← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بَابُ التَّفْلِيسِ وَالحَجْرِ التفليس: مأخوذ من الفَلَس، وهو اسم من الإفلاس، وهو الإعدام من المطلوب والمحبوب، والتفليس تصيير الإنسان مفلسا، والمفلس في العرف هو من لا مال له ولا متاع، وفي الاصطلاح: من لا يفي ماله بقضاء دينه، والتفليس حكم القاضي عليه بالفَلَس. والحَجْر: لغة المنع، ومنه الحِجْر للمكان المحجور، وكل شيء ممنوع، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا (٢٢)﴾ [الفرقان: ٢٢]، والحَجْر في الاصطلاح هو المنع من التصرف، ويقال للممنوع من التصرف: محجور عليه. والحَجْر إما لحظ المحجور عليه؛ كالحجر على الصبي والمجنون والسَّفيه، أو لحظ الغرماء، وهو الحجر على المفلس. * * * * * (٩٧٠) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٧١) ورواه أبُوْ دَاوُدَ، ومالك (٢)؛ مِنْ رِوَايَةِ أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ». وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ تبعًا لأَبِي دَاوُدَ (٣).

стр. 772

(٩٧٢) وروى أبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بنِ خَلْدةَ قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١)، وضعَّفَ أبُوْ دَاوُدَ هذه الزِّيَادَةَ في ذِكْرِ الموْتِ. * * * هذا الحديث برواياته في حكم من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد استوفى من ثمنه بشيء، فإنه أحق به. وأصل الحديث في «الصَّحِيحَيْنِ»، واختلف في ثبوت الزيادة عليه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من باع سلعة على مفلس، وهو لا يعلم بفلسه، ثم وجد ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وكذا لو باعه قبل الفلس ثم أفلس وحجر عليه. ٢ - أن علة الاستحقاق لعين المبيع أمران؛ أولهما: وجود عين المبيع، أي وجوده بحاله. الثاني: أنه لم يقبض من ثمنه شيئًا. ٣ - أن استحقاق البائع لعين المبيع يشترط له شرطان؛ الأول: ألا يكون قبض من ثمنه شيئًا. الثاني: أن يكون المبيع باقيًا بحاله لم يتغير؛ لقوله ﷺ : «بِعَيْنِهِ». ٤ - أن المشتري إذا مات كان صاحب السلعة أسوة الغرماء؛ كما تفيده الرواية المرسلة، وهي قوله: «وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ»، ويعارض هذه الروايةَ حديثُ عمر بن خلدة عن أبي هريرة المذكور في الباب: «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وضعف أبُوْ دَاوُدَ كلتا الروايتين. ولذا اختلف العلماء فيمن وجد عين ماله عند رجل مات وهو مفلس:

стр. 773

فذهب الشافعي إلى أن صاحب المتاع أحق به، عملًا بحديث أبي هريرة عند أَبِي دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وذهب مالك والإمام أحمد إلى أن البائع في حال موت المشتري أسوة الغرماء، ويعضد قول الشافعي القياس؛ إذ لا فرق بين أن يكون المفلس حيًا أو ميتًا، والمقتضي لاستحقاق استرجاع البائع للمبيع قائم، وهو وجود عين ماله الذي لم يقبض من ثمنه شيئًا، والله أعلم. * * * * * (٩٧٣) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وعلَّقَهُ البُّخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). (٩٧٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان يتعلقان بحكم من عليه دين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم المطل من القادر عليه، وهو معنى ليِّ الواجد، المذكور في الحديث. ٢ - وجوب قضاء الدين الحال، دون تمنع ولا تأخير.

стр. 774

٣ - جواز معاقبة المماطل، وجواز الطعن عليه بذلك، وهذا معنى: «يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ»، والعقوبة إنما تكون بنظر الحاكم. ٤ - أن المطل ظلم لصاحب الدين، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (١). ٥ - أن المصيبة تكون في الأموال كما تكون في النفوس؛ إما بتلف الأموال أو كسادها والخسارة فيها، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥]. ٦ - جواز الشراء بالدين حالًّا أو مؤجلًا. ٧ - استحباب إعانة المدين بالصدقة عليه بما يوفي منه دينه. ٨ - جواز صرف الزكاة في ذلك؛ لإطلاق قوله ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ». ٩ - استحباب الحث على التصدق على الغارم. ١٠ - أنه ليس للغرماء على المفلس إلا ما وجدوا عنده من المال، وهو معنى قوله ﷺ : «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ». والمراد أنه يجب عليهم إنظاره فيما بقي، وليس المراد أنه يسقط ما بقي من دينهم، وقيل: يسقط الدين لقوله: «وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، والأشبه أن هذا مذهب الظاهرية. ١١ - أن الثمر إذا تلف بعد تمام قبض المشتري كان من ضمانه، لقوله في الحديث: «فَكَثُرَ دَيْنُهُ»، ولو كان قبل القبض لكان من ضمان البائع، كما يدل له حديث وضع الجوائح، وهذا أحسن ما يقال في الجمع بين الحديثين. * * * * *

стр. 775

(٩٧٥) وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ مُرْسَلًا، وَرُجِّح (١). (٩٧٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٩٧٧) وَفِي رِوَايَةٍ للبيهقي: «فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ». وصححها ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). (٩٧٨) وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ ﵁ قَالَ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ (٤). * * * هذه الأحاديث تتضمَّن ذكر نوعي الحجر؛ الحجر لمصلحة المحجور عليه، والحجر لمصلحة غيره، وهم الغرماء. وفي هذه الأحاديث فوائد، منها: ١ - جواز الحجر على المفلس، وهو الذي لا يفي ماله بدينه. ٢ - أن معاذًا كان ممن حجر عليهم النبي ﷺ للدين الذي كان عليه. ٣ - أن معاذًا ﵁ لم يكن ثريًّا. ٤ - الحذر من تحمل الدين من غير حاجة ماسة إلا أن يكون له ما يوفي منه.

