← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

في الحديث فوائد، منها: ١ - أن السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء. ٢ - فضل التمر على غيره من الأطعمة والثمار. ٣ - فيه شاهد لحديث: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (١)، فمن لم يجد العجوة أجزأه أي تمر. ٤ - فضل الماء على سائر الأشربة، فإنه يُروي ويُنقي. كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : «فَإِنَّهُ طَهُورٌ». ٥ - أن السنة للصائم أن يفطر بما تيسر له من الطعام أو الشراب، ولا يكتفي بمجرد نية الإفطار. ٦ - فيه شاهد لما يسمى بالإعجاز العلمي، حيث من المقرر عند الأطباء أن الأولى للصائم أن يبدأ بتناول ما هو حلو من السكريات. * * * * * (٧٥٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُّكُمْ». كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * المراد بالوصال: وصل اليومين فأكثر دون إفطار.

стр. 597

وفي الحديث فوائد، منها: ١ - النهي عن الوصال في الصيام. ٢ - أن النهي للكراهة لا للتحريم؛ لأنه ﷺ واصل بهم. ٣ - بيان الحكمة من النهي عن الوصال؛ وهو رفع ما فيه من الحرج والمشقة. ٤ - أن من مقاصد الشريعة التيسير كما قال تعالى في آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٥ - أن الأصل أن النبي ﷺ أسوة لأمته في أفعاله، لقولهم: «فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ» أي نحن نأتسي بك. ٦ - التعليم بالفعل وبيان حكمة التشريع. ٧ - بيان الفارق بينه ﷺ وبين أصحابه في حكم الوصال؛ وهو أنه ﷺ يعان عليه بما يفتح الله عليه من المعارف الإلهية والمعاني الإيمانية التي يقوى به قلبه ونفسه وبدنه فتقوم مقام الطعام والشراب الحسيين. ٨ - أن هذه الأحوال من آثار قربه ﷺ من ربه. ٩ - حرص الصحابة ﵃ على الخير. ١٠ - أن الخير في موافقة الأمر. ١١ - أن العبادة مبناها على الاتباع. ١٢ - أن الفرح والسرور تقوى بهما النفس، وتستغني بهما عن الطعام والشراب بعض الوقت، وأكمل ذلك الفرح والسرور بمناجاة الله، ولنبينا ﷺ أكمل ذلك وأفضله.

стр. 598

١٣ - التعبير عن الشيء بما يقوم مقامه، ويُستغنى به عنه لقوله: «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فالإطعام والسقي المذكوران في الحديث ليس المراد منهما الطعام والشراب الحسيين المعهودين كما في قول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقد يقال: إن قول إبراهيم يعم النوعين. والله أعلم. ١٤ - جواز الوصال الذي لا حرج فيه، كالوصال إلى السحر، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» (١). ١٥ - أن التعزيرات على المخالفات في الشرع لا تتعين بنوع من العقوبات، ووجه ذلك؛ أن النبي ﷺ عاقب من أصر على طلب الوصال بأن واصل بهم أيامًا؛ ليذوقوا ما في الوصال من العنت، كما يشهد لذلك قول الراوي: «كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ»، وقد يقال: إن هذا تعليم لا تعزير. والله أعلم. ١٦ - جواز قول «لَوْ» في الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي من فعل العبد على سببه، وأما (لو) التي جاء النهي عنها فهي الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي ليس من فعل العبد على فعله فإن ذلك يتضمن التحسر والرجم بالغيب بخلاف ما يعلم العبد فيه ترتب المسبَّب على سببه مثل قوله: «لو أطاعوا الله ما عاقبهم»، فإنه إخبار صحيح. ١٧ - اختصاص النبي ﷺ ببعض الأحكام؛ كجواز الوصال. ١٨ - بيان سبب هذا الاختصاص، وهو ما يعوضه الله به عن الطعام والشراب. * * * * *

стр. 599

(٧٥٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ (١). * * * الحاجة: الإرادة. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - أن تحريم المحرمات على الصائم آكد من تحريم المفطرات، فاجتنابها عليه أوجب من اجتناب المفطرات. ٢ - أن الصائم إذا لم يدع ما حرم الله من الزور القولي والعملي فقد يبطل صيامه، أو يُحرم ثوابه، أو ينقص. ٣ - أن الله إنما يريد من العبد الصيام عن الطعام والشراب مع الصيام عمَّا حرم من الزور قولًا وفعلًا. ٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢)، فإن من صام على هذا الوجه لا بد أن يجتنب المحرمات في جميع الأوقات. ٥ - في الحديث شبهة لابن حزم في بطلان الصيام بالمعاصي (٣). ٦ - فيه التعبير عن الإرادة بالحاجة، فهو من التعبير بالمُسبَّب عن السَّبب، فهي من قبيل المجاز المرسل.

стр. 600

٧ - إثبات الحكمة في مشروعية الصوم، وهي تحقيق التقوى، ففيه شاهد لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. ٨ - تعليل الأحكام الشرعية. والله أعلم. * * * * * (٧٥٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ. (٧٥٧) وزَادَ في رِوَايَةٍ: «فِي رَمَضَانَ» (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن مقدمة الجماع كالتقبيل والمباشرة لا تحرم على الصائم، وإنما يحرم الجماع، وهذا بخلاف الإحرام؛ فإنه يحرم فيه الوطء ومقدماته، وهذا مع الأمن من غلبة الشهوة المفضية إلى ما يفسد الصوم، أو مبالغة في المباشرة والتقبيل تفضي إلى الإنزال، كما نبهت إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بقولها: «وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». ٢ - أن من علم أنه لا يملك شهوته حَرُمت عليه المباشرة والتقبيل، فإن ذلك من الرفث الذي أحله الله ليلة الصيام إلى تبيّن الفجر، فوجب الإمساك عنه إلى الليل، ولكن دلّت السنة على جوازه بشرطه المتقدم. ٣ - أن المذي لا يفسد الصوم، لأنه ينشأ عن المباشرة والتقبيل غالبًا ولا يحصل به قضاء الشهوة بخلاف الإنزال. ومن العلماء من قال: إن المذي الناشئ عن المباشرة أو التقبيل يفسد الصوم، والصحيح الأول.

