قوله: "إلَّا بعد حولها كاملة"الخ، أن الكاملة لا تضم للتي بعدها، سواء كانت الثانية كاملة أو ناقصة، واستفيد ضم الأولى الناقصة للثانية سواء كانت الثانية ناقصة أو كاملة، من قوله: وتضم ناقصة الخ، وقوله: "كالكاملة أولا"، كمالها إما من أصلها كما إذا استفاد عشرين دينارا واستمرت بيده حتى حال عليها الحول، أو كانت دون النصاب وربح فيها ما كملت به نصابا قبل حولها؛ لأن الربح يضم إلى أصله، قال مالك: من أفاد خمسة دنانير ثم أفاد بعد خمسة أشهر خمسة أخرى، فتَجَرَ في الخمسة الأولى، فربح فيها نصابا زكى كلّ فائدة لحولها، ولو تَجَرَ في الخمسة الثانية قبل تمام حولها، فربح فيها خمسة عشر فأكثر، أضاف الخمسة الأولى إلى حول الثانية.
وحاصل في مر: أنه إن استمر كمال الأولى وما في حكمه للحول، يزكي جميع الفوائد كلّ على حولها، كان ما بعد الأولى بالغا للنصاب أم لا، نقصت الأولى بعد ذلك أم لا، ولابد أن يكون في مجموعهما نصاب -كما مر- وإلا ضما لما بعدهما إن مر عليهما الحول وهما ناقصتان، وأما إن نقصت الأولى ابتداء أو بعد تمام، وقبل مرور الحول عليها تامة، فإنها تضم لما بعدها إلى أن يتم النصاب، فيكون ذلك كفائدة واحدة، وبعد ذلك تزكى كلّ فائدة على حولها.
وإن نقصتا فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب عند حول الأولى أو قبله فعلى حوليهما؛ يعني أن الفائدتين إذا نقصتا أي نقص مجموعهما عن النصاب بعد التمام وجريان الزكاة في كلّ، ولم يستمرا على نقصهما، بل تجر فيهما أو في إحداهما، وحصل الربح فيهما أو في واحدة منهما بما يتم به النصاب، وعلم عين التي حصل فيها الربح حيث ربح في إحداهما، فإن كمال النصاب لا يخلو من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون عند كمال حول الأولى أو قبله، فإن الفائدتين في هذين الوجهين تزكى كلّ واحدة منهما على حولها، كما لو كانت عنده عشرون محرمية وعشرون بعدها رجبية، زكى كلا منهما لمرور الحول عليها تامة، ثم نقصتا أي نقص مجموعهما عن نصاب، فتجر فيهما أو في إحداهما ما يتم به النصاب فيهما، وحصل تمام النصاب عند حول المحرمية وهي الأولى أو قبله، فتزكى كلّ واحدة منهما على حولها، فتزكى المحرمية في المحرم والرجبية في رجب، وقوله: "وإن نقصتا فربح" الخ، تحته صورتان: إحداهما: هي التي ذكرتها لك،
стр. 1962
ثانيتهما: أن تكون الأولى التي استفادها عشرين، والتي استفادها ثانيا عشرة، وحال حول الأولى وهي كاملة وزكاها، ثم بعد حول الثانية نقص كلّ منهما ولم يبق منهما إلَّا عشرة، فالدار على تقرر الحول لكل منهما فربح فيهما عشرة أو ربحها في إحداهما وعلم عينها، فإنه يزكي كلّ واحدة على حولها، فإذا علم ربح كلّ واحدة زكاه معها فيما إذا ربح فيهما، وإن ربح في واحدة منهما وعلم عينها زكاه معها: وإن جهل عينها جعله للثانية لا للأولى ليلا يلزم زكاته قبل حول محقق، كذا ينبغي. قاله عبد الباقي. فإن ربح في الفائدتين ولم يعلم ما يخص الأولى من الثانية بأن خلطهما، فإنه يفض الربح على حسب عدديهما، ويزكي ربح كلّ على حولها، وإلى هذا أشار بقوله: وفض ربحهما؛ أي إذا خلطهما وتجر فيهما مخلوطين فإنه يجعل الربح بينهما على حسب عدديهما؛ فإذا تساوى عددهما فلكل منهما نصف الربح، وإذا كانت إحداهما عشرة مثلا والأخرى خمسة كان للفائدة العشرة الثلثان وللأخرى ثلثه، وأشار إلى ثاني الأوجه الخمسة بقوله: وإن بعد شهر فمنه؛ يعني أنه إذا حصل الربح بما يتم به النصاب في الفائدتين، سواء ربح في إحداهما أو فيهما تمام نصاب، فإن كان ذلك عند حول الأولى أو قبله فهو ما مر، وأما إن حصل الربح فيهما أو في إحداهما بما يتم به النصاب بعد شهر من حول الأولى وقبل حول الثانية، فإن حول الأولى ينتقل لوقت تمام النصاب ويصير مبتدءا منه، فقوله: منه أي من تمام النصاب، وقوله: "وإن بعد شهر"، لا خصوصية للشهر، بل المراد أن يكون بعد حول الأولى وقبل حول الثانية، وأشار إلى ذلك في التوضيح. قاله الحطاب. وأما الفائدة الثانية، فإنها تبقى على حولها، وهو رجب في المثال المتقدم، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: وعند حول الثانية؛ يعني أنه إذا تم النصاب عند حول الثانية بسبب ربح في إحداهما أو فيهما؛ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: أو شك فيه به لأيهما، اللام بمعنى: عند، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه إذا شك في حصول الربح الذي تم به النصاب، هل حصل عند حول الأولى أو عند حول الثانية أو بينهما؟ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأما لو شك هل حصل الربح عند حول الأولى أو الثانية أو بينهما أو بعدهما؛ فإنه يجب انتقاله للأبعد.
стр. 1963
وبما قررت علم أن قوله: فمنه؛ أي من حول الثانية، جواب عن الوجهين قبله، وهما قوله: "وعند حول الثانية"، وقوله: "أو شك فيه لأيهما"، معناه ما قررته به، وليس معناه أنه شك هل حصل الربح في الأولى أو في الثانية، فيزكيان عند حول الثانية؛ لأن في ذلك تفصيلا، ففي الناقصتين ابتداء أو قبل جريان الزكاة في واحدة منهما يجعل للثانية، ويكون الحول فيهما من حول الثانية، وأما الراجعتان للنقص بعد جريان الزكاة فيهما أو في الأولى، فإنا لو تحققنا أن الربح إنما نشأ عن الثانية لم يجعل حول الجميع من حولهما، بل ينظر متى حصل الربح بالأوجه المتقدمة. قاله الحطاب. ولو شككنا في الربح لأيهما لجعل للثانية، لكن الأولى لا ينتقل حولها. قاله الشبراخيتي.
واعلم أن هذه الأوجه الخمسة التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل. واعلم أن هذه الأوجه الخمسة لا تجري في الناقصتين ابتداء، أو بعد التمام وقبل الحول إلَّا إذا حصل في الأولى من الربح ما كمل فيها نصابا، بأن تجر فيها وحدها أو فيهما ونابها في الفض ما كملها نصابا، وأما إن تجر في الثانية فقط أو ناب الأولى أقلّ من نصاب فتضم للثانية قطعا. واعلم أن قوله: "وفض ربحهما"، يجري في جميع وجوه هذه المسألة، وكذا قوله: "فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب". واعلم أنه إذا شك في الربح لأي الفائدتين، فإنه يجعل للثانية، وسواء في ذلك الناقصتان ابتداء، فتضم الأولى للثانية، والراجعتان للنقص. والحول فيهما على ما قال المص. والله أعلم.
وإن حال حول الأولى وفيهما ما تجب فيه الزكاة، فزكى الأولى فنقصتا عما فيه الزكاة، فحل حول الثانية -وهما حينئذ ناقصتان- فلم يزك شيئًا ثم رجعا قبل أن يحول حول الأولى إلى ما فيه الزكاة، فإنه يصير يومئذ حول الثانية، وتبقى الأولى على حولها، ويصنع في الربح كما وصف، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله، ثم رجعا إلى ما لا زكاة فيه إذا جمعا، ثم أتى حول الأولى وهما ناقصتان عما تجب فيه الزكاة فترك تزكيتهما، ثم بعد شهر وقبل أن يأتي حول الثانية ربح فيهما أو في إحداهما ما فيه النصاب، فإنه يزكي الأولى حينئذ ويترك الثانية إلى حولها، ثم بعد أن ترك الثانية إلى حولها نقصتا عما تجب فيه الزكاة، وأتى حول الثانية وهي ناقصة فترك
стр. 1964
تزكيتها، ثم بعد أشهر رجعتا بالربح فيهما أو في إحداهما إلى ما فيه الزكاة، فإنه يزكي الثانية الآن وتبقى الفائدة على هذين الحولين، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله ثم رجعتا بعد أن زكى إحداهما إلى ما لا تجب فيه الزكاة، ثم رجعتا جميعا إلى ما تجب فيه الزكاة بالربح فيهما أو في إحداهما قبل أن يأتي حول الثانية بقيتا جميعا على حوليهما المتقدمين بأعيانهما، تزكى كلّ واحدة على حولها بربحها الذي ربحه فيها، وإن كان قد خلطه فض الربح عليهما فزكى مع كلّ واحدة منهما ما ينوبها من الربح، وإن كان الربح في إحداهما زكاها بربحها وزكى الأخرى بغير ربحها. انتهى من البيان. نقله الحطاب.
وفي النوادر: ومن كتاب ابن سحنون: ومن أفاد خمسة عشر دينارا ثم إلى ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين جميعا، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فيها فربح ثلاثة، فليقسم الربح على المالين فينوب الْخَمْسَةَ عشر ديناران ونصف، والثلاثة نصف دينار، ويبقى المالان [على حولهما] (١)، يريد حول آخرهما، ولو ربح ستة دنانير وقع للمال خمسة فيصير بربحه ما فيه الزكاة، فيزكيه لحوله والمال الثاني لحوله؛ يريد إذا كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول آخرهما، ولو ضمهما حول آخرهما قبل الربح لم يرجعا إلى حولين، ويبقى حولهما واحدا، ولو تجر في المالين فربح ستة دنانير ثم لم يدر أيهما هو فليزكهما على حول آخرهما ولا يفضهما بالشك فقد يزكى الأول قبل حوله، وأشار إلى الوجه الخامس بقوله: كبعده؛ يعني أن الربح الذي تم به النصاب إذا حصل بعد حول الفائدة الثانية، فإن حول الفائدتين جميعا يكون من وقت التمام، فالتشبيه في مطلق الانتقال لا أن الحول ينتقل لحول الثانية، والمجرور بالكاف محذوف وبعد منصوب على الظرفية بالمجرور المحذوف، والتقدير كحصول الربح بعده أي بعد حول الثانية، والذي أحوج إلى هذا التقدير أن بعد من الظروف التي لا تجر إلَّا بمن، أو إلى، كما قاله الرضي. قاله غير واحد.
واعلم أن هذه الصور الخمس التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيهما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل، وقد مر هذا، وقول عبد
стр. 1965
الباقي: واعلم أن هذه الست صور، صوابه الخمس صور، قاله محمد بن الحسن. وقد مر أن الفائدتين لو استمرتا على النقص حولا كاملا فإن حولهما يبطل ويضمان لما بعدهما، وكذا إذا حصل ذلك في أكثر من فائدتين.
وإن حال حولها فأنفقها ثم حال حول الثانية ناقصة، فلا زكاة؛ يعني أن الفائدة الأولى التي لا تضم لما بعدها؛ إذا حال حولها ثم أنفقها قبل حول الثانية، أو ضاعت منه قبله، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب؛ فإنه لا زكاة فيها، قال الشبراخيتي ممثلا للمصنف: فإذا كان عنده فائدتان لا تضم إحداهما للأخرى، كما لو كان عنده عشرون محرمية حال عليها الحول وزكاها ثم صارت بعد الحول عشرة واستفاد بعد ذلك عشرة، فإنه إذا جاء المحرم وعنده العشرة يزكيها، فإذا أنفقها بعد الزكاة فلا زكاة عليه في العشرة الرجبية لقصورها عن النصاب، هذا هو الذي ينبغي حمل كلام المصنف عليه، وأما ما حمله عليه المواق من أنهما فائدتان تضم إحداهما للأخرى فغير جيد. انتهى. أي لأنه لا يقال في مثل هذا: حول الأولى؛ لأنَّها لا حول لها إلَّا حول الثانية، وجعل الحطاب كلام المصنف شاملا للصورتين.
وقال محمد بن الحسن: هو الصواب، ومعناه أنَّها مر عليها حول وإن لم يكن حولا شرعا، وفي المدونة: ومن أفاد ما فيه الزكاة ثم أفاد بعده بستة أشهر ما لا زكاة فيه فزكى الأول لحوله، ثم أنفقه قبل حول الثاني، فإذا حل حول الثاني لم يزكه إلَّا أن يكون عنده مال أفاده معه أو قبله وبعد الأول ولم يتلفه وفي هذا الأوسط مع المال الثالث ما فيه الزكاة، فليزكهما لحول آخرهما. انتهى. وقال في التوضيح: لو ملك عشرة في المحرم وعشرة في رجب، وحال حول المحرمية ثم أنفقها أو ضاعت، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب، فقال ابن القاسم: لا زكاة لأنه يشترط اجتماعهما في الملك، وكل الحول، ولم يحصل الاجتماع في كلّ الحول، وقال أشهب بوجوب الزكاة؛ لأنه إنما يشترط اجتماعهما في بعض الحول، قال: واحترز بقوله: ضاعت الأولى، عما إذا ضاعت الثانية، فإنهما يتفقان على سقوط الزكاة، ولو أنفق الأولى قبل حولها أي الأولى، فإنه لا خلاف في سقوط الزكاة إذ ذاك، ولو حال حول الثانية كاملة فإنهما يتفقان حينئذ على وجوب الزكاة في الثانية ويختلفان في الأولى. قاله الحطاب.
стр. 1966
وقال عبد الباقي عند قوله "فلا زكاة": فيهما عند ابن القاسم، لاشتراطه اجتماع الفائدتين في الملك وكل الحول، وقال أشهب: يزكيهما لأنه يشترط اجتماعهما في الملك وبعض الحول. انتهى. وتقدم قول المدونة: إلَّا أن يكون عنده مال، أفاده معه أو قبله، قال محمد بن الحسن: معناه -والله أعلم- أفاده مع فائدة الثاني أو قبله لا مع حوله، ويدل على هذا قولها: وفي هذا الأوسط. تأمله. انتهى.
