وفي كتاب الأمير: أن الزبيب كالتمر، وشبه التمر بالحب في الحكم المذكور لكن على تفصيل بينه، بقوله: كالتمر نوعا أو نوعين؛ يعني أن التمر إذا كان نوعا واحدا، أخذت منه الزكاة كيف كان جيدا أو رديا أو وسطا، وكذلك إن كان نوعين كصيحاني وبرني، قال عبد الباقي: فإن كان النوع الواحد أصنافا أخذ من كلِّ صنف بحسبه، لا من وسط أصناف ذلك النوع الواحد. انتهى. قال محمد بن الحسن: هو غير ظاهر. انتهى. وإلا؛ أي وإن لا يكن التمر نوعا واحدا ولا نوعين، بل كان أنواعا: فإن الزكاة تخرج من أوسطها؛ أي الأنواع لا من أعلاها ولا من أدناها، قال الشبراخيتي: والمراد بالأنواع الأجناس، فالنوع الواحد كالبرني مثلا إذا تعددت أصنافه فإنه يؤخذ من كلّ صنف بحسبه. انتهى. وقد تقدم نحوه لعبد الباقي، وما ذكره المصنف ذكر عن أهل الذهب ما يوافقه، ورد تعقب ابن غازي عليه، وظاهر كلام المصنف مراعاة الوسط، سواء كانت الأنواع متساوية أو بعضها أكثر من بعض، تقارب اختلافها أو تباعد، وهو قول أشهب.
وقال عيسى بن دينار: يؤخذ من الأكثر، وكلام التوضيح الذي نقله بعض الشراح يفيد ترجيح قول عيسى، وانظر هزا مع ما تقدم من أن الأدنى لا يجزئ عن الأعلى، والفرق بين الحب والتمر أنه لو أخذ من كلّ صنف من التمر ما ينوبه لشق ذلك لاختلاف أنواع الحائط، قال سند: إن التمر يكثر اختلافه حتى أن الاختلاف يكون في ثمرة النخلة الواحدة. انتهى. وانظر إذا تعدد الوسط، كما إذا كان نوع أعلى ونوع أدنى، وثم نوعان كلّ منهما دون الأعلى، وفوق الأدنى وهما مختلفان جودة ورداءة، هل يخرج من كلّ إن تساويا قدرا وإلا فمن الأكثر؟ أو يخرج من كلّ مطلقًا؟ انتهى. قاله غير واحد. فإن كان الوسط ثلاثة أنواع، فمن وسطها؛ لأن وسط الوسط وسط، وهل الزبيب كالحب أو كالتمر؟ نقلا اللخمي وابن بشير عن المذهب، ولا يخفى أن في كلام الأئمة هنا إطلاق الجنس والنوع على المصنف وإطلاق المصنف عليهما، ولا مشاحة في ذلك.
واعلم أن الراجح في الزبيب أنه كالتمر، وفي الحطاب عن اللخمي: واختلف في التمر، فقال مالك: إن كان جنسا واحدا أخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضل منه، وإن كان أجناسا أخذ من الوسط، وقال في كتاب محمد: يؤخذ من كلّ صنف بقدره، وفي المقدمات: من أراد أن يخرج من صنف عن صنف آخر ما وجب عليه منه بالكيل، جاز من الأرفع ولم يجز من الأدنى.
стр. 1927
وفي الحطاب بعد أن نقل عن المقدمات: فهذا يدلُّ على أنه إذا كان في الحائط من التمر نوع أو نوعان أخذ من كلّ بحسبه، فقول ابن غازي: لم أقف فيه على نص غير ظاهر.
ولما أنهى الكلام على زكاة الماشية والحرث، أتبعه بالكلام على زكاة النقد، فقال: وفي مائتي درهم شرعي؛ يعني أن ما دون المائتين من الدراهم لا زكاة فيه، فإذا بلغت الدَّرَاهِمُ مائتين ففيها ربع العشر، والدراهم من الفضة والدنانير من الذهب، والمعتبر من الدراهم هنا الدرهم الشرعي، وهو الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير. ابن عرفة: ونصاب الفضة خمس أواق مائتا درهم وزنه خمسون حبة شعيرا وخمسان، والأوقية أربعون درهما والدرهم الشرعي هو المسمى بدرهم الكيل؛ لأنه تقدر به مكاييل الشرع من أوقية ورطل ومد وصاع. حكاه ابن راشد القفصي عن بعضهم. وقد ذكر المصنف قدره قبل هذا، حيث قال: كلّ خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وبه يعلم أن الدينار اثنان وسبعون حبة؛ إذ الدرهم المعتبر في الزكاة هو من الدراهم التي وزن عشرة منها كوزن سبعة كما يعلم من عدد حبات كلّ، وقال ابن ناجي: سمي درهم الكيل لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس، والآخر عليه نقش الروم. فكان الناس يتعاملون بالنصف من هذه والنصف من هذه عند الإطلاق، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره إلى زمن عبد الملك بن مروان. انتهى.
وقال غيره: كان أحد الدرهمين وزنه ثمانية دوانق، وكان وزن الآخر أربعة دوانق، فجمعهما عبد الملك وأخذ نصفهما، وضرب درهما وزنه ستة دوانق، والدانق ثمانية حبوب وخمسا حبة من وسط الشعير. أو عشرين دينارا؛ يعني أن الذهب لا يزكى منه ما دون عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه ربع العشر، والدينار هنا اثنان وسبعون حبة من وسط الشعير -كما تقدم- وفي المدونة: إذا كان عنده فلوس فيها مائتا درهم لا زكاة عليه فيها، والدنانير في الأحكام خمسة: ثلاثة كلّ دينار اثنا عشر درهما؛ وهي دينار الدية ودينار النِّكَاح ودينار السرقة، وتسمى دنانير الدم، واثنان كلّ دينار عشرة دراهم، وهما دينار الزكاة ودينار الجزية، وتسمى دنانير
стр. 1928
الزاي. والله أعلم قاله الحطاب. فأكثر، قد تقدم أنه لا زكاة في الورق في أقلّ من مائتي درهم، ولا زكاة في الذهب في أقلّ من عشرين دينارا، فإذا بلغت الفضة مائتي درهم فأكثر ففي ذلك ربع العشر، قلت الزيادة أو كثرت، فلا وقص في الفضة، وإذا بلغ الذهب عشرين دينارا فأكثر ففيه ربع العشر، فلا وقص فيه، فقوله: فأكثر هو جار في الذهب والفضة، وهو إشارة إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ويشترى بما زاد على النصاب، ولا يمكن إخراج ربع العشر منه طعام أو غيره مما يمكن قسمة على أربعين جزءا. قاله بعض شيوخ ابن عبد السلام. ولعل حكمة هذا العدد كونه له ربعُ عُشُرٍ صحيحٌ. قاله التتائي. قال عبد الباقي: ومن خطه نقلت، وصحيح بالرفع صفة لربع.
قوله: "فَأكثر"، قد تقدم أنه يشير به إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ولم ينقل أهل المذهب خلافه إلَّا عن أبي حنيفة، قال: لا شيء في الزائد حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب وأربعين درهما في الفضة.
واعلم أنه وقع لعبد الوهاب، وما زاد بحساب ذلك ما أمكن، هكذا قال ابن الحاجب، والمرتضى أنه ليس بمخالف للمذهب من أن ما زاد فبحسابه، وإن لم يمكن قسمة كما تقدم فيشترى به ما يمكن منه إخراج ربع العشر، فبهذا يعلم أن أهل المذهب لم ينقلوا خلافا في أن ما زاد فبحسابه، وقال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخي يرى ما لعبد الوهاب خلافا، ويرى أن الإمكان المراد به انقسام الزائد على النصاب إلى جزء الزكاة، وَتَأَتِّي ذلك فيه، قال ابن عبد السلام: ويحتمل أن يقال: الإمكان المأخوذ من القول الأول هو الذي أوجبه في الثاني؛ لأنه ربما زاد النصاب زيادة محسوسة لا يمكن أن يشترى بها ما ينقسم على أربعين جزءا، قال الشارح: والأصل فيما ذكر المصنف ما ورد عنه ﵊ (أن: في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها صدقة وأن في عشرين دينارا نصف دينار ولا زكاة فيما دونها (١))، قال في الموطإ والسنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم.
стр. 1929
وقد تقدم أن المراد بالدرهم الدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي، لقوله ﵊: (المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة (١))، وهو عند الكافة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط، وتكون الحبة منه غير مقشورة وقد قطع طرفاها اللَّذان خرجا عن خلقتها.؟
ومجمع منهما بالجزء؛ يعني أن من عنده ذهب وفضة فإنه تجب عليه الزكاة فيما إذا حصل نصاب بينهما، ويعتبر حصول النصاب منهما بالجزء؛ أي يعتبر ذلك بجزء من نصاب الذهب المتقدم وجزء من نصاب الفضة المتقدم، بحيث يتكمل نصاب منهما كثلث من أحدهما وثلثين من الآخر ونحو ذلك، واحترز بذلك عما لو بلغ ذلك قيمة النصاب لا بالتجزئة، فمن كان عنده مائة درهم من الفضة وعشرة دنانير من الذهب أو خمسة عشر دينارا وخمسون درهما، وجب في كلّ من النقدين ربع العشر ونحوه في المدونة والرسالة وغيرهما. قاله الشارح. ومعنى قوله: "بالجزء"، أنه يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم، كانت قيمته أقلّ أو أكثر، فلهذا لو كان معه مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة درهم فلا زكاة. ولو كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير تساوي خمسين درهما زكى، وكذا إذا كان معه الثلثان من هذا والثلث من هذا أو الربع من هذا وثلاثة الأرباع من هذا، فإنه يزكي. انتهى كلام الشارح.
وقوله: "بالجزء"؛ أي بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم بالوزن لا بالجودة والرداءة ولا بالقيمة، سواء كانت أقلّ من ذلك أو أكثر، فلا زكاة في مائة درهم، وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم بخلاف ما لو كان عنده مائة وتسعون درهما ودينار واحد فإنه يزكي، والأحسن لو قال: أو مجمع بأو كالذي قبله. ربِع العشر، مبتدأ خبره في مائتي درهم، وأشعر اقتصاره على الورق والذهب بأنه لا زكاة في الفلوس النحاس، قال في الطراز: وهو المذهب. وفي المدونة: أن من حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها إلَّا أن يكون مديرا. انتهى. وما يأتي في الصرف والسلم مبني على أن الفلوس نقود؛ وهو خلاف المذهب كما علمت. والله سبحانه أعلم.
стр. 1930
وإن لطفل أو مجنون؛ يعني أن الزكاة تجب في النقدين وإن كانا لصبي أو مجنون، لقول عمر ﵁ في الموطإ: (اتجروا في أموال اليتامى ليلا تأكلها الزكاة (١))، وفيه: (أن عائشة ﵂ كانت تخرج الزكاة من مال يتيمين كانا في حجرها (٢))، وهو قول مالك وجميع أصحابه خلافا لغيرهم، واتفقوا أن مواشيهما وحرثهما -أي الصبي والمجنون- تزكى لوجود النماء في ذلك. قاله الشارح وفي حاشية الرهوني: أن أبا حنيفة يوافق غيره من الأئمة على وجوب زكاة حرث الطفل والمجنون، وأن ماشيتهما عنده كالعين كما أفاده أبو البركات الحنفي في كنز الدقائق، وصرح به ابن يونس من أئمتنا، فقال: قال أبو حنيفة: ليس على الصبيان والمجانين زكاة مال ولا ماشية. انتهى. وقوله: "وإن لطفل"، قال الشبراخيتي: لخبر: (ألا من ولي مال يتيم فليتجر فيه ولا يتركه تأكله الصدقة (٣)).
وقد ألغز بعضهم في ذلك، فقال:
وتركي له في الخد خال … كمسك فوق كافور ندي
تعجب ناظري لما رآه … فقال الخال صل على النبي
فقلت له ملكت نصاب … حسن فأد زكاة ذا الحسن البهي
فقال أبو حنيفة لي إمام … يرى أن لا زكاة على الصبي
فإن تك مالكي القول أو من … يكون يرى برأي الشافعي
فلا تطلب زكاة الحسن مني … فإخراج الزكاة على الولي
وأما البالغ السفيه فتجب في ماله إجماعا، نقله غير واحد. ووجبت الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنَّها من خطاب الموضع لا التكليف، والعبرة بمذهب الوصي في الوجوب وعدمه؛ لأن التصرف في المال منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه، ولا بمذهب الطفل؛ لأنه غير مخاطب بها أي خطاب تكليف، فلا ينافي خطابه بها من حيث الموضع، فلا يزكيهما أي
стр. 1931
الوصي إن كان مذهبه سقوطها عن الطفل، وإلا أخرجها إن لم يكن حاكم، أو ثم حاكم مالكي فقط، أو مالكي وحنفي وخفي أمر الصبي على الحنفي، وإلا رفع للمالكي، فإن لم يكن إلَّا حنفي أخرجها الوصي المالكي إن خفي أمر الصبي على الحنفي، وإلا ترك، ولا يلزمه الرفع إلى الحنفي؛ بل يؤخر إخراجها حتى يبلغ الصبي وينظر، فإذا قلد من يقول بسقوطها عن الأطفال لم يلزمه شيء، وإلا لزمه إخراجها. قاله الحطاب.
ونقل عن النوادر ما نصه: قال ابن القاسم وأشهب: وإن كان وصي اليتيم لا يزكي ماله، فيلزم اليتيم إذا قبضه الزكاة لماضي السنين، ولو كان الوصي أسلفه أو تسلفه سنين لم يزكة إلَّا لعام واحد من يوم ضمنه الوصي، وبه تعلم أن تنظير الزرقاني أولا وثانيا قصور. قاله محمد بن الحسن. وتنظير عبد الباقي الذي أشار إليه محمد بن الحسن: وانظر إذا كان مذهب الوصي وجوبها ولم يخرجها حتى بلغ الصبي رشيدا ومذهبه سقوطها، وانفك عنه الحجر، هل تؤخذ عن الأعوام الماضية من المال أو الولي، أو تسقط؟ وانظر في عكسه أيضًا، هل تؤخذ من المال أو تسقط؟ قاله علي الأجهوري. انتهى. ولقد صدق محمد بن الحسن في أن ما نظر فيه متضح حكمه بالنقل الذي جلبه، فجزاه الله بأحسن الجزاء؛ إذ قوله: هل تؤخذ عن الأعوام الماضية الخ، اتضح الحكم فيه بقوله، فإذا قلد من يقول بسقوطها عن الأطفال لم يلزمه شيء، فتبين منه أنَّها ساقطة عن الطفل في ذلك الفرض، فلا تؤخذ من ماله ولا من الولي، بل هي ساقطة. وقوله: وانظر في عكسه، هو ما إذا كان الوصي مذهبه عدم وجوبها على الصبي وبلغ الصبي رشيدا، ومذهبه الوجوب فتلزمه الزكاة لماضي السنين. والله سبحانه أعلم.
