وبالكلام؛ ويشمل كلام النَّاس والذِّكر بعد الصَّلاة. ٦ - الحكمة من النَّهي عن وصل المكتوبة بالنَّافلة هي التَّمييز بينهما بالكلام أو الخروج، وهو مطَّردٌ في الشَّريعة كما في الصِّيام. ٧ - استدلال المفتي على فتواه. * * * * * (٥٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث فضل الجمعة وأعمال الجمعة. وفيه فوائد، منها: ١ - فضل صلاة الجمعة. ٢ - فضل يوم الجمعة، وأدلَّة ذلك كثيرةٌ. ٣ - مشروعيَّة الغسل يوم الجمعة لمن يأتي الجمعة، وتقدَّم في كتاب الطَّهارة ذكر حكم غسل الجمعة والخلاف في ذلك، وذكر الأدلَّة.

стр. 437

٤ - أنَّ غسل الجمعة خاصٌّ بالرِّجال؛ لأنَّه مشروعٌ لإتيان الجمعة، وهو إنَّما يجب على الرِّجال. ٥ - التَّعبير بالجمعة عن صلاة الجمعة، وهو من التَّعبير عن الفعل بزمانه، والمراد بإتيان الجمعة هو: الإتيان إلى المسجد لصلاة الجمعة. ٦ - استحباب التَّنفُّل بالصَّلاة لمن أتى الجمعة، وأقلُّ ذلك ركعتان، ولا حدَّ للزِّيادة. ٧ - أنَّه ليس للجمعة راتبةٌ قبلها؛ لقوله: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ». ٨ - أنَّ أفعال العباد مقدَّرةٌ، ففيه: ٩ - إثبات القدر. ١٠ - مشروعيَّة الخطبة؛ لقوله: «حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ». ١١ - مشروعيَّة الإنصات حتَّى يفرغ الإمام من خطبته، وهو واجبٌ حال الخطبة، وقد جاء ما يدلُّ على تقييد هذا الإطلاق بما إذا تكلَّم الإمام، كما في «صحيح البخاريِّ» (١)، وأمَّا قبل الخطبة فلا يشرع الإنصات، بل يشرع الكلام بالخير؛ من تلاوة القرآن، أو ذكرٍ، أو أمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكرٍ. ١٢ - أنَّ شهود صلاة الجمعة على هذا الوجه سببٌ لمغفرة الذُّنوب عشرة أيَّامٍ، والحديث مطلقٌ في الذُّنوب؛ ولكنَّه يقيَّد بما إذا اجتنبت الكبائر؛ كما في «الصَّحيح»: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (٢). ومغفرة الذُّنوب بالأعمال الصَّالحة أحد نوعي الجزاء؛ وهما الأجر والمغفرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ

стр. 438

مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم (٩)﴾ [المائدة: ٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ١٣ - سعة فضل الله. ١٤ - أنَّ الأصل أن يكون الخطيب هو الإمام؛ لقوله: «حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ». * * * * * (٥٣٢) وَعنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مسْلمٌ وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٥٣٣) وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ» (١). (٥٣٤) وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلاةُ». رواهُ مسْلمٌ، ورجَّحَ الدارقطنِيُّ أنَّهُ منْ قولِ أبي بردةَ (٢). (٥٣٥) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه (٣). (٥٣٦) وَجَابِرٍ ﵁ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ؛ أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ (٤). وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلاً؛ أَمْلَيْتُهَا فِي «شَرْحِ البُخَارِيِّ» (٥). * * *