стр. 601

٤ - ثبوت خصائص البشرية للنبي ﷺ التي منها الاستمتاع بالنساء. ٥ - كمال مِلْكه ﷺ للدواعي البشرية؛ كالشهوة والغضب فلا تغلبه، بخلاف غيره ﷺ . ٦ - التيسير على الصائم بهذه الرخصة، فيدخل في قوله تعالى -في آيات الصيام -: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٧ - فضيلة عائشة ﵂ بنقلها الأحكام من هدي النبي ﷺ حتى فيما يُستحيا من ذكره، لتعلقه بها. * * * * * (٧٥٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٧٥٩) وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». رواه الخمسة إلا التِّرْمِذِيَّ، وصحَّحَهُ أحمَدُ، وابْنُ خُزيمَةَ، وابْنُ حِبَّانَ (٢). (٧٦٠) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَت الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَقَوَّاه (٣). * * *

стр. 602

في هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - جواز الحجامة. ٢ - التداوي بالحجامة. ٣ - جواز الحجامة للمحرم، وإن ترتب عليها حلق بعض الشعر من الرأس أو غيره، لكن هل عليه فدية لذلك؟ الأظهر؛ أن عليه الفدية لحديث كعب بن عجرة ﵁، والله أعلم، والسكوت عنها في حديث ابن عباس ﵄ لا يدل على نفيها. ٤ - تداوي النبي ﷺ بالحجامة. ٥ - جواز الحجامة للصائم، فإن كان تطوعًا جاز مطلقًا مع مرض أو دونه. وفي حديث ابن عباس ﵄: ٦ - أن الحجامة لا تفطر الصائم على قول بعض أهل العلم. وفي حديث شداد ﵁: ٧ - الفطر بالحجامة للحاجم والمحجوم، وفي التفطير بالحجامة نزاع، وكذلك في دلالة الحديث على التفطير، والصواب أنه دال على التفطير بالحجامة، لكن قيل: إنه منسوخ لحديث أنس ﵁، والجمهور على عدم الفطر بالحجامة، فمنهم من تأول الحديث، ومنهم من قال بالنسخ، والذين قالوا بظاهر الحديث -وهو الفطر بالحجامة- رجحوه لكثرة رواته وصراحة دلالته، بخلاف ما عورض به. وكل من القولين قويٌّ؛ والقول بالتفطير أقواهما، وهو مذهب أكابر الصحابة؛ كعلي وابن عمر وأبي موسى الأشعري ﵃، ومذهب الإمام أحمد وجمع من أئمة الحديث؛ كإسحاق ابن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر والأوزاعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله (١)، وأجابوا عن

стр. 603

حديث ابن عباس ﵄؛ بأنَّ ذكر الصوم فيه غير محفوظ، وعلى تقدير ثبوت الرواية فإنه يحتمل أمورًا: ١ - أن يكون الصوم تطوعًا. ٢ - أو أن يكون ﷺ احتجم لعذر يبيح الفطر. ٣ - أو يكون قبل حكم الفطر بالحجامة فيكون منسوخًا. وقد بسط ابن القيم الكلام في الفطر بالحجامة في تهذيب السنن. والفصد والشرط للعلاج أو للتبرع بالدم حكمهما حكم الحجامة على الصحيح. والله أعلم. * * * * * (٧٦١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (١). قَالَ التِّرْمِذِيُ (٢): «لا يَصِحُّ فِيْهِ شَيْءٌ». * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - جواز الاكتحال للصائم. ٢ - أن الكحل لا يفسد الصوم، وهذا هو الصحيح، ولا يعارض ما جاء في حديث الاكتحال بالإثمد من قوله: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (٣)، فإنه حديث أنكره الأئمة. وأما هذا الحديث -حديث عائشة ﵂ وإن كان ضعيفًا فمعناه موافق للبراءة الأصلية، وليست العهدة عليه، بل على البراءة الأصلية. والله أعلم. * * * * *

стр. 604

(٧٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٧٦٣) ولِلْحَاكِمِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ» (٢). وهُوَ صَحِيْحٌ. * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم الأكل والشرب على الصائم، وأن من أكل أو شرب متعمدًا وهو صائم فسد صومه. ٢ - أن من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم لم يفسد صومه، لقوله: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». ٣ - أن ما يأكله الصائم أو يشربه ناسيًا رزق رزقه الله إياه ينتفع به ولا يضر صومه. ٤ - أن من أفطر في رمضان ناسيًا بأي مفطِّر فصيامه صحيح، فيدخل في ذلك الجماع. وهذا على رواية الحاكم. ٥ - أن من أفطر ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة. ٦ - أن معنى «أَفْطَرَ»: تعاطى ما يفسُد به الصوم في الأصل، وإن لم يفسُد صومه لنسيانه، فهو من التعبير بالمسبَّب عن السبب، وبهذا يظهر الفرق بين «أَفْطَرَ» في هذا الحديث و «أَفْطَرَ» في حديث: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٣). * * * * *

