خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، والسارق من الغنيمة يقطع، ويحد واطئ أمة منها، وذلك يدلُّ على أنَّها محوزة لا مملوكة أو ملكها ضعيف. والله سبحانه أعلم.
وأما المدعون أن الأموال لهم وأنه لا شيء منها للمستظلين، ويزعمون أنَّها مأخوذة منهم قهرا، وأنهم لا يمكنهم أخذ أموالهم إلَّا بأمر يفضي إلى القتال أو ما يختل به النظام ومع ذلك يحبونهم كأحب الخلق إليهم من الأقارب أو أشد ولا يألون في الذب عنهم بالنفس والمال والحيل وغير ذلك مما يمكن به الذب، فالذي يظهر أن هذا أمر لا يعذرون به لوجوب الزكاة كتابا وسنة وإجماعا، ولأنه لا صلاة لمن لا زكاة له، ولا زكاة لمن لا صلاة له، هذا ويدل حالهم معهم أنهم غير معذورين في ذلك، كما لا يخفى ذلك على من تأملهم. وبالله تعالى التوفيق. وأيضا إن أدوا زكاتها إلى أحد غيرهم، فذلك هو ثالثة الأثافي بينهم، واستدلال ذلك الفتي أيضًا بقول المصنف كملا، وهو حجة عليه لا له؛ لأن ذلك مخرج لملك العبد، وأما الحر فكامل الملك، وبالجملة فجميع ما استانسوا به بواطل خوت أجوافها، وترهات بسابس تزري بقائلها لخرقه الإجماع، وإتيانه بما لا تألفه الأسماع وتأباه الطباع. وبالله تعالى التوفيق.
أو فقد؛ يعني: أن الفقد لا يسقط زكاة الحرث والمعدن والماشية، وفي حكم المعدن الركاز كما مر، فمن فقد تزكى ماشيته وحرثه وما يخرج من معدنه، وفي حكمه الركاز كما لوأصاب ركازا ثم فقد قبل إخراج زكاته؛ لأن غاية ما في الفقد أن يكون المفقود مدينا، وهذه لا تسقط زكاتها بالدين. أو أسر؛ يعني أن الأسير لا تسقط عنه الزكاة في ماشيته ولا في حرثه ولا فيما يخرج من معدنه، وقد مر أن الركاز في حكم المعدن لأن غاية ما في الأسر أن يكون الأسير مدينا، ولا يسقط الدين زكاة هذه الأشياء وتسقط العين بالدين وبالفقد وبالأسر، وفي حكم العين عروض التجر، قال ابن القاسم في المجموعة: وتزكى ماشية الأسير والمفقود وزرعهما ونخلهما، ولا يزكى ناضهما لما عسى أن يكون لهما عذر يسقطها، ولا تسقط بذلك في غير العين. انتهى.
стр. 2032
وأما زكاة الفطر، فهل تسقط بالدين أو الفقد أو الأسر أو لا تسقط بشيء من ذلك؟ قولان مشهوران. قاله غير واحد. وفي الحطاب: إنما سكت عن الركاز لأنه في حالة الزكاة شبيه بالمعدن، وعن الفطر لأنه قال في بابها: وإن بتسلف. انتهى. وهو يؤيد القول بعدم السقوط، وإن كان مقيدا برجاء الوفاء كما يأتي، قال عبد الباقي: وانظر لو أخرجت زكاة ماشية أو حرث وهو مفقود أو مأسور، هل تجزئه أم لا؟ لفقد نية الزكاة منه. انتهى.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: لا وجه للتوقف في ذلك لأنهم نصوا على أنه تخرج زكاة ماشية المفقود والمأسور وزرعهما ونخيلهما، فإن كان المخرج الإمام فالأمر واضح، وإن لم يكن إمام فإن الجماعة تقوم مقامه. والله سبحانه أعلم. وبالغ المصنف على عدم سقوط زكاة ما ذكر بالدين، بقوله: وإن ساوى؛ يعني أن زكاة ما ذكر من الحرث والماشية والمعدن والركاز لا تسقط بالدين، سواء ماثل ما عليه من الدين ما بيده كمن عليه خمسة أوسق وبيده مثلها، أو من عليه خمسة من الإبل وبيده مثلها، أو عليه عشرون دينارا وأخرج من المعدن مثلها، أو خالف كمن عليه حرث وبيده ماشية أو عكسه، ويصح أن يكون المراد بالمساواة قدر الدين وأحرى لو زاد، وإنما بالغ على المساواة بهذا المعنى ردا لقول اللخمي فيها: القياس سقوط الزكاة لأنه فقير أو غارم، وجواب المشهور أن ما ذكره اللخمي في بيان من تصرف له ولا يلزم منه عدم وجوبها عليه.
إلَّا زكاة فطر عن عبد عليه مثله، مستثنى من قوله: "ماشية"، استثناء منقطع؛ يعني أن من عنده عبد في ملكه وعليه في ذمته عبد مثله في صفته، وليس عنده شيء يجعله في مقابلة الذي في ذمته إلَّا ذلك العبد الذي يملكه، تسقط عنه زكاة الفطر عند ابن القاسم، خلافا لأشهب. قاله الشارح.
والفرق بينه وبين الماشية أن في عينها الزكاة، بخلاف العبد، قال فيها: ومن له عبد وعليه عبد مثله في صفته فلا يزكي للفطر عنه إن لم يكن له مال. انتهى. قال أبو الحسن: قولها إن لم يكن له مال ظاهرها ليس له مال يقابل به الدين، وإن كان له ما يخرج منه زكاة الفطر. عبد الحق: وفيه نظر؛ لأن العبد ليس كمستحق العين إنما عليه عبد في ذمته ولو هلك لطولب به، فيجب أن يكون عليه زكاة الفطر إن قدر أن يزكيها، وأما إن لم يكن عنده شيء فليس عليه شيء؛ لأنه إن
стр. 2033
باعه ليؤدي عنه زكاة الفطر من ثمنه فالدين أولى به، وقد قال ابن القاسم في الذي جنى عبده فمضى عليه يوم الفطر قبل أن يسلمه: إن عليه زكاة الفطر مع كون عين العبد كالمستحقة لما كانت الجناية متعلقة به لا بالذمة، فلما لم يدفعه فعليه زكاة الفطر، فكيف هذا الذي هو غير مستحق؟ ولو هلك لبقي الدين في ذمته، ولعل ابن القاسم إنما أراد أنه ليس له مال يؤدي منه زكاة الفطر. انتهى. فقد ناقض كلام المدونة إن حمل على ظاهره بمسألة الجناية، ويظهر من كلامه وكلام المدونة أن المسألة مخصوصة بما إذا كان في ذمته عبد مثله، فأما إن كان في ذمته مثل قيمته فلا تسقط عنه زكاة فطره لما عللوه به من أن العبد الذي في يده كعين مستحقة، وليس كذلك إذا كانت عليه قيمته.
بخلاف العين؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين والفقد والأسر؛ أي بكل واحد منها، فليست كالحرث والماشية والمعدن، قال الرماصي: أما سقوطها بالدين فظاهر، وأما الفقد والأسر فليسا بمسقطين وإنما يوجبان التوقف عن الزكاة مخافة حدوث دين أو موت، كما يدلُّ عليه كلام ابن رشد وغيره، فإن تبين انتفاء ذلك زكى لماضي السنين ولا موجب لسقوطها، خلافا لقول الأجهوري والسنهوري بسقوطها، ولا وجه له إلَّا أن يخرج على الخلاف في المال المعجوز عن تنميته كما علل به اللخمي، وهو تخريج ضعيف إلَّا أن السنهوري، قال: ينبغي أن يزكيا لسنة واحدة بعد زوال المانع، والأجهوري قال: ظاهر كلامهم يفيد سقوطها في كلّ الأعوام، وقد علمت أن ظاهر كلامهم يفيد الوجوب لكل عام. انتهى.
وإنما سقطت زكاة العين دون الحرث والماشية للعمل، ولأنها أموال ظاهرة، وقوله: "بخلاف العين"، يدخل في العين عرض التجارة؛ لأن المزكى ثمنه أو قيمته وكلاهما عين، قال غير واحد: وانظر لو أعطيت زكاة عين المفقود أو المأسور، هل يرجع بها على الدافع أو الآخذ إن كانت بيده؟ انتهى. وقوله: "بخلاف العين"، قال الشارح: والفرق أن زكاة الفطر والماشية إلى الإمام، ولم يؤتمن عليها أربابها، فلو قبل قولهم إن عليهم ديونا (١) لأدى إلى إسقاط الزكاة فحسم الباب، وزكاة العين موكولة إلى أمانة أربابها، فوجب قبول قولهم في الدين كما قبل قولهم في الإخراج.
стр. 2034
ولو دين زكاة؛ يعني أنه لا فرق بين دين الزكاة وغيره في إسقاط زكاة العين، فكل منهما يسقطها، فإذا ترتب في ذمته دين زكاة وإن أخرج لم يبق عنده ما فيه الزكاة، فإنه لا يطالب بها خلافا لابن حبيب، ورد المصنف بلو عليه، فلو كان بيده عشرون دينارا وترتب عليه مثلها زكاة فإنه يخرجها، ولا يبقى في ذمته شيء وهو المشهور، وأما على مقابل المصنف وهو غير المشهور، فإنه يخرج أولا نصف دينار في الزكاة الحالة الآن، ثم يخرج الباقي في دين الزكاة المترتب في ذمته قبل ذلك، ويبقى في ذمته نصف دينار من الزكاة الأولى، وكما لو كان عنده مائتان وعليه مثلهما زكاة فلا يجب عليه شيء عند ابن القاسم، وهو المشهور كما علمت.
وقال ابن حبيب: يخرج منها خمسة ثم يخرج الباقي وتبقى عليه خمسة، وفي الموطإ عن عثمان: أن الدين يسقط الزكاة، قال صاحب اللباب: وكان ذلك بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد. ولو مؤجلا؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين الذي على رب العين، ولا تبال على أي حال كان الدين عينا أو عرضا، حالًا أو مؤجلا، والمعتبر عدده كما صرح به اللخمي، فإذا كان بيده أحد وعشرون دينارا وعليه ديناران مؤجلان، فإن الزكاة تسقط عنه ولو كانت قيمتهما لتأجيلهما دينارا واحدا. قاله الشبراخيتي وغيره. وقوله: "ولو مؤجلا"، والعتبر عدده بخلاف دين له مؤجل على غيره، فإنما يجعل ما عليه في قيمته كما يأتي، وعلة ذلك أنه لو مات أو فلس لحل الدين الذي عليه وبيع دينه المؤجل لغرمائه. قاله بناني.
أو كمهر؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين المترتب على ربها، ولو كان لا يطلب إلَّا لمشاحة كالمهر ودين الأب أو الابن أو الصديق، وقوله: "أو كمهر"، هذا قول مالك وابن القاسم، وهو المشهور.
وقال ابن حبيب: لا يسقط زكاة العين مهر التي في عصمته؛ إذ ليس من شأنها القيام به إلَّا لموت أو فراق أو تزويج عليها، وما قدمته من أن الكاف مدخلة للدين الذي لا يطالب به إلَّا عند المشاحة لابن عبد السلام، وأنكر ابن عرفة وجود القول الثاني في غير المهر، وقوله: "أو كمهر"، ولو مؤجلا بموت أو فراق على يد حاكم حنفي ولو باقية في عصمته. قاله عبد الباقي. وقال
стр. 2035
الحطاب: قال الشيخ زروق (١): والأشهر سقوطها بدين مهر المرأة، وإن كان يتأخر لموت أو فراق. قاله ابن القاسم. خلافا لابن حبيب واللخمي انتهى.
تنبيه: قد مر أن دين الزكاة يسقط زكاة العين على المشهور، وابن حبيب قال: لا يسقطها، ويتفرع على القولين أنه لو كان عنده عشرون دينارا حال حولها فلم يخرج زكاتها، واشترى بها سلعة في الحول الثاني فباعها بأربعين، فعلى الإسقاط يخرج نصفا من العشرين الأولى، ثم يخرج عن تسعة وثلاثين ونصف للعام الثاني، إلَّا أن يكون عنده عرض يساوي نصف دينار، فيزكي الأربعين وعلى عدم الإسقاط يخرج عن ستين، وإن لم يكن عنده عرض. وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنه يزكي العشرين للعام الأول وعشرين للعام الثاني ويستقبل بالربح. نقله في التوضيح. أو نفقة زوجة مطلقا؛ يعني أن الدين يسقط زكاة العين ولو كان نفقة زوجة مطلقًا، سواء حكم بها أم لا، قال فيها: ومن معه عشرون دينارا حال حولها، وعليه نفقة شهر عشرة دراهم لزوجته قد فرَضَهَا القاضي عليه قبل الحول بشهر، أو أنفقتها على نفسها قبل الحول بشهر بغير قضية ثم طلبته بها، فليجعل نفقتها فيما بيده وتسقط عنه الزكاة ويلزمه ما أنفقت على نفسها كان حاضرا أو غائبا، أنفقت من عندها أو تسلفت، وإن كان معسرا فلا يضمن لها ما أنفقت. انتهى. وهذا صريح في جواز فرض القاضي نفقة الزوجة على زوجها أثمانا إذا رضي الزوجات بذلك، وقوله: "أو نفقة زوجة مطلقًا"، على ذلك اتفق ابن القاسم وأشهب، وهو مذهب المدونة. قال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب على أن نفقة الزوجة تسقط الزكاة إن حلت وإن لم يحكم بها. نقله الشارح. أو ولد إن حكم بها؛ يعني أن نفقة الولد إذا فرضها الحاكم فإنها تسقط الزكاة في مال الأب باتفاق ابن القاسم وأشهب، فإن لم يفرضها لم تسقط بها زكاة مال الأب عند ابن القاسم؛ وهو المشهور، وقال أشهب: تسقط.
