← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(٦٧٠) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا» (١). (٦٧١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * * هذه الأحاديث في حكم زيارة القبور، والمراد بزيارة القبور: الذَّهاب إليها والوقوف عليها، وهي نوعان: زيارةٌ شرعيَّةٌ، وزيارةٌ بدعيَّةٌ، فالزِّيارة الشَّرعيَّة: هي الَّتي يقصد منها السَّلام على الأموات والدُّعاء لهم والاعتبار. والبدعيَّة: هي الَّتي يقصد منها تحرِّي الصَّلاة والدُّعاء عندها أو دعاء أهلها أو الطَّواف بها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة زيارة القبور، وهي مستحبَّةٌ للرِّجال؛ لقوله ﷺ : «فَزُورُوهَا». ٢ - أنَّه قد نهي عن زيارة القبور في أوَّل الأمر؛ سدًّا لذريعة الغلوِّ في القبور. ٣ - جواز النَّسخ في الشَّريعة. ٤ - النَّصُّ على المنسوخ في الدَّليل النَّاسخ. ٥ - الحكمة من زيارة القبور؛ وهو: تذكُّر الآخرة والزُّهد في الدُّنيا، والزُّهد في الدُّنيا يكون بالإعراض عن حظوظها إلَّا ما لا بدَّ منه، أو يعين على عمل الآخرة. ٦ - تحريم زيارة النِّساء للقبور، وأنَّه من الكبائر. ٧ - تخصيص عموم حديث الإذن بزيارة القبور، فلا تدخل النِّساء في قوله ﷺ : «فَزُورُوهَا».

стр. 527

واختلف العلماء في زيارة النِّساء للقبور، فقيل: إنَّها حرامٌ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، وقيل: جائزةٌ، ولم يقل أحدٌ باستحباب زيارة النِّساء للقبور، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة (١)، وجعل ذلك دليلاً على عدم دخولهنَّ في قوله ﷺ : «فَزُورُوهَا». واستدلَّ المجوِّزون بعموم حديث بريدة ﵁، وتقدَّم الجواب عنه، وبحديث عائشة ﵂ عند مسلمٍ: قالت: قلت: كيف أقول لهم -أي: أهل القبور- يا رسول الله؟ قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ» (٢) الحديث، وأحسن ما أجيب عنه بحمله على حال المرور بالقبور دون قصد الزِّيارة. * * * * * (٦٧٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٣). (٦٧٣) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا نَنُوحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). (٦٧٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). (٦٧٥) وَلَهُمَا: نَحْوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ (٦). (٦٧٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدتُّ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عنْدَ الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧).

стр. 528

هذه الأحاديث اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز من البكاء على الميِّت. وفيها فوائد، منها: ١ - تحريم النِّياحة، وأنَّها من كبائر الذُّنوب؛ لما ذكر من لعن النَّائحة، والنِّياحة: رفع الصَّوت بالبكاء. والنَّدب: دعاء النَّائحة الميِّت وتعداد محاسنه. ٢ - أنَّ المستمعة للنِّياحة في حكم النَّائحة، وشريكتها في اللَّعن. ٣ - أنَّ حضور المنكر من غير إنكارٍ مع القدرة يقتضي الرِّضا به. ٤ - أنَّ أكثر ما تكون النِّياحة من النِّساء. ٥ - أخذ النَّبيِّ ﷺ العهد من النِّساء بترك النِّياحة. ٦ - تعظيم أمر النِّياحة بتغليظ الزَّجر عنها. ٧ - جواز البكاء على الميِّت من غير نياحةٍ ولا ندبٍ. ٨ - أنَّ الإنسان لا يعذَّب بحزن القلب ولا دمع العين، وأنَّ الميِّت لا يعذَّب بذلك. ٩ - ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الرَّحمة، وابنته ﵂ الميِّتة يحتمل أن تكون زينب زوجة العاص بن الرَّبيع أو إحدى زوجتي عثمان ﵁؛ رقيَّة وأمِّ كلثومٍ ﵃. والله أعلم. وأمَّا حديث عمر ﵁: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» وفي لفظٍ: «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (١). فقد تقدَّم حكم النِّياحة وحكم البكاء الجائز، والبكاء المحرَّم هو المذكور في هذا الحديث، وهو النِّياحة. وأمَّا البكاء الجائز فلا يقتضي إثمًا ولا عذابًا على الباكي فضلاً عن الميِّت. وأمَّا النِّياحة فهي من كبائر الذُّنوب، وإثمها على النَّائحة ولا إثم على الميِّت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولهذا ردَّت أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ على ابن عمر ﵃ هذا الحديث؛ محتجَّةً بهذه الآية، وقال أئمَّة العلم: الصَّواب مع ابن عمر ﵃، وأثبتوا ما روى، وفسَّروه بوجوهٍ:

стр. 529

١ - أنَّ الَّذي يعذَّب هو من أوصى أهله بالنِّياحة عليه. ٢ - أنَّه من كان يعلم من عادة أهله ذلك، ولم يكن ينكر عليهم. ٣ - أنَّه ليس المراد عذاب العقوبة، وإنَّما المراد تألُّمه بنياحة أهله لعلمه بتحريم ذلك، وأنَّه يضرُّهم، وهذا يقتضي أنَّ الله يطلعه على فعل أهله. واختار هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم رحمهما الله. والوجه الأوَّل والثَّاني أظهر؛ لأنَّ القول باطِّلاع الميِّت يحتاج إلى دليلٍ. ٤ - إثبات الأسباب؛ لقوله ﷺ : «بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». * * * * * (٦٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه. (٦٧٨) وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لَكِنْ قَالَ: «زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ» (١). (٦٧٩) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ -حِينَ قُتِلَ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيَّ (٢). (٦٨٠) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣).