واعلم أن الخلاف جار بين ابن القاسم وأشهب في الثانية إن كانت الأولى فقط نصابا وأنفقها بعد حولها، وفي الأولى فقط إن كانت ناقصة والثانية كاملة، فأنفق الأولى بعد حولها وفيهما معا إن كانتا ناقصتين، وفي مجموعهما نصاب فأنفق الأولى بعد حولها، وفيما عدا ذلك الاتفاق. انظر حاشية الشيخ بناني.
ولما أنهى الكلام على الفوائد، أتبعه بالكلام على الغلة عاطفا على بفائدة، فقال: وبالمتجدد عن سلع التجارة بلا بيع؛ يعني أن الشخص يستقبل بالنقد المتجدد: أي الناشئ عن سلع التجارة أي السلع التي قصد بشرائها بيعها ليربح في ثمنها، حال كون هذا النقد المتجدد عنها أي الناشئ عنها حاصلا بلا بيع رقابها، وإيضاح هذا أن من اشترى سلعا ليتجر بها، ونشأ له عنها نقد بلا بيع لرقابها، بل بسبب كرائها، يستقبل بزكاته حولا من يوم أخذه؛ لأنه كفائدة، ولا يزكيه لحول الثمن الذي اشتريت به السلع، وأما لو بيعت سلع التجارة؛ وهو مفهوم قوله: "بلا بيع"، لكان الربح حوله حول الأصل، كما مر عند قوله: "وضم الربح لأصله"، وقال الحطاب شارحا للمصنف: أي واستقبل بالمتجدد عن سلع التجارة إن كان في عينه الزكاة كالدراهم والدنانير، وإلا استقبل بثمنه حولا كما صرح به في المدونة، وكأن ذلك فائدة أفادها، وفهم منه أنه يستقبل بالمتجدد عن سلع القنية بلا بيع من باب أحرى؛ وهو مفهوم قوله: "التجارة"، وكذا يستقبل بالمتجدد عن السلع المكتراة للقنية، وأما السلع المكتراة للتجارة بغلتها، فغلتها كالربح تضم للأصل، كما مر في قوله: "كغلة مكترى للتجارة". قاله الشبراخيتي، وغيره. وقوله: "عن سلع التجارة"، يشمل العبيد وغيرهم، ولهذا قال: كغلة عبد، مثال للنقد المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع؛ يعني أن الشخص إذا اشترى عبدا للتجارة فاستغله بالكراء، فإنه يستقبل
стр. 1967
بالعين التي أخذها في كرائه، ومن المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع: صوف غير تام حين اشتراء الغنم للتجارة؛ ولبنها وسمنها، وكراء مسكن اشتري للتجارة. وكتابته؛ أي العبد المشترى للتجارة؛ وهو معطوف على قوله: "كغلة"؛ يعني أن الشخص إذا اشترى عبدا للتجارة فكاتبه، فإن نجوم كتابته من المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع، فيستقبل به بناء على أن الكتابة عتق لا ثمن مبيع حقيقة، فلا ينافي قوله: "بلا بيع"؛ إذ لو كانت ثمنا لأخذها العبد عند العجز، وقوله: "وكتابته"، هو المشهور، وقيل: يبني على حول الأصل، وَالْفَرْقُ بين غلة المشترى للتجارة فيستقبل بها، وبين غلة المكترى للتجارة تضم للربح، أن المشتراة للتجارة المقصود نفسها فغلتها قبل التجارة بها محض فائدة، والسلع المكتراة للتجارة المشترى منها المنفعة، فربحها كربح السلع المشتراة للتجارة، فحولهما حول أصلهما.
وَثَمَرَةِ مُشْتَرًى، متعلقة محذوف؛ أي للتجارة؛ يعني أن الشخص إذا اشترى أصلا للتجارة، ولا ثمر فيه، فأثمر عنده، أو فيه ثمر غير مؤبر، ثم جذه فباعه منفردا أو مع الأصل، فإنه يستقبل بثمن الثمرة المذكورة؛ لأنه من المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع لرقابها، وسواء كان هذا المشترى للتجارة مما تزكى ثمرته كنخل وعنب أو لا كخوخ ورمان وتفاح، فيستقبل بثمنها النقد سواء زكى عينها أم لا على المشهور، كما ذكره ابن عبد السلام وابن عرفة، ومقابله تخريج ابن بشير، شهره ابن الحاجب واعترضه ابن عرفة، ونصه: ولو كانت؛ أي الغلة مزكاة، ففي تزكية ثمنها لحول من يوم بيعها أو زكاتها، نقل الشيخ عن رواية محمد مع ظاهرها، وتخريج ابن بشير على كون ثمن غير مزكاها ربحا، فَجَعْلُهُ ابنُ الحاجب المشهورَ وهَمٌ. انتهى. نقله محمد بن الحسن.
واعلم أن الذي يستقبل به إنما هو ثمن ثمرة المشترى للتجارة فقط، وأما ما ينوب الأصل من الثمن حيث باع الثمرة معه فإنه يزكى لحول أصله، كما قال المصنف: "وضم الربح لأصله"، وأما إن لم يجد الثمرة ولم تفارق الأصول، فإن باعها مفردة فكذلك، وإن باعها معها فهي تبع للأصول إن باعها قبل الطيب، سواء كانت مما تزكى أم لا، أو بعده وهي مما لا تزكى كخوخ أو مما تزكى وقصرت عن النصاب، فإن بلغته فُضَّ الثمن عليها وعلى الأصول، فاستقبل بما نابها وزكى ما ناب الأصول لحول الأصل. انظر حسن نتائج الفكر. ونحوه في الحطاب، إلَّا أنه قال: وإن لم
стр. 1968
تجب الزكاة في عينها فاختلف فيها، هل تكون غلة أو تكون تابعة لأصلها على الخلاف في الثمرة، بماذا تكون غلة هل بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ ثلاثة أقوال، ثم قال: وهذا إذا لم تجذ، وأما لو جذها فإنها فائدة بلا كلام، وفي الشبراخيتي عند قوله: "وثمرة مشترى"، للتجارة سواء اشترى أصول الثمر مع ثمر غير مأبور أو أثمرت عنده، ثم باع الثمرة مفردة أو مع الأصل، لكن إن باعها مفردة استقبل بثمنها، وإن باعها مع الأصل فض الثمن على قيمة الأصل والثمرة، فما ناب الأصل زكاه، وما ناب الثمرة استقبل به حولا من يوم قبضه، فيصير حول الأصل على حدة، وحول الثمرة على حدة، وهذا في الثمرة حيث لم تجر الزكاة في عينها، إما لكونها مما لا يزكى كالتفاح ونحوه أو لنقصه عن النصاب، فإن كان مما يزكى وهو نصاب زكاه، ثم إذا باعها استقبل بثمنها. انتهى.
وقول المصنف: "وبالمتجدد عن سلع التجارة"، هو المشهور، والشاذ أنه يزكى لحول الأصل كالربح، قال ابن عرفة: وفي كون ثمن غلة ما ابتيع للتجر ولا زكاة فيها لجنسها، أو عدم نصابها فائدة أو ربحًا قولا المشهور ونقل ابن بشير مع الصقلي؛ وهو رواية زياد، ولو كانت مزكاة ففي تزكية ثمنها لحول من يوم بيعها أو زكاتها، نقل الشيخ عن رواية محمد مع ظاهرها، وتخريج ابن بشير على كون ثمن غير مزكاها ربحا فجعْله ابنُ الحاجب المشهورَ وَهَمٌ. انتهى. نقله الحطاب. إلَّا المأبورة؛ يعني أن الشخص إذا اشترى سلعا للتجارة وفيها ثمرة مؤبرة في النخل أو حاصلة فيها يوم عقد الشراء في غير النخل، فيعم ثمرة النخل وغيره، فإن تلك الثمرة لا تكون غلة، بل هي من سلع التجارة، فيزكي ثمنها لحول الأصل، ويكون من أفراد قوله: "ضم الربح لأصله"، وقوله: "إلَّا المؤبرة"، هذا إذا لم تجب الزكاة في عينها لكونها من جنس ما لا يزكى أو دون النصاب، فإن وجبت الزكاة في عينها، فإنه يزكيها، ثم هل يستقبل بثمنها أو يزكيها لحول التزكية. الجاري على قولهم إنها كسلعة مشتراة أن يزكيه لحول التزكية؟ قاله الحطاب.
وفي التوضيح: وذكر ابن محرز أن أهل المذهب قالوا: يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مأبورة يوم عقد شراء الأصل. نقله الحطاب. والصوف التام؛ يعني أن الشخص إذا اشترى غنما للتجارة وعليها صوف تام؛ أي مستحق للجز يوم عقد الشراء، فإن ذلك الصوف التام من سلع التجارة
стр. 1969
فهو كالثمرة المؤبرة يوم عقد الشراء، فإذا باع تلك الثمرة والصوف التام مفردين، أو مع الأصل فإنه لا يستقبل بثمنهما بل يزكيه لحول الثمن الذي اشترى به الأصول؛ أي الغنم وأصول الثمرة، لأن الثمرة والصوف التام كسلعة ثانية اشتراها للتجارة؛ إذ لهما حصة من الثمن، بل لا يصدق عليه متجدد عن سلع التجارة الخ، فثمنهما من أفراد قوله: "وضم الربح لأصله"، وقد مر أن هذا في الثمرة التي لم تجر الزكاة في عينها، لكونها من جنس ما لا يزكى، أو لكونها دون نصاب، والظاهر في الاستثناء -أعني قوله إلَّا المؤبرة والصوف التام- أنه منقطع؛ لأن ما ذكر لا يصدق عليه متجدد إلَّا أن يقال إنه متجدد باعتبار الأصل لا من حين الشراء، واعترض الرماصي المصنف بأن في ذكره في المأبورة إنما هو تخريج ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه، قيَّدَ به المصنف كلام ابن الحاجب واعتمده هنا، والصواب خلافه لقول بعض المحققين من شراح ابن الحاجب: المؤبرة حين الشراء المنصوص أنَّها غلة. وقال ابن محرز: أهل المذهب، قالوا: إنه يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مؤبرة يوم الشراء، نعم إن كانت حين الشراء قد طابت، فقال بعض شراح ابن الحاجب: الظاهر أنَّها كسلعة. انتهى. وكذا ما ذكره في الصوف التام، قال الرماصي: هو أيضًا مخرج لابن يونس على قول ابن القاسم: إنه إن اشترى الغنم وعليها صوف تام فجزه ثم ردها بعيب أنه يرد الصوف معها، وقال أشهب: إنه غلة ولا يرده، قال: لكن يسهل للمؤلف الاعتماد على المخرج في هذه كون المسألة لا نص فيها، فلم يخالف النص بخلاف الأولى. والله أعلم. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقال عقبه: عبارة اللخمي التي في الحطاب تقتضي أن ما ذكره المصنف في الصوف التام منصوص لا مخرج، ونصها: اختلف إذا اشترى الغنم وعليها صوف تام فجزه ثم باعه، فقال ابن القاسم: إنه مشترى يزكيه على حول الأصل؛ وهو المال الذي اشتريت به الغنم، وعند أشهب: أنه غلة، والأول أبين لأنه مشترى يزاد في الثمن لأجله. انتهى.
وإن اكترى وزرع للتجارة زكى؛ يعني أن من اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها بنية التجارة، يزكي ما حصل له من ثمن الزرع لحول أصله، وهو تزكية ما اكترى به الأرض إن كان زكاه، وإلا فمن يوم ملكه وهذا إذا لم تجب الزكاة في عين ما خرج من الأرض، وإلا فسيذكره بقوله: "وإن وجبت
стр. 1970
زكاة في عينها زكى"، ومفهوم قول المصنف: "اكترى"، أنه لو اشترى للتجارة وزرع لها لاستقبل بالثمن حولا من يوم القبض، خلافا لابن الحاجب. قاله الشبراخيتي.
وهل بشرط كون البذر لها؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيمن اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها بنية التجارة، كعل يزكي ما حصل له من ثمن الزرع على حول الأصل الذي اكتريت به الأرض، مطلقًا كان البذر -أي المبذور- لها أي للتجارة أي مما اتخذ للتجارة أو مما اتخذ للقوت؟ كما ذهب إليه أبو عمران، أو إنما يزكى ذلك على حول الأصل بشرط كون البذر من الحب المنوي به التجارة؟ وأما إن كان البذر مما اتخذ للقوت فإنه يستقبل بثمن ما حصل من الزرع حولا بعد قبضه، وإليه ذهب ابن شبلون وأكثر القرويين؟ في ذلك تردد، لهؤلاء الأشياخ، وقوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة"، وقوله: "تردد" قال عبد الباقي: تردد للشيوخ في فهم المدونة، قاله البساطي. فحقه تأويلان، واعتراض التتائي عليه غير ظاهر، وأجاب أحمد عن المصنف، بقوله: وكأنه لما رأى تأويل ابن يونس كقول التهذيب بوجوب الزكاة، وتأويل أبي عمران إنما هو في الأمهات من عدم وجوب الزكاة، وكلام التهذيب عنده على ظاهره لم يجعلهما تأويلين؛ لأنهما لم يؤولا لفظ التهذيب ولا لفظ الأمهات، بل كلّ واحد أول كتابا، ولذا صرح في التوضيح بأنهما طريقتان، واختصره هنا بتردد. انتهى. قوله: كقول التهذيب بوجوب الزكاة، وكذا قوله: عدم وجوب الزكاة، فيه نظر، والصواب أن تأويل ابن يونس باشتراط البذر لها، وتأويل أبي عمران بعدم اشتراك ذلك كما عبر المصنف. قاله محمد بن الحسن.
لا إن لم يكن أحدهما للتجارة، هذا مفهوم قوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة زكى"؛ يعني أنه إذا لم يكن اكترى الأرض للتجارة ولا زرعها لها، بأن كانا معا للقنية، فإنه يستقبل بثمن الزرع حولا من يوم قبضه، ومقتضى كلام المصنف أنه لو اكترى للتجارة وزرع للقنية، أو اكترى للقنية وزرع للتجارة، زكى على حول الأصل مع أن المعتمد أنه إنما يزكي على حول الأصل حيث كانا معا للتجارة كما يدلُّ عليه، قوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة"، وأما إن كانا أو أحدهما للقنية، فإنه يستقبل، فلو قال: لا إن لم يكونا للتجارة فيصدق بما إذا كانا للقنية أو أحدهما لطابق المعتمد.