وبما قررت علم أن معنى الحكم هنا الفرض، كما قاله البساطي، وقرره الفيشي والخرشي والشبراخيتي وعبد الباقي، على أن المراد بالحكم أنَّها تجمدت في ذمته، وحكم حاكم يرى أنَّها لا تسقط بمضي زمنها، قال الفِيشِيُّ: لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات، ونحوه للشبراخيتي
стр. 2036
ففرضه لها وتقديره لها ليس حكما، فلا يسقطانها. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل قول البساطي: إن المراد بالحكم الفرض هو الصواب، كما يدلُّ عليه تعبيرهم. انظر مصطفى. وكذا قال الشيخ أبو علي: ظاهر كلامهم أو صريحه أن المراد بالحكم الفرض، خلاف ما ذكره الفيشي، فهو غير صحيح. انتهى.
وقال الرماصي عند قول المصنف: أو ولد إن حكم بها: التتائي: وقول البساطي مراده بالحكم هنا الفرض غير ظاهر. انتهى. وأنت إذا تأملت كلام الأئمة وجدت ما قاله البساطي صوابا؛ لأنهم تارة يعبرون بالحكم، وتارة يعبرون بالفرض، بل تعبيرهم بالفرض أغلب، فدل على أن المراد بهما واحد، قال أصبغ: نفقة الوالدين لا تجب إلَّا بفريضة السلطان، وقد عبر في المدونة تارة بالفرض، وتارة بالقضية. والتتاثي نفسه فسر قول المصنف إلَّا لقضية أو ينفق غير متبرع بالفرض، قائلا: لأن فرضه كالحكم، وقد عبر ابن الحاجب بالفرض، فقال: إلَّا أن يفرضها أو ينفق غير متبرع، وسلم شراحه وابن عرفة تلك العبارة، وقال ابن عرفة: كلامه يقتضي أن الأجنبي غير متبرع كحكم القاضي، فعبر بالحكم فيما عبر فيه ابن الحاجب بالفرض، ونسبها له أنه سوى بين حكم القاضي والأجنبي غير المتبرع، فهذا كله يدلُّ على أنهما سواء. انتهى.
وهل إن لم يتقدم له، أي للولد يسر، مفرع على مقابل المشهور؛ وهو قول أشهب: أن نفقة الولد تسقط زكاة مال الأب مطلقًا، حكم بها أم لا؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول أشهب: هل هو موافق لكلام ابن القاسم، فيحمل قول أشهب أن نفقة الولد تسقط زكاة مال الأب حيث لم يحكم بها على ما إذا لم يتقدم للولد يسر، وأما إن تقدم للولد يسر فإن الزكاة لا تسقط عند أشهب حيث لم يحكم بها، ويحمل قول ابن القاسم بأن الزكاة لا تسقط حيث لم يحكم بها على ما إذا تقدم للولد يسرفهما على هذا متفقان، أو مخالف له فيبقى كلام كلّ منهما على ظاهره. فابن القاسم يقول بوجوب الزكاة على الأب حيث لم يحكم بالنفقة مطلقًا، تقدم للولد يسر أم لا، وأشهب يقول بسقوطها مطلقًا، تقدم للولد يسر أم لا، وعلى هذا فالراجح كلام ابن القاسم في ذلك. تأويلان، فتأويل الوفاق هو التأويل المذكور؛ وهو لبعض القرويين، والتأويل المطوي هو تأويل الخلاف؛ وهو لعبد الحق، وتأويل الخلاف هو الإطلاق؛ أي وهل قول أشهب بالسقوط
стр. 2037
مقيد بما إذا لم يتقدم للولد يسر، وأما إن تقدم له يسر فلا تسقط الزكاة عن الأب عند أشهب، وكذا يقول ابن القاسم، فيتوافقان كما تأول بعض القرويين أو سقوط الزكاة عند أشهب مطلق تقدم للولد يسر أم لا. وابن القاسم يقول: لا تسقط مطلقًا تقدم للولد يسر أم لا فيتخالفان؛ وهو لعبد الحق، والراجح حينئذ قول ابن القاسم، ومحل اختلافهما حيث لم يفرض الحاكم النفقة. والله سبحانه أعلم.
فرع: قال ابن عرفة: اللخمي عن محمد: أجر رضاع الولد حيث يجب على الأم في عدم الأب والولد ومثلها لا يرضع، أو في موت الأب ولا مال للولد مُسْقطٌ؛ وهو أحسن إن كانت استرضعت لهم أو امتنعت من رضاعه لشرفها، وإلا فلا. وقوله: مسقط، هو خبر قوله: أجر رضاع. قاله الحطاب. وقوله: مسقط؛ أي للزكاة عنها.
فرع آخر: قال ابن عرفة: وفيها أجر الأجير، والجمال مسقط إن عملا. اللخمي: وإلا فلا إن لم تكن في الإجارة محاباة لجعله دينه فيه. بعض شيوخ عبد الحق: ما لم يَعْمَلَاهُ أجرُه في قيمته وما بقي منه مسقط. انتهى. قاله الحطاب.
قال جامعه عفا الله عنه: أما كون أجرهما مسقطا للزكاة إن عملا فظاهر، وأما إن لم يعملا وحابى المستأجر فذلك ظاهر أيضًا اللزوم لأجر له وليس عنده ما يجعله فيه، وأما إن لم يعملا ولم يحابهما المستأجر فلا تسقط عنه الزكاة كما قال؛ لأنه يجعل ماله من عملهما في مقابلة الأجر الذي ترتب لهما في ذمته، هذا معنى ذلك. والله سبحانه أعلم. وقول بعض شيوخ عبد الحق: ما لم يعملاه الخ، تبيين لما قبله؛ أي ما لم يعملاه يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، فإن وفى به فالأمر واضح، وإن لم يف ما لم يعملاه بالأجر فإن ما بقي مسقط للزكاة عن المستأجر. والله سبحانه أعلم. انتهى كلام جامعه عفا الله عنه.
ولما تكلم على نفقة الزوجة والولد، أتبع ذلك بالكلام على نفقة الوالد، فقال: أو والد بحكم؛ يعني أن زكاة العين تسقط بدين هو نفقة والد أب أو أم بشرطين؛ أحدهما: أن يحكم بها حاكم، الثاني: أن يتسلف الوالد ما أنفقه على نفسه حتى يأخذ بدله من ولده، فإن دين نفقته حينئذ يسقط زكاة مال الوالد باتفاق ابن القاسم وأشهب، وإلى هذا الشرط الثاني أشار المص بقوله: إن
стр. 2038
تسلف، الوالد من أب أو أم ما أنفقه على نفسه، ومفهوم كلامه أنه إن لم يحكم بها للوالد ولو تسلف أو حكم له بها ولم يتسلف ككونه تحيل في الإنفاق على نفسه أو هبة لم تسقط الزكاة عن الْولدِ في ماله، وهو كذلك وأولى في لزوم الزكاة للولد لو انتفى الشرطان معا، وقال أشهب: إن حكم بنفقة الأبوين أسقطت، وإنما كانت نفقة الوالدين أخف من نفقة الولد؛ لأن الوالد يسامح ولده أكثر من مسامحة الولد للوالد. قاله في التوضيح. وأيضا نفقة الابن لم تسقط عن الأب الملي مذ كان حتى يبلغ، ونفقة الأبوين كانت ساقطة عنه وإنما تلزم بالقضاء. قاله في المدونة. فَإِنْ قِيلَ هذا يقتضي أن الولد الموسر إذا علم فقر والده وترك إعطاءه النفقة لا يأثم؛ لأنَّها إنما تلزمه بالقضاء مع أنه يأتي في باب النفقة ما يفيد أن نفقة الوالد تجب على ولده الموسر بمجرد عسر الأب وكذا عكسه وهو المعتمد، فالجواب أن الحكم إنما يعتبر في كون دينها يسقط الزكاة، لا في أن وجوبها يتوقف عليه.
لا بدين كفارة، الظاهر أنه معطوف على مقدر بعد قوله: بخلاف العين كما في الشبراخيتي؛ أي فتسقط زكاتها بدين غير كفارة أو هدي لا بدين كفارة أو هدي؛ يعني أن زكاة العين لا تسقط بدين هو كفارة، قال في التوضيح، وإذا كان عليه دين من كفارة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أعلمه في المذهب، والفرق بينه وبين دين الزكاة توجه المطالبة به من الإمام العادل، وإن منعه أهل بلد قاتلهم عليها. والله أعلم. انتهى.
أو هدي؛ يعني أن دين الهدي في حج أو عمرة لا يسقط زكاة العين. ابن عرفة: المازري: الكفارة والهدي لغو. انتهى. والفرق بين ما ذكر من الكفارة والهدي والدين بعوض، أن الدين بعوض له مطالب به، ولا مطالب بدين الكفارة والهدي، وقد مر أن الزكاة تدفع للإمام العدل، ويقاتل عليها إن منعت منه، فهي مطالَب بها. قال محمد بن الحسن: هذا الفرق نُقِلَ عن ابن رشد، وسلمه غير واحد، وتعقبه أبو عبد الله بن عقاب من أكابر أصحاب ابن عرفة، قائلا: لا فرق بين دين الزكاة ودين الكفارة والهدي في مطالبة الإمام بهما، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري كما في المعيار، قلت: ونص اللخمي: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها، ولا توكل إلى أمانة، قال: وهذا هو الأصل في الحقوق التي في الأموال، فمن كان لا يؤدي زكاته أو
стр. 2039
وجبت عليه كفارات أو هدي فامتنع من أداء ذلك فإنه يجبر على إنفاذه، وقاله ابن المواز فيمن وجبت عليه كفارات فمات قبل إخراجها أنَّها تؤخذ من تركته. قاله محمد بن الحسن. وفي الخرشي: أن من علم بالتساهل في الكفارة والهدي يطالب ويقضى عليه بما ذكر.
إلَّا أن يكون عنده معشر زكي، مستثنى من قوله: "بخلاف العين"؛ يعني أن محل سقوط زكاة العين بسبب الدين إنما هو حيث لم يكن عند ربها ما يجعله في مقابلة الدين، وأما إن كان عنده ما يجعله في مقابلة دينه فإنه يزكي، كما إذا كان عنده معشر قد زكي وكذا إن لم يزك، وإنما نص على المزكى لأنه يتوهم أنه لا يحسبه بعدها في دينه ليزكي ما معه من العين، قوله: "معشر زكي"، وكذا نعم زكي أم لا، وكذا إذا كان عند المدين ما يباع على المفلس حتى خدمة ولد أم ولده، قال الحطاب: ولو قال المصنف: إلَّا أن يكون عنده نعم أو معشر وإن زكيا لكان أبين وأشمل. انتهى.
ومنهم من فسر قوله: "زكي"، بتعلقت به الزكاة وأولى إن لم تتعلق به الزكاة. أو معدن، عطف على قوله: "معشر"؛ يعني أن من عنده معدن تخرج منه العين وعليه دين، لا تسقط زكاة عينه بذلك الدين لأنه عنده ما يجعله في مقابلة الدين، وهو ما يخرج من المعدن، قال محمد بن الحسن: ليس المراد ذات المعدن بل المراد ما أخرجه من المعدن يجعله في دينه. ابن القاسم: اتفاقا. أو قيمة كتابة؛ يعني أن المدين إذا كان عنده ما يجعله في الدين من كتابة مكاتب، فإنه يجعل قيمتها في مقابلة الدين ويزكى ما بيده من العين، ولا يحسب قيمة المكاتب مكاتبا ولا عبدا، وعلى المشهور تقوم الكتابة بعين إن كانت عرضا، وبعرض إن كانت عينا، ثم يقوم العرض بعين، فإن عجز فرقبته. ابن يونس: فإن عجز المكاتب وفي رقبته فضل على مذهب ابن القاسم القائل: بجعل قيمة الكتابة فيما عليه، فذكر عن أبي عمران أنه يزكي من ماله قدر ذلك الفضل. ابن يونس: صواب؛ لأنه كعرض أفاده، ولا خلاف في ذلك. قاله الحطاب، وغيره. وقوله: أو قيمة مكاتب هو المشهور، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يجعل في الدين قيمته مكاتبا، وقال أصبغ: قيمته رقيقا؛ إذ قد يعجز فيرق. قاله الشارح.
стр. 2040
أو رقبة مدبر؛ يعني أن من عنده مدبر وعليه دين، يلزمه أن يزكيَ ما عنده من العين لأنه يجعل الدين في قيمة رقبة المدبر، سواء تقدم الدين على التدبير أو تقدم التدبير على الدين، أما الأول فباتفاق، وأما الثاني فعلى المشهور؛ وهو قول ابن القاسم، قال ابن الحاجب: وفي المدبر قبل الدين قولان لابن القاسم وأشهب. انتهى. فدل على أن مذهب ابن القاسم جعل دينه في رقبة المدبر وهو المشهور، قال في التوضيح: وكأنه راعى في المشهور قول من قال بجواز بيعه؛ أي جواز بيع المدبر كالقن، وقال في التوضيح أيضًا: واحترز -يعني ابن الحاجب- بقوله قبل من المدبر بعد الدين، فإنه لا يختلف في أنه يجعل دينه في رقبته، فتبين أن قول المصنف: "أو رقبة مدبر"، على إطلاقه تأخر التدبير عن الدين أو تقدم عليه، أما في تأخر التدبير عن الدين فباتفاق، وأما في تقدمه عليه فعلى المشهور. قاله محمد بن الحسن. أو خدمة معتق لأجل؛ يعني أن من عليه دين وعنده معتق لأجل، فإنه يلزمه أن يزكي ما عنده من العين؛ لأنه يجعل دينه في قيمة خدمة المعتق لأجل.
وبما قررت علم أن قوله: "أو خدمة"، والذي قبله مجروران معطوفان على "كتابة"، وقيمة خدمة المعتق لأجل على الغرر، وقوله: "أو خدمة معتق لأجل". قاله أشهب وأصبغ. وقيل: لا تجعل في الدين. نقله الشارح. أو مخدم؛ يعني أن من أُخْدِمَ عبدا أي وهبت له خدمته سنين أو حياته أي حياة الموهوب، وعليه دين، يجب عليه زكاة ما بيده من العين، ولا يسقط الدين وجوب الزكاة عليه؛ لأنه يجعل دينه في قيمة تلك الخدمة، وهذا ظاهر فيما إذا وهبت له خدمة العبد سنين، وأما إذا كان الإخدام حياة الموهوب، فقد نص عليه ابن المواز كما في التوضيح، لكن قال اللخمي: قوله يجعل الدين في الخدمة إذا كانت حياة السيد، ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا غيره، وأظنه قاس ذلك على المدبر، وليس مثله لأن الجواز في المدبر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة، ولا خلاف أنه لا يجوز للمخدم أن يبيع تلك الخدمة حياته، فكذلك لا يجوز أن يجعل فيها الدين.