стр. 776

٥ - جواز بيع مال المدين لوفاء دينه إذا طالبه الغرماء. ٦ - قسم مال المفلس على غرمائه بنسبة ديونهم. ٧ - أنه لا يجوز للمفلس أن يتبرع بشيء من ماله؛ لأن وفاء الدين واجب، فهو مقدم. وفي حديث ابن عمر من الفوائد: ١ - أن ابن عمر كان سنه يوم أحد أربعة عشر، وكانت الغزوة في السنة الثالثة. ٢ - أن البلوغ لا يتحقق ببلوغ أربعة عشر. ٣ - أن من لم يبلغ معدود من الصبيان فلا يؤذن له في القتال. ٤ - أن البلوغ يتحقق للإنسان بتمام خمس عشرة، وهذا مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أن البلوغ بالسن لا يكون إلا في ثمان عشرة. ٥ - أن من لم يبلغ يحجر عليه لمصلحته. ٦ - حرص الصحابة -الآباء منهم والأبناء - على الجهاد. وفي حديث عطية القُرَظي من الفوائد: ١ - أن عطية من ذرية يهود بني قريظة. ٢ - أن يهود بني قريظة قُتلوا على إثر نقضهم للعهد ومواطأتهم للأحزاب الذين تحزبوا حول المدينة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٦]. ٣ - أن من علامات البلوغ الإنبات، والمراد به نبات الشعر الخشن حول القُبُل، والعلامة الثانية بلوغ سنِّ الخامسة عشرة، والعلامة الثالثة الاحتلام، وهذه الثلاثة مشتركة بين الرجال والنساء. وتزيد المرأة بالحيض والحمل.

стр. 777

٤ - أن الصبيان لا يقتلون، وكذا النساء، وإنما يقتل الرجال المقاتلة، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ [الأحزاب: ٢٦]. ٥ - جواز كشف العورة للضرورة، ومن ذلك معرفة البلوغ إذا حصل الشك، وكذا التطبيب. * * * * * (٩٧٩) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا». وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا، إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَصَحَابُ السُّنَنِ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * حديث عمرو بن شعيب في حكم تصرف المرأة ذات الزوج في مالها، وقد دلت النصوص على أن المرأة الرشيدة تتصرف في مالها بالبيع والشراء والصدقة والهدية، دون اعتبار لإذن أحد من زوج أو ولي، وأما السفيهة واليتيمة فيُحجر عليها في مالها كما يُحجر على الرجل، ويفك الحجر بأمرين: ١ - ببلوغ النكاح، ويعلم بالاحتلام وغيره من علامات البلوغ. ٢ - بإيناس الرشد في المال، ويعرف ذلك باختباره في المعاملة بالمال، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية [النساء: ٦]، والآية عامة في الرجال والنساء. ومن الأدلة على جواز تصرف المرأة في مالها قوله ﷺ للنساء: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» (٢)، فجعلن يتصدقن بخواتمهن وأقراطهن، ولم يأمرهن باستئذان أزواجهن.

стр. 778

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن عقد النكاح نوع ملك من الرجل للمرأة، فإليه القوامة عليها وحمايتها، ومنعها ممن يتعدى عليها، ولذلك كانت أسيرة أو مشبَّهة بالأسيرة، ولذا قال ﷺ : «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (١)، ومن آثار ذلك ألَّا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تدخل أحدًا بيته إلا بإذنه، ولا توطئ فراشه أحدًا يكرهه، كما جاء في خطبة النبي ﷺ بعرفة. ٢ - أن المرأة المتزوجة ليس لها التبرع من مالها عطيةً أو هديةً إلا بإذن زوجها، وهذا يشكل مع ما تقدم، ويجاب عنه بأحد أربعة أمور: الأول: إما أن يكون هذا الحديث منسوخًا. الثاني: وإما أن يكون المراد المرأة غير الرشيدة. الثالث: أو يكون تبرعها في مالها الذي وهبه لها. الرابع: أو أن الحديث شاذٌّ لا يقاوم النصوص الدالة على جواز تصرف المرأة الرشيدة في مالها. وكيف لا يكون لها عطية في مالها؟! مع أنه يجوز لها أن تتصدق من مال زوجها غير مفسدة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث، وذهب الجمهور إلى القول الأول، وأن المرأة الرشيدة تتصرف في مالها دون إذن من زوجها أو وليها، وأقرب الأجوبة عن هذا الحديث هو الثاني والثالث. * * * * * (٩٨٠) وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 779

هذا الحديث تقدم ذكره، في كتاب الزكاة باب قسم الصدقات، وذكرت هناك فوائده، فارجع إليه. ومناسبة ذكره في باب الحجر أن من ادعى الإعسار، وقد عُرف بالغنى وعليه دين، فإنه يحجر عليه، إلا أن يقيم بينة على دعواه، ونصاب البينة في دعوى الإعسار ثلاثة عدول من قومه يشهدون بأنه ذهب ماله فأصابته فاقة. والله أعلم. ويضاف هنا إلى ما ذكر من الفوائد: ١ - أن الجائحة التي تبيح المسألة هي الجائحة في جميع المال، لا في بعض؛ لقوله: «فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ». ٢ - الترغيب في إعانة من تحمل حمالة في سبيل إصلاح ذات البين بين طائفتين، ونحوه من أفعال الخير العامة. ٣ - الترغيب في المحافظة على عزة المسلم. ٤ - أن لسبب الاكتساب أثرًا في حله أو حرمته. ٥ - أن المال المكتسب بالسؤال في هذه الأحوال حلال. ٦ - أن لحل المسألة في هذه الأحوال غاية، وهي أن يصيب المتحمل قدر حمالته، ويصيب الآخران ما يسد حاجتهما قواما من عيش. ٧ - أن المال المكتسب بالسؤال في غير هذه الأحوال حرام؛ لقوله في أصل الحديث: «فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». * * * * *