стр. 1971
وعلم من هذا أنه إذا لم ينو شيئًا لكان الحكم في ذلك كالقنية لا كالتجارة. والله سبحانه أعلم. والضمير في "أحدهما"، للاكتراء والزرع المفهومين من قوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة"، على حد قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، فقوله : ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من اعدلوا. وإن وجبت زكاة في عينها زكى، الضمير في عينها للغلة المفهومة من السياق؛ يعني أن الغلة في جميع ما مر زرع للقنية أو للتجارة كانت الثمرة مؤبرة أم لا، كانت السلعة للقنية أم للتجارة إذا وجبت زكاة في عينها أي الغلة، بأن يبلغ الحب المزكى أو الثمر المزكى خمسة أوسق فأكثر، فإن الزكاة يجب أن تخرج من الحب أو الثمر، وعلم من هذا أن قوله: وإن وجبت زكاة في عينها يرجع لما قبل الاستثناء؛ أعني قوله: "إلَّا المأبورة"، ولا بعده كما هو ظاهر. وذكر هذا، وإن علم من قوله: "وفي خمسة أوسق" استيفاء للمسائل، وليرتب عليه قوله: ثم زكى الثمن لحول التزكية؛ يعني أنه إذا زكى الثمرة المؤبرة لوجوب الزكاة في عينها، فإنه إذا باعها يزكي ثمنها لحول من يوم زكى الثمرة المؤبرة، لا من يوم قبض الثمن، وكذا إذا اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها أيضًا بنية التجارة؛ فإنه يزكي ما وجبت الزكاة في عينه من ذلك الزرع، فإذا باعه بعد ذلك فإنه يزكي ثمنه على حول من يوم تزكية الزرع، لا من يوم قبض الثمن.
وعلم مما قررت أن قوله: "وإن وجبت زكاة في عينها زكى"، عَامٌ في جميع المسائل المتقدمة، وأن قوله: "ثم زكى الثمن"، خاص بشيئين: أحدهما قوله: "إلَّا المؤبرة"، والثاني قوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة"، حيث حصل من الزرع ما فيه نصاب، وأما غير ذلك مما وجبت الزكاة في عينه؛ إذا باعه بعد أن زكاه فإنه يستقبل بثمنه حولا من يوم قبض الثمن. وإنما اتبع حول الثمن هنا حول تزكية الثمرة؛ لأن زكاة عينها أبطلت حول الثمن، بخلاف ما مر. قاله عبد الباقي. أي لأن ذلك يستقبل به كما علم من قوله: "وبالتجدد عن سلع التجارة"، وقوله: "ثم زكى الثمن لحول التزكية"، كان مديرا أم لا.
تنبيهات: الأول: قال محمد بن الحسن عند قول المصنف: "وإن اكترى وزرع للتجارة زكى"، ما نصه: الظاهر أن هذه المسألة من أفراد قوله فيما تقدم: كغلة مكترى للتجارة، ويدل عليه كلام الحطاب. انتهى.
стр. 1972
الثاني: قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: علم مما تقدم أن الغلات إما أن تكون متولدة عن السلع المشتراة للقنية، أو المشتراة للتجارة، أو المشتراة للكراء، أو عن السلع المكتراة للقنية أو للتجارة، والحكم في الجميع مستفاد من كلام المصنف؛ لأنه قد ذكر أن غلات السلع المشتراة للتجارة يستقبل بها، فيستقبل بغلات سلع القنية من باب أولى، وأما المشتراة للكراء فهي كالمشتراة للتجارة أو للقنية. وقال في النوادر: من قول مالك وأصحابه: أن غلة ما اشتري للتجارة أو للكراء أو للقنية أو ورثه فذلك فائدة. انتهى. وأما غلات السلع المكتراة للتجارة فذكر حكمها بقوله: "كغلة مكترى للتجارة"، وقوله: "وإن اكترى وزرع للتجارة"، وأما غلات السلع المكتراة للقنية فمن مفهوم ما ذكر. والله أعلم. انتهى. أي فيستقبل بها كما هو واضح مما مر. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
الثالث: في المدونة: ومن اكترى أرضا وابتاع طعاما فزرعه فيها للتجارة، أخرج زكاته يوم حصاده، فإذا تم له عنده حول من يوم زكاه قومه إن كان مديرا وله مال عين سواه، وإن لم يكن مديرا فلا يقومه، فإذا باعه بعد حول من يوم أدى زكاته زكى الثمن، وإن باعه قبل حول تربص، فإذا تم حول والثمن في يديه وفيه ما تجب فيه الزكاة زكاة. انتهى. وفي الجواهر: ومن اكترى ليكري زكيت أجرته لحول أصله، وغلة ما اشترى للكراء أو للقنية فائدة يستقبل بها الحول، وكذا غلة ما اشترى للتجارة، وروي أنَّها تزكى لحول أصلها، وأما غلة الأراضي فإن كانت مكتراة للتجارة زكى ما يخرج إن كان نصابا، وإن كان دونه زكى ثمنه، ثم يستقبل بالثمن حولا من يوم زكاة عينه أو ثمنه، وإن كان للقنية استقبل بالثمن حولا كان البيع نصابا أو دونه، وإن كان أحدهما للتجارة والآخر للقنية فذكر الخلاف الذي فيه، ثم قال: ولو اشترى أصولا للتجارة فأثمرت، فإن قلنا بأن الغلات فوائد استقبل بالثمن حولا، كانت مما تجب الزكاة في عينها أم لا، وإن أوجبنا الزكاة على حكم الأصول بنى أثمانها إذا باعها على حول الأصول إن لم تجب الزكاة في عينها، وإن وجبت عَدّ ابتداء الحول يوم زكاها. انتهى. نقله الحطاب. قال: وكلامه موافق لما قلناه، إلَّا قولى في اكتراء الأرض للتجارة: وإن كان دون النصاب زكى ثمنه ثم استقبل بالثمن حولا من يوم زكى عينه أو ثمنه، ولو قال: زكى ثمنه بعد حول الأصل المكترى به
стр. 1973
ثم استقبل بالثمن حولا من يوم زكاة عينه فيما إذا كان نصابا أو ثمنه إن لم يكن نصابا، لكان أحسن. والله أعلم. انتهى. قوله: وإن أوجبنا الزكاة على حكم الأصول؛ يعني فرعنا على القول بأنها ربح. والله سبحانه أعلم.
ولما فرغ من الكلام على زكاة الربح والفوائد والغلة، شرع في الكلام على زكاة الدين، فقال: وإنها يزكى دين؛ يعني أن دين المحتكر؛ وهو الذي يرصد الأسواق سواء كان عينا أو عرضا، إنما يزكى لسنة من أصله بشروط تأتي، والمحصور قوله: "وإنما يزكى دين"، والمحصور فيه قوله الآتي: لسنة من أصله، والشروط ليست من المحصور، ولا من المحصور فيه. قاله الشبراخيتي. فالشروط ليست هي مصب الحصر، وأشار لاثنين من الشروط بقوله: إن كان أصله عينا بيده؛ يعني أنه يشترط في زكاة هذا الدين لسنة من أصله أن يكون أصله -أي الدين- بيد مالك الدين، والمراد بالأصل المال الذي نشأ عنه الدين، كما لو أقرض عشرين دينارا مثلا لشخص، والعشرون بيد مالكها الذي أقرضها لذلك الشخص، فإنه يزكي العشرين التي على المقترض إذا أخذها من المقترض، بشرط أن يكون قد مضى لأصلها سنة، وأصلها هو العشرون التي أقرضها، وإيضاح ذلك أنه يشترط أن تكون العشرون -مثلا التي أقرضها- بيده؛ أي بيد مالك الدين، واحترز بذلك مما إذا لم يكن أصل الدين بيد المالك، وإنما كان في يد موروثه، أو بيد من وَهَبَ له الدين، أو من يقوم مقامه، أو كان أصْلَه صداقٌ بيد زوج أو من يقوم مقامه، وأقرضته المرأة أو الوارث وهو بيد من ذكر، فإنه إذا أخذ من المقترض لا يزكيه لسنة من أصله، وإنما يزكيه لحول من يوم قبضه. والله سبحانه أعلم. ولو قدم المصنف قوله: "بيده"، بأن يقول: إن كان أصله بيده عينا أو عرض تجارة لكان أولى، قاله محمد بن الحسن. وقوله: "عينا"، معناه أن هذا الأصل الذي بيد المالك للدين لابد فيه أيضًا أن يكون عينا أقرضها، كما مثلت.
أو عرض تجارة، عطف على قوله: "عينا"؛ يعني أن هذا الأصل الذي نشأ عنه الدين لابد فيه من أحد أمرين، إما أن يكون عينا كالمثال المتقدم، وإما أن يكون عرض تجارة أي تجارة محتكر، فإذا كان كذلك فإنه يزكيه المحتكر بعد قبضه لسنة من أصله، وأما إن لم يكن الأصل عينا ولا عرضا من عروض التجارة؛ أي من احتكار بأن كان أصله عرضا من عروض القنية أو الميراث، أو
стр. 1974
كان عرض هبة أو صدقة أو أرش جناية، فلا زكاة فيه إلَّا بعد حول من قبضه. قاله التتائي، وغيره. وقال الخرشي عثد قوله: "أو عرض تجارة"، سواء ملكه بهبة أو إرث أو غيرهما، وقصد به التجارة. انتهى. أي فإن لم يقصدها به فإنه لا زكاة فيه إلَّا بعد حول من قبضه، ولو أخره فرارا.
وقد مر أن العطية لو بقيت بيد معطيها سنين قبل القبول والقبض، لا زكاة فيها لماضي الأعوام على المعطي بالكسر، ولا على المعطى بالفتح عند سحنون حيث قبلها المعطى بالفتح، خلافا لرواية سحنون عن ابن القاسم: لا تسقط زكاتها عن ربها، فإن لم يقبل فالزكاة على المعطي بالكسر لماضي السنين.
وعلم مما قررت أن قوله: "إن كان أصله عينا بيده"، أو عرض تجارة مشتمل على شرطين، أَحَدُهُمَا أن يكون الأصل بيد مالك الدين، ثانِيهِمَا أن يكون هذا الأصل أحد شيئين، إما عينا وهي صورة القرض المتقدمة، وإما عرض تجارة.
واعلم أن صورة القرض المذكورة يستوي فيها المحتكر والمدير؛ لأن دين القرض لا يزكى إلَّا بعد القبض، وسيأتي الكلام على دين المدير إن شاء الله. وقوله: "عينا بيده"، قال الشبراخيتي: يصح في "عينا" أن تكون خبر كان، وأن تكون حالا، وبيده حال بعد حال، وقوله: "بيده"؛ أي بيد مالك الدين -كما علمت- ومثل يده يد وكيله كما نص عليه غير واحد، وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: إن قبض؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر أن يقبض، وأما قبل القبض فلا زكاة فيه، خلافا للشافعي، وأشار إلى الشرط الرابع، بقوله: عينا، حال من ضمير "قبض"؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر بعد القبض أن يكون هذا المقبوض عينا، فلو قبض عرضا فإنه لا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، فإذا باعه زكى لحول من يوم قبض الأصل؛ أي العرض، وقوله: "قبض عينا"، ظاهره سواء كان الدين عرضا وأخذ عنه العين، أو عينا وأخذها كما أن ظاهر مفهومه أنه لا زكاة في العرض أخذ عن عين أم لا.
وبما قررت علم أن قوله: "قبض عينا" يتضمن شرطين: أحدهما قبضه فلا زكاة فيه حتى يقبض، ثانيهما: أن يكون المقبوض عينا. وفي الشبراخيتي: فإن قبضه عرضا لم يزكه إلَّا أن يكون
стр. 1975
فارا. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن قبض عرضا لم تجب فيه الزكاة، وظاهره ولو فرارا من الزكاة، وينبغي أن يجريَ فيه ما جرى في قبض ثمن عرض التجارة عرضا فرارا من الزكاة، وسيأتي.
ولو بهبة؛ يعني أن دين المحتكر لا زكاة فيه حتى يقبض عينا، فإن قبض عينا وجبت فيه الزكاة لسنة من أصله بالشروط المقررة، ولا فرق في القبض بين أن يكون حاصلا من مالك الدين مباشرة، وبين أن يكون حاصلًا بقبض الموهوب له الدين من رب الدين، فإن رب الدين لما وهبه لشخص وقبضه ذلك الشخص بواسطة الواهب كان ذلك بمنزلة قبض الواهب له مباشرة، فتجب زكاته على الواهب بقبض الموهوب، ويزكيه من غير الدين إلَّا أن يقول الواهب: إنما وهبت ما زاد على حق الفقراء فيصدق. وقوله: "ولو بهبة"؛ أي لغير المدين، وأما إن وهبه للمدين فلا زكاة على الواهب لأنه لم يقبض منه، وإنما هو إبراء. ولا على المدين إلَّا أن يكون عنده ما يجعله فيه. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: والزكاة على الموهوب له إن نوى الواهب ذلك، وإن لم ينو فالزكاة على الواهب. انتهى. وقال محمد بن الحسن: أشار بلو لرد قول أشهب: لا زكاة في الموهوب لغير من هو عليه، وقال الحطاب عند قوله: "ولو بهبة"؛ أي تجب الزكاة في الدين إذا قبض، ولو كان القبض بهبة؛ بأن يكون وهبه صاحبه لشخص غير من هو عليه وقبضه فيزكيه الواهب منه، وهذا هو المشهور، وقيل: لا تجب عليه زكاته، وكذا حله ابن غازي، ونصه قوله: "ولو بهبة": أي لغير من هو عليه؛ لأن قبض الموهوب، كقبض الواهب، وجعلة إغياء للقبض يدلُّ على مراده، فإن الموهوب للمدين لا قبض فيه أصلا. انتهى. وفهم منه أيضًا أنه إنما يزكيه بعد أن يقبضه الموهوب له، وهو كذلك، قال ابن الحاجب: فلو وهب الدين لغير المديان فقبضه، ففي تزكية الواهب قولان، قال ابن عبد السلام: وهما جاريان على الخلاف في الزكاة، هل هي واجبة في الدين، وإنما يمنع من إخراجها عدم الاقتضاء، أو إنما تجب بالقبض، وإن وهب الدين للمدين فلا زكاة على الواهب.
قال في المدونة: ومن كان له على رجل دين له أحوال، وهو قادر على أخذه منه، فوهبه له فلا زكاة فيه على ربه، ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إن لم
стр. 1976
يكن له مال غيره، فإن كان له عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا، وقال غيره: عليه زكاته إذا وهب له كان لد مال أو لم يكن له. انتهى. ونقله في التوضيح. قال الحطاب: قولنا يزكيه الواهب منه؛ أي من الدين الموهوب. ابن عرفة: وفي زكاة واهب الدين لغير مدينه منه بقبضه وسقوطها قولا ابن القاسم وأشهب، وقال في التوضيح: وتؤخذ الزكاة منها أي من الهبة، لا من غيرها. ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: إنما تؤخذ الزكاة منها إذا قال الواهب: أردت ذلك، وإن لم يكن أراد ذلك فقد قال ابن القاسم في بائع الزرع بعد وجوب الزكاة: إن الزكاة على البائع إن لم يشترط ذلك على المشتري. انتهى.
