← Ансаб

Ансаб · id 1494

الإنباه فى ذكر القبائل الرواة - ت التركي

ابن عبد البر

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإنباه على قبائل الرواه [¬*]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وبه أستعينُ، وعليه توكُّلي أخبَرنا الشيخُ الإمامُ الأديبُ أبو الفضلِ محمدُ بنُ بُنَيْمانَ بن يوسفَ بن أبي بكرٍ ﵀ وأثابه الجنةَ قراءةً منِّي عليه في دارِه في شَوَّالٍ من سنةِ إحدى وسبْعين وخمسِمائةٍ، قلتُ له: أخبْرَكم الحافظُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ أبي نَصْرٍ الحميديُّ ﵀ فيما كَتَب إليك، قال: أخبرنا الشيخُ الجليلُ الحافظُ أبو عمرَ يوسفُ بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عبدِ البرِ النَّمَريُّ إذنًا، قال الفقيهُ أبو عمرَ يوسفُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ البرِّ النَّمَرِيُّ] (١): الحَمدُ للهِ ذي القُدرَةِ والآلاءِ، والعَظَمَةِ والكبرياءِ، فاطرِ الأرضِ والسَّماءِ، الذي خلَقَنا من نفسٍ واحِدةٍ، وخَلَقَ مِنها زوجَهَا وَبَثَّ مِنهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وجعَلَهم شُعوبًا وقبائلَ، وبايَنَ بينَهم بالفضائلِ، وتعبَّدَهم بالأقوالِ والأعمالِ؛ ليبلُوَهم أيكفُرونَ أم يشكُرُونَ؟ لا لحاجَةٍ إليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]. وصلَّى الله علَى محمدٍ خاتَمِ النبيينَ (٢)، أمَّا بعدُ:

стр. 3

فإِنِّي ذكَرْتُ في كتابي هذا أُمَّهاتِ القبائلِ التي روَت عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقرَّبْتُ ذلك واختصَرْتُه وبيَّنْتُه، وجعَلْتُه دليلًا علَى أصولِ الأنسابِ، ومَدخلًا إلى كتابي في مَعْرفةِ (١) الصَّحابةِ ﵃؛ ليكونَ عونًا للناظِر فيه، ومُنَبِّهًا على ما يُحتاجُ إليه من معرفةِ الأنسابِ، فإنَّه علمٌ لا يليقُ جهلُه بذوِي (٢) الهِممِ والآدابِ؛ لمَا فيه مِن صلَةِ الأرحامِ، والوقوفِ إلَى (٣) ما ندَبَ إليه النبيُّ ﷺ بقولِه (٤) ﷺ : "تعلَّمُوا مِن أنسابِكم ما تصِلُونَ به أرحامَكم". روَى أَنسُ بنُ عياضٍ، عن عبدِ المَلِكِ بن عيسَى الثَّقفيِّ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "تعلَّمُوا مِن أنسابِكم ما تصِلُونَ به أرحامَكم؛ فإِنَّ صِلَةَ الرَّحِم محبَّةٌ في الأهلِ، مَثراةٌ (٥) في المالِ، مَنسأةٌ في الأجَلِ" (٦). وقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: تعلَّمُوا (٧) أنسابَكم؛ تصِلُوا بها (٨)

стр. 4

أرحامَكم، ولا تكونُوا كنَبَطِ السَّوادِ إذا سُئل أحَدُهم: مِمَّن أنت؟ قالَ: من قريةِ كذا، فواللهِ إنَّه لَيكونُ بينَ الرَّجُلِ وبينَ أخيهِ الشيءُ، لو يعلَمُ الذي بينَه وبينَه مِن دُخْلَةِ الرَّحِمِ (١) لوزَعَه (٢) ذلك منِ (٣) انتهاكِه (٤). ولعمرِي ما أنصَفَ القائلُ: إِنَّ عِلمَ النَّسَبِ علمٌ لا يَنفَعُ، وجَهالةٌ لا تضُرُّ؛ لأنَّه بيِّنٌ نفعُه؛ لِما قدَّمْنا ذِكرَه، ولما [يُرْوَى عن النبيِّ] (٥) ﷺ أنَّه قالَ: "كُفرٌ باللهِ تبرُّؤٌ مِن نَسَبٍ وإِن دَقَّ، وكفرٌ باللهِ ادِّعاءٌ إلى نَسَبٍ لا يُعرَفُ" (٦)، ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵁ مِثلُه (٧)، وقالَ ﷺ : "مَن ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ، أو انتمَى إلى غيرِ مَواليه، فعلَيه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمَعينَ، لا يقبَلُ اللهُ مِنه صَرفًا ولا عَدلًا" (٨).

стр. 5

ولو كانَ لا منفعةَ فيه لما اشتغَلَ العُلماءُ به، فهذا أبو بكرٍ الصِّديقُ ﵁، كانَ أعلَمَ الناسِ بالنَّسبِ (١)، وكذلك جُبيرُ بنُ مُطْعِمٍ، وابنُ عباسٍ [بذلك مِن أعلَمِ الناسِ] (٢). وهو علمُ العَربِ الذي به كانوا يتفاضَلُون، وإليه ينتسبُون (٣)، وقد ذكَرَ ابن وهبٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، أنَّه قالَ: كانَ ابْنُ شِهَابٍ مِن أَعلَمٍ الناسِ بالأنسابِ، وكانَ أَخَذَ ذلك مِن عبدِ اللهِ ثَعْلَبَةَ بن بن صُعَيرٍ وغيرِه، قالَ: فبينا هو يومًا جالسٌ عندَ عبدِ اللهِ بن ثَعلَبةَ يتعلَّمُ مِنه الأنساب، إذ سأله عن شيءٍ مِنَ الفقه، فقال له: إن كنتَ تُريدُ هذا الشأنَ فعلَيك بهذا الشيخِ، يعنِي سعيدَ بنَ المُسيَّبِ (٤). قالَ: وسمِعْتُ مالكًا يقولُ: لم يكُنْ معَ ابن شِهابٍ كتابٌ إِلَّا كتابٌ فيه نسَبُ قومِه، يعنِي قُريشًا (٥). وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ مِنَ الوجوه الصِّحاحِ ما يدُلُّ علَى علمِه

стр. 6

بأنسابِ العَربِ، مِنها [ما روَاه معمرٌ وغيرُه، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أسلمُ وغِفارٌ وشيءٌ من جهينةَ ومُزينةَ خيرٌ عندَ الله تعالى يومَ القِيامةِ مِن تميم وأسدٍ وخُزيمةَ وهَوازِنَ وعَطَفَانَ" (١)، والآثارُ في مثلِ ذلك عنه كثيرةٌ] (٢). أخبَرَنا عبدُ [الوارثِ بنُ سفيانَ] (٣)، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قالَ: حدثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالَ: حدّثنا منصورُ بنُ أبي مُزاحِمٍ، قالَ: حدّثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: ١٣]، قالَ: الشعوبُ البُطُونُ الجُمّاعُ (٤)، والقبائلُ الأفخاذُ (٥). قالَ أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ (٦): وحدَّثنا (٧) محمدُ بنُ بكَّارٍ، قالَ: حدّثنا أبو

стр. 7

مَعشَرٍ، عن محمدِ بن كَعبٍ (١): ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] قال (٢): قبيلَتُه التي يُنسَبُ إليها. قالَ (٣): وَحدَّثنا منصورُ بنُ أبي مُزاحِمٍ ويحيَى بْنُ مَعِينٍ، قالا: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ (٤): ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، قالَ: يُقالُ: مِمَّن الرَّجُلُ؟ فيُقال: مِنَ العَربِ، فيُقالُ: مِن أيِّ العَربِ؟ فيُقالُ: مِن قُرَيشٍ. وأخبَرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قالَ: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قالَ: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنِيُّ، قالَ: حدَّثنا نصرُ بنُ علِيٍّ الجَهِضَمِيُّ، قال: حدَّثنا الأصمَعِيُّ، قالَ: حدَّثنا [إسحاقُ بنُ] (٥) يحيَى بن طلحةَ، قال: جئْتُ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ، فسلَّمْتُ عليه فرَدَّ عليَّ، فقلْتُ: علِّمْنِي النَّسَب، فقالَ: أنت تُريدُ أن تُسابَّ الناسَ، ثمَّ قالَ لي: مَن أنت؟ فقلتُ: أنا ابن (٦) يحيَى بن طلحةَ، فضمَّنِي إليه، وقالَ:

стр. 8

ائتِ محمدًا ابني؛ فإنَّ عنده ما عندي، إنَّما هي شعوبٌ وقبائلُ وبطونٌ وعمائرُ وأفخاذٌ وفصائلُ (١). وقال (٢) الخَليلُ (٣): العِمارةُ أكثرُ (٤) مِنَ القَبيلة، قال (٥): والفَصيلةُ فخِذُ الرَّجُلِ وقومُه. وَقالَ المُفسِّرونَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾: عشيرَتُه الأدْنَونَ (٦). وقالَ أهلُ النَّسب: الشعوبُ الجماهيرُ والجراثيمُ التي تفرَّقَت منها العَربُ، ثمَّ تفرَّقَتِ القبائلُ مِنَ الشعوب، ثمَّ تفرَّقَتِ العمائرُ مِنَ القبائل، ثمَّ تفرَّقَتِ البطونُ مِنَ العمائر، ثمَّ تفرَّقَتِ الأفخاذُ مِنَ البطونِ، ثمَّ تفرَّقَتِ الفصائلُ مِنَ الأفخاذِ، وليس دونَ الفصائلِ شيءٌ. فصيلةُ الرَّجُل: رَهْطُه الأدنَى وبنو أبيهِ، وقد قيلَ: بعدَ الفصيلة العشيرةُ، وليس بعدَ العشيرةِ شيءٌ، فهي عندَهم شعوبٌ وقبائلُ، ثمَّ ما

стр. 9

دونَ القبائلِ عمائرُ وبطونٌ، ثمَّ ما دونَ البطونِ أفخاذٌ وفصائلُ (١). وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، دليلٌ واضحٌ على تعلُّمِ الأنسابِ، واللهُ الموِّفقُ للصواب. قالَ أبو عمرَ: هذا كتابٌ أخذْتُه مِن أُمَّهاتِ كتُبِ أهلِ (٢) العلمِ بالنَّسَبِ وأيام العَربِ بعدَ مُطالَعتِي لها، ووقوفي على أغراضِها، فمِن ذلك: كتابُ أبي بكرٍ محمدِ بنِ إسحاقَ (٣)، وكتابُ أبي المُنذِرِ هشام ابن محمدِ بنِ السَّائبِ الكَلبِيِّ (٤)، وكتابُ أبي عُبيدَةَ مَعْمَرِ بن المُثَنَّى (٥)، وكتابُ محمدِ بنِ عَبْدة بنِ سُليمانَ (٦)، وكتابُ محمدِ بنِ حبيبٍ (٧)، وكتابُ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ حُميدٍ (٨) العَدَويِّ في نسَبِ قُريشٍ، وكتابُ الزُّبير بن بكَّارٍ (٩) في نسَبِ قُريشٍ، وكتابُ

стр. 10

عمِّه مُصْعَبِ بنِ عبدِ اللهِ الزُّبيريِّ (١) في ذلك، وكتابُ عليِّ بنِ كَيسان الكوفيِّ (٢) في أنساب العَرب قاطبةً، وكتابُ عليِّ بن عبد العزيز الجُرجانِيِّ (٣)، وكتابُ عبدِ الملك بن حبيبٍ الأندلُسيِّ (٤)، إلَى فِقَرٍ قيَّدْتُها مِنَ الحديثِ والآثارِ (٥)، ونوادرَ اقتطَعْتُها (٦) مِن كُتبِ أهل الأخبار، وأخَذْتُ مِن ذلك كلِّه عيونَه، وما يجِبُ الوقوفُ عليه، ويجملُ بأهلِ الأدَبِ والكمالِ معرفَتُه والانتسابُ إليه، واللهُ المُعينُ لا شريك له، وهو حسبِي ونِعمَ الوكِيلُ.

стр. 11

قال محمدُ بنُ عبدَةَ بن سُليمانَ النَّسَّابةُ (١): أجمَعَ النَّسابونَ جميعًا -العدنانيَّةُ والقحطانيَّةُ والأعاجمُ- على أنَّ إبراهيمَ خليلَ الله ﵇ مِن ولَدِ عابَرَ بن شالَخَ بن أرفخشَذَ بنِ سَامِ بنِ نوحٍ (٢). عدنانُ قال محمدُ بنُ عبدَةَ: وأجمَعُوا أنَّ عدنانَ مِن ولَدِ إسماعيل بن إبراهيمَ ﵉، إلَّا أنَّهم اختلَفُوا فيما بين عدنانَ وإسماعيلَ مِنَ الآباءِ، فذُكِرَ عن طائفةٍ سبعةُ آباءٍ بينَهما، و (٣) عن طائفةٍ مثلُ ذلك إلَّا أنَّها خالَفَتها في بعضِ الأسماءِ، وعن طائفةٍ تسعةُ (٤) آباءٍ مُخالِفةً أيضًا في بعضِ الأسماءِ، وعن طائفةٍ خمسة عشَرَ أبًا بين عدنانَ وإسماعيل. ثمَّ قال: وأمَّا الذين جعَلُوا بينَ عدنانَ وبينَ إسماعيلَ أربعين أبًا، فإنَّهم استخرَجُوا ذلك مِن كتابِ رخْيَا، وهو يُورخُ كاتبُ أَرْمِيَا النبيِّ (٥) ﵇، وكانا قد حمَلا (٦) مَعَدَّ بن عدنانَ مِن جزيرة

стр. 12

العَربِ ليالِيَ (١) بُخْتَنصَّرَ، فأثبَتَ رَخْيَا في كتُبِه نسبةَ عدنانَ، فهو معروفٌ عندَ أحبارِ أهلِ الكتاب وعُلمائِهم، مُثبتٌ في أسفارهم. قال: وقد وجَدْنا طائفةٌ مِن عُلماء العَربِ تحفَظُ لَمَعَدٍّ أربعينَ أبًا بالعربيَّةِ إلى إسماعيلَ ﵇، وتحتَجُّ في أسمائِهم بالشِّعرِ مِن شعر أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ وغيره من عُلماءِ الشُّعراء (٢) بأمر الجاهليَّةِ، ومُطالعة الكتُبِ، وكلُّ الطَّوائف تقولُ: عدنانُ بنُ أُدَدَ، إِلَّا طائفةً قالت (٣): عدنانُ بنُ أدِّ بن أُدَدَ (٤). قال أبو عمر: الاختلافُ فيما بينَ عدنانَ وإسماعيلَ ﵇ من عددِ الآباء كثيرٌ جدًّا، نذكُرُ مِنه في كتابِنا هذا ما يقِفُ به النَّاظِرُ فِيهِ على البُغيةِ منه، وحسْبُه أن يَعلَمَ أنَّه لا خلافَ بين جماعةِ أهلِ العلمِ بالنَّسب وأيَّام العَربِ أنَّ عدنانَ مِن ولَدِ إسماعيلَ بن إبراهيم ﵉، وإنَّمَا اختلفُوا في قحطانَ، وسنذكُرُ الاختلاف في قحطانَ في موضعِه مِن هذا الكتابِ (٥). وقد روى موسى بنُ يعقُوبَ بنِ عبدِ اللهِ بن وهبِ بنِ زَمْعةَ الزَّمْعِيُّ، عن عمَّتِه، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ:

стр. 13

"مَعَدُّ بنُ عدنانَ بنِ أُدَدَ بنِ زَبَدِ (١) بنِ يَرَا (٢) بنِ أعراقِ الثَّرَى"، قالَت أمُّ سلَمةَ: فَزَبَدٌ (٣) هو الهَمَيْسَعُ، ويَرَا (٢) هو نبتٌ، وأعراقُ الثَّرَى هو إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ﵉ (٤). فهذا أرفَعُ ما رُوِيَ في ذلك وأولى ما قيلَ (٥) فيه، فاللهُ أعلَمُ. ورُوِيَ عن داودَ بن أبي هندٍ أنَّه قالَ: حفِظَتِ العَربُ أنسابَها إلى أُدَدَ (٦). ورُوِيَ عنِ (٧) ابن لهيعَةَ، عن أبي الأسودِ، أنَّه سمِعَ عروة بنَ الزُّبيرِ يقولُ: ما وجَدْنا أَحَدًا يعرِفُ ما وراءَ مَعَدِّ بنِ عدنانَ (٨).

