← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٥ - أنه لا يجوز لولي الأمر التسعير عند الغلاء، إلا أن يكون بتسبب من أصحاب الأموال، كالاحتكار، أما إذا كان الغلاء بسبب قلة السلع وكثرة الطلب فلا يحل التسعير. ٦ - جواز رفع ما يقع من الضرر في الأسواق إلى ولي الأمر. ٧ - أن على ولي الأمر ألا يستجيب لرغبات الناس فيما يخالف الشريعة، بل عليه أن ينبههم إلى ما يجب عليه وعليهم. ٨ - تحريم الاحتكار؛ لأن معنى الخاطئ هو المتعمد للمعصية، والاحتكار هو امتناع التاجر من بيع ما يحتاج إليه الناس انتظارًا لزمن الغلاء. ٩ - الترغيب في التيسير على الناس ببيعهم ما يحتاجون إليه بسعر المثل، وقد روي في حديث: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (١). * * * * * (٩١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٩١١) وَلِمُسْلِمٍ: «فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (٣). (٩١٢) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، عَلّقَهَا البُخَارِيُّ: «رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ» (٤)، قَالَ البُخَارِيُّ: «وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ». (٩١٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مَحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥). وزاد الإسماعيلي: «مِنْ تَمْرٍ» (٦).

стр. 737

(٩١٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذه الأحاديث أصل في تحريم الغش، وثبوت خيار التدليس، والتدليس في البيع إظهار المبيع بصفة خلاف ما هو عليه. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - تحريم الغش في البيع وغيره، ويكون بالتدليس، وكتمان العيب. ٢ - أن من التدليس تصرية البهيمة، وهو جمع اللبن في الضرع؛ لإظهار أنها كثيرة اللبن، وهو التحفيل، ويقال للبهيمة: مُصَرَّاة، ومُحَفَّلة. وأما رواية: «لَا تَصُرُّوا» -بفتح التاء - فهو من الصَّر، وهو ربط ضرع البهيمة، حتى لا تحلب. ٣ - أن من اشترى شاة مصراة أو غيرها، فهو بالخيار؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها. ٤ - أن له الخيار ثلاثة أيام. ٥ - أنه إذا ردَّها ردَّها وصاعًا من تمر بدلًا عن اللبن الذي كان موجودًا في ضرعها عند البيع. ٦ - أن تقويم اللبن بصاع من تمر لا يجب غيره على المشتري إلا برضاه. ٧ - أن المشتري إذا أمسك البهيمة لا يجب له على البائع شيء إلا برضاه، فلا يجب أرش لفقد الصفة، وكذا في خيار العيب، فإما الرد وأخذ الثمن، أو الإمساك مجانًا. ٨ - تحريم تصرية البهائم للبيع؛ لأنه من الغش.

стр. 738

٩ - صحة بيع المصراة. ١٠ - وجوب بيان العيب الذي في السلعة. ١١ - جواز كشف المشتري لباطن السلعة؛ لمعرفة حالها، وسلامتها؛ لأن الرسول ﷺ أدخل يده في الطعام، ولم يكتف بنظر ما ظهر. ١٢ - أن الغش من كبائر الذنوب؛ لقوله ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا»، ومنه شوب اللبن بالماء للبيع. ١٣ - أن كتمان العيب منكر، فيجب إنكاره. ١٤ - إنكار الإمام والمحتسب على من وقع منه شيء من ذلك. ١٥ - الاقتصار على اللسان في إنكار المنكر، إذا حصل به المقصود. * * * * * (٩١٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامَ الْقِطَافِ، حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَدَ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ». رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسط» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). * * * هذا الحديث أصل في تحريم الإعانة على معصية الله. وفيه فوائد، منها: ١ - تحريم الخمر، وهو من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، فيكفر جاحده. ٢ - تحريم الإعانة على صناعة الخمر. ٣ - تحريم الإعانة على كل ما يروجها. ٤ - أن حبس العنب أيام قطافه لبيعه على من يصنع منه الخمر من كبائر الذنوب. ٥ - تحريم بيع السلاح أيام الفتنة؛ لما فيه من الإعانة على القتال المحرم.

стр. 739

٦ - أن من مقاصد الشريعة سدَّ الذرائع إلى الحرام، ففيه شاهد لقاعدة سد الذرائع. ٧ - التعبير بالمُسبَّب عن السبب، لقوله: «فَقَدَ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ»، وقوله: «تَقَحَّمَ» أي أقدم على أمر صعب وشديد. وقوله: «عَلَى بَصِيرَةٍ» أي على علم. ٨ - أن من حبس العنب أيام القطاف ليتخذه زبيبًا أو لغير ذلك من المباح فلا إثم عليه، وإن قدِّر أن يشتريه من يتخذه خمرًا وهو لا يعلم بحاله. ٩ - تأثير المقاصد في حكم الأفعال. * * * * * (٩١٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ، وأبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وابْنُ القَطَّانِ (١). * * * هذا الحديث -إذا كان صحيحًا- من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ ، وهو أصل في معرفة من يستحق غلة العين، والخراج أصله المنفعة والرزق، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين (٧٢)﴾ [المؤمنون: ٧٢]. والخراج في اصطلاح الفقهاء: ما يكتسبه العبد، وهو في الحديث أعم من ذلك، فيشمل كسب العبد، وأجرة الدار والعين، وثمرة الشجر، والمراد بالضمان في الحديث ضمان التلف، ومعنى الحديث أنه يستحق ثمرة العين وغلتها ومنافعها من إذا تلفت كانت من ضمانه، وتتلف عليه، كالمشتري

стр. 740

للسلعة زمن الخيار، فالملك له، والنماء له، ولا يدخل في ذلك ضمان تلف العين لغيره؛ كالأمين إذا تعدَّى أو فرَّط. * * * * * (٩١٧) وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (١). وقد أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيْثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ (٢). (٩١٨) وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا: مِنْ حَدِيْثِ حَكِيْمِ بْنِ حِزَام (٣). * * * هذا الحديث أصل في صحة الوكالة، وتصرف الفضولي، وهو تصرف الإنسان فيما لا يملك ببيع ونحوه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من هدي النبي ﷺ شراء ما يحتاجه. ٢ - التوكيل في الشراء. ٣ - دفع الموكل الثمن للوكيل. ٤ - صحة تصرف الفضولي بالإجازة؛ بيعًا وشراء؛ ووجه ذلك أن النبي ﷺ وكل عروة في شراء شاة، وقد حصلت بنصف دينار، ونصف الدينار الآخر ملك للنبي ﷺ ، فاشترى به عروة شاة أخرى، ثم باعها بدينار. ٥ - إجازة النبي ﷺ لعروة في تصرفه، بدليل دعائه له.

