← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وفي الشبراخيتي عند قوله: "وفي ندرته الخمس"، سواء وجدها حر أو عبد مسلم أو كافر، بلغت نصابا أم لا، والخمس حكمه للإمام يصرفه في مصرفه كما يصرف خمس الغنيمة. انتهى. وقال الأمير: الندرة هي ما لا يحتاج لكثير عمل كالقطعة توجد خالصة. انتهى. وقال في التوضيح: المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية والتخليص لها دون الحفر والطلب، فإذا كانت القطعة خالصة لا تحتاج إلى تخليص فهي القطعة المشبهة بالركاز، وفيها: وأما إن كانت ممازجة للتراب وتحتاج إلى تخليص فهي المعدن، وتجب فيها الزكاة. حكاه الباجي عن الشيخ أبي الحسن. انتهى. وظاهره: سواء كانت نصابا أو دونه، وكذا قال ابن يونس: ولو قال قائل: لا يكون ندرة ولا يؤخذ منها الخمس حتى يكون نصابا لم أعبه. قاله الحطاب. وقال الخرشي: قال صاحب التنبيه في فصل الدال المهملة: الندرة مأخوذ من الندور، وهي بفتح النون وسكون الدال، وفسرها في المدونة بالقطعة التي تندر من الذهب والفضة، ومنه نوادر الكلام وهو الخارج عن أسلوبه، وقال أبو القابسي: الندرة هي القطعة الخالصة التي لا تحتاج إلى تخليص ولا لكبير عمل. انتهى المراد منه. وما ذكره المصنف في الندرة هو المشهور، وروى ابن نافع عن مالك أنَّها ليس فيها إلَّا الزكاة، وبه أخذ سحنون. قاله الشارح. وقال: الندرة هي ما يوجد في المعدن من ذهب أو فضة خالصا غير محتاج إلى تصفية. كالركاز؛ يعني أن ندرة المعدن كالركاز أي هي مقيسة عليه، فلا يشترط فيها شيء من شروط الزكاة، فيجب فيها الخمس كما يجب في الركاز الخمس من غير مراعاة شروط الزكاة وخمس الندرة، والركاز كخمس الغنائم يحل للفقراء وغيرهم، وحكمه للإمام يصرفه على ما ذكر في باب الجهاد، وليس مصرف خمس الركاز والندرة كمصرف الزكاة، فَفِي كَلَامِ عبد الباقي وغيره عند قول المصنف: "وفي ندرته الخمس": كالركاز فيه الخمس، ويدفع خمس كلّ للإمام العدل ليفرقه على المساكين. انتهى. نَظَرٌ لاقتضائه أن مصرف الخمس فيهما هو مصرف الزكاة، وليس كذلك، [أما مصرف الركاز] (١)، فقد قال اللخمي: إن مصرفه ليس كمصرف الزكاة، وإنما هو كخمس الغنانم يحل للأغنياء وغيرهم. نقله المواق. ثم قال: وأما مصرف خمس الندرة من المعدن فلم

стр. 2067

أجده، ومقتضى رواية ابن القاسم أنه كالمغنم والركاز. انتهى. نقله محمد بن الحسن بناني. وقوله: "كالركاز"، مأخوذ من ركز الشيء في الأرض: ثبت، ومنه ركزت إذا غرست، والجاهلية كانوا يثبتونه في الأرض حرصا على أن لا يأخذه غيرهم، ونقل الجلال السيوطي في حاشية الموطإ أن رجلا رأى النبي ﷺ في المنام، فقال له: اذهب إلى موضع كذا فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه لصحة الرؤيا. وأفتى الشيخ عز الدين بأن عليه الخمس، وقال: أكثر ما ينزل عليه منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو المخرج في الصحيحين: (في الركاز الخمس (١)) فيقدم عليه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: ووجوب الخمس في مثل هذا ظاهر لا مرية فيه؛ لأن الأحكام الشرعية لا تنبني على المنام، وليس ذلك للشك في رؤيته ﷺ ، بل لأن النائم لا يضبط، والنبي ﷺ لا يأمر بمحرم. وهو دِفْنُ جاهلي، الدفن بالكسر بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، والخرص بمعنى المخروص، وهو مضاف بلا تنوين؛ يعني أن الركاز هو دِفْنُ الجاهلي، وفيه الخمس كما مر، والجاهلي هو من قبل الإسلام، وفي كلام أبي الحسن أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وقال البخاري في كتاب الزكاة: قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز، قال ابن حجر: الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون، مأخوذ من الركز بفتح الراء، يقال: ركزه يركزه إذا دفنه، وقوله: "دفن الجاهلية"، بكسر الدال وسكون الفاء: الشيء المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، وأما بالفتح فهو المصدر، ولا يراد هنا. انتهى. قاله الحطاب.

стр. 2068

وقوله: "وهو دفن جاهلي"، قال عبد الباقي، وغيره: وكذا ما وجد من ماله فوق الأرض أو بساحل بحر من تصاوير ذهب وفضة كما في المدونة، واقتصر على الدفن لأنه شأن الجاهلية في الغالب. انتهى. واعلم أن رواية ابن القاسم أن الركاز ما وجد بالأرض من ذهب أو فضة مخلصا، كان قد دفن فيها أو خلق، ورواية ابن نافع أنه يختص من ذلك بما دفن ووضع، فالندرة عند ابن القاسم ركاز لأنه يقول فيها بالخمس؛ وهي عند ابن نافع غير ركاز، بل فيها الزكاة، وخصص الركاز بالمدفون، فالركاز على رواية ابن نافع: ما دفنه آدمي، وعلى رواية ابن القاسم: ما لم يتكلف فيه عمل تقدم عليه ملك أم لا. نقله محمد بن الحسن. وقال الأمير: مشبها على أن في الركاز الخمس، وكذلك غير المدفون، إلَّا أنه لا يسمى ركازا. انتهى، ونحوه للرماصي. وقال الخرشي: ولو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كلّ كافر كتابي أو غيره ليس من أهل الذِّمة. وإن بشك؛ يعني أن الركاز يكون لواجده وعليه الخمس، ولو لم يعلم هل هو من دفن الجاهلية أو من دفن الإسلام؛ بأن لا يكون عليه علامة الجاهلي ولا علامة المسلم أو انطمست، أو عليه العلامتان لأن الغالب أن الدفن إنما يكون من فعلهم، وأما غير المدفون فلا يكون عند الشك ركازا ويحتمل، وإن بشك في أرض فلا يدري أهي صلحية أو عنوية فلواجده ويخمسه كما قال سحنون. قاله عبد الباقي. قال: والجاهلية ما قبل الإسلام، والكنز يقع عليه وعلى دفن الإسلام، قاله في الواضحة. وهو مخالف لقول أبي الحسن في كتاب الولاء اصطلاحهم أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وأما أهل الكتاب فلا يقال لهم: جاهلية، قال الشيخ سالم: فلو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر أي مما مر، وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كافر كتابي وغيره بدليل قوله: ودفن مسلم أو ذمي لقطة انتهى. انتهى. وقال الأمير في ندرته الخمس وإن قلت أو وجدها من لا زكاة عليه كالركاز: تشبيه في الخمس وهو دفن غير معصوم وكذلك غير المدفون منه إلَّا أنه لا