стр. 14

قالَ: وقالَت عائشةُ ﵂: ما وجَدْنا أحَدًا يعرفُ ما وراءَ (١) عدنانَ، ولا وراءَ قحطانَ إِلَّا تخرُّصًا (٢). وقال أبو الأسود يتيمُ عروةَ: سمِعْتُ أبا بكرِ بنَ (٣) سُليمانَ بن أبي حثْمَةَ -وكان أعلَمَ قُريشٍ بأشعارِهم وأنسابِهم- يقولُ: ما وجَدْنا أَحَدًا يعلمُ ما وراءَ مَعَدِّ بنِ عدنانَ في شعرِ شاعرٍ، ولا علمِ عالمٍ (٤). وروى أبو الأسودِ أيضًا عن عروةَ وغيرِه، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قالَ: النَّسَبُ (٥) إِلَى عدنانَ، وما بعدَه (٦) لا أدري ما هو (٧). وقالَ العَدويُّ: لا أعلَمُ أَحَدًا مِنَ الشُّعراء بلَغَ في شعرِه عدنانَ، إلا لبيدَ بنَ ربيعةَ وعباسَ بنَ مِرداسٍ السُّلَميَّ؛ قالَ لبيدٌ (٨): فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِن دُونِ عَدنانَ والدًا … ودُونَ مَعَدٍّ فلتزَعْكَ العَواذِلُ وقال عباسُ بنُ مِرداسٍ (٩):

стр. 15

وعَكُّ بنُ عدْنانَ الَّذِينَ تَلَعَّبُوا (١) … بغسَّانَ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ قال ابنُ هشامٍ (٢): غسَّانُ ماءٌ بسدِّ مأربَ باليمن (٣)، كان [شِرْبًا لولدِ] (٤) مازن بن الأزد بن الغَوثِ (٥) فسُمُّوا به، ويُقالُ: غسَّانُ ماءٌ بالمُشلَّلِ (٦) قريبٌ مِنَ الجُحفَةِ (٧)، والذين شرِبُوا مِنه فسمُّوا به قبائلُ مِن وَلَدِ مازن بن الأزدِ. قالَ أبو عمرَ: يشهَدُ لهذا قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (٨): إمَّا سَألْتِ (٩) فإنَّا مَعشَرٌ نُجُبٌ … الأزْدُ نسبَتُنا والمَاءُ غَسَّانُ وقالَ قيسُ بنُ الخَطيمِ (١٠): ويَوْمَ بُعَاثٍ (١١) أَسْلَمَتنَا سُيُوفُنَا … إِلَى نَسَبٍ فِي جِذْمِ غَسَّانَ ثَاقبِ (١٢)

стр. 16

وسيأتي ذكرُ مَن انتسَبَ إِلَى غسَّانَ مِن بني جَفنَةَ وغيرِهم عندَ ذكرِ الأنصارِ في موضعِه مِن هذا الكتابِ إن شاء اللهُ (١). وقد روَى الكَلبِيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا انتهَى في النَّسَبِ إلى معدِّ بن عدنانَ، قال: "كذَبَ النَّسابونَ؛ قالَ اللهُ : ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ " (٢) [الفرقان: ٣٨]، وليس هذا الإسنادُ بالقويِّ. وقال آخرون: لم يتجاوز النبيُّ ﷺ فِي النَّسَبِ النَّضرَ بنَ كِنانةَ. وهذا لو صحَّ كانَ معناه في نسبةِ قريشٍ خاصَّةً، لا في علمِه بأنسابِ العَربِ، وقد جاءَ عنه ﷺ مِن وجوهٍ ما يدُلُّ على ما تأوَّلناه عليه في ذلك. وكانَ قومٌ مِنَ السَّلفِ؛ مِنهم عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وَعَمرُو بنُ ميمونٍ الأوديُّ، ومحمدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ إذا تلَوا: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] قالوا: كذَبَ النَّسابونَ (٣). ومعنى الآية (٤) عندنا علَى غيرِ ما ذهَبُوا إليه، وإنَّما المعنى فيها -

стр. 17

والله أعلَمُ- تكذيبُ مَن ادَّعَى إحصاءَ بني آدَمَ، [والإعلامُ بأنَّ الذي خلَقَهم أحْصاهم عددًا] (١)، وحدَه لا شريك له، واللهُ أعلمُ. وأمَّا أنسابُ العَربِ فإنَّ أهلَ العلم بأيامِها وأنسابِها قد وعوا وحفِظُوا جماهيرَها وأُمَّهاتِ قبائلها، واختلَفُوا في بعضِ فروع ذلك، وسترَى في كتابِنا هذا ما أجمَعُوا علَيه، وكثيرًا ممَّا اختلَفُوا فيه إن شاء الله. والذي عليه أئمَّةُ هذا الشَّأنِ (٢) في نسَب عدنانَ، قالوا: عدنانُ بنُ أُدَدَ بنِ مُقوَّم بنِ ناحورَ بنِ تَيْرَحَ بن يعرُبَ بنِ يشجُبَ بن نابتِ (٣) بنِ إسماعيلَ بن إبراهيمَ خليلِ الرَّحْمَنِ بنِ تارَحَ -وهو آزَرُ (٤) - بن ناحورَ بنِ ساروحَ (٥) بنِ راغُو (٦) بن فالَخَ (٧) بنِ عَيْبَرَ بنِ شَالَخَ بنِ أرفخشَذَ بنِ سَامِ ابن نوح بن لامِكَ (٨) بنِ مُتَوَشْلِخَ بنِ خَنُوخَ -وهو إدريسُ النبيُّ ﷺ فيما يزعُمُون والله أعلَمُ، وكانَ أَوَّلَ نبيٍّ أُعطي النبوة (٩)، وخطَّ بالقلم-

стр. 18

ابن يَرْدِ بنِ مَهْليلَ بنِ قَيْنانَ (١) بن يانُشَ بنِ شيثَ بن آدَمَ ﷺ . قالَ ابنُ هشامٍ (٢): حدَّثَنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ البكَّائيُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ المُطَّلِبِيِّ، بهذا الذي ذكَرْتُ مِن نَسَبِ عدنان إلَى آدَمَ، وما فيه مِن حديث إدريسَ وغيرِه. قالَ ابنُ هشامٍ (٣): وحدَّثنا خلَّادُ بنُ قُرَّةَ بن خالدٍ السَّدوسيُّ، عن شيبانَ بنِ زُهيرِ بنِ شقيقِ بنِ ثورٍ، عن قَتادةَ بنِ دِعامةَ أنَّه قال: إسماعيلُ ابنُ إبراهيمَ خليلِ اللهِ بنِ تارَحَ -وهو آزَرُ- بنِ ناحورَ بنِ أَشْوَعَ (٤) بنِ أرغُوَ بنِ فالِحَ (٥) بنِ عابَرَ بن شالِحَ (٦) بنِ الْفَخْشَدَ (٧) بنِ سامِ بنِ نوحِ بنِ لامِكَ بنِ مُتَوَشْلِخَ بنِ أَهَيْجَ (٨) بنِ يَرْدِ بنِ مَهْلَائِلَ (٩) بن قاين (١٠) بن أنوشَ بنِ شيثَ بنِ آدمَ. وقالَ خَليفَةُ بنُ خَيَّاطٍ (١١) عنِ ابنِ الكَلبيِّ، عن أبيهِ، عن أبي