قال عبد الباقي: وأما إن كان مذهب الوصي وجوبها ولم يخرجها وبلغ الصبي وهو مالكي، فتؤخذ منه [عن] (١) الأعوام الماضية، وقال الشيخ سالم: وإذا رفع الولي لحاكم يرى سقوطها، فحكم بسقوطها ثم بلغ الصبي وقلد من يقول بوجوبها، فالذي يظهر أن ذلك لا يسقط الزكاة عنه. وقاله الحطاب. وإذا اطلع الحاكم الحنفي حيث لم يكن ثمَّ غيره على الوصي في الحالة التي يخرج فيها الزكاة؛ وهي خفاء أمر الصبي عليه، وحكم بردها له، فقال عبد الباقي: الظاهر أنَّها
стр. 1932
تكون مصيبة بالوصي، وقال محمد بن الحسن: الظاهر الرجوع بها على الصبي، ويدل عليه كلام السنهوري المتقدم. انتهى. قال عبد الباقي: وانظر لو كان للصبي وليان مالكي وحنفي، والكلام في مجنون كالكلام على الصبي، ومبالغته على النقدين لرد قول أبي حنيفة بالسقوط تفيد أن حرثهما وماشيتهما [فيهما] (١) الزكاة اتفاقا؛ وهو كذلك لنمو ذلك بنفسه. انتهى.
وقوله: وانظر لو كان للصبي وليان مالكي وحنفي، الظاهر أنه إن لم يستبد واحد منهما بالتصرف عن الآخر أن الزكاة لا تخرج، وأنه إن استبد أو أخرجها المالكي قبل تنازعهما في إخراجها يمضي ذلك. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.
وقال الحطاب عند قوله: "وإن لطفل أو مجنون": يعني أن الزكاة تجب في مال الطفل والمجنون، فأما إن كان الوصي يتجر في مال اليتيم، فتجب الزكاة فيه في المذهب قولا واحدا. قاله اللخمي وغيره. وأما إن كان لا يتجر فيه ولا ينميه فالمنصوص عن مالك وجوب الزكاة، بل حكى ابن الحاجب الاتفاق على ذلك، فقال: وتجب في مال الأطفال والمجانين اتفاقا عينا أو حرثا أو ماشية، وتخريج اللخمي النقد المتروك على المعجوز عن إنمائه ضعيف. انتهى. وأما نقل الشيخ يوسف بن عمر عن مالك أنه لا زكاة على الصغار في العين، فمردود. قال الحطاب: وهذا الذي نقله عن مالك غير معروف له ولم أر من نقله عنه، والنقول المتقدمة ترده. والله أعلم.
واعلم أن المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما ما داما غير مكلفين، قال في النوادر: قال ابن حبيب: وليزك مال اليتيم وليه ويشهد، فإن لم يشهد وكان مأمونا صدق، وفي الموازية: ويزكي ولي اليتيم ماله ويخرج عنه وعن عبده الفطر، ويضحي عنه من ماله. قاله الحطاب.
وقال بعد جلب نقول: فتحصل من هذا: أن الوصي إذا كان مذهبه وجوب الزكاة في مال الأطفال، إما باجتهاده إن كان مجتهدا أو بتقليد من يقول بوجوبها أنه يجب عليه إخراجها، ولا ينظر في ذلك إلى مذهب الصبي ولا إلى مذهب أبي الصبي؛ لأن المال قد انتقل عنه، فإن لم يكن هناك حاكم يقول بسقوطها لزم الوصي إخراجها، ولا يحتاج إلى الرفع للحاكم، نعم يشهد
стр. 1933
على ذلك، فإن لم يشهد صدق إن كان مأمونا. وانظر إن كان غير [مأمون، هل] (١)، يلزمه الغرم أو يحلف لم أر فيه نصا؟ وإن كان هناك حاكم يرى سقوط الزكاة عن مال الأطفال، فإن خفي للوصي إخراج الزكاة لزمه إخراجها ولا يلزمه أن يذكر ذلك للصبي بعد بلوغه وإن لم يخف إخراجها، فإن تعدد الحاكم في البلد فكان بعضهم يرى وجوب الزكاة وبعضهم يرى سقوطها، فالذي يظهر من كلامهم أنه لا يلزم الرفع إليه، ولا يجب عليه ويؤخر إخراجها حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ الصبي فإن قلد من يقول بسقوط الزكاة عن مال الأطفال لم يلزمه شيء، وهذا ظاهر، وإن قلد من يقول بوجوبها في مال الأطفال لزمه إخراجها.
تنبيه: لا يلزم الوصي أن ينمي مال اليتيم، وقد صرح بذلك اللخمي، وقال في كتاب الوصايا: وحسن أن يتجر له وليس ذلك عليه، وإن استسلف الوصي مال يتيمه وَلَدَيْهِ مَلَاءٌ فلا بأس بذلك، وكان ابن عمر يسلفه ويتسلفه، وإذا لم يكن به ملاء فلا يتسلفه. قاله الحطاب. وقوله: "وإن لطفل أو مجنون"، قال الشبراخيتي: وقبل قوله يعني الوصي في إخراجها حيث وجب عليه بلا يمين إن لم يتهم وإلا فبيمين. انتهى.
أو نقصت، عطف على المبالغة؛ يعني أن العين إذا نقصت في الوزن عن النصاب نقصا قليلا كحبة أو حبتين، وهي تروج مع ذلك رواج الكاملة، فإن الزكاة تجب فيها، سواء كان التعامل بالعدد أو بالوزن، وإن لم يكن النقص قليلا سقطت الزكاة ولو راجت رواج الكاملة، هذا هو قول مالك وابن القاسم وسحنون؛ وهو المشهور. قاله ابن هارون. وجعل ابن الحاجب المشهور الوجوب مطلقًا قل النقص أو كثر، وليس كما قال. قاله ابن هارون. قال محمد بن الحسن: وبه تعلم أنَّ ما ارتضاه مصطفى من حمل المصنف على ظاهره من الإطلاق في النقص اعتمادا على تشهير ابن الحاجب، قائلا: لم أر من شهر القول بالتفصيل خلافُ الصواب، لاعتراض ابن هارون تشهيرَ ابن الحاجب كما علمت، وقصورٌ لعدم اطلاعه على ذلك. قال ابن ناجي: واختلف في حد اليسير، فقال عبد الوهاب: هو كالحبة والحبتين وإن اتفقت الموازين عليه، وقال ابن القصار والأبهري: إنما ذلك إذا اختلفت الموازين في النقص، وأما إن اتفقت عليه فهو كالكثير. انتهى.
стр. 1934
وقوله: "أو نقصت"؛ أي في الوزن كما قررت، وأما لو نقصت عددا والوزن كامل، فالزكاة وإن نقص الوزن والعدد فلا زكاة إن كان التعامل عددا باتفاق، وإن كان التعامل وزنا فعلى ما تقدم إن حطها عن الكاملة فلا زكاة وإلا وجبت الزكاة، وأنه بالضرورة يكون ذلك يسيرا. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وأما لو نقصت في العدد فإن كانت كاملة في الوزن زكيت، وإلا فلا. وقوله: "أو نقصت"؛ يعني مع ذلك أنَّها تروج برواج الكاملة كما قررت، وأما إن لم ترج كالكاملة فلا خلاف في سقوط الزكاة، سواء كان التعامل بالعدد أو بالوزن كما صرح ابن بشير بجميع ذلك، وإن حكى ابن رشد خلافا في ذلك. قاله الحطاب. والمراد بالكاملة، الموازنة السالمة من الغش، ومعنى الرواج أنَّها تبلغ مثمن الكاملة.
أو برداءة أصل؛ معطوف على محذوف؛ أي نقصت في الوزن أو نقصت في الصفة برداءة أصل؛ يعني أن العين إذا نقصت في الصفة بسبب رداءة أصلها في معدنها، فإن كانت لا تنقص بسبب رداءتها في التصفية عن النصاب فإن الزكاة تجب فيها كما تجب في الطيبة؛ أي سواء كانت تروج رواج الجيدة الكاملة أم لا: وأما إن كانت تنقص في التصفية بسبب رداءة أصلها فتجب فيها الزكاة أيضًا لكن بشرط أن تروج رواج الكاملة كما يقوله المصنف. أو إضافة؛ يعني أن العين إذا نقصت عن النصاب لسبب إضافة غيرها إليها كمغشوشة بنحاس أو رصاص؛ وهي مع ذلك تروج رواج الكاملة، فإنه تجب فيها الزكاة.
وبما قررت علم أن قوله: وراجت ككاملة، راجع للمسائل الثلاث؛ يعني أن محل وجوب الزكاة في العين الناقصة عن النصاب في الوزن على ما مر. وفي الناقصة في الصفة، وفي الناقصة بإضافة غيرها إليها إنما هو حيث كانت تروج رواج الكاملة، وأما إن لم ترج رواج الكاملة فإنه لا تجب فيها الزكاة في المسائل الثلاث، وقوله: "وراجت ككاملة"، معنى الرواج أنَّها تبلغ مثمن الكاملة، والمراد بالكاملة الوازنة السالمة من الغش، وقوله: "راجت ككاملة"، قد علمت أنه راجع للمسائل الثلاث: أما رجوعه للطرفين فواضح، وأما رجوعه لردية الأصل فإنما هو فيما إذا كانت ردية الأصل تنقص بالتصفية، كما مر قريبًا. وأما إن كانت لا تنقص بالتصفية فإنها تزكى مطلقًا حيث بلغت عشرين دينارًا أو مائتي درهم، راجت كالكاملة أم لا. الشبراخيتي: والظاهر أن قوله:
стр. 1935
"وراجت ككاملة"، لا يرجع لردية الأصل لأن نقصها إنما هو برداءة الأصل، وما هو كذلك لا ينقص في التصفية، وأما ما ينقص بالتصفية فنقصه بإضافة، فيدخل في قوله: "أو إضافة"، وقوله: "أو نقصت"، ظاهر المصنف أنه لابد من رواجها رواج الكاملة، ولو كان النقص يسيرا، وهو كذلك كما مر عند قوله: "أو نقصت"، وذكر ابن المواز أنه إنما يعتبر فيما كثر نقصه، لا فيما قل فتزكى الناقصة نقصا يسيرًا، وإن لم ترج رواج الكاملة. وقد مر أن ابن بشير قال: لا خلاف في سقوط الزكاة في ذلك، وإن حكى ابن رشد فيه خلافا.
وإلا حسب الخالص، راجع للمضافة وللردية الأصل، حيث كانت تنقص بالتصفية؛ يعني أن العين المغشوشة إن لم ترج رواج الكاملة، فإنه يحسب الخالص منها بالتصفية، فإن لم يبلغ الزكاة كما هو الموضوع فلا زكاة، وإن بلغ الخالص النصاب زكي، فلا فرق حينئذ بين كونها تروج رواج الكاملة وأن لا تروج رواج الكاملة، وكذلك الردية الأصل إن كانت، تنقص بالتصفية وهي لا تروج رواج الكاملة، فإنه إنما يحسب الخالص بالتصفية، فإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة وإن بلغه زكي.
وقد مر أنَّها إذا كانت تنقص بالتصفية فهي مضافة، وحينئذ فقوله: "وإلا حسب الخالص"، راجع للمضافة فقط؛ أي وإن لا ترج المضافة رواج الكاملة، فإنه يحسب الخالص، وأما ردية الأصل فلا تنقص بالتصفية، ففيها الزكاة راجت رواج الطيب أم لا، وإذا اعتبر الخالص في المغشوشة اعتبر ما فيها من النحاس اعتبار العروض. قاله الحطاب.
وَتَحَصَّلَ مما مر: أن قوله: "حسب الخالص"، لا يتأتى في الناقصة الوزن ولا في الردية الأصل، وإنما هو في النقد المغشوش. اللخمي: وإذا كانت الدراهم غير خالصة مختلطة بالنحاس فإنه ينظر إلى وزن الفضة، وقيمة ما فيها من النحاس. انتهى. ومعنى ذلك أن ينظر قيمة ذلك النحاس، فيقومه المدير ويزكيه عنه المحتكر إذا باع ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. إن تم الملك، شرط في قوله: "وفي مائتي درهم شرعي"، وفي قوله: "وعشرين دينارا"، وفي قوله: "ومجمع منهما بالجزء"، فهو شرط في وجوب الزكاة في النقدين؛ يعني أن محل وجوب الزكاة في النقدين إنما هو
стр. 1936
على من ملكهما أو أحدهما ملكا تاما، فلا زكاة على مودع لعدم ملكه، ولا على عبد لعدم تمام ملكه، ولا على سيده لأن من ملك أن يهلك لا يعد مالكا.
وقد مر أن الشركاء إن ناب كُلًّا منهم نصابٌ زَكَّوْا، وإلا فمن نابه نصاب زكى، ومن لا فلا، كانوا شركاء في الماشية أو في العين أو في الحرث. وقد مر أن من نابه منهم نصاب ولو بالضم لما عنده، يزكي ولا زكاة في الغنيمة قبل القسم لعدم قرار الملك، ولا زكاة على مدين لعدم تمام الملك. وقد علمت أن هذا في العين، ولا زكاة على غاصب لعدم الملك.
قال محمد بن الحسن: وقيده الحطاب بما إذا لم يكن عنده وفاء يعوضه به وإلا زكاه، وعلى هذا يحمل ما في المواق، ونصه: قال ابن القاسم: المال الغصوب في ضمان الغاصب حين غصبه، فعلى الغاصب فيه الزكاة. انتهى. وقد علمت أن هذا في العين.
وحولُ غير المعدن؛ يعني أن الزكاة إنما تجب في العين بعد تمام الحول، فقوله: "إن تم الملك وحول غير المعدن"، بمنزلة قوله في زكاة الماشية: "بملك وحول كملا"، وقوله: "وحول"، عطف على "الملك"، فلا زكاة فيما لم يحل عليه الحول من العين، وهذا في غير ما يخرج من المعدن، وأما المعدن فسيأتي التردد في تعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته، ويرد على المصنف الركاز في الصورة التي يؤخذ منه الزكاة فيها، فإنه لا يشترط فيه الحول، بل تتعلق الزكاة بوجوده، ولم ينبه عليه لندوره، ولأنه حينئذ يشبه المعدن. قاله الحطاب.
