← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٧ - أن الكنز إذا وجد في قرية مسكونة فهو لقطة، ومعنى ذلك أنه يُعَرَّف سنة، وإذا وجد في قرية غير مسكونة فحكمه حكم الركاز؛ يجب فيه الخمس. ٨ - وجوب الزكاة فيما يُحصَّل من المعادن، وهو ربع العشر، والظاهر أن ما يؤخذ من ناتج المعدن أنه زكاة، فيعتبر له الحول إن كان ذهبًا أو فضة، وإن كان غير ذلك فلا زكاة فيه إلا أن يقصد للتجارة. ٩ - الفرق بين الأرض التي كانت مسكونة وغير المسكونة، فما وجد في المسكونة؛ لقطة، وفي غير المسكونة؛ ركاز. ١٠ - الفرق بين اللقطة والركاز في الحكم. ١١ - حكمة الشرع بالتفريق بين المختلفات. * * * * *

стр. 562

بَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صدقة الفطر، وتسمى زكاة الفطر، واجبة باتفاق العلماء، وقد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، على ما قاله بعض المفسرين، وأما السُّنة فأحاديث الباب. وإضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى سببه، والمراد بالفطر الفطر من رمضان، فتجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. * * * * * (٧١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧١٥) وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (٢). (٧١٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٧١٧) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» (٤). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ».

стр. 563

(٧١٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «لا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلاَّ صَاعًا» (١). (٧١٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في وجوب زكاة الفطر وفي مقدارها وفي بيان من تجب عليه، وفيما يجب إخراجها منه. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - وجوب زكاة الفطر. ٢ - أن مقدارها صاع، وقوله: «فَرَضَ» فسر بقدَّر وأوجب. ٣ - وجوب إخراجها من خمسة الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد ﵁ على قول بعض أهل العلم، وقيل: يجب إخراجها من قوت البلد. ٤ - وجوبها على كل مسلم ومسلمة حرًا أو عبدًا صغيرًا أو كبيرًا. ٥ - اشتراط الإسلام فيمن تجب عليه، لقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ». ٦ - شدة تمسك أبي سعيد ﵁ بالسنة، وعدم التفاته إلى المخالفين، وذلك لما عدل الناس بالصاع نصف الصاع من البر الجيد، فقال ﵁ قولته: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ». أما إخراج زكاة الفطر من هذه الأصناف الخمسة فلم يكن من تعيين النبي ﷺ بل من عمل الناس، لأن هذه الخمسة هي الموجودة عندهم، فلذلك قال من قال من أهل العلم: إن هذه

стр. 564

الأصناف لا يتعين الإخراج منها، فيجوز الإخراج من غالب قوت البلد، ولو كانت الأصناف الخمسة موجودة، وهذا هو الراجح. وقال آخرون: لا يخرج من غيرها إلا مع عدمها، قال في المغني: «هو ظاهر المذهب» (١). ٧ - أن إخراج زكاة الفطر نقودًا لا يجزئ. ٨ - الحكمة من زكاة الفطر، وهي أمران: طُهرة للمزكي، وطُعمة للمساكين. ٩ - وجوب إخراجها قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين لفعل الصحابة ﵃ (٢). ١٠ - أن إخراجها بعد صلاة العيد يصيرها صدقة عامة لا صدقة فطر، فيأثم من أخرها متعمدًا، ومن أخرها ناسيًا أو مخطئًا فيرجى أن تقبل صدقة فطر من أجل العذر. * * * * *

стр. 565

بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُعِ التطوع هو النافلة، مأخوذ من قوله ﷺ للرجل لما قال في الزكاة: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» (١)، فصدقة التطوع ما زاد على الفريضة، وتكون بالمال وبكل أنواع النفع، وتطلق الصدقة في لسان الشرع على كل نافلة من العبادات القولية والفعلية، كما قال ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ … » (٢) الحديثَ. وإضافة الصدقة إلى التطوع من إضافة الشيء إلى نوعه. ومن فضل الله على عباده أن شرع لهم أنواع النوافل زيادة في حسناتهم، وجبرًا لنقص ما فرض الله عليهم. * * * * * (٧٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ … » فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٧٢١) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (٤). * * *

стр. 566

في الحديث الأول ذكر سبعة أصناف من الناس، اختص كل صنف بنوع من أنواع الطاعات التي تكون سببًا لإظلالهم يوم القيامة بظل الله، وهو الظل الذي يظل الله به عباده، ويقيهم به حر الشمس حين تدنو من رؤوس الخلائق، وإضافة الظل إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، فليس الحديث من أحاديث الصفات، بل من أحاديث أحوال القيامة، والسبعة هم -كما في الحديث-: «إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا؛ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». واقتصر المصنف على ما يناسب الباب. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن من الثواب المعجَّل في يوم القيامة أن يكون العبد في ظل الله. ٢ - فضل العدل في الرعية. ٣ - فضل الشاب الذي نشأ في عبادة الله على من كان صلاحه في الكبر؛ لأن الشاب سيكون أكثر عملًا من الكبير لو استويا في العمر، ولقوة دواعي المعصية في الشباب وضعفها حال الكبر. ٤ - فضل حب المساجد وتعلق القلب بها في جميع الأحوال؛ لأنها بيوت الله يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ويسبح له فيها بالغدو والآصال. ٥ - فضل الحب في الله والثبات على ذلك في الاجتماع والافتراق. ٦ - فضل الخوف من الله، وأنه أعظم وازع عن اقتراف الفاحشة مع قيام دواعيها.