стр. 530

(٦٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فقالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ (١). (٦٨٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). (٦٨٣) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: «فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ» (٣). * * * هذه الأحاديث مختلفة الموضوعات. وسنذكر فوائدها مرتبةً: ١ - النَّهي عن دفن الميِّت في اللَّيل، وقد ذهب بعض أهل العلم -منهم ابن حزمٍ- (٤) إلى معنى هذا الحديث. وذهب الجمهور إلى جواز الدَّفن ليلاً، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّ المراد النَّهي عن الاستعجال في دفن الميِّت، فربَّما دفن قبل أن يصلَّى عليه، وقد جاء مصرَّحًا بهذا القيد في بعض الرِّوايات. وممَّا يدلُّ على جواز الدَّفن ليلاً ما رواه البخاريُّ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بقبرٍ قد دفن ليلاً، فقال: «مَتَى دُفِنَ هَذَا؟» قالوا: البارحة. قال ﷺ : «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟» قالوا: دفنَّاه في ظلمة اللَّيل فكرهنا أن نوقظك (٥). ٢ - جواز تأخير دفن الميِّت إلى النَّهار، وأنَّ ذلك لا ينافي الأمر بالإسراع.

стр. 531

٣ - استحباب صنع الطَّعام لأهل الميِّت في يوم المصيبة؛ إعانةً لهم على ما يحتاجون إليه من الطَّعام، ويشقُّ عليهم مباشرة صنعه. ولكن ينبغي أن يقتصر في ذلك على قدر ما يكفي أهل الميِّت، ولا ينبغي لمن حضر للتَّعزية والمواساة التَّثقيل على أهل الميِّت بتطويل الإقامة عندهم، فإنَّ ذلك يؤذيهم، وأمَّا صنع الطَّعام الكثير سواءٌ أكان من أهل البيت أو غيرهم من أجل من حضر للتَّعزية فقد جاء النَّهي عنه؛ كما جاء في حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنَّا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميِّت وصنيعة الطَّعام بعد دفنه من النِّياحة» (١). والمراد بجعفرٍ: جعفر بن أبي طالبٍ الَّذي قتل في غزوة مؤتة. ٤ - أنَّ الحزن الشَّديد يشغل الإنسان عن أهمِّ حوائجه. ٥ - مشروعيَّة زيارة القبور. ٦ - أنَّ الغاية من الزِّيارة هي الدُّعاء. ٧ - استحباب الدُّعاء المذكور في حديثي بريدة وابن عبَّاسٍ ﵃. وقد اشتمل هذا الدُّعاء على السَّلام على الأموات بصيغة الخطاب. ٨ - استحباب دعاء الزَّائر لنفسه ضمن دعائه للأموات، والمراد بالدِّيار: القبور، كما جاء في اللَّفظ الآخر. ٩ - الفرق بين الإسلام والإيمان. ١٠ - التَّعميم في الدُّعاء؛ لقوله: «أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ». ١١ - الفرق بين المغفرة والعافية، ففي العافية النَّجاة، وفي المغفرة ستر الذَّنب، وترك المؤاخذة عليه. وذلك يستلزم الفوز بثواب الله، وهو الجنَّة. ١٢ - جواز تعليق الأمر المحقَّق على المشيئة؛ للدَّلالة على أنَّه لا يكون إلَّا بمشيئة الله.

стр. 532

١٣ - بداءة الدَّاعي بنفسه؛ لقوله: «أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيةَ»، وهذا مطَّردٌ فيما إذا دعا الإنسان لنفسه ولوالديه. ١٤ - أنَّ كلَّ النَّاس سيموتون؛ لقوله: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ»، وقوله: «أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ». ١٥ - النَّهي عن سبِّ الأموات باللَّعن أو التَّقبيح، وإن كانوا يستحقُّون ذلك لكفرهم. ١٦ - تعليل النَّهي عن سبِّهم؛ لأنَّهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا؛ أي: صاروا وانتهوا إلى ما قدَّموا من العمل، فلا معنى للسَّبِّ إذًا، ولأنَّ ذلك يؤذي الأحياء. ١٧ - النَّهي عن إيذاء المسلم بسبِّ أحدٍ من أقربائه الَّذين ماتوا. * * * * *

стр. 533

كِتَابُ الزَّكَاةِ

стр. 534

الزكاة في اللغة: النماء والزيادة والصلاح، والزكاة في الشرع تطلق على معنيين: عام وخاص، فالعام: تزكية النفس بالتوحيد والإيمان والعمل الصالح، وقد فُسِّر بذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون (٤)﴾ [المؤمنون: ٤]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِين (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]، وفُسِّرتا كذلك بالمعنى الخاص، وهو زكاة المال، وهو حق فرضه الله على عباده في أموالهم، يُصرف في أصناف معينة، والزكاة بهذا المعنى الخاص أحدُ أركان الإسلام، وجاء ذكرها مقرونًا بالصلاة في الكتاب والسنة. ودلَّ على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع، فمن جحد وجوبها كفر، ومن امتنع من أدائها أُخذت منه وعُزِّر، وهي وُصلة بين الأغنياء والفقراء، وسمِّي هذا الحق زكاة؛ لأنَّ أداءه يزكِّي نفس المتصدق ويطهرها، ويزكِّي المال بنمائه وحفظه ووقوع البركة فيه. * * * * * (٦٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). * * * هذا الحديث من أدلة السنة على الأصول الثلاثة من أصول الإسلام، وهي التوحيد والصلوات الخمس والزكاة.