стр. 19

صالحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بينَ مَعَدِّ بن عدنانَ إلى إسماعيلَ ﵇ ثلاثونَ أبًا. وبإسنادِه عن ابن عباسٍ، قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا انتهَى إلى عدنانَ أمسَكَ، ثمَّ يقولُ: "كذَبَ النَّسابونَ؛ قالَ اللهُ : ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ " [الفرقان: ٣٨] (١). وقالَ ابنُ جُريجٍ، عنِ القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن عِكرمةَ (٢): أضلَّت نِزارٌ نسبَها مِن عدنانَ (٣). ومن أحسَنِ ما جاءَ في ذلك أيضًا ما نظَمَه أبو العباس عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الناشِئُ في قصيدةٍ يمدَحُ بها رسولَ الله ﷺ ، وهي (٤) قولُه (٥): مدَحْتُ رسولَ اللهِ أبغِي بمَدْحِه … وفُورَ حُظوظي من كريم المَآوِبِ (٦) مدَحْتُ امرأً فاتَ المديحَ مُوَحَّدًا … بأوصافِهِ من (٧) مُبعِدٍ أو مُقارِبِ نَبِيًّا تسامَى في المَشارِقِ نورُهُ … فلاحَتْ هَوادِيهِ لأَهلِ المَغارِبِ أتَتْنا بهِ الأنباءُ قبلَ مَجِيئِهِ … وشاعَتْ بِهِ الأخبارُ في (٨) كُلِّ جَانِبِ وأَصْبَحَتِ الكُهَّانُ تَهتِفُ باسمِهِ … وتَنْفِي بهِ رَجْمَ الظُّنونِ الكَواذِبِ

стр. 20

وأُنطِقَتِ الأصنامُ نُطْقًا تَبرَّأتْ … إلَى اللهِ فيهِ مِن مَقالِ الأَكاذِبِ وقَالَتْ لأهل الكُفْرِ قَولًا مُبيِّنًا … أتَاكُم نبيٌّ من لُؤَيِّ بن غالِبِ ورامَ اسْتِراقَ السَّمْع جِنٌّ فَزِيَّلَتْ … مقاعدَهم مِنهَا رُجُومُ الكَواكِبِ هَدانا إِلَى مَا لَم نَكُنْ نَهْتِدِي لَهُ … لطُولِ العَمَى مِن واضحاتِ المَذاهِبِ وجَاءَ بآياتٍ تُبَيِّنُ أَنَّهَا … دلائِلُ جَبَّارٍ مُثِيبٍ مُعاقِبِ فَمِنهَا انشِقَاقُ البَدْرِ حِينَ تَعَمَّمَتْ … شُعُوبَ الضِّيا مِنْهُ رُءُوسَ الأخاشِبِ (١) ومِنهَا نُبُوعُ المَاءِ بَينَ بَنانِهِ … وقد عَدِمَ الوُرَّادُ قُرْبَ المَشارِبِ فرَوَّى بهِ جَمًّا غَفِيرًا وأسهَلَتْ … بأعناقه طَوْعًا أَكُفُّ المَذَانِبِ (٢) وبئرٌ طَفَتْ (٣) بِالمَاءِ مِن مَسِّ سَهْمه … ومِن قَبْلُ لم تسمَحْ بِمَذْقَةِ (٤) شارِبِ وضَرْعٌ مَرَاهُ فَاستَدَرَّ ولَمْ تكُنْ … به دِرَّهٌ (٥) تُصغَى إِلَى كَفِّ حالِبِ ونُطْقٌ فَصِيحٌ مِن ذِرَاعٍ مُبِينَةٍ … لكَيْدِ عَدُوٍّ للعَداوة ناصِبِ وإخبارُه بالأمرِ مِن قَبْلِ كَوْنِه … وعندَ بوادِيه بما في العَواقِبِ

стр. 21

ومِن تِلْكُمُ الآيَاتِ وَحْيٌ أَتَى بِهِ … قريبُ المآتي مُسْتَجِمُّ (١) العَجائِبِ تَقاصَرَتِ الأفكارُ عنهُ فَلم يُطِعْ … بليغًا ولم يَخْطُرْ عَلَى قَلبِ خاطِبِ حَوَى كلَّ عِلْمٍ وَاحْتَوَى كُلَّ حِكمةٍ … وفاتَ مَرامَ المُسْتَمِرِّ المُوارِبِ (٢) أَتَانَا بِهِ لَا عَن رَوِيَّةِ مُرْتَئٍ … ولَا صُحْفِ مُسْتَمْلٍ وَلَا وَصْفِ كَاتِبِ يُواتيهِ طَوْرًا في إجَابَةِ سَائلٍ … وإفتاءِ مُسْتَفْتٍ ووَعْظِ مُخاطَبِ وإتيانِ بُرْهانٍ وفَرْضِ شَرائعٍ … وقَصِّ أحاديثٍ ونَصِّ مآرِبِ وتَصريفِ أمثالٍ وتَثْبيتِ حُجَّةٍ … وتَعرِيفِ ذِي جَحْدٍ وتَوقِيفِ كاذِبِ وفي مَجْمَعِ النَّادِي وفِي حَوْمَةِ الوَغَى … وعندَ حُدُوثِ المُعْضِلاتِ الغَرائِبِ فَيَأتي على مَا شِئْتَ مِن طُرُقاتِه … قَويمَ المعَانِي مُسْتَدِرَّ الضَّرائِبِ (٣) يُصدِّقُ مِنْهُ البَعْضُ بَعْضًا كَأَنَّمَا … يُلاحَظُ مَعناهُ بعَيْنِ المُراقِبِ وعَجْزُ الوَرَى عن أن يَجِيئُوا بِمِثْلِ مَا … وصَفْنَاهُ مَعْلُومٌ بطُولِ التَّجارِبِ تَأَبَّى بِعَبْدِ اللهِ أَكْرَمِ والدٍ … تَبَلَّجَ مِنْهُ عَن كَريمِ المَناسِبِ وشَيْبَةَ ذِي الحَمْدِ الذي فَخَرَتْ بِهِ … قُرَيشٌ على أهلِ العُلا والمَناصِبِ ومَن كَانَ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوجهِهِ … ويُصْدَرُ عن آرائِهِ في النَّوائِبِ وهاشمٍ الباني مَشِيدَ افتخارِهِ … بغُرِّ المَساعِي وَامْتِنانِ المَواهِبِ وعبدِ مَنَافٍ وَهْوَ عَلَّمَ قومَه اشْـ … ـتِطاطَ الأمَانِي واحْتِكامَ الرَّغائِبِ وإنّ قُصَيًّا مِن كريم غِرَاسَةٍ … لفِي مَنْهَلٍ لم يَدْنُ مِن كَفِّ قَاضِبٍ (٤)

стр. 22

به جَمَعَ اللهُ القَبَائِلَ بعدَما … تَقَسَّمَها نَهْبُ الأكُفِّ السَّوالِبِ وحَلَّ كِلابٌ مِن ذُرَى المَجْدِ مَعْقِلًا … تَقاصَرَ عنهُ كلُّ دانٍ وغائِبِ (١) ومُرَّةُ لم يَحْلُلْ مَرِيرَةَ (٢) عَزْمِهِ … سفاهُ سَفِيهٍ أو [مَحُوبةُ حائِبِ] (٣) وكَعْبٌ عَلا عن طَالب المَجدِ كَعْبُهُ … فنالَ بأدْنَى السَّعْي أعلَى المَراتِبِ وألْوَى لُؤَيٌّ بالعُداةِ فَطُوِّعَتْ … لَهُ هِمَمُ الشُّمِّ الأُنوفِ الأغالِبِ وفي غالبٍ بَأْسٌ أَبَى البَأسُ دُونَهمْ … يُدافِعُ عنهُم كُلَّ قِرْنٍ مُغالِبِ وكَانَتْ لفِهْرٍ فِي قُريشٍ خَطَابَةٌ … يَعُوذُ (٤) بهَا عِندَ اشْتِجارِ المَخَاطِبِ (٥) ومَازَالَ مِنهم مالِكٌ خيرَ مَالكٍ … وأَكْرَمَ مَصْحُوبٍ وأَكرَمَ صَاحِبِ وللنَّضْرِ طَوْلٌ يَقْصُرُ الطَّرْفُ دونَه … بحيثُ الْتَقَى ضَوءُ النُّجومِ الثَّواقِبِ وعَمْرِي (٦) لقد أَبْدَى كِنانَةُ بعده (٧) … محاسِنَ تأبَى أن تَطُوعَ لغَالِبِ ومِن قَبْلِهِ أبْقَى خُزَيْمَةُ حَمْدَهُ … تَلِيدَ تُراثٍ عن حَميدِ الأقارِبِ ومُدْرِكَةٌ لم يُدْرِكِ النَّاسُ مِثْلَه … أعَفَّ وأعْلَى عن دَنِيءِ المَكَاسِبِ وإلياسُ كَانَ اليَأْسُ مِنْهُ مُقارِنًا … لأعدائِهِ قَبْلَ اعْتِدَادِ (٨) الكتائِبِ