стр. 567

٧ - فضل إخفاء الصدقة، والمبالغة في ذلك، لما في ذلك من كمال الإخلاص، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، سواء كانت الصدقة فريضة أو نافلة، إلا أن يكون المال ظاهرًا، فيستحب إظهار إخراج الزكاة حتى لا يتهم المسلم بأنه لا يزكي، وكذا إذا كان في إظهار الصدقة مصلحة كالتأسي به. ٨ - فضل الذكر في حال الغيبة عن الناس. ٩ - فضل الخوف من الله عند ذكره. ١٠ - فضل البكاء من خشية الله. ١١ - أن هذه الأعمال السبعة سبب للوقاية من حر يوم القيامة، وذكر العدد لا مفهوم له، فالصوم والجهاد وبر الوالدين هي من أسباب إظلال الله للعبد يوم القيامة. ١٢ - اشتراك الأصناف السبعة في جنس الجزاء المذكور «يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» مع تنوع طاعاتهم، فإن منها المتعدي نفعه، ومنها القاصر. ١٣ - أنه لا مفهوم للفظ الرجل في هذه الأصناف، فالمرأة كذلك تشركهم في هذا الفضل، إلا في اثنين منها، وهو قوله: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ». وكذلك قوله: «إِمَامٌ عَادِلٌ»؛ لأن المرأة لا تكون إمامًا للأمة. وفي الحديث الثاني من الفوائد: ١٤ - تفسير الظل في الحديث المتقدم. ١٥ - فضل الصدقة. ١٦ - تفاوت الناس في الظل بحسب تفاوتهم في الأعمال. ١٧ - أن في هذا الحديث شاهدًا للصنف السادس في حديث السبعة المتقدم. ١٨ - إثبات يوم القيامة.

стр. 568

١٩ - الفصل فيه بين الناس، ولذا سمي يوم الفصل. ٢٠ - شدة حر يوم القيامة، وأنه لا يقي منه إلا ظل الله الذي يقي به من شاء من عباده؛ بسبب أعمالهم. * * * * * (٧٢٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظمأٍ سَقَاهُ اللهُ مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ لِيْنٌ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن الجزاء من جنس العمل. ٢ - أن الصدقة ليست خاصة بالذهب والفضة، بل تكون كساءً وطعامًا وشرابًا. ٣ - زيادة فضل الصدقة بحسب حاجة المتصدق عليه. ٤ - أن في الجنة ثيابًا وطعامًا وشرابًا، وقد بيّن الله ذلك في كتابه بيانًا مفصّلًا، وذكر أنواعًا من ذلك. ٥ - أن ثياب أهل الجنة خضر، وقد جاء ذلك في القرآن في موضعين: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، ولون الخضرة في المتعة أفضل الألوان. ٦ - أن كلًّا من أنواع الصدقة المذكورة سبب لدخول الجنة. ٧ - أن هذا الثواب مشروط بإسلام المتصدِّق والمتصدَّق عليه، وشدة حاجته.

стр. 569

(٧٢٣) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (٧٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (٢). * * * في هذين الحديثين فوائد، منها: ١ - فضل المعطي على المتصدَّق عليه، فإن اليد العليا: هي يد المتصدِّق المعطي، واليد السفلى: هي يد السائل المتصدَّق عليه، كما جاء في حديثٍ أن يد المعطي هي العليا، ويد السائل هي السفلى (٣)، وعكس قوم من الصوفية فقالوا: «يد الآخذ هي العليا»، ذكره الحافظ ابن حجر، ثم قال: «حكى ابن قتيبة ذلك عن قوم ثم قال: ما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة» (٤). ٢ - ذمُّ المسألة. ٣ - الترغيب في التعفف.

стр. 570

٤ - أن من تجب نفقتهم من الأهل والعيال أحق بالصدقة من البعيد، والإنفاق عليهم أفضل من الصدقة على البعيد؛ لأن النفقة عليهم واجبة، والواجب أفضل من المستحب. ٥ - فضل الصدقة عن غنى وسعة، وأنها أفضل من الصدقة مع الفقر والحاجة؛ لأن النفس تكون أسمح في الغالب، ولا يعارض ذلك ما جاء في الحديث؛ «أَفضَلُ الصَّدَقةِ جُهدُ المُقِلِّ»، فإن الصدقة مع قلة ذات اليد عن سماحة من الإيثار الذي أثنى الله به على الأنصار في قوله سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد يقال: إن معنى «أَفْضَلُ» أي: من أفضل. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل. ٧ - أن من يحمل نفسه على العفة يجعلها الله له سجية. ٨ - أن الذي يستغني بما يسره الله له يغنيه الله، ويجعل الغنى في قلبه، ويزيده من رزقه. ٩ - تفاضل العاملين في الدرجات، لقوله: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». ١٠ - تفاضل الأعمال، لقوله: «وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ». ١١ - حرص الصحابة على العلم بأفضل الأعمال. * * * * * (٧٢٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ» قَالَ:

стр. 571

عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - الحث على الصدقة. ٢ - جواز إخبار الإنسان بما عنده من المال لغرض صحيح. ٣ - سؤال الإنسان عن كيفية التصرف الشرعي بماله. ٤ - أن نفقة الإنسان على نفسه ومن تلزمه نفقته صدقة إذا ابتغى بذلك وجه الله، كما قال النبي ﷺ لسعد ﵁: «وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» (٢). ٥ - أن نفقة الإنسان على نفسه لحفظ حياته والتقوِّي على طاعة الله مقدمة على غيره. ٦ - تقديم الولد على الخادم في النفقة، والمراد بالخادم المملوك، فإن عجز السيد عن نفقة المملوك وجب عليه أن يعتقه أو يبيعه، وأما الزوجة فإنها مقدمة على الخادم، فإن النفقة عليها من قبيل المعاوضة، وهي وإن لم تذكر هنا، فهي مذكورة في سنن أبي داود في أصل الحديث، أي: حديث الباب؛ فيكون المذكورون في الحديث أربعة: النفس، والزوجة، والولد، والخادم، واختلف الرواة بتقديم المذكورين، فقدم بعضهم الزوجة على الولد، وقدم آخرون الولد على الزوجة.

стр. 572

واختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب كثير من العلماء إلى تقديم الزوجة على الولد، وذهب آخرون إلى تقديم الولد على الزوجة؛ لأنه بَضعة من الإنسان، فهو كنفسه، وهذا كله إذا ضاق ما في يده، ومع السعة لا يحتاج إلى مراعاة هذا الترتيب. ٧ - أن ما زاد على النفقات الواجبة فله التصرف فيه بما شاء من إمساكه أو صرفه في مباح أو مستحب لقوله: «أَنْتَ أَبْصَرُ». * * * * * (٧٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في اشتراك المتعاونين على البر والنفقة في الأجر. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - جواز تصدق المرأة من طعام البيت بغير إذن زوجها إذا لم تعلم منه كراهة ذلك. ٢ - حصول الأجر لها في ذلك إذا صحت نيتها ولم تسرف فيما تتصدق به، لقوله: «غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، والإفساد: إما بإعطاء الفقير فوق حاجته، أو ما يؤدي إلى حرمان من تجب نفقته على الزوج من أهل البيت. ٣ - حصول أجر هذه الصدقة لخازن الطعام إذا سمحت نفسه بما يخرجه، وكانت له نية صالحة. ٤ - حصول أجر هذه الصدقة لرب البيت بسبب اكتسابه لما تُصدِّق به.

стр. 573

٥ - أن الثلاثة في الأجر سواء، كما هو ظاهر الحديث، وللعلماء تفصيل في ذلك. ٦ - الترغيب في الصدقة. ٧ - سعة فضل الله وكرمه. ٨ - فضل السماحة مع الأهل ومحبة فعل الخير، لذا قد يؤجر على ما لم ينوه نية خاصة. ٩ - سعادة الرجل بالمرأة الصالحة والخادم الصالح؛ فإنهما يعينانه على الخير. * * * * * (٧٢٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في صدقة المرأة على زوجها وأولادها. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - الحث على الصدقة. ٢ - حرص نساء الصحابة على العلم. ٣ - فضيلة زينب امرأة ابن مسعود ﵄، وذلك بسؤالها عن أمر دينها، ورغبتها في الصدقة، وحسن سؤالها النبي ﷺ .

стр. 574

٤ - جواز تولِّي المرأة السؤال بنفسها. ٥ - التثبت فيما أشكل من فتوى بعض العلماء بسؤال الأعلم. ٦ - جواز ذكر من شُكَّ في فتواه عند المفتي الأعلم. ٧ - أن صدقة المرأة على زوجها وولدها أفضل من الصدقة على البعيد، وهذا في صدقة التطوع لا خلاف فيه، وأما الزكاة والصدقة الواجبة؛ فقيل: لا يجوز صرفها في الزوج والأولاد، وقيل: يجوز، وهو أظهر؛ لأنه لا تجب عليها النفقة لزوجها وولدها. ٨ - فضل ابن مسعود ﵁ بصحة فتواه وتصديق النبي ﷺ له. ٩ - تصديق العالم لمن سبقه في الفتوى. ١٠ - التصريح بالحكم في حكم المسألة، ولو تقدم ما يدل عليه، حيث قال ﷺ : «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ»، ثم فصّل. ١١ - تصرف المرأة في مالها دون إذن زوجها. * * * * * (٧٢٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧٢٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٧٣٠) وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِي بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣).

стр. 575

(٧٣١) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في ذمِّ سؤال الناس أموالَهم وما يُرَّخص فيه. وفيها فوائد، منها: ١ - تحريم سؤال الناس أموالهم من غير ضرورة. ٢ - أن من عقوبة اتخاذ سؤال الناس حرفة أن يأتي من هذا حاله يوم القيامة ووجهه عارٍ عن اللحم، وفي هذا فضيحة له. ٣ - أن من قبح المسألة أنها تذهب بماء الوجه، وتورث قلة الحياء. ٤ - الترهيب من سؤال الناس تكثُّرًا، أي: رغبة في كثرة المال، فهو من الكبائر. ٥ - أن المال المكتسب بالسؤال المحرم حرام وسبب للعذاب بالنار، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا». ٦ - أن العقاب بقدر العمل: ﴿وَمَنْ جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ٧ - الإرشاد إلى العمل باكتساب المال الحلال، والاستغناء عن سؤال الناس. ٨ - أن الاحتطاب من وجوه الكسب الطيب. ٩ - أن ما ينبت في الأرض الموات من الحطب وغيره مباح يملكه آخذه، ولو ليبيعه.