стр. 605

(٧٦٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١). * * * هذا الحديث اختلف في صحته والاحتجاج به، والأكثر على التصحيح. وفيه فوائد، منها: ١ - صحة صيام من ذرعه القيء أي: غلبه، بدليل قوله: «فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ» لأنه كالمكره. ٢ - فساد الصوم بالاستقاء، وهو استدعاء القيء، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٢). ٣ - وجوب القضاء على من استقاء عالمًا عامدًا مختارًا، لا جاهلًا ولا ناسيًا ولا مكرهًا. ٤ - لا يجوز الاستقاء في صيام الفرض إلا لضرورة. ٥ - أن الاستقاء من المفطرات. * * * * * (٧٦٥) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». وَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ

стр. 606

قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٧٦٦) وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٧٦٧) وأَصْلُهُ فِي (الْمُتَّفَقِ) (٣) مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂؛ أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَل. * * * في هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - جواز الغزو في رمضان. ٢ - أن فتح مكة كان في رمضان. ٣ - جواز الصوم في السفر. ٤ - أن الفطر رخصة وليس بواجب. ٥ - أن الصوم في السفر أفضل ما لم يشق، أو تفوت به مصلحة راجحة. ٦ - أن النبي ﷺ أسوة لأمته في فعله وتركه. ٧ - اقتداء الصحابة ﵃ به ﷺ وحرصهم على موافقته. ٨ - رفقه وشفقته على أمته ﷺ . ٩ - أنه يجوز للمسافر إذا صام أن يفطر في أثناء النهار، فلا يجب عليه الصوم بالشروع.

стр. 607

١٠ - أن تعمد المخالفة لسنة رسول الله ﷺ -ولو طلبًا للفضل- معصية. ١١ - إظهار العالم الفعلَ ليُقتدى به. ١٢ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، فلم يعلم مشقة الصوم على الناس إلا حين أخبروه. ١٣ - التعليم بالفعل. ١٤ - أن الأصل أن المسافر مخيّر بين الصوم والفطر، وأما الأفضل منهما فيختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ولا تعارض بين هذه الفائدة والفائدة ذات الرقم (٥)؛ فتلك بيانٌ للأصل في حكم الصوم في السفر، وهذه بيانٌ للأفضل منهما. ١٥ - فضيلة حمزة بن عمرو ﵁، وحرصه على الخير. ١٦ - استحباب الأخذ برخص الله. ١٧ - فضل الله على عباده بتيسير شرعه. والله أعلم. * * * * * (٧٦٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - جواز الفطر في رمضان للشيخ الكبير إذا شق عليه الصوم، ومثله المرأة الكبيرة، كما جاء في رواية (٢)، وفي حكمهما المريض الذي لا يرجى برؤه.

стр. 608

٢ - أنه لا قضاء عليهما. ٣ - أنهما يطعمان عن كل يوم مسكينًا كما كان هذا الحكم في أول تشريع الصيام عامًّا لكل أحد، وذلك في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ٤ - اليسر في أحكام هذه الشريعة، وفي الصوم بخاصة كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٥ - أن هذه الرخصة للشيخ والشيخة كانت بعد تحتم الصوم ونسخ التخيير. ٦ - أنه لا يجزئ دفع القيمة في الكفارة بل يتعين الإطعام، والإطعام المذكور مطلق كما في سائر الكفارات، فيشمل تقديم الطعام وتمليكه، وأقله وجبة عشاء أو غداء. * * * * * (٧٦٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * *

стр. 609

في الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم الجماع على الصائم في نهار رمضان، وهو أحد المفطرات المذكورة في القرآن: الأكل، والشرب، والجماع. ٢ - فضل ذلك الرجل حيث جاء إلى النبي ﷺ متذمرًا من فعلته، مستفتيًا، طالبًا للمخرج من ذنبه. ٣ - أن ما حصل منه كان عمدًا، حيث لم يعتذر بجهل ولا نسيان. ٤ - أنه جاء تائبًا. ٥ - أن التوبة من الجماع في رمضان لا تُسقط الكفّارة. ٦ - وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم. ٧ - أن كفارة الجماع في نهار رمضان أحد ثلاثة أمور مرتبة: أولًا: عتق رقبة. ثانيًا: فإن لم تكن فصيام شهرين متتابعين. ثالثًا: فمن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا. ٨ - أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن هذه الثلاثة، بدليل أن النبي ﷺ أمره أن يتصدق بالتمر الذي جيء به. ٩ - إعانة من وجبت عليه الكفارة من بيت المال. ١٠ - حسن خلقه ﷺ ، حيث لم يوبخ الرجل، وصدَّقه في خبره عن نفسه؛ أنه لا يستطيع وأنه فقير. ١١ - جواز الضحك عند وجود سببه. ١٢ - أن نفقة العيال مقدمة على الكفارات. ١٣ - أن قصة هذا الرجل من العجائب؛ حيث جاء طالبًا للخلاص من ذنبه، ثم صار يطالب بالصدقة لنفسه.

стр. 610

١٤ - أن من أفطر متعمدًا بجماع أو غيره لا يجب عليه القضاء، فإن النبي ﷺ -في الروايات الصحيحة- لم يأمره بالقضاء، فتكفيه التوبة، وجمهور العلماء على وجوب القضاء، وقد جاء في رواية: «وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» (١)، فأما من لم يتب فلا ينفعه القضاء، ولا الكفارة في سقوط الإثم. ١٥ - وجوب التتابع في صوم الشهرين. ١٦ - أنه إذا كَفَّرَ بالصيام فيصوم ستين يومًا إلا أن يصوم في أول الشهر ويثبت عنده نقصانه. ١٧ - أنه لا يجزئ عن الإطعام بذل القيمة. * * * * * (٧٧٠) وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زاد مسلم في حديث أم سلمة: وَلا يَقْضِي (٢). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - حل الجماع في ليل صيام رمضان، كما جاء في رواية عن عائشة ﵂: «كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» (٣)، وقد نص عليه الله في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، الآية، فدليله الكتاب والسنة والإجماع. ٢ - جواز تأخير الغسل من الجنابة إلى ما بعد طلوع الفجر. ٣ - صحة صيام من أصبح جنبًا وهو مذهب جمهور العلماء، وقد استُدل على ذلك من القرآن بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى

стр. 611

نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجهه أن حل الجماع إلى تبيُّن الفجر يستلزم أن يصبح الصائم جنبًا، ولا يعارَض هذا الحكم بفتوى أبي هريرة ﵁ أو بروايته؛ أن من أصبح جنبًا فسد صومه، فقد استفاض عنه؛ أنه رجع عن فتواه، وهذا يقتضي أن روايته المرفوعة غير محفوظة، كما بين ذلك الحافظ ﵀ (١). ٤ - أن تأخير الغسل وإصباح الصائم على جنابة لا كراهة فيه ولا نقص لوقوعه من الرسول ﷺ . ٥ - أن الرسول ﷺ بشر؛ تقع منه الأحوال البشرية الطبيعية؛ من النكاح ودواعيه، ولا ينافي ذلك منزلة النبوة. ٦ - اليسر في شرائع الإسلام وفي أحكام الصيام، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٧ - أن الاحتلام وإن أوجب غسلًا لا يفسد الصيام. ٨ - فضيلة عائشة وأم سلمة ﵄، حيث نقلتا ما يتعلق بهن مما يُستحيا منه، تبليغًا للعلم وبيانًا للحكم. * * * * * (٧٧١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - جواز الصوم عن الميت في الجملة.

стр. 612

٢ - مشروعية صوم القريب عن قريبه الصومَ الواجب؛ من قضاء وكفارة ونذر، وخص الإمام أحمد وجماعة ذلك بالنذر، وظاهر الحديث العموم. ٣ - أن القرابة تقتضي حقًا للقريب على قريبه. ٤ - أن الصوم الواجب لا يسقط بالموت. ٥ - أمر الولي بالصوم عن قريبه وجوبًا أو استحبابًا لقوله: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فهو خبر بمعنى الطلب؛ أي: ليصم، والجمهور على الاستحباب. ٦ - مشروعية قضاء الدين عن الميت من ماله وجوبًا، ومن غير ماله استحبابًا. * * * * *

стр. 613

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ (٧٧٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل يوم عرفة. ٢ - فضل صيامه. ٣ - فضل يوم عاشوراء. ٤ - فضل صيامه. ٥ - فضل يوم الاثنين. ٦ - فضل اليوم الذي ولد فيه الرسول ﷺ ، ولا يلزم من ذلك تخصيصه بعبادة ولا احتفال. ٧ - فضل اليوم الذي بُعث فيه الرسول ﷺ وأنزل عليه فيه القرآن، ويحتمل أن يكون التفضيل خاصًا بعين ذلك اليوم الذي حصلت فيه هذه النعم. ٨ - أن يوم عرفة أفضل من يوم عاشوراء. ٩ - أن من أسباب تفاضل الأعمال تفاضلَ الزمان. ١٠ - أن من مكفرات الذنوب الأعمال الصالحة، سواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا التكفير يختص بالصغائر. ١١ - السؤال عن فضائل الأعمال.

стр. 614

١٢ - أن أثر السبب قد يكون سابقًا، وقد يكون متأخرًا عنه. ١٣ - أن الأسباب قد تتوارد على مسبَّب واحد، فقد يستقل به الأول، وقد يقوِّي بعضها بعضًا. * * * * * (٧٧٣) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - مشروعية صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان. ٢ - فضل صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان، وأنه يعدل صيام الدهر. ٣ - عظم فضل الله على عباده بمضاعفة حسناتهم. ٤ - أن الأفضل المبادرة بصيامها بعد عيد الفطر، لقوله: «أَتْبَعَهُ سِتًّا». ٥ - حصول الثواب ولو صامها متفرقة، والتتابع أفضل. ٦ - وجوب تقديم قضاء رمضان على الست؛ لقوله: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ … »، ومن كان عليه قضاء من رمضان لا يصدق عليه أنه صام رمضان بل بعضَه، فعليه أن يقضي ولو أدى ذلك إلى تأخير صيام الست عن شوال، وقد قال بعض العلماء: من لم يتمكن من صيام الست في شوال صامها في ذي القعدة؛ لأن باب التطوع واسع، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (٢). * * * * *

стр. 615

(٧٧٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل الصيام تطوعًا. ٢ - فضل الإخلاص في العبادة. ٣ - فضل الصوم مع الجهاد في سبيل الله، إذا لم يُضعف عن أعمال الجهاد. ٤ - أن الأعمال الصالحة تقي صاحبها من النار. ٥ - إثبات النار التي أعدها الله للكافرين، ويعاقب بها العاصين. ٦ - التعبير عن كمال النجاة من النار ببعد المسافة التي لا تُقطع إلا في سبعين عامًا. ٧ - خصوصية عدد السبعة والسبعين والسبعمئة في الأحكام الشرعية والجزائية والكونية. * * * * * (٧٧٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٢). * * *

стр. 616

في الحديث فوائد، منها: ١ - هدي النبي ﷺ في صوم التطوع. ٢ - تحري الرسول ﷺ -والله أعلم- لصيام داود ﵇ وهو شطر الدهر، وذلك بسرد الصوم أيامًا ثم سرد الفطر أيامًا. ٣ - أن من تَحرَّى صوم داود ﵇ إن شاء صام يومًا وأفطر يومًا، وإن شاء صام يومين أو أكثر وأفطر مثلها. ٤ - استحباب صيام أكثر شعبان. ٥ - أنه ﷺ لم يكن يخفي صيامه عن أهله. ٦ - مراقبتهم لصومه وفطره ﷺ . ٧ - أن سرده ﷺ للصوم والفطر باعتبار الشهر، وعليه يجري قولهم: «حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ»، و «حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ»، أي: في هذا الشهر، ويؤيد ذلك قول عائشة ﵂: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ». ٨ - أنه ﷺ لم يكن يصوم شهر محرم. * * * * * (٧٧٦) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - الأمر بصيام أيام البيض من كل شهر، وقد قيل في حكمة تخصيصها بالصوم: إن لياليها هي التي يقع فيها الكسوف -بإذن الله- وفي الصوم دفع