стр. 780

بَابُ الصُّلْحِ الصلح: اسم مصدر من الإصلاح، أو الاصطلاح، والمراد به ترك الخصومات وقطع المنازعات، وهو من أفضل الأعمال، ويكون واجبًا ويكون مستحبًّا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، والدليل من السنة حديث عمرو بن عوف المذكور في الباب. * * * * * (٩٨١) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا وَ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا وَ أَحَلَّ حَرَامًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (١). وأنْكَرُوا عَلَيهِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. (٩٨٢) وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢). * * * هذا أشهر حديث في الصلح، وهو -وإن كان ضعيفًا لضعف راويه كثير بن عبد الله - فإن معناه متفق عليه، بل هو من قواعد الشريعة في المعاملة بين المسلمين، ويلاحظ أنه يدخل في بابين، باب الصلح، وباب الشروط في العقود.

стр. 781

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الصلح في المنازعات التي تكون بين المسلمين أفرادًا وجماعات. ٢ - تحريم الصلح المتضمن تحليل الحرام أو تحريم الحلال. ٣ - أن الأصل في الصلح الجواز إلا أن يدل دليل على التحريم بتضمنه الحرام. ٤ - جواز الشروط في العقود التي تكون بين المسلمين وغيرهم. ٥ - وجوب الوفاء بالشروط؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ومن الوفاء بالعقد الوفاء بشرطه. ٦ - تحريم ما تضمن من الشروط تحليل الحرام أو تحريم الحلال. ٧ - أن الأصل في الشروط الجواز إلا أن يدل دليل على ما يوجب تحريمه. ٨ - أن من شرط شرطًا له أو عليه فهو باق على شرطه، إلا أن يتفق الطرفان أو من له الحق على رفعه. ٩ - أن حكم الله وشرطه مقدم على حكم المخلوق وشرطه. ١٠ - أن كل قانون يناقض شرع الله باطل. * * * * * (٩٨٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * *

стр. 782

هذا الحديث يتضمن حقًا من حقوق الجار، وللجار على الجار حقوق، وقد أوصى الله بالإحسان إلى الجار، والجار المسلم ذو القرابة له ثلاثة حقوق، والجار المسلم الذي لا قرابة له له حقان، والجار الكافر له حق الجوار، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بإكرام الجار والإحسان إليه، ونهى عن إيذائه، وقال ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (١)، فالإحسان إلى الجار أفضل من الإحسان إلى البعيد، وظلم الجار أعظم من ظلم البعيد، وحرمته أعظم من حرمته. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من حق الجار على جاره أن يغرز خشب سقف بيته على جدار جاره إذا احتاج إليه، إذا كان الجدار يتحمل ذلك، ولا ضرر على صاحب الجدار، ومثل هذا وضع جسر على الجدار، من أجل بناء ملحق ونحوه. ٢ - أن من محاسن الإسلام مراعاة الجوار. ٣ - أن من الأخلاق الكريمة بذل الجار لجاره ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه فيه. ٤ - أن من سيئ الأخلاق بخل الإنسان بما لا يضره. ٥ - إعراض أكثر الناس عن أداء هذا الحق المذكور في الحديث في عهد أبي هريرة ﵁، فكيف بهم اليوم؟! ولهذا يطلب كثير من الناس من الجار عوضًا عن انتفاعه بجداره، وهو ما يسمى بالمباناة. ٦ - فضل أبي هريرة ﵁ لصدعه بالحق، وروايته الحديث الذي يخالف أهواء الناس، وذلك في قوله: «وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ»، أي لأعلنن هذا الحديث بينكم، وإن كرهتم.

стр. 783

٧ - أن الجار إذا انتفع بجدار جاره لا تجب عليه المباناة. ٨ - أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من وضع خشبه. ٩ - أنه لا ينبغي للجار أن يغرز خشبه في جدار جاره إلا بإذنه، فإنه إذا لم يفعل ذلك ساءت العلاقة بينهما. * * * * * (٩٨٤) وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا (١). * * * في هذا الحديث دليل على حرمة مال المسلم. وفيه فوائد؛ منها: ١ - أنه لا يحل شيء من مال المسلم إلا بطيب نفس منه. ٢ - أنه لا فرق بين القليل والكثير. ٣ - أن العصا لا يجوز أخذها من صاحبها، وإن كانت مما لا تتبعه همة أوساط الناس، ولذا يجوز التقاطها من غير تعريف، إذا كانت عادية، أما العصا الغالية، وهي المصنوعة من مادة نفيسة، أو مزينة بنقش ونحوه، أو بفضة، أو شيء من الذهب، فيجب تعريفها. ٤ - حِلُّ ما طابت به نفس الإنسان، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. * * * * *

стр. 784

بَابُ الحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ الحوالة: مصدر أو اسم مصدر من حاله، أو أحاله، وأصله من التحول، وهي في الاصطلاح إحالة الغريم بدينه ليستوفيه مما في ذمة المحال عليه للمحيل. والضمان هو التزام ما على غيره من حقوق من دين ونحوه، ويسميها الناس الآن كفالة. * * * * * (٩٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٨٦) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: «فَلْيَحْتَلْ» (٢). * * * مضمون هذا الحديث يرجع إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، وهو السماحة في القضاء والاقتضاء، قال رسول الله ﷺ : «رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى» (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب قضاء الدين وأداء الحق إذا طلبه صاحبه، واستحباب بذله بلا طلب. ٢ - تحريم مطل الغني، وأنه ظلم، والمطل هو التمنع من قضاء الدين وأداء الحق، ومدافعة صاحبه من غير عذر.

