← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

١١ - أن هدي الرسول ﷺ ترك حلق شعره إلا في حج أو عمرة، لكن يقصّره، لأن شعره ﷺ تارة يبلغ شحمة أذنيه، وتارة يكون لِمَّة، وربما كان جُمَّة. ١٢ - استحباب النظافة. * * * * * (٧٩٥) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلا يُبَاشِرَهَا، وَلا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلا لِمَا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ، ولا بَأسَ بِرِجَالِهِ، إلا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ (١). (٧٩٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، والرَّاجِحُ وَقْفُه أيضًا (٢). * * * في الحديثين فوائد، منها: ١ - بيان ما تتحقق به حقيقة الاعتكاف، وهو لزوم المسجد. ٢ - أن ترك المعتكف لما ذُكر سنة سنها رسول الله ﷺ وليس من رأي عائشة ﵂. ٣ - أن المعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها. ٤ - أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه؛ كحاجة الإنسان، والغسل من الجنابة، وما كان من الخروج ضرورة. ٥ - أنه لا يشرع اشتراط المعتكف فعلَ هذه الأمور أو بعضها، وهل يصح ذلك؟ فيه نزاع، ولعل الصواب صحة اشتراط ما تدعو إليه الضرورة من ذلك؛ كعيادة الوالدين وتشييع جنازتهما. والله أعلم.

стр. 632

وقولها ﵂: «وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» قيل: إنه من كلامها فهو من رأيها، وهو -على هذا- موقوف عليها. وإن كان هذا القول تابعًا لما قبله فإنه يقتضي اشتراط الصوم في الاعتكاف، وأن يكون الاعتكاف في مسجد جامع، ولكن الراجح عند الأئمة وقفه. وحديث عمر ﵁؛ أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام (١) يقتضي صحة هذا الاعتكاف ولو لم يصم، ويدل له أيضًا حديث ابن عباس ﵄: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» والراجح وقفه على ابن عباس كما ذكر المصنف. ويمكن أن يعتضد القول بعدم اشتراط الصوم في الاعتكاف أنه لم يرد أن النبي ﷺ كان صائمًا حين قضى اعتكافه في شوال. ومما يرجح قول ابن عباس في عدم اشتراط الصوم؛ أن الدارقطني قد جزم (٢) بأن قوله في حديث عائشة ﵂: «وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ … » إلخ أنه مدرج ممن دونها. * * * * * (٧٩٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - الاستدلال بالرؤيا في الأمور الكونية، والترجيح بها. ٢ - أن من الرؤيا ما تكون صورته مطابقة لما يقع في الخارج. ٣ - قوة الحكم بتضافر أدلته.

стр. 633

٤ - فضل ليلة القدر. ٥ - حرص الصحابة على معرفتها أو موافقتها. ٦ - أن ليلة القدر في رمضان. ٧ - أن السبع الأواخر من رمضان أرجى أن تكون فيها ليلة القدر مما قبلها وأولها ليلة ثلاث وعشرين، وهو الغالب. ٨ - أن فضل السبع الأواخر قد دلّ عليه أمر كوني وهو الرؤيا، وشرعي وهو قول النبي ﷺ : «فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». ٩ - استحباب تحري الأوقات الفاضلة. * * * * * (٧٩٨) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ، والرَّاجِحُ وَقْفُه (١). وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في «فتح الباري» (٢). في الحديث فوائد، منها: ١ - تعيين ليلة القدر في سبع وعشرين، وهذا ظاهر الحديث، وهو لا يوجب القطع، بل غايته أن يدل على أنها أرجى من غيرها من ليالي العشر، وذلك لأمرين: الأول: أن الراجح في الحديث أنه موقوف على معاوية ﵁. الثاني: ما ورد من الأحاديث الدالة على أنها تُلتمس في جميع ليالي العشر خصوصًا الأوتار منها والسبع الأواخر. * * * * *

стр. 634

(٧٩٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ، تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن ليلة القدر قد تُعلم، إما بمنام أو بعلامات. ٢ - تحري هذا الدعاء في ليلة القدر. ٣ - أن من أسماء الله العفُوَّ. ٤ - إثبات صفة المحبة. ٥ - أن الله يحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض. ٦ - التوسل في الدعاء بأسماء الله. ٧ - التوسل بما يناسب المطلوب من أسماء الله؛ كالغفور والرحيم في طلب المغفرة والرحمة، والتواب في طلب التوبة، والعفو في طلب العفو. ٨ - تواضع العبد لربه واعترافه بالذنب والتقصير وترك النظر إلى العمل، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. ٩ - حرص عائشة ﵂ على الخير. ١٠ - السؤال عمّا يُشرع من الأقوال والأعمال في الأوقات الفاضلة. ١١ - فضل هذا الدعاء. * * * * *

стр. 635

(٨٠٠) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل هذه المساجد الثلاثة، وأنها في الفضل على هذا الترتيب، ولعل السبب في فضلها أنها أسسها الأنبياء إبراهيم ومحمد وسليمان ﵈. ٢ - جواز السفر إلى هذه المساجد، وقد دلت النصوص الأخرى على وجوب السفر واستحبابه إلى المسجد الحرام، وعلى استحباب السفر إلى المسجدين. ٣ - تحريم السفر إلى سائر البقاع غير هذه المساجد تدينًا بقصد البقعة. ٤ - تحريم السفر إلى قبور الأنبياء، وتحريم السفر إلى الطور الذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى ﵇ على وجه القربة والعبادة. ٥ - أن المسجد الحرام هو المصلى حول الكعبة، فلا يجوز السفر للصلاة في بعض نواحي الحرم. ٦ - أن مضاعفة الصلاة مختصة بالمسجد حول الكعبة، ويشهد له حديث ميمونة ﵂؛ أن الرسول ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (٢). * * * * *