стр. 535

وفي الحديث فوائد كثيرة، منها: ١ - مشروعية بعث الدعاة إلى الله في النواحي، يدعون ويعلمون ويحكمون ويأخذون الصدقة والجزية، كما بعث النبي ﷺ معاذًا وغيره لذلك. ٢ - البداءة في الدعوة بالأهم فالأهم. ٣ - تنبيه الإمام من يبعثه إلى ما يحتاج إليه، وتعليمه ما يدعو إليه. ٤ - أن الدعوة تختلف باختلاف حال المدعو. ٥ - أن أهل الكتاب عندهم من الشبهات ما ليس عند غيرهم. ٦ - أن التوحيد أعظم الواجبات وأولها، فيبدأ به في الدعوة. ٧ - أن التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا جاء في رواية عند البخاري: «فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إلى أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» (١). ٨ - أن أوجب الواجبات بعد التوحيد الصلوات الخمس. ٩ - أن فرض الصلاة عام لجميع المكلفين. ١٠ - أنه لا يؤمر بالصلوات الخمس إلا من أجاب إلى التوحيد ودخل في الإسلام. ١١ - أن فرض الصلوات الخمس في كل يوم وليلة. ١٢ - أن أوجب الواجبات بعد الصلوات الخمس الزكاة. ١٣ - أنه لا يؤمر بأداء الزكاة إلا من التزم وجوب الصلاة، فإن من لم يلتزم بوجوب الصلاة فهو كافر، والزكاة لا تصح من كافر، وكذا لا تصح من تارك الصلاة عند القائلين بكفره.

стр. 536

١٤ - أن الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وهم كل من ملك نصابًا، وهو المقدار الذي عُلِّق به في الشرع وجوب الزكاة. ١٥ - أن للإمام تولي أخذ الزكاة من الأغنياء وصرفها في مصارفها. ١٦ - وجوب قصر الزكاة على فقراء المسلمين، لقوله: «فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم»، فلا يجوز صرفها في الفقير الكافر. ١٧ - وجوب صرفها في فقراء البلد الذي فيه المال، فلا يجوز نقلها إلى خارجه إلا لمصلحة راجحة؛ لقوله: «فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم». ١٨ - أن من مصارف الزكاة -بل أهمها- الفقراء، ولهذا قُدِّموا في الذكر في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: ٦٠]. ١٩ - جواز الصرف في صنف واحد من أصناف أهل الزكاة؛ لقوله: «فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم». ٢٠ - تحريم ظلم الأغنياء بأخذ ما لا يجب عليهم كمًا وكيفًا، لقوله: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ». ٢١ - أن الواجب في الزكاة هو الوسط من المال، لا من الرديء ولا من الأجود. ٢٢ - أن الزكاة مواساة بين الأغنياء والفقراء، فلا يُظلم الأغنياء لحق الفقراء بالزيادة على الواجب، ولا الفقراء بترك بعض ما وجب لهم. ٢٣ - التحذير من الظلم. ٢٤ - أن دعوة المظلوم مستجابة. ٢٥ - اتقاء دعوة المظلوم بترك الظلم. ٢٦ - نصر الله للمظلوم على الظالم.

стр. 537

٢٧ - أن العبادة تكون بدنية؛ كالصلاة والصيام، وتكون مالية؛ كالزكاة، وقد تكون بدنية ومالية؛ كالجهاد. ٢٨ - أهمية هذه الأركان الثلاثة من أركان الإسلام، فقد قُرن بينها في الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، ومن السنة هذا الحديث. ٢٩ - أن القيام بهذه الأصول يستتبع ما عداها من أركان الإسلام وواجباته، ولعله اقتُصر عليها لذلك. ٣٠ - فضل معاذ بن جبل ﵁؛ لبعثه ﷺ إياه، مما يدل على كفاءته. * * * * * (٦٨٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ: «هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.

стр. 538

وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ. وَفِي الرِّقَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا حديث عظيم لما تضمنه من تفصيل نُصُب زكاة الإبل والغنم والورق، ولأن راويه أفضل الصحابة أبو بكر ﵁ ورضي عنهم أجمعين، وهو أصل في وجوب الزكاة في هذه الأصناف. وفيه فوائد كثيرة، منها: ١ - رواية الصحابي عن الصحابي. ٢ - الكتابة بالعلم. ٣ - وجوب الزكاة في الإبل.

стр. 539

٤ - أن أقل ما تجب فيه الزكاة خمس من الإبل، وأن ما دون ذلك لا صدقة فيه إلا تطوعًا. ٥ - أن نُصُب زكاة الإبل أحد عشر: من خمسة إلى مئة وإحدى وعشرين. ٦ - أن الواجب فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم؛ في كل خمس شاة، ففي أربع وعشرين أربع شياه. ٧ - أن الواجب في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي ما تم لها سنة ودخلت في الثانية، وسميت بذلك لأن أمها تكون في الغالب حاملًا. ٨ - أن الواجب في ست وثلاثين بنت لبون، وهي ما تم لها سنتان، ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها في الغالب تكون ذات لبن. ٩ - أن الواجب في ست وأربعين حقة، وهي ما تم لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت طروق الفحل، ولهذا قال: «طَرُوقَةُ الْجَمَلِ». ١٠ - أن الواجب في إحدى وستين جذعة، وهي ما تم لها أربع سنين ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها تجذع، أي تقلع أسنان اللبن. ١١ - أن الواجب في ست وسبعين بنتا لبون. ١٢ - أن الواجب في إحدى وتسعين حقتان. ١٣ - أن الواجب في مئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون. ١٤ - أن الفريضة تستقر بعد ذلك؛ في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ١٥ - أن ما بين النِّصَابين لا زكاة فيه، أي: لا يزيد به الواجب ويسمى وقْصًا.