стр. 2069

يسمى ركازا. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وإن بشك"؛ أي كما لو لم تظهر عليه علامة تدل على أنه من دفن الإسلام أو الجاهلية؛ لأن الدفن في الغالب من شأن الجاهلية. أو قل، عطف على المبالغة وهو راجع للركاز والندرة؛ يعني أن الندرة والركاز يجب في كلّ منهما الخمس، وإن لم يبلغ واحد منهما نصابا فالركاز لواجده، وفيه الخمس قل أو كثر، والندرة لواجدها ويخمسها قلت أو كثرت كما مر، وقال الشارح عند قوله: "أو قل" ما نصه: يريد أن الركاز لا يشترط أن يكون نصابا بل يخمس وإن قل، وهذا هو المشهور، وعن مالك أن اليسير لا يخمس والروايتان في الجلاب. أو عرضا؛ يعني أن الركاز لواجده ويخمسه، ولو كان عرضا كلؤلؤ ورصاص وحديد ونحاس ومسك وغيره، ويدخل فيه العمد والرخام والصخور ما لم تكن مبنية، فإن كانت مبنية فحكمها حكم جدرها. قاله عبد الباقي، وغيره. وقال الشارح عند قوله: "أو عرضا"؛ أي أن الركاز يخمس ولو كان عرضا كالجوهر والنحاس والرصاص وغيره مما عدا العين، وهو مراده بالعرض، وهو قول مالك، وعنه أيضًا عدم تخميس ذلك، والأحسن أن يكون عرضا منصوبا خبر كان. انتهى. أو وجده عبد أو كافر؛ يعني أن الندرة يجب فيها الخمس ولو كان الواجد لها ممن لا يزكي كعبد أو كافر، وكذلك الركاز يكون لواجده، ويجب تخميسه، ولو كان الواجد له عبدا أو كافرا وكذا الحكم، لو كان الواجد لذلك صبيا أو امرأة أو فقيرا أو مدينا. كما في التتائي. وحكى ابن يونس عن كتاب ابن المواز أن العبيد والنصارى إذا اجتمعوا لا يخمسون ما وجدوا. التونسي: ولا خلاف في تخميس ما وجده صبي أو امرأة. نقله الحطاب. إلَّا لكبير نفقة ط؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحصل فيه كبير نفقة، وأما ما طلب بكبير نفقة بأن استأجر شخص بمال على حفره واستخراجه، فإنه تجب فيه الزكاة أي القدر الواجب وهو ربع العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. قاله محمد بن الحسن. أو عمل؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحتج في استخراجه إلى كبير عمل، وأما إن عمل فيه كبير عمل بنفسه أو بعبيده فإن الواجب فيه هو القدر الواجب في الزكاة، وهو ربع

стр. 2070

العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. وقال الخرشي: "إلَّا لكبير نفقة أو عمل": فالزكاة بشروطها. في تخليصه؛ أي إنما يكون في الركاز الخمس حيث لم يحتج لكبير نفقة في تخليصه ولا لكبير عمل فيه، وأما إن احتاج لكبير عمل أو كبير نفقة في تخليصه أي في إخراجه من أرضه بالحفر، فالزكاة كما قررت، فالمراد بالتخليص إخراجه من الأرض بالحفر لا تصفيته، فلا تشترط في الزكاة، وفي بعض النسخ: تحصيله، وهي أمثل. قاله غير واحد. وقوله: "في تخليصه"، الظاهر أنه حال من قوله: "كبير نفقة أو عمل"، أو صفة له والله سبحانه أعلم. فقط، راجع لما بعد إلَّا؛ أي إنما يخرج من التخميس إلى الزكاة بسبب كبير نفقة أو كبير عمل في إخراجه من أرضه بالحفر، واحترز بذلك عن كبير نفقة في السفر لوضع الركاز أو تكلف عمل في السفر إليه، فإن ذلك لا يخرجه عن التخميس. وقال الأمير: كبير النفقة أو العمل وإن في السفر إلى موضعه يخرجه عن حكم الركاز، ويكون فيه ربع العشر، قال على المعول عليه كما في الرماصي خلافا لقول الأصل وشراحه في تخليصه فقط. وبما قررت علم أن قوله: فالزكاة راجع للأمرين بعد الاستثناء، وهما قوله: "إلَّا لكبير نفقة"؛ أي حيث لم يعمل بنفسه أو كبير عمل بنفسه أو بعبيده. وما اقتصر عليه المصنف هو أحد تأويلين، وذلك أن ما حصل من الركاز بمال أو عمل في تخميسه وتزكيته تأويلان: الأول لابن يونس، والثاني للخمي، وعليه اقتصر المصنف، والمتبادر من قول المصنف في تخليصه التصفية وليس ذلك بمراد، وقد شرحته تبعا للحطاب وغيره بما هو صحيح، ويدفع الاعتراض، قال محمد بن الحسن: والمناسب للاختصار حذفه؛ يعني قوله: "في تخليصه"، كما قاله مصطفى. انتهى. واعلم أن التأويلين هما في قول المدونة: إن في دفن الجاهلية الخمس، وقولها في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون: إنما الركاز دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال وكبير عمل أصيب مرّة وأخطئ أخرى فليس بركاز. انتهى. ومثله في الموطإ، ثم اختلف الشيوخ ففهمها ابن يونس على الوفاق، وأنه أراد بما طلب بمال وكبير عمل المعدن لا دفن الجاهلية، أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن، ومثله للباجي، قال أبو الحسن: وعليه فيجب في الركاز الخمس مطلقًا وليس في

стр. 2071

المدونة خلاف، وفهمها اللخمي على الخلاف، وأن قولها: فليس بركاز؛ أي حكما، وأما تسمية الركاز فباقية عليه. انتهى. قاله محمد بن الحسن. وقال الخرشي: فإن قلت: النقل يفيد أن ما طلب بنفقة وإن قلت فيه الزكاة، والمصنف اعتبر كثرة النفقة، قلت يجاب عنه بأن شأن النفقة التي تصرف في تحصيل الركاز أن تكون كثيرة. انتهى. وفي النوادر: وما كان في جدار من ذهب أو فضة لو تكلف إخراجه أخرج منه شيء بعد أجر من يعمله فليزكه، وإن لم يخرج منه إلَّا قدر أجر عمله فلا شيء فيه. قاله الحطاب. وأما الندرة ففيها الخمس لخفة الحفر عليها دون الركاز، فلذا كان في الركاز الخمس إلَّا في الحالتين المذكورتين. وكره حفر قبره؛ يعني أنه يكره حفر قبر الجاهلي لنجاسة ترابه أو خوف مصادفة نبي أو ولي، وأجاز ذلك أشهب قائلا: ليست حرمته ميتا أعظم منه حيا، وفي الحديث ما يؤيده (١)). قاله الأمير. وقوله: "وكره حفر قبره"، قال في الشامل: وما وجد فيه من مال ففيه الخمس. والطلب فيه؛ يعني أنه يكره الطلب للدنيا في قبر الجاهلي بغير حفر كعزيمة أو بخور، وبهذا التقرير لا يتكرر مع ما قبله، أو يحمل الأول على حفر لأجل شيء يعلم وجوده، والثاني على حفر لطلب في لا يعلم وجوده، وكره لإخلاله بالمروءة، ويخمس ما وجد كالركاز. وبما مر علم أن الكراهة في كلّ بانفراده، ومثل حفر قبر الجاهلي حفر قبر الذمي بالأولى، ومثله أيضًا حفر قبر من لا يعلم أمسلم أو ذمي، وأما حفر قبر مسلم فحرام، فإن وجد في قبر المسلم مال فلقطة. قاله الخرشي، وقال الشبراخيتي وغيره: وأجاز أشهب نبش قبر الجاهلي وأخذ ما فيه من مال أو خرز أو ثوب، وفيه الخمس وليس حرمته ميتا بأعظم منها حيا، وهو مأجور في فعله بالحي منهم. الطراز: يعضده حديث قبر أبي رغال وهو قائد فيل جيش أبرهة، حيث قال ﵊: (إنه دفن معه غصن من ذهب فمن نبشه وجده، فابتدره الناس وأخرجوه) (٢) ووجدوه مائة وخمسة وخمسين رطلا من الذهب؛ وهو من معجزاته ﷺ . انتهى.