أو رقبته لمن مرجعها له؛ يعني أن من أخدم عبدا لإنسان سنين معينة، وجعل مرجعه بعدها لشخص آخر ببيع أو هبة إذا كان على الذي ترجع إليه دين، فإنه لا تسقط زكاة عينه بذلك
стр. 2041
الدين؛ لأنه يجعل قيمة رقبة العبد في مقابلة الدين، وكذا لو رجعت للمخدم بالفتح أو للمخدم بالكسر، فقوله: "أو رقبته"، بالجر عطف على كتابة كالذي قبله؛ أي من عنده رقبة مخدم ترجع إليه إذا كان عليه دين، فإنه يجعل الدين في قيمة رقبة العبد الخدم، ويزكي عينه وهذا الحكم ثابت لمن ترجع الرقبة ملكا له بعد مدة الإخدام، سواء كان مخدما بالكسر أو مخدما بالفتح أو غيرهما، فيقال: كم تساوي هذه الرقبة بعد مدة الإخدام؟
تنبيه: قال الشبراخيتي عند قوله: "أو رقبته لمن مرجعها له"، ما نصه: وإنما يجعل في الدين من يملك رقبته إن مضى لرقبته حول في ملكه. انتهى. ويأتي قريبا أن كلّ ما يجعل في الدين لابد من مرور الحول عليه في ملك المدين قبل جعله في الدين، فإذا رجع للمالك الخدم بالكسر فلابد أن يمر له حول في ملكه قبل الإخدام أو بعده، وإذا رجع لغير الخدم بالكسر فلابد من مرور حول من وقت جعله له في ملكه قبل جعله في الدين، وإن لم يصل إليه حين الجعل.
أو عدد دين حل، هو بالرفع عطف على قوله: "قيمة"؛ يعني أن من له دين من العين مرجو بأن كان على ملي ويرتجيه وحل وعليه دين، لا تسقط زكاة ما عنده من العين بسبب ذلك الدين الذي عليه لأنه يجعل دينه الذي عليه في عدد دينه المرجو الذي حل، قال الإمام مالك في المدونة: ومن في يديه مائة دينار، وعليه دين مائة دينار وله دين على آخر مائة فيزكي المائة التي في يديه، ويكون ما عليه من الدين في الدين الذي له إن كان يرتجيه؛ وهو على ملي، قال ابن القاسم: فإن لم يرج قضاءه فلا يزكي شيئًا، انتهى. نقله الخرشي.
أو قيمة مرجو؛ يعني أن المدين إذا كان له دين مؤجل مرجو، سواء كان هذا الدين المؤجل عينا أو عرضا، فإنه يزكي ما عنده من العين لأنه يجعل الدين الذي عليه في قيمة ذلك الدين الذي له، فإن كان الدين عرضا قوم بعين، وإن كان عينا قوم بعرض، وحذف المصنف "ورجي"، من قوله: "أو عدد دين حل"؛ أي ورجي لدلالة هذا عليه. اللخمي: إن كان غريمه موسرا بنصف دينه جعل نصف ما عليه في نصف مَا لَهُ وزكى، وإن جهل منابه في حصاصه جعله في قيمة دينه، والقياس لغوه لأنه لا ينبغي بيعه لجهله. نقله الحطاب.
стр. 2042
ومفهوم قوله: "مرجو"، أنه إن لم يكن مرجوا فكالعدم، قال الشارح: وأما لو كان على معدم فهو كالعدم على المشهور، وقيل: يحسب قيمته في ما عليه. نقله الشارح. أو عرض، بالرفع؛ يعني أن المدين إذا كان عنده عرض فإنه يزكي ما عنده من العين، ولا يسقط وجوب الزكاة عنه دينه الذي عليه لأنه يجعله في قيمة عرضه وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: إنما يجعل الدين في العين خاصة. نقله الشارح.
حل حوله؛ يعني أنه إنما يجعل الدين الذي عليه في قيمة العبد بشرطين: أحدهما أن يكون هذا العرض قد حال عليه الحول، وهو في ملك المدين، وهذا هو المشهور، وهو مذهب ابن القاسم، ولم يشترط أشهب إلَّا كونه مملوكا آخر الحول. محمد: وبه أقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم، وحكى في الجواهر عن ابن القاسم: كقول أشهب. قاله الشارح. وقوله: "حل حوله"، ليس هذا خاصا بالعرض، بل كلّ ما يجعل في الدين من عين وغيرها شرطه مرور الحول في ملكه قبل جعله في الدين، ولهذا قال الشيخ سالم: ويمكن عود الضمير في حوله لجميع ما سبق، فأفرد وذكر لمراعاة ما ذكر.
وبما قررت علم أن المراد بحلول الحول، مرور العام عليه في ملك المدين، فلا يقال: حول كلّ شيء بحسبه، فحول العشر طيبه، وحول المعدن خروجه، فإن ذلك فيه نظر لأن فيه إحالة لكلام الأئمة عن وجهه؛ إذ كلامهم في الخلاف بين ابن القاسم وأشهب في العرض، هل يشترط فيه الحول أم لا؟ يدلُّ على أن المراد بالحول مرور السنة لأنهم بنوا الخلاف -كما في التوضيح- على أن ملك العرض في آخر الحول منشئ لملك العين التي بيده، فلا زكاة عليه فيها لفقد الملك قبل العرض، أو كاشف على أنه كان مالكا فيزكي، وذلك يوجب عموم شرط الحول في المعدن والعشر وغيرهما. قاله محمد بن الحسن وغيره. ثانيهما: أشار إليه بقوله: إن بيع؛ يعني أن المدين إنما يجعل الدين الذي عليه في العرض الذي عنده إذا كان العرض مما يباع على المفلس، قال ابن القاسم: ومن كان معه عشرون دينارا تم حولها وعليه دين وله عروض، فليجعل دينه في عروضه وداره وسرجه وسلاحه وخاتمه وفي كلّ ما يبيعه عليه الإمام في دينه، فإن كان في ذلك وفاء بدينه زكى العشرين الناضة، والإمام يبيع عليه إذا فلس داره وعروضه كلها، إلَّا ما لا بد له منه من
стр. 2043
ثياب جسده، ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كان لهما قيمة، وإن لم تكن لهما قيمة فلا يبيعهما، وسيأتي في باب الفلس مستوفى إن شاء الله تعالى. وقوم وقت الوجوب؛ يعني أن هذا العرض الذي يجعل في الدين قيمته إنما تعتبر تلك القيمة وقت وجوب الزكاة، وهو آخر الحول سواء نقصت قيمته أو زادت. على مفلس، متعلق بقوله: "إن بيع"، والجملة بينهما اعتراضية، وقوله: "إن بيع" الخ، أفاد به أن العرض الذي يجعل فيه الدين لا بد أن يكون مما يباع على المفلس، وأن قيمته التي تجعل في الدين تعتبر وقت الوجوب -أي وجوب الزكاة- وهو آخر الحول. لَا آبق؛ يعني أن العبد الآبق لا يجعل في الدين فتسقط زكاة العين التي للمدين؛ لأن الآبق لا يجعل في الدين لعدم جواز بيعه، فلا يرد المدبر لأنه يباع في بعض الأحوال، والآبق هو العبد الهارب، ومثل الآبق البعير الشارد. وقوله: "الآبق"، يقال: أبق العبد بفتح الهمزة وفتح الباء الموحدة وبالقاف يأبقُ بضم الباء وكسرها إباقا بكسر الهمزة، وأبق بكسر الباء يأبق بفتحها والآبق بالمد وكسر الباء. وإن رجي؛ يعني أن الدين إذا كان له عبد آبق، فإنه لا يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، فلا يزكي العين التي بيده -كما عرفت- ولا فرق في ذلك بين أن يكون العبد مرجوا عوده له أم لا، ولو أدخل الكاف على آبق ليشمل البعير الشارد ونحوه كان أحسن. قاله الشيخ إبراهيم.
وقد مر أنه لم يجعل الآبق في الدين لعدم جواز بيعه، ولا يرد المدبر لأنه يباع في بعض الأحوال، وأيضا روعي فيه القول بجواز بيعه كالقن، وقوله: "وإن رجي"، هو ورهب المدونة، قال فيها: إذ لا يجوز بيعه، وقال أشهب: إن كان قريبا مرجوا قوم على غرر. أو دين لم يرج؛ يعني أن الدين إذا كان له دين لم يرج لعسر من هو عليه أو ظلمه، فإنه لا يحتسب به لأنه كالعدم كما مر، فلا زكاة في العين التي عنده. وقد مر عن الشارح ما نصه: وأما لو كان على معدم فهو كالعدم على المشهور، وقيل: يحسب قيمته فيما عليه. انتهى.؛ إن وهب الدين؛ يعني أن رب الدين إذا وهب لمالك نصاب العين الدين الذي يسقط بسببه زكاة العين، فإنه لا زكاة على الدين فيما عنده؛ لأن هبة الدين منشئة لملك النصاب الآن، فلا بد من استقبال حول من يوم الهبة، وبهذا تعلم أنه لو حال حول الموهوب فإنه يزكي، هذا مقتضى غير واحد، ويوضحه ما مر عند قوله:
стр. 2044
"ولو بهبة" من أن من كان له على رجل دين له أحوال، ووهبه للمدين أنه يزكيه كان له مال أو لم يكن. انتهى. لكن مر ما يفيد أن المعتمد أنه لا زكاة فيه على ربه، ولا على الدين إلَّا أن يكون عنده ما يجعله فيه. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم.
أو ما يجعل فيه ولم يحل حوله، هذا مفهوم قوله: "أو عرض حل حوله"؛ يعني أن المدين المالك للنصاب العين إذا وهب له شيء يجعل فيه دينه ولم يحل عليه الحول في ملكه، فإنه لا زكاة عليه فيما بيده من النصاب العين، وإنما لم يزك لأنه بالهبة أنشأ ملكه للعين التي كانت بيده فصارت كأنها فائدة، فلابد من استقباله بها حولا من يوم ملك مقابلها، وهذا مذهب ابن القاسم كما علمت، وقال أشهب: يزكي ولو لم يحل حوله.
وقد مر توجيه قوليهما فراجعه إن شئت عند قوله: "أو عرض حل حوله". قال الشبراخيتي وغيره: قال ابن غازي: قوله "ولم يحل حوله" منطبق على هبة الدين وهبة ما يجعل فيه، وإنما أفرده لأن العطف بأو. انتهى.
أو مر لكمؤجِرٍ نفسه بستين دينارا ثلاثَ سنين حولٌ: قوله: "أو مر"، عطف على "وهب" من قوله: "وهب الدين"، وقوله: "نفسه"، مفعول "مؤجر". "وحول"، فاعل "مر"، "وثلاث"، ظرف متعلق بمؤجر، "وبستين"، يتعلق بمؤجر أيضًا؛ يعني أن الشخص إذا آجر نفسه بستين دينارا ثلاث سنين، وقبض الستين معجلة ومر عليها حول عنده، فإنه لا زكاة عليه فيها؛ لأن العشرين المقابلة للسنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلَّا بعد مرور الحول، فلم يتم لها حول في ملكه، والباقي من الستين؛ وهو أربعون دينارا دين عليه وليس عنده في يجعله فيها، وإذا حال الحول الثاني زكى العشرين باتفاق، وإذا مر الحول الثالث زكى الأربعين إلا ما تنقصه الزكاة، وإذا مر الرابع زكى الستين. قال الشبراخيتي: وما مشى عليه المصنف ضعيف، والذي تجب به الفتوى كما يفيده كلام المواق: أنه تجب زكاة العشرين دينارا بمرور الحول الأول، ثم يزكي كلّ ما مضى له شيء من المدة له بال، كشهر ما ينوبه من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين بانقضاء الأعوام الثلاثة" ولا مفهوم لقوله: "بستين"، ولا لقوله: "ثلاث سنين". انتهى. وسيأتي أن الصواب ما للمصنف. والله سبحانه أعلم.
стр. 2045
وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "حول"، أنه إن مر له حولان فإنه يزكي عن عشري الحول الأول، فإن تمت الثلاثة زكى عن الحول الثاني واستقبل بعشري الثالث عاما، ومفهوم "مؤجر نفسه": أنه لو آجر عبده أو داره لكان له ما يجعله في الدين أو بعضه؛ يعني العبد أو الدار، فيزكي ما ينوب العام الأول، وهل بمجرد مضيه أو بمضي شهر من العام الثاني يزكي مناب الشهر الأول من العام الأول، وهكذا إلى تمام العام الثاني، فيتم عِشْرُو الأول، وهكذا يفعل في العام الثاني في دخول العام الثالث طريقان، ثم على الطريق الثاني إذا تمت زكاة العام الأول بفراغ العام الثاني فإنه يصير حوله في المستقبل بجملته من يومئذ، ولا يقال يزكيه في العام الثالث على حكم زكاته في العام الثاني؛ لأنه استقر له حول، وهكذا يقال فيما بعده، وتقوم الدار وقت الوجوب مهدومة عند ابن القاسم، بناء على مراعاة الطواري.