стр. 576

١٠ - أن الاكتساب بالاحتطاب ونحوه من أفضل المكاسب. ١١ - أنه لا غضاضة على الرجل أن يحمل على ظهره إذا احتاج إلى ذلك، وحمل الإنسان متاعه على رأسه أو ظهره من أسباب التواضع. ١٢ - أن مشقة المسألة تقع على الوجه؛ لأنه أداتها. ١٣ - أنه لا مذمة ولا مذلة في سؤال السلطان؛ لأنه لا يُسأل مالَه، وإنما يُسأل ما اؤتمن عليه من مال المسلمين. ١٤ - جواز السؤال فيما لا بد منه وهو حال الضرورة، كما سيأتي في حديث قبيصة ﵁. * * * * *

стр. 577

بَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ المراد بالصدقات الزكاة، قال تعالى: ﴿* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. واتفق المفسرون على أن المراد بالصدقات الزكاة، وقد تضمنت الآية أن أهل الزكاة ثمانية أصناف؛ وهم كما في الآية السابقة. وقد أفادت الآية حصر الزكاة في هذه الأصناف، وقد ذُكر الأربعة الأول بحرف (اللام) المفيدة للتمليك، فمن أعطي منهم شيئًا ملكه، والأربعة الأخيرة بحرف (في) للدلالة على أن المراد الجهة، وفائدة ذلك الدلالة على أن ما زاد عن المقصود يرد على المتصدق، أو يصرف في نفس الغرض الذي أخذ من أجله. والله أعلم. * * * * * (٧٣٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (١). * * *

стр. 578

هذا الحديث مما يفسر الآية، فقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أصناف من الثمانية وهو يدل على أن الفقراء والمساكين هم الأصل من مصارف الزكاة، وأن صرفها لغير ذوي الحاجة مستثنى من الأصل، ومما يؤكد هذا أن الله بدأ بذكر الفقراء، وثنَّى بالمساكين، والمراد بالغني في الحديث: من يجد كفايته بنفسه أو بمن تجب عليه نفقته ولو لم يكن عنده مال تجب فيه الزكاة. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم الزكاة على الغني. ٢ - جواز أخذ الزكاة مع الغنى في مقابل العمل عليها. ٣ - جواز صرف الزكاة للغارم لإصلاح ذات البين وإن كان غنيًّا قادرًا على وفاء ما تحمله، وكذا الغارم لنفسه وإن كان غنيًّا، لكن لا يقدر على وفاء دينه، فيُعطى هذا وهذا ما يوفي دينه من الزكاة. ٤ - جواز صرف الزكاة للغزاة في سبيل الله، ولو كان لهم مال يستطيعون به الغزو. ٥ - جواز أن يشتري الغني الزكاة من الفقير، إلا أن يكون هو الذي أعطاها. ٦ - جواز قبول الغني هدية الفقير من الزكاة. ٧ - الفرق بين الغنى في هذا الحديث وحديث: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم» (١)، فالأول حصول الكفاية، والثاني ملك النصاب، وبهذا يعلم أن الغِنى نوعان؛ نوع يوجب تحريم أخذ الزكاة إلا من استثني في الحديث وهو حصول الكفاية، والثاني يوجب إخراج الزكاة وهو ملك النصاب بشرطه، والثاني من معنيي الغنى لا يستلزم الأول، أي: وجوب الزكاة لا يستلزم حصول الكفاية، وعليه؛ فقد يحل أخذ الزكاة لمن تجب عليه الزكاة في النصاب الذي

стр. 579

عنده؛ لعدم حصول الكفاية به، مثل رجل له مزرعة لا تقوم غلتها بكفايته وتجب عليه زكاة ما بلغ النصاب منها. ٨ - منزلة الجهاد في سبيل الله من الدين. ٩ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد، لقوله: «أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ». * * * * * (٧٣٣) وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في إعطاء السائل الزكاة وإن كان ظاهره القدرة على العمل بعد إعلامه أنها لا تحل للقادر المكتسب. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - جواز إعطاء السائل من الزكاة إذا كان ظاهره الفقر. ٢ - التثبت من حال السائل بالنظر إلى مظهره. ٣ - أن من ظاهره الغنى لا يُعطى من الزكاة إلا أن يتحقق من حقيقة حاله. ٤ - أن من سأل الزكاة، وظاهره القدرة على العمل، فلا يُعطى إلا بعد أن يبين له أنها لا تحل للقوي المكتسب. ٥ - أن القوي إذا لم يجد عملًا فإنه يعطى إن كان فقيرًا. ٦ - أن الزكاة لا تحل للغني الذي عنده ما يكفيه.

стр. 580

٧ - أنها لا تحل للقوي المكتسب. ٨ - قبول قول السائل أنه فقير، لقوله: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا»، وأما من ادعى أنه من أهل الزكاة غيرِ الفقراء والمساكين، فلا يُعطى إلا ببينة. * * * * * (٧٣٤) وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَومِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث بيانٌ فصلٌ في تحريم المسألة، ومن تحل له. وفيه فوائد، منها: ١ - جواز توجيه الخطاب في العلم لمعيَّن لمقتضٍ للتخصيص. ٢ - أن الأصل في حكم سؤال الناس من أموالهم التحريم. ٣ - أن من تحمّل حمالة لإصلاح ذات البين فصار غارمًا؛ حلت له المسألة في حمالته. ٤ - أن من أصابته جائحة ذهبت بماله؛ حلَّت له المسألة حتى يصيب ما يسد ضرورته.