وتعددت، بتعدده في مودعة؛ يعني أن العين المودعة إذا قبضها ربها بعد أعوام، فإنه تعَدَّدُ عليه الزكاة بتعدد الأعوام، فقوله: "بتعدده"، الباء للسببية، والضمير عائد على الحول، وفاعل تعددت ضمير يعود على الزكاة؛ أي وتعددت الزكاة بسبب تعدد الحول وقوله: "وتعددت بتعدده"، قال عبد الباقي: وإنما يزكي المودعة بعد قبضها. انتهى. وقال محمد بن الحسن: استظهر ابن عاشر أن يزكيها لكل عام وقت الوجوب من عنده.
ومتجر فيها بأجر؛ يعني أن الشخص إذا آجر من يتجر له في نقد، فإن الزكاة تتعدد على مالك النقد بتعدد الأعوام فيزكيها؛ وهي عند التاجر حيث علم قدرها ولو بالتحري، وكان مديرا، ولو احتكر العامل وكان مال ربه أكثرت فإن العامل هنا أجير ويده كيده، فإذا احتكر العامل وأدار
стр. 1937
رب المال؛ فإن تساويا أو كان ما بيد العامل أكثر فكل على حكمه، وإلا فالجميع للإدارة والعامل في القراض يزكي كالدين إذا احتكر، وإن كان ما بيد ربه أكثر بناء على ما صوبه ابن عرفة، وهو ظاهر إطلاق قول المصنف، وإن احتكرا أو العامل فكالدين، وأما على ما لابن محرز من أن ما بيد عامل القراض وبيد ربه كالمال الواحد، وبه قرر الأجهوري ومن تبعه فيما يأتي، فلا فرق بين البضاعة والقراض. قاله محمد بن الحسن.
وأما إن لم يعلم قدر المتجر فيها بأجر، فإنه يصبر لعلمه. وتقدم أن المتجر فيها بأجر تزكى لكل عام إن كان ربها مديرا، ويزكي المحتكر لعام واحد، قال الأجهوري: ويراعى في المودعة والمتجر فيها بأجر تبدئة العام الأول، إلَّا أن ينقص الأخذ النصاب بالأولى من الماشية. نقله عبد الباقي. وجزم الرماصي بأنه لا يعتبر فيها ذلك، قائلا: فيزكي لماضي السنين ولا يعتبر النقص لتعلق الزكاة بالذمة لا بعين المال، وهو مذهب المدونة، لكن هذا إذا كان عنده عرض يجعل فيه دين الزكاة، وإلا اعتبر النقص كما في المدونة. قاله محمد بن الحسن. وقال الرماصي بعد نقله كلام المدونة: فيظهر من هذا أن دين الزكاة يجعل في العرض، ولا تسقط به الزكاة، وهذا خلاف ما لابن القاسم في العتبية: أن دين الزكاة يسقط الزكاة كان له عرض أم لا، وجعل في التوضيح قول ابن القاسم هذا خلاف المشهور. انتهى. وقوله: "بأجر"، الصواب أنه لا مفهوم له كما يفيده كلام ابن رشد، ونقله المواق، وروى ابن نافع عن مالك أن المودعة تزكى لعام واحد بعد القبض، قال ابن رشد: هذا إغراق إلَّا أن يكون معناه أن المودع غائب عنه فيكون لذلك وجه، فالتفصيل لم يقع في الرواية، وإنما ابن رشد تأولها عليه. وقال ابن عرفة بعد ذكر الرواية: لعله يريد: تضيع ثم ترجع. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وشمل المصنف من يبعث ببعض ماله ليشترى به طعام لعياله، فمر الحول قبل صرفها ولا تأثير لما نوى من صرفها لقوته، وإن بعث لشراء كسوة لعياله أو زوجته، فإن لم ينو تبتيلها وجبت عليه زكاته لأنه وعد، وإن نوى تبتيلها لم تجب، ثم محل المصنف ما لم يتداينها المودع بالفتح أو يداينها لغيره تعديا، أو بإذن ربها؛ فإنه إنما يزكيها كالدين لعام واحد بعد قبضه. انتهى.
стр. 1938
وقال الحطاب: فإن تسلف المودع الموديعة أو أقرضها لغيره في أقامت، قبل ذلك، فعلى ربها زكاتها لكل سنة، وأما من يوم تسلفها أو أسلفها فإنما يزكيها لعام واحد، ويقبل قول المودع والملتقط إنه تسلف أو ترك، وأما المودع فإن تسلفها فيزكيها لكل عام إن كان عنده وفاء بها. قاله في سماع أصبغ وغيره. لا مغصوبة؛ يعني أن العين المغصوبة لا تتعدد فيها الزكاة بتعدد الأعوام، وإنما يزكيها لعام قبضها فقط، ولو رد الغاصب ربحها معها، وأما الماشية إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام، فالمشهور أنه يزكيها لكل عام ماض إلَّا أن تكون السعاة قد زكتها. هذا ما رجع إليه مالك، ورجحه ابن عبد السلام. قال الشيخ عبد الرحمن: وصوبه ابن يونس، كما ذكره الواق.
وذكر ابن عرفة أنَّها تزكى لعام واحد، وعزاه لها، فقال: والنعم المغصوبة فيها لابن القاسم تزكى لعام فقط، وله مع أشهب تزكى لكل عام، وأما النخل المغصوبة سنين فيزكيها لكل عام بلا خلاف إن لم تكن زكيت، وردها الغاصب مع جميع ثمارها الحاصلة فيها سِنِي الغصب حيث علم أن فيها كلّ سنة النصاب، ولو أخذ قيمته لجذ الغاصب له بعد طيبه أو لجهل مكيلته زكى قيمته، لا إن جذه قبل طيبه؛ لأن قيمته حينئذ كبيعه قبل طيبه، فإن رد بعض ثمارها وكان حصل في كلّ سنة نصاب، ولم يرد جميعه بل رد منه قدر نصاب فأكثر، وكان بحيث لو قسم على سني الغصب لم يبلغ كلّ سنة نصابا، ففي زكاته قولان؛ ثانيهما لابن الكاتب ثم رجع ابن الكاتب إلى أنه لو قبض ثمانية أوسق زكى خمسة وترك الثلاثة حتى يقبض وسقين، فلو رد جملة النصاب ولم يعلم هل بلغ نصابه في كلّ سنة أم لا، فانظر هل يتفق على عدم زكاته أو يجري فيه الخلاف؟ قاله عبد الباقي.
قوله: فإن رد بعض ثمارها وكان حصل الخ، قال محمد بن الحسن: حاصل ذلك أن يقال إذا رد الغاصب بعض الثمار بعد سنين، فإما أن يكون حصل في كلّ سنة نصاب أم لا. الثاني: لا زكاة فيه، والأول إما أن يكون مجموع ما رده الآن نصابا أم لا، الثاني لا زكاة فيه، والأول إما أن ينوب كلّ سنة من هذا الردود نصاب لو قسم على سني الغصب أم لا، في الأول الزكاة، وفي الثاني القولان المذكوران: الأول لابن محرز والتونسي وابن عبد الرحمن، والثاني لابن الكاتب.
стр. 1939
والحاصل: أن الثمار المغصوبة يزكيها ربها لكل عام مضى، والعين لا يزكيها ربها إلَّا لعام واحد، وفي الماشية قولان، المشهور أنَّها تزكى لكل عام مضى. قوله: "لا مغصوبة"، الفرق بينها وبين المودعة والمتجر فيها كونُها في الذِّمة، فلا تزكى إلَّا بعد القبض دون المودعة والمتجر فيها، فإنهما على ملك ربهما، ولهذا إذا كان الغاصب موسرا بحيث يكون عنده ما يجعله في مقابلتها غيرها فإنه يزكيها كما مر، وبهذا يظهر لك الفرق بين الماشية المغصوبة والعين المغصوبة. وبالله تعالى التوفيق. انظر الحطاب ﵀.
ومدفونة؛ يعني أن العين المدفونة، قال عبد الباقي والشبراخيتي: بصحراء أو بعمران إذا ضل صاحبها عنها، كان ذلك لأمر حدث كجنون أم لا، يزكيها ربها لعام واحد إذا وجدها، وأما لو كان عالمًا بها وتركها مدفونة اختيارا لزكاها لماضي الأعوام. انتهى. وقال محمد بن الحسن: ابن يونس عن ابن المواز: من سقط له مال أو ضاع أو غُصِبَهُ، ثم وجده بعد أعوام فليزكه لعام واحد. وقاله مالك وأصحابه. وأما لو دفنه فنسي موضعه ثم وجده بعد سنين، فليزكه لكل سنة، قال محمد: إلَّا أن يدفنه في صحراء أو في موضع لا يُحَلُّ فليزكه لعام واحد، كالمال المغصوب، ثم قال ابن يونس: ولا يختلف في المال في موضع يحاط به ثم يجده أنه يزكيه لسائر السنين. انتهى منه، فانظر مع هذا قول الزرقاني: بصحراء أو عمران الخ.
وقوله: "ومدفونة"، قال عبد الباقي: وفي بعض التقارير أن محل المصنف إذا ضل عنها لغير أمر حادث، فإن ضل عنها بجنون حدث فإنها تكون كمال جنون، وفيه نظر؛ إذ مال المجنون الذي تتعدد فيه بتعدد الأعوام ما يمكن تنميته لا مالًا تمكن تنميته. وضائعة؛ يعني أن العين الضائعة أي التي سقطت من ربها دون دفن ولم تلتقط، أو التقطت ثم أخذها ربها بعد أعوام، فإنها تزكى لعام واحد، ولا زكاة على الملتقط إن حبسها لربها أو للتصدق بها عنه ولم يتصدق بها، فإن حبسها بعد نية تملكها أو ليأكلها صارت دينا عليه، فيزكيها بعد عام من يوم نيته إن كان عنده ما يجعل في الدين، وقيل حتى يحركها. ابن عرفة: وفي صيرورتها دينا على ملتقطها بإرادة أكلها أو بتحريكها نقلا الشيخ عن سحنون مع المغيرة، وعن ابن القاسم: وعلة الثلاثة في المصنف عدم القدرة على تنميتها، وينبغي أن يكون حكم الماشية الضائعة حكم الماشية المغصوبة.
стр. 1940
تنبيه: تقدم حمل قوله: "وضائعة"، على من سقطت من ربها دون دفن الخ، ليلا يكون تكرارا مع قوله: "ومدفونة"، وقول المصنف: "وضائعة"، يعم الملتقطة وغيرها، قال الحطاب: وقول البساطي: من شرط الضائعة أن تلتقط، ليس بجيد. انتهى.
وقال عبد الباقي: ومن قيد بالالتقاط فإنما هو ليلا يتكرر مع قوله: "ومدفونة"، مع أنه لا مفهوم لمدفونة؛ إذ المراد وضعها في محل وضل عنها، وأما الضائعة فلم يضعها في محل بل سقطت منه. ومدفوعة على أن الربح للعامل بلا ضمان؛ يعني أن الشخص إذا دفع عينا قراضا لمن يعمل فيها؛ أي يتجر فيها؛ وجعل ربها جميع الربح للعامل وأسقط عنه الضمان فيها؛ بمعنى أنه إذا تلفت لم يكن على العامل شيء في مقابلتها، فإنه إذا ردها العامل لربها يزكيها ربها لعام واحد، وإن أقامت عند العامل أعواما كالدين إن لم يكن ربها مديرا، وإلا فلكل عام ما عنده حيث علم بقاءها على حالها. وقوله: "على أن الربح للعامل" الخ؛ أي أن اشتراط جميع الربح للعامل لا يخرجها عن كونها قراضا، وإن كان إطلاق القراض على ذلك إنما هو مجاز، وهذا هو القراض الذي لا يفعله إلَّا كرام الناس. ومفهوم قاله: "على أن الربح للعامل"، أنه إن كان على أن الربح لربها، فهو قوله: "ومتجر فيها بأجر"، وإن كان على أن الربح بينهما، فسيأتي في قوله: "والقراض الحاضر يزكيه" الخ، ومفهوم قوله: "بلا ضمان". أنَّها مع الضمان ليس لها هذا الحكم، مع أن الحكم أنَّها تزكى لعام واحد أيضا؛ لأنَّها خرجت عن القراض إلى القرض وصارت سلفا في ذمته، ودين القرض لا يختلف فيه المحتكر والمدير -كما يأتي إن شاء الله- وقوله: "ومدفوعة على أن الربح للعامل"، ما الحكم في زكاة العامل؟ الحكم فيها أنه يستقبل بالربح بلا خلاف حيث لا ضمان، قاله محمد بن الحسن. وأما مع الضمان فإن كان عنده ما يجعله في الدين زكى الربح والأصل، وإلا استقبل. قاله الشبراخيتي. وقوله: "ومدفوعة على أن الربح للعامل" الخ، تقدم أن محل هذا إن لم يكن مديرا وإلا فلكل عام، كذا في السماع. كما نقله المواق. واعترض به الرماصي كلام المصنف، فقال: إن هذه المسألة مساوية، لقوله: "ومتجر فيها بأجر"؛ بأن المدير يزكي لكل عام دون غيره، فلا وجه لتفريق المصنف بينهما. انتهى. قال محمد بن الحسن: بينهما فرق، وذلك أن المدفوعة على أن الربح للعامل الخ، لا يعتبر فيها حال العامل من إدارة واحتكار، بل
стр. 1941
هي كالدين، إن كان ربها مديرا زكاها على حكم الإدارة مطلقًا، وإن كان محتكرا زكاها لعام واحد على حكم الاحتكار مطلقًا، بخلاف السابقة فيراعى فيها حال كلّ منهما، هذا ما يدلُّ عليه كلام التوضيح: إعطاء المال للتجر على ثلاثة أقسام: قسم يعطيه قراضا، وقسم يعطيه لمن يتجر فيه بأجر -وهذا كالوكيل فيكون حكمه حكم شرائه بنفسه- وقسم يدفعه على أن الربح كله للعامل، ولا ضمان فيه؛ فهو كالدين يزكيه لعام واحد خلافا لابن شعبان. انتهى.