стр. 439

اشتملت هذه الأحاديث على ذكر خصيصةٍ من خصائص يوم الجمعة؛ وهي ساعة الإجابة، وقد اختلف النَّاس في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً؛ على ما ذكره الحافظ ﵀؛ وسبب ذلك: أنَّ الحديث الَّذي في «الصَّحيحين» لم تعيَّن فيه السَّاعة، بل ذكرت مطلقةً؛ كما هو ظاهرٌ من حديث أبي هريرة ﵁. وحديث أبي بردة عن أبيه مختلفٌ في رفعه ووقفه على أبي بردة ﵁. وما جاء في حديث عبد الله بن سلامٍ وجابرٍ ﵃ من «أنَّها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشَّمس» لا يناسب ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ من قوله: «وأشار بيده يقلِّلها»، وفي اللَّفظ الآخر: «وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ». ومع ذلك فهذان الوقتان هما أرجح ما جاء في تعيينها، وأرجحهما من حيث الدَّليل أنَّها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشَّمس، وإن كان قد أشكل على عبد الله بن سلامٍ ﵁ أنَّ هذا ليس وقت صلاةٍ، وفي الحديث: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي» وقد أجاب عن ذلك النَّبيُّ ﷺ ؛ ب «أنَّ العبد المؤمن إذا صلَّى ثمَّ جلس لا يحبسه إلَّا الصَّلاة فهو في صلاةٍ» (١). وعلى كلٍّ فينبغي تحرِّي الدُّعاء في هذين الوقتين، وهو متيسِّرٌ لكلِّ من يصلِّي الجمعة إذا خرج الإمام حتَّى يفرغ من الصَّلاة؛ لأنَّه لا يحتاج إلى تفرُّغٍ، وأمَّا الوقت الآخر فلا يتيسَّر تحرِّي ساعة الإجابة إلَّا بالتَّفرُّغ؛ وهي ساعةٌ طويلةٌ يمكن أن يدركها الإنسان؛ ولو في آخرها قبل المغرب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل يوم الجمعة. ٢ - أنَّ فيه ساعة إجابةٍ. ٣ - أنَّها ساعةٌ خفيفةٌ.

стр. 440

٤ - تفاضل الأوقات في إجابة الدُّعاء، وهو سبحانه يجيب الدَّعوات في كلِّ وقتٍ، ولكنَّ بعض الأوقات أحرى من بعضٍ. ٥ - التَّرغيب في تحرِّي الدُّعاء في أوقات الإجابة. ٦ - أنَّ إجابة الدُّعاء في هذه السَّاعة مشروطٌ بكون العبد يصلِّي. ٧ - أنَّ أرجح ما قيل في تعيين ساعة الإجابة: وقت الخطبة، وصلاة الجمعة، وما بعد العصر إلى غروب الشَّمس من يوم الجمعة. * * * * * (٥٣٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). * * * هذا الحديث ممَّا استدلَّ به القائلون بأنَّه يشترط لوجوب الجمعة وصحَّتها حضور أربعين من أهل وجوبها، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد رحمهما الله، في المشهور عنهما، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ على ما ذكر الحافظ ﵀. وقد تعدَّدت أقوال النَّاس في العدد المعتبر للجمعة، وتقدَّمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على حديث جابرٍ ﵁ في قصَّة الَّذين انصرفوا والنَّبيُّ ﷺ قائمٌ يخطب، وأنَّ الرَّاجح هو: القول بأنَّ أقلَّ عددٍ ثلاثةٌ مستوطنون (٢). * * * * * (٥٣٨) وَعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ. رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ (٣).

стр. 441

(٥٣٩) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١). وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (٢). * * * هذان الحديثان يدلَّان على بعض ما يشرع في خطبة الجمعة؛ ومن ذلك: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وقد أمر الله نبيَّه بذلك في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. ومنه: قراءة آياتٍ من القرآن؛ ويشهد لهذا حديث أمِّ هشامٍ بنت حارثة ﵂ عند مسلمٍ أنَّه ﷺ كان يقرأ سورة (ق) على المنبر يوم الجمعة كما تقدَّم (٣). وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - الدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات في خطبة الجمعة بخير الدُّنيا والآخرة، ومن أهمِّ ذلك الاستغفار لهم. ٢ - قراءة شيءٍ من القرآن في خطبة الجمعة، وقد عدَّ بعض الفقهاء ذلك ركنًا من أركان الخطبة؛ فلا تصحُّ الخطبة الخالية عن القرآن (٤)، ولا ريب أنَّ القرآن خير ما يذكَّر به ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون (٥٠)﴾ [المرسلات: ٥٠]، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]. * * * * * (٥٤٠) وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٌّ، وَمَرِيضٌ».