وقال سحنون: تقوم سالمة. عبد الحق على خلافهما في دار يخشى سقوطها في المدة، فإن لم يخش سقوطها اتفقا على تقويمها سالمة، وقد يبحث في هذا بأن الأولى تقويمها وسطا، وما ذكره المصنف من سقوط الزكاة عن الستين مشهور، وفي الشارح قال مالك: يزكي العشرين التي حصل حولها لأن الغيب انكشف عن أنه مالكها من أول الحول. انتهى. وفي المواق ما يفيد أنه هو الذي تجب به الفتوى، لا ما اقتصر عليه المصنف، ولا ما صوبه ابن يونس من زكاة الستين عند مرور حول، وإن صدر به ابن عرفة، ثم على القول بزكاة العشرين بعد مضي حول يزكي عن الأربعين الباقية كلما مضى شيء من المدة له بال، كشهر ما ينوبه من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين بانقضاء الأعوام الثلاثة، ولا يشكل على هذا القول أنه مدين بأربعين، فكيف يزكي عشرين؛ لأنا نقول: بيده ما عليه. كذا ذكروا؛ وهو يقتضي أنه لو عدمت الأربعون لم يزك العشرين التي مر لها حول وهي بيده على هذا القول، قال البدر: الظاهر أن الكاف في كمؤجر داخلة على نفسه، فأدخل بها ولده، وأما إدخالها على مؤجر فلم يظهر لنا ما أراده به، فإن قلت أدخل مسألة الدار -وفيها الأقوال التي في مسألة إيجار نفسه- قلت: المذهب فيها عدم المساواة للمؤجر نفسه، انتهى.
стр. 2046
وقال علي الأجهوري: أدخلت الجعل إذا حدد بثلاث سنين، واشترط له الترك متى شاء وجعل كلّ سنة تستحق بآخرها، وأما إن كان لا يستحق إلَّا بتمام الدة فإنه إذا مرت الثلاثة على الستين فلا تجب عليه زكاة في شيء من الأعوام المذكورة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: فإن تمت الثلاثة زكى عن الحول الثاني أيضًا الخ، الظاهر على قياس ما بعده أنه بمضي شهر من الثالث يزكي مناب مثله من الثاني، وهكذا، وقوله: فيزكي ما ينوب العام الأول الخ، وقع في هذا الكلام نقص، وذلك أنه عند العام الأول يزكي قدر قيمة الدار لأنَّها تجعل في الدين ثم ما بقي من الستين يزكي منه ما ينوب العام الأول، وكونه بمضي شهر من العام الثاني يزكي مناب مثله من العام الأول، قال ابن رشد: هو الآتي على قول مالك في المدونة. انظر المواق. وقوله: وما ذكره المصنف من سقوط الزكاة مشهور الخ، اعتمد المصنف في سقوط الزكاة قول ابن رشد في البيان: إن الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة في الذي وهب له الدين بعد حلول الحول على المال الذي بيده أوأفاد مالًا أنه يستقبل. انتهى. نقله في التوضيح. وقوله: وفي المواق ما يفيد الخ، ما نقله عن المواق إنما وقع له في بعض نسخه، اعتمد فيه ما نقله عن المقدمات، وقد وقع له فيه تصحيف كما ذكره مصطفى، وفي كثير من نسخ المواق اقتصر فيها على نقل كلام التوضيح السابق عن البيان، وهو الصواب. قاله محمد بن الحسن.
وقال الحطاب: واحترز بنفسه مما لو آجر عبده أو دابته، فإنه يكون عنده ما يجعله فيه، وإذا حال الحول الثاني فإنه يزكي العشرين باتفاق وينتقل الخلاف إلى العشرين أجرة الحول الثاني. والله أعلم. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: فلا زكاة، جواب الشرط، أعني قوله: "وإن وهب الدين"، فهو راجع للمسائل الثلات، أعني قوله: "وإن وهب الدين"، وقوله: "أو ما يجعل فيه" الخ، وقوله: "أو مر لكمؤجر نفسه"، وعبارة الشارح جواب عن المسائل الثلاث. انتهى.
ومدين مائة له مائة محرمية ومائة رجبية يزكي الأولى؛ يعني أن الشخص إذا كان مدينا بمائة دينار، وفي ملكه مائتان إحداهما الأولى ابتداء حولها من المحرم وابتداء حول الأخيرة من رجب، يزكي الأولى المحرمية عند حولها، ويجعل الآخرة الرجبية في الدين على المشهور قبل حلولها،
стр. 2047
قال عبد الباقي وغيره: بناء على ضعيف، وهو عدم اشتراط حلول حول ما يجعل في الدين. انتهى. قال محمد بن الحسن: هذا نحو ما تقدم قريبا عن ابن عاشر. انتهى. والذي أشار إليه عن ابن عاشر هو قوله: كأن المصنف حكى المسائل كما وجدها، مع أن بعضها مبني على اشتراط كمال الحول، وبعضها مبني على عدمه. انتهى. قال محمد بن الحسن: ويمكن إجراء هذه المسألة؛ يعني قوله: "ومدين مائة" الخ، على المشهور بأن يحمل على أنه تداين بعد أن ملك المائة الأخيرة. قاله بعض الشيوخ. ويشهد له ما تقدم عن المقدمات عند قوله: "كسلعه ولو بارت". انتهى. والذي تقدم عند قوله: "كسلعه ولو بارت"، هو أن الذي يقومه الدين من سلعه هو ما دفع ثمنه وما حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه، وحكمه في الثاني حكم من عليه دين وبيده مال، وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه، ولا يسقط من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين هذا العرض الذي لم يحل حوله إن لم يكن عنده ما يجعل في مقابلته. نص عليه ابن رشد في المقدمات. انتهى.
وزكيت عين وقفت للسلف؛ يعني أن العين الموقوفة أي المحبسة للسلف، بأن وقفها شخص على أن تُتسَلَّفَ ثم يَرُدُّ من تَسَلَّفَهَا مثلها، تزكى على ملك ربها إذا بلغت نصابا، وإلا فلا تزكى إلَّا أن يكون عند ربها ما يضمه إليها إن كان من أهل الزكاة، قوله: "وزكيت عين" الخ، وتخرج زكاتها منها سواء كانت على معينين أو مجهولين، وتزكى لحول من يوم زكاها الواقف أو ملكها، وَوَقْفُهَا لا يسقط زكاتها على ملك الواقف منها كلّ عام إن لم تسلف، فإن تسلفها شخص زكيت إن قبضت منه نصابا ولو بعد أعوام لحول واحد، ويزكيها المتسلف أيضًا إن كان عنده ما يجعل في الدين، ويزكي أيضًا ربحها إن مر لها حول عنده من يوم تسلفها، فحول ربحها معتبر من يوم تسلفها كحولها، ولو ردها قبل حولها لقوله فيما تقدم: "وضم الربح لأصله"، وهذا يخالف ما تقدم في القراض من أن العامل في القراض يستقبل بما نابه من الربح حولا بعد المفاصلة لأنه أجير على الخلاف المتقدم. واحترز بقوله: وقفت للسلف عن الموصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، فلا زكاة فيها كما مر في قوله: "ولا موصى بتفرقتها"، وكذا لا زكاة في الموصى بتفرقتها في سبيل الله. قاله عبد الباقي. قوله: وهذا يخالف ما تقدم في القراض من أن العامل في
стр. 2048
القراض الخ، يريد حيث احتكرا أو العامل. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وقفت" الوقف ما ينتفع به مع بقاء عينه حقيقة أو حكما كالدنانير والدراهم؛ لأن مثلها يقوم مقامها، وإذا أوصى بمال أو دفعه لشخص ليشتري به مالًا ويوقف فحال الحول على المال قبل الشراء زكى، قال في النوادر: ولو أوجب التحبيس في مال قاض فأوقفه إلى أن يشتري به أصلا محبسا، فذلك جائز إذا اشترط فيها ذلك وجعلها بيد غيره. قال: وفيها الزكاة، يريد منها إذا أتى لها حول. انتهى.
ويريد بقوله -والله أعلم-: فذلك جائز؛ أي إذا أشهد بذلك. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: زكيت عين وقفت للسلف على ملك ربها، فتضم لماله إن نقصت كلّ عام إلَّا أن تسلف وتقبض بعد أعوام فلواحد. انتهى. وقوله: "وزكيت عين وقفت للمسلف"، صريح في ضعف التردد. كنبات، المراد بالنبات الزرع والحوائط؛ يعني أن الشخص إذا أوقف زرعا أو حوائط على أن ما يخرج منها يعطى للفقراء -مثلا-، فإنه يزكى ما يخرج من ثمر أو حب إن كان في جملته نصاب، ويزكيه الواقف منه وإن لم يكن في جملته نصاب ضمه الواقف لما يكمله إن كان عنده ما يكمله. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الخرشي: وأما الزرع فهو أن يوقف الحب تحت يد شخص ليزرعه، ويفرق ما يخرج منه كلّ سنة ويبقي الزريعة، فيجب على المتولي أن يزكي الخارج كلّ عام، وأما لو وقف الحب على من يتسلف منه فلا زكاة كما يفيده مفهوم قوله: "وزكيت عين وقفت للسلف"، وقال عبد الباقي: وقوله: "كنبات"، فيه تصريح بضعف التردد الآتي في باب الوقف، وهو قوله: وفي وقف كطعام تردد. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا دليل فيه على ذلك أصلا، كيف ولم يفسر ابن غازي والمواق قوله: "كنبات"، إلَّا بقول المدونة: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "كنبات"، ما نصه: وقف ليزرع ويفرق ما يخرج منه للفقراء أو لمسجد مثلا، وكذا حوائط وقفت لتسقى وتعالج وتفرق ثمرتها. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: يتضح من كلامهم هنا أن معنى قول المصنف: "كنبات"، أنه أوقف حوائط تعطى ثمرتها كلّ عام للفقراء أو لمسجد أو في سبيل الله، أو أوقف مزرعة يزرع فيها ويعطى ما يخرج منها من الزرع كلّ عام للفقراء أو لمسجد أو نحو ذلك، فإنه يزكى ما يخرج من
стр. 2049
ذلك كلّ عام على ملك الواقف؛ أي عند كلّ طيب إن بلغ جملة ما أخرج نصابا، فإن لم يكن نصابا زكي إذا كان الواقف حيا وعنده ما يكمله، وإلا فلا زكاة، وأما لو أوقف الحب أو الثمر للسلف فإنه لا زكاة في ذلك كما هو مفهوم قوله: "وزكيت عين وقفت للسلف".
وحيوان؛ يعني أن الحيوان الموقوف لينتفع بغلته من لبن وصوف وركوب أو للحمل عليه في سبيل الله، تجب فيه الزكاة ونسله تبع له، ولو سكت عنه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله "وحيوان": أي نعم، ولو عبر به لكان أخصر وأحسن، وقف لينتفع بغلته من لبن وصوف وركوب أو به من حمل عليه في السبيل ونحوه. انتهى.
وقال الأمير: كنبات وحيوان، قال في الشرح: تشبيه في الزكاة على ملك الواقف كلّ سنة في الحيوان، وكل طيب في النبات كأن وقف حوائطه. انتهى. وقول الشبراخيتي: لكان أخصر وأحسن، ظاهر ولكن علم من إتيان المصنف بالحيوان في معرض الزكاة أن المراد به الحيوان الذي يزكى، وهو الإبل والبقر والغنم. وقوله: "وحيوان"، سواء كان الحيوان على هذه الصورة موقوفًا على مجهولين أو معيينين فيزكى على ملك الواقف اتفاقا، قال العدوي قال في المقدمات: وإذا كان المواشي محبسة للانتفاع بغلتها في وجه من وجوه البر، فلا اختلاف أن الزكاة تجب في جميع ذلك كلّ سنة على ملك المحبس، كانت موقوفة لمعينين أو في المساكين وابن السبيل. وحول أولادها حولها. قال اللخمي: لو حبس أربعين شاة على أربعة نفر لكل واحد عشر بأعيانها زكيت؛ لأنه إنما أعطى المنافع والأعيان باقية على ملكه. ابن القاسم: وإن وقفت الأنعام ليكون غلتها من لبن أو صوف ونحوه تفرق على معينين، أو على غير معينين فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعها وحولها واحد؛ لأن ذلك موقوف. انتهى. ابن الحاجب: وتزكى الإبل الموقوف منافعها وأولادها اتفاقا، وأما إن وقفت لتفرق أعيانها، فقال في المدونة: وأما إن وقفت الدنانير والماشية لتفرق في سبيل الله أو على المساكين أو لتباع الماشية ويفرق الثمن، فلا زكاة فيما أدركه الحول من ذلك. قاله الخرشي.
وقال محمد بن الحسن: مذهب المدونة أن عدم زكاتها إنما هو إذا وقفت لتفرق على غير معينين، وأما إن وقفت لتفرق على "عينين فإن من نابه منهم نصاب زكاه، وقد مر أن قوله: "ولا موصى
стр. 2050
بتفرقتها"، خاص بالعين، وقال الخرشي عن الزرقاني: وينبغي أن يكون الإيصاء بالتفرقة كالوقف، وفي الحطاب: وأما إن وقف لتفرق عينه، فقد تقدم حكمه عند قوله: ولا موصى بتفرقتها. انتهى. فأفاد أن الحيوان إذا وقف لتفرق أعيانه كما إذا أوصى به لتفرق أعيانه، وقد قدمت هنالك أن الحيوان الموصى به ليفرق على غير معينين لا تجب فيه الزكاة، وعلى معينين تجب على المعتمد على من نابه منهم نصاب، وأما على غير معينين فلا زكاة، وأما العين فلا زكاة فيها مطلقًا، كانت لتفرق على معينين أو غيرهم، ومقابل المعتمد أن الماشية كالعين لا زكاة فيها مطلقا، كانت لتفرق على معينين أو غيرهم.
أو نسله؛ يعني أنه إذا وقف نسل الحيوان لينتفع بغلته كصوف أو لبن أو ركوب أو حمل عليه، فإنه تجب فيه الزكاة فالنسل هو الموقوف، وأما إن كان النسل ليفرق، فإن كان على معينين فلا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة، وإن كان على مجهولين فالزكاة في جملة الأولاد إذا تم لها حول من وقت الولادة، كذا نقله ابن يونس. قاله الحطاب. وفي الشبراخيتي، وغيره: أن الحيوان الموقوف ليفرق نسله يزكى؛ أي الحيوان كأن يقول نسل حيواني، هذا في عام أو عامين، أو على الدوام يعطى للفقراء مثلا، وليس له التصرف في الأمهات ببيع ولا بهبة مثلا، وهذا لا يستلزم وقفها. والحيوان يقع على الواحد والجمع، وجمعه حيوانات وهو الجسم النامي المتحرك بالإرادة، والنسل الولد جمعه أنسال، وفي شرح عبد الباقي: وحيوان وقف لتفرقة لبنه وصوفه أو للحمل عليه في السبيل أو لتفرقة نسله، ويصح أن يكون المعنى أن الوقوف النسل الموجود. انتهى. قوله: أو لتفرقة نسله، قال محمد بن الحسن: هذا الحمل وإن كان صحيحا في نفسه إلَّا أنه في غاية البعد من كلام المصنف، فالصواب حمله على الوجه الثاني في كلامه. انتهى. على مساجد، راجع لقوله: "كنبات"؛ أي كنبات موقوف على مساجد؛ يعني أن ما يحصل من النبات الموقوف على مساجد أو مسجد يزكى على ملك الواقف؛ أي إن حصل في ثمره خمسة أوسق فأكثر زكي، وإلا فلا، إلَّا أن يكون عند الواقف ما يكمله نصابا.