ولا زكاة في عين فقط ورثت ولم يعلم بها أو لم توقف؛ يعني أن من ورث عينا ذهبا أو فضة ولم يعلم بها، أو علم بها ولم يوقفها الحاكم له، وأولى إن لم يعلم بها ولم توقف، لا زكاة عليه فيها ولو مكثت أعواما قبل القسم أو القبض، ففي منطوقه ثلاث صوركما قررت، ومفهومه أنه لو وجد الأمران -وهما العلم والإيقاف- لزكاها، ومنطوق المصنف مسلم، وهو أنه لا زكاة في الصور الثلاث؛ وهي ما إذا انتفى العلم والإيقاف معا أو أحدهما، وأما صورة المفهوم وهي ما إذا وجد العلم والإيقاف معا فوجوب الزكاة فيها معترض؛ لأنه خلاف المشهور وخلاف مذهب المدونة؛ إذ مذهبُ المدونة وهو المشهور أنه لا تجب الزكاة ولو حصل الأمران. انظر حاشية الشيخ بناني.
وقال الإمام الحطاب: عبارة صاحب الشامل أحسن من عبارة المصنف، حيث قال: وإن ورث عينا استقبل بها حولا من قبضه أو قبض رسوله، ولو أقام -أي الموروث- أعواما أو علم به أو وقف له على المشهور، ويزكي الحرث والماشية مطلقًا. انتهى. لأن القيود التي في كلام المصنف ﵀ غير معتبرة على المشهور، ونبه على ذلك ابن غازي. انتهى. واحترز المصنف بقوله: "فقط"، من الماشية والحرث، فإنهما يزكيان لكل عام، وذلك ظاهر في الماشية فتزكى لكل عام بعد الحول الأول قبل قبضها، ولا ينافي ذلك قوله: "وقبله يستقبل الوارث"، كما هو ظاهر، وأما الحرث فظاهر في الشجر كالنخل والزيتون؛ لأنهما يثمران كلّ سنة، فيزكيان لماضي الأعوام، وأما الحرث المزكى عند حصاده فلا زكاة فيه بعد الأولى، واستثنى من قوله: "ولا زكاة"، قوله: إلَّا بعد حول بعد قسمها؛ يعني أن العين الموروثة لا زكاة فيها إلَّا بعد حول من قسمها، فإذا اقتسمها الورثة، فمن نابه منهم نصاب إنما يزكيه بعد حول من القسم، هذا إذا تعدد الوارث، وأما إذا اتحد الوارث فهو ما أشار إليه بقوله: أو قبضها؛ يعني أن العين الموروثة إذا اتحد
стр. 1942
وارثها فإن الوارث إنما يزكيها لحول بعد قبضها، وهذا الذي قررت به المصنف قرره به غير واحد. واعلم أن الأجهوري ومن تبعه جعلوا القبض غير كاف في الشركاء، بل لا زكاة عندهم فيها حتى تقسم ويستقبل بها حولا من يوم القسم، وأما إذا اتحد الوارث فيستقبل حولا من يوم قبضها بنفسه أو وكيله، قال علي الأجهوري وأحمد: هذا هو المعتمد من المذهب وليس الأمر كذلك، فالمذهب إنما هو اعتبار القبض فقط، فلا عبرة بالقسم، ويعتبر القبض، ولو كانوا شركاء وقبضوها من غير قسم كما يدلُّ عليه قول المدونة، وكذلك الوصي يقبض للأصاغر عينا أو ثمن عرض باعه لهم، فليزك ذلك لحول من يوم قبضه الوصي. انتهى.
وقبض الشركاء البالغين لأنفسهم كقبض الوصي لمن في حجره، بل هو أقوى -نعم- إذا كان في الورثة صغار وكبار فقبض الوصي كلا قبض: كما في المدونة. ابن عرفة: وفيها حول إرث الأصاغر من يوم قبض وصيهم، وإن كانوا كبارا وصغارا لم يكن قبض الوصي قبضا حتى يقتسموا فيستقبل الكبار بحظهم حولا، ويستقبل وصي الصغار بحظهم حولا من يوم القسم. ابن فرحون: والمشهور أن قبض وكيله كقبضه. قاله الحطاب. وفيه: وقبض رسول الوارث كقبضه، وفيه: اللخمي: ويختلف إذا حبسه الوكيل تعديا، هل يستأنف به حولا أو يزكيه لعام واحد؟ ولا خلاف أنه لا يزكيه لكل عام لأنه صار دينا. انتهى.
وَتَحَصَّلَ مما مر: أن المعتمد في العين الموروثة أنَّها إنما تزكى بعد حول من يوم قبضها، علم بها الوارث أم لا، أوقفها الحاكم أو لا، وأن القبض معتبر وإن لم يحصل قسم هذا، وقد مر قول صاحب الشامل، قال عبد الباقي: وعبارة الشامل في غاية الحسن، فإنه قال: وإن ورث عينا استقبل بها حولا من قبضه أو قبض رسوله، ولو أقام أي الوروث أعواما أي قبل القبض، أو علم؛ أي الوارث به أو وقف له على المشهور، ويزكى الحرث والماشية مطلقًا. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله عن الشامل أو وقف له على المشهور الخ، هذا ظاهر إن وقف للقسم، وأما إن أوقفه القاضي، فالذي صوبه ابن يونس: أنه يزكيه كما في المواق. انتهى. فانظره فإنه فيه مخالفة مع ما مر. والله سبحانه أعلم.
стр. 1943
وقد تقدم أن قبض الوصي للصغار معتبر، وحينئذ فمن نابه منهم نصاب زكى له، فإن لم ينب واحدا منهم نصاب فلا زكاة ولو كان في المتروك بجملته نصاب، ومثل الصغار المحجور عليه، وليس صغيرا. قوله: "ولا زكاة في عين فقط ورثت"، وكذا لو وهبت أو تصدق بها أو أوصي بها أو أعطيت، كما قاله الشبراخيتي.
ولا موصى بتفرقتها؛ يعني أن العين الموصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، أوصى في الصحة أو في المرض؛ إذا مر عليها الحول بيد الوصي قبل تفرقتها؛ فإنه لا زكاة فيها، وأما الماشية فإن أوقفها لتفرق على غير معينين فلا زكاة فيها، ولمعينين يزكيها من نابه نصاب كالخلطاء، هذا هو قول أشهب، وهو مذهب المدونة كما نقله الواق وابن عرفة. وقد سوى الحطاب بين العين والماشية، وعزا ذلك لابن القاسم خلافًا لأشهب، وتبعه الأجهوري، قال الرماصي: وهو غير ظاهر لأنه خلاف مذهب المدونة، وإنما هو لابن القاسم في غيرها. انتهى.
وكلام الحطاب هو قوله عقب قول المصنف: "ولا موصى بتفرقتها"، الظاهر أنه أراد العين، ويحتمل أن يريد معها الماشية والحكم فيها كذلك، سواء كانت على مجهولين أو في السبيل، أو على معينين على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب؛ يعني في الماشية. قاله الرجراجي في شرحه على المدونة. انتهى. وأما الحرث الموصى بتفرقته، فقد تقدم عند قوله: "والنفقة على الموصى له العين بجزء"، أنه يزكى، وهو الصواب، فإدخاله هنا لا يصح. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن. ومن كتاب ابن المواز، وكتاب ابن عبدوس من رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك: وإذا كانت دنانير تفرق حتى أتاها الحول فلا زكاة فيها، قال في كتاب ابن المواز: كانت على معينين أو مجهولين أو في السبيل، كانت وصية في المرض أو فى الصحة، قال ابن القاسم: وكذلك الإبل والبقر والغنم تفرق رقابها في السبيل، أو تباع لتفرق أثمانها، فيأتي عليها الحول قبل أن تفرق، فلا زكاة فيها كالعين. قاله مالك. وقال أشهب في المواشي: إذا كانت تفرق على غير معينين فهي كالعين. وإن كانت تفرق على معينين فهم كالخلطاء، والزكاة على من في حظه منهم ما فيه الزكاة، وأما العين تفرق على معينين فلا شيء عليهم، وإن كان نصيب كلّ واحد منهم فيه الزكاة، وإن كانت تفرق على مجهولين فالعين والماشية سواء لا زكاة في ذلك. انتهى.
стр. 1944
وقوله: "ولا موصى بتفرقتها"، قال الشبراخيتي: لا زكاة فيها إن مر الحول عليها قبل تفرقتها حيث مات الموصي قبل مرور الحول، فإن مات بعده وهي نصاب أو هي مع ما عنده نصاب، فإنها تزكى على ملكه. ذكره في شرح الشامل. والتعليل الذي ذكره الشارح، بقوله: لأنَّها خرجت عن ملكه بموته يفيده. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وهذا ليس من الوصية. والله سبحانه أعلم.
ولا مال رفيق؛ يعني أنه لا زكاة في مال الرقيق ولو ذا شائبة عينا أو حرثا أو ماشية أو تجارة لعدم تمام تصرفه، فإن أُعْتِقَ استقبل حولا بالنقد والماشية كسيد انتزعهما، وإن أعتق قبل وجوبها في الحرث زكى عند طيبه، وكذا إن انتزع منه سيده الحرث قبل وجوبه فيزكيه عند طيبه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وأما الحرث فإن أعتق قبل وجوب الزكاة فيه زكى، وإلا فلا، ومثل العتق الانتزاع. ومدين؛ يعني أنه لا زكاة على الدين إذا كان ماله عينا، سواء كان الدين حالا أو مؤجلا، وهذا حيث لم يكن عنده بعد تقدير وفاء الدين من جميع ما عنده عرضا، أو عينا ما يتم به النصاب، فإن بقي بعد تقدير وفاء الدين من كلّ ما يملك حيوانا أو غيره ما يتم به النصاب وجبت الزكاة. وقوله: "ومدين"، بالجر عطف على رقيق؛ أي ولا زكاة في مال مدين، ويكون المال عاما أريد به خاص وهو العين، أو يجعل على تقدير مضاف أي ولا عين مدين، والقرينة على تقدير هذا المضاف قوله الآتي: ولا يسقط الدين زكاة حرث وماشية. وسكة؛ أي ولا زكاة في قيمة سكة، فإذا كانت الدراهم والدنانير ناقصة عن النصاب الشرعي، وبقيمة سكتها تبلغ النصاب، فإنه لا زكاة فيها.
وصياغة؛ أي وكذا لا تعتبر قيمة الصياغة؛ يعني أن من كان عنده من العين دون النصاب، ولصياغته يساوي نصابا لا زكاة فيه، وهذا إنما هو في الحلي الذي تجب فيه الزكاة، وسيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. وجودة؛ يعني أن الإنسان إذا كان عنده من النقد دون النصاب كمائة وثمانين درهما مثلا ولجودتها تساوي نصابا، فإن قيمة ذلك لا تؤثر في وجوب الزكاة، فلا زكاة عليه في السكة والجودة والصياغة المحرمة، ولا في الجائزة على المشهور.
وقوله: "وسكة وصياغة وجودة"، هو تخصيص لقوله: "وراجت ككاملة"؛ أي أن محل كون الرائجة رواج الكاملة تزكى ما لم يكن رواجها بسبب سكة وصياغة وجودة، ولولا ذلك لاستغنى
стр. 1945
عما هنا بقوله: "بالجزء"، ولا ينافي ما يأتي من قوله: "بصرف وقته مطلقًا"؛ لأنه في المخرج، وما هنا في المخرج عنه. قاله عبد الباقي. وقوله: هذا تخصيص لقوله: "وراجت ككاملة"، قال محمد بن الحسن: هذا -والله أعلم- أولى مما فهمه ابن عاشر، وحمل ما هنا على نقص العدد والوزن، وما مر على كامل العدد الناقص الوزن يروج رواج الكاملة، وأن الروجان فيما تقدم كان بسبب الصياغة أو غيرها؛ لأن إطلاقهم هنا يدلُّ على إلغاء السكة والصياغة والجودة. انتهى.
وقوله: "وسكة وصياغة وجودة"، كما لا تكمل بقيمة كلّ واحدة منها الزكاة لا تزكى زيادتها أي الزيادة على النصاب الحاصل، فإذا كانت العين نصابا ولسكتها أو صياغتها أو جودتها تساوي أكثر من نصاب، فإن تلك الزيادة ملغاة لا تؤثر، والمصنف شامل للمسألتين كما في شرح عبد الباقي وغيره. وقوله: "وسكة"، معطوف على "عين"، من قوله: "ولا زكاة في عين"، كما قال البساطي: لأن المعاطيف إذا تكررت كانت على الأول على الصحيح، وجعله الشارح معطوفا على ما قبله؛ وهو مبني على القول الضعيف؛ وهو أن كلّ واحد معطوف على ما قبله. قاله الشبراخيتي. وحلي؛ يعني أنه لا زكاة في الحلي من الذهب أو الفضة أو هما إذا سلم مما يأتي ذكره، والحلي منهما هو ما يتخذ للزينة، وقوله: "حلي"، بفتح الحاء وسكون اللام جمعه حلي بضم الحاء وكسرها وكسر اللام وتشديد التحتية، وقرئ بضم الحاء وكسرها قوله : ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. والمراد هنا المفرد بدليل تذكير الضمائر العائدة عليه.
وإن تكسر؛ يعني أن الحلي لا يزكى وإن تكسر، قال المازري: وهو ظاهر المذهب، واشترط بعض المتأخرين في التكسر أن لا يبلغ حد التهشم، وأما إن تهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلَّا بعد سبكه فهذا لا يزكى إذا حال عليه الحول بعد كسره كالتبر. قاله بعض أصحابنا. قاله ابن يونس. نقله الشارح. وإلى هذا أشار بقوله: إن لم يتهشم، وقال الحطاب: فإن تهشم فتجب الزكاة فيه بعد حول من يوم تهشم، هذا تأويل ابن يونس على المدونة، قال: وقاله بعض أصحابنا، وقوله: "إن لم يتهشم" إيضاح ذلك: أنه لا تجب فيه الزكاة وإن تكسر حيث لم يتهشم، وأما إن تهشم بحيث لا يستطاع إصلاحه إلَّا بعد سبكه فتجب الزكاة فيه يعد حول من تهشمه؛ لأنه انتقل
стр. 1946
بالتهشم انتقالا بعيدا قرب به من التبر، وسواء نوى إصلاحه أو عدم إصلاحه أو لا نية له، فتجب الزكاة فيه في الصور الثلاث. والله سبحانه أعلم. وأما قوله: ولم ينو عدم إصلاحه، فهو شرط في المتكسر الذي لم يتهشم، والمعنى أن محل عدم وجوب الزكاة في الحلي المتكسر الذي لم يتهشم إنما هو حيث لم ينو ربه عدم إصلاحه؛ بأن نوى إصلاحه أو لا نية له، وأما إن نوى عدم إصلاحه ففيه الزكاة -هذا ظاهره- والمعتمد وجوب الزكاة فيما إذا لم ينو شيئًا، فلو قال: ونوى إصلاحه، لَحَسُنَ. والله سبحانه أعلم.