стр. 540

١٦ - أن من لم يجد بنت مخاض فيجزئه ابن لبون ذكر. ١٧ - أن من وجبت عليه جذعة ولم يجدها فتجزئه حقة مع شاتين أو عشرين درهمًا. ١٨ - أن من وجبت عليه حِقَّة ولم يجدها فتجزئه الجذعة ويعطيه المصَدِّق شاتين أو عشرين درهمًا. ١٩ - أن الواجب من الإبل يكون من الإناث، إلا من وجبت عليه بنت مخاض ولم يجدها فيجزئه ابن لبون. ٢٠ - وجوب الزكاة في الغنم. ٢١ - أن أقل ما تجب فيه الزكاة من الغنم أربعون شاة إلى مئة وعشرين فتجب فيها شاة واحدة. ٢٢ - أن نُصُب زكاة الغنم أربعة: أ. من أربعين إلى مئة وعشرين، وتجب فيها شاة واحدة. ب. من مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين، وتجب فيها شاتان. ج. من مئتين وواحدةٍ إلى ثلاث مئة وتسع وتسعين وتجب فيها ثلاث شياه. د. أربع مئة، وفيها أربع شياه، ثم في كل مئة شاة. ٢٣ - أثر الخلطة في زكاة الماشية بالزيادة والنقص، والمراد بالخلطة خلطة الأوصاف، وهو اشتراك المالين في المُراح والمحلب والمرعى والراعي، فتجب على الخليطين في أربعين شاةً شاةٌ واحدة، على كل واحد نصف قيمتها، إذا كان لكل منهما عشرون، قد وجبت عليهما الزكاة بسبب الخلطة. وإذا كان للخليطين ثمانون شاة بينهما، لكلٍّ أربعون، فتجب عليهما شاة واحدة، على كل واحد منهما نصف قيمتها، فهذا أثر الخلطة في تخفيف الواجب في الزكاة.

стр. 541

٢٤ - أن نصاب الفضة مئتا درهم، والواجب فيها ربع العشر، وهو خمسة دراهم. ٢٥ - أنه ليس فيما دون مئتي درهم صدقة. ٢٦ - أن ما زاد عن المئتين فبحسابه الواجب فيه ربع العشر ففي مئتين وعشرة مثلًا خمسة دراهم وربع درهم. ٢٧ - أنه لا وقص في زكاة الفضة. ٢٨ - أنه لا يجوز جمع المالين ولا تفريقهما فرارًا من وجوب الزكاة أو زيادتها، لقوله ﷺ : «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ». ٢٩ - أن الواجب في الزكاة إخراج الوسط، فلا يجب إخراج كرائم الأموال ونفيسها، ولا يجوز إخراج الرديء، كالهرمة وذات العوار، إلا أن يشاء المصدِّق، وهو الساعي لجباية الزكاة، وذلك أن يرى أن العدل في قبول هذه المذكورات، كأن تكون كلها معيبة، أو ذكورًا، والواجب عليه أن يستوفي حق الفقراء، ولا يظلم الأغنياء. ٣٠ - وجوب بعث السُّعاة لجباية الزكاة، والقصد إلى أهل الأموال في مواطنهم ومواردهم. ٣١ - فضل الأنثى على الذكر في بهيمة الأنعام، وأنه لا يجوز إخراج الذكر في زكاة الإبل إلا في موضع واحد تقدم، وقال الفقهاء: وكذا إذا كان النصاب كله ذكورًا (١). * * * * *

стр. 542

(٦٨٦) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لأحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَشَارَ إِلِى اخْتِلَافٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث أصل في زكاة البقر ونُصُبها، ويدل لوجوب الزكاة فيها حديث أبي ذر ﵁: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا … » (٢) الحديث. وأجمع العلماء على وجوب الزكاة في البقر. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - وجوب الزكاة في البقر. ٢ - أن نصاب البقر ثلاثون، فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك. ٣ - أن الواجب في الثلاثين تبيع أو تبيعة، وهي ما تم لها سنة. ٤ - أن في الأربعين مسنة، وهي ما تم لها سنتان. إلى ستين ففيها تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. ٥ - إجزاء الذكر في الثلاثين من البقر. ٦ - مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب. ٧ - أن الجزية لا تجب إلا على البالغ. ٨ - أنها -أي الجزية- مقدرة بدينار من ثياب أو غيرها والمَعافري نسبة إلى معافر، وهي قبيلة من همدان وسميت بلدتهم بذلك. ٩ - التيسير على أهل الجزية في قدرها ونوعها.

стр. 543

١٠ - اعتبار التقويم في العروض. ١١ - فضيلة معاذ ﵁، وأن الرسول ﷺ بعثه داعيًا ومعلمًا وقابضًا للزكاة والجزية. ١٢ - أن اليمن وطن لبعض أهل الكتاب، وهم من اليهود. * * * * * (٦٨٧) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِم». رَوَاهُ أَحْمَدُ (١). (٦٨٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا فِي دُورِهِمْ» (٢). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - بعث الإمام السعاة لجباية الزكاة من أهل المواشي، وكذلك الحروث، وأما الأموال الباطنة من العروض والأثمان فعلى أهل الأموال أن يأتوا بها؛ لأنها غير ظاهرة، وهم مؤتمنون عليها، وعلى هذا يحمل حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ» فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» (٣). ٢ - التيسير على أهل الأموال في أخذ صدقتهم ببعث السعاة إليهم. ٣ - أنه لا يجب على أهل الأموال من المواشي أن يأتوا بمواشيهم إلى الموضع الذي فيه الإمام، أو المصدق. ٤ - أنه يجب على المصدق أن يقصد إلى أهل المواشي على مياههم، أي: مواردهم ومواضعهم التي يوجدون فيها.