стр. 741

٦ - أن من البركة في البيع الربح، كما في الحديث: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا» (١). ٧ - فضيلة عروة ﵁؛ وذلك من وجوه: ١ - توكيل النبي ﷺ له. ٢ - حسن تصرفه. ٣ - دعاء النبي ﷺ له. وليس ذلك من النبي ﷺ فرحًا بالربح؛ لأن النبي ﷺ لا تعنيه شيئًا، بل إحسانًا إلى عروة، ليدوم توفيقه في التجارة. ٨ - استجابة دعاء النبي ﷺ ، لقول الراوي: «لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ»، وهذا من أساليب المبالغة. ٩ - مشروعية التضحية بالشاة، وهي الواحدة من الغنم. ١٠ - أن شراء عروة شاتين بدينار، وبيعه إحداهما بدينار لم يكن محاباة من البائع والمشتري للنبي ﷺ ؛ لأنه لا يلزم أن يكونا عالمين أن عروة وكيل للنبي ﷺ ، بل لم يكونوا يحابون النبي ﷺ لو عاملوه مباشرة، بل يربحون عليه، ولا يربح عليهم، كما جاء في قصة جمل جابر، وقد سبق. ١١ - أن الربح ليس له قدر محدود، ما لم يتضمن الغبن. ١٢ - فيه علم من أعلام نبوته ﷺ ، وذلك بإجابة دعائه لعروة ﵁. * * * * * (٩١٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والبَزّارُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (٢).

стр. 742

(٩٢٠) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأشَارَ إِلَى أنَّ الصَّوَابَ وقْفُه (١). (٩٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ». رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسط». وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٢). (٩٢٢) وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ في «المراسيل» لعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (٣). (٩٢٣) وأَخْرَجَهُ أيضًا مَوْقُوفًا على ابْنِ عبَّاسٍ بإسنادٍ قَويٍّ، ورجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٤). (٩٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ. رواه البَزّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٥). * * * هذه الأحاديث تضمنت النهي عن أنواع من بيوع الغرر، وإن كانت هذه الأحاديث لم يثبت شيء منها مرفوعًا، بل هي بين ضعيف وموقوف، فمعناها صحيح، لما في هذه البيوع من الغرر والخطر، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة النهي عن الغرر، وعن أنواع منه؛ كبيع الحصاة والملامسة، ومنه ما ذكر في هذه الأحاديث، ومدار الغرر فيها إما الجهل بالمبيع؛ كاللبن في الضرع، وكالحمل في البطن، والمضامين على قول الأكثر ما في أصلاب الفحول، والملاقيح ما في بطون الإناث، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة النهي عن عسب الفحل، وضراب الفحل، وعن بيع حَبَل الحَبَلة (٦).

стр. 743

وإما عدم القدرة على تسليم المبيع؛ كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والسمك في الماء، والطير في الهواء. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم بيع الغرر. ٢ - النهي عن بيع العبد الآبق والجمل الشارد. ٣ - النهي عن بيع المغانم قبل قسمها، وعن بيع الصدقة قبل قبضها؛ لأن ذلك من بيع الإنسان ما لا يملك، أو ما لم يتم ملكه عليه، وقد يتضمن الجهالة في المبيع. ٤ - النهي عن بيع السمك في الماء. ٥ - النهي عن بيع الطير في الهواء. ٦ - النهي عن بيع الصوف على ظهر البهيمة، وأجازه بعضهم؛ لأنه ظاهر، يعرفه أهل الخبرة، مقدور على تسليمه. ٧ - تحريم بيع اللبن في الضرع. ٨ - تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد دل على ذلك أحاديث صحيحة، ستأتي. ٩ - النهي عن بيع ضربة الغائص، والمراد ما يخرجه الغائص في البحر من الدرر في الغوصة الواحدة. ١٠ - جواز الغوص في البحر لاستخراج اللآلئ والدرر، إذا كان الغالب السلامة. ١١ - تحريم بيع ما في أصلاب الفحول، وهو بيع ضراب الفحل. ١٢ - تحريم بيع ما في بطون الإناث. ١٣ - تحريم ما يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء بين المسلمين. * * * * *

стр. 744

(٩٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث أصل في فضل إقالة المسلم في البيع، والمراد بالإقالة فسخ عقد البيع من البائع لرغبة المشتري، وفي معناه وحكمه إقالة المشتري للبائع إذا ندم على البيع، والإقالة ضرب من السماحة في البيع والشراء، فهي من الإحسان المستحب بين المسلمين، وقال الفقهاء: إنها فسخ وليست عقد بيع آخر، فلا يترتب عليها ما يترتب على البيع من الشفعة، والرد بالعيب، ووجوب التقابض في الصرف، ونحو ذلك. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب الإقالة. ٢ - أن الجزاء من جنس العمل، والعثرة من العبد الزلة والذنب، وإقالة الله مغفرته، ومنه: «أَقِيلُوا ذَوِيِ الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (٢)، أي زلَّاتهم، بالتجاوز عنهم. ٣ - أن الإقالة من مقتضيات الأخوة الإسلامية. * * * * *

стр. 745

بَابُ الخِيَارِ الخيار: اسم مصدر بمعنى الاختيار، والمراد اختيار الفسخ أو الإمضاء في البيع، ومعنى باب الخيار، أي ذكر أدلة أنواع الخيار، وأسبابه، وذكره بعد البيع مناسب، لأنه مما يترتب على عقد البيع، وقد ذكر المؤلف في الباب قبله بعض ما يدل على الخيار، كحديث المصرَّاة، وتلقِّي الجلب. * * * * * (٩٢٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (٩٢٧) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (٢). (٩٢٨) وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا» (٣). * * * هذان الحديثان أصل في ثبوت خيار المجلس، ومعناه أن لكل من المتبايعين الفسخ أو الإمضاء، ما داما في مجلس العقد، وقد ذهب إلى القول