والحاصل: أن الحلي المتكسر إما أن يتهشم أولا، فإن تهشم بحيث لا يمكن إصلاحه إلَّا بعد سبكه ففيه الزكاة، نوى إصلاحه أو عدم إصلاحه أو لا نية، ويزكيه لحول من تهشمه لا قبل ذلك، وأما إن لم يتهشم بحيث يمكن إصلاحه بدون سبك، فإن نوى إصلاحه فلا زكاة فيه، وإن نوى عدم إصلاحه أو لم ينو شيئًا ففيه الزكاة. والله سبحانه أعلم.
وقال الحطاب عند قول المصنف: "ولم ينو عدم إصلاحه": هذا أعم من قوله في المدونة: ولا زكاة فيما انكسر من الحلي فحبس لإصلاحه، ومن قوله في النوادر: ولا زكاة في الحلي من ذهب أو فضة يتخذه الناس، وكذلك ما انكسر منه يريد أهله إصلاحه. انتهى. وكأن المصنف ﵀ يرى أنه إذا لم يتهشم ولم ينو صاحبه عدم إصلاحه فكأنه حبسه لإصلاحه، فتأمله. والله أعلم. انتهى.
وقوله: أعم من قوله في المدونة الخ، يريد أن المصنف بحسب ظاهره شامل لصورتين: نية إصالاحه، وكونه لم ينو شيئًا، والذي نقل عن المدونة والنوادر إنما هو حيث نوى إصلاحه. والله سبحانه أعلم. أو كان لرجل، عطف على المبالغة، أعني قوله: "إن تكسر"؛ يعني أن الحلي لا زكاة فيه سواء كان لرجل أو امرأة، ومحل سقوط الزكاة في حلي الرجل إذا اتخذه لامرأته أو أمته أو ابنته الموجودات عنده حالا، وصلح كلّ للتزين به فلا زكاة حينئذ، فإن اتخذه لمن يحدث أو يصلح للتزين به بَعْدُ، لا الآن لصغره عن التزين به، فالزكاة عند مالك وابن القاسم، خلافا لأشهب، ويدخل ذلك في المعد للعاقبة، بخلاف اتخاذ المرأة ذلك لما يحدث لها من بنت أو حتى تكبر فلا زكاة عليها كما في الشامل، ويدخل في كلام المصنف ما اتخذه الرجل لنفسه من خاتم
стр. 1947
وأنف وأسنان وحلية لمصحف أو سيف اتصلت بالنصل كالقبضة، أولا كالغمد، ولو كان السيف محلى واتخذته المرأة لزوجها، هل لا زكاة عليها فيه كما استظهره الناصر اللقاني؟ قياسا على ما اتخذه لنسائه أو عليها. قاله عبد الباقي.
وقال الحطاب: واعلم أن الزكاة تسقط عن حلي الرجل في وجه واحد باتفاق؛ وهو ما إذا اتخذه لزوجته أو أمته أو ابنته أو خدمه، أو ما أشبه ذلك إذا كانت موجودة واتخذه لتلبسه الآن، وكذلك خاتمه الفضة وحلية سيفه ومصحفه، وتجب في وجه واحد باتفاق وهو ما إِذا اتخذه للتجارة، ويختلف فيما عدا ذلك وتسقط الزكاة عن حلي المرأة في وجهين باتفاق، وهما ما إذا اتخذته للباسها أو لا بنة لها لتلبسه الآن، وتجب في وجه باتفاق وهو ما إذا اتخذته للتجارة. انتهى. وفي الشبراخيتي بعد كلام: ويؤخذ منه أن لا زكاة في تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل والعلائق والصفائح على الأبواب والجُدُرِ، وما أشبهه بالذهب والفضة؛ وهو الصواب كما قال عبد الحق، وقيل: يزكيه الإمام لكل عام. انتهى. أو كراء، عطف على قوله: "لرجل"؛ أي أو كان لرجل أو كان لكراء؛ يعني أن الحلي لا زكاة فيه وإن كان متخذا للكراء أو الإعارة، وسواء اتخذه للكراء رجل أو امرأة. قاله عبد الباقي، ونحوه للخرشي. ومحل كلام المصنف إذا أبيح اتخاذه لمكريه من رجل أو امرأة، مثال ما يحل للرجل: السيف المحلى بالنقد والصحف المحلى به، وخاتم الفضة فهذا هو الذي إذا اتخذه للكراء لا زكاة فيه، بخلاف ما إذا اتخذ للكراء حليا لا يحل له استعماله فإنه تجب عليه الزكاة فيه، ومثال ما يحل للمرأة استعماله الملبوس مطلقًا، فإن اتخذته للكراء فإنه لا زكاة عليها فيه، بخلاف ما إذا اتخذت للكراء محلى غير ملائم لها كالمرآة والمدية؛ فإنه تجب عليها الزكاة في تلك الحلية. هذا تحقيق ما قاله عبد الباقي والخرشي. قاله جامعه عفا الله عنه.
قال محمد بن الحسن: ومعتمدهما في القيد المذكور ما في المواق، ونصه: والذي حكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أن الرجل يزكي والمرأة لا تزكي، قال: لأنه من لباسهن وهن لو شئن أن يلبسنه للبسنه؛ ومقتضى كلام الباجي أن هذا هو المشهور راعى الفرق بين أن تتخذه المرأة للكراء أو الرجل. انتهى. وهو خلاف ما في التوضيح عن الباجي، وذلك لما قال ابن الحاجب: وإن
стр. 1948
اتخذ للكراء أو لصداق أو لعاقبة، فثالثها المشهور لا يزكى مال الكراء. انتهى. قال في التوضيح ما نصه: وحكى المصنف ثلاثة أقوال: سقوط الزكاة، ووجوب الزكاة، والفرق بين ما اتخذ للكراء فتسقط وبين غيره فتجب وهو المشهور وهو مذهب المدونة. والباجي يرى أن الخلاف في الكراء إنما هو إذا اتخذه لذلك من لا يحل له لبسه، كما إذا اتخذ الرجل حلي النساء. انتهى. لكن ما ذكره عن الباجي تيع فيه نقل عياض عنه، واعترضه ابن عرفة، ونصه عن الباجي عن ابن حبيب: سقوطها فيما هو من حلي لباس الحابس؛ أي حابس الحلي للكراء، وقول عياض عن الباجي إنما الخلاف في كراء النساء حلي الرجال والعكس لا أعرفه، إنما نقل قول ابن حبيب ولم يحك غيره. انتهى.
فَتَلَخَّصَ من هذا أن المعتمد ما عند هذا الشارح ومن وافقه، قاله المسناوي، وهو ظاهر المدونة، وبه تعلم أن ما ذكره مصطفى أن المعتمد هو الإطلاق غير صواب؛ إذ لا مستند له إلَّا ما في التوضيح وظاهر ابن الحاجب وأبي الحسن، وقد علمت ما في ذلك. والله الموفق. وظاهر المصنف هنا موافقة ما في التوضيح؛ إذ ظاهره أنه لا زكاة في الحلي العد للكراء، اتخذه له رجل أو امرأة، يحرم على المتخذ استعماله أم لا، قال مصطفى؛ أطلق المصنف تبعا لقول ابن الحاجب: المشهور لا يزكى ما للكراء، وأقره ابن عبد السلام، والمؤلف في توضيحه. انتهى.
قال مصطفى: والحاصل عنده يعني ابن حبيب -إذا أكرى كلّ ما يحل له فلا زكاة، وإن أكرى ما لا يحل له فالزكاة، فلا فرق إذا بين الرجل والمرأة، قال في الجواهر: وخصص ابن حبيب سقوط الزكاة بأن يصدر الكراء ممن أبيح له الانتفاع بما أكرى دون غيره. انتهى. إلا محرما، مستثنى من قوله: "ولا زكاة في حلي"؛ يعني أن الحلي المحرم فيه الزكاة، سواء كان ملبوسا كخاتم ذهب ودملج وسوار ذهب لرجل، وكذا مرود أو مكحلة لرجل أو امرأة، ويقع في كثير من النسخ: إلَّا محرم اللبس، وزيادة اللبس مضرة لقصور كلامه معها عن إفادة الحكم في الأواني وما أشبهها بطريق النص. قاله التتائي -وهو حسن- وما لأحمد من أن ما اتخذه الرجل للكراء لا زكاة فيه ولو كان مما يحرم استعماله عليه، وحمل قوله: إلَّا محرم اللبس، على ما إذا كان يلبسه، لا إن اتخذه للكراء غَيْرُ ظاهر لمخالفته للمعتمد أن المحرم المتخذ للكراء فيه الزكاة، كان
стр. 1949
لرجل أو امرأة -كما مر- ومن المحرم تحلية غير المصحف من الكتب. ابن شعبان: وما جعل في ثوب الرجل أو الجدر من النقد، فإن كان يمكن أن يخرج منه قدر يفضل عن أجرة عامله زكي إن كان فيه نصاب، أو كمل به النصاب ذهبا، أو ورقا.
قال الحطاب: ودخل في كلام المصنف حلي الصبيان، فإنه على ما شهره في أول الكتاب محرم اللبس؛ إذ قال: وحرم استعمال ذكر محلى أعم من أن يكون صغيرا أو كبيرا، وقال الشيخ زروق: وحلية الصبيان من المباح على المشهور، والخلاف في الزكاة جار على الخلاف في جواز لبسه، ورجح في التوضيح في الحج عدم الجواز، ومن اتَّخذ أنفا من الذهب أو ربط به أسنانه لا زكاة فيه كما مر. وقد مر أن المصنف شامل لهذا لأنه من جملة الحلي الجائز، وأما تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل وعلائقها والصفائح في الأبواب والجدر وما أشبه ذلك بالذهب والورق، فقال ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض، قال عبد الحق: وأعرف في المال لإصلاح المساجد والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك كله، والصواب عندي أن لا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد ونحوه. والله أعلم.
وقال الشيخ زروق: ويزكى ما اتخذ لتجر وحلية كعبة ولو قنديلا ونحوه أو صفيحة بجدار ونحوه. انتهى كلام الحطاب. أو معدا للعاقبة عطف على قوله: "محرما"، فهو داخل في حيز الاستثناء؛ يعني أن الحلي المعد للعاقبة أي حوادث الدهر تجب فيه الزكاة على المشهور؛ وهو مذهب المدونة، وقيل بسقوط الزكاة في ذلك. قاله الشارح. ومفاد عبد الباقي أن ما أخذ للتزين مما هو مسكوك لا تسقط زكاته، بخلاف الحلي؛ لأن كونه مسكوكا يدلُّ على أنه معد للحاجة وإن لم ينوها، وقوله: "أو معدا للعاقبة"، قال الشبراخيتي: أي لحوادث الزمان، ولا فرق بين الابتداء والانتهاء، بأن طرأ ذلك بعد ما كان معدا للباس. أو صداق، عطف على قوله: لعاقبة؛ فهو مجرور؛ يعني أن الحلي إذا أعده صاحبه ليصدقه لامرأة يتزوجها أو يشتري به أمة يتسرى بها، فإنه تجب فيه الزكاة على المشهور. قال اللخمي: وكذلك إذا اتخذه ليلبسه لزوجة لم يتزوجها الآن، أو لجارية يتسرى بها بعد ذلك، أو لابنة له إذا كبرت أو إذا وجدت، فتجب الزكاة عند
стр. 1950
مالك وابن القاسم خلافا لأشهب. قاله الحطاب. وعطف على قوله: "محرما"، قوله أو منويا به التجارة؛ يعني أن الحلي المتخذ للتجارة تجب فيه الزكاة إجماعا، سواء كان لرجل أو امرأة، يريد: ولو كان أولا متخذا للقنية، ويزكيه لعام من يوم نوى به التجارة؛ أي يزكي وزنه كلّ عام إذا كان فيه نصاب أو عنده من الذهب والفضة ما يكمله نصابا. قاله الخرشي. وقوله: "منويا به التجارة"، قال عبد الباقي: أي البيع لا الكراء، لما مر من أن ما للكراء لا زكاة فيه، وسواء في كلام المصنف اشتراه لها أو نواه بعد كونه للقنية أو موروثا، فالزكاة إذا مضى له حول من يوم نيته به التجارة بخلاف العرض، والفرق: أن الأصل في الحلي الزكاة، والأصل في العرض عدمها، والنية سبب ضعيف تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، فإن نوى بالحلي القنية فلا زكاة، وإن لم ينو شيئا فالراجح وجوبها؛ وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب. انتهى.
قوله: فإن نوى بالحلي القنية فلا زكاة، قال محمد بن الحسن: أي نوى به القنية ابتداء، وأما إن كان منويا به التجارة ثم نوى به القنية فلا ينتقل بها، لقول التوضيح بعد أن ذكر أن النية تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه ما نصه: وينبغي على هذا إذا اشترى الحلي بنية التجارة ثم نوى به القنية أن النية لا تؤثر لكونها ناقلة عن الأصل. انتهى. قال التتائي: وربما أشعرت عبارة المصنف بعدم الزكاة فيما لو كبرت امرأة عن لبس حليها فنوت بيعه؛ وهو قول غير الصقلي، وللصقلي عن ابن حبيب: تزكيه احتياطا. انتهى. نقله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي عند قوله "أو منويا به التجارة": وإن لم ينو به تجارة ولا قنية زكاه على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب، وظاهر المصنف متابعته، ولو قال المصنف: أو غير منوي به القنية لمشى على المعتمد. انتهى. وقال الحطاب: ولو ورث حليا ولم ينو به تجارة ولا قنية، قال اللخمي في تبصرته: يزكيه على مذهب ابن القاسم: ولا يزكيه على مذهب أشهب، فرأى ابن القاسم أنه كالعين تجب فيه الزكاة ما لم تكن نيته للقنية؛ وهي استعماله، ورأى أشهب أنه كالعرض لا زكاة فيه حتى ينوي به التجارة: وإلى هذا ذهب مالك في مختصر ما ليس في المختصر، وبالغ المصنف على وجوب زكاة الحلي، بقوله: وإن رصع بجوهر؛ يعني أن الحلي الذي تجب فيه الزكاة تؤخذ منه، ولا يسقطها كونه مرصعا أي ملزقا بجوهر، والجوهر هنا ما له
стр. 1951
من الأجسام جوهرية كياقوت ولؤلؤ ونحوهما، وقوله: "رصع"، تصح قراءته بالتشديد والتخفيف على كلام الجوهري؛ لأنه قال: الترصيع التركيب، وقال: يقال رُصِعَ بالكسر. انتهى.