وقد مر الخلاف فيمن وهب زرعه بعد وجوب الزكاة فيه، فهل تجب الزكاة على الواهب، أو من الزرع الموهوب بعد يمين الواهب أنه ما وهبه ليزكيه؟ والله أعلم. نقله الحطاب.
أو إحالة، عطف على قوله: "بهبة"؛ يعني أن الإحالة قبض حكمي، فإذا كان للمحتكر دين من العين، وأحال عليه شخصا، فإنه بمجرد عقد الحوالة يخاطب المحيل بزكاته على المذهب، ولا يشترط قبض المحال للدين. ابن عرفة: وفي زكاة المحيل الملي ما أحال به بالحوالة أو قبض المحال، قول ابن القاسم، وتأويل ابن لبابة قول أصبغ وضعفه ابن رشد. انتهى.
قال ابن رشد: وتجب على المحيل الزكاة بنفس الإحالة، وتأول ابن لبابة أنَّها لا تجب حتى يقبضها؛ وهو تأويل فاسد لا وجه له، فقول المواق: على المحيل زكاتها إذا قبضها المحال، فيه نظر، قاله محمد بن الحسن. وعلى المحال زكاتها إذا قبضها أيضًا، وكذلك المحال عليه أيضًا، لأن الإنسان إذا كان عليه دين وعنده مال حال عليه الحول؛ وهو ملي فلا يعطيه في دينه حتى يزكيه، قال ابن الحاجب: وعلى تزكيته فهو مال يزكيه ثلاثة إن كانوا أملياء؛ يعني المحيل، والمحال، والمحال عليه. انظر الحطاب.
قال الحطاب: ولو في قول المصنف: "ولو بهبة أو إحالة"، إشارة لقول أشهب في الهبة، وتخريج اللخمي في الحوالة من قول أشهب في الهبة، ورده ابن عرفة بانتفاع المحيل في الحوالة، قال: ونَقْلُه ابْنُ الحاجب وابنُ بشير نصا لا أعرفه. انتهى. وقوله: "ولو بهبة أو إحالة"، هذا إذا كانت الهبة والحوالة بعد تمام حول، وإلا لم تجب على الواهب والمحيل زكاة، وهو ظاهر. وفي
стр. 1977
كلام ابن يونس وابن عبد السلام إشارة إلى ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. وهو ظاهر من كلام المصنف أيضا. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم.
وفي الشبراخيتي ما معناه: أن الدين المحال به يزكيه ثلاثة، أحدهم المحيل ويزكيه من ماله لا منه، الثاني المحال ويزكيه إذا قبضه منه، الثالث المحال عليه إذا كان عنده ما يجعله فيه. والمحال والمحال عليه مخاطبان بالزكاة فيه، والمحيل مخاطب بالزكاة عنه أي عن نظيره؛ لأن المحيل يجعل المائة التي له بالمائة التي عليه، ويزكي عنها لأنه ملكها، ولو شرط الواهب زكاته على الموهوب أو المحيل على المحال اتبع شرطه وأخذت منه، قيد به محمد خلاف ما يوهمه كلام التتائي أنه مقابل، ولو أعدم الواهب كانت على الموهوب، وأشار إلى الشرط الخامس، بقوله: كمل بنفسه؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر مع الشروط الأربعة أن يكون الدين أي المقبوض قد كمل بنفسه؛ أي بلغ النصاب، سواء كان الدين نصابا أو دون نصاب، فإذا أقرض عشرين دينارا أو عشرة دنانير، وأخذ في الصورتين مائتي درهم فليزكها لسنة من أصلها، وَكَأَن يقبض عشرين دينارا عن مائة درهم أو مائتي درهم فليزكها لسنة من أصلها، سواء قبض العشرين مثلا جملة، أو قبض عشرة فعشرة، فليزك الجميع عند قبض العشرة الثانية، واحترز بقوله: "كمل"، عما إذا أخذ عن عشرين دينارا مثلا أو عشرة دنانير مائة درهم مثلا، فإنه لا زكاة عليه، والمراد بالنفس هنا: الذات، وليس مراده بها التوكيدية.
ولو تلف المُتَمُّ، بفتح التاء اسم مفعول من أتم رباعيا، فاعل تلف؛ يعني أنه إذا بلغ المقبوض من الدين أي دين المحتكر نصابا، فإنه يزكى ولو تلف بعضه قبل كماله، كما إذا قبض من دينه عشرة دنانير، فتلفت بضياع أو أنفقها ثم اقتضى منه عشرة دنانير أيضًا، فإنه يزكي العشرين ولا يسقط الزكاة تلف العشرة الأولى؛ لأن العشرين جمعها ملك وحول، وإنما أخرت زكاة العشرة الأولى مخافة أن لا يقبض بعدها ما يتم به النصاب، فيكون قد خوطب بزكاة ما قصر عن النصاب.
واعلم أنه إذا تلف المتم -بالفتح- بإنفاق، قبل قبض المتم -بالكسر- أي ما يتمه نصابا، فالزكاة اتفاقا، وأما إذا تلف بضياع فالزكاة واجبة على المشهور. قاله الخرشي. وقال محمد بن
стр. 1978
الحسن: رد المصنف "بلو"، قول ابن المواز بعدم الزكاة، واستظهره ابن رشد، لكن إذا تلف من غير سببه، وأما إذا تلف بسببه أو أنفقه فلا خلاف في وجوب الزكاة، وهذا الخلاف إنما يكون إذا تلف بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه لضمنها، وأما إن تلف بفور قبضه فلا اختلاف أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب.
والحاصل أنه إذا قبض نصابا وتلف بالفور قبل إمكان التزكية سقطت الزكاة اتفاقا، وأنه إذا قبض نصابا وزكاه واستمر في يده أو لم يزكه أو ضاع بتفريط أو أنفقه في حوائجه، فلا كلام في تزكية ما يقتضي بعده قل أو كثر، وإن تلف النصاب منه بغير تفريط؛ أي وبعد إمكان الأداء، فهل يزكى ما اقتضى بعده من قليل أو كثير؟ وهو قول ابن القاسم وأشهب، أو لا يزكي حتى يقتضي نصابا؟ وهو قول ابن المواز، ولو تلف بالفور فلا يزكي ما اقتضى بعد ذلك إلَّا إذا بلغ نصابا باتفاق، وأما إذا قبض دون النصاب وتلف بالفور بحيث لا يمكن الأداء لو كان نصابا، فلا يزكي ما يقتضي بعد ذلك إلَّا أن يكون نصابا، وإن أمكنه الأداء وتلف بسببة أو بتفريط فإنه يزكي إن اقتضى ما يتم به التالف باتفاق ابن المواز، وابن القاسم: وإن تلف بغير سببه ولا تفريط منه فالزكاة على المشهور، خلافا لابن المواز.
أو بفائدة جمعهما ملك وحول، هذا مفهوم قوله: "كمل بنفسه"، وقوله: "أو بفائدة"، عطف على قوله: "بنفسه"؛ يعني أن الدين المقبوض إذا لم يكن نصابا ولكنه حصل عند ربه منه ومن فائدة ما بلغ النصاب، فإنه يزكي ذلك لسنة من أصله، والمراد بالفائدة هنا ما تجدد عن مال أو غيره، فهي أعم مما مر، ويشترط في زكاة النصاب الحاصل من الفائدة والدين أن يجمعهما ملك وحول، بأن يحول الحول على الفائدة؛ وهي في ملك صاحب الدين، سواء كمل حولها قبل الاقتضاء أو معه، ومعلوم أن الدين لا يزكى حتى يكون قد مضى لأصله حول، فقد جمعهما الملك والحول، وأما لو لم يكمل حول الفائدة إلَّا بعد الاقتضاء فإنه لا يزكى الدين حين الاقتضاء، بل تؤخر الزكاة حتى يكمل حول الفائدة فَيزكَّي حينئذ، ولو مر للفائدة عنده ثمانية أشهر واقتضى من دينه ما يصيرها نصابا فأكثر، زكى ما اقتضاه إن بقي لتمام حولها، وبقيت لتمامه ليحصل جمع الحول والملك لهما.
стр. 1979
وقوله: "وحول"؛ أي كلّ الحول. أو بمعدن، عطف على قوله: "بنفسه"؛ يعني أن الدين إذا لم يكمل بنفسه ولكن حصل في ملكه منه ومن المعدن نصاب -ولا يشترط في المعدن الحول كما يأتي- فإنه يزكي ما ذكر لسنة من أصل الدين، فإذا اقتضى من دينه عشرة دنانير وأخرج من معدنه تمام النصاب -وقد مر لأصل الدين سنة فأكثر- فإنه يزكي ما ذكر؛ لأن المعدن لما لم يعتبر فيه الحول، صار الخارج منه كمال حال حوله. قاله في التلقين. واستحسنه المازري، وإلى هذا أشار بقوله: على المقول: ومقابله عدم ضم المعدن للدين، عزاه ابن عرفة للصقلي عن المدونة.
وقال في التوضيح: لم أر القول بعدم الضم، لكنه يأتي على ما فهم ابن يونس من المدونة أن المعدن لا يضم إلى عين حال حولها، وليس هذا خاصا بالدين، ولذا قال ابن عرفة: وفي ضم المعدني لغيره مقتضى أو غيره، قولا القاضي والصقلي عنها. انتهى.
لسنة من أصله، متعلق بيزكى من قوله: وإنما يزكى دين إن كان أصله عينا بيده، وهو مصب الحصر -كما مر- يعني أن دين المحتكر إنما يزكى بالشروط المذكورة بعد أن يمر لأصله -أي الدين- سنة من يوم وجوب تزكيته؛ أي الأصل، أو من يوم ملكه إن لم تجب فيه زكاة، فقوله: "لسنة من أصله"؛ أي بعد مضي سنة مبتدأة من يوم ملك الأصل، أو من يوم زكاه، والمراد بالأصل ما نشأ عنه الدين، فلو كان عنده عشرون دينارا لها في ملكه ثمانية أشهر، ثم أقرضها لشخص، فأقامت في ذمته أربعة أشهر ثم اقتضاها، فإنه يزكيها بمجرد القبض، ولو أقامت عنده سنة فزكاها فأقرضها ثم اقتضاها، فإنه يزكيها لمضي سنة من يوم وجوب الزكاة فيها، فإن كان عنده ما تجب فيه الزكاة وأقام عنده حولا فأكثر ولم يخرج زكاته ثم أقرضه ثم اقتضاه، فإنه يخرج زكاته لماضي الأعوام التي قبل إقراضه، ويراعى فيه تنقيص الأخذ النصاب، كما ذكره التتائي عن ابن القاسم. وقوله: "لسنة من أصله"؛ أي لا من قبضه وقوله لسنة من أصله سواء أقام عند المدين سنتين أو سنة أو بعضها فتجب الزكاة بمضي سنة من أصله، سواء كانت السنة حاصلا بعضها عند رب الدين قبل أن يداينه، وبعضها في ذمة الدين، أو كان حين ملكه داينه وأقام في ذمة المدين سنة، وأولى لو أقام الأصل عند رب الدين سنة فأقرضه ثم اقتضاه، فإنه تجب عليه الزكاة بمجرد القبض في هذه الصور الثلاث.
стр. 1980
وقد علمت أنه لا فرق في هذا المذكور بين أن يكون أصل الدين عينا أقرضها، أو عرض تجارة. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب عند قوله "لسنة من أصله": أي يزكي الدين بعد مضي حول على أصل الدين، لا على الدين، فلو كان عنده نصاب ثمانية أشهر ثم داينه لشخص، فأقام عنده أربعة أشهر ثم اقتضاه، زكاه إذ ذاك. انتهى. وما اقتضاه قبل كمال الحول وتلف قبله لا يزكيه ولا يضمه لما يقتضيه بعده.
قال في المدونة: وكذا إذا أنفقه قبل الحول أيضًا، وأما لو اقتضى شيئًا قبل مضي الحول وبقي فإنه يضم لما قبض بعدها قطعا، ويزكيهما حيث كمل بهما النصاب. قاله محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي، وقوله "لسنة من أصله"؛ أي ولو لم يبق في ذمة المدين إلَّا يومًا واحدا، وقوله: "لسنة من أصله"؛ أي لا من يوم المداينة، وقوله: "لسنة من أصله"، هو في دين المحتكر كما علمت، ومثله دين القرض ولو كان المقرض مديرا.
ولو فر بتأخيره؛ قرر على أنه مبالغة في المنطوق، قال الشارح: يريد أن الدين يزكيه ربه لسنة واحدة من أصله، ولو فر من الزكاة بتأخيره؛ أي بعدم قبضه من المدين. انتهى. وبهذا قرره الرماصي، فقال: قال ابن غازي مبالغة في دين المحتكر: وتقدم عن ابن عبد السلام أن الكلام هنا في دين المحتكر. ابن عرفة: ودين المحتكر ذهبا أو فضة من قرض أو ثمن ما ملك لتجر يزكى بقبضه لحول فصاعدا مرّة، ثم قال: ولو أخره فارا ففيها زكاه لعام واحد. انتهى كلام الرماصي. وقال الحطاب عند قوله "ولو فر بتأخيره" ما نصه: قال ابن عرفة: ولو أخره فارا: ففيها زكاه لعام واحد، وسمع أصبغ ابن القاسم: لكل عام. انتهى. وعلى هذا رد المصنف "بلو"، على ابن القاسم، قال: لما سئل ابن القاسم عن زكاة الدين، وأن ربه يزكيه عند اقتضائه لسنة واحدة بالشروط المذكورة؟ قال: هذا إن لم يفر بتأخيره، فإن فر فيزكيه لكل عام مضى وخالفه غيره، ورأى أنه لا فرق ولا يظن بعاقل أنه يترك قبض ماله فرارا من الزكاة؛ لأنه لو اشترى أي سلعة كانت ربح فيها مقدار حصة الزكاة وزيادة. انتهى. وقال الأمير: لسنة من أصله، ولو فر بتأخيره على المعتمد. انتهى.