стр. 785

٣ - أن امتناع المعسر من قضاء دينه لعسرته ليس بظلم. ٤ - جواز الحوالة. ٥ - وجوب قبول الحوالة. ٦ - أن رضا المحال ليس شرطًا لصحة الحوالة وكذا المحال عليه، إذا كان المحال عليه مليئاً. ٧ - براءة ذمة المحيل من دينه إذا صحت الحوالة، فلا يرجع عليه المحال. ٨ - جواز مطالبة صاحب الحق بحقه من دين وغيره. ٩ - الإرشاد إلى السماحة في القضاء والاقتضاء، وأن ذلك من محاسن الإسلام. ١٠ - جواز الدعاء على المماطل؛ لأن النبي ﷺ سمَّى المطل ظلمًا، وفي الحديث: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ» (١). * * * * * (٩٨٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حَقَّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالْحَاكِمُ (٢). (٩٨٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟» فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى

стр. 786

عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٨٩) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً» (٢). * * * هذان الحديثان أصل في جواز ضمان الدين، وثبوته في ذمة الضامن، وقد استُدل على الضمان بقوله تعالى عن المؤذن في قصة يوسف: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيم (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، والزعيم الضمين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعية تغسيل الميت، وهو فرض كفاية. ٢ - مشروعية تكفينه، وهو فرض كفاية. ٣ - مشروعية تحنيطه، أي تطييبه، وهو مستحب. ٤ - مشروعية الصلاة عليه، وهي فرض كفاية. ٥ - استحباب إحضار الميت لأهل الفضل للصلاة عليه. ٦ - جواز تأخير الصلاة على الميت تأخيرًا يسيرًا. ٧ - كراهة تحمل الدين لمن لا وفاء عنده. ٨ - ترك أهل الفضل الصلاةَ على الميت، زجرًا عن فعله المنهي عنه. ٩ - أن الدين الذي ترك له الميت وفاء أو كان له ضامن لا يمنع من صلاة أهل الفضل عليه. ١٠ - جواز السؤال عن المانع من الصلاة على الميت إذا كان متوقعًا. ١١ - أنه ليس لبيت المال شيء من تركة الميت إلا ألا يكون له ورثة. ١٢ - أن ما تركه الميت من المال والضياع فلورثته، لكن بعد الدين والوصية.

стр. 787

١٣ - جواز ضمان الدين، وأنه من الإحسان، ولا سيما دين المعسر. ١٤ - أن ضمان دين الميت تبرأ به ذمته، دون دين الحي؛ لقوله ﷺ : «وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟». ١٥ - استثبات القاضي من المُقِر؛ لقوله ﷺ : «حَقَّ الغَرِيْمِ؟». ١٦ - ثبوت حق الغريم في ذمة الضامن. ١٧ - فضيلة أبي قتادة ﵁. ١٨ - الاكتفاء في الجواب من المقر ب نعم. ١٩ - الاستفصال عن الدين الذي على الميت. ٢٠ - أن ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين الذي لم يترك وفاء لا يمنع من صلاة غيره عليه؛ لقوله: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». ٢١ - أن ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين كان في أول الأمر. ٢٢ - ضمان الإمامِ دينَ المتوفى الذي لا وفاء عنده، إذا كان في بيت المال ما يتحمله. ٢٣ - أن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذه الأولوية تقتضي أمرين: الأول: محبته ﷺ فوق محبة النفس. الثاني: قضاء دين الميت من بيت المال، والولاة بعده بمنزلته ﷺ في هذا الأمر. * * * * * (٩٩٠) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ». رواه الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (١). * * *

стр. 788

هذا الحديث لم يرد في السنة غيره في الكفالة، وهو ضعيف، والكفالة هي الالتزام بإحضار من عليه الحق، من غير ضمان ما عليه، إلا ألا يستطيع إحضاره، والناس اليوم يطلقون الكفالة على الضمان، والكفالة جائزة عند العلماء في الجملة، والفرق بين الكفالة والضمان أن الضمان التزام بالحق، وللمضمون له مطالبة الضامن مع إعسار المضمون أو موته، وأما في الكفالة فلا يطالب الكفيل بالحق إذا أحضر المكفول. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه لا تصح الكفالة في الحدود؛ لأنه لا يمكن استيفاؤها من الكفيل، وقيل: تصح، والحديث ضعيف. ٢ - صحة الكفالة في الجملة. * * * * *

стр. 789

بَابُ الشَّرِكَةِ وَالوَكَالَةِ الشركة: مأخوذة من الشِّرْك، وهو القسط من الشيء. والشركة نوعان: الأول: شركة أملاك، وهي أن تكون العين أو المنفعة ملكًا لاثنين فأكثر ملكًا مشاعًا، وهو اشتراك في الاستحقاق. الثاني: شركة عقود، وهي عقد يوجب الاشتراك في الملك والتصرف، أو التصرف فقط، وهي أنواع منها شركة العنان وشركة المضاربة. والوكالة: اسم مصدر من التوكيل، وهي لغة الاستنابة، وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف غيرَه في ما لَه التصرف فيه، مما تدخله النيابة. * * * * * (٩٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث أصل في جواز الشركة بأنواعها السالمة من المخالفات الشرعية، وهو حديث قدسي يرويه النبي ﷺ عن ربه، والصواب أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله، إلا أنه ليس له حكم القرآن؛ فلا تجزئ القراءة به في الصلاة، ويباح مسه بغير طهارة.