стр. 23

وفي مُضَرٍ يَسْتَجْمِعُ الفَخرُ كلُّه … إذا اعْتَرَكَتْ يَومًا زحُوفُ المقانِبِ (١) وحَلَّ نِزارٌ مِن رِياسةِ أهلِهِ … مَحَلًّا تسَامَى عن عُيُونِ الرَّواقِبِ وكانَ مَعَدٌّ عُدَّةً لولِيِّه … إذا خَافَ مِن كَيدِ العَدوِّ المُحارِبِ ومَازَالَ عَدْنانُ إذا عُدَّ فَضْلُهُ … تَوَحَّدَ فِيهِ عَن قَرِينٍ وَصَاحِبِ وأُدٌّ تأدَّى الفضلُ مِنْهُ بِغَايَةٍ … وَإِرْثٍ حَوَاهُ عَن قُرُومٍ (٢) أَشايِبِ وفي أُدَدٍ حِلْمٌ تَزَيَّنَ بالحِجَا … إذا الحِلْمُ أزْهاهُ قُطوبُ الحَواجِبِ (٣) ومَا زَالَ يَسْتَعْلِي هَمَيْسَعُ بالعُلا … ويَتْبَعُ (٤) آمالَ البَعيدِ المراغِبِ ونَبْتٌ بَنَتْهُ دَوحَةُ العِزِّ وابتَنَى … معاقِلَه في مُشْمَخِرِّ (٥) الأهاضِبِ وحيزَتْ لقيذارٍ سَمَاحةُ حَاتِمٍ … وحِكمَةُ لُقْمَانٍ وهِمَّةُ حاجِبِ همُ نَسْلُ إِسْمَاعِيلَ صَادِقِ وَعْدِهِ … فَمَا بَعْدَهُ فِي الفَخْرِ مَسْعًى لذاهِبِ وكان خليل اللهِ أَكْرَمَ مَن عَنَتْ … لَهُ الأرضُ مِن ماشٍ عَلَيها وراكِبِ وتارَحُ ما زالَتْ لَهُ أَرْيَحِيَّةٌ … تُبَيِّنُ مِنه عن حَمِيدِ الضَّرائب (٦) وناحُورُ نَحَّارُ العِدَى حُفِظَتْ لَهُ … مآثِرُ لمَّا يُحْصِها عَدُّ حَاسِبِ وأَشْرَعُ (٧) في الهَيْجاءِ ضَيْغَمُ غابةٍ … يَقُدُّ الطُّلَى بالمُرْهَفاتِ القَواضِبِ

стр. 24

وأَرْغُو فنابٌ في الحُروب مُحكَّمٌ … ضنِينٌ علَى نَفْسِ المُشِحِّ المُغالِبِ وما فالَغٌ فى فَضْلِهِ تِلْوَ قَوْمِهِ … ولا عَابَرٌ مِن دُونِهِمْ في المَراتِبِ وشالَخْ وأرفَخْشَذْ وسامٌ نَمَتْ (١) بهمْ … سَجايَا حَمَتْهُمْ كُلَّ زارٍ وعائِبِ ومَازَالَ نوحٌ عِندَ ذِي العَرشِ فَاضِلًا … يُعَدِّدُه في المُصطَفَيْنَ الأطايِبِ ولَمْكٌ (٢) أبوهُ كَانَ في الرَّوْع رائعًا … جريئًا على نفسِ الكَمِيِّ (٣) المُضَارِبِ ومن قبْلِ لَمكٍ لم يَزَلْ مُتَوَشْلِخٌ … يَذُودُ العِدَى بالذَّائداتِ الشَّوازِب (٤) وكَانَتْ لإدْرِيسَ النَّبِيِّ مَنَازِلٌ … مِنَ اللهِ لم تُقْرَنْ بِهِمَّةِ راغِبِ ويارَدُ بَحرٌ عِندَ أَهْلِ سَرَاتِهِ … أبيُّ الخَزايا مُسْتَدِقُّ المَآرِبِ وكَانَتْ لِمهلائيلَ فيهم فضائلٌ … مُهَذَّبةٌ من فاحشاتِ المَثالِبِ وقَيْنانُ مِن قَبْلُ اقْتَنَى مَجْدَ قَومِهِ … وفات بِشَأْوِ الفَضلِ وَخْدَ (٥) الرَّكَائِبِ وكَانَ أَنُوشٌ نَاشَ للمَجْدِ نَفْسَهُ … ونَزَّهَها عن مُردِياتِ المَطالِبِ ومَازَالَ شِيثٌ بالفَضائلِ فَاضلًا … شريفًا بَرِيئًا مِن ذَميم المعايبِ وكُلُّهمُ مِن نُورِ آدَمَ أُقْبِسُوا … وَعَن عُودِهِ اُجْنُوا ثِمَارَ المَناقِبِ وكَانَ رَسُولُ اللهِ أَكرَمَ مُنْجَبٍ … جَرَى في ظُهُورِ الطَّيِّبِينَ المَناجِبِ مُقابَلَةٌ آبَاؤُهُ أُمّهاتِه … مُبَرَّأةٌ مِنْ فاضحاتِ المَثالِبِ عَلَيهِ سَلامُ اللهِ فِي كُلِّ شَارِقٍ … ألاحَ لنا ضَوْءًا وفى كلِّ غارِبِ (٦)

стр. 25

[أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ، أَخبرنا مَسْلَمةُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا جعفرُ ابنُ محمدِ بنِ الحسنِ الأصبهانيُّ، حدَّثنا يونسُ بنُ حبيبِ بنِ عبدِ القاهرِ الزبيريُّ، حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن المغيرة، عن أبي الضحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: انشقَّ القمرُ على عهدِ رسول الله ﷺ ، فقالت قريشٌ: هذا سحرُ ابن أبي كَبْشَةَ، قال: فقال: انظروا ما يأتيكم به المسافرون، فإنَّ محمدًا لا يستطيعُ أن يَسْحَرَ الناسَ كلَّهم، قال: فجاء المسافرون فقالوا ذلك (١). وروى ابنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: انشق القمرُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ شقين، فقال النبيُّ ﷺ : "اشْهَدُوا" (٢). ومن حديث قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ أهلَ مكة سألوا رسولَ الله ﷺ أن يُريَهم آيةً، فأراهُمُ انشِقاقَ القمر (٣). ومن حديث جعفرِ بن ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ] (٤)

стр. 26

[عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ القمرَ انشقّ في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ (١)] (٢). قالَ أبو عمرَ: الذي أجمَعُوا علَيه من ولَدِ عدنانَ مَعَدٌّ، وكثيرٌ مِنهم يقُولُون (٣): وعكٌّ، واختلَفُوا فيما سواهُما، وأمَّا مَعَدٌّ فَذَكَرَ له بعضُهم ثمانيةً مِنَ الولَدِ؛ مِنهُم قُضاعةُ، وإيادٌ، وحَيدانُ أبو مَهْرَةَ، وقَنَصُ بنُ مَعَدٍّ، ونِزارُ بنُ مَعَدٍّ، وأنكَرَ أكثرُ أهلِ العلمِ أن يكونَ لمَعَدٍّ ولَدٌ غيرُ نِزارٍ، وأجمَعُوا كلُّهم على أنَّ كلَّ مَعَدِّيٍّ وعدنانيٍّ اليومَ نِزارِيٌّ، ولا يعلَمُونَ لَمَعَدٍّ ولدًا غيرَ نِزارٍ، فنِزارٌ صريحُ ولَدِ مَعَدِّ بن عدنانَ بإجماعٍ، وغيرُ ذلك مُختلَفٌ فيه علَى ما نذكُرُه بعدُ إِن شاءَ اللهُ تعالَى (٤). قحطانُ وأمَّا قحطانُ، فالاختلافُ فيه كثيرٌ على ما أَصِفُ لك إن شاءَ اللهُ؛ قال محمدُ بنُ عَبدَةَ بن سُليمانَ النَّسَّابَةُ: اختلَفَ النَّسَّابونَ جميعًا في نِسبَةِ قحطانَ علَى ثلاثِ مَقالاتٍ، تفرَّقَ أهلُ كُلِّ مَقالَةٍ مِنها عَلَى ثلاثِ مَقالاتٍ، فنسَبَته طائفةٌ إِلَى إِرَمَ بن سام بنِ نوحٍ، وقالَت فيه ثلاثَ مَقالاتٍ، ونسَبَته طائفةٌ (٥) إلى إسماعيلَ بن إبراهيمَ عليهما