стр. 636

كِتَابُ الحَجِّ

стр. 637

بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ تنوعت عبارات المصنفين في الترجمة لهذا الموضوع؛ فمنهم من يقول: (كتاب المناسك)، لأن أكثر ما يُطلق عليه اسم المناسك في لسان الشرع والفقهاء أعمال الحج والعمرة، لقوله ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» (١)، ومنهم من يقول: (كتاب الحج والعمرة)، ومنهم من يقول: (كتاب الحج)، كما صنع الحافظ، ولعله اقتصر على لفظ الحج دون العمرة؛ لأن العمرة حج، وتدخل في الحج. والحج في اللغة: القصد إلى معظم، وفي الشرع: القصد إلى البيت العتيق بأعمال مخصوصة. والعمرة أصل معناها في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بإحرام للطواف والسعي، ولا تطلق عند العرب إلا على ذلك. وحج البيت أحد أركان الإسلام الخمسة، والصحيح أنه فرض في السنة التاسعة من الهجرة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة، ومن رحمة الله أنه لا يجب في العمر إلا مرة، وهو على الاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. ويجب على الفور عند توفر شروطه، لأن الأصل في الأمر المطلق الفورية، وتأخر النبي ﷺ إلى العاشرة -وقد فرض في السنة التاسعة- من أجل أن يتطهر البيت من المشركين وعوائدهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد بهذا العام هو السنة التاسعة. * * * * *

стр. 638

(٨٠١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في هذا الحديث فوائد، منها: ١ - فضل العمرة. ٢ - استحباب المتابعة بين الحج والعمرة، لقوله: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ». ٣ - أن العمرة من مكفرات السيئات، وهذا مقيد باجتناب الكبائر؛ لقوله ﷺ : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (٢). ٤ - فضل الحج على العمرة. ٥ - أن مناط الفضل هو البر في الحج، لقوله: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ». ٦ - أن الحج سبب لدخول الجنة. ٧ - إثبات الأسباب الشرعية. ٨ - إثبات الجنة. ٩ - الرد على من أنكر الأسباب. ١٠ - أن الأسباب مؤثرة في حصول مسبَّباتها بإذن الله تعالى. * * * * * (٨٠٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيْحِ (٣).

стр. 639

هذا الحديث من أدلة وجوب العمرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب جماعة من العلماء إلى أنها ليست واجبة، ولكل من القولين وجوه من الاستدلال، وقد استوفاها شيخ الإسلام في «شرح العمدة»، واختار عدم الوجوب، وأصل الحديث في صحيح البخاري لكن بلفظ: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وهو بهذا اللفظ لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على فضل الحج، ولهذا آثر الحافظ ﵀ هذا اللفظ. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - عدم وجوب الجهاد على النساء. ٢ - وجوب الحج عليهن كوجوبه على الرجال. ٣ - وجوب العمرة على النساء كوجوبها على الرجال. ٤ - أن الحج والعمرة من نوع الجهاد في سبيل الله. ٥ - الإشارة إلى الفرق بين الحج والعمرة وبين الجهاد في حق المرأة لقوله ﷺ : «لا قِتَالَ فِيهِ». ٦ - أن المرأة ليست من أهل القتال، وإن جاز خروجهن لبعض مصالح المجاهدين مع مراعاة الشروط المعتبرة في سفر المرأة ووجودها مع الرجال. ٧ - حرص عائشة ﵂ على العلم، وعلى فضائل الأعمال. * * * * *

стр. 640

(٨٠٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ (١). * * * هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب العمرة، ولا ينهض للاحتجاج به؛ لأن الراجح وقفه على جابر ﵁. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن العمرة ليست واجبة. ٢ - أن الاعتمار عمل صالح، ففي العمرة خير للمعتمر. ٣ - أن في وجوب العمرة خلافًا بين الصحابة ﵃. ٤ - الترغيب في النافلة. ٥ - تنبيه السائل إلى ما يحتاج إليه، وهو من محاسن الفتوى. ٦ - أن الاقتصار على «لا» في الجواب يحصل به المقصود؛ لأنها على تقدير إعادة مضمون السؤال. ٧ - أن جابرًا ﵁ لا يرى وجوب العمرة. * * * * * (٨٠٤) وأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيْفٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (٢). * * * هذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب العمرة، ولكن الحديث لا ينهض للاحتجاج به؛ فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل»، وقال بعد ذكره: «هذا الحديث غير محفوظ». * * * * *

стр. 641

(٨٠٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ (١). (٨٠٦) وأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ ابْن عُمَرَ ﵄ أيضًا، وَفِيْ إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٢). * * * هذا الحديث -مع ضعفه - أخذ به جمهور العلماء، وقالوا: من وجد مالًا يحصل به الزاد والراحلة وجب عليه الحج فهو المستطيع المذكور في الآية: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، ويؤيد ذلك أن من لم يستطع الحج ببدنه وهو مستطيع بماله وجب أن ينيب من يحج عنه، كما يدل لذلك حديث الخثعمية وحديث الجهنية، كما سيأتي (٣). والذي أوجب لأهل العلم الأخذ بهذا الحديث -حديث الباب - أنه جاء من طرق عن جمع من الصحابة ﵃، والغالب عليها الضعف، ومنها ما صحح؛ كحديث أنس ﵁ عند الحاكم، ومجموعها تثبت به الحجة، وأكثر القائلين بحديث الزاد والراحلة يقولون: لا يجب الحج على من لم يملك الزاد والراحلة وإن قدر على المشي. وذهب بعضهم إلى وجوب الحج على من قدر على المشي بلا مشقة شديدة لقربه من مكة أو لقوته، وإن كان بعيدًا لأنه مستطيع. وقالوا: إن الحديث خرج مخرج الغالب، فالغالب ألَّا يستطيع الحج إلا من ملك زادًا وراحلة، وفي هذا القول قوة، كما ترى. ومن العلماء من اشترط في وجوب الحج أمن الطريق، ولو لم ترد الأحاديث المتقدمة لكان هذا القول أظهر، وأقرب إلى ظاهر القرآن. * * * * *