стр. 746

بخيار المجلس جمهور العلماء، لصحة الحديث في ذلك، وقالوا: المراد بالتفرق التفرقُ بالأبدان، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا خيار للمتبايعين، بعد تمام العقد بالإيجاب والقبول، وقالوا: إن التفرق في الحديث هو التفرق في الأقوال بالإيجاب من البائع والقبول من المشتري، فمحل الخيار عندهم قبل تمام عقد البيع، وهذا تفسير غريب، ترده ألفاظ الأحاديث، ودلالة اللغة، فلهذا يقطع ببطلان هذا المذهب، وفساد كل ما بني عليه من الاستدلالات والتأويلات، فيقطع بخطأ من قال به من أهل العلم، مع حسن الظن بهم، وأنهم مأجورون على اجتهادهم. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - ثبوت خيار المجلس لكل من المتبايعين. ٢ - لزوم البيع بالتفرق من المكان اختيارًا. ٣ - وجوب البيع إذا اتفق المتبايعان على إسقاط الخيار، أو أسقطه أحدهما، لقوله ﷺ : «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ»، وقوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ». ٤ - أن المراد بالتفرق التفرق من المكان، لقوله: «مِنْ مَكَانِهِمَا». ٥ - الرد على من زعم أن التفرق بالأقوال. ٦ - جواز قطع الخيار بإمضاء البيع أو بفسخه. ٧ - تحريم الاحتيال على إسقاط خيار المجلس. ٨ - تأثير النية في الفعل أو التصرف، لقوله ﷺ : «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، أي من أجل ألا يستقيله، والمراد بالاستقالة فسخ البيع. ٩ - أن خيار المجلس من محاسن الشريعة؛ لما فيه من التوسعة على كل من المتبايعين في النظر لما هو الأصلح له.

стр. 747

١٠ - أن البيع عقد لازم، لقوله ﷺ : «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». ١١ - جواز تنازل الإنسان عما هو من حقه. * * * * * (٩٢٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ أنهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في خيار الغبن، والخلابة الخديعة، والخديعة في البيع حرام، لقوله ﷺ : «وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢)، ولاسيما خديعة المسترسل الذي لا يحسن المماكسة، واشتراط نفي الخديعة تأكيد؛ لأن ما كان واجبًا بأصل الشرع فالشرط يؤكده. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن في كل زمان مخادعين، وشرهم المنافقون. ٢ - اختلاف أحوال الناس في عقولهم، وفي قُدَرهم على المعاملة في التجارة وغيرها. ٣ - جواز الاشتراط في البيع. ٤ - أن اشتراط عدم الغبن من الشروط الجائزة. ٥ - إرشاد الجاهل إلى ما يحفظ حقه. ٦ - جواز تصرف من لا يحسن المماكسة ويخدع في البيع. * * * * *

стр. 748

بَابُ الرِّبَا ذكر الربا في أبواب البيوع لأنه نوع من المعاوضات، بل نوع من البيع المشتمل على صفة توجب تحريمه، وقوله تعالى عن المرابين: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، إنما أرادوا: الربا بيع من البيوع، فهو حلال. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بيان أن الأصل في البيع الحل، وأن البيع المشتمل على الربا حرام، فكما حرم الله بيوع الغرر حرم البيوع المشتملة على الربا، والرِّبا -ويقال: الرِّما - الزيادة، وهو مصدر من ربا يربو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٥)﴾ [الحج: ٥]، ومنه الربوة أي المكان المرتفع. والربا في الشرع: نوعان؛ ربا فضل وربا نساء، فربا الفضل: هو الزيادة في أحد العوضين مما بيع بجنسه، مما دل الشرع على تحريم الزيادة فيه، كالبر والشعير والتمر. وربا النَّساء: هو تأخير أحد العوضين مما يجب فيه التقابض، وهي الربويات، أي التي يجري فيها الربا؛ كالذهب والفضة، فإنه يجب في بيع بعضها ببعض التقابض مطلقًا، ويحرم النَّساء، كما تحرم الزيادة في أحد العوضين إذا اتحد جنسهما؛ فلا يباع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، ولا يباع الذهب بالفضة إلا يدًا بيد، وأغلظ نوعي الربا تحريمًا ربا النساء؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (١). ومنه ربا

стр. 749

الجاهلية، وهو الزيادة في الدين في مقابل الزيادة في الأجل، فيقول الدائن للمدين: إما أن تَقضي وإما أن تُربي، فجاء الإسلام بوجوب إنظار المعسر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. * * * * * (٩٣٠) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٩٣١) ولِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (٢). * * * هذا الحديث أصل من السنة في تحريم الربا، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو عام في تحريم نوعي الربا. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الربا. ٢ - أنه من الكبائر. ٣ - جواز لعن أنواع من العصاة، وفي هذا الحديث منهم أربعة: آكل الربا، وهو الدائن، وموكله، وهو المدين، ويدخل فيهما آكل الزيادة ومعطيها في ربا الفضل، وكاتب عقد الربا، والشاهد عليه. ٤ - تحريم كتابة عقد الربا. ٥ - تحريم الشهادة عليه. ٦ - أن المذكورين في الحديث هم في الإثم سواء، وقوله: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا» معناه أن الرسول قال: لعن الله، أو لعنة الله، وهذا يحتمل