стр. 617

لما يُخشى من الشر الذي قد يكون عند الكسوف، وعلى هذا فصومها لدفع المكروه، وما شُرع عند الكسوف من الصلاة والدعاء للرفع والدفع، قال ﷺ : «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (١). ٢ - أن الأمر يأتي للاستحباب، ويحتمل أن يكون هذا الأمر للوجوب؛ فيكون منسوخًا بفرض صيام رمضان، كما يقتضيه حديث معاذ ﵁ عند أحمد وأبي داود والحاكم (٢) في أحوال الصيام، وأنه شرع أولًا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد جاء ذكر ذلك عن جمع من الصحابة والتابعين. ٣ - فضل صيام هذه الأيام على سائر أيام الشهر، وتعرف هذه الأيام بأيام البيض، أي أيام الليالي البيض، لأن لياليها هي ليالي الإبدار واكتمال نور القمر وبقائه إلى آخر الليل، وخص من صيام هذه الأيام؛ الثالث عشر من ذي الحجة، لأنه داخل في أيام التشريق، وقد نُهي عن صيامها للحاج وغيره إلا لمن لم يجد الهدي من متمتع وقارن، كما سيأتي في حديث عائشة وابن عمر ﵃ (٣). * * * * * (٧٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٧٧٨) وَزَادَ أبُوْ دَاوُدَ: «غَيْرَ رَمَضَانَ» (٥). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم صوم التطوع على المرأة ذات الزوج إذا كان حاضرًا إلا بإذنه.

стр. 618

٢ - جواز ذلك في غيبته بغير إذنه، وكذا إذا لم تكن عنده، أو كان الزوج لا يحتاج إلى الاستمتاع بها. ٣ - أن قضاء المرأة لصوم رمضان لا يفتقر إلى إذن الزوج، لكن إذا كان وقت القضاء موسَّعًا استُحب أن تستأذنه، ولا يجبُ عليها تأخير القضاء من أجل الزوج حتى يضيق وقتُه، وأما ما أوجبته على نفسها بالنذر فلا تصومه إلا بإذنه إلا أن يكون أذن لها بعقده، وإذا شرعت المرأة في صوم يوم من القضاء ولو قبل أن يضيق وقته حَرُمَ على الزوج أن يفسده، لأن الصوم الواجب يجب إتمامه، بخلاف التطوع. ٤ - عظم حق الزوج على المرأة. ٥ - أنه لا اعتبار بمنعه لامرأته من صوم التطوع والنوافل تحكمًا أو كراهةً للتديّن. * * * * * (٧٧٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم صيام يومي العيد، عيد الفطر وعيد الأضحى، وتحريم نذر صيامهما، وأنه لا يجوز الوفاء به لأنه معصية. ٢ - أن من شرع في صيامهما ناسيًا أو جاهلًا وجب عليه الفطر. ٣ - أن يوم الأضحى والفطر عيدا المسلمين. ٤ - أن الدين والعبادة ما شرعه الله سواءٌ وافق الهوى أو خالفه، بدليل أن الفطر في العيدين هو العبادة لا الصوم.

стр. 619

٥ - أن عبادة هذين اليومين بالفطر، وبما شرع الله فيهما من الذكر والصلاة والصدقة والنسك. * * * * * (٧٨٠) وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. ٢ - استحباب الإكثار من ذكر الله فيها مطلقًا ومقيدًا. ٣ - وجوب الفطر فيها، وخُص من ذلك صيامُها عن هدي التمتع والقران كما في الحديث الآتي. ٤ - الإشارة إلى استحباب الأكل من لحوم الهدايا والضحايا. ٥ - جواز ادخار لحوم الهدي والضحايا، وذلك من تسميتها أيام التشريق، أي: تجفيف اللحم في الشمس. ٦ - أن أيام التشريق حكمها واحد في كل ما تقدم، ومن ذلك جواز الذبح فيها جميعًا، وهي أيضًا متساوية بالنسبة إلى الحاج في رمي الجمار وأداء ما بقي من المناسك. * * * * *

стр. 620

(٧٨١) وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - تحريم صيام أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. ٢ - الرخصة لمن لم يجد هدي التمتع والقران في صيامهن. ٣ - أن أيام التشريق هي آخر أيام الحج، ولذلك رُخِّص في صيامها لمن لم يجد الهدي. ٤ - أنه لا يجوز تأخير صيام ثلاثة الأيام عن أيام التشريق. ٥ - مناسبة هذه الرخصة؛ أن أيام التشريق وقت لذبح الهدي، وصيامهن بدل عنه، وإن كان يجوز صيام ثلاثة الأيام قبل ذلك. ٦ - أن لفظ الرخصة يدل على إباحة الفعل، ونفي الرخصة يدل على التحريم. ٧ - أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا» أو «نُهِينَا» أو «رُخِّصَ» أو «لَمْ يُرَخَّصْ» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ ؛ لأن ذلك كله إليه ﷺ . * * * * * (٧٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 621