стр. 442

رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَقَالَ: «لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ». وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ المَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ (١). (٥٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ليْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٢). * * * تضمَّن هذان الحديثان ذكر من لا تجب عليه الجمعة، وتقدَّم أنَّ الجمعة واجبةٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، والمذكورون في الحديثين خمسةٌ؛ فمنهم من لا تجب عليه الجمعة؛ لعدم التَّكليف؛ كالصَّبيِّ. ومنهم من ليس من أهل الجمعة؛ كالمرأة. ومنهم من لا تجب عليه؛ للعذر؛ كالمريض والمسافر، ولا خلاف في عدم وجوبها على هؤلاء، لكن من حضرها منهم أجزأته عن الظُّهر بالإجماع، وأمَّا العبد فلا تجب عليه؛ لحقِّ سيِّده، وهذا مذهب الجمهور، وذهبت الظَّاهريَّة إلى وجوبها على العبد، ولو صحَّ حديث طارقٍ لكان حجَّةً عليهم، ولكنَّ الحديث فيه مقالٌ؛ فلا يصلح عندهم لتخصيص أدلَّة وجوب الجمعة، وإذا لم يثبت الحديث فقول الظَّاهريَّة قويٌّ. ويؤيِّد حديث ابن عمر «ليس على مسافرٍ جمعةٌ» عمل النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه لم يصلِّ الجمعة في السَّفر قطُّ، ومن ذلك أنَّه لم يصلِّ الجمعة بعرفة حين جمع بين الظُّهر والعصر. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - وجوب الجمعة على كلِّ مسلمٍ. ٢ - أنَّ الجمعة من فرائض الأعيان. ٣ - أنَّها لا تجب على العبد؛ أي: المملوك، وقيل: تجب عليه، وقيل: تجب عليه إذا أذن له سيِّده.

стр. 443

٤ - أنَّها لا تجب على المرأة؛ لأنَّها ليست من أهل الجمعة والجماعة. ٥ - أنَّها لا تجب على الصَّبيِّ. ٦ - أنَّها لا تجب على المريض للمرض الَّذي يشقُّ معه حضورها. ٧ - حكمة الشَّريعة ويسرها. ٨ - التَّفريق بين الرَّجل والمرأة في بعض الأحكام؛ فالأحكام الشَّرعيَّة منها ما هو مختصٌّ بالرَّجل، ومنها ما هو مختصٌّ بالمرأة، ومنها ما هو مشتركٌ. فحضور صلاة الجمعة يجب على الرِّجال دون النِّساء. ٩ - عدم وجوب الجمعة على المسافر، والمعوَّل في هذا على سيرته ﷺ ؛ لأنَّ هذا الحديث ضعيفٌ؛ ففي جميع أسفاره ﷺ لم يثبت أنَّه أتمَّ. * * * * * (٥٤٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). (٥٤٣) وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (٢). (٥٤٤) وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). * * * في هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - استحباب استقبال الخطيب يوم الجمعة، وهذا هو اللَّائق بالمستمعين؛ فإنَّ استقبال الخطيب أدلُّ على الإقبال، وأكمل في الاستماع،

стр. 444

وهذا هو اللَّائق في سائر الخطب والدُّروس، ولا يلزم من ذلك التَّحلُّق؛ فإنَّ الرَّسول ﷺ كان يخطب النَّاس، والنَّاس على صفوفهم؛ كما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ في خطبة العيد (١). ٢ - استحباب اتِّكاء الخطيب على عصًا ونحوها، وذلك ممَّا يعين على قوَّة الإلقاء وضبط اليد عن الحركة بلا حاجةٍ، ولم يأت ذكر هذه السُّنَّة إلَّا في هذا الحديث، وقد ورد أنَّه ﷺ ربَّما اتَّكأ في بعض الخطب على كتف بلالٍ ﵁. ٣ - مشروعيَّة الخطبة في الجمعة. ٤ - اتِّخاذ المنبر للخطبة، وهذا ثابتٌ بالأحاديث الصَّحيحة. * * * * *

стр. 445

بَابُ صَلَاةِ الخَوْفِ صلاة الخوف: هي الصَّلاة الَّتي تفعل في حال الخوف، وإضافتها إلى الخوف من إضافة الشَّيء إلى سببه، وذلك باعتبار صفة الصَّلاة لا باعتبار أصل الصَّلاة؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس مكتوبةٌ على العبد في كلِّ يومٍ وليلةٍ. والأصل: أنَّ سببها هو الخوف من العدوِّ في الجهاد، والحكم يشمل كلَّ خائفٍ من عدوٍّ أو سبعٍ أو خطرٍ؛ كسيلٍ وحريقٍ. والأصل في صلاة الخوف: الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقد دلَّ القرآن على بعض صفاتها، ودلَّت السُّنَّة على صفاتٍ أخرى، سيأتي ذكرها في أحاديث الباب، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]. ووجوب الصلاة في حال الخوف وتيسيرها بالقصر يدل على: ١ - عظم شأن الصَّلاة المكتوبة. ٢ - أنَّها لا تسقط بحالٍ من الأحوال. ٣ - يسر دين الإسلام. ٤ - وجوب صلاة الجماعة.