стр. 750

أن يكون خبرًا عن لعن الله للمذكورين، ويحتمل أن يكون دعاء من الرسول عليهم، واللعن من الله هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فيكون قولا وفعلا. ٧ - أن الوعيد إنما يلحق من هؤلاء من علم الحكم وحقيقة الأمر، لقوله في حديث ابن مسعود عند النسائي: «إذَا عَلِمُوْا ذَلِكَ» (١). ٨ - أن المعين على المحرم كفاعل المحرم. * * * * * (٩٣٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مختصرًا، وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وصَحَّحَهُ (٢). * * * هذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على تحريم الربا وتقبيحه، والتنفير منه، ولكن في متنه نكارة شديدة، وذلك من ثلاثة وجوه: أحدها: تشبيه أدنى الربا بنكاح الأم، ولا تظهر مناسبة بين المشبَّه والمشبَّه به، ولا يخفى ما في نكاح الأم من الشناعة والبشاعة شرعًا وطبعًا، فلا يدانيه أكلُ درهم ربا. الثاني: إطلاق اسم الربا على الغيبة، ولا يخفى أنه لا يظهر فيها معنى الربا لغة ولا شرعًا. الثالث: جعل الربا سبعين بابًا، والمعلوم أن الربا نوعان؛ ربا الفضل وربا النساء. وجعل الغيبة أربى الربا يشعر بأن المراد بالربا أنواع من المعاصي. وبعد؛ ففي أدلة الكتاب والسنة من التغليظ في أكل الربا ما يغني عن هذا الحديث، وإن صح عن النبي ﷺ ، فالله أعلم بتأويله.

стр. 751

وقد استنكر جمع من العلماء هذا المتن، ومما يضعفه أيضًا أن فيه اضطرابًا في عدد الأبواب، وَابْنُ مَاجَهْ رواه مختصرًا، كما قال الحافظ، أي دون قوله: «أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»، إلخ. لكن ورد له شاهد عند أبي داود بلفظ: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» (١)، وصُحح إسناده. وفي إطلاق اسم الربا على الغيبة أو غيرها من الذنوب مجاز علاقته المشابهة، وهي الظلم، فكأنه قيل: من أظلم الظلم، والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن تحريم الربا مستقر عند المخاطبين، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ٢ - كثرة أصناف الربا. ٣ - غلظ تحريم الاستطالة في عرض الرجل المسلم. ٤ - أن تحريم نكاح الأم والمحارم مستقر في الفطر والشرائع. ٥ - الدلالة على تحريم الشيء بتشبيهه بما كان تحريمه معلومًا. ٦ - إطلاق اسم الباب على أقسام الشيء وأنواعه، وهو غير مشهور في اللغة العربية، وجاء قليلًا في بعض الأحاديث، منها حديث معاذ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟» (٢)، ومحتمل أن يراد بأبواب الخير طرق الخير. وذكرُ هذه الفوائد موافقةٌ للحافظ لذكْرِه الحديث. * * * * *

стр. 752

(٩٣٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٣٤) وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٩٣٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (٩٣٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). وَلِمُسْلِمٍ: «وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» (٥). (٩٣٧) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦).

стр. 753

(٩٣٨) وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٩٣٩) وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة، وبيان النوعين، وبيان ما يجريان فيه من الأجناس. وفيها فوائد؛ منها: ١ - تحريم بيع كل من الأصناف الستة المذكورة بجنسه، وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، إلا بشرط التساوي في وزن الموزون، وكيل المكيل، وبشرط التقابض، وهو معنى قوله ﷺ : «يَدًا بِيَدٍ»، فما اختل فيه الشرط الأول فهو من ربا الفضل، وهو معنى قوله ﷺ : «وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ»، فمعنى أشفَّ: زاد، ولهذا قال في اللفظ الآخر: «فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى»، وما اختل فيه الشرط الثاني فهو من ربا النسيئة، وما اختل فيه الشرطان فهو ربا فضل ونسيئة؛ كبيع مئة صاع من البر بمئة وعشرين نسيئة. وقوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ» اختلف المعربون في هذا التركيب، والرواية المشهورة برفع الذهب، فمنهم من قال: الذهب مبتدأ، بتقدير مضاف محذوف، أي: بيع الذهب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» بالنصب على المشهور حال من فاعل فعل محذوف، تقديره: يجوز مثلًا بمثل، وأولى منه أن يقال: الذهب مبتدأ، وبالذهب متعلق بمحذوف خبر،

стр. 754

تقدير: يباع بالذهب، وقوله: «مِثْلًا بِمِثْلٍ»، حال، أي حال كونهما متماثلين. و «سَوَاءً بِسَوَاءٍ» حال ثانية، و «يَدًا بِيَدٍ» حال ثالثة، والتقدير: متماثلين متساويين مقبوضين. ٢ - تحريم بيع الذهب بالفضة إلا يدًا بيد. ٣ - تحريم بيع شيء من المكيلات الأربعة بغير جنسه إلا يدًا بيد. ٤ - تحريم بيع الصُّبْرة من الطعام بالكيل المسمَّى من جنسه، ومن هنا أخذ الفقهاء قولهم: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. ٥ - أن التفاضل في الصفة فيما بيع من الربويات بجنسه لا يبيح التفاضل في المقدار، كيلًا أو وزنًا؛ لحديث أبي سعيد، والجمع هو الرديء من التمر، والجَنِيب: الجيد. ٦ - الحيلة الشرعية في التوصل إلى الجيد لمن ليس عنده إلا رديء من جنسه، وهي أن يبيع الرديء بدراهم، ويشتري بثمنه من الجيد، ولا ينبغي بيع الرديء على من يراد شراء الجيد منه؛ لأن ذلك يتضمن الاحتيال على بيع الرديء بالجيد متفاضلا. ٧ - تحريم ربا النسيئة في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والذهب بالفضة. ٨ - تحريم ربا النسيئة في بيع المكيلات الأربعة المذكورة بعضها ببعض، مع اتحاد الجنس واختلافه. ٩ - قوله ﷺ : «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» مخصوص بما ثبت من بيع السَّلَم، وفيه تعجيل الثمن وتأجيل المبيع، وبما ثبت من جواز البيع إلى أجل، كبيع الطعام بدراهم أو دنانير مؤجلة، ولهذا قال الفقهاء: يجوز بيع المكيل بالموزون، متفاضلا ونسيئة.