وزكى الزنة إن نزع بلا ضرر، هذه كيفية زكاة الحلي الرصع بالجوهر؛ يعني أن الحلي المرصع بالجوهر إذا كان يمكن نزعه من الجوهر المركب معه من غير ضرورة، ككسر بعض الجوهر أو غرم أي أجرة، فإنه ينزع منه وتزكى زنته؛ أي وزن ما فيه من العين كلّ عام إن كان نصابا أو دونه، وعنده من العين أو من عروض التجارة المدارة ما يكمل به النصاب، وسواء كان الجوهر تبعا للحلي أو غير تبع، وأما ما فيه من المعادن فإنه يزكى زكاة العروض إدارة واحتكارا. قاله الخرشي. وإلا تحرى، قوله: "وإلا"، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يمكن نزع الحلي من الجوهر أو أمكن مع ضرر، ظاهره ولو قل جدا فإنه يتحرى قدر زنته وتزكى كلّ عام، فإن استعمل وكان ينقصه الاستعمال تحرى قدر ما فيه كلّ سنة، وإلا اكتفى بتحريه أول عام وزكى، فإن أمكن تحقق وزنه كما ذكره القرافي عن أهل الهندسة أنهم يتوصلون إلى معرفة قدر ما فيه تحقيقا، لم يحتج للتحري. قال عبد الباقي: ولو بأجرة بلا مشقة. انتهى.
قال محمد بن الحسن: هذا ينافي ما ذكر أولا من أن الغرم من الضرر. انتهى. وقال عبد الباقي: قال التتائي: وسكت المصنف عن حكم الجوهر، وحكمه في المسألتين أنه يزكى كالعرض الدار والمحتكر، وظاهر كلامه كان الحلي تبعا للجوهر أو متبوعا وهو كذلك، وقيل: الأقل منهما تبع للأكثر. انتهى. وعبارة الخرشي: وقيل: الجميع عرض، وثالثها الأقل تبع للأكثر، وعلى المشهور فلو كان محتكرا ثم باع فض الثمن على قيمة الحلي، وقيمة الحجارة في ناب الحجارة زكاه الآن، ولا يزكي ما ناب الحلي لأنه زكاه أولا. عبد الحق: فتصير زكاته أولا على تحري الثمن، وفض الثمن حين البيع على القيمة لا على الوزن. انتهى. ويتضح ما قال بالمثال؛ وهو أن يكون الحلي خواتم ذهب أو فضة، اشتريت للتجارة فيها فصوص بيعت بمائة دينار، وزنة العين خمسون دينارا، فيقال: كم تساوي هذه الخواتم على ما هي عليه من صياغتها وصنعتها لو لم يكن فيها فصوص؟ فإذا قيل: ستون، قيل، فكم تساوي الفصوص على ما هي عليه إذا كانت
стр. 1952
مفردة عن الخواتم؟ فإذا قيل: عشرون، علمنا أنَّها ربع الصفقة، فلها ربع الثمن خمسة وعشرون؛ فيزكيها. انتهى.
وقال عبد الباقي: ما ذكر من زكاة الجوهر في المسألتين ظاهر فيما نوى به التجارة، وأما ما زكى لكونه معدا للعاقبة، فحكم عرضه حكم عرض القنية، لا زكاة فيه. وضم الربح لأصله؛ يعني أن ربح المال -أي النقد- حوله حول أصله، فمن عنده عشرة دنانير دون حول، فباعها بسلعة، ثم باع السلعة بعشرين دينارا قبل الحول: فيزكيها لتمام الحول عند ابن القاسم؛ لأن حول ربح المال حول أصله: فإن حصل الربح بعد الحول ضمه أيضًا وزكى ساعتئذ، وصار حولها فيما يأتي من يوم التمام. قاله عبد الباقي. وقوله: "وضم الربح"، قال ابن عرفة: الربح زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبا أو فضة، واحترز بثمن من زيادة ذات البيع كنموه كما إذا اشترى صغيرا للتجارة ثم باعه بعد ما كبر، زكى من الثمن قدر ما يباع به الآن لو بقي صغيرا، وما بقي ينوب نماؤه لا يزكى لأنه غلة لا ربح. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "وضم الربح"؛ أي والربح ذهب أو فضة، وإلا فلا ضم، ويجري على عرض الإدارة والاحتكار الآتي، ولذا قال ابن عرفة: الربح زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبا أو فضة. انتهى. وهو تعريف للربح الذي يزكى، وأما الربح مطلقًا فهو الزيادة على الأصل. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: الربح ما زاد من ثمن سلع التجارة على ثمنها الأول ذهبا أو فضة، قال ابن الحاجب: ونماء النقد ربح وفائدة وغلة، واحترز ابن عرفة بقوله: مبيع تجر، عن مبيع قنية، وقوله: "وضم الربح لأصله"، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وعن مالك: يستأنف أي يستقبل حولا من يوم حصول الربح، وقيل: يضم إلى الأصل بعد الشراء لا قبله؛ أي يستقبل حولا من يوم الشراء. انظر الشارح، والشبراخيتي.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قول المصنف: "وضم الربح لأصله": أي ربح غير الفوائد؛ إذ ربحها يستقبل به كأصلها. كما يأتي في قوله: "وإن نقصتا فربح" الخ، قال محمد بن الحسن: مثله في الخرشي، وأصله للأجهوري، وهو وهم منهم أوقعهم في ذلك ما ذكره الحطاب هنا في التنبيه الرابع، وسيأتي عند قوله: "وتضم ناقصة"، من أن الفائدة إذا حال حولها دون نصاب ثم كملت
стр. 1953
بعد شهر أو شهرين تزكى يوم التمام، ويكون حولها من يومئذ وهو صحيح ذكره ابن عرفة وغيره، فتوهموا منه أن الفائدة هي التي تضم لربحها؛ لأن حولها انتقل ليوم التمام وهو غير صحيح، بل ربحها هو الذي ضم لها، ولذا زكى الجميع يومئذ اعتبارا لحول الفائدة، وإنما انتقل لأنَّها لما مر عليها الحول أوَّلَا وهي دون نصاب لم يعتبر لعدم الوجوب حينئذ، فألْغِيَ واعتبر من يوم الوجوب. انتهى.
كغلة مكترى للتجارة، جعله عبد الباقي وغيره في حكم الربح، فتضم الغلة لأصلها فهو تشبيه في الضم للأصل، وقال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هي ربح حقيقة عند ابن القاسم، خلافا لقول أشهب: يستقبل بها فهو مثال، فالأحسن لو قال المصنف: كربح مكترى للتجارة، ومعنى كلام المصنف أن من كان عنده نصاب زكاه في رمضان، أو ملك في رمضان دون النصاب ثم اكترى به دارا للتجارة في ذي القعدة فأكراها في ذي الحجة بأربعين دينارا مثلا، فالحول رمضان، ومفهوم قوله: "للتجارة"، أنه لو اكتراها للسكنى ثم أكراها لأمر حدث له فلا تضم الغلة للأصل وإن كثرت، بل يزكيها لحول من يوم قبضها، ومفهوم أيضًا أن غلة ما اشتري للتجارة لا يضم بل يستقبل بها كما يصرح به.
وقوله: "وضم الربح لأصله"، سواء كان نصابا أم لا، وقوله: "كغلة مكترى"، قد مر عن محمد بن الحسن: أنه ربح حقيقة، وأوضح ذلك بما في التوضيح، قال التونسي: وقول ابن القاسم أبين لأنه إنما اشترى منافع الدار بقصد الربح والتجارة، فإذا أكراها فقد باع ما اشتراه، بخلاف غلة ما اشترى. انتهى. قال: فقد بان به أنه ربح حقيقة لا حكما. انتهى. قوله: "كغلة"، قال في القاموس: الغلة الدخل من كراء دار، وأجرة غلام، وفائدة أرض. وأغلت الضيعة أعطتها، وقال في مادة دخل: والدخل الداء البطاء والعيب والريبة، ويحرك ما دخل عليك من ضيعتك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: فظهر من هذا أن الغلة من غل في الشيء أدخل، أو من غل بمعنى دخل كانغل وتغلل وتغلغل. قاله في القاموس. انتهى. وبالغ على ضم الربح لأصله، بقوله: ولو ربح دين لا عوض له عنده؛ يعني أن الربح يضم إلى أصله، ولو كان الربح ناشئا عن دين لا عوض له عنده؛ أي ليس عنده ما يجعله في مقابلته؛ أي الدين أصل الربح، وما قبل المبالغة
стр. 1954
حيث كان عنده ما يوفي به دينه، فإذا تسلف دنانير عشرين مثلا فباعها بسلعة، فباعها بعد حول بخمسين، فإنه يزكي الثلاثين الربح وينظر للعشرين الباقية، فإن كان عنده ما يجعله فيها زكى، وإلا فلا، وكذا لو اشترى سلعة بعشرين في ذمته فباع السلعة بخمسين بعد حول، فإنه يزكي الثلاثين الربح، وينظر للعشرين الباقية، فإن كان عنده ما يجعله فيها زكى وإلا فلا، وهذا بشمل ما إذا اشترى السلعة للتجارة أو للقنية ثم بدا له التجر فيها، وكذا لو تسلف عرضا للتجارة، ويشترط فيما يزكى من الربح كونه نصابا كما مثلت، وإلا لم يزكه، ولو كان الأصل المجعول في مقابلة الدين نصابا.
ابن رشد: حول الذي تسلف الدنانير وتجر فيها محسوب من يوم تسلف الدنانير؛ لأنه ضامن لها بالتسلف، وفي عينها الزكاة، وحول ربح الذي تسلف العرض وتجر فيه محسوب من يوم تجره في العرض، لا من يوم التسلف، من أجل أن العرض لا زكاة في عينه، وحول ربح الذي اشترى العرض وتجر فيه محسوب من يوم اشتراه إن كان اشتراه للتجارة، وإن كان اشتراه للقنية ثم بدا له فتجر فيه فهو محسوب من يوم باعه، وقيل: من يوم نض ثمنه في يده. قاله الحطاب. ومثل ما إذا اشترى العرض للقنية ما إذا تسلفه للقنية، وللشيخ علي الأجهوري:
وحول القرض من يوم اقتراض … إذا عينا يكون بلا خفاء
ويوم التجر أول حول عرض … تسلفه لتجر للغناء
ومن يكن اشترى عرضا لتجر … فإن الحول من يوم الشراء
وإن عرضا لقنية اشتراه … ويبدو التجر فيه للنماء
فأول حوله من يوم بيع … له فاحفظ وقيت من الرداء
ونظر محمد بن الحسن في كون حول عرض القنية من يوم البيع، وقال: إن حول عرض القنية إذا باعه بحالٍّ فمن يوم القبض اتفاقا، وإن باعه بمؤجل ففيه طريقان: إحداهما أن حوله من يوم القبض أيضًا وهو مذهب المدونة، والثانية أن حوله من يوم البيع وهذه طريقة ابن رشد في عرض القنية وهي ضعيفة؛ لأنَّها خلاف مذهب المدونة.
стр. 1955
وقد خطَّأ ابنَ رشد بعضُ الشيوخ في هذه المسألة كما في المواق عند قوله: وإنما يزكى دين، وما في الزرقاني أصله في الحطاب، وقد أجاب بعض شيوخنا بأن ما ذكراه فيما إذا بدا له في العرض التجر وباعه بنيته، وما في الطريقتين وتخطئة ابن رشد إنما ذلك إذا باع عرض القنية غير ناو به التجارة، فبينهما فرق. والله أعلم. وقد تقدم أن من أعطي له مال يتجر فيه والربح له ولا ضمان عليه، يستقبل بالربح اتفاقا، وفهم من المصنف بالأحروية أنه إن كان عنده مثل الثمن الذي اشترى به ولم ينقده حتى حال الحول، أنه يزكي الربح لحول الأصل وهذا هو المشهور، وقيل: لحول الشراء، وقيل: يستقبل به حولا. قاله الحطاب. وإذا كان بيده دون النصاب وحال عليه الحول ثم اشترى به سلعة وباعها بعد يوم أو شهر أو شهرين، فإنه يزكي الجميع يوم يبيع، ويكون حوله من يومئذ، وأما لو كان عنده نصاب وحال عليه الحول ولم يزكه، ثم اشترى به سلعة فباعها بعد حول بيوم أو شهر أو شهرين، فإنه يزكي المال الذي حال عليه الحول، ولا يزكي الربح إلَّا لحول من يوم وجبت الزكاة في أصله. قاله في سماع ابن القاسم، من كتاب الزكاة. والله أعلم. قاله الحطاب. وما قاله ظاهر؛ لأنه لم يبع المال إلَّا بعد أن وجبت فيه الزكاة، وحول ربح المال حول أصله، وحول الأصل هنا هو وقت وجوب الزكاة فيه، وتأخير إخراج الزكاة لا ينقل عن الحول، فوجب تأخير إخراج زكاة الربح لحول الأصل الذي هو وقت وجوب الزكاة فيه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
ولمنفق بعد حوله مع أصله وقت الشراء، الظرف الأول يتعلق بمنفق، والأخيران يتعلقان بمحذوف، حال من منفق أو صفة له، وقوله: لنفق بفتح الفاء بصيغة اسم المفعول صفة لموصوف محذوف، والمعنى أنه كما يضم الربح لأصله، يضم هو أي الربح لمال منفق أي أُذْهِبَ في نفقة مثلا بعد مرور الحول عليه، حال كون المال المنفق موجودا مع أصل الربح وقت الشراء، وبالضرورة أنه إذا كان موجودا وقت الشراء كان إنفاقه موجودا بعد الشراء، ويوضح ذلك تمثيله في المدونة بمن عنده عشرة دنانير حال عليها الحول، فاشترى منها بخمسة سلعة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فإنه يزكي عشرين منها الخمسة المنفقة لمرور الحول عليها مع الخمسة التي هي أصل الربح تقديرا لوجود الربح يوم الشراء، فالشراء والإنفاق بعد الحول والإنفاق متأخر
стр. 1956
عن الشراء، ومفهوم كلامه أنه لو أنفق الخمسة قبل مرور الحول أو بعده، وقبل شراء السلعة ثم اشتراها بالخمسة الباقية، فباع بخمسة عشر فلا ضم لأن المال المنفق والمشترى به في الأولى لم يجمعهما الحول، ولتأخر الشراء عن الإنفاق في الثانية، فلم يجتمع المال المنفق مع الربح المقدر وقت الشراء، وإذا انتفى الضم في الصورتين فلا زكاة كما هو واضح. والله سبحانه أعلم.