стр. 544

٥ - أنه لا يجوز للساعي أن يطالب أصحاب المواشي بالقدوم إليه لأخذ زكاتها. ٦ - أن قصد الساعي المصدق إلى أهل الأموال في مواضعهم آمن مِنْ أن يغيبوا شيئًا منها. * * * * * (٦٨٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٦٩٠) وَلِمُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» (٢). * * * هذا الحديث نصٌّ في أن الخيل والرقيق ليسا من الأموال الزكوية، أي: التي تجب فيها الزكاة، وهذا محمول عند جمهور العلماء على ما كان للقُنية، فالخيل والرقيق يخالفان في ذلك بهيمة الأنعام، أما إذا كانت الخيل والرقيق للتجارة، أي للبيع وكسب الربح فهي من العروض، فتجب فيها زكاة العروض بالشروط المعروفة. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أنه ليس في عين الخيل زكاة. ٢ - أنه ليس في عين الرقيق زكاة. ٣ - أنه ليس في الخيل والرقيق زكاة، ولو كان منهما شيء كثير وفي حكم الخيل والرقيق جميع المقتنيات من العقار والمنقولات إلا السائمة من بهيمة الأنعام، وفي الحلي المعد للاستعمال خلاف.

стр. 545

٤ - أن المفرد المضاف من صيغ العموم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. ٥ - وجوب زكاة الفطر عن العبد على سيده. ٦ - وجوب زكاة الفطر على كل أحد فإنها إذا وجبت على العبد فعلى الحر من باب أولى، كما جاء التصريح بذلك في حديث عبد الله بن عمر ﵄: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (١). ٧ - جواز الاسترقاق وملك الرقيق، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. * * * * * (٦٩١) وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهُا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢)، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ (٣). * * * رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فيها مقال لأهل العلم، والأكثرون على توثيق بهز، والذين طعنوا فيه لم يذكروا حجة إلا روايته هذا الحديث لما فيه من التعزير بالمال، ورُدّ ذلك بأن التعزير بالمال وارد في مواضع عديدة، وقد صحح الإمام أحمد وإسحاق حديث بهز، وهما من هما علمًا وفقهًا، فأقل أحوال هذا الحديث أنه حسن (٤).

стр. 546

وفي الحديث فوائد، منها: ١ - وجوب الزكاة في الإبل. ٢ - اشتراط السوم في وجوبها. ٣ - أن الواجب في أربعين من الإبل بنت لبون، وتقدم في حديث أنس ﵁؛ أن بنت لبون تجب في ست وثلاثين من الإبل إلى خمس وأربعين، وكل هذا تقدم في حديث أنس ﵁ (١) في كتاب أبي بكر ﵁ في زكاة بهيمة الأنعام. ٤ - النهي عن تفريق الماشية خشية الزكاة؛ «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» (٢). ٥ - اعتبار الاحتساب في حصول الأجر. ٦ - أن من لم يخلص ويحتسب أجر الزكاة فلا أجر له. ٧ - تعزير من منع الزكاة بأخذ شطر ماله، أي الذي وجبت فيه الزكاة. ٨ - أن هذا التعزير واجب؛ لقوله: «عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا». ٩ - وصف الأوامر الشرعية بالعزَمات. ١٠ - أن الرسول ﷺ يتلقى الأحكام عن ربه بالوحي. ١١ - تحريم الزكاة على آل الرسول ﷺ ؛ وهم بنو هاشم، وبنو المطلب في حكمهم، وسيأتي ذكر الأحاديث الواردة في ذلك. * * * * * (٦٩٢) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ -وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ- فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ،

стр. 547

وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ (١). (٦٩٣) وَلِلتِّرْمِذِيِّ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ» وَالرَّاجِحُ وَقْفُه (٢). * * * دل هذان الأثران على شرطين من شروط الزكاة في الأثمان [الذهب والفضة]، أحدهما: بلوغ النصاب، والثاني: مضي الحول، وعلى مقدار الواجب فيهما، وهو ربع العشر. وفيهما فوائد، منها: ١ - أن نصاب الفضة مئتا درهم. ٢ - أن الواجب في مئتي درهم خمسة دراهم. ولا زكاة فيما نقص عن ذلك، وهذا ثابت في حديث أنس ﵁ الطويل المتقدم (٣)، كما يدل له حديث أبي سعيد ﵁ في «الصَّحِيحَيْنِ»: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (٤)، والأوقية: أربعون درهمًا. ٣ - أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، فلا زكاة فيما نقص عن ذلك، ووزن الدينار مثقال. ٤ - أن الواجب في نصاب الذهب نصف مثقال، والمثقال يقدره بعضهم بأربعة جرامات وربع، ويقدره بعضهم بأربعة جرامات ونصف، فنصاب الذهب بالمعايير الحديثة تسعون جرامًا أو خمسة وثمانون.

стр. 548

٥ - أن ما زاد على النصاب فبحسابه، ولو درهمًا واحدًا أو دينارًا واحدًا فتجب فيه الزكاة، ويجب فيه ربع عشره، ففي مئتين وعشرين درهمًا خمسة دراهم ونصف، وفي مئتين وأربعين ستة دراهم، وفي ثلاثين مثقالًا ثلاثة أرباع مثقال، وفي الأربعين مثقال. ٦ - أنه لا زكاة في المستفاد من الذهب والفضة حتى يحول عليه الحول، وهذه الأحكام مجمع عليها. ٧ - واستثنى العلماء من شرط مضي الحول ربح التجارة، فإن حوله حول أصله، فإذا مضى الحول على الأصل أخرج الزكاة من رأس المال والربح، ولو لم يتحقق الربح إلا في آخر السنة قبل تمام الحول. ٨ - أن الذهب والفضة ليس فيهما وقص؛ أيْ: مقدارٌ بعد النصاب لا زكاة فيه كما يكون في الماشية، بل تجب الزكاة فيما زاد قليلًا كان أو كثيرًا، وهو معنى «فَمَا زَادَ» أي: على النصاب «فَبِحِسَابِ ذَلِكَ». * * * * * (٦٩٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - وجوب الزكاة في البقر، وهو إجماع من العلماء في السائمة، ويدل له الحديث الصحيح: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ» (٢) الحديث، ولحديث معاذ المتقدم (٣) في نصاب البقر.