стр. 755

١٠ - أنه لا يجوز بيع شيء من هذه الأصناف الستة بجنسه ومعهما أو مع أحدهما ما ليس من جنسه؛ كذهب وخرز بذهب؛ لحديث فَضالة بن عبيد. وهو دليل من حرم مسألة مُدِّ عجوة، وصورتها بيع مُدِّ عجوة ودرهم بمُدِّ عجوة ودرهم، أو مُدِّ عجوة بمُدِّ عجوة ودرهم. والصواب أن الأولى جائزة، والثانية لا تجوز؛ لأن حقيقة الأولى درهم بدرهم ومُدٌّ بمُدٍّ، والثانية مُدٌّ بمُدٍّ ودرهم. ١١ - استدل من قال: إن العلة في الذهب والفضة هي الوزن، وفي الأربعة الكيل، فيجري الربا بين كل موزونين، وبين كل مكيلين، على التفصيل المتقدم، استدلوا بقوله في الرواية: «وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ»، وقوله: «وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». والمراد بالميزان: الموزون. والعبرة في تعيين ما يكال وما يوزن من الأجناس هو عرف مكة والمدينة في عصر النبوة. واستدل من قال: إن العلة في الأنواع الأربعة الطَّعم بقوله ﷺ في حديث معمر بن عبد الله: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». والراجح -والله أعلم - أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، أي كونهما أثمانا يتوصل بهما إلى الحاجات، وتقوم بها السلع، وهذه خاصيتها، وينزل منزلتهما ما جعل بدلا عنهما من النقد الورقي في الزكاة، وفي جريان الربا. والراجح في علة الأنواع الأربعة الطَّعم، فيلحق بها كل مطعوم يقتات؛ كالأرز والدخن والزبيب، وذهبت الظاهرية وجماعة إلى أن ربا الفضل لا يجري إلا في الأصناف الستة، ولا يقاس عليها. ١٢ - رد العقد الفاسد ولو وقع من جاهل؛ لقوله ﷺ : «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ»، وقوله في حديث فضالة: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ». ١٣ - جواز ذكر الإنسان البؤس في معيشته على وجه الإخبار، لقول معمر: «وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ». * * * * *

стр. 756

(٩٤٠) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ الْجَارُودِ (١). (٩٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». رواه أبُوْ دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (٢). (٩٤٢) وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ (٣). (٩٤٣) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (٤). (٩٤٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (٥). (٩٤٥) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: «فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٦). * * * هذه الأحاديث دلت على أنواع من المكاسب المحرمة من ربا وغيره.

стр. 757

وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اتحد الجنس أو اختلف، لحديث سمرة، ويعارضه حديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب، وهو أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وقد جمع بينهما الشافعي بحمل حديث سمرة على النسيئة من الجانبين، فيدخل في بيع الكالئ بالكالئ، كما سيأتي. ٢ - جواز بيع الحيوان بالحيوان إلى أجل؛ لحديث عبد الله بن عمرو. ٣ - تحريم بيع العينة، وهي بيع سلعة بثمن مؤجل ثم شراء البائع لها بثمن أقل مما اشتراها به نقدًا، لما فيها من الحيلة على الربا، لأنه يؤول الأمر إلى بيع دراهم بدراهم أكثر منها مؤجلة. ٤ - تحريم إيثار القعود عن الجهاد والرضا بالزرع ومنافع الدنيا. ٥ - أن إقامة الجهاد عز الأمة الإسلامية، وتركه سبب العقوبة بالذلة. ٦ - أن التوبة والرجوع إلى الله سبب رفع البلاء. ٧ - تحريم قبول الشافع للهدية ممن شفع له، ومن باب أولى أخذ الأجرة على ذلك. ٨ - تحريم الرشوة على الآخذ، وهو المرتشي، وعلى المعطي، وهو الراشي، وأنها من كبائر الذنوب. ٩ - جواز لعن الراشي والمرتشي على وجه العموم. ١٠ - توكيل الإمام بعض رعيته في تجهيز الجيش. ١١ - فضيلة عبد الله بن عمرو. ١٢ - وجوب الزكاة في الإبل.

стр. 758

١٣ - أن لأخذ الزكاة وقتًا؛ لقوله: «إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ»، أي: إلى وقت أخذ صدقة الإبل. ١٤ - جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وبزيادة، وقد سبق تأويل حديث سمرة، وفيه النهي عن بيع الحيوان بالحيوان. ١٥ - جواز الزيادة في الثمن في البيع إلى أجل، ومنه البيع بالتقسيط، وأخطأ من حرمه، ولا يصح في العادة التسوية في ثمن السلعة بين النقد والمؤجل. ولو أخذ بهذا الرأي لانسد باب البيع إلى أجل، وتعطل أصحاب الحاجات الذين لا نقد في أيديهم. * * * * * (٩٤٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ؛ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٤٧) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمَ. فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (٢). (٩٤٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، يَعْنِي: الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ والبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (٣). * * * هذه الأحاديث تضمنت النهي عن بيوع هي من صور الربا.

стр. 759

وفيها فوائد؛ منها: ١ - تحريم المزابنة، من الزَّبْن بمعنى الدفع؛ لأن كلًّا من المتبايعين يدفع العوض للآخر، ولكن الاسم يختص بصور العقود المذكورة في الحديث. ٢ - تحريم بيع الثمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، وقد خُص من هذا بيع العرايا، كما سيأتي. ٣ - تحريم بيع العنب بزبيب كيلًا. ٤ - تحريم بيع الزرع بطعام من جنسه كيلًا. ٥ - أن علة التحريم في هذه البيوع أنها من الربويات التي يجب في بيع الواحد منها بجنسه التساوي في المقدار. ٦ - أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. ٧ - أن العنب والزبيب مما يجري فيه ربا الفضل، كالتمر، وهو لم يذكر في الأصناف الستة، فيجب أن يعد من المنصوص، كالأصناف الستة. ٨ - تحريم بيع الرطب بالتمر، ولو مع التساوي في المقدار. ٩ - ذكر العلة في ذلك، وهي أن الرطب ينقص، فيلزم من ذلك التفاضل الممنوع. ١٠ - أن من حسن التعليم بيان علة الحكم، وذلك من هديه ﷺ . ١١ - تنبيه المخاطب إلى علة الحكم بسؤاله لتقريره، لأن الرسول ﷺ كان يعلم أن الرطب ينقص إذا يبس. ١٢ - تحريم بيع الكالئ بالكالئ، والمراد بالكالئ الدَّين المؤخر، وإن كان الحديث ضعيفًا فمعناه صحيح عند أهل العلم؛ فلا يجوز بيع مؤجل بمؤجل، وهو البيع مع تأجيل العوضين، ولذا يشترط في السَّلم قبض الثمن في مجلس العقد. * * * * *