стр. 1981
وقال محمد بن الحسن عند قوله "ولو فر بتأخيره": يصح جعله مبالغة على دين القرض أو الاحتكار، كما قال ابن غازي. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "ولو فر بتأخيره"، شرط حذف جوابه، وهو استقبل إن كان عن كهبة الخ، ثم قال: ويحتمل أن يكون مبالغة في المفهوم كما قيل: وهو ظاهر أي وإن لم يكن أصله عينا بيده، ولا عرض تجارة استقبل، ولو فر بتأخيره إن كان عن كهبة الخ. انتهى.
إن كان عن كهنة أو أرش، أما على أن قوله: "ولو فر بتأخيره"، مبالغة في المنطوق؛ أي في قوله: "لسنة من أصله"، فالكلام على حذف لا النافية؛ أي لا إن كان الدين عن كهبة، ويكون هذا تصريحا بمفهوم قوله: إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة، ولابد من هذا الحذف، وإن كان لا دليل عليه. ومعنى كلام المصنف على هذا: أن الدين إذا لم يكن أصله عينا بيد رب الدين ولا عرض تجارة، بل كان من دين الفوائد -أعني القسم الذي تجدد له الدين فيه لا عن مال كما لو ورث دينا لموروثه، أو وهب له دين، أو ترتب له أرش جناية على أحد، أو كان الدين مهر امرأة أو ثمن بضع أي خالعها على دين في ذمتها- فإن الحكم في ذلك كله أنه لا زكاة فيه. إلَّا بعد حول من يوم قبضه حالا كان أو مؤجلا، ولو فر بتأخيره. هذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: "إن كان عن كهبة أو أرش". قاله الحطاب. قال: ولهذا قلنا إنه لو قال: لا إن كان عن كهبة، فيستقبل لصح كلامه. انتهى.
وقال محمد بن الحسن عند قوله: "إن كان عن كهبة أو أرش"، ما نصه: على تقدير لا النافية، أو على تقدير الكاف تشبيها في مجرد عدم اعتبار الفرار بالتأخير، كما قال ابن عاشر، لا فيما وراء ذلك من تزكيته لسنة من أصله. انتهى. وأما على أن قوله: "ولو فر بتأخيره"، مبالغة في مفهوم إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة؛ أي وإن لم يكن أصله عينا بيده أو عرض تجارة، استقبل ولو فر بتأخير قبضه؛ أتي قصد بتأخير قبضه الفرار من الزكاة، ومحل استقباله إن كان عن كهبة أو أرش، وهو الاحتمال الثاني عند عبد الباقي، فالكلام لا يحتاج إلى تقدير لا النافية، ولا كاف التشبيه. وأما على أنه شرط حذف جوابه ولو فر بتأخيره استقبل إن كان عن كهبة أو أرش؛ وهو الذي صدر به عبد الباقي، ففيه حذف لا دليل عليه أيضًا. والله سبحانه أعلم.
стр. 1982
قال الحطاب: واعلم أن المصنف حاول على اختصار [كلام] (١)، ابن رشد، فلم يتيسر له الإتيان به على وجهه، قال في المقدمات: الدين على أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة؛ فهذه الثلاثة الأخيرة الحكم فيها سواء على المشهور تجب الزكاة فيها لسنة واحدة على حول أصل المال، ويؤخذ حكمها من كلام المصنف، أما دين الغصب فقد قدم المصنف أن المغصوبة يزكيها لعام واحد في قوله: لا مغصوبة"، وأما دين التجارة والقرض فمن هنا، وهذا في غير المدير -وسيأتي حكم المدير- فإن فر بالتأخير فالذي مشى عليه المصنف أنه يزكيه لعام وحد أيضًا، وأما دين الفائدة فقال ابن رشد: ينقسم أيضًا على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع، وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه إلَّا بعد حول من يوم قبضه حالا كان أو مؤجلا، ولو فر بتأخيره هذا هو الذي أشار إليه المصنف، بقوله: "إن كان عن كهبة أو أرش"، ولهذا قلنا إنه لو قال: لا إن كان عن كهبة فيستقبل، لصح كلامه. وفي بعض المصلحة: ولو فر بتأخيره إن كان عن كهبة أو أرش استقبل.
الثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة، فإن كان حالا فيستقبل حولا من يوم قبضه اتفاقا. وإن كان مؤجلا ففيه قولان، المشهور أنه كالحال، والثاني لابن الماجشون والمغيرة: يزكيه لحول من يوم بيعه، ولو فر بتأخيره فيتخرج فيه قولان؛ أحدهما أنه يزكيه لكل عام، والثاني أن يبقى على حكمه، كما لو لم يتركه فرارا، وقال الرجراجي: إن القول بزكاتها هنا لعام واحد لابن القاسم، ومقابله لابن الماجشون، والقسم الثالث أن يكون الدين من كراء أو إجارة. فهذا إن قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه كالقسم الثاني، وإلى هذين القسمين أشار المؤلف بقوله: "وعن إجارة أو عرض مفاد، قولان"، وإنما تكلم على حكم الفرار فقط. واستغنى عن أن يذكر الاستيفاء؛ لأنه إذا لم يتحقق الاستيفاء لم يتحقق الدين، واستغنى عن ذكر كون القولين مخرجين، وأنه يأتي فيه قول آخر بالاستقبال كما في كلام ابن رشد؛ لأن الرجراجي نقل هنا القولين نصا كما تقدم عنه ولم يذكر الثالث. والله أعلم. وإن كان قبل الاستيفاء، ففي ذلك ثلاثة أقوال يأتي ذكرها، والكلام عليها عند قول المصنف: أو مر لكموجر
стр. 1983
نفسه بستين دينارا ثلاث سنين، والقسم الرابع أن يكون الدين من ثمن عرض اشتراه للقنية بنَاضٍّ كان عنده، فإن كان حالًّا لم تجب زكاته إلَّا بعد حول من قبضه اتفاقا، وإن كان مؤجلا ففيه طريقان: طريقة اللخمي، قولان المشهور أنه كالحال، والثاني يزكيه لحول من يوم باعه، وطريقة ابن رشد: يزكيه لحول من يوم بيع اتفاقا، وإن فر بتأخيره زكاه لماضي الأعوام اتفاقا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: لا عن مشترى للقنية وباعه لأجل فلكل، إلَّا أن في كلام المصنف ﵀ أنه إنما يزكيه لكل إذا كان باعه لأجل ثم فر بالتأخير، وظاهر كلام ابن رشد أنه إذا فر بتأخيره مطلقًا سواء كان باعه بحال أو مؤجل يزكيه لكل عام. انتهى كلام الحطاب. ومعنى كلام المصنف أن من اشترى عرضا للقنية بنقد وباعه لأجل، وأخر قبض الدين فرارا من الزكاة، يزكي الثمن -أي دين العرض- لكل عام مضى من الأعوام التي حل فيها والتي لم يحل؛ لأن حوله من يوم بيعه لا من يوم استحقاق ربه قبضه.
وقوله: "فلكل"، طريقة ابن رشد. ومذهبُ المدونة وهو المعتمد خلاف ما لابن رشد، وهو أن ثمن المشترى للقنية إنما يزكيه إذا قبضه ومر عليه حول من يوم القبض، سواء باعه بنقد أو مؤجل، وسواء أخر قبضه فرارا أم لا. قاله عبد الباقي. وقلت بنقد تبعا له أيضًا. قال: وأطلق المصنف اعتمادا على قوله الآتي: "أو عرض مفاد". فإنه يدلُّ على أنه هنا مشترى بنقد؛ إذ من ملك عرضا من ميراث أو هبة أو غيرهما من وجوه العطية فاشترى به عرضا للقنية، ثم باع ذلك العرض بدين مؤجل وأخر قبضه فرارا، فإنه يستقبل بعد قبضه عاما حتى عند ابن رشد أيضًا. انتهى.
وحاصل طريقة ابن رشد التي أشار إليها: أنه إما أن يبيع عرض القنية بحال أو مؤجل، وفي كلّ إما أن يترك قبضه فرارا من الزكاة أم لا، فإن باعه بحال ولم يؤخره فرارا استقبل حولا من قبضه، وإن باعه بمؤجل ولم يؤخره فرارا زكاه لعام من يوم بيعه، وإن فر بتأخيره زكاه لكل عام من يوم بيعه مطلقًا باعه بحال أو مؤجل. قاله محمد بن الحسن. وقال: لكن ما قال ابن رشد في قصد الفرار، قال أبو الحسن: هو خلاف ظاهر كلام ابن يونس. وجزم ابن ناجي في شرح المدونة أن قصد الفرار كعدمه، وما قاله في البيع لأجل دون قصد فرار، قال ابن عرفة: طريقة وهو خلاف طريقة اللخمي: المشهور يستقبل بالثمن من قبضه. انتهى.
стр. 1984
وعن إجازة؛ يعني أن الدين المأخوذ عن إجارة أو كراء إذا أخر ربه قبضه فرارا من الزكاة، فإنه قد اختلف في حكم زكاته: فقيل: لا يزكيه إلَّا بعد حول من يوم قبضه وهو المعتمد، وقيل: يزكيه لماضي السنين: فإن لم يؤخر فرارا استقبل به حولا من بعد قبضه اتفاقا، أو عرض مفاد؛ يعني أنه إذا كان أصل الدين عرضا مفادا بوجه من وجوه الفائدة، كميراث أو هبة فقبض هذا العرض المفاد وباعه بثمن ولم يقبضه، بك أخر قبضه فوارا من الزكاة، فإنه اختلف في حكم زكاته، فقيل: يستقبل بالثمن حولا بعد قبضه وهو المذهب كالذي قبله، وقيل: يزكيه لماضي الأعوام، ومحل الخلاف حيث أخر القبض فرارا كما قررت، وإلا استقبل بالثمن حولا من يوم القبض اتفاقا.
وبها قررت علم أن قوله: "عرض مفاد"، غيرُ قوله فيما مر: "إن كان عن كهبة"؛ لأنه هناك ورث دينا أو وهب له أو نحو ذلك، وهنا ورث عرضا فباعه بدين.
وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره؛ أي ففي ذلك قولان، والفاء رابطة في جواب الشرط المتعلق بقوله: "عن إجارة"؛ أي وإن ترتب الدين عن إجارة أو عرض مفاد ففي ذلك قولان بالاستقبال من يوم القبض والتزكية بماضي الأعوام عند تأخير القبض فرارا.
وحول المتم من التمام؛ يعني أن رب الدين إذا اقتضى عشرة دنانير مثلا، ثم اقتضى عشرة دنانير بعد ذلك فإن الحول في المستقبل من يوم التمام، وهو يوم قبض العشرة الثانية، فلو اقتضى عشرة في المحرم ثم اقتضى عشرة في ربيع فقد تم النصاب، ويزكي وقت قبض الثانية والحول في المستقبل من يوم التمام وهو وقت قبض الثانية، فقوله فيما مر: ولو تلف المتم، تنبيه على زكاة ذلك النصاب لسنة من أصله، وما هنا تنبيه على أنه يصير حوله في ثاني عام من يوم التمام. قاله عبد الباقي. وقوله: "المتم"، بفتح التاء. قاله غير واحد. وقوله: "من التمام"؛ أي من وقت التمام.
لا إن نقص بعد الوجوب؛ يعني أنه إذا اقتضى من دينه نصابا وزكاه كعشرين في المحرم، ثم نقص عن النصاب بعد الوجوب، ثم قبض عشرة في ربيع مثلا وزكاها فيه، ثم حال الحول الثاني والأول ناقص عن النصاب لكنه مع ما بعده نصاب، فإنه لا يكون حوله من يوم التمام، بل يزكي كلا على حوله، ولو اقتضى عشرة في رمضان ثم مثلها في شوال، وزكى جميع ذلك عند اقتضاء
стр. 1985
عشرة شوال، ثم نقص ذلك عن النصاب، فإنه يبقى على حوله شوال، ولا ينتقل حوله لا يتمه بعد ذلك، فالتمام المثبت غير التمام المنفي؛ إذ التمام المنفي هو التمام للنقص الحاصل بعد الوجوب، والتمام المثبت فيما قبل هو التمام الحاصل به الوجوب.
ثم زكى المقبوض وإن قل؛ يعني أنه إذا قبض من دينه نصابا في مرّة أو مرات زكاه أم لا، بقي أو أنفقه أو تلف بتفريطه أو بغيره حيث يمكن الأداء منه، فإنه يزكي ما قبض من دينه بعد ذلك قل أو كثر، ولو درهما إن أمكن إخراج ربع عشره وإلا اشتري له طعام ربع عشرة صحيح، كما مر في قوله: "وفي مائتي درهم".
والحاصل أنه إذا قبض نصابا أو دونه، وتلف ولم يمكن الأداء فيهما فلا زكاة فيما ضاع، ولا فيما يقتضي بعد ذلك حيث لم يبلغ نصابا، فإن بلغة زكاه فقط اتفاقا، وإن أمكنه الأداء في المسألتين زكى في مسألة النصاب ما اقتضى بعد ذلك قليلا أو كثيرا، وأما في مسألة ما دون النصاب، فإن اقتضى ما يتم به النصاب زكى وإلا فلا. هذا حاصل ما لهم هنا، تلف النصاب أو ما دونه، بتفريط أو بغيره أو بسبب رب الدين، لكن إن تلف بسببه أو بتفريط فالزكاة متفق على وجوبها، وإن تلف بغير تفريط ولا سبب منه فالزكاة واجبة على المشهور.
وقد علمت أنه إذا تلف ولم يمكن الأداء في المسألتين سقطت الزكاة فيما تلف اتفاقا، ولا زكاة فيما يقتضي بعد ذلك إلَّا إذا بلغ نصابا فيهما اتفاقا، هذا هو تحرير القول في هذه المسألة، وقد مر هذا وبالله تعالى التوفيق. وإن اقتضى دينارًا فآخر فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين؛ يعني أنه إذا كان له دين لا يملك غيره أو يملك ما لا يكمل به النصاب، والحال أن دينه قد حال حوله أي مضت سنة لأصله عند رب الدين، أو في ذمة الدين أو بينهما فاقتضى منه دينارا واقتضى بعده دينارا آخر، فالفاء للتعقيب، واشترى بكل من الدينارين سلعة وباع سلعة كلّ من الدينارين بعشرين دينارا، فإن لذلك إحدى عشرة صورة أشار إلى ثلاث منها بقوله: فإن باعها؛ أي باع سلعة كلّ من الدينارين معا أي في وقت واحد، سواء اشتراهما معا أو اشترى بالأول قبل الثاني على ترتيب الاقتضاء أو بالعكس، فإنه يزكي الأربعين في وقت واحد، فتلك ثلاث صور، وأشار إلى ست صور بقوله: أو إحداهها بعد شراء الأخرى؛ يعني أنه إذا لم يبع السلعتين في وقت، لكن
стр. 1986
باع إحداهما بعد أن اشترى الأخرى بحيث اجتمعا في الملك، ثم باع الأخرى فإنه يزكي الأربعين، وتحت هذا قسمان؛ لأن المبيعة أولا إما سلعة الدينار الأول أو سلعة الثاني، والشراء في كلّ من الصورتين إما بهما معا أو بالأول قبل الثاني، أو بالعكس، فهذه ثلاثة مضروبة في اثنين فتلك ستة مع الثلاث الأول، فهي تسع يزكي فيها الأربعين.