(٧٨٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديثين فوائد، منها: ١ - النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام. ٢ - النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، والتخصيص يكون بالتحري والقصد، وقد يكون بالفعل من غير تقصُّد ولا تحرٍّ؛ فالأول يحرم، والثاني يكره، بدليل أنه ﷺ أمر جويرية بنت الحارث ﵂ بالفطر حين صامت يوم الجمعة ولم تصم قبله ولم تصم بعده (٢). ٣ - جواز صيام يوم الجمعة إذا ضم إليه يوم قبله أو يوم بعده. ٤ - جواز صوم يوم الجمعة وحده إذا صادف عادة، كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكذا من عادته صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة، لقوله: «إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». ٥ - أن فضل الزمان أو المكان لا يدل على جواز تخصيصه بعبادة إلا ما خصه الشرع؛ كالعمرة والصلاة أيام البيض أو الاثنين والخميس، بل حتى يوم الجمعة. وكالاعتكاف والصلاة في مسجد معين غير المساجد الثلاثة. ٦ - أن مبنى العبادة على الأمر لا على الرأي والاستحسان. * * * * * (٧٨٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، واسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ (٣). * * *

стр. 622

الحديث ضعيف. وفيه فوائد، منها: ١ - النهي عن صوم النصف الثاني من شعبان أو شيء منه، سواء مع صوم النصف الأول أو بدونه، ولكنه -على تقدير صحته- محمول على ابتداء الصيام بعد انتصاف الشهر، فالنهي في حق من لم يصم أوله، بدليل أن الرسول ﷺ كان يصوم شعبان كله أو أكثره، والنهي فيه من جنس النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومع ذلك فهذا الحديث معارض بمفهوم ذلك الحديث، وهو قوله ﷺ : «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ» (١) فمفهومه جواز الصوم قبل ذلك، فمن ضعَّف الحديث لا يحتاج إلى شيء مما ذكر. * * * * * (٧٨٥) وَعَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٢)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ. وقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ (٣). وَقَال أبُوْ دَاوُدَ: «هُوَ مَنْسُوخٌ». * * * فيه النهي عن التطوع بصوم يوم السبت مطلقًا، أي: مفردًا أو مع غيره أو صادف عادة لقوله: «إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، وهذا معارض من وجوه: ١ - صوم النبي ﷺ لشهر شعبان. ٢ - هدي النبي ﷺ في صوم التطوع المطلق حتى يقول القائل: لا يفطر (٤).

стр. 623

٣ - قوله ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» (١). ٤ - قوله ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (٢). ٥ - قوله ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (٣). ٦ - حديث أم سلمة ﵂؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الأَحَدِ … » وهو الحديث الآتي في الباب. وكل هذه الأحاديث تتضمن مشروعية صيام يوم السبت مفردًا أو مع غيره. ولأجل ذلك حكم العلماء على حديث الباب أنه شاذ أو منسوخ (٤). ومع ذلك ففي متنه نكارة، وهو قوله: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا»، فإنه يقتضي وجوب أكل شيء، ولو لم ينو الصوم، مبالغة في ترك صومه. ومَنْ قال مِنْ العلماء: إن النهي عن إفراده وتخصيصه؛ لا يستقيم قوله مع ما تقدم، وأبعد منه قول من قال: «يحرم التطوع بصوم يوم السبت مطلقًا». وبهذا يتبين أن الصواب جواز صوم يوم السبت مطلقًا. والله أعلم. * * * * * (٧٨٦) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لفْظُهُ (٥). * * *

стр. 624

في الحديث فوائد، منها: ١ - أن من هدي النبي ﷺ صوم يومي السبت والأحد. ٢ - استحباب صيامهما مفردين أو مجتمعين. ٣ - الحكمة من صيامهما، وهي مخالفة المشركين، لأن السبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، كما أن الجمعة عيد المسلمين، كما قال النبي ﷺ في يوم الجمعة: «هَدَانَا اللهُ لَهُ وَضَلَّ النَّاسُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَهُوَ لَنَا، وَاليَهُودُ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ» (١). ٤ - أن مخالفة الكفار في أعيادهم السنوية آكد؛ لأنها عندهم أعظم من عيد الأسبوع. ٥ - إطلاق اسم المشركين على اليهود والنصارى. ٦ - أن من مقاصد الشرع مخالفة المشركين واليهود والنصارى في هديهم. ٧ - أن من شأن العيد الفطرَ عند المسلمين وغيرهم. * * * * * (٧٨٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، واسْتَنْكَرَهُ العُقَيْليُّ (٢). * * *

стр. 625

في الحديث -على تقدير صحته - فوائد، منها: ١ - النهي عن صوم يوم عرفة لمن كان حاجًّا، وهذا يوافق فعله ﷺ فقد ثبت (١) أنه ﷺ كان مفطرًا في ذلك اليوم. وتركه ﷺ لصوم يوم عرفة مع ما أخبر من فضله وتكفيره لسنتين يدل على أن السُّنة للحاج ترك صومه إلا أن يكون الصوم عن هدي التمتع. والحكمة من الفطر في ذلك اليوم أنه أقوى للحاج على مقصود الوقوف من كثرة الذكر والتضرع في الدعاء، وبخاصة إذا كان الوقت حارًّا، وقيل: لأن يوم عرفة بالنسبة إلى الحاج يوم عيد، ويشهد لذلك ما رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ» (٢)، فهذا الحديث مع فعله ﷺ مخصص لقوله ﷺ لما سئل عن صوم يوم عرفة: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (٣). ٢ - أنه قد يعرض للعمل المفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، فالفطر في يوم عرفة الأصل أنه مفضول، ولكنه في عرفة أفضل من الصوم. * * * * * (٧٨٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). (٧٨٩) ولِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظ: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ» (٥). * * *