стр. 446

وكلُّ ما حفظ عن النَّبيِّ ﷺ في صلاة الخوف إنَّما كان في السَّفر، ولم يصلِّها في الحضر، وقد شغل النَّبيُّ ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر فلم يصلِّها إلَّا بعد المغرب، فدعا النَّبيُّ ﷺ على المشركين؛ فقال: «مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ؛ وهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ» (١). واختلف العلماء في توجيه تأخير النَّبيِّ ﷺ الصَّلاة عن وقتها؛ فقيل: إنَّ صلاة الخوف لم تشرع إلَّا بعد وقعة الأحزاب، وقيل: إنَّ هذا يدلُّ على أنَّ صلاة الخوف لا تشرع في الحضر، والقرآن يشهد للقول الثَّاني، وذلك في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]. * * * * * (٥٤٥) عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الخَوْفِ؛ «أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (٥٤٦) وَوَقَعَ فِي (المَعْرِفَةِ) لاِبْنِ مَنْدَه: عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ. (٥٤٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ، فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ

стр. 447

وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَهَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ. (٥٤٨) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدتُّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ، قَامَ الصَّفُّ الذِي يَلِيهِ … » فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. (٥٤٩) وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتقدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي». (٥٥٠) وَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي آخِرِهِ: «ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٥٥١) وَلأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: «أَنَّها كَانَتْ بِعُسْفَانَ» (٣). (٥٥٢) وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» (٤). (٥٥٣) وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ (٥). (٥٥٤) وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْخَوْفِ بِهَؤُلاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦). (٥٥٥) وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ (٧).

стр. 448

اشتملت هذه الأحاديث على خمس صفاتٍ لصلاة الخوف، واختلاف الصِّفات راجعٌ إلى جهة العدوِّ بالنِّسبة إلى القبلة وغيرها، وإلى شدَّة الخوف وخفَّته. وكلُّ هذه الصِّفات فيها جعل العسكر طائفتين؛ طائفةٌ تصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ تنصرف وتأتي الطَّائفة الأخرى، إلَّا ما في حديث جابرٍ ﵁ الأوَّل، فإنَّ فيه أنَّ العسكر صلَّوا معه جميعًا؛ لأنَّ العدوَّ كان في جهة القبلة فجعلهم صفَّين، فينفرد الصَّفُّ الثَّاني في السُّجود في الرَّكعة الأولى، وينفرد الصَّفُّ الأوَّل في السُّجود في الرَّكعة الثَّانية، وإليك هذه الصِّفات الخمس: الأُولَى: في حديث صالح بن خوَّاتٍ جعلهم النَّبيُّ ﷺ طائفتين، فصلَّى بطائفةٍ ركعةً، ثمَّ أتمُّوا لأنفسهم وثبت النَّبيُّ ﷺ قائمًا، ثمَّ جاءت الطَّائفة الَّتي كانت في وجاه العدوِّ فصلَّى بهم الرَّكعة الثَّانية، وثبت النَّبيُّ ﷺ جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم. الثَّانِيَةُ: جعلهم النَّبيُّ ﷺ طائفتين، فصلَّى بالأولى ركعةً ثمَّ انصرفوا، وجاءت الطَّائفة الأخرى فصلَّى بهم ركعةً، ثمَّ قضى كلُّ واحدٍ من الطَّائفتين بنفسه ركعةً، والظَّاهر من جهة المعنى -والله أعلم- أنَّ الطَّائفة الأولى قضت لنفسها الرَّكعة قبل أن تنصرف من مكانها، وكذا الطَّائفة الثَّانية، وإن كان ظاهر اللَّفظ أنَّ الطَّائفة الأولى انصرفوا قبل أن يقضوا الرَّكعة الباقية. والفرق بين هذه الصفة والتي قبلها من وجهين: ١ - أنَّه في الصِّفة الأولى أنَّ الطَّائفة الأولى صلَّوا الرَّكعة الثَّانية قبل أن ينصرفوا، أمَّا في الصِّفة الثَّانية فظاهر الحديث أنَّ الطَّائفة الأولى انصرفوا قبل أن يقضوا الرَّكعة الثَّانية، ثمَّ قضوها بعد.