стр. 2072

واختلف هل يكره الطلب في مواضع السخط أم لا؟ قاله الشبراخيتي. وباقيه لمالك الأرض؛ يعني أن الركاز الذي فيه الخمس أو الزكاة إذا أخرج منه ما وجب فيه فإن الباقي منه يكون لمالك الأرض بإحياء مثلا، وأما المشتري من مالك الأرض فليس هو له نص عليه اللخمي: وقول المصنف في باب البيع: "ومدفونا" يرشد إلى ذلك التقييد. قاله عبد الباقي. عن الشيخ أحمد. وسواء كان مالكها حقيقة أو حكما، كما أشار إليه ولو جيشا، وإنما كان الجيش مالكا حكما لأن الأرض لا تملك للجيش؛ إذ بمجرد الاستيلاء عليها تكون وقفا على ما مر، ومعنى كلام المصنف أن الجيش إذا افتتحوا الأرض عنوة ووجد فيها ركاز فإنه يخرج منه الواجب، والباقي للجيش ثم لورثتهم، وقيل: لواجده وعلى المشهور إن انقرضوا فللمسلمين، وقيل: للفقراء، وقال عبد الباقي بعد قوله: "ولو جيشا": فيكون لمن وجده من الجيش أو ورثته، وإلا فللمسلمين. انتهى. ولسحنون: كاللقطة، ولغيره: كمال جُهلت أربابه، فتلك ثلاثة أقوال فيما إذا لم يوجد الجيش، ولا ورثتهم. قاله محمد بن الحسن. وأما باقي الندرة فحكمة حكم المعدن، وشمل كلام المصنف المملوكة لعين، سواء وجده المالك أو غيره بناء على أن من ملك أرضا ملك باطنها، وفي الخرشي أن قوله: "ولو جيشًا": مبني على أن الأرض تقسم على الجيش كالغنيمة، وقوله: "ولو جيشا": الجيش واحد الجيوش، وهو الجند من جَاشَت القِدْرُ إذا غلتْ، ويقال: جَيَّشَ فُلَانٌ الجيوشَ إذا جمعها. قاله الشيخ إبراهيم. فإن لم يوجد مالك الأرض سواء كان معينا أو جيشا فإنه يكون لوارثه، فإن لم يوجد وارثه فهو مال جهلت أربابه، وقيل: لواجده، وقيل: إنه كاللقطة. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف؛ أي وإن لا تكن الأرض مملوكة لأحد كالموات، فإن الركاز يخرج منه الواجب من خمس أو زكاة، والباقي بعد ذلك كله لواجده؛ أي لواجد الركاز، وقال مطرف وابن الماجشون وابن نافع: إن باقي الركاز لواجد الركاز مطلقًا، فهم مقابلون للمصنف وليسوا قائلين بالتفصيل الذي عنده. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وإن لا تكن الأرض مملوكة لأحد كموات أرض المسلمين وأرض الحرب التي لم تفتح عنوة، ولا أسلم أهلها عليها فالباقي لواجده. انتهى.

стр. 2073

وإلا دفن المصالحين فلهم، قوله: "وإلا دفن" عطف على قوله: "إلَّا لكبير نفقة". قاله عبد الباقي؛ يعني أن الركاز المدفون بأرض أهل الصلح، يجده غيرهم أو بعضهم بها يكون لأهل الصلح أي لمجموعهم بلا تخميس، فقوله: "المصالحين"، على حذف مضاف كما أشرت إليه في الحل؛ أي دفن أرض المصالحين ليشمل ما إذا كان الدفن منهم ومن غيرهم، قال في الشامل: ثم لورثتهم، فإن انقرضوا فكمال جهل ربه، فإن وجده من ملكها أي عنهم وعن أهل العنوة بشراء أو هبة فله أي لواجده على المشهور، وقيل: لهم ولا يخالف هذا ما يأتي في تناول البناء والشجر الأرض، من أن من اشترى أرضا أو دارا فوجد بها دفنا فإنه يكون لبائعها أو لوارثه إن ادعاه وأشبه، وإلا فلقطة لأن ما يأتي فيما إذا كان الدفن لمسلم أو ذمي، وما هنا في كافر غير ذمي، قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله: "وإلا دفن المصالحين فلهم": قال في الشامل: ثم لورثتهم، فإن انقرضوا فكمال جهل ربه، فإن وجده من ملكها عنهما فله، وقيل: لهم، وفي [الأخير] (١)، ثالثها لواجده فإن كان دفن صلحي فله إن علم وإلا فلهم، وذو علامتي إسلام وغيره فلواجده ويخمس، وما جهل لعدم علامة أو طمسها فلواجده وشهر، وقيل: إن وجد بفيافي الإسلام فلقطة، وأما من وجده في ملكه فله اتفاقا، وقال في التوضيح: ولو وجد الركاز في موضع جهل حكمه، فقال سحنون: هو لمن أصابه ويخمس. انتهى. قوله: جهل حكمه؛ أي جهل، هل الأرض التي وجده فيها صلحية أو مملوكة أو غير ذلك؛ كما مر ما يفيده. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقد مر أن قوله: "وإلا دفن"، عطف على قوله: "إلَّا لكبير عمل"، ولا يصح عطفه على قوله: "وإلا فلواجده"؛ لأن إلَّا الاستثنائية لا تعطف على المركبة من شرط ونفي كما نص عليه الشبراخيتي. إلَّا أن يجده رب دار بها، مستثنى من قوله: "فلهم"؛ يعني أن محل كون المدفون بأرض المصالحين لمجموعهم إنما هو حيث لم يجده رب دار منهم بداره، وأما لو وجده أحد المصالحين مدفونا بداره، فإنه يكون له بانفراده، وكذا يكون له على المعتمد دونهم إن وجده في داره غير

стр. 2074

مالك الدار التي وجد بها، وهذا الذي ذكره المصنف إنما هو فيما إذا كان الذي وجده في داره من جملة المصالحين. كما قررت. فإن كان دخيلا فيهم فلهم لا له، وقوله: "إلَّا أن يجده رب دار بها فله": فإن أسلم رب الدار فلا يكون حكمه للإمام، والفرق بينه وبين المعدن أن المعدن مظنة التنازع لدوام العمل فيه بخلاف الركاز. والله أعلم. وقوله: "إلَّا أن يجده رب دار بها فله"، تظهر فائدته فيما إذا أسلم الصلحي رب الدار، وتنازع أهل الصلح معه، وفيما إذا لم يسلم وترافعوا إلينا؛ لا إن لم يترافعوا إلينا فيما إذا لم يسلم؛ لأنا لا نتعرض لهم. كما قاله بناني. وتحصل مما مر: أن الدار إذا كانت لمصلحي فوجد بها ركاز فهو لربها مطلقًا، وجده هو أو غيره، وهذا هو تأويل عبد الحق وابن محرز، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، لكنه خلاف ظاهر المصنف؛ إذ ظاهره أن الدار إذا كانت لصلحي فإن وجده بها ربها فهو له، وإن وجده غيره فهو لجميع الصالحين، وهذا تأويل أبي سعيد وابن أبي زيد، وقد تقدم في أول الحل أن المعتمد خلاف ظاهر المصنف تبعا لعبد الباقي، وقال محمد بن الحسن: ولما لم يترجح عند المصنف التأويل الأول اتبع الثاني، فاعتراض الزرقاني عليه تبعا للأجهوري غير ظاهر؛ إذ الأول ليس بأولى من الثاني حتى يجب المصير إليه. انظر مصطفى. وقوله: "فلهم"؛ أي للمصالحين، وقد قدمت أنه يكون لهم بلا تخميس تبعا لغير واحد، وفي التوضيح: وحيث حكمنا به لأهل الصلح، فقال في الجلاب: يخمس، وقال في المدونة: لا يخمس. قاله الحطاب. وفي كون ركاز الأرض إذا بيعت لمشتريها أو لبائعها قولان لابن القاسم ومالك. اللخمي: وقول مالك هو الصواب. انتهى. قاله ابن عرفة. نقله الحطاب، وقال عند قوله: "إلَّا أن يجده رب دار بها فله"، ما نصه: مراده من أهل الصلح وإن لم يكن منهم فهو لهم. نقله غير واحد. كابن عرفة وغيره. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها: ما غسل من تراب ساحل بحر وجد به ذهب أو فضةٍ مَّعدِنٌ. اللخمي: إن كان من بقية مال جاهليٍّ وقلت مؤنة غسله ركازٌ، واختلَف فيه قولُ مالك إن كثرت وإن أتت به سيول من معدَن احتمل كونه معدنا والأظهر فائدة قلت: الأظهر تخميسه. انتهى. نقله الحطاب.