стр. 626

في الحديثين فوائد، منها: ١ - أن صوم الدهر غير مشروع، لقوله ﷺ : «لا صَامَ» والمنفي هو الصوم الشرعي، والمثبت هو الصوم اللغوي، ومعناه: أن من صام الأبد فصيامه غير مقبول، فهو صائم، أي: ممسك غير صائم شرعًا، وهذا معنى قوله في الرواية الأخرى: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ»، أي: لا صام الصوم الشرعي ولا أفطر بالأكل والشرب، وصوم الأبد أو صوم الدهر يتحقق بصوم كل السنة أو معظم السنة، ولو أفطر في الأيام المحرم صومها وهي يوما العيد وأيام التشريق. وأما قوله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» (١)، ونحوه فلا يدل على جواز صيام الدهر، فإن المراد أن ذلك يعدل صيام عدد أيام السنة كما جاء مفسَّرًا؛ أن الحسنة بعشر أمثالها. فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين، ولا يلزم من حصول ثواب الدهر جواز صوم الدهر، وقد جاء النهي عنه. ٢ - أن من مقاصد الشرع التيسير، كما قال ﷺ : «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» (٢). ٣ - تحريم صيام الدهر، وأنه لا يجب بالنذر. * * * * *

стр. 627

بَابُ الاعْتِكَافِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ (٧٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - الدلالة على فضل قيام رمضان، والمراد به صلاة الليل من التراويح وغيرها. ٢ - أن الأعمال الصالحة مكفرة للذنوب، وأن من ذلك قيام رمضان، لكن ذلك مقيد باجتناب الكبائر لقوله ﷺ : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (٢). ٣ - اشتراط الإيمان بشرع الله ووعده في ترتب هذا الجزاء. ٤ - اشتراط الإخلاص في العمل لله، وأنه لا ينافيه رجاء الثواب. ٥ - مشروعية العمل الصالح رجاء الثواب، ففيه: الرد على الصوفية؛ حيث يذمون من يعبد الله رجاء الثواب أو خوف العقاب. * * * * * (٧٩١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ -أَيْ: العَشْرُ الأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ- شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 628

في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل العشر الأواخر من رمضان. ٢ - استحباب إحيائها بالعبادة. ٣ - الإقبال فيها على أنواع العبادة، والإعراض عن الشهوات المباحة؛ كالتمتع بالأهل. ٤ - استحباب طلب ليلة القدر وأنها في العشر الأواخر، وهو أصح الأقوال. ٥ - التعاون على الخير، لقوله: «وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». ٦ - أمر الأهل بفعل الخير وإن كان من نوافل الطاعات. ٧ - اغتنام الأوقات الفاضلة بالأعمال الصالحة. ٨ - اجتهاده ﷺ في العبادة وتحريه لأوقات الفضائل. ٩ - أن كمال العبد إيمانًا ومعرفةً فعلُ الفرائض، ولا يغنيه عن طلب مزيد الفضل بفعل النوافل، ففيه: ١٠ - الرد على ملاحدة الصوفية القائلين بسقوط العمل عن العارف. * * * * * (٧٩٢) وَعَنْهَا ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن من هدي النبي ﷺ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ومداومته على ذلك.

стр. 629

٢ - أن من السنة الاعتكاف في العشر الأواخر. ٣ - فضل العشر الأواخر من رمضان. ٤ - جواز الاعتكاف للنساء إذا أمنت الفتنة. ٥ - حرص نساء النبي ﷺ على الخير. ٦ - أن الاعتكاف لم ينسخ لقولها: «حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». ٧ - أن الاعتكاف طاعة؛ فيجب بالنذر، لقوله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (١). * * * * * (٧٩٣) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - مشروعية الاعتكاف. ٢ - اتخاذ مكان في المسجد ينفرد فيه المعتكف. ٣ - أن الرسول ﷺ كان يدخل في معتكفه بعد صلاة الفجر، والظاهر أن المراد صلاة فجر اليوم الحادي والعشرين من رمضان، ويحتمل أن قولها: «دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» أي: مكان اعتكافه في المسجد، وليس المراد ابتداء الاعتكاف، وعلى هذا فيكون ابتداء اعتكافه من أول ليلة إحدى وعشرين، وبهذا يتحقق اعتكافه

стр. 630

لجميع ليالي العشر، ولهذا قال أكثر العلماء: إن المعتكف يدخل معتكفه -أي: المسجد- قبل غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين. ويحتمل أن قولها: «دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» أي: ابتدأ الاعتكاف، وهذا يلزم منه فوات ليلة إحدى وعشرين دون اعتكاف، وهو يخالف ما استفاض عنه ﷺ من اعتكاف العشر كلها. * * * * * (٧٩٤) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ -وَهُوَ فِي المَسْجِدِ- فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - مشروعية الاعتكاف. ٢ - أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لحاجة، وهي ما لا بد له منه. ٣ - إن إخراج المعتكف بعض بدنه لا ينافي الاعتكاف. ٤ - أن مس المرأة لا لشهوة لا ينافي الاعتكاف. ٥ - جواز ترجيل المعتكف لرأسه. ٦ - جواز ترجيل المرأة لرأس زوجها وإن كان معتكفًا. ٧ - جواز ترجيل المرأة رأس زوجها، وهي حائض، كما جاء ذلك في رواية لهذا الحديث في «الصَّحِيحَيْنِ» (٢). ٨ - أن الحائض لا تدخل المسجد. ٩ - أن المعتكف لا يخرج من المسجد من أجل ترجيل شعره ونظافة بدنه، لكن يخرج لأجل الغسل من الجنابة، لأنه واجب. ١٠ - استحباب ترجيل الشعر.