стр. 790

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الشركة. ٢ - أن أقل ما تتحقق به الشركة اثنان. ٣ - فضل الأمانة وذم الخيانة. ٤ - إثبات المعية الخاصة؛ لقوله تعالى: «أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ»، كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية. ٥ - أن سبب هذه المعية الأمانة. ٦ - أن معية الله للعبد سبب للخير وحلول البركة، وسلب المعية سبب لمحو البركة وعدم التوفيق. ٧ - ذم الخيانة، وأنها سبب لسلب معية الله للشريكين، لقوله تعالى: «خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا»، أي تركتهما، وفي هذا نفي للمعية. ٨ - الترغيب في الأمانة، والتحذير من الخيانة. * * * * * (٩٩٢) وَعَنِ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ؛ أنهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ (١). * * * هذا الحديث يتعلق بجانب من سيرته ﷺ ، وهو التجارة، ومن المشهور من سيرته ﷺ أنه سافر قبل البعثة إلى الشام مرتين بتجارة لخديجة بنت خويلد ﵂، فعرفت منه الأمانة والبركة في تجارته، لذلك رغبت في الزواج منه ﷺ .

стр. 791

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الشركة. ٢ - أنه كان للنبي ﷺ شريك في التجارة، وهو السائب المخزومي. ٣ - حسن خلقه ﷺ . ٤ - التنويه بسمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٦٧) بب الحفاوة. ٥ - تقديم علاقة الأخوة في الله على ذكر علاقة التجارة. ٦ - استحباب الترحيب بالصاحب، وتذكيره بالعلاقة بينهما. * * * * * (٩٩٣) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ … » الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وغيره (١). * * * هذا الحديث أهم ما استُدل به على جواز الاشتراك في الغنائم، وإن لم يكن الحديث مرفوعًا فوقوعه في عهد النبي ﷺ ولم ينه عنه دليل على الجواز، وإن قُدِّر أنه لم يعلم به؛ لأنه لو كان مما ينهى عنه لنزل القرآن بالنهي عنه، كما قال جابر: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ» متفق عليه (٢). ومع ذلك فالحديث مضعف، فهو من رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، ولم يدرك أباه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الاشتراك فيما يصيبه المجاهد من الغنيمة. ٢ - أن بين الثلاثة ﵃ صلة خاصة، ولذا اشتركوا.

стр. 792

٣ - جواز أسر المقاتلة من الكفار، ولكن بعد الإثخان، وقد أسر في بدر سبعون من الكفار، وقد عاتب الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين، فقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]. وظاهر الحديث اختصاص المذكورين بفداء الأسيرَين، كما جاء ذكر الفداء في أصل الحديث، كما يختص القاتل بسلب المقتول، وهو مشكل؛ إذ لم يقل النبي ﷺ : من أسر أسيرًا فله فداؤه. وأجاب بعضهم بضعف الحديث، وحمله بعضهم على أن ذلك كان قبل نزول القرآن بقسمة الغنيمة، وأنه كان أول الأمر من أصاب شيئًا فهو له. ولا يبعد -والله أعلم - أنه بعد نزول القرآن بقسمة الغنيمة بطلت هذه الشركة؛ إذ لم يكن لأحد اختصاص بشيء سوى سهمه الذي يستحقه، كغيره. ٤ - جواز شركة الأبدان، وهو الاشتراك فيما يكتسبه كل واحد؛ مثل صناعة أو عمل؛ كالاحتطاب ونحوه. وفي جوازها خلاف، والجمهور على جوازها، والأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على منعه. ٥ - سعة الشريعة بتنويع طرق الكسب. * * * * * (٩٩٤) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي بِخَيْبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ وصَحَّحَهُ (١). (٩٩٥) وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (٢).

стр. 793

(٩٩٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ … » الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٩٩٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ … الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٩٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا … » الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في جواز الوكالة في كل ما للإنسان التصرف فيه، مما تدخله النيابة من العبادات والمعاملات. وفيها فوائد؛ منها: ١ - جواز التوكيل في قبض المال وفي دفعه، كما في حديث جابر، وجابر وكيل في قبض المال، ووكيل النبي ﷺ في خيبر وكيلٌ في قبض المال من اليهود، وهو ثمر النخل الذي عاملهم عليه النبي ﷺ ، ووكيلٌ في دفعه لجابر أو غيره، ووكيل النبي ﷺ في خيبر لعله سواد بن غزية، كما رجحه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤). ٢ - اتخاذ علامة بين الوكيل والموكِّل، كما جاء في أصل حديث جابر، قال ﷺ : «فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ». ٣ - جواز تصرف الإمام في المال العام بما يراه مصلحة. ٤ - أن من هدي الصحابة أحيانًا ﵃ أن يخبروا النبي ﷺ إذا أرادوا الخروج لسفر.

стр. 794

٥ - جواز التوكيل في شراء الأضحية، وغيرها من باب أولى، كما في حديث عروة، وقد تقدم ذكر فوائده، عند ذكر المؤلف له في كتاب البيوع (١). ٦ - جواز التوكيل في قبض الصدقة من أصحاب الأموال، وفي أصل هذا الحديث أنه لما رجع عمر ﵁ قيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟». وفي هذا الجواب من النبي ﷺ فوائد؛ منها: أ. الرد عن عرض المسلم المتهم بغير حق. ب. فضل خالد بن الوليد ﵁. ج. جواز وقف العروض. د. فضل وقف عدة الحرب في سبيل الله. هـ. أن العم بمنزلة الأب. و. أن العباس لم يمنع زكاته، بل لأنه كان عجلها لسنتين، ورجحه النووي (٢)، ولذا قال الرسول ﷺ : «هِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا». ز. أن خالد بن الوليد ليس ممن يمنع الزكاة؛ لأنه ممن حبس أعتاده وأدراعه في سبيل الله. ح. إنكار النبي ﷺ على ابن جميل منعه الزكاة. ط. أن ابن جميل كان فقيرًا فأغناه الله. ي. أن الغنى بعد الفقر يستوجب الشكر، ومنه أداء الزكاة. ك. الذم بما يشبه المدح.