وبما قررت علم أن قوله: زكى الأربعين. جواب الشرط الأخير؛ أعني قوله: "فإن باعهما أو إحداهما"، فهو جار في المسألتين بصورهما التسع؛ إذ الأولى مشتملة على ثلاث والثانية مشتملة على ست. كما مر. أما كونه يزكي الأربعين في مسألة بيعهما معا بصورها الثلاث فواضح؛ لأنه ملك أربعين دينارا في وقت واحد وجبت فيها الزكاة فليزكها، وأما مسألة إحداهما بصورها الست فإنه يزكي حين بيع السلعة الأولى إحدى وعشرين، وحين بيع الثانية تسعة عشر كما في أحمد، فصدق عليه أنه زكى الأربعين لكن لا في وقت واحد وحول الجميع من وقت بيع الأولى، فلو كان الأول مع ربحه دون نصاب ضم للدينار الثاني مع ربحه، وزكى الجميع من يوم بيع الثاني، وصار الحول من يومئذ.
وأشار للصورتين الباقيتين من الصور الإحدى عشرة بقوله: وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يبع السلعتين في وقت واحد ولا إحداهما بعد شراء الأخرى، بأن باع إحداهما قبل شراء الأخرى، فإنه يزكي. إحدى عشرين دينارا حين بيعه للسلعة الأولى، أما كونه يزكي إحدى وعشرين فواضح لأن السلعة التي بيعت قبل شراء الأخرى بيعت بعشرين، وقد تم حولها كما علمت. ويضاف لها الدينار الذي اشتريت به بعد ذلك السلعة الأخرى؛ لأن الفرض أنَّها بيعت بعشرين قبل شراء الأخرى بالدينار، فصح أنه يزكي إحدى وعشرين، وأما الثانية فإنه يستقبل بثمنها حولا من يوم زكى الأولى لأنه ربح مال زكي فيعتبر حوله من يوم زكاته.
وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا"، تحته صورتان وهما: ما إذا باع سلعة الدينار الأول قبل شراء سلعة الثاني؛ وعكسها، فقد اشتمل كلام المصنف على الصور الإحدى عشرة التي ذكر ابن عرفة، قال عبد الباقي: وتزكية الأربعين في التسعة تبع فيها المصنف ابن الحاجب والقرافي واللخمي وابن شأس وابن بشير، والذي لصاحب النوادر وابن يونس واختاره ابن عرفة: أنه إنما يزكي
стр. 1987
الأربعين في ثلاث وهي: شراؤه لهما، وبيعهما معا، وبيع الأولى قبل الثانية وبيع الثانية قبل الأولى، وما عدا هذه يزكي فيها إحدى وعشرين. انتهى. قوله: تبع فيه ابن الحاجب والقرافي واللخمي الخ، قال فيه محمد بن الحسن مجيبا عن المصنف: اقتصر المصنف على هذه الطريقة لأن ابن بشير وابن شأس شهراها؛ وهو يتبع المشهور أينما وجده ووجها ذلك بحصول سبب الربح قبل وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلَّا بعد البيع، وسبب الربج -وهو الشراء- حاصل قبل بيعهما وبيع إحداهما، فمهما اجتمعت السلعتان عنده فكأنه اشتراهما معا، وبهذا تكون هذه الطريقة جارية على قول ابن القاسم لكن الطريقة الأخرى أرجح، فكان على المصنف الاقتصار عليها كما قال الرماصي؛ وهي مبنية على أصل ابن القاسم من تقدير الربح موجودا مع أصله وقت الشراء، وهو المشهور الذي بنى عليه المصنف قوله فيما مر: ولمنفق بعد حوله مع أصله، وأشهب يرى تقدير الربح موجودا مع أصله وقت البيع، والمغيرة يرى تقدير الربح موجودا وقت الحول، وينبني على قوله: "زكاة إحدى وعشرين في الجميع، كذا لابن عرفة، وتأمل بناء ذلك على قوله. وقال الأمير: وإن اقتضى دينارا فآخر، فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين زكى الأربعين إن اشتراهما معا، وإلا إحدى وعشرين. انتهى. قال في الشرح بعد قوله: إن اشتراهما معا، ما نصه: على المعتمد كما حققه الرماصي وغيره، وما في الأصل ضعيف وسواء باعهما معا أولا؛ لكن إذا باع واحدة زكاها الآن وأصل الثانية. انتهى.
ولما قدم المصنف أن الاقتضاءات بعد تمام النصاب تبقى على أحوالها، وإن قلت نبه على أن محل ذلك ما دامت معلومة الأحوال لا إن التبست، فقال: وضم لاختلاط أحواله آخرٌ لأوَّلَ؛ يعني أن من التبست عليه أحوال الاقتضاءات؛ أي أعوامها يضم الآخر منها للأول كما لو اقتضى اقتضاءات ونسي أوقاتها، فلم يدر هل هي في المحرم أو بعده؟ أو اقتضى عشرين في المحرم؟ واقتضى اقتضاءات وشك، هل اقتضاها مع التي في المحرم أو بعدها؟ فإنه يضم الآخر للأول؛ أي يكون حوله من المحرم، سواء علم قدر ما اقتضى في كلّ واحد من الاقتضاءات أم لا، قال عبد الباقي: وأما إن علم زمن الاقتضاءات وجهل قدر ما في كلّ واحد منها، واختلف قدر ما اقتضى فيه أو علم قدر ما اقتضى في بعضها دون بعض، فحكم ما علم وقته وقدرُ ما فيه ظاهر، وأما ما
стр. 1988
علم وقته وجهل قدر ما اقتضى فيه، فينبغي أن يجعل أكثرها لأولها وما دونه لثانيها، وما دون ذلك لثالثها وهكذا مراعاة لجانب الفقراء، وليس المراد بالأول والآخر في كلام المصنف الأول الحقيقي؛ وهو الذي لم يسبق بشيء، والآخر الحقيقي الذي ليس بعده شيء، وهذا معنى قول مالك: يضيف ما نسي منها لما قبله، وأما لو اقتضى نصابا في المحرم واقتضى بعد ذلك شيئًا، وشك هل في صفر أو ربيع؟ فإنه يجعل الحول أي حول الشكوك فيه صفرا، ولو شك هل ربيع الأول أو الآخر؟ جعل الحول الأول وهكذا ولا وجه لجعله المحرم. قاله الرماصي وغيره.
عكس الفوائد؛ يعني أن الفوائد في الحكم عكس الاقتضاءات، فلو شك هل استفاد ملكها في ربيع الأول أو بعده في رجب؟ فإنه يجعل الحول رجبا، ولو علم أنه ملك كذا منها في رجب وشك في غيره، هل معه أو قبله. في ربيع؟ فإنه يجعل الحول رجبا.
وقال ابن حبيب: الفوائد كالديون، والفرق أن الفوائد لم تجر فيها الزكاة، فلو ضم آخرها لأولها كان فيه الزكاة قبل الحول، بخلاف الدين فإن الأصل فيه الزكاة لأنه مملوك، وإنما منع منها وهو على الدين خوف عدم القبض، وإذا نسي آخر الفوائد فالظاهر أنه يحتاط لنفسه لعدم الوجوب في الأصل، وأما الاقتضاءات فيحتاط فيها للفقراء. كما مر.
وبما قررت علم أن التصوير في المسألتين -أعني مسألة الاقتضاءات ومسألة الفوائد- واحد، وكيفية التصوير فيهما، هل الحول هذا الشهر أو الذي قبله؟ فالمعتبر في الاقتضاءات المتقدم كما قررت، وفي الفوائد المتأخر كما قررت تبعا للرماصي ومحمد بن الحسن، وقال ابن حبيب: إن الفوائد كالديون، وليس معنى كلام المصنف في مسألة الاقتضاءات أنه تحقق حول الأول وتحقق أن الآخر بعده: ولكن لم يدر هل هو بعده بشهر أو شهرين؟ فيجعل الحول كله للأول، فإن هذا غير صحيح؛ إذ الأول حيث تم فيه النصاب لا يضم له ما بعده، بل يكون حول ما بعده في المثال المذكور بعد حول الأول بشهر، وليس معنى كلامه في مسألة الفوائد أنه تحقق حول بعض منها في رمضان مثلا، وشك في غيره، هل هو قبله في رجب أو قبله في جمادى؟ فإنه يكون في هذا حول الأول جمادى إن كان نصابا، ولا يضاف إلى الذي بعده في رمضان. والله سبحانه أعلم.
стр. 1989
والاقتضاء لمثله مطلقًا؛ يعني أن الاقتضاء الناقص عن النصاب يضم لمثله أي للاقتضاء المكمل له نصابا، فالمراد مثله في كونه اقتضاء وليس المراد مثله في القدر، ومعنى قوله "مطلقًا"، سواء بقيت الاقتضاءات السابقة أو أنفقت أو ضاعت، تخللت بينها فوائد أم لا، وهذا الضم لتكميل النصاب، والضم فيما قبله لجمع، الأحوال، قال محمد بن الحسن: وليس هذا الكلام بضروري الذكر مع قوله قبل: "كمل بنفسه أو بفائدة جمعهما ملك وحول".
ثم الصور هنا أربع: ضم الاقتضاء لمثله ولو أنفق الأول أوضاع قبل قبض الثاني لكن بشرط أن يبقى الأول إلى حول الثاني، وضم الفائدة لمثلها إن بقيت الأولى بيده إلى حول الثانية كما تقدم، وضم الفائدة لاقتضاء المتأخر عنها إن تأخر عن حولها ولو أنفقها بعد حولها وقبل قبضه، وضم الفائدة للاقتضاء المتقدم عليها إن بقي بيده إلى حلول حولها فإن أنفق أو ضاع قبل حصولها فلا تضم اتفاقا، وإن أنفق أوضاع بعد حصولها وقبل حولها لم تضم إليه عند ابن القاسم، وضمت الفائدة إليه عند أشهب.
وحاصل ذلك: إن بقي الأول في الصور الأربع حتى حال حول الثاني فالزكاة، وإن ذهب قبل حول الثاني فلا زكاة. ونظم ذلك سيدي عبد الواحد بن عاشر في قوله:
فائدة والاقتضا كل يضم … لمثله أو غيره كيف انتظم
إن كان الأول لدى حول الأخير … باليد أو ضاع والاقتضا أخير
لا منفق لفائد تأخرا … لفقد جمع الملك حولا قررا
وها هنا لطيفة جليه … من نصهم إذ عللوا القضية
طردا وعكسا وهي أن المنفقا … لحول أصل الدين يبقى حققا
وكتب عليه الشيخ ميارة ما حاصله: وإذا قيدت هاتان المسألتان بكون إنفاق المال إنما كان بعد مرور حول الثاني، فقد رجعت المسألتان إلى الثانية والثالثة من الأربع الأول؛ أي وهما الاقتضاءان والفائدة، ثم الاقتضاء إذا كان الأول باقيا باليد إلى حول الثاني، وصار حاصل المسألة إن بقي
стр. 1990
الأول حتى حال حول الثاني فالزكاة، وإن ذهب قبل حول الثاني فلا زكاة، وعلى هذا ففي نظم الشيخ ﵁ طول قليل الجدوى فلو قال:
فائدة والاقتضا كل يضم … لمثله أو غيره كيف انتظم
إن يبق أول لحول الثاني … إلا فلا وتم ما تعاني
ولو قال عوض الشطر الأخير: وحال حول أول فعانى، لكان أولى ليفيد شرط مرور الحول في الأول أيضًا، فيخرج ما إذا أفاد عشرة في رجب أثناء حول الدين، ثم اقتضى عشرة من دينه في المحرم فلا زكاة حتى يمر حول الأولى كذا قيل وفيه نظر: فإن العشرة التي اقتضاها في المحرم هي الأولى بحسب الاستفادة وبحسب الحول، وليست المستفادة في رجب هي الأولى كما زعم هذا القائل، فلا بحث. انتهى كلام محمد بن الحسن. قوله: رجعت المسألتان إلى الثالثة والرابعة ظاهر، لأنه إذا استفاد فائدة ثم استفاد فائدة أخرى فلم ينفق الأولى حتى حال حول الثانية، فهذا لا فائدة لذكر كونه أنفق بعد حول الثاني؛ لأنه عنده مال نصاب حال عليه الحول، فتجب زكاته، وكذا لو اقتضى عشرة مثلا ثم استفاد بعد ذلك فائدة، وبقيت عشرة الاقتضاء عنده حتى حال حول الفائدة، وهي مكملة للنصاب، فلا فائدة لذكر كون العشرة بقيت عنده إلى حول الفائدة، وأما الاقتضاءان فالأمر فيهما ظاهر لأنه يقتضي عشرة مثلا، ثم يقتضي بعد ذلك عشرة فلا بد أن تبقى العشرة الأولى حتى يمضي لأصل الثانية حول، فإذا مضى له سنة وأنفق العشرة الأولى قبل قبض الثانية، فإنه إذا قبض الثانية يزكي العشرين، العشرة التي أنفقت والعشرة التي قبضها ثانيا، وكذا يقال فيما إذا استفاد فائدة عشرة مثلا،، ثم بعد ذلك داين بعشرة فلا بد أن تبقى العشرة الفائدة حتى تمضي سنة لأصل العشرة التي داين بها فإذا أنفق الفائدة بعد مضي سنة لأصل العشرة التي داين بها، ثم بعد ذلك اقتضى العشرة؛ فإنه يزكي العشرين. قاله جامعه عفا الله عنه.