стр. 760

بَابُ الرُّخْصَةِ فِي العَرَايَا وَبَيْعِ الأُصُولِ وَالثِّمَارِ (٩٤٩) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا: «أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٥٠) وَلِمُسْلِمٍ: «رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا» (٢). (٩٥١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * العَرايا: جمع عَرِيَّة، كسَرايا جمع سَريَّة، وهدايا جمع هديَّة، والمشهور في معناها في الأحاديث أن يشتري الرجل الثمر على رؤوس النخل بخرصه بتمر كيلًا؛ ليأكله رطبًا، لأنه لا يجد ما يشتريه به من الذهب أو الفضة، فيجوز له ذلك فيما دون خمسة أوسق، وهذا رخصة من حكم المزابنة، الذي تقدم ذكره قريبًا (٤)، فيلاحظ أن هذه الرخصة يشترط لها ثلاثة شروط: ١ - الحاجة إلى أكل الرطب. ٢ - عدم الثمن الذي يشتريه به. ٣ - أن يكون ما يشتريه من الثمر دون خمسة أوسق. وسمِّيت النَّخلات عرايا لانفرادها في الحكم عن نظائرها في بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر، وهو المزابنة، وقيل لأنها عريت عن النقد.

стр. 761

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن الأصل في بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر التحريم، بدليل قوله: «رَخَّصَ»، فهو إباحة، فالرخصة إنما تكون مما هو محرم؛ لوجود مقتض للإباحة. ٢ - جواز بيع العرايا بالشروط المتقدمة. ٣ - النص على تقييد الإباحة بما دون خمسة أوسق. ٤ - أن تقدير الإباحة بخمسة أوسق مشكوك فيه، فيجب بناء الرخصة على اليقين، وهو ما دون خمسة أوسق، لأن الأصل في بيع الرطب بالتمر التحريم. ٥ - أن أحاديث العرايا مخصصة لأحاديث النهي عن بيع التمر بالتمر إلا مثلًا بمثل. ٦ - جواز بيع العرايا في العنب والتين قياسًا على بيع الرطب بالتمر، وفيه خلاف. ٧ - أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم ربا الوسائل، فلذا يرخص منه ما تدعو إليه الحاجة، بخلاف ربا النسيئة، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ (١). ٨ - سماحة شريعة الإسلام لما اشتملت عليه من أنواع التيسير، ومن ذلك بيع العرايا للحاجة. * * * * * (٩٥٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٩٥٣) وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا؟ قَالَ: «حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ» (٣).

стр. 762

(٩٥٤) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَى (١). قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: «تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). (٩٥٥) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إلا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (٣). (٩٥٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). (٩٥٧) وَفِي رِوَايَةٍ له؛ أن النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (٥). (٩٥٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). * * * هذه الأحاديث تتعلق ببيع الأصول والثمار، والمراد بالأصول الأعيان الثابتة؛ التي يكون قبضها بالتخلية؛ كالدُّور، والشجر، مما له ثمر؛ كالنخل، وشجر العنب، ونحو ذلك، مما يمكن بيع ثمره دون أصله. والمراد بالثمار ثمار الأشجار على اختلاف أنواعها.

стр. 763

وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - تحريم بيع الثمر قبل بدو صلاحه إلا لمن يريد قطعه في الحال. ٢ - جواز بيع الثمر إذا بدا صلاحه، ولو لم ينضج. ٣ - اعتبار بدو الصلاح في كل جنس بحسبه، إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها بالإجماع، وجاز بيع ثمر هذا النوع، على الصحيح. ٤ - أن بدو الصلاح في النخل أن يحمر أو يصفر. ٥ - الحكمة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهي أنه معرض للفساد، وهي العاهة المذكورة في الحديث، فإذا بدا صلاح الثمر ذهبت العاهة. ٦ - تحريم بيع العنب حتى يبدو صلاحه؛ بأن يسود أو يبيض ويتموه حلوًا. ٧ - تحريم بيع الزرع حتى يشتد حبه. ٨ - أن ضمان الثمرة إذا أصابته جائحة سماوية على البائع، وهو معنى أمره ﷺ بوضع الجوائح. ٩ - أن من كمال الشريعة قطع أسباب المنازعات، كما يظهر من النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وفي وضع الجوائح. ١٠ - أن التلف اليسير من الثمرة لا يضمنه البائع. ١١ - حسن تعليمه ﷺ ؛ لتعليله الحكم بوضع الجائحة بأن أخذ البائعِ الثمنَ من المشتري -والحالة هذه- أخذٌ بغير حق؛ إذْ لم يحصل للمشتري مقصوده. ١٢ - أن التخلية في بيع الثمر على الشجر ليس قبضًا للمبيع. ١٣ - جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه، تبعًا لأصوله، لقوله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».

стр. 764

١٤ - أن الثمرة قبل التأبير -وهو التلقيح - للمشتري. ١٥ - جواز الشرط في البيع في الجملة. ١٦ - أن ما لا يجوز بيعه منفردًا قد يجوز بيعه تبعًا؛ كالحمل والثمرة؛ لقوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ». ١٧ - أن الأصل حرمة مال المسلم؛ فلا يحل شيء منه إلا بطيب نفس أو بسبب شرعي. ١٨ - أن بائع النخل يستحق الثمرة بعد التأبير ولو لم يستثنها. ١٩ - أن المعتبر في استحقاق بائع النخل للثمرة هو التأبير لا التشقق. ٢٠ - كمال الشريعة لاشتمالها على جميع أحكام المعاملات المالية. * * * * *

стр. 765

أَبْوَابُ السَّلَمِ وَالقَرْضِ وَالرَّهْنِ جمع المصنف ﵀ هذه الأبواب في عنوان واحد لقلة الأحاديث فيها، ولما بينها من التشابه، لأن كلا منها يتعلق به دين، والقرض دين، والرهن توثقة بدين، والسلم بيع موصوف في الذمة مؤجل، بثمن مقبوض في مجلس العقد، والقرض بذل مال مجانا لمن ينتفع به ويرد بدله، والرهن توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها عند تعذر الوفاء. * * * * * (٩٥٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٦٠) ولِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ». (٩٦١) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَا: «كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى». قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: «مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). (٩٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣).