стр. 2075

ودفن مسلم أو ذمي لقطة؛ يعني أن دفن مسلم أو ذمي علم كونه لأحدهما بعلامة، حكمه حكم اللقطة، وألحق الذمي بالمسلم لحرمة الإسلام ودخوله تحت ذمتهم، وماله تابع في الحرمة لنفسه، ولا مفهوم لدفن، فلو قال: ومال مسلم أو ذمي لقطة، لشمل غير المدفون، وإنما اقتصر على الدفون لدفع توهم أنه ركاز، وفي التوضيح: قال ابن عبد السلام: وما لم تظهر [عليه أمارة الإسلام أو الكفر] (١) حمل على أنه من دفن الكفر؛ لأن الغالب أن الدفن والكنز من شأنهم؛ أي فيكون لواجده، وعليه الخمس. وقال ابن [راشد (٢)]: إن لم توجد عليه علامة الإسلام والكفر، أو كانت عليه وطمست، فقال سند: إنه يكون لمن وجده قياسا على قول سحنون المتقدم فيما إذا وجد في أرض مجهولة بجامع أنه لا يعرف المالك فيهما، قال سند: وقال بعض أصحابنا: هو لقطة إذا وجد بأرض الإسلام تغليبا للدار، قال: والأول هو المشهور، وقد اتفقوا على أنه يخمس، ولو كان لقطة ما خمس، قال: وهذا إذا وجد بالفيافي، وأما إذا وجد في ملك أحد فإنه له عندهم اتفاقا، وقد مر عن الشامل شيء من هذا. قاله الحطاب. وما لفظه البحر كعنبر فلواجده بلا تخميس؛ يعني أن ما لفظه البحر -أي ألقاه من جوفه لساحله كعنبر ولؤلؤ وكل حلية مما ليس أصله ملكا لأحد. أو علم أنه ملك حربي -يكون لواجده أي آخذه لا رائيه؛ لأن الرؤية لا أثر لها في باب الاستحقاق بخلاف اليد، ولا يؤخذ من واجده خمس بل يفوز به كله، وأما ما علم تقدم ملك عليه ولفظه البحر أو غاص فيه وأخرجه، فإن كان لجاهلي أو شك فيه فهو ركاز، وإن كان لمسلم فلقطة، ولمشرك ينظر فيه الإمام لا لواجده. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي وغيره: وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في المدونة أنه إن كان لذمي نظر فيه الإمام لا لقطة. انتهى. وفصل ابن رشد فيما هو لمسلم، فقال: إن كان معطوبا فلقطة، وإن ألقاه ربه لنجاة نفسه فلواجده.

стр. 2076

ونقل ابن بشير أن ما لفظه البحر من ملك مسلم أو ذمي لواجده مطلقا، خلاف تفصيل ابن رشد بين ما ألقاه لنجاة نفسه أو كان عطبا، وفيها: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي أو ساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمسا، وما لفظه لحربيٍّ إن كان معه وأخذ بقتال أو لخوفه من أخذه لعدم حصوله في قبضة الإسلام فله مخمسا، وإن لم يخفه لحصوله في قبضة الإسلام ففيء لا لواجده: وقول ابن الحاجب: إن أخذ بقتال خمس وإلا فلا، قاصر للغوه خوف أخذه. وفي الشامل: فلو رآه أحد فبادر إليه غيره أو واحد من جماعة فللسابق، فإن كان مملوكا فهل لمالكه أو لواجده؟ قولان، إلا لحربي فلواجده حيث كان أخْذُهُ منه بقتال هو السبب، وإلا فَفَيْءٌ، والله أعلم. ولابن عاصم: وما رمى البحر به من عنبر … ولؤلؤ واجده به حر تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم: لو أسلم دابة بسفره آيسا منها أخذها ممن أخذها وأنفق عليها فعاشت. ابن رشد: لمسلمها آيسا منها بنية ردها أخْذُها من آخذها إن كان أشهد بذلك أو لم يشهد وتركها بأمن وماء وكلإ، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وبنية عدم ردها لا يأخذها، وبغير نية في حمله على الأول أو الثاني قولان، وعلى أنه يأخذها فعلى ربها نفقة أخذها لا أجر قيامه عليها إن قام عليها لنفسه، ولو قام عليها لربها فله أجره إن أشهد بذلك، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وسمع أيضا لمن طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه وحمله بغرم أجرهما. ابن رشد: هي كالتي قبلها وفاقا وخلافا، ولسحنون: من أخرج ثوبا من جب وأبى رده لربه فرده فيه، فطلبه ربه فلم يجده فعليه إخراجه ثانية، وإلا ضمنه. محمد: إن أخرجه فله أجره إن كان ربه لا يصل إليه إلا بأجر، وسمع أيضا لمن أسلم متاعه بفلاة لموت راحلته أخذه ممن احتمله بغرم أجر حمله. ابن رشد: أخذه لربه أو تملكا لظنه تركه، ولو أخذه اغتيالا (١) فلا حمل له. ابن شأس: ما ترك بمضيعة فقام عليه غيره فأحياه ففي كونه لربه أو آخذه روايتان: والثانية أصح. قاله الحطاب.

стр. 2077

الثاني: ورد في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات (١) عن ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا (٢))، ومعنى يحسر: ينكشف. قاله الحطاب. وشاهده قول ذي الرمة: وإنسان عيني يحسر الماء تارة … فيبدو وتارات يجم فيغرق قال القرطبي: نهي عن أصله من التحريم لأنه ليس ملكا لأحد وليس بمعدن ولا ركاز، فحقه أن يكون في بيت المال. وقوله: عن أصله، لعله على أصله. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. الثالث: عُلِمَ أن قوله: "كعنبر"، المراد به ما لم يسبق إليه بملك ولا خصوصية لما لفظه البحر بذلك، كما أشار إليه المصنف بقوله في باب الذكاة: "وملك الصيد المبادر"، فالمباحات كلها إنما تستحق بوضع اليد لا بالمعاينة، وفي خبر غير ثابت اللفظ: (من سبق إلى مباح فهو له (٣))، وقوله: "كعنبر"، العنبر خرء دابة في البحر، ويقال للحوت الذي في جوفه العنبر عنبر أيضا، قال الشيخ إبراهيم: وسمي هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه. قال الشافعي: حدثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة، فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة -وإذا ثمرها عنبر- قال: فتركناه حتى يكبر فنأخذه، فهبت ريح فألقته في البحر، قال الشافعي: والسمك ودواب الماء تبتلعه أول ما يقع لأنه لين، فإذا ابتلعته قلما تسلم لفرط حرارته، فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها فيظن أنه منها، وإنما هو ثمرة تنبت. قاله القسطلاني في شرح البخاري. انتهى. الرابع: علم مما تقدم أن الركاز دفن غير معصوم، فيدخل مال الحربي الوجود الآن وليس المراد خصوص الجاهلية -كما علمت- وقال الأمير: إن ما لفظه البحر إن تقدم له ملك فكالدفن المعصومُ منه لقطة، وغيره كالركاز وإن لم يتقدم عليه ملك فلواجده بلا تخميس. انتهى. وفيه موافقة مع ما مر عن عبد الباقي والشبراخيتي، حيث قالا: إن ما علم أنه لذمي لقطة، وهو مخالف لما مر