стр. 549

٢ - أنه لا زكاة في البقر العوامل، وهي المتخذة للحرث وسقي الماء، وهي السواني، وظاهره: وإن كانت سائمة، والغالب في العوامل أن تكون معلوفة. ٣ - أن الإبل العوامل لا زكاة فيها، كالبقر، لعدم الفرق. ٤ - أن العلة في إسقاط زكاة العوامل هي اتخاذها للعمل، لا للدر والنسل. * * * * * (٦٩٥) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مِنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلهُ الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). (٦٩٦) وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢). * * * في هذا الحديث فوائد، منها: ١ - أن اليتيم لا بد له من وليٍّ ينظر له، ويحفظ ماله. ٢ - رحمة الله باليتيم. ٣ - وجوب الزكاة في مال اليتيم، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، فقالوا: تجب الزكاة في مال الصغير، ومن أدلتهم عموم قوله ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» (٣)، فالصغير إذا كان له مال فهو من الأغنياء. ٤ - أن الذي يخرجها وليُّه.

стр. 550

٥ - أن مال اليتيم لا يدفع له حتى يبلغ ويرشد، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. ٦ - أن على ولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى لا يفنى بإخراج الزكاة منه. ٧ - أن الزكاة تتكرر في كل حول، وذلك في الأموال التي يعتبر لها الحول، وهي ما عدا الخارج من الأرض؛ كالماشية والأثمان، وهذا هو السبب في أنه إذا لم يُتَّجر في مال الصغير أكلته الصدقة. * * * * * (٦٩٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في هذا الحديث شيء من هديه ﷺ ، وهو ما يعامل به من جاء بصدقته. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن الناس كانوا يأتون بأنفسهم بزكاة أموالهم إلى النبي ﷺ ، وذلك في الأموال الباطنة وهي الأثمان والعروض. ٢ - أن النبي ﷺ لم يكن يبعث إلى الناس سعاة لأخذ زكاة هذه الأموال، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في الجمع بين هذا الحديث وحديث: «تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِم» (٢). ٣ - أن النبي ﷺ كان يصلي على من أتاه بصدقته بقوله: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فُلانٍ» أو «آلِ فُلانٍ».

стр. 551

٤ - تفسير قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ٥ - أن الدعاء بالصلاة على المتصدق خاص بالنبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وأما مطلق الدعاء للمتصدق فمستحب، سواء من ولي الأمر أو من الفقير. ٦ - بطلان مقولة: لا شكر على واجب. ٧ - جواز دفع الزكاة إلى الإمام إذا كان يضعها في مواضعها، وإلا لم يَجُز، إلا إذا طلبها فتدفع إليه وتجزئ. * * * * * (٦٩٨) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في مسألة تعجيل الزكاة قبل وجوبها، وبعد انعقاد سببها، وهو النصاب، ولم يذكر في الحديث تقدير لوقت التعجيل، ولكن قال العلماء: إن العباس عجّلها لعامين، وفسروا بذلك الحديث الصحيح في بعث عمر لجباية الصدقة، فقال: «مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ … » (٢) الحديث، وفيه: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى جواز تعجيل الزكاة لسنتين إذا حصل ما يقتضي ذلك كشدة حاجة ألمت بالناس، أو تجهيز جيش، ولا يجوز تعجيلها من غير مصلحة.

стр. 552

وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن الأصل إخراج الزكاة في وقتها. ٢ - جواز تعجيل الزكاة لمصلحة. ٣ - اعتبار إذن الإمام فيما يتولّى قبضه. ٤ - جواز أن يطلب الإمام من الناس تعجيل الزكاة لنائبة من النوائب. * * * * * (٦٩٩) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٧٠٠) وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ» (٢). وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * تضمَّن هذان الحديثان بيان نُصُب زكاة الإبل والفضة والخارج من الأرض. وفي الحديثين فوائد، منها: ١ - أن نصاب الإبل خمس، وتقدم في حديث أنس ﵁ (٤)؛ أن في الخمس من الإبل شاة. ٢ - أنه لا زكاة فيما دون الخمس. ٣ - وجوب الزكاة في الإبل. ٤ - أن نصاب الفضة خمس أواق، والأوقية أربعون درهمًا، فنصاب الفضة مئتا درهم.

стр. 553

٥ - أنه لا زكاة فيما دون ذلك، وقد تقدم هذا في حديث أنس ﵁. ٦ - وجوب الزكاة في الحب والثمر. ٧ - أن نصاب الحب والثمر خمسة أوسق، والوَسْق: ستون صاعًا، بصاع النبي ﷺ ، فنصاب الحب والثمر: ثلاث مئة صاع. ٨ - أنه لا زكاة فيما دون خمسة أوسق. ٩ - أن الزكاة لا تجب في الثمر إلا فيما يوسَّق، وهو المكيل، لتقدير النصاب بالأصواع. ١٠ - أن من التيسير في فريضة الزكاة أنها لا تجب في كل قليل وكثير. ١١ - أن عدم وجوب الزكاة فيما دون النصاب مستفاد من منطوق الحديث، ووجوب الزكاة فيما بلغ النصاب مستفاد من المفهوم. * * * * * (٧٠١) وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا: الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ: نِصْفُ الْعُشْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٧٠٢) وَلأَبِي دَاوُدَ: «أَوْ كَانَ بَعْلًا: الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ: نِصْفُ الْعُشْرِ» (٢). (٧٠٣) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ؛ وَمُعَاذٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: «لا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالحَاكِمُ (٣).