أو غير معينين، عطف على مساجد؛ يعني أن النبات إذا كان موقوفًا على غير معينين كالفقراء والمساكين والغزاة وبني تميم وبني زهرة، فإن ما حصل منه يزكى على ملك الواقف أي إن بلغ
стр. 2051
نصابا زكي، وإلا فلا إلَّا أن يكون عند الواقف ما يكمله نصابا، وذكر مفهوم غير المعينين، بقوله: كعليهم؛ أي المعينين؛ يعني أن النبات إذا كان موقوفًا على معينين أو معين كزيد، فإنه لا يخلو من أن يحوزوا الحبس، أو لا فإن لم يحوزوه فإن الحكم في زكاة ما حصل منه كالحكم في زكاة ما إذا كان على غير معينين، فيزكى على ملك الواقف، وإلى ذلك أشار بقوله: إن تولى المالك تفرقته؛ يعني أنه إذا لم يحز المحبس عليه النبات -وهو معين الحبس-، فإن ما حصل منه يزكى على ملك الواقف، كما لو كان على غير معينين، فالمصنف إنما عنى بقوله: إن تولى المالك تفرقته عدم حوز الموقوف عليهم المحَبَّسَ وإلَّا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف دل عليه قوله: "إن تولى المالك"؛ أي وإن لا يتول المالك تفرقة النبات على المعينين ولا سقيه ولا علاجه، بل تولى ذلك الموقوف عليهم؛ أي حازوا الحبس فإنه يعتبر ما ينوب كلّ واحد منهم، ولهذا قال: إن حصل لكل نصاب؛ يعني أنهم إذا كانوا معينين وحازوا الحبس، فإن من نابه منهم نصاب ولو بالضم لما عنده زكى ومن لا فلا.
وبما فسرت به المصنف من أن المراد بتولي المالك التفرقة وعدم توليه حوز الوقوف عليهم وعدمه، يندفع تنظير عبد الباقي حيث، قال: وانظر لو تولى المالك بعض هذه الثلاثة والوقوف عليهم بعضها، هل يغلب الأكثر إن كان، وإلا فهل يجعل في الزكاة نصفين لكل نصف، أم كيف الحال؟ انتهى. والتفسير المتقدم تبعت فيه الرماصي وبناني، وإذا تأملته علمت سقوط التنظير المذكور. والله سبحانه أعلم. وقوله: إن حصل شرط في جواب الشرط أي زكي إن حصل.
وبما قررت علم أن قوله: "على مساجد أو غير معينين كعليهم"، خاص بقوله: "كنبات"، لا بمسألتي الحيوان والنسل، خلافا لظاهر المصنف لأن الحيوان الموقوف للانتفاع بغلته إنما يزكى على ملك الواقف، كان على معين أو غيره، فيزكى على ملك الواقف، فإن بلغ نصابا أو كان دونه والواقف حي وعنده ما يصيره نصابا زكى، وإلا فلا، وكذا الحكم في النسل الموقوف للانتفاع بغلته، وأما لو وقف الحيوان لتفرقة نسله فإن النسل حينئذ كالنبات.
стр. 2052
وفي الشبراخيتي: وأما إن وقف -أي الحيوان- ليباع ويفرق ثمنه، فمر حول قبل البيع فلا زكاة مطلقًا، كان على معينين أو غيرهم، وكأنه إنما أوصى بالثمن، وهذا ليس وقفا في الحقيقة. انتهى المراد منه.
وقد مر عن الحطاب: أن من أوصى بمال أو دفعه لشخص ليشتري به مالًا ويوقف، فحال الحول على المال قبل الشراء زكى. انتهى. وقال عبد الباقي: إن قوله: "على مساجد أو غير معينين" الخ، راجع للطرفين دون الوسط. انتهى؛ يعني بالطرفين النبات والنسل، وبالوسط الحيوان، قال محمد بن الحسن: يعني إذا حمل قوله: "أو نسله"، على الوجه الأول؛ لأن ابن رشد جعل أولاد الحيوان المحبس لتفرق أولاده كالنبات في التفصيل والخلاف الآتي، وأشار إليه ابن عرفة بقوله: ابن رشد: نسلها كثمر النبات. انتهى.
وقال الحطاب عند قوله: "على مساجد أو غير معينين كعليهم" لخ، هذا إنما يرجع إلى النبات فقط؛ لأنه هو الذي يطابق تفصيله فيه المنقول، وهو قوله: "كعليهم إن تولى المالك تفرقته، قال الرجراجي في شرح المدونة: وما تجب الزكاة في غلته دون عينه كالحوائط المحبسة، فلا يخلو من أن تكون محبسة على غير معينين أو على معينين، فإن كانت محبسة على غير معينين فلا خلاف أن ثمرها يزكى على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما تجب فيه الزكاة، وإن كان الحبس على مُعَيَّنين مثل أن يحبس ثمر حائطه أو جنانه على قوم بأعيانهم، فلا يخلو من أن يكون رب الحائط هو الذي يتولى السقي والعلاج دونهم، ويقسم الثمرة عليهم: فإن الثمرة تزكى على ملك المحبس قولا واحدا من غير اعتبار بما يحصل لكل واحد من المحبس عليهم، وإن كان المحبس عليهم هم يسقون ويعملون لأنفسهم، فهل هم كالشركاء؟ وينظر إلى ما ينوب كلّ واحد منهم، فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنهم كالشركاء، ويعتبر النصاب في حق كلّ واحد منهم فمن حصل عنده نصاب، إما من ثمر الحبس بانفرادها أو بإضافتها إلى ثمر جنان له، فإنه يزكي دون من لم يحصل له نصاب؛ وهو قول أشهب في كتاب الحبس من المدونة، والثاني: أنه يعتبر خمسة أوسق في جميع ثمرة الحائط، فإذا كان فيها خمسة أوسق أخذت منها الزكاة من غير اعتبار بما يصح لكل واحد من المحبس
стр. 2053
عليهم، ويزكي على ملك المحبس الذي هو رب الحائط، فإن كان ثمرة الحبس دون النصاب أضافها إلى ما يتم به النصاب إن كان عنده، وهو قول ابن القاسم في كتاب الحبس من المدونة، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الزكاة. انتهى.
وقال الحطاب: التفصيل المذكور في الموقوف عليهم بين أن يكونوا مجهولين أو معينين، إنما هو إذا حيز الحبس، وأما إذا لم يحز فإنه يزكى على ملك ربه قولا واحدا من غير تفصيل، واستفيد من كلام الرجراجي أنه إذا لم يتول المالك التفرقة وحصل لكل واحد من المعينين ما لا زكاة فيه، وكان في ملكه جنان في ثمره ما يكمل له به نصاب، أنه يضم ما حصل له من ثمر الوقف إلى ثمر جنانه، ويزكي الجميع وإضافته إلى وقف عليه آخر مثل إضافته إلى ملكه فيكون مثله فتأمله. والله أعلم. انتهى.
وقد نقل الحطاب كلام المقدمات، وقال بعده: واستفيد من كلام المقدمات أنه حيث كانت الزكاة على ملك الواقف، فإنه يضم ثمر ما أوقفه إذا لم يكن فيه نصاب إلى ثمر ما يملكه من الحوائط أن ذلك إنما هو إذا أثمرت الحوائط في حياة المحبس. انتهى. وقال الحطاب أيضًا: تحصل مما تقدم أن الحبس إذا كان على غير معينين أو على معينين -إلَّا أن الواقف هو المتولي للحبس- يزكى على ملك واقفه قولا واحدا من غير خلاف، وإن كان على معينين وهم المتولون له ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الذي اقتصر عليه المصنف أنه يزكى على ملك المحبس عليهم، والثاني: يزكى على ملك المحبس، والثالث: إن كان الوقف على مستحق الزكاة سقطت زكاته. والله أعلم. وهذا تحصيل القول فيما إذا كان الوقوف عليهم مجهولين أو معينين، وأما الموقوف على مساجد فحصل فيه ابن عرفة ثلاثة طرق: الأولى للتونسي؛ وهي التي اقتصر عليها المصنف أنه يزكى على ملك الواقف، والثانية للخمي أنه لا زكاة فيه، والثالثة لأبي حفص أن ما على المسجد من الأوقاف يضم بعضه إلى بعض وإن تعدد واقفوه. انتهى.
وقال عبد الحق في التهذيب: أعرف في المال الوقوف لإصلاح المساجد والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك، والصواب عندي لا زكاة في كلّ شيء يوقف على ما لا عبادة عليه من مسجد ونحوه، وقد نقله صاحب الجواهر والتقييد. انتهى. نقله الحطاب.
стр. 2054
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: ثم ما ذكره المصنف من قوله: "على مساجد" الخ، من التفصيل ضعيف، والمذهب أن النبات كالحيوان تزكى جملته على ملك الواقف إن بلغ نصابا أو كان دونه، والواقف حي وعنده ما يصيره نصابا، سواء تولى تفرقته أم لا، وقف على معينين أو على غيرهم، فإن مات زكيت أيضًا على ملكه؛ إذ الملك للواقف حيث بلغت نصابا، فإن تطوع أحد بإخراج الزكاة عنهما أو كان في إجارة الإبل مثلا ما يُشتَرى منه زكاتها فعل ذلك بها وهو بمنزلة غلتها، وإن لم يكن لها إجارة ولا تطوع أحد بما يخرج عنها بيع منها واحد واشترى منه شاة، ويشترى بباقي الثمن بعير دون البعير أو يشارك به فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ما ذكره المصنف من التفصيل ضعيف، والمذهب أن النبات كالحيوان لخ، ونحوه للأمير.
والحاصل أن الإبل المحبسة تزكى بالغنم إن تطوع أحد بإخراج الزكاة عنها، أو كان في إجارتها ما يشترى منه شاة فالأمر واضح، وإن لم يتطوع أحد بما يخرج عنها بيع منها ما يشترى به غنم يزكى بها عنها، وإذا بقي شيء من الثمن اشتري به بعير أو شورك به في بعير.
الثاني: إذا وقف نسل الحيوان قبل أن يوجد النسل، فليس للمالك التصرف في شيء من الأصول ببيع ونحوه إلَّا عند اليأس من نسله، وكذا الحكم فيما إذا وقف الحيوان لتفرقة نسله، فليس لمالكه التصرف في الأمهات ببيع أو هبة مثلا، إلَّا عند اليأس من نسله، وهذا لا يستلزم وقفها لأنه لا يلزم من منع التصرف الوقف. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: لم يتعرض المصنف لصحة وقف نسل الحيوان قبل وجوده، وربما يفيدها صريح ابن غازي والحطاب، وكذا يقال في وقف الثمرة قبل وجودها، وعلى مفاد كلامهما، فليس للمالك التصرف في شيء من الأصول ببيع ونحوه إلَّا عند اليأس من نسله، وأما قوله في الوقف: "كمن سيولد"، فكلام على الوقوف عليه لا على الموقوف.
وعلم مما مر أن قوله: "كحيوان"، معناه وقف للحمل عليه في السبيل ونحوه، قال أحمد: وأما إذا وقف ليفرق عَنْهُ أو ليباع ويفرق ثمنه فلا زكاة، كذا في المدونة، وينبغي أن يكون الإيصاء بالتفرقة -أي للحيوان- كالوقف أي في الجواز، وإن كان لا زكاد فيها. انتهى.
стр. 2055
الثالث: من حبس ثمرة على شخصين ومات أحدهما قبل طيبها لم يورث نصيبه عنه ويرجع لصاحبه، وإن مات بعد طيبه ورثه عنه وارثه كما في المدونة، قال الشيخ سالم: ينبغي حمل هذا على ما إذا كان الحبس لا في مقابلة عمل، فإن كان في مقابلته فإنه يستحق على حسب عمله ويورث عنه. انتهى. قاله عبد الباقي.
الرابع: قول المصنف: "كعليهم"، قال ابن غازي أدخل: أداة الجر على أداة الجر إيثارا للاختصار، ومثله قول الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها … تصل وعن قيض بزيزَاء مجهل
وفيه نظر؛ لأن على في البيت اسم بمعنى: فوق، كما صرح به أكثر النحاة، وأما كلام المصنف، فإما أن يحمل على قول من يجيز دخول حرف جر على حرف جر، وهذا القول نقله المحلي في شرح جمع الجوامع، وإما أن الكاف داخلة على مضاف مقدر؛ أي كالوقف أو الحبس. أو التحبيس عليهم انظر الحطاب، والشبراخيتي. الخامس: في حاشية بناني عن السنهوري أن اللخمي ذكر ما يوافق ظاهر المصنف من أن التفصيل المذكور جار في الحيوان والنبات معا.
وفي إلحاق ولد فلان بالمعينين أو غيرهم قولان؛ يعني أنه اختلف في الوقف على ولد فلان على قولين ذكرهما في المقدمات، أحدهما: أن الوقف على ولد فلان كالوقف على المعينين؛ لأن ولد المعين وإن كان مجهولا كالمعين لانحصاره في المعين، فيزكى على ملك الواقف إن تولى الواقف تفرقة الثمرت وإلا زكى منهم من حصل له نصاب، ثانيهما: أن قوله، وقف على ولد فلان، يلحق بغير المعينين، فيزكى جملة على ملك الواقف لجهلهم وإن انحصروا في معين، وأما بنو زهرة وبنو تميم ونحو ذلك، فمن غير المعين كالفقراء اتفاقا، ولذا قال المصنف: ولد فلان ولم يقل بني فلان، وأما جعل التتائي بني تميم مثالا لقول المصنف: "ولد فلان"، فسبق قلم. قاله غير واحد. والله سبحانه أعلم.