стр. 2078

عن ابن رشد، وعن محمد بن الحسن: أن ما لمشرك ينظر فيه الإمام وليس لواجده. والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: وفي الحطاب وكبير التتائي: الخلاف فيمن ترك شيئه فأخذه غيره، هل هو لربه حتى لو رماه الآخذ في كالجب ثانيا ضمنه وليس له إلا أجرة تخليصه أو نفقته على كالدابة أو لآخذه مطلقا، أو إن تركه ربه معرضا عنه؟. الخامس: قولهم: إن المعادن يجتمع لها شرار الناس، مما يزهد في الدنيا ويوجب الإعراض عنها بالكلية. وبالله تعالى التوفيق. ولما بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، شرع في الكلام على من تجب له، فقال:

стр. 2079

فصل: في بيان مستحق الزكاة، وما يتعلق بذلك، ومصرفها؛ المصرف هنا بكسر الراء اسم مكان ولا يصح الفتح هنا على أن المراد المصدر لفساد المعنى لأن المصدر لا يخبر عنه بالذات مع أن المحفوظ في المتن الكسر، ومعنى كلام المصنف أن الذي تصرف إليه الزكاة ثمانية أصناف؛ أحدها أشار إليه بقوله: فقير؛ يعني أن الفقير ممن يستحق الزكاة، والفقير من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة. قاله الشبراخيتي وغيره. وهو من فقر ككرم وتعب، ومعناه في اللغة: المحتاج، ويقال للأنثى: فقيرة، وجمعها فقراء كالمذكر، ومثلها سفيهة وسفهاء ولا نظير لهما؛ وهو مشتق من فقار الظهر كأن صاحبه انكسرت فقرات ظهره فلم تبق له قوة. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قال الأخفش: إن الفقير من قولهم: فقرت له فقرة من مالي؛ أي قطعت له قطعة فهو من له قطعة من المال. ومسكين، هذا هو الصنف الثاني من الأصناف الثمانية؛ يعني أن من المستحق للزكاة المسكين. وقوله: وهو أحوج، أشار به إلى أن الفقير والمسكين كل منهما صنف وليسا بمترادفين؛ يعني أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن الفقير هو من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة، والمسكين من لا شيء له بالكلية، وهذا هو المشهور لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦]؛ أي بلغت به الحاجة أن لصق جلده بالتراب من غير حائل، فليس له علقة من المال؛ ولقوله ﵊: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا (١)). ولا شك أن من هذه الحالة حالته تناهت به الحاجة إلى غايتها، وأما قوله ﷺ : (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا (٢))، فمعناه أنه ﷺ إنما سأل السكنة التي معناها يرجع إلى التواضع وإلى استكانة القلب لله وأن لا يكون من الجبارين، لا المسكنة التي هي نوع من الفقر، وأما قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ حيث أثبت للمساكين شيئا فالراد أنهم مساكين القهر والغلبة فلا طاقة لهم بدفع المَلِك عن غصب سفينتهم

стр. 2080

كقوله تعالى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ وذلك لا ينافي الغنى ويحتمل أن تكون مستأجرة لهم ويحتمل أنهم سموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف وقوله وهو أحوج هو المشهور وعليه فالمشهور أن الفرق بينهما شدة الحاجة كما مر وقيل إن الفقير يسأل بخلاف المسكين وقيل الفقير يعلم به فيتصدق عليه بخلاف المسكين ومقابل المشهور أن المسكين والفقير مترادفان واستدل له بقوله تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، وتقدم الجواب عن ذلك، وقوله: "أحوج"، فيه صوغ أفعل التفضيل من الخماسي. سؤال عمن قبض زكاة بعض أصحابه لبعض المساكين ولم يعينه ونيته دفعها لعجوز كبيرة السن عاجزة عن التصرف، وكان يجري عليها النفقة من تلك الزكاة حتى ماتت وكفنها، وفضلت من تلك الزكاة فضلة وليس لها وارث حاضر إلا عصبة غيب، فهل تعطى تلك الفضلة للمساكين حين لم تقبض الزكاة ولا أعلمها القابض، أو ذلك لعصبتها؟ جوابه مقتضى ما أفتى به ابن رشد عياضا أن ذلك موروث عنها فيوقف لورثتها ويبحث عنهم، فإذا لم يظهر لهم خبر بعد البحث والاستيناء يتصدق به عنهم، والذي أفتى به ابن رشد عياضا هو عن سؤال له عمن أخرج مالا لصدقة فعزل منه شيئا، سماه بلسانه وميزه لمسكين معين، ثم بعد ذلك بداله فصرفه لمسكين آخر، هل يباح له ذلك أم لا؟ وهل يستوي في هذا ما أخرجه الإنسان على هذا الوجه من ماله وما ميزه لمسكين من صدقة غيره على يده؟ فأجاب ابن رشد: فإذا كان الرجل عزل من المال الذي أخرجه للصدقة شيئا لمسكين بعينه وبتله له بقول أو نية، فلا يجوز له صرفه إلى غيره وهو ضامن له إن فعل ذلك ويغرم، وإن لم يبتله له بقول ولا نية كره له صرفه إلى غيره. والله سبحانه أعلم، ونقل ابن هلال غير صحيح. واعلم أن اللام في قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ للاستحقاق، وهو لا يقتضي تعميم الأصناف الثمانية، وعند الإمام الشافعي أنها للملك فيلزم تعميم الأصناف، فإذا أعطى عنده من كل صنف ثلاثة أجزأت الزكاة، واحتج أهل الذهب بأن آية الصدقة ليس فيها قسم بل هي إعلام بأهلها، ولذلك لو لم يوجد إلا صنف واحد أعطيها. واعلم أنه إذا لم يوجد إلا صنف واحد

стр. 2081

من الأصناف الثمانية، فالإجماع على أنها تعطى له وتجزئ، والمذهب أنه إذا اجتمعت الأصناف الثمانية وأعطيت لصنف واحد فإنها تجزئ، وسيأتي للمصنف دون عموم الأصناف. وفي الشبراخيتي: ويكره إعلامه بأنها من الزكاة أو من حق الله؛ لأن فيه جرح القلوب، وينبغي للشخص أن يختار لصدقته أهل الفضل والصلاح، فإن سد خلتهم أولى من سد خلة غيرهم. انتهى. وفي الحطاب: وإذا اجتمعت الأصناف فالمذهب أنه لا يجب استيعابها، بل لو أعطيت صنفا واحدا أجزأ. نقله القرافي في الذخيرة. وقول ابن عرفة: صرفها في أحدها غير العامل مجزئ، خلاف إطلاق ابن الحاجب والشامل والقرافي وغيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك في التنبيه الرابع في شرح قول المصنف: "وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف". والله أعلم. وصدقا؛ يعني أن الإنسان إذا ادعى أنه فقير فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة، وكذلك إذا ادعى أنه مسكين فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة. إلا لريبة؛ يعني أن محل تصديق من ادعى الفقر أو المسكنة إنما هو حيث لم تكن ريبة أي أمر يخالف دعواهما بحسب الظاهر، وأما إن كانت هناك ريبة بأن يشهد ظاهر كل منهما بخلاف ما يدعيه كالسمن ولبسه الثياب الجميلة فإنه لا يصدق كل منهما فيما ادعى، ولابد من إثبات ما يدعيه بالبينة، وهل يكفي الشاهد واليمين؟ أو لابد من شاهدين كما ذكروه في دعوى المدين العُدْمَ؟ ودعوى الولد العدم ليلا تلزمه نفقة أبويه؟ قال عبد الباقي: وهل يحلف معهما كما في المسألة الأولى، أولا كما في الثانية؟ انتهى. قوله: أولا كما في الثانية، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، لأن المسألة الثانية فيها اليمين أيضا، وإنما نفوا اليمين في دعوى الوالد العدم لينفق عليه ولده، وسيأتي قول المصنف وأثبتا العدم لا بيمين، فحقه أن يجعل هذه هي المسألة الثانية. ابن عرفة: وصدق مدعي عيال إن كان طارئا، فإن كان من أهل الموضع وقدر على كشف ذلك كشف عنه، فإن تعذر الكشف صدق، ومن كان معروفا باليسار كلف إثبات ذهاب ماله، وفي أحكام الشعبي: لا يقبل قول الرجل إن عنده من يستحق كفارة اليمين إلا ببينة وإن كان فاضلا دينا؛ لأن شهادته تجر نفعا إلى نفسه. انتهى. نقله عبد الباقي. قال: ويمكن حمله على غير الطارئ، ومن تعذر الكشف عليه فلا يخالف ما قبله. وفي الشامل: إن ادعى دينا أثبته مع