стр. 795

٧ - جواز التوكيل في نحر الهدي وقسم لحومها وجلودها. ٨ - فضيلة علي ﵁ في توليته ذلك. ٩ - جواز التوكيل في إثبات الحد وإقامته. ١٠ - ثبوت حد الزنا بالاعتراف. ١١ - سؤال المتَّهم بما يوجب الحد للتثبت. ١٢ - أن ثبوت الزنا من العسيف كان بالاعتراف الذي دل عليه قول أبيه، ولعل الابن كان حاضرًا، فلذا حكم عليه النبي ﷺ . ١٣ - أنه لا يقبل قول الإنسان على غيره بغير بينة؛ لأن النبي ﷺ لم يقبل قول الرجل على المرأة حتى أرسل من يسألها. ١٤ - إقامة حد الزنى على المرأة. ١٥ - أن القذف وتبادل التهم في مكان الحكم لا يوجب حدًّا ولا تعزيرًا. ١٦ - أن حد الزاني المحصن الرجم. ١٧ - أنه لا يجمع بين الجلد والرجم في حد المحصن؛ لأنه آخر الأمرين. ١٨ - أنه لا يشترط في إثبات الزنى تكرار الإقرار؛ للإطلاق في قوله: «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». وما ذكره المؤلف هو طرف من حديث طويل، وفيه قصة، ولفظه كما في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ-: نَعَمْ؛ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُلْ»، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى

стр. 796

امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَتْ. وفيه من الفوائد -عدا ما تقدم -: ١ - جواز الحضور في مجلس الحكم لغير المختصمين. ٢ - أن التحاكم في الخصومات كان في عهد رسول الله ﷺ إليه. ٣ - أن من الفقه معرفة قدر النبي ﷺ ؛ لقوله: «وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ»، لأن الأول ناشد النبي ﷺ أن يحكم بكتاب الله، مما يدل على قلة فقهه؛ لأن النبي ﷺ لن يحكم إلا بكتاب الله. ٤ - جواز المناشدة بالله، ومعنى «أَنْشُدُكَ اللهَ»: أسألك مذكِّرًا لك بالله. ٥ - أن زوج المرأة كان أعرابيًا، وربما كان الآخر كذلك. ٦ - جفاء بعض الأعراب. ٧ - حلم النبي ﷺ ، وحسن خلقه. ٨ - الحكم بالقرائن، لقول الراوي: «وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». ٩ - أدب الخصوم مع الحاكم؛ لقول الرجل: «وَأْذَنْ لِي». ١٠ - جواز فتيا المفضول مع وجود الفاضل. ١١ - جواز الحلف على الحكم والفتيا، وهذا كثير من النبي ﷺ ؛ لأنه على يقين من حكمه وفتواه. ﷺ . ١٢ - جواز الحلف على الأمر المهم وإن لم يستقسم الحالف. ١٣ - جواز القسم بهذه الصيغة «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»، ونحوها.

стр. 797

١٤ - الحكمة في القسم بهذه الصيغة، وهي التذكير بأن نفوس العباد بيده سبحانه، يقبضها إذا شاء، ويبقيها إذا شاء. ١٥ - خطر الفتوى بغير علم؛ فإنها تؤدي إلى تغيير حكم الله، وأكل المال بالباطل. ١٦ - أن الحدود لا يفتدى منها بالمال. ١٧ - فائدة الرجوع إلى أهل العلم؛ لقوله: «فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ». ١٨ - أن من أخذ منه مال بغير حق وجب رده عليه. ١٩ - وجوب حد الزنى. ٢٠ - أن حد الزاني البكر جلد مئة وتغريب عام، وهذا في الأحرار، أما الرقيق فحد العبد والأمة خمسون جلدة، محصنا كان أو غير محصن؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ٢١ - أن كل ما حكم به الرسول ﷺ فهو من حكم الله، ومما دل عليه كتاب الله ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ٢٢ - خطورة الخدم في البيوت من الرجال والنساء. ٢٣ - التصريح بما يستقبح التكلم به للحاجة. * * * * *

стр. 798

بَابُ الِإقْرَارِ (٩٩٩) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُلِ الْحَقَّ، وَلَوْ كَانَ مُرًّا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١). * * * ذكر المؤلف ﵀ باب الإقرار بعد باب الشركة والوكالة؛ لأن الشركة والوكالة مظنة للخصومة والاختلاف في الحقوق، مما يجب معه الإقرار بالحق، ويحرم الجحد، والإقرار هو الاعتراف، وضده الجحد والإنكار. وهذا الحديث طرف من حديث طويل، كما قال الحافظ ﵀، وسنده ضعيف، وسياق متنه يشهد لضعف سنده، لكنْ كثير مما تضمنه الحديث له شواهد من القرآن أو السنة الصحيحة، مثل ما أورده المؤلف هنا: «قُلِ الْحَقَّ، وَلَوْ كَانَ مُرًّا»؛ فهذا القدر رواه الإمام أحمد في سياق مختصر، قال: «أَمَرَنِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ: ومنها: وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا» (٢)، وله شاهد أيضًا من حديث علي ﵁، رواه أبو عمرو السماك في «حديثه»، ولفظه: «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وأَحَسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاء إِلَيْكَ، وقُلِ الحقَّ ولَو عَلَى نَفْسِكَ» (٣). وحديث أبي ذر من جوامع الكلم؛ لأنه يدل على وجوب قول الحق في كل شيء، ومنه الإقرار بما على الإنسان من حق لله أو للناس، من حق لله مما أوجبه على عباده، أو من حقوق الناس من الديون والعقود والشهادات، ويدل لمعنى هذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ الآية [النساء: ١٣٥].