ولما سبق ذكر المعدن في قوله: "إن تم الملك وحول غير المعدن"، وقوله: "ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين"، ذكر بقية أحكامه، فقال: وإنما يزكى معدن عين؛ يعني أنه إنما يزكى
стр. 2056
مما يخرج من المعادن، الخارج من معدن العين لا غيره كنحاس ورصاص وحديد وعقيق وكحل وزئبق وزرنيخ وطين أحمر، فلا زكاة في شيء مما ذكر. وقوله: "معدن"، بفتح الميم وكسر الدال: المال المخلوق من الأرض تنبته بإذن الله تعالى، كالزرع من عدن يعدن كضرب يضرب عُدُونًا إذا أقام، ومنه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ أي إقامة، جعلنا الله تعالى من ساكنيها، وسمي المعدن معدنا لإقامة النقد به. قاله غير واحد. وفهم منه أن حقيقة المعدن هو موضع المال لا المال نفسه؛ وهو آت على القياس؛ إذ الذي في اللامية والتسهيل وغيرهما أن القياس في اسم الزمان والمكان مما مضارعه مكسور العين، مفعل بكسر العين والمصدر بفتحها، ولما ذكر في اللامية ما مضارعه غير مكسور العين قال:
في غير ذا عينه افتح مصدرا وسوا … هـ اكسر وشذ الذي عن ذلك اعتزلا
وتسميته المأخوذ مما يخرج من المعدن زكاة يؤذن بشروطها من حرية وإسلام ونصاب، ومقدارها وهو ربع العشر، ومصرفها وهو الأصناف الثمانية، وسيأتي قوله: "وفي ندرته الخمس"، فتستثنى كما يستثنى الحول، وقد مر أن زكاة المعدن لا يسقطها الدين والفقد والأسر، وما أفاده المصنف من أن المأخوذ من المعدن زكاة فيشترط فيه شروطها هو الذي اقتصر عليه ابن الحاجب وصاحب الشامل وغيرهما، وقيل: لا يشترط حرية ولا إسلام والشركاء كالواحد. الجزولي: الشركاء في المعدن كالواحد. والعبد كالحر والكافر كالمسلم على المشهور. ونقل ابن عرفة في اشتراطها قولين. قاله الحطاب.
وحكمه للإمام؛ يعني أن المعدن مطلقًا -معدن عين أو غيره- حكمه للإمام؛ أي الذي يحكم فيه ويتولى أمره إنما هو الإمام أو نائبه في ذلك، فيقطعه لمن يعمل فيه بوجه الاجتهاد حياة المقطع أو مدة من الزمان أو يوكل من يعمل فيه للمسلمين، ولا منافاة بين وجوب زكاته إذا كان عينا وكون حكمه للإمام؛ لأن المعنى إذا أقطع الإمام معدن عين لشخص وجب عليه زكاته إذا أخرج منه نصابا. ولو بأرض معين؛ يعني أن حكم المعدن للإمام سواء كان بأرض غير مملوكة لأحد كالفيافي وما انجلى عنه أهله من الكفار، أوأرض مملوكة لغير معين كأرض العنوة، أو كان بأرض مملوكة
стр. 2057
لمعين مسلم أو عنوي، فما بعد المبالغة محل الخلاف، وهي أن يكون المعدن بأرض مملوكة لمعين فالنظر فيها للإمام عند ابن القاسم، وقال سحنون: النظر فيها لمالك الأرض، ودخل في غير المملوكة لعين أرض الحرب فيقطعها الإمام لمن شاء بعد فتحها، أو بتقدير فتحها عنوة، وبهذا يسقط استشكال بعضهم تصوير المسألة بأنها إن بقيت في حكم أهل الحرب، فكيف يتصور نظر الإمام فيها؟ وإن زال حكمهم عنها، فإما بصلح فسيأتي، أو عنوة أو انجلاء أهلها عنها فلا يخرج عما سبق، وجوابه أنا نختار بقاءها في حكم ملكهم، ولا يمنع ذلك تصرف الإمام وإقطاعها بتقدير فتحها. قاله عبد الباقي وغيره.
وذكر في التوضيح عن ابن يونس أنه حكى الاتفاق على أن ما ظهر من المعادن في أرض الحرب التصرف فيه للإمام، وقد تقدم أن من الأرض غير المملوكة ما انجلى عنه أهله الكفار بغير قتال، وأما ما انجلى عنه أهله المسلمون فهو باق على ملكهم، انجلوا عنه بغير قتال أو به، وحيث قلنا بأن النظر في المعدن للإمام فإنه ينظر فيه بالأصلح، وإنما يُقطعه انتفاعا لا تمليكا، فلا يجوز أن يبيعه، ولا يورَثُ عنه.
واعلم أن إقطاع الإمام في الأراضي المذكورة لا يحتاج لحيازة على المشهور المعمول به، قال أبو علي: وهو ظاهر؛ لأن الإمام ليس بواهب حقيقة إنما هو نائب عن المسلمين وهم أحياء، ولذا قالوا لا ينعزل القاضي بموت الأمير، وبهذا يسقط البحث المتقدم بأرض الحرب، ولا يحتاج إلى جواب، وقيل: يحتاج الإقطاع لحيازة.
واعلم أن مواضع المعدن خمسة: أرض غير مملوكة لأحد كالفيافي وما انجلى عنه أهله من الكفار، وأرض مملوكة لغير معين كأرض العنوة، وأرض الحرب، وهذان قسمان مضافان للأرض غير المملوكة لأحد، وأرض مملوكة لعين، وأرض الصلح، فالثلاث الأول داخلة فيما قبل المبالغة، والرابعة المبالغ عليها هي محل الخلاف المتقدم، والخامسة هي التي استثناها المصنف بقوله: إلَّا مملوكة لمصالح فله، هذا مستثنى من قوله: "يزكى"، ومن قوله: "وحكمه للإمام"؛ يعني أن الأرض المملوكة للمصالحين معينين أو غيرهم لا يزكى معدنها؛ أي معدن عين فيها، كما أن الإمام ليس له النظر في معدنها، وإنما أمر معدنها لمالكها المصالح أو لوارثه، وقيل: النظر فيه
стр. 2058
للإمام. قاله في الواضحة. والأول هو الصحيح، وقوله: لمصالح بفتح اللام وكسرها وَعَدِّي لأَراضِي المعدن خمسة، أصله للشارح، لكن قد مر أن أرض الحرب تدخل في غير المملوكة، وأشعر قوله: "لمصالح"، بزوال ملكه عنه بإسلامه، ويرجع حكمه للإمام وهو مذهب المدونة؛ لأن العلة الصلح، وقد زال بالإسلام، وقال سحنون: تبقى له ولا ترجع للإمام. قاله التتائي. ونحو ما لسحنون لرواية ابن المواز عن مالك، ولظاهر قول ابن القاسم. قاله الحطاب. قاله عبد الباقي.
وقوله: بزوال ملكه عنه بإسلامه؛ أي بزوال ملك المعدن عنه بإسلامه؛ أي بزوال ملك المعدن عنه، فالمعدن هو محل الخلاف المذكور، وأما أرض الصلحي إذا أسلم فإنها له كما يأتي، قاله محمد بن الحسن. وقد مر أن للإمام إقطاعَ أرض الحرب، والدليل على ذلك إقطاعه ﷺ تميما الداري بعض أرض بنواحي بيت المقدس قبل فتحه، وأمضاها له عمر ﵁: وكون ذلك من خصائصه ﷺ ليس هو مذهبنا، كما يدلُّ عليه ما تقدم عن ابن يونس أنه حكى الاتفاق على أن ما ظهر من المعادن في أرض الحرب أن التصرف فيه للإمام، ولذا جعله الشيخ سالم دليلا على ذلك، وفي خصائص السيوطي الصغرى: أن ذلك من خصائصه ﷺ ، وليس ذلك مذهبنا كما علمت، وأفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم، وليس مذهبنا لمخالفته ما تقدم من أن المقطع لا يورث عنه المعدن، ولأنه لا يقطعه الإمام إلَّا انتفاعا لا تمليكا، إلَّا أن يكون هذا القدر من خصوصية تميم الداري.
وتحصل مما مر أن المعدن إما أن يظهر في أرض العنوة أو في أرض الإسلام أو في أرض الصلح، فالأول لا خلاف أن الحكم فيه للإمام، والثاني فإن ظهر في الفيافي فلا خلاف أن النظر فيه للإمام وإن ظهر في أرض مملوكة محوزة، فقال ابن القاسم: النظر فيه للإمام، وقال سحنون: النظر لمالكه، وقيل: إن كان عينا فللإمام، وإن كان غير ذلك من الجواهر فلمالك الأرض، والثالث فيه قولان: أحدهما أن النظر فيه لأهل الصلح؛ وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن نافع وهو الصحيح وهو الذي درج عليه المصنف، والثاني أن النظر للإمام وهو قوله في الواضحة: وعلى الأول -وهو الصحيح- فمن أسلم منهم وفي أرضه معدن فالنظر فيه للإمام، وهو ظاهر قول
стр. 2059
ابن القاسم، ورواية يحيى بن يحيى. وقيل: يستمر له ملكا وهو ظاهر قول ابن القاسم أيضًا، ونص ابن المواز عن مالك أيضًا، وبقي ما إذا كان المعدن بأرض الحرب.
وقد مر أن ابن يونس حكى الاتفاق على أن التصرف فيه للإمام. وبالله تعالى التوفيق.
وقد مر أن المعدن لا يورث عن المقطع، قال ابن عرفة: وفي إرث نيل أدرك قول أشهب ونص شركتها. انتهى ملخصا من حاشية بناني والحطاب. وقال الحطاب: قال اللخمي: اختلف في معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص تظهر في ملك الرجل، فقال مالك: الأمر فيها للإمام يقطعه لمن رآه، قال: لأن المعادن يجتمع لها شرار الناس، وقال في كتاب سحنون: هو باق على ملك ربه. انتهى. والأول هو الذي مشى عليه المصنف. وقد مر التمثيل للأرض غير المملوكة بالأرض التي انجلى عنها أهلها. قاله ابن عبد السلام وصاحب التوضيح وغيرهم، قاله الحطاب. قال: ويريدون به ما انجلى عنه الكفار، وأما المسلمون فهو باق على ملكهم. والله أعلم. انتهى. قال الرماصي: وفيه نظر، وكذلك الكفار أهل الصلح باق على ملكهم، ومراد العلماء -والله أعلم- بما انجلى أهله: انقرضوا؛ لأنهم مثلوا به لغير المملوك لأحد، وحينئذ فلا فرق بين المسلمين وغيرهم، فتأمله. انتهى.
وقال الأمير: زُكّيِّ مَعْدِنُ عَيْنٍ فَقَطْ، وهل بإخراجه فيحسب الذاهب قبل التصفية أو حتى يصفى؟ خلاف وللإمام التصرف فيهَ ولو بملك معين إلَّا مصالحا فله، فإن أسلم رجع للإمام. انتهى. قال في الشرح عند قوله: فقط لا كنحاس: فيشترط هنا وجوب الزكاة، وقال عند قوله: وللإمام التصرف فيه: والمعتمد أن عطية الإمام تفتقر لحوز وإمضاء عطية تميم مع أنه لم يحزها في حياته ﷺ خصوصية، وقوى بناني عدم الافتقار، وقال عند قوله: "ولو بملك معين"، سدًّا لباب الهرج. انتهى.
وضم بقية عرقه؛ أي المعدن العرق هو المسمى بالنيل والنول والنوال، قال عياض: هو ما خرج من المعدن؛ يعني أن العرق الواحد من معدن واحد ذهبا كان أو فضة يضم بعضه إلى بعض إذا كان ذلك العرق متصلا بعضه ببعض، ومعنى الضم أنه إذا كمل النصاب بين أوله وبقيته فإنه يزكى، ولما كانت الأقسام أربعةً بالنظر إلى العرق والعمل، وهي اتصالهما وانقطاعهما، واتصال العرق دون
стр. 2060
العمل وعكسه، أشار إلى الأول والثالث بقوله: وإن تراخى العمل؛ يعني أن بقية العرق تضم إلى الأول، أما إذا اتصل العرق والعمل فتضم اتفاقا، وإن اتصل العرق دون العمل فتضم بقية العرق أيضًا، قال في التوضيح عن المازري: فإن انقطع العمل كفساد آلة ومرض عامل فلا شك في الضم، وإن انقطع اختيارا لغير عذر فالظاهر عندي من مذهبنا أنه يبني بعضه على بعض؛ لأن النيل إذا ظهر أوله فكأنه كله ظاهر ومحوز، وقد أطلق أصحاب الروايات أن النيل المتصل يضم بعضه إلى بعض من غير تفصيل.
وفي الذخيرة: وإن اتصل النيل وحده فظاهر قول مالك أن الاعتبار بالنيل دون العمل، وعند الشافعي إن انقطع العمل بغير عذر استأنف، وإن اتصل النيل، لنا أن النيل هو المقصود دون العمل، فإن انقطع النيل فلا زكاة، وإذا اتصل لم يضر انقطاع العمل. انتهى.
ونقل الجزولي أيضًا عن غيره: أن ظاهر الرسالة والموطإ في هذا الوجه الضم، ولم يذكر خلافه، قال الحطاب: فأشار المصنف إلى هذين الوجهين بقوله: "وضم بقية عرقه وإن تراخى العمل"؛ ويعني أن عرق المعدن يضم بعضه إلى بعض ما دام موجودا ولو تراخى العمل بعضه من بعض، وحصل فيه انقطاع، فَقَوْلُ الشارح: يريد بقوله: وإن تراخى العمل أن يكون مسترسلا على هيئة العمل، وليس المراد أن يعمل تارة ويبطل أخرى، فإنه لا يضم بعضه إلى بعض غير ظاهر، ويتعين حمل كلام المصنف على ما تقدم. انتهى. وما قاله الحطاب هو الذي اقتصر عليه البساطي والأجهوري، ولو تلف ما خرج من النيل بغير سببه، فهل يضم ما خرج بعد ذلك إليه؟ قولان لابن القاسم ومحمد، وإنما هذا الخلاف إذا تلف بوقت لو تلف فيه المال بعد حوله لم يضمنه.