стр. 2082

عجزه؛ أي مع إثبات عجزه. انتهى. وإثباته يحصل ولو بشاهد ويمين، وإثبات عجزه إنما يكون بشاهدين على ما مر. انتهى. قوله: لأن شهادته تجر نفعا إلى آخره، أطلق الشهادة على قوله إن عنده من يستحقون، وفيه مسامحة. وقوله: ويمكن حمله على غير الطارئ لخ، فيه نظر، بل الظاهر أن كلام الشعبي على عمومه وهو ظاهر المواق، ولذلك استدل به على أن الأمر في الكفارة أضيق، قال: لأنه إن أعطاه لرأسين وكان هو برأسه وحده لم تبرأ الذمة بخلاف الزكاة. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "وصدقا إلا لريبة"، ما نصه: وإن ادعى عيالا صدق إن كان طارئا، وإن كان غير طارئ صدق إن تعذر الكشف عليه وإلا كشف عنه، وانظر ابن عرفة وغيره، وإن ادعى دينا كلف إثباته والعجز عنه إن كان عن مبايعة لا عن طعام أكله، وإثباته يحصل ولو بشاهد ويمين، وأما إثبات العجز عنه فلا يحصل إلا بشاهدين. انتهى. وقال الحطاب: قال في الشامل: وصدق من ادعاهما؛ أي الفقر والمسكنة إلا لريبة وَبَيَّنَ ذهاب مال عرف به، وإن ادعى عيالا ليأخذ لهم وهو من أهل المكان كشف عنه إن أمكن، وإن ادعى دينا بينه مع عجزه عنه. انتهى. وفي الجواهر: ما خفي من هذه الصفات كالفقر والمسكنة صدق ما لم يشهد ظاهره بخلافه، أو يكون من أهل الموضع ويمكن الكشف عنه فيكشف، والغازي معلوم بفعله، فإن أعطي بقوله ولم يوف استرد، ويطالب الغريم بالبينة على الدين والعسر إن كان عن مبايعة، لا إن كان عن طعام أكله، وابن السبيل يكتفى فيه بهيئة الفقر، وما ذكره صاحب الشامل أصله للخمي، وقبله في التوضيح وابن عرفة. والله أعلم. انتهى. إن أسلم؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمسكين والفقير أن يكونا مسلمين، سواء كانا صغيرين أو كبيرين أو سفيهين أو رشيدين، فلا يعطى منها كافر إلا أن يكون جاسوسا أو مؤلفا -كما يأتي- وإنما لم يعط الكافر منها لأنه ليس من أهل القرب، وهي قربة، وربما استعان بها على المسلمين، وثنى المصنف الضمير في قوله: "وصدقا"، ليلا يتوهم عوده على الأخير، فلما تقرر أنهما من أهل الزكاة واستويا في التصديق وعدمه، صح أن يرجع لهما الضمير حينئذ مفردا بتأويله بمن ذكر، أشار له عبد الباقي عن والده، وشمل المصنف الصبي -كما مر- والأرملة وصاحب هوى خفيف لا يخرجه عن الإسلام اتفاقا، كتفضيل علي رضى الله عنه على سائر

стр. 2083

الصحابة، قال بعضهم: وهو ظاهر لأن من سب صحابيا لا يكفر فأولى التفضيل، وروي تفضيله عليهم عن جماعة من الصحابة. كما نقله السيد السمهودي. لكن على وجه يشعر بعدم ارتضائه، ودخل فيه كل من لا يكفر ببدعته على اختلاف، كخارجي ولا يعطى إجماعا من يَكْفُرُ ببدعته اتفاقا، كالقائل بنبوءة علي، وأن جبريل غلط، والقائل إن في الأمة رسولين: ناطق وهو المصطفى ﷺ ، وصامت وهو علي ﵁، والقائل بأن الأئمة والأنبياء يعلمون ما كان وما يكون وشبههم. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: عبارة ابن رشد: ومن يقول إن الأئمة أنبياء يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. انتهى. وقال محمد بن الحسن: وكان الأولى للمصنف لو أخر الإسلام والحرية وعدم بنوة هاشم عن الأصناف الثمانية كما فعل ابن شأس وابن الحاجب؛ لأنها لا تختص بالفقير والمسكين، بل الإسلام شرط فيما عدا المؤلفة، والحرية شرط في غير الرقاب، وعدم بنوة هاشم شرط في الجميع. انتهى. وسيأتي لميارة ما يخالفه، وسيأتي أن الجاسوس يعطى منها ولو كافرا. وتحرر؛ يعني أنه لا بد في الفقير والمسكين من أن يكون كل منهما حرا، فمن لم يكن حرا لا تعطى له الزكاة بوصف الفقر ولا المسكنة، فلا يعطى منها قن ولا من فيه شائبة حرية من كتابة أو تبعيض أو استيلاد أو تدبير أو عتق لأجل؛ لاستغنائهم بساداتهم، كالولد بوالده، والزوجة بزوجها، ولا يرد الكاتب لأن نفقته كأنها اشترطت عليه. والحاصل: أنها لا تجزئ إذا دفعت لقن أو من فيه شائبة ولو مكاتبا على المشهور، ومقابله في المجموعة عن مالك أن المكاتب يعان بها في آخر كتابته إذا عجز، وعليه يجري ما نقله عبد الباقي عن اللخمي، وهو قوله: فإن ادعى أنه مكاتب كلف بيان ذلك لأنه على العبودية والصدقة لا تحل للعبد، وأرى أن يبحث عن الكتابة وعن قدرها، ثم القول قوله أنه عاجز. انتهى. تنبيه: إن عجز سادات العبيد عن النفقة عليهم، بيع منهم من يباع، وعجل عتق غيره، وكذا لو امتنع ساداتهم من الإنفاق، فيباع منهم من يباع، ويعجل عتق غيره. قاله التتائي. وظاهره أنه لا يؤجر منهم من تجوز إجارته، ولو كان في أجرته ما يفي بنفقته، وأن أم الولد تعتق ولا تزوج،

стр. 2084

ويأتي لبعضهم أنه يؤجر من يؤجر إن كان في أجرته ما يفي بنفقته، وأن أم الولد تزوج فإن تعذر ذلك بيع من يباع وعتقت أم الولد نقله الشبراخيتي، وعبد الباقي. وعدم كفاية بقليل؛ يعني أن من عدم الكفاية بالقليل بأن يكون لا شيء له أصلا أوله قليل لا يكفيه، تعطى له الزكاة. وبما قررت علم أن منطوقه صادق بأمرين، أن يكون لا شيء له أوله شيء قليل لا يكفيه فهو من مصارف الزكاة في كلا الحالين، واحترز بذلك عما إذا كان عنده ما يكفيه قليلا أو كثيرا، فإنه لا تعطى له الزكاة، وقوله: "بقليل"، متعلق بكفاية، "والباء" إما للسببية كما للخرشي، وإما باء الاستعانة كما في كتبت بالقلم، "وعدم"، فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على الفقير والمسكين. أو إنفاق، عطف على قوله: "بقليل"؛ يعني أن الذي يستحق الزكاة هو من عدم كفاية بإنفاق؛ بأن لا يكون له من ينفق عليه أو له من ينفق عليه نفقة لا تكفيه، واحترز بذلك مما إذا كان له من ينفق عليه بأن لزمت نفقته مليا ولو بالالتزام أو مقتضى الحال، فإنه لا تعطى له الزكاة. وقوله: "أو إنفاق"، النفقة تشمل الكسوة، وقوله: مقتضى الحال، كمعتق صغير غير قادر، وأفهم قوله: "أو إنفاق"، أن من لزمت نفقته مليًّا لا يعطى من الزكاة ولو لم يجرها عليه؛ لأنه قادر على أخذها بالحكم، وينبغي أن يستثنى من هذا ما لو كان اللي لا تمكن الدعوى عليه أو يتعذر الحكم عليه. البرزلي: من له ولد غني وأبى من طلب نفقته منه يعطى من الزكاة لأنها لا تجب إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد. وفي التوضيح عن ابن عبد السلام وغيره: فقر الأب ونحوه له حالان، الأولى أن يضيق حاله ويحتاج لكن لا يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة، ولا تلزمه نفقته بل تبقى ساقطة عنه كما كانت قبل ضيق حاله، الثانية أن يشتد ضيق حاله فيجب على ابنه أن ينفق عليه ولا يجوز له أن يدفع زكاته إليه، قاله ميارة. واستظهر الحطاب أن من له من ينفق عليه وله ضروريات شرعية لا يقوم بها، يعطى له منها ما يسدها. قال في النوادر عن مالك: والمرأة يغيب عنها زوجها غيبة بعيدة ولا تجد مسلفا، تعطى ما تحتاجه؛ أي من الزكاة. قال بعضهم: معناه وزوجها موسر، ولو كان معسرا أعْطِيَتْه، ولو وجدت