والفائدة للمتأخر منه؛ أي من الاقتضاء؛ يعني أن الفائدة تضم للمتأخر من الاقتضاء عن حولها، وسواء بقيت أو أنفقت قبل الاقتضاء لا للمتقدم المنفق قبل حصولها أو بعده وقبل حولها، وأما لو استمر باقيا حتى حل حولها، فإنه يضم إليها كما مر في قوله: أو بفائدة جمعهما ملك وحول،
стр. 1991
وهذا معنى قول المازري الذي يلهج به المدرسون يقولون: الفوائد تضاف لما بعدها من الاقتضاءات، ولا تضاف لما قبلها، والاقتضاءات يضاف بعضها إلى بعض. انتهى. وأوضح المصنف ما ذكر من ضم الفائدة للاقتضاء المتأخر عنها بالمثال، فقال: فإن اقتضى خمسة بعد حول ثم استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة زكى العشرين؛ يعني أن رب الدين إذا اقتضى خمسة من دينه بعد مرور الحول على دينه وأنفقها، ثم استفاد عشرة وأنفقها بعد مضي حولها -وأحرى لو أبقاها ثم اقتضى أيضًا من دينه عشرة- فإنه يزكي العشرين، عشرة الفائدة وعشرة الاقتضاء التي بعدها، ولا يزكي الخمسة الأولى لعدم كمال النصاب بالاقتضاءين، والفائدة التي بعد الخمسة لا تضم لها، وأما لو كمل النصاب من الاقتضاءات فإنه يزكي الخمسة الأولى، وإلى ذلك أشار بقوله: والأولى إذا اقتضى خمسة؛ يعني أنه إذا اقتضى خمسة أخرى فإنه يزكي الخمسة الأولى والآخرة فقط إذا كان زكى قبل اقتضاء الخمسة الآخرة، وإلا زكى الجميع. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: وما اقتضى بعد حلول حولها أو عند حلوله تضم له، وهذا معنى قول المصنف: "والفائدة للمتأخر منه".
ولما أنهى الكلام على زكاة العين، أتبعه بالكلام على زكاة العروض، فقال: وإنما يزكى عرض أبي زكاة في عينه؛ يعني أن العرض أي عوضه من قيمة في المدير وثمن في المحتكر، محل تزكيته إنما هي حيث لا زكاة في عينه كثياب وغيرها مما لا زكاة فيه، ودخل في ذلك ما كان دون نصاب من ماشية وحرث، وكذا نصاب حرث بعد تزكيته وقت حصاده، لصدق عدم زكاة عينه عليه ثاني عام مثلا، وخرج ما في عينه زكاة كماشية وحرث بلغ كلّ نصابا، فلا يقوم ولو كان ربه مديرا، سواء جاء وقت التقويم قبل حوله أو بعده، وإذا باعه بعد تزكية عينه زكى الثمن لحول التزكية، وإن باعه قبل جريان الزكاة في عينه زكاه لحول الأصل كما في ابن الحاجب، فإن قلت: تقدم عند قوله "وثمرة مشترى" أن الثمرة غير المؤبرة وقت الشراء إذا وجبت زكاة في عينها زكى ثم إذا باعها استقبل بثمنها حولا من قبضه ولا يزكي لحول التزكية، في الفرق؛ فالجواب: أن ما نشأ عن مشترى للتجارة بمنزلة فائدة، فإذا باعه يستقبل بثمنه حولا من قبضه، ولو زكى عينه بخلاف نفس المشترى للتجارة فإنه ليس بفائدة حتى يستقبل بثمنه بل كان الأصل أن يزكي ثمنه
стр. 1992
لحول الأصل، لكن لما زكيت عينه نسخ بها حول أصله، فروعي الحول منها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية البناني.
تنبيه: مثل عبد الباقي لما في عينه الزكاة بالحلي المزكى إذا بلغ نصابا، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن الحلي لا تزكى إلَّا عينه ولو كان دون نصاب إذا كان عنده من السلع ما يكمل بقيمته النصاب، وقوله: "وإنما يزكى عرض"، اعلم أن زكاة العرض يشترط فيها ستة شروط: أحدها: أن يكون لا زكاة في عينه -كما رأيت-، ثانيها: أشار إليه بقوله: ملك بمعاوضة؛ يعني أنه يشترط أيضًا في زكاة عوض العرض من قيمة أو ثمن أن يكون قد ملك بمعاوضة مالية، لا موهوب أو موروث أو مملوك بمعاوضة خلع أو صداق أو جناية، فيستقبل بثمن كلّ حولا من يوم قبضه. ثالثها: أشار إليه بقوله: بنية تجر؛ يعني أنه يشترط في التزكية المذكورة أيضًا أن يكون مملوكا بنية التجارة، سواء كانت منفردة كأن يشتريه بنية أن يتجر به فقط، أو كانت غير منفردة، بل مع نية غلة كنية كرائه عند شرائه، وإن وجد ربحا باعه ففرق بين التماس الربح بالمنافع والتماسه ببيع الرقاب، أو مع نية قنية، معطوف على قوله: "مع نية غلة"؛ يعني أن نية التجر تعتبر أيضًا إذا حصلت عند الشراء مع نية قنية، كنية انتفاع بوطء أو خدمة مع نية بيعه إن وجد ربحا، وكذا لو ملكه بنية تجر مع نية غلة وقنية فانضمامهما لنية التجر كانضمام إحداهما لها، وانضمام إحداهما لها كهي مفردة. كما قال المصنف. وقوله: "أو قنية"، كون نية التجر معتبرة مع مصاحبة نية القنية لها هو قول أشهب وروايته، وخالف في ذلك ابن القاسم وابن المواز، واختار الأول اللخمي ورجحه ابن يونس، وإلى ذلك أشار بقوله: على المختار والمرجح، فالاختيار والترجيح يرجعان للتجر مع القنية كما في التوضيح، قال ابن غازي: وأما التجر مع الغلة فهذا الحكم فيه أبين، فكأنه قطع به من غير احتياج للاستظهار عليه بقول من اختاره؛ وهو اللخمي، وأما ابن يونس فلم يذكره أصلا. انتهى. قاله محمد بن الحسن.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "على المختار والمرجح": وَاخْتِيارُهُمَا يحتمل في مسألتي: نية التجر مع الغلة، ونية التجر مع القنية، ويحتمل في الثانية فقط، والأول منصوص للخمي فيهما، ولابن يونس في الثانية كذا في التتائي شفي الحاشية. قوله: "والمرجح"، لا ينافي رجوعه للأول قول
стр. 1993
المصنف قبل: وبالترجيح لابن يونس؛ أي وبالترجيح نصا؛ أي بالنص أو بقياس الأحروية. انتهى. وقوله: "أو قنية على المختار والمرجح"، قال الحطاب فيه: يعني إذا نوى بالعرض التجارة والقنية بأن يشتريه، وينوي الانتفاع بعينه وهو القنية، وإن وجد فيه ربحا باعه وهو التجارة، كذا فسره المصنف في التوضيح وابن عبد السلام، فتتعلق الزكاة به على المختار والمرجح. انتهى. لا بلا بنية؛ يعني أنه إذا ملك عرضا بمعاوضة مالية بغير نية أصلا لا نية تجر ولا غيرها، فإنه لا زكاة فيه لأن الأصل في العروض القنية، وقال الشبراخيتي: إن قوله: "نية"، مجرور بإضافة لا إليه؛ لأنَّها بمعنى غير. انتهى. وحينئذ فتكون باء الجر داخلة على اسم: وهو لا. أو نية قنية؛ يعني أنه لا زكاة في العرض المذكور حيث اشتراه بنية القنية فقط اتفاقا. أو غلة؛ يعني أنه إذا ملك العرض المذكور بنية الغلة فقط، كشرائه بنية كرائه فقط، فلا زكاة أيضًا على ما رجع إليه مالك وهو المشهور، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب، خلافا لاختيار اللخمي الزكاة فيه: قائلا: لا فرق بين التماس الربح من منافع والتماسه من رقاب، وهو قول مالك الأول، وقول ابن نافع. أو هما؛ يعني أنه إذا ملك العرض بنية الغلة والقنية معا فلا زكاة عليه، قال عبد الباقي: اتفاقا، قال محمد بن الحسن: هو غير صحيح. انظر المواق والتوضيح. انتهى.
وقال الشارح عند قوله: "أو هما": وهو المشهور لأنَّها إذا سقطت مع نية الغلة فقط فلأن تسقط فيما إذا نوى الغلة والقنية أحرى. انتهى. فصح ما ذكره البناني من عدم الاتفاق، والله سبحانه أعم. وقوله "أو هما"، أصله أو نيتهما، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانفصل الضمير، وحينئذ فهو محل جر بطريق النيابة. قاله عبد الباقي عن أحمد، ونحوه للشبراخيتي. وقوله: بطريق النيابة، المراد بالنيابة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، قاله الشبراخيتي. رابعها: أشار إليه بقوله: وكان كأصله، هو من عكس التشبيه؛ أي وكان أصله كهو؛ يعني أنه يشترط أيضًا في زكاة العرض المذكور واحد من أمرين: أحدهما: أن يكون أصل هذا العرض المزكى عوضه عرضا ملك بمعاوضة، سواء كان ذلك العرض الذي ملك بمعاوضة عرض قنية أو عرض تجارة، فإذا كان عنده عرض قنية ملك بمعاوضة فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه، فإنه يزكي ثمنه لحول أصله -أي العرض الذي نوى به التجر على المشهور- لإعطاء الثمن
стр. 1994
حكم أصله. الثاني: لا حكم الأول، ومقابل المشهور أنه يستقبل بالثمن حولا من قبضه، وهو لا يكاد يقبل لشذوذه وضعفه. قاله ابن عبد السلام،
وبما قررت علم أن قوله: "وكان كأصله"، لا يصح بقاؤه على ظاهره؛ لأنه لم يذكر أصله حتى يشبهه، فهو من عكس التشبيه أي وكان أصله كهو، كما قال ابن غازي والشبراخيتي، قال: والقرينة الاستحالة؛ إذ يستحيل تشبيه معلوم الحكم بمجهوله، والمراد كهو في الجملة بأن يكون ملك بمعاوضة احترازا عن عرض كالهبة والميراث. قاله الشبراخيتي.
وقوله: "وكان أصله كهو"، أما إذا كان الأصل عرض تجر ملك بمعاوضة فالزكاة اتفاقا، وأما إذا اشترى الأصل للقنية ونوى التجر بهذا فالزكاة على المشهور -كما مر- وقد مر أن مقابله لا يكاد يقبل لشذوذه، وضعفه كما قاله ابن عبد السلام. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "وكان كأصله" اعلم أن الصور ثلاث: عرض تجر أصله عرض تجر فيه الزكاة اتفاقا، عرض تجر أصله عرض قنية ملك بمعاوضة المشهور فيه الزكاة كما مر، عرض تجر أصله عرض مفاد فيه طريقان. وقد علمت أن المصنف باعتبار ما حملته عليه تبعا لغير واحد مشى على أنه لا زكاة فيه، ولا خفاء في أن الذي مشى عليه حينئذ هو المشهور، والطريقان المذكوران إحداهما للخمي، والأخرى لابن حارث.
قال ابن عرفة: وفي كون ما ملك لتجر بعرض قنية طريق ابن حارث إن كان أصل عرض القنية من شراء، فالقولان -أي المتقدمان- المشهور، ومقابله الذي لا يقبل لشذوذه. وإن كان بإرث فيكون العرض المشترى عرض قنية اتفاقا، وطريق اللخمي تحكي القولين من غير تفصيل؛ يعني بين كونه عرض قنية مشترى، وبين كونه من إرث أو هبة ونحوهما، ولكن يبعد ما حملت المصنف عليه من أن ذلك مراده أن عبارته كعبارة ابن الحاجب، وأقره في التوضيح. ومقتضى ذلك أنه إذا كان أصله عرض قنية ملك بمعاوضة لا زكاة، وقد علمت شذوذه، وقال الحطاب: اعتمد المصنف على ما حكاه سند كأنه المذهب من أن المشترى للتجارة بعرض القنية يبقى على حكم القنية، ولا تؤثر فيه التجارة، ويستقبل بثمنه إذا باعه بالعين حولا بعد قبضه، هذا قول مالك.
стр. 1995
وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل: يجري في الحول من حين ملك عرض التجارة اعتبارا بما لو اشتراه بالعين. انتهى.
قال الرماصي: وفيه نظر؛ إذ لا يترك المشهور لغيره، واقتصاره عليه كأنه المذهب لا يصيره مشهورا. انتهى. وصوب الرماصي وغيره ما حملت المصنف عليه، قال: وإن كان يبعده متابعة المؤلف لابن الحاجب غالبا. انتهى.
وحد ابن عرفة عرض التجارة بقوله: ما ملك بعوض ذهب، أو فضة للربح، أو بدله إن حبس لارتفاع سوقه ثمنه كدين، قوله: بعوض، يخرج به ما ملك بغير عوض كالموهوب، وقوله: للربح، أخرج به عرض القنية والغلة، وقوله: أو بدله كما إذا اشترى به عرضا للتجارة وعاوض به عرضا آخر لذلك، فإن ذلك من عرض التجارة. قاله الخرشي. وقوله: إن حبس لارتفاع الخ، أي يزكيه المحتكر كالدين كما يقوله المصنف. قاله جامعه عفا الله عنه.
أو عينا، هذا هو ثاني الأمرين الذين لابد من أحدهما؛ يعني أن العرض الذي يزكى عوضه من قيمة أو ثمن؛ إذا لم يكن أصله عرضا ملك بمعاوضة، فلا بد من أن يكون أصله عينا اشتراه بها، واحترز المصنف بكون الأصل أحد الأمرين، مما إذا كان الأصل عرضا ملك بهبة أو إرث أو بمعاوضة غير مالية، كخلع وصداق وجناية، فإنه يستقبل بثمنه حولا من يوم قبضه.
واعلم أن الصواب أن يقول المصنف: وكان أصله كهو أو عينا والعين للتصويب، أمران: كون كلامه فيه تشبيه معلوم بمجهول وهو عكس ما تقرر عندهم، وعدم صحة قوله: "أو عينا"، عند عدم التصويب؛ إذ تقديره، أو كان العرض عينا، ففيه قلب الحقيقة. وإن قل راجع إلى قوله: "أو عينا"؛ يعني أنه لا فرق في العين التي اشترى بها العرض بين أن تكون قليلة لا تبلغ نصابا، وبين أن تكون كثيرة. قاله الشارح.
وقال البساطي: لو رجع إلى مجموع الشرطين لم يلزم عليه شيء، قال الحطاب: وهو كذلك، إلَّا أنه لا فائدة فيه. والله أعلم. خامسها أشار إليه بقوله: وبيع بعين؛ يعني أنه لا بد في زكاة العرض المذكور من بيع بعين.