стр. 581

٥ - أن من أصابته فاقة أي: فقرٌ شديدٌ، وكان معروفًا بالغنى، فإنها لا تحل له المسألة إلا ببينة. ٦ - أن بينة الإعسار ثلاثة عدول من العارفين بحاله. ٧ - اعتبار التصريح بطروء الفاقة عليه. ٨ - أن هذا الحديث مفسر لقوله ﷺ في حديث سمرة ﵁: «أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ» (١). ٩ - أن من ادعى الفقر ولم يعرف غناه قبل ذلك فإنه لا يُسأل البينة على دعواه، كما تقدم في حديث الرجلين الجلدين (٢). ١٠ - التغليظ في تحريم الكسب بطريق المسألة بتسميته سحتًا. ١١ - تأكيد الحصر المتقدم لحل الزكاة في الأصناف الثلاثة. ١٢ - أن المال الحرام لا بركة فيه. ١٣ - حسن تعليمه ﷺ باستعمال الحصر والإجمال ثم التفصيل. * * * * * (٧٣٥) وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ». وَفِي رِوَايةٍ: «وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (٧٣٦) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤).

стр. 582

(٧٣٧) وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذه الأحاديث الثلاثة هي الأصل في تحريم الصدقة على محمد ﷺ وآل محمد ﷺ ، والمراد بآل محمد ﷺ في هذا المقام: بنو هاشم. وفي هذه الأحاديث الثلاثة فوائد، منها: ١ - أن لفظ: (لا ينبغي) في الشرع للمحرم، وإن كان في عبارة بعض العلماء لما يحتمل التحريم، ومعناه في باب صفات الله وفي الكونيات للمستحيل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين (٢١٠) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]. ٢ - تحريم الصدقة على آل محمد ﷺ ، وهو داخل فيهم، وقد جاء التصريح به في الرواية الأخرى. ٣ - الحكمة من تحريم الصدقة على الرسول ﷺ وآله. ٤ - تسمية الصدقة «أَوْسَاخَ النَّاسِ». ٥ - الترغيب في التنزه عنها، وسميت أوساخ الناس لأنهم يتطهرون بها من الذنوب، فتشبه الماء المستعمل في الطهارة من الحدث. ٦ - فضل بني المطلب بن عبد مناف على أبناء عمومتهم من قريش. ٧ - تحريم الصدقة على بني المطلب من قريش، واستحقاقهم من الخمس.

стр. 583

٨ - أن سبب هذا الفضل مناصرتهم لبني هاشم يوم تعاهدت قريش على مقاطعة بني هاشم من أجل النبي ﷺ ، وكتبوا في ذلك وثيقة القطيعة الباطلة شرعًا وعقلًا وعرفًا، وعلقوها في الكعبة سنة، فقيض الله الأرضة فأكلتها، فعلم النبي ﷺ بذلك، وأخبر عمّه أبا طالب، ولم يكن أحدٌ من الناس اطلع على ذلك، فكان هذا علمًا من أعلام نبوته ﷺ . فكان بنو المطلب مع بني هاشم في شعبهم حين حُصروا بسبب هذه المقاطعة، يدل لذلك ما جاء في السيرة عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي من قوله ﷺ : «إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ» (١). ٩ - أن لبني المطلب نصيبًا من خمس الغنيمة من سهم ذوي القربى بسبب ذلك الوفاء. ١٠ - أن بني نوفل ومنهم جبير بن مطعم وبني عبد شمس ومنهم عثمان ﵁، يلتقون جميعًا مع بني هاشم وبني المطلب في عبد مناف الجد الثالث للنبي ﷺ . ١١ - أن الأصل في المراد بذي القربى المذكورين في آية الخمس وآية الفيء هم بنو هاشم، وألحقت بهم السنة بني المطلب لما تقدم، دون سائر قريش. ١٢ - تحريم الصدقة على موالي بني هاشم. ١٣ - فضيلة أبي رافع ﵁ من حيث كونه مولى للرسول ﷺ ، واحترازه من الحرام، واستثباته من النبي ﷺ عن حكم العمالة في الزكاة. ١٤ - أن العتيق يتبع مواليه في الأحكام المتعلقة بالنسب لقوله ﷺ : «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».

стр. 584

١٥ - حسن خلقه وحسن تعليمه ﷺ بذكر الحكم مع علته. ١٦ - أنه إذا فهم الحكم بذكر الدليل لم يحتج إلى النص عليه، لقوله: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» فهذا هو الدليل، والحكم: «وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ»، وهناك مقدمة محذوفة للعلم بها، أي: وأنت مولانا. * * * * * (٧٣٨) وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في قبول العطاء من بيت المال. وفيه فوائد، منها: ١ - أن النبي ﷺ هو القاسم لمال بيت المال، قال ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي» (٢). ٢ - فضل عمر ﵁ بما أعطاه الله من الزهد والقناعة والإيثار. ٣ - أن عمر ﵁ كان في بعض الأوقات فقيرًا. ٤ - كراهة السؤال من بيت المال، والتشوف للعطاء. ٥ - أن ما خلا عن ذلك فلا كراهة فيه، ما لم يكن محاباة، أو لغرض فاسد، كما قال أبو ذر في العطاء: «خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ» (٣).