стр. 2085

مسلفا لأنه لا منفق عليها، ولا يعطى منها في شوار يتيمة لعدم شدة الحاجة لذلك، ولأنه ليس مصرف الزكاة. هذا هو الذي نقله المواق عن ابن الفخار، عند قول المص "ومالك نصاب". وفي الحطاب عن البرزلي عن بعض شيوخه: الجواز، ومثله في المعيار عن ابن عرفة أنه سئل عن ذلك، وأجاب بأن اليتيمة تعطى من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنا في حق المحجور. انتهى. أو صنعة، عطف على قوله: "بقليل"؛ يعني أنه يشترط في كل واحد من الفقير والمسكين أن يكون عادما للكفاية بصنعة؛ بأن يكون لا صنعة له أو له صنعة لا تكفيه، واحترز بذلك مما إذا كانت له صنعة تكفيه فإنه ليس من أهل الزكاة. تنبيهات: الأول: قوله "وعدم كفاية بقليل أو إنفاق أو صنعة"، الأولى حذفه لأنه حقيقة الفقير والمسكين، فلا معنى لذكره، ولم يذكره ابن الحاجب ولا ابن شأس الناسج على منوالهما غالبا. انظر الرماصي. فهذا الشرط المذكور إنما هو تحقيق لماهية الفقير والمسكين، والحاصل: أن الذي يستحق الزكاة هو الذي عدم الكفاية، وأما من لم يعدم الكفاية فإنه لا يعطى، سواء حصلت له الكفاية بقليل أو كثير أو إنفاق أو صنعة، وهذا هو الذي قررت به المصنف، وقرره به غير واحد. الثاني: قال الحطاب: قال ابن الحاجب: ويشترط فيهما -أي الفقير والمسكين- الإسلام والحرية اتفاقا، وأن لا يكون ممن تلزم نفقته مليا، وكذلك إن كانت لا تلزم ولكنه في نفقته وكسوته، قال في التوضيح: يعني أنه يلحق اللتزم للنفقة والكسوة بمن تلزمه في الأصل، وسواء كان التزامه لها صريحا أو بمقتضى الحال، وسواء كان من قرابته أو لا. قاله ابن عبد السلام. فإن انقطعت النفقة أو الكسوة على أحد الشخصين فإنه يجوز أن يدفع له من الزكاة ما تعذر عليه من النفقة والكسوة. انتهى. الثالث: في المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان رجل فقير وله ابن غني لا يناله رفقه، فلا بأس أن يعطى من الزكاة، وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر. انتهى. فقوله: أولى أن يوثر يدل على أنه يعطى؛ وهو موافق لما تقدم عن التوضيح؛ لأن قوله: يناله رفقه، يفهم منه أنه ليس ملتزما له بالكفاية، فلو التزم له بالكفاية لم يعط.

стр. 2086

وسئل السيوري عن كافل يتيمة تخدمه وهو يطعمها ويكسوها، هل تعطى من الزكاة ما ترتفق به في كسوتها، أو تتجمل به في العيد، أو متى تزوجَتْ؟ فأحال السائل على ما عنده، قال البرزلي: لم يعطه جوابا، وأحاله على ما عنده، والذي سمعت عن بعض شيوخنا: أنها تعطى من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنا في حق المحجور، قال: والصواب في هذه المسألة المفروضة أنه إن قابل شيء من الزكاة خدمتها فلا يجزئ لأنه صون بها ماله وإن لم يقابل ويعلم أنه لو لم تخدمه لم يعطها شيئا فلا يعطيها أيضا، وإن لم يكن شيء من ذلك فإن كان غيرها أشد حاجة منها فلا يعطها، وإن استوت الحاجة فغيرُها ممن يصرفه في أهم مما تصرفه هي فيه خيرٌ؛ وإن اشتدت حاجتها من غيرها أعطيت ما تدعو الضرورة إليه من أسباب النكاح. انتهى. ويؤخذ مما يأتي عن النوادر في قوله: ودفع أكثر منه. قاله الحطاب. الرابع: قال الحطاب: يعطى المحجور من الزكاة، وتدفع لوليه، ويدفع إليه القدر الذي يحتاج إليه في وقته، ومن فقد عقله يعطى لوليه من الزكاة ما ينفقه عليه، وقليل الصلاة لا يعطى من الزكاة. قاله السيوري. وقال البرزلي: ومن يفقد عقله في وقت دون وقت، إن كانت حاله وقت الصحو كحالة الصحيح الرشيد فإنه يعطى من الزكاة ولا يضرب على يديه، وإن كان بحيث لا يضبط حاله فحكمه حكم المحجور، ويعطى القليل الذي يضطر إليه في الحال، ويدفع لوليه الكثير يصرفه إليه في أوقات الضرورة، وجواب السيوري في مضيع الصلاة على وجه الشدة، فلو أعطاه لمضى. انتهى. الخامس: قال الحطاب: قال في سماع عيسى: يعطى من الزكاة أهل الهوى الخفيف الذي يُبَدَّعُ صاحبه ولا يكفر، كتفضيل عَلِيٍّ عَلَى سائر الصحابة وما أشبه ذلك، وأما أهل الأهواء المضلة كالقدرية [والخارج (١)]، وما أشبههم، فمن كفرهم بمئال قولهم لم يجز أن يعطوا من الزكاة، ومن لم يكفرهم أجاز أن يعطوا منها إذا نزلت بهم حاجة وهو الأظهر، ومن البدع ما لا يختلف أنه كفر، كمن يقول: إن عليا هو النبي، وأخطأ جبريل، ومن يقول: الأئمة أنبياء يعلمون ما كان وما