стр. 642

(٨٠٧) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في صحة حج الصبي غير المميز، فكيف بالمميِّز؟! وفي الحديث فوائد، منها: ١ - صحة حج الصبي. ٢ - أن ثواب حجه له. ٣ - أن لمن حج به أجرًا كالولي وغيره، فإن كان مميِّزًا أمر بالنية، وإن كان غير مميِّز نوى عنه وليه. ٤ - أنه ليس كل الصحابة يعرفون شخص النبي ﷺ . ٥ - الاعتزاز بنسب الإسلام. ٦ - أن النبي ﷺ قد ينفرد عن أصحابه في السفر، فيمشي وحده ﷺ ؛ إذ لو كان معه أحد لقالوا لأولئك الركب: هذا رسول الله ﷺ . ٧ - أن الصبي إذا حُج به لزم وليه أن يجنبه المحظورات، ويلزمه بالواجبات كأمر المميِّز بالصلاة، والصحيح أنه لا يجب في حقه الإتمام، ولكن يستحب إذا تيسر. ٨ - المبادرة بسؤال العالم عند الظفر به. ٩ - الاكتفاء بالجواب بنعم لدلالة السؤال عليه. ١٠ - زيادة المفتي في الجواب ما ينتفع به المستفتي. ١١ - الترغيب في الحج بالصبيان.

стр. 643

١٢ - أن صوت المرأة ليس بعورة. ١٣ - أنه يجوز للمرأة أن تتولّى الحج بطفلها، ذكرًا أو أنثى. * * * * * (٨٠٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَجَاءَت امْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (٨٠٩) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في الحج عن المعضوب -وهو الشيخ الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه- والحج عن الميت. وفي الحديثين فوائد، منها: ١ - حرص نساء الصحابة ﵅ على التفقه في الدين. ٢ - جواز مباشرة المرأة السؤال بنفسها. ٣ - وجوب الحج لقولها: «إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ». ٤ - أنه لا يسقط عمن عجز عن أدائه بنفسه. ٥ - وجوب الاستنابة في فرض الحج على من عجز عنه عجزًا دائمًا.

стр. 644

٦ - جواز حج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى الرجل عن المرأة. ٧ - وجوب الوفاء بالنذر. ٨ - جواز الحج عن الميت فرضًا أو نذرًا. ٩ - جواز القياس في الأحكام، لأنه شبه النّذر في ذمة الميت كالدين الذي للآدمي، بل سمّى النبي ﷺ الحج الذي على الميت دينًا. ١٠ - أن من مات وقد وجب عليه الحج؛ وجب أن يخرج من تركته كسائر ديونه. ١١ - استحباب قضاء الولد الدين عن والده. ١٢ - النهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية. ١٣ - الإنكار بالفعل. ١٤ - تمسك بقوله: «فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» من يرى جواز كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب، وأجيب عنه بأنه ليس صريحًا؛ إذ يمكن أن ينظر الرجل إلى المرأة وإن كانت محتجبة لحسن قدها وحسن ثيابها، وكذلك قوله: «وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ» فإنه يمكن أن يُعرف أنها تنظر وإن كانت محتجبة، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ؛ لأن حكم نظر المرأة إلى الرجل ليس كحكم نظر الرجل إلى المرأة، بل هو أخف، ولهذا يجوز للمرأة النظر إلى الرجل بغير شهوة، ولهذا لم يؤمر الرجال بالاحتجاب من النساء. ١٥ - أن طلب العلم لا يختص بالرجال، لكن لكلٍّ خصوصاته وقدراته. ١٦ - تواضعه ﷺ لإرداف الفضل بن عباس ﵄. ١٧ - فضيلة الفضل بن عباس ﵄ لإرداف النبي ﷺ له. ١٨ - جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك.

стр. 645

١٩ - عناية ابن عباس ﵄ بمعرفة الأنساب، لقوله: «امْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ»، «امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ». ٢٠ - أن أم الجهنية أدركت الحج فلم تحج، لقولها: «فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ»، وليس المراد أنها ماتت قبل مجيء وقت الحج، فلو أرادت ذلك لقالت: «فلم تدرك الحج»، أو «ماتت قبل أن يدركها الحج، أو أن يأتي وقت الحج». والصحيح أن من هذه حاله لا يجب عليه ما نذره. ٢١ - أن دين الله أحق بالوفاء من دين الآدمي، فإذا جمع دين لله ودين لآدمي، فقيل: يقدم دين الآدمي لأنه مبني على المشاحة، وإن كان دين الله أحق بالوفاء، لكنه مبني على المسامحة، وقيل: يتحاصان، وذلك إذا لم تف التركة بسداد الدين، وهو الصحيح. * * * * * (٨١٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، والمحْفُوظُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في اشتراط البلوغ والحرية في وجوب الحج وإجزائه، وهو شاهد لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم (٢) في صحة حج الصبي، والحديث وإن اختلف في رفعه تصريحًا، فهو مرفوع حكمًا، ولذا عوّل عليه

стр. 646

جمهور العلماء في وجوب الحج على العبد إذا عتق، وإن كان قد حج في حال الرق. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - صحة حج الصبي، وتقدم. ٢ - أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام، وهذا بإجماع أهل العلم (١)؛ لأن حجَّه نفلٌ، كسائر عباداته للحديث المشهور «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (٢) ومنهم «الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ». ٣ - صحة حجة العبد والأمة، وأنه لا يجزئ عن حج الفريضة إذا عتقا، وهذا يتضمن أنه لا يجب الحج على العبد ما دام في الرق. ٤ - وجوب الحج على العبد إذا عتق، وقد اختلف العلماء في وجوب الحج على العبد قبل عتقه، وفي إجزاء حجه لو حج، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعدم الإجزاء، على ظاهر هذا الحديث. وذهب بعض العلماء، ومنهم الظاهرية، إلى وجوب الحج عليه إذا قدر، وعليه؛ فيجزئه عن حجة الإسلام (٣)، ولم ير هؤلاء هذا الحديث حجة للاختلاف في رفعه. وما ذهب إليه الجمهور أظهر لهذا الحديث، لأنه مرفوع حكمًا أو تصريحًا، ولأن العبد يفارق الحر في أحكام كثيرة، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فهو ناقص الأهلية، فلا يتصرف إلا بإذن سيده