стр. 585

٦ - أن ما يعطاه الإنسان من بيت المال يخير فيه بين تموله والتصدق به. ٧ - أن ما لا يحصل إلا بسؤال أو بإشراف نفس فينبغي الإعراض عنه. ٨ - جواز العمل على الصدقة لجبايتها وقسمها، وأخذ الأجرة منها. كما يدل لذلك سبب الحديث، فإن النبي ﷺ استعمل عمر ﵁ على الصدقة، فأعطاه عمالته. ٩ - أن قوله ﷺ : «وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ … » إلخ، عامٌّ فيما يعطاه الإنسان من بيت المال؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. * * * * *

стр. 586

كِتَابُ الصِّيَامِ

стр. 587

(٧٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، قَصَد الاحتياط لرمضان أم لم يقصد، والأصل في النهي التحريم. ٢ - جواز ذلك إن كان عادة. ٣ - أنه لا يجوز الاحتياط لرمضان بالصوم قبل ثبوته برؤيةٍ أو إكمال الشهر. ٤ - أنه لا يجوز صوم يوم الشك. ٥ - جواز الصيام بعد النصف من شعبان، إلا ما كان مظنة الاحتياط كاليوم واليومين، وأما حديث: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا» (٢) فقد أنكره الأئمة (٣). ٦ - وجوب التقيُّد في العبادة بالشرع. ٧ - أن العبادة التي لم يُؤمر بها بدعة، وذلك أن الصوم عبادة غير مأمور بها هنا فكيف إذا جاء النهي عنها؟! ٨ - أن العبادة المستحبة إذا تطرق إليها احتمال البدعة فينبغي تركها. ٩ - الوقوف فيما شرع الله عند حدوده، وجه ذلك: أن الذي يصوم احتياطًا لم يقف عند حدود ما فرض الله، وذلك أن الله لم يفرض على عباده إلا صيام شهر رمضان، فمن تقدمه بصوم غير معتاد فكأنما زاد على ما فرض الله. والله أعلم.

стр. 588

(٧٤٠) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * اليوم الذي يشك فيه؛ هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال، قال بعضهم: لا يكون هذا اليوم مشكوكًا فيه إلا إذا كان هناك غيم أو قتر، أما إذا لم يكن غيم ولا قتر فلا يكون يوم شك، والصحيح أنه يوم شك، حتى ولو لم يكن فيه غيم ونحوه؛ لأنه قد تقصر الأبصار عن رؤية الهلال لضعفه، أو لضعف الأبصار، فيُنهى عن صيامه مطلقًا. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن صيام يوم الشك معصية للرسول ﷺ فيما إذا لم يوافق عادة للحديث المتقدم (٢) «إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». ٢ - أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الشك، لأن عمارًا لم يرو الصيغة عن النبي ﷺ وإنما نقل المعنى. ٣ - ذكر الرسول بكنيته ﷺ . ٤ - الدليل على جواز الرواية بالمعنى. ٥ - أن الدين ليس بالرأي، فإن في بادئ الرأي أن الاحتياط لرمضان بصوم يوم الشك أكمل. ٦ - أن اليقين لا يرتفع بالشك.

стр. 589

(٧٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧٤٢) وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ» (٢). (٧٤٣) وللبخاري: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ» (٣). (٧٤٤) وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» (٤). * * * في الحديثين فوائد، منها: ١ - وجوب صوم رمضان برؤية هلاله، ووجوب الفطر من رمضان برؤية هلال شوال. ٢ - وجوب إكمال شهر شعبان ثلاثين، وإكمال شهر رمضان ثلاثين إذا لم يُر الهلال، ثم الصيام أو الفطر. ٣ - أنه لا يجوز الاعتماد في الصوم والفطر على الحساب. ٤ - أنه يجزئ في الرؤية شهادة عدل؛ للإطلاق في قوله: «لِرُؤْيَتِهِ» (٥)، وللإجماع أنه لا تشترط رؤية الجميع. أما في الصوم فقد ثبت بالنص الاكتفاء بواحد كما في حديث ابن عمر ﵄ والأعرابي الآتيين، وفي الفطر فتعتبر فيه شهادة اثنين بالإجماع. ٥ - أن يوم الغيم يوم شك لا يجوز صومه. ٦ - الرد على من أوجب صوم يوم الشك.

стр. 590

٧ - أن التقدير للشهر بإكماله ثلاثين لا بالتضييق عليه ونقصه؛ كما صرحت به الروايات. ٨ - أن الشهر يكون ثلاثين، وإن كان الغالب في الشهور النقص لقوله ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» (١). ٩ - استصحاب الأصل حتى يثبت رفعه، فالأصل بقاء ما كان على ما كان. * * * * * (٧٤٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (٢). (٧٤٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلالُ؛ أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (٣). وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (٤). * * * تراءى الناس: اجتهدوا في رؤية الهلال، وقد يرونه وقد لا يرونه، ومثله حديث: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ» (٥).