стр. 449

٢ - أنَّه في الصِّفة الأولى انتظر النَّبيُّ ﷺ الطَّائفة الثَّانية حتَّى قضوا الرَّكعة الثَّانية، ثمَّ سلَّم بهم، فحظيت الطَّائفة الأولى بتكبيرة الإحرام مع النَّبيِّ ﷺ ، وحظيت الطَّائفة الثَّانية بالتَّشهُّد مع النَّبيِّ ﷺ والتَّسليم معه. وأمَّا في الصِّفة الثَّانية فإنَّ الطَّائفة الثَّانية قد جلست مع النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّد حتَّى سلَّم، ثمَّ قضوا الرَّكعة الَّتي بقيت عليهم. الثَّالِثَةُ: في حديث جابرٍ ﵁ الأوَّل، حيث كان العدوُّ في جهة القبلة، جعل النَّبيُّ ﷺ العسكر صفَّين، فكبَّروا جميعًا وركعوا ورفعوا جميعًا، ثمَّ سجد النَّبيُّ ﷺ والصَّفُّ الَّذي يليه، وثبت الصَّفُّ المؤخَّر يرقب العدوَّ، فلمَّا قام النَّبيُّ ﷺ والصَّفُّ الَّذي يليه سجد الصَّفُّ المؤخَّر، فلمَّا قاموا تقدَّم الصَّفُّ المؤخَّر وتأخَّر الصَّفُّ المقدَّم ثمَّ صنعوا في الرَّكعة الثَّانية كالأولى؛ ركعوا ورفعوا جميعًا، ثمَّ سجد النَّبيُّ ﷺ والصَّفُّ الَّذي يليه، فلمَّا جلسوا انحدر الصَّفُّ المؤخَّر للسُّجود ثمَّ سلَّم بهم النَّبيُّ ﷺ جميعًا. الرَّابِعَةُ: في حديث جابرٍ ﵁ الثَّاني، جعلهم النَّبيُّ ﷺ طائفتين، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين، والطَّائفة الأخرى وجاه العدوِّ، ثمَّ جاءت الطَّائفة الأخرى فصلَّى بهم ركعتين، وقد استدلَّ بهذا الحديث على جواز صلاة المفترض خلف المتنفِّل، فإنَّ صلاته ﷺ بالطَّائفة الثَّانية نافلةٌ. الخَامِسَةُ: في حديث حذيفة ﵁، جعلهم النَّبيُّ ﷺ طائفتين، فصلَّى بطائفةٍ ركعةً، ثمَّ بالطَّائفة الأخرى ركعةً، ولم تقض الطَّائفتان ركعةً أخرى، وفي هذه الصِّفة دليلٌ على أنَّ صلاة الخوف تكون ركعةً، ومحلُّ ذلك شدَّة الخوف. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الخوف. ٢ - تنوُّع صفة صلاة الخوف بحسب الحال مع العدوِّ.

стр. 450

٣ - عظم شأن الصَّلاة. ٤ - وجوب صلاة الجماعة. ٥ - أنَّ صلاة الخوف في السَّفر يجتمع فيها قصر العدد وقصر الأركان؛ بالتَّخفيف في الأحكام. ٦ - مشروعيَّة حمل السِّلاح في صلاة الخوف، وقد جاء الأمر به في القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ٧ - جواز التَّخلُّف عن الإمام، وجواز الانفراد في صلاة الخوف وما في حكمها. ٨ - أنَّ العمل الكثير في الصَّلاة للضَّرورة لا يبطلها. ٩ - سقوط استقبال القبلة في الصَّلاة عند الاضطرار. ١٠ - أنَّ الأصل وجوب متابعة الإمام في الصَّلاة. ١١ - أنَّ ابن عمر وجابرًا ﵃ ممَّن شهد صلاة الخوف مع النَّبيِّ ﷺ . * * * * * (٥٥٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ». رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). (٥٥٧) وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٢). * * *

стр. 451

هذان الحديثان وإن كانا ضعيفي الإسناد فمعناهما له وجهٌ، ومعنى «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ» أي: أنَّها تكون ركعةً في بعض الأحوال، وتقدَّم حديث حذيفة ﵁ وفيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بطائفةٍ ركعةً ثمَّ صلَّى بطائفةٍ ركعةً ولم يقضوا (١)، وذلك في حال شدَّة الخوف. وأمَّا حديث: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ» فمعناه: ليس فيها سهوٌ له حكمٌ؛ أي: لا يسجد له؛ لأنَّه يسقط فيها كثيرٌ من الواجبات فكيف بسجود السَّهو! وحال الخوف مظنَّةٌ للسَّهو كثيرًا. والله أعلم. * * * * *