стр. 1996
واعلم أن هذه الشروط الخمسة تعم المدير والمحتكر، لكن المحتكر لا يزكي قيمة عرض، وإنما يزكى ثمن العرض من العين، ولابد أن تكون هذه العين التي بيع بها عرض التجر نصابا، باع بالنصاب في مرّة أو مرتين فأكثر، وبعد كمال النصاب يزكي ما بيع به العرض ولو قل، وأما المدير فيزكي قيمة العرض المذكور، وإن لم يبعه لكن بشرط أن ينض له شيء ما درهما أو أقلّ. قاله محمد بن الحسن. ورد على الأجهوري وأتباعه، قالوا: إذا نض للمدير أقلّ من درهم لا زكاة أي لا يقوم عروضه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فهم الأجهوري من ذكرهم الدرهم كما في المدونة وغيرها أنه تحديد لأقل ما يكفي في النضوض، ونصها: وإذا نض للمدير في السنة درهم واحد في وسط السنة أو طرفيها، قوم عروضه لتمام السنة وزكى. انتهى. وفي فهمه نظر، فإن كلام أبي الحسن عليها صريح في أن ذكر الدرهم مثال للقليل لا تحديد، وأنه مهما نض له شيء وإن قل لزمته الزكاة، وهو الصواب. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم إن الذي نض له شيء ما ولو درهما يخرج عما قومه من العرض ثمنا على المشهور لا عرضا بقيمتة، وسواء نض له أول الحول أو وسطه أو آخره، بقي ما نض أو ذهب، قال أحمد: ثم على المشهور إذا نض له شيء بعد الحول ولو قل، فإنه يقوم الجميع ويكون حوله من يومئذ، ويلغي الزائد أي الوقت الأول. قاله في المدونة. واحترز بقوله: "بعين"، عن بيع عرض بعرض، فلا زكاة عليه إلَّا أن يفعل ذلك فرارا، ويؤخذ من ذلك أن من ملَّك ماله قبل الحول لبعض ولده أو لعبده، ثم ينتزعه منه بعد الحول أنه لا ينفعه ذلك ولا تسقط عنه. قاله بعض الشارحين. انتهى. قوله: إلَّا أن يفعل ذلك فرارا؛ أي فيؤخذ بالزكاة كما نقله الحطاب عن الرجراجي وابن جزي. قاله محمد بن الحسن.
وقال الحطاب: قال الرجراجي في المدير إذا كان يبيع العرض بالعرض ذريعة لإسقاط الزكاة فلا يجوز ذلك باتفاق المذهب ويؤخذ بزكاة ما عنده من المال، وقال ابن جزي بعد ذكره للمدير والمحتكر: من كان يبيع العرض بالعرض ولا ينض له من ثمن ذلك عين، فلا زكاة عليه إلَّا أن يفعل ذلك فرارا من الزكاة، فلا تسقط عنه. انتهى. فيعم المدير والمحتكر، وذلك ظاهر. والله أعلم. انتهى. فإن قلت: قوله في بيع عرض بعرض فرارا فيه الزكاة، يعارض ما مر من أن من اشترى بنقد عرض قنية لا زكاة في عينه سقطت الزكاة إجماعا، فالجواب أن الفرق بينهما أن ما
стр. 1997
أبدل بعرض القنية المذكور أبدل بما لا زكاة فيه، بخلاف ما أبدل بعرض تجر فإنه أبدل بما فيه زكاة. انظر حاشية بناني. وقال عبد الباقي: وقوله: "وبيع بعين؛ أي وقبضت العين لا إن باع بعين وقبض بدلها عرضا، قال عبد الباقي: ثم إن المصنف ترك من شروط زكاة عوض العرض أن يقبض عينا لاستفادته من قوله: فكالدين، وذكر قوله: "وبيع بعين"، إلى قوله: كالدين، وإن استفيد كلّ ذلك منه للإيضاح، قال أحمد: وقع السؤال عن محتكر لفلفل مكث عنده سنين كثيرة، ثم باع ذلك بعين في ذمة المشتري حالة وأخذ عوضها عرضا، هل تجب عليه الزكاة أو لا تجب عليه زكاة؟ ويؤخذ مما تقدم الوجوب. انتهى. أي إذا قصد بأخذ العرض الفرار من الزكاة، فإن لم يقصده فلا شيء عليه حتى يبيع العرض المذكور، كما في المدونة على ما في المواق، وأطلق فيها ولم يقيد بقصد فرار إلَّا أنه ينبغي حمل كلامها على من لم يقصده. قاله عبد الباقي.
وقال الحطاب عند قوله "وبيع بعين": هذا الشرط وما قبله يعم المدير والمحتكر، فأما المدير فالمشهور أنه لا يجب عليه أن يقوم عروضه ويزكيها -كما سيأتي- إلَّا إذا نض له شيء ما ولو درهما، خلافا لابن حبيب، ولا يشترط أن ينض له نصاب خلافا لأشهب، وعلى المشهور فلا فرق أن ينض له أول الحول أو وسطه أو آخره، قال في المدونة: وإذا نض للمدير في السنة درهم واحد في وسط السنة أو في طرفيها، إلَّا أنه لما تم الحول لم يكن عنده من الناض شيء، وكان جميع ما بيده عروضا (١) فليقومها لتمام الحول ويزكى، قال ابن نافع عن مالك: ويبيع عرضا منها ويقسمه في الزكاة أو يخرج عرضا بقيمته إلى أهلها من أي صنف شاء من عروضه، وقال سحنون: بل يبيع عرضه ويخرج عينا. انتهى.
وفرع ابن الحاجب هذين القولين على قول ابن حبيب: إنه يزكي ولو لم ينض له شيء، ويتأتى تفريعهما على المشهور كما في هذه الصورة، وفيما إذا كان ما بيده من العين لا يفي بزكاة قيمة ما معه من العروض، فالصواب ذكرهما مطلقين كما فعل ابن يونس والمازري على ما نقل عنه ابن عرفة، وشهر في الشامل القول الثاني إلَّا أنه إنما ذكر القولين على الشاذ كما فعل ابن الحاجب، ولكن المقصود أن الثاني هو الراجح. وفي الذخيرة: وإن لم يكن له ناض أوله ولكنه أقلّ من الجزء
стр. 1998
الواجب، قال مالك: يبيع العرض لأن الزكاة إنما تجب في القيم فلو أخرج العرض كان كإخراج القيمة وهو المشهور، وقال أيضًا يخير بين البيع وإخراج الثمن، وبين إخراج العرض ولم يذكر ابن رشد خلافه، ونصه: وسئل عن رجل حلت عليه الزكاة وهو ممن يدير ماله في التجارة، فأتى شهره الذي يقوم فيه، هل يجب عليه أن يبيع عروضه بالغا ما بلغ؟ قال: عليه أن يبيع كما يبيع الناس لحاجتهم، ويؤدي زكاة ماله. قيل له: فإن لم يبع من العروض حتى تلفت بعد ما حال عليه الحول، هل يكون ضامنا للزكاة؟ قال: نعم، قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن للرجل أن يستقصي في سلعته ويجتهد في تسويقها ليؤدي منها الزكاة دون تفريط ولا تأخير، وليس يلزمه أن يبيعها من حينه بما يعطى فيها من قليل أو كثير؛ لأن ذلك من إضاعة المال فإن فرط في بيعها حتى تلفت لزمه ضمان الزكاة، وإن تلفت قبل أن بفرط لم يلزمه ضمان ما تلف، ويزكي الباقي إن كان مما تجب فيه الزكاة، وقيل: تلزمه الزكاة وإن لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المساكين نزلوا معه لحلول الحول منزلة [الشركاء] (١) في تلف فمنه ومنهم، وما بقي فبينه وبينهم. انتهى. وقال في المدونة: فإن لم ينض له شيء في سنة فلا تقويم. ابن يونس: ولا زكاة، ثم قال فيها: إن نض له شيء بعد ذلك -وإن قل- قوم وزكى وكان حوله من يومئذ وألغى الوقت الأول. ابن يونس: قال ابن مزين: هذا قول ابن القاسم وغيره، وقال أشهب: لا يقوم حتى يمضي له حول من يوم باع بذلك العين؛ لأنه من يومئذ دخل في الإدارة، وقال في التوضيح: وإذا قلنا بالمشهور أنه لا تجب الزكاة إلَّا بالنضوض، وأنها لا تجب عليه إذا باع العرض بالعرض، فهل يخرج ببيع العرض بالعرض عن حكم الإدارة، قال في الجواهر: لا يخرجه ذلد عن حكم الإدارة، ورأى أشهب وابن نافع أن ذلك يخرجه عن حكمها. انتهى. انتهى كلام الحطاب. ابن بشير: وإن أقامت عروض الاحتكار أعواما لم تجب عليه إلَّا زكاة واحدة؛ لأن الزكاة كما يفهم من الشريعة متعلقة بالنماء أو بالعين لا بالعرض، فإذا أقامت أحوالا ثم بيعت لم يحصل فيها النماء إلَّا مرة واحدة، فلا تجب الزكاة إلَّا مرّة واحدة، ولا يجوز أن يتطوع بالإخراج قبل البيع، فإن فعل فهل
стр. 1999
يجزئه؟ قولان، والمشهور عدم الإجزاء كما نص عليه المصنف فيما يأتي، وكذلك القولان في إخراج زكاة الدين قبل قبضه؛ يعني في غير المدير. قاله محمد بن الحسن.
وقال الحطاب: والمحتكر لا زكاة عليه في شيء من عروضه حتى يبيعه بالعين، وسيأتي بيان القدر الذي تجب فيه الزكاة إذا باع به، وكيفية ذلك عند قول المصنف: كالدين، فإن كان يبيع العرض بالعرض فلا تجب عليه الزكاة، بل قال في المدونة: ومن باع سلعة للتجارة بعد حول بمائة دينار فليزكها إذا قبضها مكانه، فإن أخذ بالمائة قبل قبضها ثوبا قيمته عشرة دنانير فلا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه، فإن باعه فلا شيء عليه إلَّا أن يكون عنده مال قد جرت فيه الزكاة؛ إذا أضافه إليه كانت فيها الزكاة وإن باعه بعشرين أخرج نصف دينار. انتهى. وذكره القرافي: وقال: إن القيم أمور متوهمة، وإنما يحققها البيع.
وإن لاستهلاك، مبالغة في قوله: "ملك بمعاوضة"، وفي قوله: "وبيع بعين"؛ يعني أَنَّه لا فرق في وجوب الزكاة في عوض العرض الذي ملك بمعاوضة بنية تجر، بين أن تكون المعاوضة اختيارا كما إذا اشترى بعين أو بعرض ملك بمعاوضة عرض تجر. فيزكي عوضه من قيمة أو ثمن على ما مر، وبين أن تكون المعاوضة جبرية كما لو استهلك له شخص عرضا ملك بمعاوضة، وأخذ في قيمته عرضا ينوي به التجر، فإنه يزكي عوضه من قيمة أو ثمن على ما مر إدارة واحتكارا، وكذا لا فرق أيضًا في بيع عرض التجر بالعين بين أن يكون اختيارا، كأن يبيعه بعين اختيارا ويقبضها، وبين أن يكون شخص استهلك له عرض تجر، فأخذ قيمته فليزكها على ما مر من إدارة واحتكار، ويكون ضمن بيع معنى عُوِّضَ.
فكالدين؛ يعني أنه إذا توفرت الشروط المتقدمة فإنه يزكي العرض أي عوضه من قيمة أو ثمن كزكاة الدين أي لسنة من أصله مع قبضه عينا نصابا، كمل بنفسه أو بفائدة جمعهما ملك، وحول أو بمعدن إن تم النصاب ولو تلف المتم، فقوله: "فكالدين"؛ أي زكاة وحلولا، وقبضا واقتضاء، وضما واختلاطات وتلفا وإنفاقا، وفرارا وبناء، ولا يغني هنا عن ذكر عرض التجر ما مر في قوله: وإنما يزكى دين؛ لأن ما تقدم إن بيع العرض بدين، وما هنا بيع بنقد.
стр. 2000
وبما قررت علم أن قوله: "فكالدين"، جواب شرط محذوف؛ أي أن العروض إذا اجتمعت فيها الشروط المتقدمة مع الشرط الآتي، وهو قوله: إن رصد به السوق، فإنه يزكي زكاة الدين، وقد تقدم أن قوله: "فكالدين"، زكاة، فيزكي إذا بلغ المقبوض نصابا، ويجري هنا ما مر فيما إذا تلف بسببه وبغيره بتفريط أو لا، والحاصل أنه لا فرق بين عروض التجارة ودينها بلا خلاف.
تنبيه: من كثرت عليه الفوائد وضاق عليه أن يحصي أحوالها، فليضم الأول إلى ما بعده حتى يخِفَّ عليه إحصاء أحواله حتى يصيرها إلى حولين أو ثلاثة ونحوه مما يقدر أن يحصيه، فإن لم يمكن ذلك وصعب عليه ضم جميعها إلى آخرها، وأما فيما يكثر من تقاضي الديون فليضم ذلك إلى أوله، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: والحاصل من كلامه أنه لا زكاة في دين حتى يقبض أو نصاب منه، ولا في عرض تجارة أي احتكار حتى يباع، فإذا بيع العرض أو قبض الدين وجبت زكاته يوم قبضه لعام واحد إن تم حوله ونصابه، ثم يكون ما يقتضي من الدين أو يباع بَعْدُ تبعا لا قبض أو بيع، يزكى معه كربح المال مع أصله، سواء بقي الأول أو تلف بنفقة ولو لم يكمل الحول استوفي إليه. انتهى. قاله الحطاب.
وقد مر أنه إن كثرت عليه الاقتضاءات، واختلطت، ضم الآخر للأول، قال مالك: من له دين وليس له غيره، وقد مضى له حول فأكثر فكان يأخذ منه دينارا فدينارا فينفقه أو يتلفه، فلا يزكي حتى يقبض تمام عشرين دينارا، ثم يزكي كلّ ما اقتضى وإن قل، ويكون حوله من ذلك اليوم، فإن كثرت عليه ولم يحصه فليرد ما شاء منه إلى ما قبله، وكذلك فيما يبيع من عرضه شيئًا بعد شيء فكثر ذلك فليرد الآخر إلى الأول. ابن حبيب: يرد الآخر إلى الأول في الفوائد والديون: وما تقدم أصح ليلا يؤدي إلى زكاة قبل حولها، وإذا اقتضى في مرّة أو مرار ما يحصل فيه النصاب، وقلنا إنه يزكيه واقتضى بعد ذلك شيئًا فليزكه حينئذ، ويكون كلّ على حوله كما تقدم ما دام النصاب في مجموع ذلك كما في الفائدتين، وأشار إلى الشرط السادس بقوله: إن رصد به السوق؛ يعني أنه يشترط في زكاة عوض العرض على الوجه المذكور أن يكون مالكه محتكرا؛ بأن يقصد بعروضه ارتفاع الأسواق، بأن يمسك عرضه إلى أن يجد فيه ربحا هذا هو المراد: وإلا فالمدير يرصد السوق أيضًا أي يأتي للسوق ليبيع فيه.