стр. 591

وفي الحديثين فوائد، منها: ١ - مشروعية ترائي هلال رمضان، وكذلك هلال كل شهر يتعلق به حكم، كشوال وذي الحجة. ٢ - وجوب ترائي هلال هذه الأشهر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ٣ - أنه يكفي في بينة شهر رمضان شهادةُ عدل، قال بعض العلماء: ولو كان امرأة. ٤ - أن على من رأى الهلال أن يبلغ الإمام؛ ليأمر الناس بالصوم أو الفطر. ٥ - أن الصحابة ﵃ كلهم عدول، لأن النبي ﷺ لم يسأل عن حال الأعرابي. ٦ - قبول شهادة الأعرابي. ٧ - اشتراط الإسلام في الشهادة على رؤية الهلال. ٨ - أنه إذا ثبتت البينة في أثناء النهار برؤية الهلال في الليلة السابقة وجب الصوم، وإن حصل أكل أو شرب أول النهار، وذهب جمهور العلماء إلى وجوب قضاء هذا اليوم، وذهب جماعة إلى عدم الوجوب، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، والأظهر والأحوط ما ذهب إليه الجمهور. ٩ - أن الشهر يدخل بالليلة الأولى والصوم من الغد. ١٠ - أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين. ١١ - أنه يكفي في الشهادة الإخبار دون لفظ (أشهد) إلا في اللعان، قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]. وقال سبحانه: ﴿وَيَدْرَأ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِين (٨)﴾ [النور: ٨]. ١٢ - الأمر بإعلان الشهر لقوله: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلالُ».

стр. 592

(٧٤٧) وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ (١)، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّان (٢). (٧٤٨) وللدَّارَقُطْنِيِّ: «لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ» (٣). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - اشتراط النية في الصيام، والأصل فيه قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤). ٢ - اشتراط أن تكون نية الصيام من الليل، أي: في الليل، فلا يصح بنية من النهار لهذا الحديث: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ» وخُصَّ منه صوم التطوع في الجملة. ٣ - أنه يكفي في ذلك النيةُ في آخر جزءٍ من الليل، لقوله: «قَبْلَ الْفَجْرِ». ٤ - أنه إذا طلع الفجر قبل نية الصيام لم يصح الصوم. ٥ - أن الليل كله وقت للبيتوتة، فلذلك قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» (٥) أي: ينويه في وقت البيات، وهو الليل. ٦ - أن النفي يأتي لنفي الحقيقة، أي: لنفي وجود الشيء.

стр. 593

٧ - أن العزم على الشيء كالإيجاب، فلذلك عُبِّر عنه بالفرض. والله أعلم. * * * * * (٧٤٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - صحة صوم التطوع بنية من النهار، وخُصِّص بهذا الحديث حديثُ حفصة المتقدم، وعارض بعضهم في هذا الاستدلال، فقال: إن قوله ﷺ إخبار بأنه كان صائمًا من أول النهار. وجمهور العلماء على الأول. ٢ - أنه يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر، لقوله: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ، ويشهد له قوله ﷺ : «الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ» (٢). ٣ - فضل الله على عباده بالتوسعة عليهم في التطوع ليستكثروا من أسباب الأجر. ٤ - جواز أن يسأل الرجلُ أهلَه الطعام. ٥ - جواز أن يقولوا إذا لم يكن عندهم شيء: لا شيء عندنا. ٦ - التوسعة على الأهل في طلب الطعام بالاستفهام دون الأمر، وذلك فيما إذا لم يكن يعلم بوجود الطعام.

стр. 594

٧ - أن من هديه ﷺ في الطعام؛ أن لا يرد موجودًا، ولا يطلب مفقودًا. ٨ - طلب النظر إلى الطعام؛ لاختيار الأكل أو الترك. ٩ - جواز الهدية. ١٠ - جواز أكل النبي ﷺ وأهل بيته منها. * * * * * (٧٥٠) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧٥١) وللترمذي: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (٢). * * * في الحديثين فوائد، منها: ١ - استحباب تعجيل الفطر للصائم بعد التحقق من غروب الشمس. ٢ - أن تعجيل الفطر عنوان على بقاء الخير في هذه الأمة. ٣ - أن عدم تعجيل الفطر دليل على نقص الخير في الناس، والمراد بالخير الصلاح في الدين. ٤ - الحث على تعجيل الفطر والترغيب فيه. ٥ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، والرد على من أنكرها من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. ٦ - تفاضل الناس في حظهم من محبة الله. ٧ - تفاضل الناس في العمل بالسنة.

стр. 595

(٧٥٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * السُّحور: الراجح أنه بالضم -ضم السين- والمراد الفعل أي: فعل الأكل. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - الأمر بالسحور، والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - الترغيب في السحور. ٣ - أن السحور سبب لخير كثير، فمن ذلك: أ. حفظ قوة البدن. ب. الإعانة على الصوم. ج. الأسوة بالنبي ﷺ . د. مخالفة أهل الكتاب. ٤ - إثبات حكمة التشريع، وتعليل الأحكام. ٥ - اعتبار النية في ترتب الثواب العاجل والآجل على السحور. * * * * * (٧٥٣) وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، والحَاكِمُ (٢).

стр. 596

في الحديث فوائد، منها: ١ - أن السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء. ٢ - فضل التمر على غيره من الأطعمة والثمار. ٣ - فيه شاهد لحديث: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (١)، فمن لم يجد العجوة أجزأه أي تمر. ٤ - فضل الماء على سائر الأشربة، فإنه يُروي ويُنقي. كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : «فَإِنَّهُ طَهُورٌ». ٥ - أن السنة للصائم أن يفطر بما تيسر له من الطعام أو الشراب، ولا يكتفي بمجرد نية الإفطار. ٦ - فيه شاهد لما يسمى بالإعجاز العلمي، حيث من المقرر عند الأطباء أن الأولى للصائم أن يبدأ بتناول ما هو حلو من السكريات. * * * * * (٧٥٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُّكُمْ». كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * المراد بالوصال: وصل اليومين فأكثر دون إفطار.