стр. 452

بَابُ صَلَاةِ العِيدَيْنِ المُرَادُ بِالعِيدَيْنِ: عيد الفطر وعيد الأضحى، ويتبع عيد الأضحى يوم عرفة قبله وأيَّام منًى بعده، قال ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ» (١)، وليس للمسلمين سوى هذين العيدين، كما يدلُّ لذلك حديث أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (٢). وأمَّا ما سوى هذين العيدين من الأيَّام ممَّا يعظِّمه النَّاس -سمَّوه عيدًا أو لم يسمُّوه عيدًا- كيوم مولد الرَّسول ﷺ ، واليوم الوطني، ويوم الاستقلال، ويوم شمِّ النَّسيم، ويوم الحبّ- فتعظيمها حرامٌ، وهي دائرةٌ بين البدعة والتَّشبُّه بالكفَّار في أعيادهم، أو تجمع الأمرين؛ كالمولد، فهو محدثٌ في الدِّين وتشبُّهٌ بالنَّصارى في تعظيم مولد المسيح عليه وعلى نبيِّنا الصَّلاة والسَّلام، وقد تضافرت الأدلَّة في النَّهي عن الابتداع في الدِّين وعن التَّشبُّه بالكافرين. وإضافة الصَّلاة إلى العيد من إضافة الشَّيء إلى سببه ووقته، وقد اختلف في حكم صلاة العيدين على ثلاثة مذاهب؛ قيل: سنَّةٌ، وقيل: فرض كفايةٍ، وقيل: فرض عينٍ، وهو قويٌّ؛ لأمر النَّبيِّ ﷺ بالخروج إليها حتَّى أمر النِّساء، وأن تخرج العواتق وذوات الخدور، حتَّى الحيَّض، إلَّا أنَّهنَّ يعتزلن المصلَّى، كما سيأتي في حديث أمِّ عطيَّة ﵂. * * * * *

стр. 453

(٥٥٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * * * هذا الحديث أجمع العلماء على معناه في الجملة، وهو أصلٌ عظيمٌ في صحَّة الفطر والأضحى والحجِّ إذا وقع من النَّاس بحسب ما ظهر لهم، ولو تبيَّن أنَّه وقع خطأٌ في الرُّؤية، فلو ثبت ذلك؛ لم يقدح في فطر النَّاس وحجِّهم وتضحيتهم، فلا تجب إعادة شيءٍ من ذلك، سواءٌ أكان الخطأ بالتَّقدُّم أم بالتَّأخُّر، وهذا من وجوه يسر الشَّريعة ورفع الحرج عن العباد. والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - بناء أحكام الشَّريعة على الظَّواهر الكونيَّة الَّتي لا قدرة للعباد على معرفة حقيقة الأمر فيها. ٢ - صحَّة عيد الفطر، ولو تبيَّن بعد ذلك الخطأ في الرُّؤية -رؤية رمضان أو رؤية شوَّالٍ- لكن إن كان الخطأ بالتَّقدُّم وجب على من لم يصم إلَّا ثمانيةً وعشرين يومًا أن يقضي يومًا إتمامًا لعدَّة الشَّهر. ٣ - أنَّ من رأى هلال شوَّالٍ وحده وردَّ قوله لا يفطر، وكذا -على الصَّحيح- من رأى هلال رمضان وردَّ قوله لا يصوم. ٤ - صحَّة حجِّ النَّاس ونحرهم بحسب الظَّاهر ولو تبيَّن خطؤهم في الرُّؤية بعد ذلك. ٥ - يسر الشَّريعة ورفع الحرج الَّذي يلحق العباد لو كلِّفوا معرفة ما لا قدرة لهم على معرفة حقيقة الأمر فيه. * * * * *

стр. 454

(٥٥٩) وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: «أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا فَشَهِدُوا أنَّهمْ رَأَوُا الْهِلالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في حكم ما إذا ثبت عيد الفطر في أثناء النَّهار. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الفطر إذا ثبت دخول الشَّهر في أثناء النَّهار. ٢ - قبول شهادة المستور في رؤية الهلال. ٣ - قبول الشَّهادة في رؤية الهلال، ولو لم تؤدَّ إلَّا في أثناء النَّهار إذا كان تأخير الأداء لعذرٍ. ٤ - قضاء صلاة العيد من الغد إذا خرج وقتها قبل العلم بدخول الشَّهر. ٥ - أنَّ السُّنَّة أداء صلاة العيد في المصلَّى في الصَّحراء خارج البنيان. ٦ - أنَّه إذا غمَّ الهلال وجب إكمال الشَّهر ثلاثين. ٧ - وجوب صلاة العيد، لأمر النَّبيِّ ﷺ لهم إذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلَّاهم. * * * * * (٥٦٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٥٦١) وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ: «وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا» (٢).