لا معادن؛ يعني أنه لا يضم ما أخرج من معدن لما أخرج من معدن آخر، فلا يضم بعضها لبعض في الزكاة ولو اتحد جنسها ووقت إخراجها؛ لأنَّها لم تكن في ملكه قبل إخراجها أما إذا لم يتحد وقت الإخراج فلا ضم بلا خلاف، وإن اتحد فلا ضم على المذهب، وقال ابن مسلمة بالضم حينئذ. ابن يونس: وهو أقيس، ابن رشد: وهو عندي تفسير المدونة، ويأتي عليه ما في الجلاب: من كان له معدنان ذهب وورق ضم ما خرج من أحدهما للآخر وزكاه.
стр. 2061
ولا عرق آخر: يعني أنه لا يضم عرق لآخر في معدن واحد، اتصل العمل أو انقطع، وأما من معادن فقد مر أنه لا يضم بعضها إلى بعض، وهذان القسمان هما بقية الأقسام الأربعة، وفي الواضحة: إذا انقطع عرق المعدن قبل بلوغ ما فيه الزكاة، وظهر عرق آخر فليبتدإ الحكم فيه. قاله مالك وابن الماجشون. وفي الموطإ نحوه، وظاهره أنه لو انقطع العرق ثم وجد في تلك الساعة عرق آخر أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر، وإذا وجد عرق قبل أن ينقطع العرق الأول فظاهر إطلاقاتهم أنه لا يضم ما حصل من عرق إلى آخر، وأما على القول بضم ما حصل من المعدن إلى معدن آخر إذا ابتدأ في الثاني قبل انقطاع الأول فيضم هنا من باب أولى، وقوله: "ولا عرق آخر"، في المواق ما يفيد أنه يضم حيث بدأ قبل انقطاع الأول، وترك العمل فيه حتى أتم الأول.
وفي ضم فائدة حال حولها؛ يعني أنه اختلف في وجوب ضم الفائدة التي حال حولها نصابا كانت أو غيره لا خرج من المعدن دون نصاب، وهو الراجح وعدم ضمها له لاختلاف نوعهما باشتراط الحول فيها دونه، وهذا الخلاف من تردد المتأخرين، فالضم هو الذي نقله عبد الوهاب واللخمي، وعدم الضم خرجه اللخمي من القول بعدم ضم المعدنين، وفهم ابن يونس المدونة عليه قائلا: يلزم -على قول عبد الوهاب- ضم المعدنين وهو خلاف قول مالك، وفرق المازري بينهما بما حاصله: أن المعدن حوله حكمي لا حقيقي، فإذا انضم إلى ما حَوْلُه حقيقيٌّ تقوى جانبه، بخلاف ما إذا انضم إلى مثله، وما تقدم من أنه على القول بضم الفائدة للمعدن، سواء كانت الفائدة نصابا أو دونه صرح به في التوضيح وهو المفهوم من كلام غيره، لكنه خلاف ما في الذخيرة عن سند، من أن عبد الوهاب إنما يقول بالضم إذا كانت الفائدة دون نصاب، فإن كانت نصابا وأخرج من المعدن دون نصاب لم يزكه، وقوله: "وفي ضم فائدة"، قال الحطاب: القول بالضم هو النصوص، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي قوله: "ضم فائدة"، إشعار ببقائها بيده حتى يخرج من المعدن ما تكمل به. انتهى. ومحل الخلاف المذكور حيث كان في الفائدة عم ما يخرج من المعدن نصاب، وإلا فلا ضم اتفاقا. قاله الشبراخيتي. وقال: وفي قوله: "ضم"، إشارة إلى بقاء الفائدة بيده حتى يخرج من المعدن ما يكمل به النصاب؛ وهو كذلك؛ إذ لو تلفت قبل إخراج ما يكملها من المعدن فلا زكاة، ولا مفهوم لقوله: "فائدة"،
стр. 2062
ولو قال: وفي ضم مال، لكان أشمل وأخصر. انتهى. وقال عبد الباقي: الفائدة هنا أعم مما مر، فأريد بها مال بيده نصابا أو دونه. انتهى. وقال الأمير: وضم بقية عرقه وإن انقطع العمل كفائدة حال حولها، على قول عبد الوهاب وهو الراجح من التردد في الأصل. انتهى.
وتعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته؛ يعني أن المتأخرين اختلفوا في وقت تعلق الوجوب أي وجوب الزكاة بالمعدن، فنقل الباجي أن الوجوب يتعلق بنفس خروجه من المعدن، فلا يتوقف على تصفيته وإنما يتوقف عليها الإخراج منه للفقراء، ونقل غير الباجي أن الوجوب إنما يتعلق بتصفية ما يخرج من المعدن من ترابه وسبكه لا إزالة التراب عنه فقط، وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا أنفق شيئًا بعد خروجه وقبل تصفيته، فعلى الأول يحسب عليه دون الثاني، وكذا لو تلف بعضه حيث كان التلف بعد إمكان الأداء، فإن كان قبله لم يزك على الأول، ومن ثمرة الخلاف أيضًا أنه لو أخرجه ولم يصفه وبقي عنده أعواما ثم صفاه، فعلى الثاني يزكيه زكاة واحدة، وعلى الأول يزكيه لكل عام، وقوله: تردد: مبتدأ وخبره: "في ضم فائدة" الخ، فهو راجع للفرعين.
وقد علمت أن القول بالضم في الفرع الأول نقله عبد الوهاب واللخمي، والقول بعدم الضم فيه خرجه اللخمي من القول بعدم ضم المعدنين، وفهم ابن يونس المدونة عليه، وقال الش: قال أبو الحسن الصغير عند قوله من المدونة: فلا زكاة: فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزنه ما تجب فيه الزكاة، قال بعض الشيوخ: معناه بعد التصفية وهو ظاهر، وقال الباجي: يتعلق وجوب الزكاة بانفصاله من المعدن، وإنما يتعلق بتصفيته الإخراج، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أنفق قبل التصفية، هل يحسب عليه أم لا؟ انتهى، وقال الحطاب: اختلف المتأخرون في ذلك، فنقل الباجي أن الوجوب يتعلق بنفس خروجه من المعدن، ونقل غيره أنه إنما يتعلق به الوجوب بالتصفية، وفائدة الخلاف فيما إذا أنفق شيئًا قبل التصفية، هل يحسب جملته أم لا؟ وعزا الجزولي الأول لظاهر الرسالة، والثاني للسليمانية، قال: وينبني عليه إذا أخرجه ولم يصفه وبقي عنده أعواما ثم صفاه، فعلى ما في السليمانية يزكيه لعام واحد، وعلى ظاهر الرسالة يزكيه لكل عام. والله أعلم. انتهى.
стр. 2063
وجاز دفعه بأجرة؛ يعني أنه يجوز لرب المعدن دفعه بأجرة معلومة للعامل في كلّ يوم مثلا، سواء كانت هذه الأجرة نقدا أو غيره، وما يخرج من المعدن في هذه الصورة لرب المعدن، وكذلك يجوز كراء المعدن بأجرة معلومة. غير نقد، وما يخرج من المعدن في هذه الصورة يكون للعامل والأجرة لرب المعدن، ومفهوم قوله: "غير نقد"، أنه لو آجره له بنقد فإن ذلك لا يجوز، كأن يقول رب المعدن لشخص: خذ هذا المعدن وادفع لي عشرة دراهم؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل في المعينين أو إلى الصرف المستأخر، وأما وجه الجواز إذا كانت الأجرة غير نقد فلأنه هبة للثواب وهي تجوز مع جهالة العوض. انظر الخرشي.
وقد علمت أن الكلام في معدن النقد، وأما معدن غير النقد كنحاس فيجوز دفعه بأجرة نقد، وتكون في إسقاط حقه من اختصاصه به، لا في مقابلة ما يخرج لجهله. قاله عبد الباقي. وقال: فإن قيل إذا كان الدفع لذلك فلم امتنع حيث كان العوض نقدا، قلت: نظرا إلى وقوعه مَرْفوعا في الخارج بحسب الصورة، ولذا لم يعبروا بعوض بل بأجرة؛ لأنَّها ليست في مقابلة ذات، بل في مقابلة الاستحقاق والاختصاص، وأما دفع معدن غير العين بنوعه فيمتنع لما فيه من معلوم بمجهول من جنسه، ولا يراعى فيه أن الأجر في مقابلة اختصاصه به، كما لا يراعى في معدن النقد دفع نقد في أجرة تغليبا لجانب المنع انتهى. قوله: نظرا إلى وقوعه مدفوعا؛ أي نظرا إلى وقوعه في الخارج عوضا عن المخرج، وقوله: ولذا لم يعبروا بعوض؛ أي لكونه لإسقاط حقه لم يعبر بعوض.
وعلى أن المخرج للمدفوع له؛ يعني أنه يجوز دفع المعدن لمن يعمل فيه مجانا، ويكون المخرج من المعدن للمدفوع له الذي هو العامل، ففيه حذف معطوف، وهو مجانا والمعطوف عليه قوله: "بأجرة"، وقررت المصنف بهذا ليلا يفوته التصريح بهذه الصورة، ويحتمل أن تكون الواو للحال فيكون من تمام المسألة قبله، وهذا حسن لما في التقرير الأول من التكلف بسبب حذف المعطوف، ولعدم توهم المنع في الصورة المذكورة، ولعدم توهم أنه يعد بذلك فارا من الزكاة.
وفي بعض النسخ على بدون واو؛ وهي موافقة لجعل الواو للحال، ويكون مفهوم المصنف أنه لو كان المخرج لرب المعدن لجازت الإجارة بالنقد وغيره، فعلى ما قررت به المصنف أوَّلَا يكون كلام
стр. 2064
المصنف مشتملا على الصور الثلاث صريحا، وعلى أن الواو للحال أفاد واحدة بالمنطوق وواحدة بالمفهوم، وسكت عن واحدة لوضوحها؛ لأنه لا يتوهم فيها عدم المنع حتى ينص على جوازها. والله سبحانه أعلم.
واعتبر ملك كل؛ يعني أنه إذا تعدد العامل وكان المخرج من المعدن لهم، فإنه يعتبر ملك كلّ منهم على حدته، فمن بلغ حظه نصابا زكى وإلا فلا، وكذا يعتبر ما ينوب كلا من رب المعدن والعامل فيما إذا كان العامل مؤجرا بجزء من المعدن على القول بجوازه، فمن نابه منهما نصاب زكى وإلا فلا.
وعلى ما قررت به المصنف أولا من شمول قوله: "وجاز دفعه بأجرة غير نقد"، للصورتين الأوليين، وأن المراد بقوله: "وعلى أن المخرج للمدفوع له" الصورة الثالثة، يكون قوله: واعتبر ملك كلّ، مرتبا على قوله: "وعلى أن المخرج" له، ويتحصل من كلامهم هنا: أن من حصل له نصاب زكى، عاملا أو رب معدن اتحد أو تعدد، وعبارة عبد الباقي: واعتبر ملك كلّ من رب المعدن والعامل، واحدا أو متعددا، فمن بلغت حصته منهم نصابا زكى وإلا فلا، وعبارة الأمير: واعتبر ملك كلّ إن تعدد المستحق، وقوله: "واعتبر ملك كلّ"؛ أي حيث كان من أهل الزكاة؛ بأن يكون حرا مسلما، وقوله: "واعتبر ملك كل"، هو أحد قولين وهو الظاهر، وقيل: ما يأخذونه كالعامل في المساقاة، فيزكى الجميع على ملك ربه. قال الحطاب عند قوله "واعتبر ملك كلّ": هذا أحد القولين الذين ذكرهما ابن الحاجب، ونصه: ولو أذن لجماعة ففي ضم الجميع قولان، قال ابن عبد السلام: معناه إذا دفع المعدن لجماعة يعملون فيه، إما أن يكون جميع ما يخرج منه لهم، أو على أن له جزءا مما يخرج منه ولهم بقية ذلك على أحد القولين؛ يعني في دفعه بجزء، فهل يكونون كالشركاء يعتبر نصيب كلّ واحد منهم وهو الظاهر، أو يكون ما يأخذونه كالعامل في المساقاة ويزكى على ملك ربه؛ في ذلك قولان.
وبجزء؛ يعني أنه اختلف في جواز دفع المعدن لمن يعمل فيه بجُزءٍ مما يخرج منه ربع أو ثلث أو نصف أو ما يتفقان عليه. كالقراض؛ أي كما تجوز القارضة بجزء من الربح أي مسألة المعدن كمسألة القراض؛ أي جاز القراض بجزء، فيجوز دفع المعدن بجزء منه قياسا عليه، ومنع ذلك.