стр. 597

وفي الحديث فوائد، منها: ١ - النهي عن الوصال في الصيام. ٢ - أن النهي للكراهة لا للتحريم؛ لأنه ﷺ واصل بهم. ٣ - بيان الحكمة من النهي عن الوصال؛ وهو رفع ما فيه من الحرج والمشقة. ٤ - أن من مقاصد الشريعة التيسير كما قال تعالى في آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٥ - أن الأصل أن النبي ﷺ أسوة لأمته في أفعاله، لقولهم: «فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ» أي نحن نأتسي بك. ٦ - التعليم بالفعل وبيان حكمة التشريع. ٧ - بيان الفارق بينه ﷺ وبين أصحابه في حكم الوصال؛ وهو أنه ﷺ يعان عليه بما يفتح الله عليه من المعارف الإلهية والمعاني الإيمانية التي يقوى به قلبه ونفسه وبدنه فتقوم مقام الطعام والشراب الحسيين. ٨ - أن هذه الأحوال من آثار قربه ﷺ من ربه. ٩ - حرص الصحابة ﵃ على الخير. ١٠ - أن الخير في موافقة الأمر. ١١ - أن العبادة مبناها على الاتباع. ١٢ - أن الفرح والسرور تقوى بهما النفس، وتستغني بهما عن الطعام والشراب بعض الوقت، وأكمل ذلك الفرح والسرور بمناجاة الله، ولنبينا ﷺ أكمل ذلك وأفضله.

стр. 598

١٣ - التعبير عن الشيء بما يقوم مقامه، ويُستغنى به عنه لقوله: «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فالإطعام والسقي المذكوران في الحديث ليس المراد منهما الطعام والشراب الحسيين المعهودين كما في قول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقد يقال: إن قول إبراهيم يعم النوعين. والله أعلم. ١٤ - جواز الوصال الذي لا حرج فيه، كالوصال إلى السحر، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» (١). ١٥ - أن التعزيرات على المخالفات في الشرع لا تتعين بنوع من العقوبات، ووجه ذلك؛ أن النبي ﷺ عاقب من أصر على طلب الوصال بأن واصل بهم أيامًا؛ ليذوقوا ما في الوصال من العنت، كما يشهد لذلك قول الراوي: «كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ»، وقد يقال: إن هذا تعليم لا تعزير. والله أعلم. ١٦ - جواز قول «لَوْ» في الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي من فعل العبد على سببه، وأما (لو) التي جاء النهي عنها فهي الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي ليس من فعل العبد على فعله فإن ذلك يتضمن التحسر والرجم بالغيب بخلاف ما يعلم العبد فيه ترتب المسبَّب على سببه مثل قوله: «لو أطاعوا الله ما عاقبهم»، فإنه إخبار صحيح. ١٧ - اختصاص النبي ﷺ ببعض الأحكام؛ كجواز الوصال. ١٨ - بيان سبب هذا الاختصاص، وهو ما يعوضه الله به عن الطعام والشراب. * * * * *

стр. 599

(٧٥٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ (١). * * * الحاجة: الإرادة. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن تحريم المحرمات على الصائم آكد من تحريم المفطرات، فاجتنابها عليه أوجب من اجتناب المفطرات. ٢ - أن الصائم إذا لم يدع ما حرم الله من الزور القولي والعملي فقد يبطل صيامه، أو يُحرم ثوابه، أو ينقص. ٣ - أن الله إنما يريد من العبد الصيام عن الطعام والشراب مع الصيام عمَّا حرم من الزور قولًا وفعلًا. ٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢)، فإن من صام على هذا الوجه لا بد أن يجتنب المحرمات في جميع الأوقات. ٥ - في الحديث شبهة لابن حزم في بطلان الصيام بالمعاصي (٣). ٦ - فيه التعبير عن الإرادة بالحاجة، فهو من التعبير بالمُسبَّب عن السَّبب، فهي من قبيل المجاز المرسل.

стр. 600

٧ - إثبات الحكمة في مشروعية الصوم، وهي تحقيق التقوى، ففيه شاهد لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. ٨ - تعليل الأحكام الشرعية. والله أعلم. * * * * * (٧٥٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ. (٧٥٧) وزَادَ في رِوَايَةٍ: «فِي رَمَضَانَ» (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن مقدمة الجماع كالتقبيل والمباشرة لا تحرم على الصائم، وإنما يحرم الجماع، وهذا بخلاف الإحرام؛ فإنه يحرم فيه الوطء ومقدماته، وهذا مع الأمن من غلبة الشهوة المفضية إلى ما يفسد الصوم، أو مبالغة في المباشرة والتقبيل تفضي إلى الإنزال، كما نبهت إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بقولها: «وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». ٢ - أن من علم أنه لا يملك شهوته حَرُمت عليه المباشرة والتقبيل، فإن ذلك من الرفث الذي أحله الله ليلة الصيام إلى تبيّن الفجر، فوجب الإمساك عنه إلى الليل، ولكن دلّت السنة على جوازه بشرطه المتقدم. ٣ - أن المذي لا يفسد الصوم، لأنه ينشأ عن المباشرة والتقبيل غالبًا ولا يحصل به قضاء الشهوة بخلاف الإنزال. ومن العلماء من قال: إن المذي الناشئ عن المباشرة أو التقبيل يفسد الصوم، والصحيح الأول.
следующие страницы →