стр. 766

(٩٦٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ بِنَسِيئَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ». أخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). * * * في هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز بيع السلم، وقد تقدم تعريفه. ٢ - أن بيع السلم كان معروفًا في الجاهلية، وأقره الرسول ﷺ بشروط، لقوله ﷺ : «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، ومن شروط السلم أن يكون المبيع مما ينضبط بالصفة، كالمثليات؛ من مكيل وموزون ومذروع ومعدود، والإسلاف تعجيل الثمن. ٣ - جواز البيع بالصفة. ٤ - أنه ليس من شرط السلم أن يكون المبيع مملوكًا للبائع عند العقد. ٥ - أنه ليس من شروط السلم أن يكون للمُسلَم إليه شجر أو زرع. ٦ - أن أحاديث جواز السلم مخصصة لقوله ﷺ : «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٢). ٧ - جواز البيع إلى أجل بتأجيل الثمن، أو تأجيل المبيع، ولا يجوز تأجيلهما معًا. ٨ - جواز السلم بكل شيء ينضبط بصفة. ٩ - جواز السلم في ثمر النخل. ١٠ - أن من شروط السلم العلم بمقدار المبيع وصفته.

стр. 767

١١ - جواز الاستصناع، كأن يطلب من النجار أن يصنع له بابًا، ومن الخياط أن يعمل له ثوبًا. ١٢ - أن السكوت عن الشيء في المعاملة يدل على أنه ليس بشرط، وأُخذ من هذا قاعدة، وهي: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. ١٣ - قطع الشريعة لأسباب النزاعات؛ ومنها الجهل بالمبيع، والجهل بالأجل. ١٤ - حرمة مال الناس. ١٥ - تحريم أخذها لإتلافها عليهم؛ بجحدها أو المماطلة بها. ١٦ - جواز الدين مع نية الوفاء. ١٧ - أن الجزاء من جنس العمل، لقوله ﷺ : «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللهُ». ١٨ - أن الجزاء من الله مبناه العدل والفضل. ١٩ - الحث على حسن النية في المعاملة. ٢٠ - التحذير من فساد النية. ٢١ - إثبات الإرادة للعبد، والرد على الجبرية. ٢٢ - إثبات أفعال الله الاختيارية. ٢٣ - تواضعه ﷺ ؛ فهو يقبل المشورة ولا يغضب لنفسه. ٢٤ - الظاهر أن الذي امتنع عن البيع من الرسول ﷺ نسيئة كافر، وجاء في رواية التصريح بأنه يهودي (١).

стр. 768

٢٥ - جواز معاملة الكفار بالبيع والشراء منهم، ويشهد له قصة رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي في ثمن ثلاثين صاعًا من شعير. ٢٦ - جواز تصديق الكافر إذا ظهر منه الصدق في المعاملة. ٢٧ - أنه يمر بالرسول ﷺ وقت لا يجد فيه ما يشتري به حاجته. * * * * * (٩٦٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٩٦٥) وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أّنَّ المحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ (٢). (٩٦٦) وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ أن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا قَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (٩٦٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، فَهُوَ رِبًا». رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ (٤). (٩٦٨) وَلَهُ شاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ (٥). (٩٦٩) وآخرُ موقُوفٌ عَنْ عبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (٦). * * *

стр. 769

هذه الأحاديث تضمنت حكم انتفاع المرتهن بالرهن، والمقترض بالقرض. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز ركوب الدابة المرهونة في مقابل النفقة عليها، بقدر النفقة، ولا يكون مثل ذلك في السيارة؛ لأنها لا تحتاج إلى نفقة إلا أن يستأجرها بإذن الراهن. ٢ - جواز الانتفاع بلبن البهيمة المرهونة ذات اللبن، بقدر النفقة عليها. ٣ - أن نفقة الرهن تجب على المرتهن إذا كان هو المنتفع بالظهر أو اللبن. ٤ - جواز رهن الحيوان. ٥ - أن الأصل قبض المرتهن للرهن، والصحيح أنه ليس بشرط لصحة الرهن، ولا للزومه. ٦ - رعاية الشارع للحيوان بإيجاب النفقة عليه. ٧ - جواز التصرف في مال الغير لمصلحته في الجملة. ٨ - أن هذا الحكم من تيسير الإسلام على الراهن والمرتهن؛ فإن من الحرج تكليف الراهن بالنفقة، وتعطيل منفعة الرهن، وهو في يد المرتهن. ٩ - أن الرهن لا يَغلق على الراهن، أي لا يذهب عليه؛ بحيث يكون ملكًا للمرتهن عند حلول الدين، بل يباع ويوفى منه الدين. ١٠ - أن نماء الرهن ملك للراهن، وهذا معنى: «لَهُ غُنْمُهُ». ١١ - أن الرهن إذا تلف أو نقص من غير تعد ولا تفريط من المرتهن فإنه يتلف على الراهن، وهو معنى: «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ». ١٢ - جواز اقتراض الحيوان. ١٣ - جواز رد القرض بأفضل منه. ١٤ - أن ذلك من حسن القضاء.