стр. 2065
قولان؛ أي في ذلك قولان، قول بالجواز قياسا على مسألة القراض؛ وهو قول مالك وابن القاسم واختاره فضل بن مسلمة وصدر به في الشامل، وقول بالنبي وهو لأصبغ واختاره ابن المواز، قال في المقدمات: وهو قول أكثر أصحاب مالك، وعليه ففرق بينه وبين القراض بأن ما في القراض رأس مال وهو هنا منتف، وقوله: "كالقراض"، تشبيه غير تام لأنه في الجواز كما علمت؛ إذ العامل هنا لا يزكي إلَّا إذا بلغت حصته نصابا كالشريك فيزكي، وإن كانت حصة رب المعدن دون نصاب بخلاف القراض فإن العامل يزكي حيث ناب رب القراض نصاب، وإن كان ما ينوب العامل دون نصاب، وإن لم ينب رب القراض نصاب فلا زكاة على العامل، وإن ناب نصاب -كما مر- وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: قولان، قال الشيخ إبراهيم: كلّ منهما مرجح، فكان المناسب التعبير بخلاف. انتهى. وحق قول المصنف: "واعتبر ملك كلّ" أن يتأخر عن قوله: "وبجزء كالقراض قولان"، كما فعل ابن شأس، وبه اعترض المواق على المصنف، ويظهر من كلام الشراح هنا أن قوله: "بجزء"، متعلق بدفعه مقدرا؛ أي وفي جواز دفعه أي المعدن بجزء والمحذوف المجرور بفي؛ وهو في جواز دفعه خبر المبتدإ الذي هو قولان، والدال على المحذوف قوله قبله: "وجاز دفعه بأجرة". والله سبحانه أعلم. ومقتضى كلامهم أنه على القول بالجواز يكون العامل كالشريك أنه على القول بالمنع يكون له أجر مثله، ويدل له التعليل بأنه غرر وكراء الأرض بما يخرج منها. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى نوع مما يخرج من المعدن لا يعتبر فيه شروط الزكاة؛ لأن ما يخرج منه من قبيل الركاز، فقال: وفي ندرته الخمس؛ يعني أن ندرة المعدن يجب فيها الخمس كان واجدها حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، بلغت نصابا أم لا، والخمس حكمه للإمام، فيصرفه في مصرفه كما في خمس الغنيمة، والندرة بفتح النون وسكون الدال المهملة: القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة من التراب التي لا تحتاج إلى تصفية، وأما إن كانت ممازجة بالتراب وتحتاج إلى تخليص فهي مما يعتبر فيه شروط الزكاة، وبهذا فسرها عياض وغيره، وفسرها أبو عمران بالتراب الكثير الذهب السهل التصفية، وليس بخلاف لذلك، بل المراد أن ما نيل من المعدن بسهولة فهو الندرة، وفيه الخمس، وعلى هذا يدلُّ كلامهم. قاله الرماصي. نقله محمد بن الحسن.
стр. 2066
وفي الشبراخيتي عند قوله: "وفي ندرته الخمس"، سواء وجدها حر أو عبد مسلم أو كافر، بلغت نصابا أم لا، والخمس حكمه للإمام يصرفه في مصرفه كما يصرف خمس الغنيمة. انتهى. وقال الأمير: الندرة هي ما لا يحتاج لكثير عمل كالقطعة توجد خالصة. انتهى. وقال في التوضيح: المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية والتخليص لها دون الحفر والطلب، فإذا كانت القطعة خالصة لا تحتاج إلى تخليص فهي القطعة المشبهة بالركاز، وفيها: وأما إن كانت ممازجة للتراب وتحتاج إلى تخليص فهي المعدن، وتجب فيها الزكاة. حكاه الباجي عن الشيخ أبي الحسن. انتهى. وظاهره: سواء كانت نصابا أو دونه، وكذا قال ابن يونس: ولو قال قائل: لا يكون ندرة ولا يؤخذ منها الخمس حتى يكون نصابا لم أعبه. قاله الحطاب.
وقال الخرشي: قال صاحب التنبيه في فصل الدال المهملة: الندرة مأخوذ من الندور، وهي بفتح النون وسكون الدال، وفسرها في المدونة بالقطعة التي تندر من الذهب والفضة، ومنه نوادر الكلام وهو الخارج عن أسلوبه، وقال أبو القابسي: الندرة هي القطعة الخالصة التي لا تحتاج إلى تخليص ولا لكبير عمل. انتهى المراد منه. وما ذكره المصنف في الندرة هو المشهور، وروى ابن نافع عن مالك أنَّها ليس فيها إلَّا الزكاة، وبه أخذ سحنون. قاله الشارح. وقال: الندرة هي ما يوجد في المعدن من ذهب أو فضة خالصا غير محتاج إلى تصفية.
كالركاز؛ يعني أن ندرة المعدن كالركاز أي هي مقيسة عليه، فلا يشترط فيها شيء من شروط الزكاة، فيجب فيها الخمس كما يجب في الركاز الخمس من غير مراعاة شروط الزكاة وخمس الندرة، والركاز كخمس الغنائم يحل للفقراء وغيرهم، وحكمه للإمام يصرفه على ما ذكر في باب الجهاد، وليس مصرف خمس الركاز والندرة كمصرف الزكاة، فَفِي كَلَامِ عبد الباقي وغيره عند قول المصنف: "وفي ندرته الخمس": كالركاز فيه الخمس، ويدفع خمس كلّ للإمام العدل ليفرقه على المساكين. انتهى. نَظَرٌ لاقتضائه أن مصرف الخمس فيهما هو مصرف الزكاة، وليس كذلك، [أما مصرف الركاز] (١)، فقد قال اللخمي: إن مصرفه ليس كمصرف الزكاة، وإنما هو كخمس الغنانم يحل للأغنياء وغيرهم. نقله المواق. ثم قال: وأما مصرف خمس الندرة من المعدن فلم
стр. 2067
أجده، ومقتضى رواية ابن القاسم أنه كالمغنم والركاز. انتهى. نقله محمد بن الحسن بناني. وقوله: "كالركاز"، مأخوذ من ركز الشيء في الأرض: ثبت، ومنه ركزت إذا غرست، والجاهلية كانوا يثبتونه في الأرض حرصا على أن لا يأخذه غيرهم، ونقل الجلال السيوطي في حاشية الموطإ أن رجلا رأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: اذهب إلى موضع كذا فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه لصحة الرؤيا. وأفتى الشيخ عز الدين بأن عليه الخمس، وقال: أكثر ما ينزل عليه منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو المخرج في الصحيحين: (في الركاز الخمس (١)) فيقدم عليه. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: ووجوب الخمس في مثل هذا ظاهر لا مرية فيه؛ لأن الأحكام الشرعية لا تنبني على المنام، وليس ذلك للشك في رؤيته ﷺ ، بل لأن النائم لا يضبط، والنبي ﷺ لا يأمر بمحرم.
وهو دِفْنُ جاهلي، الدفن بالكسر بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، والخرص بمعنى المخروص، وهو مضاف بلا تنوين؛ يعني أن الركاز هو دِفْنُ الجاهلي، وفيه الخمس كما مر، والجاهلي هو من قبل الإسلام، وفي كلام أبي الحسن أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وقال البخاري في كتاب الزكاة: قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز، قال ابن حجر: الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون، مأخوذ من الركز بفتح الراء، يقال: ركزه يركزه إذا دفنه، وقوله: "دفن الجاهلية"، بكسر الدال وسكون الفاء: الشيء المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، وأما بالفتح فهو المصدر، ولا يراد هنا. انتهى. قاله الحطاب.
стр. 2068
وقوله: "وهو دفن جاهلي"، قال عبد الباقي، وغيره: وكذا ما وجد من ماله فوق الأرض أو بساحل بحر من تصاوير ذهب وفضة كما في المدونة، واقتصر على الدفن لأنه شأن الجاهلية في الغالب. انتهى.
واعلم أن رواية ابن القاسم أن الركاز ما وجد بالأرض من ذهب أو فضة مخلصا، كان قد دفن فيها أو خلق، ورواية ابن نافع أنه يختص من ذلك بما دفن ووضع، فالندرة عند ابن القاسم ركاز لأنه يقول فيها بالخمس؛ وهي عند ابن نافع غير ركاز، بل فيها الزكاة، وخصص الركاز بالمدفون، فالركاز على رواية ابن نافع: ما دفنه آدمي، وعلى رواية ابن القاسم: ما لم يتكلف فيه عمل تقدم عليه ملك أم لا. نقله محمد بن الحسن. وقال الأمير: مشبها على أن في الركاز الخمس، وكذلك غير المدفون، إلَّا أنه لا يسمى ركازا. انتهى، ونحوه للرماصي. وقال الخرشي: ولو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كلّ كافر كتابي أو غيره ليس من أهل الذِّمة.
وإن بشك؛ يعني أن الركاز يكون لواجده وعليه الخمس، ولو لم يعلم هل هو من دفن الجاهلية أو من دفن الإسلام؛ بأن لا يكون عليه علامة الجاهلي ولا علامة المسلم أو انطمست، أو عليه العلامتان لأن الغالب أن الدفن إنما يكون من فعلهم، وأما غير المدفون فلا يكون عند الشك ركازا ويحتمل، وإن بشك في أرض فلا يدري أهي صلحية أو عنوية فلواجده ويخمسه كما قال سحنون. قاله عبد الباقي.
قال: والجاهلية ما قبل الإسلام، والكنز يقع عليه وعلى دفن الإسلام، قاله في الواضحة. وهو مخالف لقول أبي الحسن في كتاب الولاء اصطلاحهم أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وأما أهل الكتاب فلا يقال لهم: جاهلية، قال الشيخ سالم: فلو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر أي مما مر، وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كافر كتابي وغيره بدليل قوله: ودفن مسلم أو ذمي لقطة انتهى. انتهى. وقال الأمير في ندرته الخمس وإن قلت أو وجدها من لا زكاة عليه كالركاز: تشبيه في الخمس وهو دفن غير معصوم وكذلك غير المدفون منه إلَّا أنه لا
стр. 2069
يسمى ركازا. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وإن بشك"؛ أي كما لو لم تظهر عليه علامة تدل على أنه من دفن الإسلام أو الجاهلية؛ لأن الدفن في الغالب من شأن الجاهلية.
أو قل، عطف على المبالغة وهو راجع للركاز والندرة؛ يعني أن الندرة والركاز يجب في كلّ منهما الخمس، وإن لم يبلغ واحد منهما نصابا فالركاز لواجده، وفيه الخمس قل أو كثر، والندرة لواجدها ويخمسها قلت أو كثرت كما مر، وقال الشارح عند قوله: "أو قل" ما نصه: يريد أن الركاز لا يشترط أن يكون نصابا بل يخمس وإن قل، وهذا هو المشهور، وعن مالك أن اليسير لا يخمس والروايتان في الجلاب.
أو عرضا؛ يعني أن الركاز لواجده ويخمسه، ولو كان عرضا كلؤلؤ ورصاص وحديد ونحاس ومسك وغيره، ويدخل فيه العمد والرخام والصخور ما لم تكن مبنية، فإن كانت مبنية فحكمها حكم جدرها. قاله عبد الباقي، وغيره. وقال الشارح عند قوله: "أو عرضا"؛ أي أن الركاز يخمس ولو كان عرضا كالجوهر والنحاس والرصاص وغيره مما عدا العين، وهو مراده بالعرض، وهو قول مالك، وعنه أيضًا عدم تخميس ذلك، والأحسن أن يكون عرضا منصوبا خبر كان. انتهى.
أو وجده عبد أو كافر؛ يعني أن الندرة يجب فيها الخمس ولو كان الواجد لها ممن لا يزكي كعبد أو كافر، وكذلك الركاز يكون لواجده، ويجب تخميسه، ولو كان الواجد له عبدا أو كافرا وكذا الحكم، لو كان الواجد لذلك صبيا أو امرأة أو فقيرا أو مدينا. كما في التتائي. وحكى ابن يونس عن كتاب ابن المواز أن العبيد والنصارى إذا اجتمعوا لا يخمسون ما وجدوا. التونسي: ولا خلاف في تخميس ما وجده صبي أو امرأة. نقله الحطاب.
إلَّا لكبير نفقة ط؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحصل فيه كبير نفقة، وأما ما طلب بكبير نفقة بأن استأجر شخص بمال على حفره واستخراجه، فإنه تجب فيه الزكاة أي القدر الواجب وهو ربع العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. قاله محمد بن الحسن.
أو عمل؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحتج في استخراجه إلى كبير عمل، وأما إن عمل فيه كبير عمل بنفسه أو بعبيده فإن الواجب فيه هو القدر الواجب في الزكاة، وهو ربع
стр. 2070
العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. وقال الخرشي: "إلَّا لكبير نفقة أو عمل": فالزكاة بشروطها.
في تخليصه؛ أي إنما يكون في الركاز الخمس حيث لم يحتج لكبير نفقة في تخليصه ولا لكبير عمل فيه، وأما إن احتاج لكبير عمل أو كبير نفقة في تخليصه أي في إخراجه من أرضه بالحفر، فالزكاة كما قررت، فالمراد بالتخليص إخراجه من الأرض بالحفر لا تصفيته، فلا تشترط في الزكاة، وفي بعض النسخ: تحصيله، وهي أمثل. قاله غير واحد. وقوله: "في تخليصه"، الظاهر أنه حال من قوله: "كبير نفقة أو عمل"، أو صفة له والله سبحانه أعلم.
فقط، راجع لما بعد إلَّا؛ أي إنما يخرج من التخميس إلى الزكاة بسبب كبير نفقة أو كبير عمل في إخراجه من أرضه بالحفر، واحترز بذلك عن كبير نفقة في السفر لوضع الركاز أو تكلف عمل في السفر إليه، فإن ذلك لا يخرجه عن التخميس.
وقال الأمير: كبير النفقة أو العمل وإن في السفر إلى موضعه يخرجه عن حكم الركاز، ويكون فيه ربع العشر، قال على المعول عليه كما في الرماصي خلافا لقول الأصل وشراحه في تخليصه فقط.
وبما قررت علم أن قوله: فالزكاة راجع للأمرين بعد الاستثناء، وهما قوله: "إلَّا لكبير نفقة"؛ أي حيث لم يعمل بنفسه أو كبير عمل بنفسه أو بعبيده. وما اقتصر عليه المصنف هو أحد تأويلين، وذلك أن ما حصل من الركاز بمال أو عمل في تخميسه وتزكيته تأويلان: الأول لابن يونس، والثاني للخمي، وعليه اقتصر المصنف، والمتبادر من قول المصنف في تخليصه التصفية وليس ذلك بمراد، وقد شرحته تبعا للحطاب وغيره بما هو صحيح، ويدفع الاعتراض، قال محمد بن الحسن: والمناسب للاختصار حذفه؛ يعني قوله: "في تخليصه"، كما قاله مصطفى. انتهى.
واعلم أن التأويلين هما في قول المدونة: إن في دفن الجاهلية الخمس، وقولها في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون: إنما الركاز دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال وكبير عمل أصيب مرّة وأخطئ أخرى فليس بركاز. انتهى. ومثله في الموطإ، ثم اختلف الشيوخ ففهمها ابن يونس على الوفاق، وأنه أراد بما طلب بمال وكبير عمل المعدن لا دفن الجاهلية، أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن، ومثله للباجي، قال أبو الحسن: وعليه فيجب في الركاز الخمس مطلقًا وليس في