وبما قررت علم أن الضمير في "أصله"، للربح وما مشى عليه المصنف هو المشهور، وقيل: عليه الزكاة، أنفق قبل الشراء أو بعده، وقال أشهب وابن حبيب: لا زكاة عليه أنفق قبل الشراء أو بعده حتى يبيع بعشرين. قاله الشارح.
واستقبل بفائدة؛ يعني أن الفائدة لا تجب فيها الزكاة بمجرد ملكها، بل يستقبل بها حولا من يوم قبضها، قال الشارح: لا خلاف أعلمه أن الفائدة يستقبل بها حولا من يوم قبضها، وهو مروي عن عائشة وعلي وعثمان وابن عمر وغيرهم ﵃. انتهى. وقال عبد الباقي: واستقبل بفائدة نصابا في مرّة أو مرات من يوم قبضه، أو من يوم تمامه، وبين المؤلف الفائدة بقوله: تجددت لا عن مال؛ يعني أن الفائدة هي المال الذي ملك لا عن عوض، فخرج بهذا القيد الربح والغلة. وقوله: "تجددت لا عن مال"، صفة كاشفة، ومثل لها بقوله: كعطية، من هدية وهبة لغير ثواب وصدقة وكميراث، ومن الفائدة نصاب ناشئ عن عمل يد زاد عن نفقته، فيستقبل به من حين تمامه ويدخل في قوله الآتي: وعن إجارة أو عرض مفاد قولان، والمذهب منهما الاستقبال، وما زاد على ذلك مما ذكر في وقت آخر أو أوقات، فإنه يضبطه ليمر حوله. وفي كلامهم [عند] (١) قوله: أو مر لكموجر نفسه الخ، ما يوافق هذا، فإن نسي أوقات ما زاد مما تقدم أنه يجعل فائدة جرى فيه قوله الآتي: "وضم لاختلاط أحواله آخر لأول عكس الفوائد".
وسئل سحنون عن الذي يتصدق على الرجل بألف درهم، وعزلها المتصدق فأقامت سنين فلم يقبلها المتصدق عليه أو قبلها، قال: إن قبلها استقبل حولا وسقط زكاة ما مضى من السنين، وإن لم يقبلها رجعت إلى صاحبها وأدى عنها زكاة ما مضى من السنين. وفي النوادر من رواية سحنون عن ابن القاسم: إن قبلها المتصدق عليه استقبل بها حولا ولم تسقط زكاتها عن المتصدق بالكسر،
стр. 1957
ووجه قول سحنون: أنه لما تصدق المتصدق بالدنانير -وللمتصدق عليه أن يقبل وأن لا يقبل- صارت الصدقة موقوفة على قبوله، فإن قبل خرجت عن ملك المتصدق يوم تصدق بها فلم تجب عليه زكاتها، ووجه قول ابن القاسم أن المتصدق عليه لما كان له أن يقبل وأن يرد بما أوجب له المتصدق على نفسه، وكان إن قبل وجبت له الصدقة بالقبول، وجب أن لا تخرج عن ملك المتصدق إلَّا بالقبول، فكان عليه زكاتها. قاله ابن رشد. ثم قال: ولو كانت هذه الصدقة مما له غلة لكانت الغلة على قول ابن القاسم للمتصدق إلى يوم القبول إن قبل، وعلى قول سحنون: تكون للمتصدق عليه إن قبل. ونقله ابن عرفة إثر كلامه على زكاة الموهوب، وفي الشامل: ولا زكاة في الغنيمة على المشهور. قاله الحطاب.
أو غير مزكى؛ يعني أن الفائدة كما في الشبراخيتي نوعان: أحدهما: هو الذي تقدم وهو المتجدد لا عن مال كعطية وميراث، والثاني: هو المال الذي تجدد عن مال غير مزكى وهي بهذا المعنى أعم منها الفائدة المتقدمة في قوله: "وضمت الفائدة له"، وقوله: "أو غير" عطف على معنى قوله: "لا عن مال"؛ أي تجددت عن غير مال أو عن مال غير مزكى. نقله بناني. ومثل للمتجدد عن مال غير مزكى بقوله: كثمن مقتنًى؛ يعني أن من عنده عرض للقنية لا زكاة فيه؛ أي لا تجب الزكاة في عينه كثوب أو عبد أو دار أو نحو ذلك فباعه بعين يستقبل بها حولا كاملا من يوم قبضها، فالمعتبر يوم قبض الثمن، سواء باع هذا المقتنَى بنقد وقبض ثمنه فورا. أو أخر قبضه ولو فرارا، أو باعه بمؤجل ولو أخر قبضه فرارا. هذا هو ظاهر المصنف هنا كظاهر المدونة. ويرد على حد المؤلف المعشرات بعد إخراج زكاتها، فإنها إذا بيعت ثمنُها فائدة، وهو ثمن مزكى إلَّا أن يقول بعد إخراج عشرة صار غير مزكى؛ لأن المراد بالمزكى ما تكرر زكاته كلّ سنة، وقول المصنف بعد لا عن مشترى للقنية وباعه لأجل الخ، طريقة لابن رشد مخالفة لظاهر المدونة. واحترز بثمن المقتنى غير المزكى عما إذا كان المقتنى ماشية وأبدلها بعين نصاب، فإنه يبني على حول الأصل إن كانت الماشية نصابا، فإن كانت الماشية دون نصاب وأبدلها بعين استقبل كما تقدم؛ أي لأنَّها ثمن غير مزكى، واحترز بثمن المقتنى أيضًا عما تجدد عن عرض التجارة فإنه يزكى لحول أصله
стр. 1958
كما مر عند قوله: "وضم الربح لأصله"، وقال الأمير: واستقبل بفائدة، وهي متجدد لا عن متجر به. انتهى.
وتضم ناقصة وإن بعد تمام لثانية أو لثالثة، يعمي أن الفوائد إذا تعددت، فإن كانت الأولى ناقصة عن النصاب فإنها تضم للثانية، سواء عرض لها النقص بعد أن كانت نصابا تاما، أو كانت أول أمرها دونه، فإذا ضمت الأولى للثانية صارتا كأنهما فائدة واحدة، وتضم الناقصة للثانية سواء كانت الثانية نصابا أو دونه، وحصل من مجموعهما نصاب فيكون حولهما من يوم قبض الفائدة الثانية، وإذا استفاد ثالثة بقيت على حولها، فإن لم يحصل من مجموع الأولى والثانية نصاب ضمتا إلى الثالثة، ويكون الجميع كفائدة واحدة حوله من يوم قبض الفائدة الثالثة، وهكذا إلى أن يكمل النصاب. وقوله: "ناقصة"، حال؛ أي وتضم الفائدة حال كونها ناقصة، أو نائب فاعل تضم، أي فائدة ناقصة. قاله الشيخ إبراهيم. ومن أمثلة ما مر: ما لو ملك في رمضان عشرة دنانير بهبة أو نحوها أو عشرين، ثم نقصت حتى صارت عشرة، ثم ملك في شوال عشرة بنحو ذلك، فيكون حوله من يوم ملك العشرة الثانية، ولو ملك خمسة في رمضان ثم عشرة في ذي الحجة، ثم ملك خمسة في المحرم فإنه تضم الأولى والثانية للثالثة، وتصير الثلاث كفائدة واحدة ويكون حوله من المحرم.
إلا بعد حولها كاملة؛ مستثنى من قوله: "وإن بعد تمام"، يعني أن ما تقدم من ضم الأولى للثانية مع عروض النقص للأولى بعد تمامها إنما هو حيث لم تنقص بعد حولها كاملة وبعد تزكيتها، وفيها مع ما بعدها نصاب، وأما إن نقصت الأولى بعد مرور الحول عليها كاملة وبعد تزكيتها وفيها مع ما بعدها نصاب، فإنها تزكى على حولها الأول، لا تضم لما بعدها، وتزكى كلّ واحدة في حولها بالنظر للأخرى ما دام في مجموعهما نصاب، كعشرين دينارا محرمية، واستمرت بيده إلى أن حال عليها الحول، ثم نقصت وصارت عشرة فإنها تبقى على حولها، ولا تضم لما بعدها ناقصا كان أو كاملا، وتزكى كلّ واحدة بالنظر للأخرى، فتزكى الأولى عند حولها بالنظر للثانية، والثانية عند حولها بالنظر للأولى حيث كان في مجموعهما نصاب، كما لو كانت الثانية رجبية وهي عشرة، فإن في مجموعهما نصابا، فإن مر عليهما حول وهما ناقصتان كانتا كالناقصتين
стр. 1959
ابتداء فتضمان لما بعدهما، وإن كملتا قبل مرور حول عليهما ناقصتين بربح، فإن كلّ واحدة تبقى على حولها. قاله الشيخ إبراهيم.
وقوله: "فعلى حولها"؛ أي ولا تضم الثانية الناقصة للثالثة؛ لأن الأولى لما استقر لها حول صار ما بعدها مستقلا في حوله لتقدم ملك النصاب، فلم يلزم اعتبار الحول فيما هو دون النصاب. قال عبد الباقي: ويشكل على مسألة المصنف أن الأولى والثانية لم يجمعهما ملك وحول، ولعله مبني على قول أشهب، وهذا غير ما للشارح، فإن نقص مجموعهما عن نصاب، فإن مر عليهما حول وهما ناقصتان فكالناقصتين ابتداء، فيضمان لما بعدهما، وإن كملتا قبل مروره بقيت كلّ على حولها، فعلم من هذا أن ضم الناقصة أصالة أو عروضا لما بعدها محله إذا استمر بها النقص حتى أتى حول الثانية، أما إن حصل فيها ربح تصير به نصابا قبل تمام حولها أو عنده، فلا ضم، ويجري فيها الأوجه الخمسة الآتية في الراجعتين. انتهى. قوله: ثم يشكل على مسألة المصنف أن الأولى والثانية لم يجمعهما حول؛ أي إذا تجددت الثانية بعد حول الأولى ونقصانها بعد الكمال، فتبقى الأولى على حولها، وتزكى في الحول الثاني باعتبار الثانية مع أنهما لم يجمعهما حول كامل، ولذا استظهر في التوضيح قول ابن مسلمة بضم الأولى للثانية، كما لو نقصت قبل حولها، قائلا: خلافا لما رجحه ابن راشد وابن عبد السلام؛ لأنا إذا لم نقل بانتقال الأولى إلى الثانية لزم أحد أمرين، إما زكاة ما دون النصاب أو زكاة المال قبل حوله، وكلاهما لا يصح، لأنهم إما أن يقولوا بزكاة الفائدة الأولى مع قطع النظر عن الثانية أو لا، فإن قالوا بها مع قطع النظر لزم زكاة ما دون النصاب، وإن قالوا بها لا مع قطع النظر لزم تزكية المال قبل حوله؛ إذ الفرض أن الثانية لم يحل حولها، وأجاب الشارح بأنا نلتزم الثاني، ولا تكون فيه زكاة قبل الحول؛ لأنا إذا أخرجنا زكاة الأولى إنما نخرج ما يخصها، فإذا جاء حول الثانية زكيناها، ولسنا نزكيهما في حول الأولى حتى يلزم ما قال التوضيح. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقوله: وهذا غير ما للشارح؛ أي هذا الجواب غير جواب الشارح، وأما الجواب بالبناء على قول أشهب فمعترض بأن أشهب يقول بتعجيل زكاة الأولى قبل حول الثانية كما هنا، وإنما يوجب الإخراج عن الأولى بعد مضي حول الثانية كما يأتي عنه، وقوله: فإن نقص مجموعهما الخ، هذا مفهوم
стр. 1960
قوله: أوَّلًا: إلَّا بعد حولها كاملة، وفيها مع ما بعدها نصاب، وهو فقه حسن. وقوله: ويجري فيه الأوجه الخمسة الآتية، فيه نظر؛ لأن الأوجه الخمسة المذكورة إنما هي ظاهرة في الناقصتين بعد التمام والحول -كما يأتي-، وفي ذلك فرضها في المدونة وابن الحاجب وغيرهما، وأما الناقصتان ابتداء أو بعد التمام وقبل الحول فلا تجري فيها تلك الأوجه، إلَّا إذا حصل في الأولى من الربح ما كمل فيها نصابا؛ بأن تجر فيها وحدها أو فيهما ونابها في الفض ما كملها نصابا، وأما إن تجر في الثانية فقط أو ناب الأولى أقلّ من نصاب، فتضم للثانية قطعا.
تنبيه: كلام المصنف في العين -كما علمت- وأما الماشية، فقد مر أن الفائدة تضم للنصاب السابق، والفرق أن العين موكولة لأمانة أربابها فيزكونها بعد الحول، فلم يكن في تكرير إخراجها في العام أكثر من مرّة مشقةٌ، وأما الماشية فإنما يأخذ زكاتها الساعي؛ وهو لا يخرج في العام إلَّا مرّة واحدة لشقة تكرر الخروج عليه، فضمت فائدتها للنصاب. قاله عبد الحق. واعترضه اللخمي وغيره بأن هذا الحكم جارٍ فيمن لا سعاة لهم. أبو إسحاق: ولعله لا كان هكذا في السعاة جعل أصلا مطردا (١)).
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وبهذا تعلم أن قول الأجهوري هنا في الماشية، وأما من لا ساعي لهم أولهم ولا يصل إليهم، فحولهم في الماشية كحولهم في العين، ففائدة الماشية بالنسبة إليهم كفائدة العين في عدم الضم للنصاب، وفي الاستقبال بها إلى آخر كلامه باطل لمخالفته للمنصوص، فإنه استدل له بما لا دليل فيه. والله أعلم.