стр. 770

١٥ - جواز التوكيل في قضاء الدين. ١٦ - جواز الاقتراض على بيت المال. ١٧ - أن الحيوان مثليٌّ يضمن بمثله. ١٨ - أن الزكاة تكون في الإبل؛ لقوله: «فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ»، وإضافة الإبل إلى الصدقة من إضافة الموصوف إلى الصفة. ١٩ - أن العقود تصح بما دل عليها من الألفاظ؛ لقوله ﷺ : «أَعْطِهِ إِيَّاهُ»، ولم يقل: (وفِّه إياه). ٢٠ - حسن خلقه ﷺ ، وحسن تعليمه. ٢١ - أن حديث: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، فَهُوَ رِبًا» لا يصح رواية، ولكنه صحيح المعنى في الجملة؛ لما ورد مما يشهد لصحة معناه. ٢٢ - تحريم التوصل بالقرض إلى النفع بشرط لفظي أو عرفي أو بحيلة؛ كأن يُسكن المقترضُ المقرضَ داره إلى أن يقضيه، أو يعيره دابته أو سيارته؛ لأن ذلك يخرج القرض عن حقيقته، وهو الإحسان والارتفاق. * * * * *

стр. 771

بَابُ التَّفْلِيسِ وَالحَجْرِ التفليس: مأخوذ من الفَلَس، وهو اسم من الإفلاس، وهو الإعدام من المطلوب والمحبوب، والتفليس تصيير الإنسان مفلسا، والمفلس في العرف هو من لا مال له ولا متاع، وفي الاصطلاح: من لا يفي ماله بقضاء دينه، والتفليس حكم القاضي عليه بالفَلَس. والحَجْر: لغة المنع، ومنه الحِجْر للمكان المحجور، وكل شيء ممنوع، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا (٢٢)﴾ [الفرقان: ٢٢]، والحَجْر في الاصطلاح هو المنع من التصرف، ويقال للممنوع من التصرف: محجور عليه. والحَجْر إما لحظ المحجور عليه؛ كالحجر على الصبي والمجنون والسَّفيه، أو لحظ الغرماء، وهو الحجر على المفلس. * * * * * (٩٧٠) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٧١) ورواه أبُوْ دَاوُدَ، ومالك (٢)؛ مِنْ رِوَايَةِ أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ». وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ تبعًا لأَبِي دَاوُدَ (٣).

стр. 772

(٩٧٢) وروى أبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بنِ خَلْدةَ قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١)، وضعَّفَ أبُوْ دَاوُدَ هذه الزِّيَادَةَ في ذِكْرِ الموْتِ. * * * هذا الحديث برواياته في حكم من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد استوفى من ثمنه بشيء، فإنه أحق به. وأصل الحديث في «الصَّحِيحَيْنِ»، واختلف في ثبوت الزيادة عليه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من باع سلعة على مفلس، وهو لا يعلم بفلسه، ثم وجد ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وكذا لو باعه قبل الفلس ثم أفلس وحجر عليه. ٢ - أن علة الاستحقاق لعين المبيع أمران؛ أولهما: وجود عين المبيع، أي وجوده بحاله. الثاني: أنه لم يقبض من ثمنه شيئًا. ٣ - أن استحقاق البائع لعين المبيع يشترط له شرطان؛ الأول: ألا يكون قبض من ثمنه شيئًا. الثاني: أن يكون المبيع باقيًا بحاله لم يتغير؛ لقوله ﷺ : «بِعَيْنِهِ». ٤ - أن المشتري إذا مات كان صاحب السلعة أسوة الغرماء؛ كما تفيده الرواية المرسلة، وهي قوله: «وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ»، ويعارض هذه الروايةَ حديثُ عمر بن خلدة عن أبي هريرة المذكور في الباب: «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وضعف أبُوْ دَاوُدَ كلتا الروايتين. ولذا اختلف العلماء فيمن وجد عين ماله عند رجل مات وهو مفلس:

стр. 773

فذهب الشافعي إلى أن صاحب المتاع أحق به، عملًا بحديث أبي هريرة عند أَبِي دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وذهب مالك والإمام أحمد إلى أن البائع في حال موت المشتري أسوة الغرماء، ويعضد قول الشافعي القياس؛ إذ لا فرق بين أن يكون المفلس حيًا أو ميتًا، والمقتضي لاستحقاق استرجاع البائع للمبيع قائم، وهو وجود عين ماله الذي لم يقبض من ثمنه شيئًا، والله أعلم. * * * * * (٩٧٣) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وعلَّقَهُ البُّخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). (٩٧٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان يتعلقان بحكم من عليه دين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم المطل من القادر عليه، وهو معنى ليِّ الواجد، المذكور في الحديث. ٢ - وجوب قضاء الدين الحال، دون تمنع ولا تأخير.

стр. 774

٣ - جواز معاقبة المماطل، وجواز الطعن عليه بذلك، وهذا معنى: «يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ»، والعقوبة إنما تكون بنظر الحاكم. ٤ - أن المطل ظلم لصاحب الدين، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (١). ٥ - أن المصيبة تكون في الأموال كما تكون في النفوس؛ إما بتلف الأموال أو كسادها والخسارة فيها، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥]. ٦ - جواز الشراء بالدين حالًّا أو مؤجلًا. ٧ - استحباب إعانة المدين بالصدقة عليه بما يوفي منه دينه. ٨ - جواز صرف الزكاة في ذلك؛ لإطلاق قوله ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ». ٩ - استحباب الحث على التصدق على الغارم. ١٠ - أنه ليس للغرماء على المفلس إلا ما وجدوا عنده من المال، وهو معنى قوله ﷺ : «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ». والمراد أنه يجب عليهم إنظاره فيما بقي، وليس المراد أنه يسقط ما بقي من دينهم، وقيل: يسقط الدين لقوله: «وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، والأشبه أن هذا مذهب الظاهرية. ١١ - أن الثمر إذا تلف بعد تمام قبض المشتري كان من ضمانه، لقوله في الحديث: «فَكَثُرَ دَيْنُهُ»، ولو كان قبل القبض لكان من ضمان البائع، كما يدل له حديث وضع الجوائح، وهذا أحسن ما يقال في الجمع بين الحديثين. * * * * *

стр. 775

(٩٧٥) وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرُجِّح (١). (٩٧٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٩٧٧) وَفِي رِوَايَةٍ للبيهقي: «فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ». وصححها ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). (٩٧٨) وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ ﵁ قَالَ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ (٤). * * * هذه الأحاديث تتضمَّن ذكر نوعي الحجر؛ الحجر لمصلحة المحجور عليه، والحجر لمصلحة غيره، وهم الغرماء. وفي هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - جواز الحجر على المفلس، وهو الذي لا يفي ماله بدينه. ٢ - أن معاذًا كان ممن حجر عليهم النبي ﷺ للدين الذي كان عليه. ٣ - أن معاذًا ﵁ لم يكن ثريًّا. ٤ - الحذر من تحمل الدين من غير حاجة ماسة إلا أن يكون له ما يوفي منه.
следующие страницы →