стр. 647

كالصبي المميِّز لا يتصرف إلا بإذن وليه، ولهذا -والله أعلم- قُرن بينهما في هذا الحديث. * * * * * (٨١١) وَعَنْهُ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * * هذا الحديث أصل في سد الذرائع المفضية إلى الفاحشة، وفي تحريم سفر المرأة بلا محرم. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية. ٢ - جواز وجود الرجل الأجنبي مع المرأة عند وجود محرمها. ٣ - أن الخلوة بالمرأة من أقرب الوسائل للوقوع في الفاحشة، كما يشهد لذلك قوله ﷺ في حديث: «إلَّا كانَ ثالِثَهما الشَّيطانُ» (٢)، وأشد الخلوة أن يأمنا من دخول أحد عليهما، كما إذا غُلِّقت الأبواب. ٤ - أن مطلق المفسدة لا تزول إلا بوجود المحرم، فلا تزول مطلقًا إلا بذلك، فلا تزول بوجود امرأة أخرى أو رجل آخر.

стр. 648

٥ - تحريم سفر المرأة من غير محرم، ومحرم المرأة هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح؛ ولا بد أن يكون المحرم عاقلًا بالغًا قادرًا على حماية المرأة. ٦ - عناية الشرع بالمرأة فإن المحرم إنما شرع صيانة للمرأة لا إهانة لها، ولا تقييدًا لحريتها كما يزعم المستغربون. ٧ - أن النهي عن سفر المرأة بلا محرم مطلق لا يقيد بمسافة ولا زمن، وما ورد من التقييد بيوم أو ليلة أو أكثر من ذلك فليس له مفهوم، بل هو محمول على اختلاف السائلين، وهو عام في كل سفر مباح أو عبادة. ٨ - اشتراط المحرم في سفر الحج. ٩ - اشتراط المحرم لوجوب الحج على المرأة وهذا مذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط، بل يجب عليها الحج إذا وجدت رفقة مأمونة مع نساء ثقات، وهو مذهب ابن حزم (١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢)، ويختص ذلك بحج الفرض، والصواب ما ذهب إليه الجمهور، لأنه ظاهر أحاديث النهي عن السفر بلا محرم، وقيل إنه شرط أداء لا شرط وجوب، والفرق بينهما أنه إن كان شرط وجوب فلا تجب عليها الاستنابة ولو كانت قادرة بمالها، ولا يقضى عنها بعد موتها، وإن كان شرط أداء وجبت الاستنابة والقضاء بعد الموت. ١٠ - أن سفر الرجل مع امرأته للحج أولى من خروجه في الغزو. ١١ - أن من يريد الخروج للغزو في جيش أو سرية كانوا يحصون بالكتابة على عهد النبي ﷺ لقوله: «وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ». ١٢ - أن من يكتب في جيش أو سرية ليس له أن يترك ذلك إلا بإذن الأمير. * * * * *

стр. 649

(٨١٢) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، والرَّاجِحُ عِنْدَ أحمَدَ وَقْفُهُ (١). * * * هذا الحديث هو حجة من قال من العلماء: أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره، وإن فعل وقع عن نفسه، لكن لا يجوز له أن يتعمد ذلك. وذهب بعض أهل العلم أنه يقع الحج عن المنوب عنه لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، وهذا إنما نوى الحج عن غيره، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه موقوف على ابن عباس ﵄، وأجاب الجمهور عن حديث النية؛ بأن الحج ليس كسائر الأعمال في ذلك، فإنه يجوز أن يحرم إحرامًا مطلقًا ومعلقًا على إحرام الغير، ويفسخ الحج إلى العمرة، ولو بعد الطواف والسعي، إلى غير ذلك مما يخالف فيه الحج سائر العبادات في شأن النية. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - جواز النيابة في الحج عن الغير. ٢ - جواز ذكر اسم المنوب عنه في التلبية. ٣ - مشروعية الاستفصال قبل الإنكار. ٤ - جواز الحج عن الغير بغير إذنه حيث لم يستفصل. ٥ - أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره، وهذا متوجِّه فيمن وجب عليه الحج، أما من لم يجب عليه الحج كالفقير يعطى مالًا ليحج عن غيره، فإنه يجزئ عن الغير.

стр. 650

٦ - أن من نوى الحج عن الغير، ولم يكن حج عن نفسه وقع الحج عن نفسه. ٧ - جواز تغيير النية في الحج بعد الشروع فيه. ٨ - مشروعية التلبية في الحج، والجهر بها. ٩ - جواز قول (لا) في جواب السائل ولو كان ذا منزلة. * * * * * (٨١٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كَلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ (١). وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ (٢). * * * هذا الحديث هو الدليل من السنة على فرض الحج، وهو عند مسلم (٣)؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ … ». وفي الحديث فوائد، منها: ١ - الخطبة لبيان الأحكام المهمة. ٢ - فرض الحج على جميع الناس. ٣ - أن (كتب) و (فرض) معناهما واحد، وهو الوجوب المؤكد.