стр. 455

(٥٦٢) وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * في هذين الحديثين فوائد، منها: ١ - أنَّ السُّنَّة الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى الصَّلاة. ٢ - استحباب أكل التَّمرات، ويكون أكلهنَّ وترًا؛ ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. ٣ - أنَّ السُّنَّة في عيد الأضحى ترك الأكل إلى ما بعد الصَّلاة؛ ليأكل من أضحيَّته. ٤ - الحكمة من هذه السُّنَّة في العيدين؛ وهي: المبادرة بالفطر يوم الفطر، والبداءة بالأضحيَّة يوم الأضحى. * * * * * (٥٦٣) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ فِي الْعِيدَيْنِ؛ يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمسْلمينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * أمُّ عطيَّة ﵂ هي غاسلة زينب بنت النَّبيِّ ﷺ ، وروت قصَّة غسلها وما أمر به النَّبيُّ ﷺ ، ولها عنايةٌ برواية ما يتعلَّق بأمر النِّساء؛ كهذا الحديث، وحديث: «نهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا» (٣).

стр. 456

وقولها: «أمرنا» له حكم الرَّفع، فهو بمعنى أمرنا النَّبيُّ ﷺ كما في روايةٍ عند مسلمٍ (١). والمأمورات هنَّ النِّساء الكبيرات كالأمَّهات، فلهنَّ التَّصرُّف في توجيه البنات الصَّغيرات. «العواتق» جمع عاتقٍ، وهنَّ البنات الأبكار، وهو صفةٌ لمحذوفٍ؛ أي: البنات العواتق، ولفظ «الصَّحيحين»: «العواتق وذوات الخدور» أو «العواتق ذوات الخدور» (٢)، والمراد بذوات الخدور: اللَّاتي لا يبرزن للنَّاس، والخدور جمع خدرٍ: اسمٌ للبيت الَّذي تكون فيه الفتاة، ولهذا يقال لهنَّ: المخدَّرات. وعطف ذوات الخدور على العواتق -في بعض الرِّوايات- من عطف الصِّفة على الصِّفة، أو من عطف الخاصِّ على العامِّ. وجملة: «ويعتزل» بالرَّفع مستأنفةٌ، وبالنَّصب معطوفةٌ على «نخرج». وجملة: «يشهدن الخير» تعليلٌ للأمر بخروجهنَّ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل أمِّ عطيَّة ﵂. ٢ - خروج النِّساء شابَّاتٍ وكبيراتٍ لصلاة العيد، وهذا جائزٌ ومشروعٌ بشرطه؛ من لزوم الحجاب، والبعد عن دواعي الفتنة. ٣ - أنَّ صلاة العيدين فرضٌ على الأعيان، فإذا أمر بها النِّساء والبنات الأبكار؛ فالرِّجال أولى، وتقدَّمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك. ٤ - أنَّ عادة الصَّحابة ﵃ عدم خروج البنات الأبكار، ولا إلى المساجد. ٥ - فضل حضور مجامع العبادة. ٦ - عظم مشهد صلاة العيد حتَّى أمر بخروج الجميع له. ٧ - أنَّ دعوة المسلمين في الصَّلاة والخطبة يعود نفعها على جميع الحاضرين، حتَّى ولو لم يكن من أهل الصَّلاة.

стр. 457

٨ - تنوُّع الشَّريعة في الاجتماعات للعبادة، وذلك في الاجتماع خمس مرَّاتٍ كلَّ يومٍ، والاجتماع مرَّةً كلَّ أسبوعٍ، واجتماعين في كلِّ سنةٍ، وكلَّما كان الاجتماع أعمَّ وأوسع كان المشروع منه أقلَّ، وذلك من وجوه يسر الشَّريعة. ٩ - أنَّ دعوة المسلمين مجتمعين أرجى للقبول. * * * * * (٥٦٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة العيدين. ٢ - مشروعيَّة الخطبة للعيد. ٣ - أنَّ السُّنَّة تقديم صلاة العيد على الخطبة. ٤ - أنَّ الأصل في الاقتداء هو النَّبيُّ ﷺ . ٥ - أنَّ أبا بكرٍ وعمر ﵃ يقتدى بفعلهما. ٦ - أنَّ تقديم الصَّلاة على الخطبة في العيد سنَّةٌ ماضيةٌ لا تجوز مخالفتها، ولهذا لمَّا أنكر الرَّجل على مروان تقديم الخطبة قال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: «أمَّا هذا فقد أدَّى ما عليه»، وروى قوله ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ … » (٢) الحديث. ٧ - ومن الفروق بين صلاة العيد والجمعة: تقديم صلاة العيد على الخطبة. * * * * *