стр. 27

السَّلامُ وقالت في ذلك ثلاثَ مَقالاتٍ، [ونسبته طائفةٌ إلى عابَر، وقالت في ذلك ثلاثَ مقالاتٍ] (١). فأمَّا الذين نسَبُوه إِلَى إِرَمَ؛ فقالَتِ الفرقةُ الأولى منهم: هو قحطانُ بنُ هودِ بن عبدِ اللهِ بنِ الجَلُودِ بنِ [عَادِ بنِ] (٢) عُوصِ بنِ إِرَمَ ابن سَامِ بن نوحٍ، وقالَتِ الفِرقةُ الثَّانيةُ مِنهم: هو قحطانُ بنُ هودِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ريَاحِ بنِ الجَلُودِ بنِ عَادِ بنِ عُوصَ بنِ إِرَمَ بنِ سامِ ابنِ نوحٍ. وقالَتِ الفرقةُ الثَّالثةُ مِنهم: هو قحطانُ بنُ هُمَيْسَعَ بنِ تَيْمَنَ بنِ قحطانَ بنِ هودِ بنِ تَيْمَنَ بنِ إِرَم بن سامِ بن نوحٍ. ولا أظنُّ هذه الفِرقةَ صنَعَت شيئًا. وأمَّا الذين نسَبُوه إلَى عَابَرَ؛ فقالَتِ الطَّائفة الأولى منهم، وهم جُلُّ أهلِ اليَمَنِ (٣): قحطانُ هو يقطانُ، وهو يقطونُ، وهُو يَقْطِينُ، ويَقْطُنُ، ابنُ عَابَرَ، وهُو هودٌ نبيُّ اللهِ، بن شالَخَ بنِ أَرْفَخَشَذَ بنِ سَامِ بنِ نوحٍ. وقال الزبيرُ بنُ بكَارٍ: قحطانُ بالعربيَّة، وهو يقطُنُ بالعِبْرانيَّةِ، ويقطانُ بالسُّريانيَّةِ بنُ نبتِ -وهو نابتٌ- بنِ عَابَرَ بنِ شَالَخَ بنِ أرفخشَذَ ابنِ سامِ بنِ نوحِ بنِ لمْكِ، وهو لامَكُ، بنِ مُتَوَشْلِخَ بن أخنُوخ، وهو

стр. 28

إدريسُ، بن يارَدَ -وهو يرْدٌ- بنِ قَينَ -وهو قَيْنانُ- بن أنوشَ بنِ شَثَّ (١) بالعربيَّةِ، وهُو شاثٌ بالسُّريانيَّةِ، وشيثُ بالعبرانيَّةِ، وهو هبةُ اللهِ، بنِ آدَمَ، وإليه أوصى آدَمُ ﷺ . قال عليُّ بنُ كَيسانَ: أنوشُ بنُ شِيثَ هو بالعربيَّةِ أنسُ بنُ شِيثَ. وقالت الطَّائفةُ الثَّانيةُ: قحطانُ ويقطانُ أخوانِ، وهما ابنا عَابَرَ، وهو هودٌ نبيُّ اللهِ - بن شالَخَ بنِ أرفخشَذَ بن سَامِ بنِ نوحٍ. وقالَت الطَّائفةُ الثَّالثةُ: قحطانُ بنُ هُمَيْسَعَ بنِ تَيْمَنَ بنِ يقطانَ بنِ عَابَرَ -وهو هودٌ- بن شالخَ بنِ أرفخشَذَ بن سامِ بنِ نوحٍ. وأمَّا الذين نسَبُوه إلى إسماعيلَ بن إبراهيمَ ﵉: فقالَت الطَّائفةُ الأولى مِنهم: قحطانُ بنُ هُمَيْسَعَ بنِ تَيْمَنَ بنِ نبتِ -وهو نابتٌ- بن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وقالَت الطَّائفةُ الثَّانيةُ: قحطانُ بنُ هَمَيْسَعَ بن يَمْنَ (٢) -وبه سُمِّيت اليمنُ- بن نابتِ بن إسماعيل. قال أبو عمرَ: يشْهَدُ لقَولِ مَن جعَلَ قحطانَ وسائرَ العَربِ مِن ولَدِ إسماعيلَ قولُ رسولِ اللهِ ﷺ لقومٍ مِن أسلَمَ والأنصارِ: "ارمُو يا (٣) بني إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكُم كانَ راميًا" (٤)، وقولُ المُنذِرِ بنِ حرامٍ جَدِّ حسانَ

стр. 29

ابنِ ثابتٍ حيثُ يقولُ (١): ورِثْنا مِنَ البُهْلولِ عَمْرِو بنِ عامرٍ … وحَارثةَ الغِطريفِ مَجْدًا مُؤثَّلَا مآثِرَ مِن نَبْتِ بن نَبْتِ بن مَالِكٍ … ونَبْتِ بنِ إِسْمَاعِيلَ مَا إِنْ تَحوَّلَا وقالَت الطَّائفةُ الثَّالثةُ: قحطانُ بنُ هَمَيْسَعَ بنِ أَصافِ بنِ هودِ بنِ شَروانَ بنِ الميثانِ بنِ العَامِلِ بنِ مهرانَ بنِ بحيرِ بنِ يقطان (٢) بنِ نباوُتَ -وهو نابتٌ- بن تيمنَ بنِ النَّبيتِ بن إسماعيلَ بنِ إبراهيم ﵉. وأمَّا الذين قالُوا هذه المقالةَ التَّاسعةَ فهم الذين جعَلُوا بينَ عدنانَ وبينَ (٣) إسماعيلَ نيِّفًا وثلاثينَ أبًا. قال: ووجَدْتُ أكثرَ أهلِ اليمنِ (٤) يقولُون: قحطانُ بنُ عَابَرَ -وهو هودٌ- بنِ شالخَ بنِ أرفخشَذَ بن سامِ بن نوحٍ، ويقولون: نحن العَربُ العاربةُ، نحن أقدَمُ مِن إبراهيمَ ﵇. وقالَ الزبيرُ: طَسْمٌ وأَميمٌ وعِمْليقٌ بنو لَوذِ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وجديسُ وثمودُ ابنا جَاثِرِ بنِ إِرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ (٥).

стр. 30

وأمَّا هشامُ بنُ الكلبِيِّ، فقالَ: العَربُ العاربةُ هم عادٌ وعَبيلٌ (١) ابنا عُوصِ بنِ إِرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وطَسْمٌ إخوةُ عمليقٍ، وأَميمٌ، ويقطونُ ابنُ عَابَرَ بن شالخَ بنِ أرفخشَذَ بنِ سامِ بن نوحٍ، فهؤلاء هم العَربُ العاربةُ (٢). قالَ هشامٌ: ومَن زعَمَ أنَّ قحطانَ ليسَ مِن وَلَدِ إسماعيلَ، فإنَّه يقولُ: قحطانُ هو يقطونُ بنُ عابَرَ بنِ شالخَ بنِ أرفخشَذَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ (٣). قالَ أبو عمرَ ﵀: هكذا قالَ ابنُ الكَلبيِّ في العرب العاربة، ورأيتُ بخَطِّ أبي جعفَرِ العُقيليِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: [حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل] (٤)، قال: أخبرنا سلَّامُ بنُ مِسكينٍ، قالَ: حدَّثنا عونُ بنُ ربيعَةَ، عن يزيد الفارسِيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: العَربُ العاربةُ قحطانُ بنُ الهُمَيْسَعِ، والأمدادُ، والسَّالِفاتُ، وحضَرَموتُ (٥). وهذا حديثٌ حسَنُ الإسنادِ، وهو أعلَى ما رُوِيَ في هذا الباب، وأولى (٦)، واللهُ أعلَمُ.