стр. 554

(٧٠٤) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: عَنْ مُعَاذٍ ﵁: فَأَمَّا الْقِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالرُّمَّانُ، وَالْقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). * * * حديث ابن عمر ﵄ هو الأصل في مقدار الواجب في الخارج من الأرض، وهو العشر أو نصف العشر. وفي الحديثين فوائد، منها: ١ - أن الواجب فيما سُقي بلا مؤونة العشر؛ كالذي يُسقى بالمطر أو من العيون الجارية، «أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا» وهو الذي يشرب بعروقه. ٢ - أن الواجب فيما سقي بالمؤونة نصف العشر، وهو الذي يُسقى «بِالسَّوَانِي»، وهي الدواب التي يُستخرج بها الماء من الآبار، وفي حكمها الآلات الحديثة، قال الفقهاء: والعبرة بالغالب في السقي من حيث المدة والتأثير. ٣ - ظاهره أن الحديث يدل على وجوب الزكاة في كل قليل وكثير؛ لكن خُص من ذلك ما دون خمسة أوسق، لحديث أبي سعيد ﵁ في «الصَّحِيحَيْنِ»: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ» (٢). ٤ - أن الزكاة تجب في كل خارج من الأرض؛ من الحبوب والثمار والخضار والفواكه وغير ذلك، لعموم قوله: «فِيمَا سَقَتِ»، وقد ذهب الحنفية إلى ظاهر هذا الحديث، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، فأحد الأقوال في ذلك قول الحنفية، ويقابله القول بأن الزكاة لا تؤخذ إلا من الأصناف الأربعة، المذكورة في حديث أبي موسى ﵁، وهي البر والشعير والتمر والزبيب، وهذا مذهب جماعة من السلف، واختاره بعض المتأخرين

стр. 555

كالشوكاني (١) والصنعاني (٢)، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن الزكاة لا تجب في الخارج من الأرض إلا في كل حب وثمر يكال ويدخر؛ فلا تجب في الخضروات والفواكه (٣)، وقيل: لا تجب إلا فيما يقتات من الحبوب والثمار، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). وفي حديث معاذ ﵁: ١ - أنه لا زكاة في القثاء والبطيخ والرمان والقصب، والحديث وإن كان ضعيفًا فقد ذهب إلى معناه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، كما تقدم. * * * * * (٧٠٥) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا خَرَصْتُمْ، فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (٥). (٧٠٦) وَعَنْ عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ (٦). * * * هذان الحديثان هما الأصل في بعث الإمام السُّعاة لخرص الثمار على الشجر. وفيهما فوائد، منها: ١ - وجوب الزكاة في التمر والعنب.

стр. 556

٢ - أن زكاة التمر والعنب لا تؤخذ إلا تمرًا وزبيبًا. ٣ - بعث السعاة لخرص الثمار. ٤ - جواز الاعتماد في معرفة قدر الثمر على الخرص، وهو التقدير بغلبة الظن من أهل الخبرة. ٥ - أن على الخارص أن يترك مقدار الثلث أو الربع لأهل الثمرة، فلا يجعل فيه زكاة، وذلك من أجل ما يؤكل ويتصدق به في العادة قبل الجذاذ، هذا على أحد القولين في معنى الحديث، وقيل: دعوا الثلث والربع من الزكاة ليفرقوها بأنفسهم، والأول هو الذي تدل عليه الآثار. * * * * * (٧٠٧) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟». قَالَتْ: لا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟». فَأَلْقَتْهُمَا. رَوَاهُ الثَّلاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌ (١). (٧٠٨) وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (٢). (٧٠٩) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٣). * * * هذه الأحاديث الثلاثة هي حجة من أوجب الزكاة في الحلي المستعمل.

стр. 557

وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - حل الذهب للنساء. ٢ - جواز تحلية الصغيرة بالذهب. ٣ - وجوب الزكاة في الحلي المستعمل إذا بلغ نصابًا، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: أحدهما: أن الزكاة تجب في الحلي من الذهب والفضة لهذين الحديثين، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ … » (١) الحديث. القول الثاني: أنها لا تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث: «لا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ» (٢)، وأجيب عنه بأنه ضعيف، وأنه لم يقل أحد بظاهره؛ فإن الحلي المعد للكراء أو النفقة وما كان محرَّمًا -كالذهب للرجل- تجب فيه الزكاة عند الجميع، كما استدلوا بآثار عن الصحابة، منهم عائشة وأسماء ﵃، وأجيب بأن أقوال بعض الصحابة لا يعارض بها الأحاديث الصحيحة. ٤ - سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله.

стр. 558

٥ - أن ما يؤدى زكاته من الذهب والفضة فليس بكنز؛ فلا يستحق صاحبه الوعيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ … ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل. ٧ - أن الصغير لا يؤاخذ بما يفعله به وليه مما يوجب الإثم؛ لأنه مرفوع عنه القلم، بل العقاب يقع على الولي. ٨ - وجوب تجنيب الصغير ما يحرم على الكبير. ٩ - جواز لبس الذهب المحلق من الأساور والفَتَخ. ١٠ - أن للأم ولاية على أولادها. * * * * * (٧١٠) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا؛ أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ (١). * * * هذا الحديث مع ما جاء من عمومات الكتاب والسنة هو عمدة الجمهور في وجوب الزكاة في عروض التجارة -وهي الأموال التي تتداول بالبيع والشراء طلبًا للربح- لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية، وقوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله ﷺ : «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم» (٢)، ومن جهة المعنى لو لم تجب الزكاة في العروض -وهي أكثر أموال الأغنياء- لأدى ذلك إلى وجوب الزكاة على ذوي الأموال القليلة دون أصحاب الأموال الكثيرة، وهذا خلاف الحكمة التي شرعت الزكاة من أجلها، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ

стр. 559

مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وخلاف قياس الأولى، وهو إثبات حكم الشيء لما هو أولى منه. وذهبت الظاهرية إلى عدم وجوب الزكاة في العروض، محتجين بأن الأصل براءة الذمة، وأن ما استدل به على وجوب الزكاة لا ينهض دليلًا على المطلوب، والصواب وجوب الزكاة في العروض. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - وجوب الزكاة فيما أعد للبيع. ٢ - أن الأصل في العروض؛ كالسيارات والأراضي وسائر الأموال مما يقتنى= أنه لا زكاة فيه إلا إذا أعد للتجارة. واختلف العلماء في كون العروض للتجارة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تكون للتجارة بشرطين: ١ - أن يملكها بفعله. ٢ - نية التجارة. القول الثاني: أنه لا يشترط فيها إلا نية التجارة، ولو ملكها بغير فعله، كالميراث؛ يكون للتجارة بالنية. الثالث: أن شرط الوجوب هو إعدادها للبيع فقط، وأقرب هذه الأقوال هو القول الثاني، والله أعلم. * * * * * (٧١١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ: الْخُمُسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).