стр. 651

٤ - أن الكتابة من الله تكون شرعية، وهي التي في الحديث، وتكون قدرية كونية، كقوله ﷺ لعائشة ﵂: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (١). ٥ - تأكيد وجوب الامتثال بالخبر وبالأمر، لقوله: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»، «فَحُجُّوا». ٦ - تبليغ النبي ﷺ لشرع الله. ٧ - أنه لا يجب في العمر إلا مرة. ٨ - مشروعية التطوع بالحج. ٩ - أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار. ١٠ - ذم التكلف في السؤال، كما يدل له سكوت النبي ﷺ عن الجواب حتى قالها الرجل ثلاثًا. ١١ - رحمة الله بعباده فيما شرع لهم؛ لقوله ﷺ : «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ». * * * * *

стр. 652

بَابُ المَوَاقِيْت المواقيت: جمع ميقات، وهو ما حُدَّ لفعل من الأفعال من زمان أو مكان، وأصله من الوقت وهو الزمان. والتوقيت: تعيين الوقت وتحديد الميقات، وعلى هذا فالمواقيت تكون زمانية؛ كأوقات الصلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، ومواقيت مكانية؛ وهي مواقيت الإحرام بالحج أو العمرة، وهي خمسة: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، وللحج ميقات زماني، وهو أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فلا يشرع الإحرام بحج أو عمرة قبل المواقيت المكانية ولا يشرع الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني. * * * * * (٨١٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ: الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٨١٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ (٢). (٨١٦) وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ؛ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، إِلَّا أَنَّ رَاوِيْهِ شَكَّ في رَفْعِهِ (٣).

стр. 653

(٨١٧) وفي البُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ (١). (٨١٨) وعِنْدَ أحمَدَ، وأَبِي دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ: الْعَقِيقَ (٢). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في مواقيت الإحرام بحج أو عمرة، وفي من يجب عليه الإحرام إذا مر بها. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - أن ميقات أهل المدينة الذي يهلون منه ذو الحليفة، وتسمى أبيار علي، وهي قريبة من المدينة جدًا، وتبعد عن مكة (٤٠٠) كيلًا تقريبًا. ٢ - أن ميقات أهل الشام الجحفة، وهي قرية خربة قرب رابغ، وقد عُمِرت بعد ذلك، وصار الناس يحرمون منها، وتبعد عن مكة (١٨٠) كيلًا تقريبًا. ٣ - أن ميقات أهل نجد قرن المنازل، وهو الذي يعرف الآن بالسيل، ويحرم منه كل من يأتي من الشرق، ويبعد عن مكة (٨٠) كيلًا تقريبًا. ٤ - أن ميقات أهل اليمن يلملم، ويسمى الآن السعدية، ويبعد عن مكة (٨٠) كيلًا تقريبًا. ٥ - أن ميقات أهل العراق ذات عرق، وهم أهل المشرق كما في حديث ابن عباس ﵄، وواديها هو العقيق: كان يحرم منها أهل القصيم وما قرب منه، وقد تحولت طرق أهل المشرق إلى الطريق المؤدي إلى قرن المنازل (السيل)، وتبعد ذات عرق عن مكة (١٠٠) كيلًا تقريبًا.

стр. 654

٦ - أن هذه المواقيت لا تختص بأهل هذه البلدان المذكورة بل هي لهم، ولكل من مرّ بها من غيرهم يقصد مكة؛ وهذا معنى قوله ﷺ : «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ» أي: هذه المواقيت لهذه البلدان، ولمن مرّ بهذه المواقيت من غير أهل هذه البلدان، فالضمير الأول والثالث للمواقيت، والثاني والرابع للبلدان. ٧ - أن الإحرام من هذه المواقيت إنما يجب على من مرَّ بها يريد الحج أو العمرة، لقوله ﷺ : «مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب الإحرام على كل من قصد مكة لنسك أو لغيره، فلا يدخلها إلا محرمًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واستثنوا الحطاب والبريد ونحوهما من ذوي الحاجات المتكررة، والراجح ما دل عليه الحديث. ٨ - أن من كان منزله دون هذه المواقيت من جهة مكة فيحرم من منزله، أو من أي مكان أنشأ فيه نية النسك. ٩ - أن أهل مكة يحرمون من مكة، وقد دلَّ حديث عائشة ﵂ حيث أحرمت من التنعيم للعمرة على أن أهل مكة لا يحرمون منها للعمرة؛ بل لا بد أن يخرجوا إلى الحلّ، فيكون حديث عائشة ﵂ مخصصًا لقوله في حديث ابن عباس ﵄: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». ١٠ - أن الرسول ﷺ هو الذي وقَّت ذات عرق لأهل المشرق، كما في حديث عائشة وحديث ابن عباس الثاني. ١١ - أن عمر ﵁ وقَّت ذات عرق لأهل العراق، ولعله لم يكن علم بتوقيت النبي ﷺ ، فيكون ذلك من جملة موافقاته للوحي ﵁. ١٢ - في الأحاديث علم من أعلام نبوته ﷺ حيث وقَّت لبلدان لم تفتح يومئذ: الشام والعراق.

стр. 655

١٣ - أن من تجاوز الميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة فإنه يحرم من المكان الذي نوى فيه النسك إلا أن يدخل الحرم فلا يحرم في الحرم بل يعود إلى الحل. ١٤ - أن من كان طريقه إلى مكة لا ميقات فيه، فإنه يحرم إذا حاذى أقرب ميقات إلى طريقه. ١٥ - أن هذه المواقيت لكل من مرَّ بهن أو حاذاهن برًّا أو بحرًا أو جوًّا. * * * * *

стр. 656

بَابُ وُجُوهِ الإِحْرَامِ، وَصِفَتِهِ * * * المراد بوجوه الإحرام: أنواع النسك، وهي ثلاثة: القران والإفراد والتمتع، فالمار بالميقات في أشهر الحج يخير بين هذه الأنساك الثلاثة. والمراد بالإحرام: نية الدخول في النسك، فمن نوى الدخول في النسك فإنه يلبي فيصير محرمًا، كما يدخل المصلي في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وليس كما يظن الجهال؛ أن الإحرام لبس الإزار والرداء، بل الاغتسال ولبس الإزار والرداء ما هو إلا استعداد لعقد نية النسك. وسمي الدخول في النسك إحرامًا؛ لأنه يتضمن الدخول في تحريم المحرمات في الإحرام، وهي المحظورات التسعة التي ذكرها الفقهاء، وهي: ١ - لبس المخيط، والمراد بلبس المخيط؛ لبس الثياب المعتادة كالقميص ونحوه، والسراويل ونحوه، والخفين والجوربين. ٢ - تغطية الرأس، وهذان خاصان بالذكر. ٣ - الطيب. ٤ - حلق الشعر أو قصه من الرأس أو سائر البدن. ٥ - تقليم الأظفار. ٦ - قتل الصيد. ٧ - عقد النكاح. ٨ - الجماع. ٩ - المباشرة. ولا يفسد الحج منها إلا الجماع قبل التحلل الأول. * * * * *