стр. 31

[قال هشامُ بنُ الكلبيِّ: ومن ولدِ يافثَ بنِ نوحٍ النبيِّ ﵇ يونانُ بنُ يافِثَ، ومن ولَدِه: رُومِيُّ بنُ لَنْطى بنِ يُونانَ بن يافِثَ بنِ نوحٍ، ومن ولدِه: ذو القرنينِ، وهو هُرْمُسُ، ويقالُ: هَرْديسُ، بنُ قَيْطونَ بنِ رُومِيِّ بنِ لَنْطى بن يونانَ، ذَكَرْنا هذا وإن لم يكن من ولدِ سامٍ من أجلِ ذِي القَرْنينِ (١)] (٢). قالَ ابنُ الكلبيِّ: قولُ الناس: إنَّ هودًا هو عابَرُ، باطلٌ؛ لأنَّ هودًا (٣) ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الجَلُودِ بنِ عَادِ بنِ عُوصٍ بنِ إِرَمَ بنِ سَامِ بنِ نوحٍ (٤). وأمَّا وهبُ بنُ مُنبِّهٍ، فقالَ في هودٍ: هودُ بنُ عبدِ الله بن رياح بنِ حُوبَا بنِ عَادِ بنِ عُوصِ بنِ إِرَمَ بنِ سَامِ بنِ نوحٍ (٥). قالَ وهبٌ: وليسَ هو بأبٍ لليمَنِ؛ لأنَّ اليَمَنَ مِن وَلَدِ قحطانَ بن عابَرَ بن شالَخَ بن أرفخشَذَ بن سام بن نوحٍ (٥). قال وهبٌ: وإِنَّما ادَّعَتِ اليمَنُ هودًا أبًا حين وقَعَت العصبيَّةُ بينَ اليَمَنِ ومُضَرَ، ففخَرَت مُضَرُ بأبيها إسماعيلَ، فَادَّعَتِ اليمَنُ عند ذلك هودًا (٥).

стр. 32

واحتجَّ وهبٌ بقولِ اللهِ : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥، هود: ٥٠]، يعني: أخاهم في النَّسَبِ، قال: وإِنَّما اليَمَنُ مِن وَلَدِ أرفخشَذَ بن سامِ بن نوحٍ. قالَ أبو عمرَ: لا خلافَ بينَ أهل العلم بالنَّسَبِ أَنَّ العَربَ كلَّها يَجْمَعُها جِذمان -والجِذمُ الأصلُ- فأحدُهما: عدنانُ، والآخَرُ: قحطانُ، فإلى هذين الجِذمين ينتهي (١) كلُّ عربيٍّ في الأرضِ، ولا يخلُو أحدٌ مِن العَربِ مِن أن ينتمِي إلى أحدِهما، ولابُدَّ أن يُقال: عدنانيٌّ أو قحطانيٌّ. ولهذين الجِذمين خمسةُ شُعوبٍ، وإن شئتَ قلت: ثلاثةُ شعوبٍ تَفَرَّقَت مِنها قبائلُ العَربِ؛ فالخمسةُ مُضَرُ بحُشوتِها مِن إيادٍ، وربيعةُ بحُشوتِها مِن أنْمارٍ، وَقُضاعةُ شَعبٌ، وسبأٌ شَعبٌ، وحضرَموتُ شَعبٌ، والثَّلاثةُ نِزارٌ، وسبَأٌ، وحضَرَموتُ، وإن شِئتَ قلْتَ: عدنانُ ربيعةُ ومُضَرُ، وإن شِئتَ قلتَ: نِزارٌ، وإن شئتَ قلتَ: اليمنُ قُضاعةُ وسبأٌ، [وإذا قلت: سبأٌ، لم تحتَجُ إِلَى ذِكرِ حِميرَ بنِ سبأ وحَضْرموت وقحطانَ] (٢).

стр. 33

قُضاعةُ [وأمَّا] (١) قُضاعة فالاختلافُ فيهَا كثيرٌ، والأكثرُ عَلَى أَنَّهَا مِن مَعَدِّ ابنِ عدنانَ، وأنَّ قُضاعةَ بِكرُ ولَدِ مَعَدٍّ، وبه كانَ يُكنَى. ورُوِيَ هذا من حديثِ هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّها قالت: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "قُضاعةُ بنُ (٢) مَعَدٍّ، كَانَ بِكرَ ولَدِه وأكبَرَهم، وبه كانَ يُكنَى" (٣). وليسَ دونَ هشامِ بنِ عُروةَ مَن يُحتجَّ به في هذا الحديثِ، وقد رُوِيَ عن عمر بن الخطابِ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وجُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ مثلُ ذلك (٤)، وهو قولُ عبد الملكِ بن هشامٍ، ومُصعَبٍ (٥) الزُّبيريِّ، والزُّبَيرِ بنِ بكَّارٍ (٦). وممَّا احتجَّ به مَن قال هذه المقالة قولُ زُهَيرٍ (٧):

стр. 34

إذا [لَقَحَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ] (١) … ضَروسٌ تَهُزُّ (٢) الناسَ أنيابُها عُصْلُ (٣) قُضاعيَّةٌ أو أُخْتُها مُضَرِيَّةٌ … يُحَرَّقُ في حافاتِها الحَطَبُ الجَزْلُ فَجَعَلَ قُضاعةَ بنَ (٤) مَعَدِّ بن عدنانَ أخًا لمُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بن عدنانَ، وقالَ غيرُه (٥): قُضاعةُ العُنْصُرُ [مَن لَا] (٦) لَها … أبٌ به (٧) تُعْرَفُ إِلَّا مَعَدُّ وقالَ لبيدٌ (٨): فَلَا تسْألِينا واسْأَلِي عَن بِلَائِنا … إيادًا وَكَلْبًا مِن مَعَدٍّ وَوائِلَا [ولا خِلافَ] (٩) أنَّ كَلبًا في قُضاعةً. وقالَ الشَّرْقِيُّ بنُ القُطَامِيِّ (١٠): لم تزَلْ قُضاعةُ عَلَى نَسبِها فِي مَعَدٍّ

стр. 35

في الجاهليَّةِ وأوَّلِ الإسلام، إلَى أنْ أحدَثَت حِلْفًا بينهَا وبينَ أَهْلِ اليمَنِ أيَّام ابن الزبير وبنِي مَروانَ، وذلك في غاراتِ عُميرِ بنِ الحُبابِ السُّلميِّ على كلبٍ، وغاراتِ حُميدِ بنِ حُرَيثِ بنِ بَحدَلٍ الكلبيِّ على فَزارَةَ، فلم تزَلْ كلبٌ واليمنُ يشُدُّونَ ذلك الحِلفَ، ويحتجُّونَ بحديثِ عمرِو بنِ مُرَّةَ الجُهَنِيِّ (١)، وكانت له صُحبةٌ وسابقةٌ في الإسلام وطاعةٌ في قومِه، فمالوا إلى قولِه. قال أبو عُمرَ ﵁: ومثلُ حديثِ عمرِو بنِ مُرَّةَ الجُهَنِيِّ حديثُ عُقبَةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ، رواه جريرُ بنُ حازمٍ، عن ابنِ لهيعَةَ، عن مَعروفِ بن سُوَيدٍ، عن أبي عُشَّانَةَ المَعافِرِيِّ (٢)، عن عُقبة بن عامرٍ الجُهَنِيِّ في حديثٍ ذكَرَه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمَا نحن من مَعَدٍّ؟ قالَ: "لا"، قلتُ: مَن نحن؟ قال: "أنتم قُضاعةُ بنُ مالك بنِ حِميَرَ" (٣)، فعلَى هذا قُضاعةُ في اليمن في حِميَرَ بنِ سبأ. ولا يختلِفُونَ أن جُهينةَ ابْنُ زيدِ بن سُودِ بنِ أسلُمَ بنِ عِمرانَ بن