стр. 799

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الإقرار بما على الإنسان من حق لغيره من دين ونفقة. ٢ - وجوب الوفاء بما صدر منه لغيره من العقود والفسوخ والشروط. ٣ - وجوب أداء الشهادة، ولو كان في ذلك ما فيه من المشقة أو الضرر في الجملة. ٤ - وجوب الصدع بالحق في بيان أحكام الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ - وجوب الصبر على ما يترتب على قول الحق من المشاق، وهو ما عبر عنه بالمرارة في قوله ﷺ : «وَلَوْ كَانَ مُرًّا»، وهو من مجاز الاستعارة الذي علاقته المشابهة. * * * * *

стр. 800

بَابُ العَارِيَةِ العارية: أصلها من العُرْي، وهو التجرد، سمِّيت بذلك لتجردها عن العوض، ويقال فيها: عاريَة وعاريَّة بالتخفيف والتشديد، وتجمع على عواري، بالتخفيف والتشديد، وفي الاصطلاح: إباحة نفع عين لمن ينتفع بها، ثم يردها. وهذا تفسير بمعنى الإعارة أي فعل المعير، والأظهر في استعمال العارية أنها اسم للعين المعارة، فيقال: قبض العارية، ورد العارية، وضمن العارية. * * * * * (١٠٠٠) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأربعة، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (١٠٠١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في وجوب رد الإنسان ما قبضه من مال غيره؛ كالوديعة والعارية، وتحريم الخيانة، ويدل لمعناهما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].

стр. 801

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - استعمال (عَلَى) في الدلالة على الوجوب. ٢ - التجوز بالبعض عن الكل. ٣ - أن الذمة لا تبرأ من الحق إلا بأدائه إلا أن يبرئه صاحب الحق. ٤ - وجوب رد العارية. ٥ - وجوب رد الأمانة. ٦ - وجوب رد المغصوب، وفي معناه المسروق. ٧ - وجوب حفظ الأمانة والعارية. ٨ - تحريم الخيانة. ٩ - تحريم مجازاة الخائن بمثل فعله؛ لقوله: «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»، فمن كان له حق على أحد فجحده، أو أمانة فخانه، ثم ظفر بشيء من ماله، فهل يجوز له أن يستوفي حقه؟ -وتسمى مسألة الظَّفَر- فقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: لا يجوز إلا أن يكون الحق ثابتًا ببينة، أو كان سببه ظاهرًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن القيم (٢)، والله أعلم. * * * * * (١٠٠٢) وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (٣).

стр. 802

(١٠٠٣) وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ؛ أن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (١٠٠٤) وأخرج له شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباس (٢). * * * هذان الحديثان أصل في مسألة ضمان العارية، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن العارية مضمونة مطلقًا، وقيل: غير مضمونة مطلقًا، وقيل: مضمونة إذا شرط فيها الضمان، وهذا أرجح الأقوال، والله أعلم. وذلك فيما إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط، أما إذا كان تلفها بتعد أو تفريط فهي مضمونة بكل حال. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - صحة التوكيل في قبض العارية. ٢ - جواز إعارة الدروع ونحوها من آلة الحرب. ٣ - جواز استعارة عدة الحرب من الكافر إذا أُمن غشه. ٤ - استفصال المعير عن ضمان العارية. ٥ - وجوب أداء العارية إذا كانت عينها موجودة. ٦ - أن العارية تبرع من المعير لا غصب. ٧ - يؤخذ من مجموع الحديثين أن العارية غير مضمونة إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط إلا بشرط الضمان، فنَفَى الضمان في حديث يعلى، وشَرَط الضمان في حديث صفوان. * * * * *

стр. 803

بَابُ الغَصْبِ الغصب: لغة: القهر على الشيء، واصطلاحًا: الاستيلاء على حق الغير قهرًا بغير حق، وفي حكمه: السرقة والخيانة والخديعة، وكل ذلك من الظلم الداخل في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله ﷺ : «إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (١). * * * * * (١٠٠٥) عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٠٠٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: «كُلُوا» وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ». وصَحَّحَهُ (٣). (١٠٠٧) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُقَالُ إِنَّ الْبُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ (٤).

стр. 804

(١٠٠٨) وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ إِنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا، وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ. وَقَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (١). (١٠٠٩) وَآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (٢). وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِين صَحَابِيِّهِ (٣). (١٠١٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ؛ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: «إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). * * * هذه الأحاديث أصل في تحريم الظلم في الأنفس والأموال والأعراض، ووجوب ضمان ما أتلف منها، ورد ما يمكن رده. وفيها فوائد: ففي حديث سعيد: ١ - تحريم اقتطاع الأرض بغير حق قهرًا أو بحيلة من دعوى كاذبة، أو تغيير حدود، أو نحو ذلك. ٢ - أن ذلك من كبائر الذنوب.

стр. 805

٣ - أن الغصب يحصل بالاستيلاء على الأرض قهرًا. خلافًا لمن أنكر ذلك من الحنفية. ٤ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن إزالة مِلك الغاصب بجنس معصيته. ٥ - أن الأرضين سبع. ٦ - أن الأرضين السبع متلاصقة، ليس بينها فراغ، خلافًا لما ورد في بعض الأخبار الإسرائيلية وغيرها. ٧ - أن من ملك أرضًا ملك ما تحتها، وكذلك الهواء تابع للقرار. ٨ - التحذير من ظلم العباد في أموالهم وإن قل. ٩ - سبب رواية سعيد بن زيد للحديث، وهو أن أروى بنت أويس ادَّعت على سعيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال: «أَنَا آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ؟»، وذكر الحديث، ثم دعا عليها فأجاب الله دعوته، فهلكت في أرضها (١). ١٠ - إجابة دعوة المظلوم. ١١ - أن أحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا. وفي حديث أنس ﵁: ١ - حلم النبي ﷺ وخلقه مع أهله. ٢ - جواز اتخاذ الخادم. ٣ - جواز إهداء الطعام. ٤ - حل الهدية للرسول ﷺ ولآله. ٥ - الغيرة بين نساء النبي ﵅.