стр. 458

(٥٦٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا ولا بَعْدَهُمَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ صلاة العيد ركعتان. ٢ - أنَّه لا يتنفَّل للصَّلاة قبلها ولا بعدها، وقال بعض أهل العلم: يجوز التَّطوُّع المطلق قبلها وبعدها؛ لأنَّه لم يرد نهيٌ عن الصَّلاة، لكن لم يؤثر عن الصَّحابة ﵃ أنَّهم كانوا يصلُّون قبل العيد كما كانوا يصلُّون قبل الجمعة، ولعلَّ ذلك أنَّ الحضور لصلاة العيد في وقت النَّهي، وإذا خرج وقت النَّهي حضر الإمام. لكن إذا وقعت صلاة العيد في المسجد فتصلَّى تحيَّة المسجد، ومن قال: إنَّ المصلَّى مسجدٌ؛ قال: تصلَّى فيه تحيَّة المسجد، والأظهر: أنَّه ليس له حكم المساجد المعدَّة للصَّلوات الخمس. ٣ - أنَّه ﷺ لا يتنفَّل بعد صلاة العيد مطلقًا؛ لظاهر الحديث، ولكن ورد أنَّه ﷺ كان يصلِّي بعد العيد إذا رجع لبيته ركعتين، والحديث عند ابن ماجه، وسيذكره المؤلِّف بعد الحديث القادم. * * * * * (٥٦٦) وَعنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، ولا إِقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ. وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٢). * * *

стр. 459

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه لا يؤذَّن لصلاة العيد. ٢ - أنَّه لا إقامة لصلاة العيد. ٣ - أنَّ من الفروق بين الجمعة والعيد ترك الأذان والإقامة للعيد. ٤ - أنَّ النِّداء لصلاة العيد كنداء صلاة الكسوف بدعةٌ، خلافًا لمن ذهب إلى ذلك من الفقهاء. * * * * * (٥٦٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). * * * تقدَّم ما يتعلَّق بهذا الحديث في الكلام على حديث ابن عبَّاسٍ ﵃ السَّابق (٢). * * * * * (٥٦٨) وَعنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فيقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ -وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ- فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يتنفَّل قبل العيد في المصلَّى. ٢ - أنَّ صلاة العيد قبل الخطبة. ٣ - مشروعيَّة الخطبة لصلاة العيد.

стр. 460

٤ - أنَّ خطبة العيد واحدةٌ، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقيل: للعيد خطبتان كالجمعة، وقيل: بل ليس له إلَّا خطبةٌ واحدةٌ، واستدلَّ لذلك بأنَّ أكثر الأحاديث فيها ذكر الخطبة مطلقةً، وظاهرها أنَّها واحدةٌ، ولكن ورد عند ابن ماجه؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوسٍ. وقد ضعِّف الحديث (١). ٥ - عدم التَّحلُّق على الخطيب، بل يبقى النَّاس على صفوفهم. ٦ - أنَّ المقصود من الخطب الشَّرعيَّة الوعظ والتَّذكير والتَّعليم لأحكام الدِّين، وجاء في حديث ابن عبَّاسٍ في «الصَّحيحين» أنَّه ﷺ بعدما فرغ من خطبته عند الرِّجال انطلق ومعه بلالٌ إلى النِّساء فوعظهنَّ وأمرهنَّ بالصَّدقة، فجعلت النِّساء يلقين في ثوب بلالٍ ﵁ من خواتيمهنَّ وأقراطهنَّ (٢). ٧ - أنَّ من السُّنَّة أن تؤدَّى صلاة العيد في الصَّحراء خارج البلد، حتَّى في المدينة النَّبويَّة. * * * * * (٥٦٩) وَعَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٣). وَنَقَلَ التَّرْمِذِيُّ (٤) عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ. * * * اختلف العلماء في رواية عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وهو عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فقوله: (عن أبيه)؛ يعني: شعيبًا، وقوله: (عن جدِّه) يحتمل أن يكون جدَّ عمرٍو وهو محمَّدٌ؛ فتكون الرِّواية مرسلةً، ويحتمل أن يكون جدَّ شعيبٍ وهو عبد الله بن عمرٍو؛ فتكون الرِّواية
следующие страницы →