стр. 631

١١ - أن هدي الرسول ﷺ ترك حلق شعره إلا في حج أو عمرة، لكن يقصّره، لأن شعره ﷺ تارة يبلغ شحمة أذنيه، وتارة يكون لِمَّة، وربما كان جُمَّة. ١٢ - استحباب النظافة. * * * * * (٧٩٥) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلا يُبَاشِرَهَا، وَلا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلا لِمَا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ، ولا بَأسَ بِرِجَالِهِ، إلا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ (١). (٧٩٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، والرَّاجِحُ وَقْفُه أيضًا (٢). * * * في الحديثين فوائد، منها: ١ - بيان ما تتحقق به حقيقة الاعتكاف، وهو لزوم المسجد. ٢ - أن ترك المعتكف لما ذُكر سنة سنها رسول الله ﷺ وليس من رأي عائشة ﵂. ٣ - أن المعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها. ٤ - أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه؛ كحاجة الإنسان، والغسل من الجنابة، وما كان من الخروج ضرورة. ٥ - أنه لا يشرع اشتراط المعتكف فعلَ هذه الأمور أو بعضها، وهل يصح ذلك؟ فيه نزاع، ولعل الصواب صحة اشتراط ما تدعو إليه الضرورة من ذلك؛ كعيادة الوالدين وتشييع جنازتهما. والله أعلم.

стр. 632

وقولها ﵂: «وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» قيل: إنه من كلامها فهو من رأيها، وهو -على هذا- موقوف عليها. وإن كان هذا القول تابعًا لما قبله فإنه يقتضي اشتراط الصوم في الاعتكاف، وأن يكون الاعتكاف في مسجد جامع، ولكن الراجح عند الأئمة وقفه. وحديث عمر ﵁؛ أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام (١) يقتضي صحة هذا الاعتكاف ولو لم يصم، ويدل له أيضًا حديث ابن عباس ﵄: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» والراجح وقفه على ابن عباس كما ذكر المصنف. ويمكن أن يعتضد القول بعدم اشتراط الصوم في الاعتكاف أنه لم يرد أن النبي ﷺ كان صائمًا حين قضى اعتكافه في شوال. ومما يرجح قول ابن عباس في عدم اشتراط الصوم؛ أن الدارقطني قد جزم (٢) بأن قوله في حديث عائشة ﵂: «وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ … » إلخ أنه مدرج ممن دونها. * * * * * (٧٩٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - الاستدلال بالرؤيا في الأمور الكونية، والترجيح بها. ٢ - أن من الرؤيا ما تكون صورته مطابقة لما يقع في الخارج. ٣ - قوة الحكم بتضافر أدلته.

стр. 633

٤ - فضل ليلة القدر. ٥ - حرص الصحابة على معرفتها أو موافقتها. ٦ - أن ليلة القدر في رمضان. ٧ - أن السبع الأواخر من رمضان أرجى أن تكون فيها ليلة القدر مما قبلها وأولها ليلة ثلاث وعشرين، وهو الغالب. ٨ - أن فضل السبع الأواخر قد دلّ عليه أمر كوني وهو الرؤيا، وشرعي وهو قول النبي ﷺ : «فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». ٩ - استحباب تحري الأوقات الفاضلة. * * * * * (٧٩٨) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ، والرَّاجِحُ وَقْفُه (١). وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في «فتح الباري» (٢). في الحديث فوائد، منها: ١ - تعيين ليلة القدر في سبع وعشرين، وهذا ظاهر الحديث، وهو لا يوجب القطع، بل غايته أن يدل على أنها أرجى من غيرها من ليالي العشر، وذلك لأمرين: الأول: أن الراجح في الحديث أنه موقوف على معاوية ﵁. الثاني: ما ورد من الأحاديث الدالة على أنها تُلتمس في جميع ليالي العشر خصوصًا الأوتار منها والسبع الأواخر. * * * * *

стр. 634

(٧٩٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ، تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - أن ليلة القدر قد تُعلم، إما بمنام أو بعلامات. ٢ - تحري هذا الدعاء في ليلة القدر. ٣ - أن من أسماء الله العفُوَّ. ٤ - إثبات صفة المحبة. ٥ - أن الله يحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض. ٦ - التوسل في الدعاء بأسماء الله. ٧ - التوسل بما يناسب المطلوب من أسماء الله؛ كالغفور والرحيم في طلب المغفرة والرحمة، والتواب في طلب التوبة، والعفو في طلب العفو. ٨ - تواضع العبد لربه واعترافه بالذنب والتقصير وترك النظر إلى العمل، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. ٩ - حرص عائشة ﵂ على الخير. ١٠ - السؤال عمّا يُشرع من الأقوال والأعمال في الأوقات الفاضلة. ١١ - فضل هذا الدعاء. * * * * *

стр. 635

(٨٠٠) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في الحديث فوائد، منها: ١ - فضل هذه المساجد الثلاثة، وأنها في الفضل على هذا الترتيب، ولعل السبب في فضلها أنها أسسها الأنبياء إبراهيم ومحمد وسليمان ﵈. ٢ - جواز السفر إلى هذه المساجد، وقد دلت النصوص الأخرى على وجوب السفر واستحبابه إلى المسجد الحرام، وعلى استحباب السفر إلى المسجدين. ٣ - تحريم السفر إلى سائر البقاع غير هذه المساجد تدينًا بقصد البقعة. ٤ - تحريم السفر إلى قبور الأنبياء، وتحريم السفر إلى الطور الذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى ﵇ على وجه القربة والعبادة. ٥ - أن المسجد الحرام هو المصلى حول الكعبة، فلا يجوز السفر للصلاة في بعض نواحي الحرم. ٦ - أن مضاعفة الصلاة مختصة بالمسجد حول الكعبة، ويشهد له حديث ميمونة ﵂؛ أن الرسول ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (٢). * * * * *
следующие страницы →