стр. 657

(٨١٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في أنواع النسك، فالإحرام بالحج إفراد، وبالحج والعمرة قران، وبالعمرة ثم التحلل منها ثم الإحرام بالحج هو التمتع. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - تخيير من أراد الحج بين الأنساك الثلاثة. ٢ - أن الصحابة في حجة الوداع كان منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع، ولكنهم بعد قدوم مكة أُمروا كلهم بالتمتع إلا من ساق الهدي. ٣ - أن الرسول ﷺ أحرم بالحج، وقد جاءت روايات كثيرة صحيحة تدل على أنه ﷺ كان قارنًا، فوجب تأويل قول عائشة ﵂: «وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ» يعني أنه أفرد أعمال الحج؛ لأن أعمال القارن كأعمال المفرد لا فرق. ٤ - أن من أهل بعمرة فإنه إذا طاف وسعى وقصر حلَّ، وهذا شأن المتمتع. ٥ - أن من أهل بحج أو بحج وعمرة لا يتحلل، وهذا لا يصح بإطلاق، فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن من أهل بحج أو عمرة وليس معه هدي، فقد أمروا أنهم إذا طافوا وسعوا أن يتحللوا من إحرامهم بعد الطواف والسعي، وأن يجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل حتى ينحر هديه بمنى. ويسمى هذا التحلل عند الفقهاء فسخ الحج إلى العمرة، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقيل: يجب الفسخ على من كان أحرم بحج أو حج وعمرة، وقيل: يستحب، وقيل: يحرم، وأقربها -والله أعلم- هو القول باستحباب الفسخ.

стр. 658

(٨٢٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٨٢١) وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ ﵁، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلالِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ (٢). (٨٢٢) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسَّنَهُ (٣). * * * هذه الأحاديث اشتملت على صفة الإحرام القولية والفعلية. وفي هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - أن النبي ﷺ أهلَّ من عند مسجد ذي الحليفة، ويعرف بمسجد الشجرة، ولعل هذا المسجد بني وعُرف بعد النبي ﷺ ، واختلفت الروايات في وقت إهلال النبي ﷺ ومكانه، والمراد بالإهلال: رفع الصوت بالتلبية، فروي أنه أهلَّ بعد ما صلَّى، وروي أنه بعد ما استقلت به راحلته على البيداء. وجاء عن ابن عباس ﵄؛ أن هذا كله حصل، وأن كلًا ذكر ما حضره وسمعه. وبذا يحصل الجمع بين الروايات. ٢ - أن جبريل هو الذي يأتي بالوحي، ويبلغ به النبي ﷺ . ٣ - مشروعية التلبية للمحرم بحج أو عمرة.

стр. 659

٤ - وجوب رفع الصوت بها من الرجال لنزول الوحي بذلك. ٥ - استحباب التجرد والاغتسال للإحرام، والتجرد عمّا يحرم على المُحْرِم من اللباس مستحب قبل الإحرام، ويجب بعد الإحرام. * * * * * (٨٢٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل فيما يحرم على المحرم من اللباس. وفيه فوائد، منها: ١ - سؤال الصحابة النبي ﷺ عن الأحكام. ٢ - مشروعية السؤال عن أحكام الدين، وذلك من التفقه في الدين، وفي الحديث: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢). ٣ - عدول المفتي في الجواب عن مطابقة السؤال إذا رأى المصلحة في ذلك، وهو ما يسمى في البلاغة: الأسلوب الحكيم، فقد سأل السائل عمّا يلبس المحرم، فأجيب عن بيان ما لا يلبس، والسر في ذلك أن ما لا يلبس محصور بما ذكر، وما عداه فعلى أصل الإباحة. ٤ - تحريم القميص ونحوه على المحرم.

стр. 660

٥ - تحريم العمامة على المحرم. ٦ - تحريم السراويلات، جمع سراويل، وهو معروف. ٧ - تحريم البُرْنُس، وهو لباس يستر جميع البدن، وله طرف يُغطى به الرأس. ٨ - تحريم لبس النقاب، وهو ما يخاط على قدر الوجه، وقال بعض الفقهاء: يحرم على المحرمة تغطية وجهها بأي ساتر، لكن إذا حضرها رجال أجانب أو مروا بها سدلت خمارها على وجهها، كما جاء في حديث عائشة ﵂: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا» (١). ٩ - تحريم لبس الخفين. ١٠ - جواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين بشرط قطعهما أسفل من الكعبين، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقيل: يشترط، لهذا الحديث، وقيل: لا يشترط، لحديث ابن عباس ﵄؛ وهو أن النبي ﷺ خطب بعرفة وقال: «وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن» (٢). فمن لم يشترط القطع يجعل حديث ابن عباس ﵄ ناسخًا لحديث ابن عمر ﵄، ومن اشترط القطع حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر من باب حمل المطلق على المقيد جمعًا بين الدليلين. ١١ - يسر الشريعة، لقوله ﷺ : «مَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ» (٣).