стр. 36

الحافِ بنِ قُضاعةَ، قَبيلُ عُقبة بن عامرٍ الجُهَنِيِّ. قالَ الشَّرقِيُّ: فإن يكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ قاله، فقَد صدَقَ (١). قالَ الشَّرقِيُّ: ومالأَهم على ذلك خالدُ بنُ يزيدَ بنِ مُعاويةَ خِلافًا على بني مَروانَ، ثمَّ استحكَمَ ذلك، فلم تزَلْ قُضاعةُ باليمن (٢) إِلَى اليوم مختلِفين في أنسابِهم. وقالَ محمدُ بنُ حبيبٍ: إِنَّما فَسَدَ نسَبُ قُضاعةَ بالحربِ التي كانت بالشَّامِ أَيَّامَ حُميدِ بنِ حُرَيثٍ وعُمَيرِ بنِ الحُبابِ؛ وذلك أنَّ خالدَ بنَ يزيدَ قالَ لأخوالِه مِن كلبٍ -وكانَ مُطَاعًا فيهم وهم سادةُ قُضاعةَ-: أطيعوني وحالفُوا اليمنَ وانتسِبُوا إليها، فإنَّكم تُذلُّونَ (٣) بذلك بني مروانَ ومَنِ انحَطَّ في أهوائِهم من قيسٍ وغيرها، فأطاعه بعضُهم وعصاه آخرون، فكانَ بعضُهم يقولُ: حالَفْنا اليمنَ، وبعضُهم يقولُ: بل نحن منهم. وكانَ أَوَّلَ مَن انتسَبَ مِن قُضاعةَ إلى مالكِ بن حِميَرَ الأفلَحُ (٤) بنُ يعقوبَ حيثُ يقولُ (٥):

стр. 37

يا أيُّها الدَّاعِي ادْعُنَا وأبشِرِ وكُنْ قُضاعيًّا وَلَا تُنَزَّرِ نَحنُ بنو الشَّيخِ الهِجانِ الأَزْهَرِ (١) قُضاعةَ بنِ مَالك بنِ حِميَرِ النَّسَبُ المَعرُوفُ غَيرُ المُنكَرِ وأمَّا ابنُ إسحاقَ في غيرِ رِوايَةِ ابن هشامٍ، وابنُ الكَلبِيِّ، وطائفةٌ مِن أهلِ النَّسَبِ، فذهبُوا إِلَى أَنَّ قُضاعةَ في حِميَرَ؛ قالَ ابنُ إسحاقَ: قُضاعةُ بن مالكِ بن حِميَرَ بنِ سَبَأ بنِ يَشجُبَ بنِ يعرُبَ بنِ قحطان (٢)، وقالَ ابنُ الكَلبِيِّ (٣): هو قُضاعةُ بنُ مالكِ بنِ عمرِو بنِ مُرَّةَ بن زيدِ بنِ مالكِ بن حِمْيَرَ. وقد قيلَ: إِنَّ قُضاعةَ كانت امرأةً مِن جُرهُمٍ، فتزوَّجَها مالكُ بنُ حميَرَ، ثمَّ خلَفَ عليها بعدَ مالكٍ مَعَدٌّ، فولَدَت له قُضاعةُ على فراشِ

стр. 38

مالكٍ، وقد كانَت العربُ تنسِبُ الرجُلَ إِلَى أَبي (١) زوجِ أُمِّه، ألَا ترَى أنَّها قالَت في بني كِنانة: بنو عليٍّ؛ وذلك أنَّ أمَّ كِنانة كانت قبلَ كِنانة تحت عليِّ بنِ مسعودٍ الأزدِيِّ، فنسَبَتْهم العربُ إلَى عَليٍّ، وذلك موجودٌ في أشعارها (٢). وأمَّا سعدُ هُذيمٍ فهو سعدُ (٣) بنُ زيدٍ مِن قُضاعةَ، حضَنَته هُذَيمٌ فنُسِبَ إلَى حاضنَتِه. وعُكلٌ امرأةٌ حضَنَت بني عَوفِ بنِ قيس بن وائل بن عوف بن عبدِ مَناةَ بن أُدٍّ فَنُسِبُوا إليها، وسنذكُرُ خبَرَها في موضعِه مِن هذا الكتابِ (٤). وغُصينةُ وسودانُ وثعلبةُ بنو عمرِو (٥) بنِ الغَوثِ مِن طَيِّئ نُسِبُوا إلى حواضنِهم أيضًا؛ فأمَّا غُصينةُ، ويُقال: غُصينٌ، فحضَنَه بَوْلانُ (٦)، فغلَبَ على اسمِه، وسودانُ كان حاضِنَه نَبهانُ فغلَب على اسمِه، وثعلبةُ حضَنَته امرأةٌ يُقال لها: جَرْمٌ، فغَلَبَت على اسمه، هذا كُلُّه ذكَرَه الزبيرُ وغيرُه (٧).

стр. 39

ولأعْشَى بني تغلبَ -وقيل: إنَّها لبعض بني تيمِ اللَّاتِ بنِ رُفيدةَ ابن ثور بن كلبٍ- يُخاطِبُ قُضاعةَ (١): أزَنَّيْتُم عجوزكمُ وكَانَت … عجوزًا لا يُشمُّ (٢) لَهَا خِمارُ عَجُوزٌ لَو دنَا مِنها يَمانِ … للاقَى مثلَ ما لاقَى يَسارُ يعني يسارَ الكواعبِ، وكانَ زنَا في غيرِ قومِه فَأُخِذَ فَخُصِيَ. وقال أعشَى بني ثَعْلبةَ (٣): أبلِغْ قُضاعةَ في القِرطاسِ أَنَّهمُ … لَوْلا خلائفُ دينِ اللهِ مَا عَتَقُوا قالَت قُضاعةُ إِنَّا مِن ذَوِي يَمَنٍ … [وقَدْ لعَمْرُهمُ مانوا] (٤) وَمَا (٥) صَدَقُوا قد ادَّعوا والدًا مَا مَسَّ أمَّهمُ … قد يَعلَمون ولكن ذَلِك الفَرَقُ ما ضَرَّ شيخَ نِزَارٍ أَن يُفارِقَه … مَن لا يَزينُ إذا أبناؤُه اتَّسقُوا (٦) مَعَدُّ شيخُ بَنَى للمجدِ قُبَّتَه … فالمجدُ مِنهُ ومِن أَبْنائِهِ خُلِقُوا

стр. 40

لو جاهَلوا الناسَ بَذَّت جاهليتُهم … أو سابَقوا الناسَ عن أحسابهم (١) سَبَقُوا الوارثون نَبِيَّ اللهِ سُنَّتَه … في دينه وعليهم (٢) نُزِّلَ الوَرَقُ يزدادُ لَحمُ المَنايا في مَنازلِنا … طيبًا إِذا عَزَّ في أعدائنا المَرَقُ وقالَ بعضُ شُعراءِ مُضَرَ في قُضاعةَ (٣): مَرَرْنَا عَلَى حَيَّيْ قُضاعةَ غُدوةً … وقَد أَخَذُوا فِي الزَّفْنِ (٤) والزَّفْنَانِ فقلْتُ لَهُم مَا بَالُ زَفنِكُمُ كَذَا … لعُرسٍ نرَى ذَا الزَّفْنَ أَو لِخِتانِ فقَالُوا ألَا إِنَّا وجَدْنَا لنا أبًا … فقلْتُ لِيَهِنِئْكم بأَيِّ مَكانِ فقالُوا وَجَدْنَاهُ بِجَرْعاء مالكٍ (٥) … فقلْتُ إذن مَا أَمُّكُم بِحَصَانِ فَمَا مَسَّ خُصْيَا مالكٍ فرجَ أُمِّكُم … ولَا بَاتَ مِنه الفرجُ بالمُتدانِي فَقَالُوا بَلَى واللهِ حَتَّى كَأَنَّمَا … خُصَيَّاه مِن تَحتِ اسْتِها جُعَلانِ وقال الكُمَيتُ يُعاتِبُ قُضاعةَ في تحوُّلِهم إلى اليمن (٦): علامَ نزلْتُمُ مِن غَيرِ فَقرٍ … ولا ضرَّاءَ منزلَةَ الحَمِيلِ (٧)
следующие страницы →