كالكاملة أولا، تشبيه في عدم الضم، ومعنى كلام المصنف أن الفائدة الأولى إذا كانت كاملة أي بالغة للنصاب أولا؛ أي عند القبض، واستمرت على كمالها بحولها، فإنها لا تضم لكاملة بعدها، وهذه كالدليل لما قبلها فلا يستغنى بالتي قبلها عنها، وقد اشتمل كلام المصنف على الفوائد الأربع التي في ابن رشد؛ وهي الكاملتان والناقصتان، والأولى ناقصة دون الثانية، والأولى كاملة والثانية ناقصة، فالكاملتان لا ضم فيهما، وكذا لا ضم فيما إذا كانت الأولى كاملة والثانية ناقصة، وأما الناقصتان فتضم الأولى لما بعدها، وكذا لو نقصت الأولى وتمت الثانية، واستفيد من
стр. 1961
قوله: "إلَّا بعد حولها كاملة"الخ، أن الكاملة لا تضم للتي بعدها، سواء كانت الثانية كاملة أو ناقصة، واستفيد ضم الأولى الناقصة للثانية سواء كانت الثانية ناقصة أو كاملة، من قوله: وتضم ناقصة الخ، وقوله: "كالكاملة أولا"، كمالها إما من أصلها كما إذا استفاد عشرين دينارا واستمرت بيده حتى حال عليها الحول، أو كانت دون النصاب وربح فيها ما كملت به نصابا قبل حولها؛ لأن الربح يضم إلى أصله، قال مالك: من أفاد خمسة دنانير ثم أفاد بعد خمسة أشهر خمسة أخرى، فتَجَرَ في الخمسة الأولى، فربح فيها نصابا زكى كلّ فائدة لحولها، ولو تَجَرَ في الخمسة الثانية قبل تمام حولها، فربح فيها خمسة عشر فأكثر، أضاف الخمسة الأولى إلى حول الثانية.
وحاصل في مر: أنه إن استمر كمال الأولى وما في حكمه للحول، يزكي جميع الفوائد كلّ على حولها، كان ما بعد الأولى بالغا للنصاب أم لا، نقصت الأولى بعد ذلك أم لا، ولابد أن يكون في مجموعهما نصاب -كما مر- وإلا ضما لما بعدهما إن مر عليهما الحول وهما ناقصتان، وأما إن نقصت الأولى ابتداء أو بعد تمام، وقبل مرور الحول عليها تامة، فإنها تضم لما بعدها إلى أن يتم النصاب، فيكون ذلك كفائدة واحدة، وبعد ذلك تزكى كلّ فائدة على حولها.
وإن نقصتا فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب عند حول الأولى أو قبله فعلى حوليهما؛ يعني أن الفائدتين إذا نقصتا أي نقص مجموعهما عن النصاب بعد التمام وجريان الزكاة في كلّ، ولم يستمرا على نقصهما، بل تجر فيهما أو في إحداهما، وحصل الربح فيهما أو في واحدة منهما بما يتم به النصاب، وعلم عين التي حصل فيها الربح حيث ربح في إحداهما، فإن كمال النصاب لا يخلو من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون عند كمال حول الأولى أو قبله، فإن الفائدتين في هذين الوجهين تزكى كلّ واحدة منهما على حولها، كما لو كانت عنده عشرون محرمية وعشرون بعدها رجبية، زكى كلا منهما لمرور الحول عليها تامة، ثم نقصتا أي نقص مجموعهما عن نصاب، فتجر فيهما أو في إحداهما ما يتم به النصاب فيهما، وحصل تمام النصاب عند حول المحرمية وهي الأولى أو قبله، فتزكى كلّ واحدة منهما على حولها، فتزكى المحرمية في المحرم والرجبية في رجب، وقوله: "وإن نقصتا فربح" الخ، تحته صورتان: إحداهما: هي التي ذكرتها لك،
стр. 1962
ثانيتهما: أن تكون الأولى التي استفادها عشرين، والتي استفادها ثانيا عشرة، وحال حول الأولى وهي كاملة وزكاها، ثم بعد حول الثانية نقص كلّ منهما ولم يبق منهما إلَّا عشرة، فالدار على تقرر الحول لكل منهما فربح فيهما عشرة أو ربحها في إحداهما وعلم عينها، فإنه يزكي كلّ واحدة على حولها، فإذا علم ربح كلّ واحدة زكاه معها فيما إذا ربح فيهما، وإن ربح في واحدة منهما وعلم عينها زكاه معها: وإن جهل عينها جعله للثانية لا للأولى ليلا يلزم زكاته قبل حول محقق، كذا ينبغي. قاله عبد الباقي. فإن ربح في الفائدتين ولم يعلم ما يخص الأولى من الثانية بأن خلطهما، فإنه يفض الربح على حسب عدديهما، ويزكي ربح كلّ على حولها، وإلى هذا أشار بقوله: وفض ربحهما؛ أي إذا خلطهما وتجر فيهما مخلوطين فإنه يجعل الربح بينهما على حسب عدديهما؛ فإذا تساوى عددهما فلكل منهما نصف الربح، وإذا كانت إحداهما عشرة مثلا والأخرى خمسة كان للفائدة العشرة الثلثان وللأخرى ثلثه، وأشار إلى ثاني الأوجه الخمسة بقوله: وإن بعد شهر فمنه؛ يعني أنه إذا حصل الربح بما يتم به النصاب في الفائدتين، سواء ربح في إحداهما أو فيهما تمام نصاب، فإن كان ذلك عند حول الأولى أو قبله فهو ما مر، وأما إن حصل الربح فيهما أو في إحداهما بما يتم به النصاب بعد شهر من حول الأولى وقبل حول الثانية، فإن حول الأولى ينتقل لوقت تمام النصاب ويصير مبتدءا منه، فقوله: منه أي من تمام النصاب، وقوله: "وإن بعد شهر"، لا خصوصية للشهر، بل المراد أن يكون بعد حول الأولى وقبل حول الثانية، وأشار إلى ذلك في التوضيح. قاله الحطاب. وأما الفائدة الثانية، فإنها تبقى على حولها، وهو رجب في المثال المتقدم، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: وعند حول الثانية؛ يعني أنه إذا تم النصاب عند حول الثانية بسبب ربح في إحداهما أو فيهما؛ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: أو شك فيه به لأيهما، اللام بمعنى: عند، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه إذا شك في حصول الربح الذي تم به النصاب، هل حصل عند حول الأولى أو عند حول الثانية أو بينهما؟ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأما لو شك هل حصل الربح عند حول الأولى أو الثانية أو بينهما أو بعدهما؛ فإنه يجب انتقاله للأبعد.
стр. 1963
وبما قررت علم أن قوله: فمنه؛ أي من حول الثانية، جواب عن الوجهين قبله، وهما قوله: "وعند حول الثانية"، وقوله: "أو شك فيه لأيهما"، معناه ما قررته به، وليس معناه أنه شك هل حصل الربح في الأولى أو في الثانية، فيزكيان عند حول الثانية؛ لأن في ذلك تفصيلا، ففي الناقصتين ابتداء أو قبل جريان الزكاة في واحدة منهما يجعل للثانية، ويكون الحول فيهما من حول الثانية، وأما الراجعتان للنقص بعد جريان الزكاة فيهما أو في الأولى، فإنا لو تحققنا أن الربح إنما نشأ عن الثانية لم يجعل حول الجميع من حولهما، بل ينظر متى حصل الربح بالأوجه المتقدمة. قاله الحطاب. ولو شككنا في الربح لأيهما لجعل للثانية، لكن الأولى لا ينتقل حولها. قاله الشبراخيتي.
واعلم أن هذه الأوجه الخمسة التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل. واعلم أن هذه الأوجه الخمسة لا تجري في الناقصتين ابتداء، أو بعد التمام وقبل الحول إلَّا إذا حصل في الأولى من الربح ما كمل فيها نصابا، بأن تجر فيها وحدها أو فيهما ونابها في الفض ما كملها نصابا، وأما إن تجر في الثانية فقط أو ناب الأولى أقلّ من نصاب فتضم للثانية قطعا. واعلم أن قوله: "وفض ربحهما"، يجري في جميع وجوه هذه المسألة، وكذا قوله: "فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب". واعلم أنه إذا شك في الربح لأي الفائدتين، فإنه يجعل للثانية، وسواء في ذلك الناقصتان ابتداء، فتضم الأولى للثانية، والراجعتان للنقص. والحول فيهما على ما قال المص. والله أعلم.
وإن حال حول الأولى وفيهما ما تجب فيه الزكاة، فزكى الأولى فنقصتا عما فيه الزكاة، فحل حول الثانية -وهما حينئذ ناقصتان- فلم يزك شيئًا ثم رجعا قبل أن يحول حول الأولى إلى ما فيه الزكاة، فإنه يصير يومئذ حول الثانية، وتبقى الأولى على حولها، ويصنع في الربح كما وصف، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله، ثم رجعا إلى ما لا زكاة فيه إذا جمعا، ثم أتى حول الأولى وهما ناقصتان عما تجب فيه الزكاة فترك تزكيتهما، ثم بعد شهر وقبل أن يأتي حول الثانية ربح فيهما أو في إحداهما ما فيه النصاب، فإنه يزكي الأولى حينئذ ويترك الثانية إلى حولها، ثم بعد أن ترك الثانية إلى حولها نقصتا عما تجب فيه الزكاة، وأتى حول الثانية وهي ناقصة فترك
стр. 1964
تزكيتها، ثم بعد أشهر رجعتا بالربح فيهما أو في إحداهما إلى ما فيه الزكاة، فإنه يزكي الثانية الآن وتبقى الفائدة على هذين الحولين، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله ثم رجعتا بعد أن زكى إحداهما إلى ما لا تجب فيه الزكاة، ثم رجعتا جميعا إلى ما تجب فيه الزكاة بالربح فيهما أو في إحداهما قبل أن يأتي حول الثانية بقيتا جميعا على حوليهما المتقدمين بأعيانهما، تزكى كلّ واحدة على حولها بربحها الذي ربحه فيها، وإن كان قد خلطه فض الربح عليهما فزكى مع كلّ واحدة منهما ما ينوبها من الربح، وإن كان الربح في إحداهما زكاها بربحها وزكى الأخرى بغير ربحها. انتهى من البيان. نقله الحطاب.
وفي النوادر: ومن كتاب ابن سحنون: ومن أفاد خمسة عشر دينارا ثم إلى ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين جميعا، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فيها فربح ثلاثة، فليقسم الربح على المالين فينوب الْخَمْسَةَ عشر ديناران ونصف، والثلاثة نصف دينار، ويبقى المالان [على حولهما] (١)، يريد حول آخرهما، ولو ربح ستة دنانير وقع للمال خمسة فيصير بربحه ما فيه الزكاة، فيزكيه لحوله والمال الثاني لحوله؛ يريد إذا كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول آخرهما، ولو ضمهما حول آخرهما قبل الربح لم يرجعا إلى حولين، ويبقى حولهما واحدا، ولو تجر في المالين فربح ستة دنانير ثم لم يدر أيهما هو فليزكهما على حول آخرهما ولا يفضهما بالشك فقد يزكى الأول قبل حوله، وأشار إلى الوجه الخامس بقوله: كبعده؛ يعني أن الربح الذي تم به النصاب إذا حصل بعد حول الفائدة الثانية، فإن حول الفائدتين جميعا يكون من وقت التمام، فالتشبيه في مطلق الانتقال لا أن الحول ينتقل لحول الثانية، والمجرور بالكاف محذوف وبعد منصوب على الظرفية بالمجرور المحذوف، والتقدير كحصول الربح بعده أي بعد حول الثانية، والذي أحوج إلى هذا التقدير أن بعد من الظروف التي لا تجر إلَّا بمن، أو إلى، كما قاله الرضي. قاله غير واحد.
واعلم أن هذه الصور الخمس التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيهما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل، وقد مر هذا، وقول عبد
стр. 1965
الباقي: واعلم أن هذه الست صور، صوابه الخمس صور، قاله محمد بن الحسن. وقد مر أن الفائدتين لو استمرتا على النقص حولا كاملا فإن حولهما يبطل ويضمان لما بعدهما، وكذا إذا حصل ذلك في أكثر من فائدتين.
وإن حال حولها فأنفقها ثم حال حول الثانية ناقصة، فلا زكاة؛ يعني أن الفائدة الأولى التي لا تضم لما بعدها؛ إذا حال حولها ثم أنفقها قبل حول الثانية، أو ضاعت منه قبله، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب؛ فإنه لا زكاة فيها، قال الشبراخيتي ممثلا للمصنف: فإذا كان عنده فائدتان لا تضم إحداهما للأخرى، كما لو كان عنده عشرون محرمية حال عليها الحول وزكاها ثم صارت بعد الحول عشرة واستفاد بعد ذلك عشرة، فإنه إذا جاء المحرم وعنده العشرة يزكيها، فإذا أنفقها بعد الزكاة فلا زكاة عليه في العشرة الرجبية لقصورها عن النصاب، هذا هو الذي ينبغي حمل كلام المصنف عليه، وأما ما حمله عليه المواق من أنهما فائدتان تضم إحداهما للأخرى فغير جيد. انتهى. أي لأنه لا يقال في مثل هذا: حول الأولى؛ لأنَّها لا حول لها إلَّا حول الثانية، وجعل الحطاب كلام المصنف شاملا للصورتين.
وقال محمد بن الحسن: هو الصواب، ومعناه أنَّها مر عليها حول وإن لم يكن حولا شرعا، وفي المدونة: ومن أفاد ما فيه الزكاة ثم أفاد بعده بستة أشهر ما لا زكاة فيه فزكى الأول لحوله، ثم أنفقه قبل حول الثاني، فإذا حل حول الثاني لم يزكه إلَّا أن يكون عنده مال أفاده معه أو قبله وبعد الأول ولم يتلفه وفي هذا الأوسط مع المال الثالث ما فيه الزكاة، فليزكهما لحول آخرهما. انتهى. وقال في التوضيح: لو ملك عشرة في المحرم وعشرة في رجب، وحال حول المحرمية ثم أنفقها أو ضاعت، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب، فقال ابن القاسم: لا زكاة لأنه يشترط اجتماعهما في الملك، وكل الحول، ولم يحصل الاجتماع في كلّ الحول، وقال أشهب بوجوب الزكاة؛ لأنه إنما يشترط اجتماعهما في بعض الحول، قال: واحترز بقوله: ضاعت الأولى، عما إذا ضاعت الثانية، فإنهما يتفقان على سقوط الزكاة، ولو أنفق الأولى قبل حولها أي الأولى، فإنه لا خلاف في سقوط الزكاة إذ ذاك، ولو حال حول الثانية كاملة فإنهما يتفقان حينئذ على وجوب الزكاة في الثانية ويختلفان في الأولى. قاله الحطاب.