стр. 661

١٢ - تحريم لبس القفازين على المحرمة، والرجل في ذلك من باب أولى. ١٣ - تحريم ما مسه الزعفران أو الورس، وهما نوعان من الطيب على ما ذكره الشراح. ١٤ - تحريم الطيب على المحرم. ١٥ - حسن تعليم الرسول ﷺ . * * * * * (٨٢٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في استحباب الطيب لمريد الإحرام قبل أن يحرم، وعند التحلل الأول في الحج. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - استحباب الطيب لمريد الإحرام. ٢ - استحباب الطيب للحاج بعد التحلل الأول. ٣ - فضيلة عائشة ﵂ لتولي ذلك من شأن رسول الله ﷺ . ٤ - محبة الرسول ﷺ للطيب. ٥ - جواز استدامة المحرم للطيب، إذ لا معنى أن يتطيب قبل الإحرام ثم يغسله، وقد جاء التصريح بما يدل على ذلك في حديث عائشة ﵂ قالت: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٢)، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى جواز استدامة المحرم للطيب دون

стр. 662

ابتدائه وهو الصواب، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث المحرمة للطيب على المحرم، والدالة على إباحته. ٦ - أن (كان) في مثل هذا السياق لا تفيد الاستمرار، فإن ذلك إنما وقع مرة واحدة في حجة الوداع، وهذا الذي عليه جمهور العلماء أن (كان) لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وهي للمرة الواحدة، فإن دل دليل على التكرار عمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها، قاله النووي واستشهد بهذا الحديث على ذلك (١). ٧ - أن للحج تحلُّلين؛ أصغر، وهو الأول، ويكون بعد الرمي والحلق أو التقصير، وتحل به كل المحظورات إلا النساء، وأكبر، ويكون بعد الطواف، ويحل به كل ما حرم على المحرم. * * * * * (٨٢٥) وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، وَلا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذا الحديث هو الأصل في تحريم عقد النكاح على المحرم. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم عقد النكاح على المحرم زوجًا كان أو وليًا. ٢ - تحريم عقد النكاح على المحرمة. ٣ - تحريم الخطبة على المحرم. ٤ - تحريم الجماع ودواعيه على المحرم. ٥ - تحريم توكيل المحرم في عقد النكاح. ٦ - تحريم التَّوكل عن المحرم في عقد النكاح. * * * * *

стр. 663

(٨٢٦) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا مُحْرِمِينَ-: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٨٢٧) وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في حكم صيد الحلال بالنسبة للمحرم. وفي الحديث الأول فوائد، منها: ١ - حل صيد الحلال للمحرم، لقوله ﷺ : «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» ويشكل على هذا رد النبي ﷺ حمار الوحش على الصعب بن جثامة وقوله: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»، وجُمع بين الحديثين بأن ما صاده الحلال لنفسه حلال للمحرم، وما صاده من أجل المحرم فهو حرام عليه، وحمل على هذا المعنى حديث الصعب ﵁. ٢ - حل حمار الوحش. ٣ - تحريم صيده على المحرم. ٤ - جواز الاصطياد. ٥ - تحريم قتل الصيد على المحرم والإعانة عليه. ٦ - أن الوسائل لها أحكام الغايات. ٧ - تحريم صيد المحرم على الحلال، لأنه بقتله يصير ميتة.

стр. 664

٨ - تحريم تنبيه المحرم الحلال للصيد. ٩ - أن أبا قتادة ﵁ صيَّاد. ١٠ - جواز الصيد بالرمح. ١١ - أن من لم يمر بالميقات يحرم من مكانه. ١٢ - استفصال المفتي من السائل. ١٣ - جواز قول (لا) للمستفهم وجواز الاقتصار عليها في الجواب. ١٤ - جواز الهدية من لحم الصيد. ١٥ - أن الأمر يأتي للإباحة. ١٦ - جواز ادخار اللحم. ١٧ - السؤال عمَّا اشتبه حكمه، وإن كان قد استُبيح، لتأكيد الاستباحة. وفي حديث الصعب ﵁ فوائد، منها: ١ - حل حمار الوحش. ٢ - إكرام الصحابة ﵃ للنبي ﷺ بالإهداء إليه. ٣ - حسن خلقه ﷺ لاعتذاره عن رد الهدية. ٤ - أن الصعب ﵁ صاد الحمار وهو حلال من أجل النبي ﷺ ، لذلك رده النبي ﷺ . ٥ - أن ما أهداه الصعب ﵁ هو بعض الحمار، كما تقتضيه أكثر الروايات، وأما قوله في هذه الرواية: «حِمَارًا وَحْشِيًّا» ففيه نوع تجوز. ٦ - جواز أن يذكر الإنسان نفسه بصيغة الجمع، ولا يلزم، أن يكون معظمًا لنفسه، وقد تكون صيغة الجمع في هذا الحديث باعتبار أن معه ﷺ أصحابه ﵃. ٧ - أن المحرم يقال: إنه حرام، والجماعة: حُرُم.

стр. 665

٨ - أن الصعب ﵁ صياد. ٩ - كثرة حمر الوحش في الجزيرة. * * * * * (٨٢٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في قتل المؤذيات بطبعها أو صيالها. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - حكمة الشريعة، وذلك في التفريق بين المختلفات والتسوية بين المتماثلات. ٢ - تعليل الأحكام. ٣ - علة حل قتل هذه المذكورات في الحل والحرم، وهو فسقهن، وهو خروج طبعهن عن سائر الحيوانات المسالمة. ٤ - تغليب الدواب في المذكورات على ما يطير منهن. ٥ - أن (كُلًّا) إذا أضيفت إلى جمع أو ضمير جمع فيجوز مراعاة لفظها أو معناها، وقد جاء «كُلُّهُنَّ فَوَاسِق» وهنا «فَاسِقٌ». ٦ - الندب إلى قتل هذه الفواسق. ٧ - إباحة قتلهن في الحرم، وقتلهن للمحرم. ٨ - أنه لا مفهوم للعدد.