стр. 560

(٧١٢) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ: «إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ: الْخُمُسُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). (٧١٣) وَعَنْ بِلالِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث بيان حكم زكاة المعادن والركاز؛ وهو ما يوجد من دفن الجاهلية، والمراد بالمعدن: ما خلق الله في باطن الأرض من الأشياء الثمينة؛ كالذهب والفضة والحديد ونحو ذلك. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - أن الركاز لواجده. ٢ - أنه يجب إخراج خمسه لبيت المال، أو يتصدق به واجده. ٣ - أن الركاز لا يُعَرَّف. ٤ - أنه لا يشترط في إخراج الواجب في الركاز مضي الحول، بل يجب إخراجه في الحال. ٥ - مراعاة الشارع خفة المؤنة في مقدار ما يجب في المال. ٦ - أن الواجب في الركاز لا يَختص بالذهب والفضة، فيجب فيه الخمس ولو كان جواهر أو نحوها.

стр. 561

٧ - أن الكنز إذا وجد في قرية مسكونة فهو لقطة، ومعنى ذلك أنه يُعَرَّف سنة، وإذا وجد في قرية غير مسكونة فحكمه حكم الركاز؛ يجب فيه الخمس. ٨ - وجوب الزكاة فيما يُحصَّل من المعادن، وهو ربع العشر، والظاهر أن ما يؤخذ من ناتج المعدن أنه زكاة، فيعتبر له الحول إن كان ذهبًا أو فضة، وإن كان غير ذلك فلا زكاة فيه إلا أن يقصد للتجارة. ٩ - الفرق بين الأرض التي كانت مسكونة وغير المسكونة، فما وجد في المسكونة؛ لقطة، وفي غير المسكونة؛ ركاز. ١٠ - الفرق بين اللقطة والركاز في الحكم. ١١ - حكمة الشرع بالتفريق بين المختلفات. * * * * *

стр. 562

بَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صدقة الفطر، وتسمى زكاة الفطر، واجبة باتفاق العلماء، وقد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، على ما قاله بعض المفسرين، وأما السُّنة فأحاديث الباب. وإضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى سببه، والمراد بالفطر الفطر من رمضان، فتجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. * * * * * (٧١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧١٥) وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (٢). (٧١٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٧١٧) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» (٤). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ».

стр. 563

(٧١٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «لا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلاَّ صَاعًا» (١). (٧١٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في وجوب زكاة الفطر وفي مقدارها وفي بيان من تجب عليه، وفيما يجب إخراجها منه. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - وجوب زكاة الفطر. ٢ - أن مقدارها صاع، وقوله: «فَرَضَ» فسر بقدَّر وأوجب. ٣ - وجوب إخراجها من خمسة الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد ﵁ على قول بعض أهل العلم، وقيل: يجب إخراجها من قوت البلد. ٤ - وجوبها على كل مسلم ومسلمة حرًا أو عبدًا صغيرًا أو كبيرًا. ٥ - اشتراط الإسلام فيمن تجب عليه، لقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ». ٦ - شدة تمسك أبي سعيد ﵁ بالسنة، وعدم التفاته إلى المخالفين، وذلك لما عدل الناس بالصاع نصف الصاع من البر الجيد، فقال ﵁ قولته: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ». أما إخراج زكاة الفطر من هذه الأصناف الخمسة فلم يكن من تعيين النبي ﷺ بل من عمل الناس، لأن هذه الخمسة هي الموجودة عندهم، فلذلك قال من قال من أهل العلم: إن هذه

стр. 564

الأصناف لا يتعين الإخراج منها، فيجوز الإخراج من غالب قوت البلد، ولو كانت الأصناف الخمسة موجودة، وهذا هو الراجح. وقال آخرون: لا يخرج من غيرها إلا مع عدمها، قال في المغني: «هو ظاهر المذهب» (١). ٧ - أن إخراج زكاة الفطر نقودًا لا يجزئ. ٨ - الحكمة من زكاة الفطر، وهي أمران: طُهرة للمزكي، وطُعمة للمساكين. ٩ - وجوب إخراجها قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين لفعل الصحابة ﵃ (٢). ١٠ - أن إخراجها بعد صلاة العيد يصيرها صدقة عامة لا صدقة فطر، فيأثم من أخرها متعمدًا، ومن أخرها ناسيًا أو مخطئًا فيرجى أن تقبل صدقة فطر من أجل العذر. * * * * *

стр. 565

بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُعِ التطوع هو النافلة، مأخوذ من قوله ﷺ للرجل لما قال في الزكاة: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» (١)، فصدقة التطوع ما زاد على الفريضة، وتكون بالمال وبكل أنواع النفع، وتطلق الصدقة في لسان الشرع على كل نافلة من العبادات القولية والفعلية، كما قال ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ … » (٢) الحديثَ. وإضافة الصدقة إلى التطوع من إضافة الشيء إلى نوعه. ومن فضل الله على عباده أن شرع لهم أنواع النوافل زيادة في حسناتهم، وجبرًا لنقص ما فرض الله عليهم. * * * * * (٧٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ … » فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٧٢١) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (٤). * * *
следующие страницы →