стр. 806

٦ - أن مما يهيج الغيرة أن تهدي المرأة لزوجها وهو في بيت ضرتها. ٧ - أن المرأة لا تلام على ما يحصل منها على وجه الغيرة. ٨ - أن من أتلف شيئًا لغيره ضمنه بمثله، لقوله: «فَضَمَّ المَكْسُورَةَ وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ»؛ أي المرسَل بالطعام. ٩ - إنكار المنكر بالفعل؛ لقوله: «فَضَمَّهَا» -أي القَصْعة المكسورة - وجعل فيها الطعام، وقال: «كُلُوا»، «وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ». ١٠ - شدة محبة عائشة للنبي ﷺ ، كما يظهر من غيرتها عليه. وفي حديث رافع بن خديج: ١ - تحريم زرع الإنسان عمدًا في أرض غيره بغير إذنه. ٢ - أن الزرع يكون ملكًا لصاحب الأرض، وللزارع عوض نفقته، ما لم يكن في ذلك ضرر على صاحب الأرض، وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب الجمهور، سواء كان رد الأرض قبل الحصاد أو بعده، وقيل: إن كان بعد الحصاد فليس لصاحب الأرض إلا أجرة الأرض، وقيل: يخير صاحب الأرض بين قلع الزرع، وعلى صاحب الزرع ضمان نقص الأرض؛ للحديث الآتي: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ». ٣ - أنه لا فرق بين المسلم والكافر في تحريم ظلمه واحترام حقه؛ لعموم حقه. وفي حديث عروة ﵁: ١ - تحريم غرس الإنسان في أرض غيره بغير إذنه. ٢ - أنه يجب على صاحب الغرس أو النخل أن يخرج نخله إذا طلب صاحب الأرض ذلك، وعليه قيمة نقص الأرض.

стр. 807

٣ - أن الكلمة لصاحب الأرض، فإن شاء طلب إخراج النخل، وإن شاء أبقاه، وعاوض صاحبه. ٤ - أنه لا ينظر لمصلحة صاحب النخل أو تضرره؛ لأنه ظالم. ٥ - الفرق بين الغرس والبناء وبين الزرع؛ فالغرس والبناء يجب على الظالم قلعه وإخراجه وإصلاح الأرض، وأما الزرع فكما تقدم في حديث رافع: أن الزرع يكون ملكًا لصاحب الأرض، ولصاحب الزرع نفقته، وسرُّ الفرق أن الغرس والبناء تطول مدته، بخلاف الزرع، وبذا يحصل الجمع بين الحديثين. ٦ - أن الخصومة في الحقوق من الأمور البشرية التي تقع بين الناس، ولا توجب طعنا في العدالة. ٧ - أن العرق غير الظالم تجب مراعاته بإزالة الضرر عن صاحبه. ٨ - أن زوال الضرر عن صاحب الأرض مقدم، كما يزال ضرر الداخل على الأرض بضرر صاحب الأرض. وفي حديث أبي بكرة ﵁: ١ - تعدد خطبه ﷺ في حجة الوداع، وتقريره لقواعد الدين، اغتنامًا لاجتماع الناس، ولقوله: «لعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا» (١). ٢ - مشروعية خطبة الإمام يوم النحر بمنى. ٣ - عظم حرمة المسلم عند الله؛ دمه وماله وعرضه. ٤ - تحريم دم المسلم، فلا يحل إلا بسبب شرعي؛ كالزنى بعد الإحصان.

стр. 808

٥ - تحريم مال المسلم، فلا يحل أكل شيء منه بالباطل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب. ٦ - تحريم عرض المسلم، فلا يحل انتهاكه إلا بسبب شرعي. ٧ - عظم حرمة شهر ذي الحجة؛ لأنه من الأشهر الحرم. ٨ - عظم حرمة يوم النحر. ٩ - عظم حرمة مكة. ١٠ - حسن تعليمه ﷺ ، ومن ذلك تعظيمه للأمر بإلقاء الأسئلة التي تستجمع أذهان المخاطبين. * * * * *

стр. 809

بَابُ الشُّفْعَةِ الشفعة: في اللغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر؛ لأن الآخذ بالشفعة يضم الشقص الذي لشريكه إلى ملكه، فيصير معه شفعًا. واصطلاحًا: هو استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد مشتريه بثمنه الذي اشتراه به. والحكمة منها رفع ضرر الشركة عن الشريك بضم نصيب شريكه إلى ملكه ليستقل به. * * * * * (١٠١١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (١٠١٢) وَفِي رِوَايَةِ مسلم: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ» (٢). (١٠١٣) وَفِي رِوَايَةٍ الطحاوي: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ». وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٣). (١٠١٤) وَعَنْ أَبِي رَافِع ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ (٤).

стр. 810

(١٠١٥) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَلَهُ عِلَّةٌ (١). (١٠١٦) وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا -وَإِنْ كَانَ غَائِبًا- إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٢). (١٠١٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ والبَزَّارُ، وزَادَ: «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ». وإسْنَادَهُ ضَعِيْفٌ (٣). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في حكم الشفعة. وفيها فوائد: ففي حديث جابر ﵁: ١ - ثبوت حق الشفعة للشريك فيما لم يقسم من العقار، من أرض أو دار. ٢ - انتفاء حق الشفعة إذا وقعت القسمة بين الشريكين، ولم يبق بينهما اشتراك في طريق ولا غيره. ٣ - أن ذلك كله ثابت بقضاء النبي ﷺ . ٤ - أنه لا شفعة للجار إذا لم يكن بينهما طريق مشترك ونحوه. ٥ - أنه يجب على الشريك إذا أراد البيع أن يعلم شريكه، فإما أن يأخذ أو يدع، ثم قيل: يسقط حقه بالشفعة بعد البيع، وقيل: لا يسقط، وقيل: إن صرح بإسقاط الشفعة سقطت، وإلا فلا. والأظهر أنها تسقط الشفعة؛ وإلا لم يكن لإعلامه فائدة.
следующие страницы →