стр. 666

٩ - أن الكلب الذي يُندب إلى قتله هو العقور، وهو الذي ينهش الناس، بخلاف غيره. ١٠ - أن كل ما يؤذي يباح قتله، لأن الحكم يدور مع علته. ١١ - أن ما لا يؤذي لا يباح قتله تحريمًا أو كراهة. وما أبيح قتله من البهائم والصيد يقتل للأكل، لا لغيره. * * * * * (٨٢٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - جواز التداوي بالحجامة. ٢ - جواز الحجامة للمحرم، ولو أدى ذلك إلى حلق بعض شعر الرأس، يدل لذلك ما ورد أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه (٢)، واختلف العلماء في وجوب الفدية على من احتاج إلى ذلك، والأظهر وجوب الفدية؛ لأنه حكم دل عليه القرآن والسنة في حديث كعب (٣)، وهو نص لا يتطرق إليه احتمال، وحديث ابن عباس ليس نصًّا في حكم المسألة، وإذا تعارض نصٌّ وظاهر قُدِّم النصُّ؛ لعدم تطرق الاحتمال إليه. ٣ - جواز التداوي، ولو كان الإنسان محرمًا. ٤ - أن النبي ﷺ تعرض له العوارض البشرية كالصداع والحمى ونحوهما. * * * * *

стр. 667

(٨٣٠) وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل من السنة على وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه، وقصة كعب هذه هي سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - ذكر سبب نزول الآية. ٢ - وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه، ولو لعذر من حاجة وضرورة، وتسمى هذه الفدية عند العلماء فدية الأذى، أخذًا من قوله تعالى: ﴿أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ﴾. ٣ - أن فدية الأذى على التخيير بين الثلاثة المذكورة في الآية والحديث: الصيام، والصدقة، والنسك. ٤ - بيان السنة للقرآن. ٥ - بيان مقدار الصوم، وهو ثلاثة أيام. ٦ - بيان مقدار الصدقة، وهو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. ٧ - أنه يجزئ في فدية الأذى ذبح شاة، وما قام مقامها من سبع بدنة أو سبع بقرة. ٨ - أن النسك أفضل الثلاثة؛ لأنها تتضمن التقرب بالذبح وبالصدقة باللحم.

стр. 668

٩ - جواز حلق المحرم لشعره إذا اضطر إلى ذلك. ١٠ - مواساة النبي ﷺ لكعب ﵁ على وجعه. ١١ - قياس كل ما كان فيه ترفُّهٌ من المحظورات على حلق الشعر في وجوب الفدية كالطيب وتقليم الأظفار. ١٢ - أن من حالات الأذى تراكم الوسخ تحت الشعر؛ مما يسبب كثرة القمل، وأنجع سبب لإزالة هذا الأذى حلق الشعر. ١٣ - جواز قتل المحرم للقمل؛ أما قتله تبعًا فبالإجماع لهذا الحديث، وأما قتله ابتداء بالفَلْي فكرهه بعض العلماء، أو حرموه، ولم يذكروا على ذلك دليلًا إلا أن ذلك من الترفه، أو ما يخشى من سقوط الشعر، والصواب إباحة قتله؛ لأنه مؤذ، وما ذكروه من التعليل عليل. * * * * * (٨٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٨٣٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).

стр. 669

(٨٣٣) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في تحريم مكة والمدينة، ولا حرم من الأرض سواهما. وفيها فوائد، منها: ١ - أن السنة افتتاح الخطب بحمد الله والثناء عليه. ٢ - الاكتفاء في الخطبة بالحمد والثناء على الله؛ فلا يلزم ذكر الصلاة على النبي ﷺ . ٣ - أن مكة والمدينة حرم، ومعناه: أنه يحرم فيهما ما لا يحرم في غيرهما، ويقتضي ذلك فضلهما على سائر البلاد، ومن المحرمات تحريم ابتداء القتال في حرم مكة ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]. ٤ - أن من آثار حرمة مكة وحرمة البيت أن حبس الله عنها الفيل، وأهلك أصحاب الفيل. ٥ - أن القتال في مكة عام الفتح كان بإذن من الله، وبذلك سلط الله الرسول ﷺ والمؤمنين على الكافرين، وإذنه تعالى بذلك القتال إذن شرعي وكوني. ٦ - أن الله خالق أفعال العباد والحيوان، لقوله: «وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ»، و «حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ». ٧ - أن تحريم مكة منذ خلق الله السماوات والأرض، فلم تزل حرمًا. ٨ - الرخصة للنبي ﷺ في ابتداء القتال فيها ساعة إحلالها لقوله ﷺ : «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ».

стр. 670

٩ - أن حل القتال في مكة من خصائص النبي ﷺ في تلك الساعة، فهو حكم خاص مؤقت؛ فليس لأحد أن يحتج بفعله ﷺ ، ولذا قال ﷺ : «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» (١). ١٠ - تحريم تنفير الصيد في حرم مكة، ومن باب أولى تحريم قتله. ١١ - تحريم قطع شجره، واختلاء شوكه وحشيشه. ١٢ - تحريم التقاط لقطته إلا من يريد تعريفها، فلا تملك. ١٣ - أن من قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ أي: يخيَّر بين القصاص والعفو إلى الدية أو مجانًا. ١٤ - أن القصاص ليس حدًّا محتمًا؛ لأنه حق ولي المقتول. ١٥ - جواز القصاص وإقامة الحدود بمكة على من ارتكب المعصية فيها. ١٦ - جواز طلب الرخصة من النبي ﷺ وذكر الداعي إلى ذلك لقول العباس ﵁ عم النبي ﷺ : «إِلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا»، والإذخر: نوع من الحشيش طيب الرائحة، كانوا يجعلونه في القبور فوق اللبن؛ يمنع دخول التراب، وفي السقف فوق الجريد كذلك؛ يمنع نزول الطين. ١٧ - جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، لقوله ﷺ وهو في مقامه: «إِلَّا الإِذْخِرَ». ١٨ - إباحة قطع الإذخر. ١٩ - أن إبراهيم ﵇ حرم مكة؛ أي: أظهر تحريمها، وبلَّغه. ٢٠ - حرمة البيت عند الله، وعظم شأنه، ومن ذلك أن جعل له حمى؛ جعله حرمًا.
следующие страницы →