стр. 2087

يكون، فهؤلاء وما أشبههم لا يعطون من الزكاة بإجماع لأنهم كفار، وقد قال ابن حبيب: لا يعطى تارك الصلاة من الزكاة، وهذا على أصله أنه كافر وهو بعيد. انتهى. وقال في النوادر: ولم يجز ابن حبيب أن يعطاها تارك الصلاة، وقال: إن ذلك لا يجزئ من فعله، وهذا قول انفرد به، وإن كان غيرهم أولى فلا بأس أن يعطوا إذا كان فيه الحاجة البينة. انتهى. وقال ابن عرفة: الشيخ عن محمد عن أصبغ: لا يعجبني إعطاؤها ذا هوى إلا خفيفه. الأخوان: لا يُعطِي ذا هوى، ومن فعله أساء وأجزأته، وسمع عيسى ابن القاسم: يعطى أهل الأهواء إن احتاجوا، هم من المسلمين. ابن رشد: إن خف هَوَاهُمْ كتفضيل عَلِيٍّ على كل الصحابة، والقدري والخارجي على القولين في تكفيرهم، ومنعها ابن حبيب غير المصلي على أصله. الشيخ: المصلي أولى منه، ويعطى [إن كان (١)]، ذا حاجة بينة. انتهى. السادس: قد مر قول السيوري: إن قليل الصلاة لا تدفع له الزكاة، وقول البرزلي: إن ذلك على وجه الشدة ولو أعطي لمضى، وقال البرزلي بإثر هذا الكلام: ومثله أهل المجون والمعاصي إذا كانوا يصرفون الزكاة في محلها من ضرورياتهم، ولو كانوا يصرفونها حيث لا ترضى غالبا فلا تعطى لهم ولا تجزئ من أعطاهم؛ لأنهم يتوصلون بذلك إلى المعصية، وهذا على القول بأنهم مسلمون، وعلى مذهب من يكفر تارك الصلاة فلا تجزئ، ونص عليه ابن حبيب، وأهل الأهواء يسلك بهم هذا المسلك الذي أصَّلْناه نقله الحطاب. السابع: دفع الزكاة إلى الأصلح حالا أولى من دفعها إلى سيء الحال إلا أن يخشى عليه الموت فيعطى، وإذا غلب على الظن أن المعطى ينفقها في المعصية فلا يعطى ولا تجزئ إن وقعت. انتهى. وقال في مسائل بعض القرويين في أيتام تحل لهم الزكاة لهم خادم غير متصل ولا متق، فهل يحرمون من أجله؟ فأجاب: يعطون من الزكاة ويأكل خديمهم منها بالإجارة، وقد بلغت محلها يتصرفون فيها كيف شاءوا. انتهى. وقال اللخمي: ولو أتلف غني ماله فيما لا يجوز لم يعط بالفقر؛ لأنه يصرفه في مثل الأول إلا أن يعلم منه توبة أو يخاف عليه.

стр. 2088

الثامن: قوله: "وعدم كفاية بقليل"، هو شامل لمن عنده نصاب أو أكثر. ولكن لا يكفيه لكثرة عياله مثلا، قال الإمام مالك ﵁: يعطى من الزكاة من له أربعون دينارا إن كان أهلا لذلك لكثرة عياله؛ وتعطى لمن له دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنها عن حاجته لها، أوله فضل ولا يكفيه لعامه ولو زاد الفاضل عن نصاب، وانظر هل يعتبر فضل ما ذكر عما يليق بحالته التي هو عليها أو عما تندفع به الحاجة وإن لم يكن لائقا به؟ التاسع: قوله: "أو إنفاق"، قد مر أن المراد إنفاق لازم، إما أصالة أو بالالتزام أو مقتضى الحال، وأما من كان له ملي ينفق عليه تطوعا من غير التزام فله أخذها من غير المنفِقِ، ولا يعطيها من في عياله غير لازمة نفقته له قريبا أو أجنبيا، فإن فعل جهلا أساء وأجزأته إن بقي في نفقته. ابن حبيب: إن قطعها بذلك لم تجزه، ونقله الباجي في القريب فقط ولم يقيد إجزاء إعطائه بالجهل. نقله غير واحد. وقوله: "صنعة"، قال عبد الباقي: أي كسب أو علم حاصل من التمرن على العمل، فيعطى له منها تمام كفايته، وإن كسدت صار من الزمنى، وإن ادعى كسادها صدق واستحسن أن يكشف عن ذلك، وإن لم يعلم هل فيها كفاية أو لا صدق. قاله اللخمي. وظاهره ولو كانت تزري به، وتعبيره بصدق أولا وثانيا يقتضي أنه بغير يمين كما هو القاعدة. انتهى. البرزلي: وروى المغيرة: لا يجريها على الأيتام. البرزلي: قيدت عن شيخنا الإمام أن معناه أن يخرجها لهم كسوة وطعاما؛ لأنه من باب إخراج القيم في الزكاة: وأما لو أخرجها لهم بعينها أو عَيَّنَهَا لهم صح له صرفها عليهم. انتهى. وإذا كان زوج المرأة معسرا أعطيت الزكاة حيث كانت معسرة، وفي الشبراخيتي ما نصه: وذكر الحطاب أيضا ما نصه ظاهر ما تقدم عن التوضيح أن من له من ينفق عليه ويكسوه لا يعطى من الزكاة ولو احتاج إلى ضروريات أخر لا يقوم له بها المنفق، والظاهر أنه يعطى ما يسد ضرورياته الشرعية. كذا في شرح شيخنا. انتهى. الْعَاشِرُ: لا تدفع الزكاة للأجَرَاءِ، كالمؤذنين، ومعلمي القرآن وغيرهم، وذلك فاش بالبادية؛ وهو خطأ صراح وغلط فاحش ونبذ للشريعة نسأل الله العافية، ولا يجوز إعطاؤها في حق وجب عليه، كدفعها لصاحب هدية ثواب أو لمن يخدمه، ونحو ذلك من دفع مؤنة. قاله ابن عبد الصادق. وعدم بنوة لهاشم؛ سقط يعني أنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة أن لا يكون ولدا لهاشم ثاني أجداد

стр. 2089

رسول الله ﷺ ، وابنه عبد المطلب وهو أول أجداده ﷺ ، اسمه شيبة وهو ابن أخي المطلب، ولما كان لونه السمرة وكان عمة يردفه خلفه سمي عبد المطلب، قال ابن رشد في أجوبته: لم يعقب من ولد هاشم غيره. واعلم أن هاشما له ثلاثة إخوة: المطلب، وعبد شمس، ونوفل، وهاشمٌ والمطلب وعبد شمس أشقاءُ، أمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمية، وأما نوفل فأمه واقدة بنت عمر من بني مازن بن صعصعة، وكان هاشم وعبد شمس توأمين وخرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم، ولم يبق لهاشم نسل إلا من عبد المطلب فقط، وكان يقال لهاشم والمطلب: البدران، ولعبد شمس ونوفل: الأبهران، وهذا دال على أن بين هاشم والمطلب ائتلافا سرى في أولادهما من بعدهما، ولهذا لما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشعب، دخل بنو المطلب مع بني هاشم ولم يدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس. نقله بناني. والمراد ببنوة هاشم، كل من لهاشم عليه ولادة من ذكر أو أنثى بواسطة غير أنثى، فلا يدخل في بني هاشم ولد بناته لأنهم ولد للغير، فتعطى لشريف من أمه ولأولاده. واعلم أن هذا الشرط أي قوله: "وعدم بنوة لهاشم"، عام في جميع الأصناف الثمانية. ذكره القرافي، وغيره. وكذا الحرية والإسلام إلا المؤلفة قلوبهم على القول المشهور فيهم. قاله الحطاب. وقوله: وكذا الحرية أي إلا، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ كما هو ظاهر. قال عبد الباقي: ومحل عدم إعطاء بني هاشم منها إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يُعْطَوْهُ وأضَرَّ بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم. ذكره الحطاب في الخصائص. وظاهره وإن لم يصلوا إلى إباحة أكل الميتة، وقيد الباجي إعطاءهم بوصولهم لها، ولعله الظاهر أو المتعين؛ لأن الانتقال من تحريم الصدقة عليهم الثابت بالخبر إنما يكون بحل الميتة، ويمكن حمل ما للحطاب عليه بأن يفسر إضرار الفقر بهم بوصولهم لحل الميتة. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: ومنع منها كفر إلا ما سبق من المؤلفة ورقٌّ وبنوةٌ لهاشم فقط لا المطلب على المذهب إلا أن يمنعوا حظهم فبالفقر، ولا يشترط حل أكل الميتة على المعول عليه، وفي عبد الباقي: يشترى بها رق هاشمي لأن تحريره أولى، ونازعه بناني تبعا لابن عبد السلام، وقال ابن الحاجب: وفي إعطاء آل الرسول

стр. 2090

صلى الله عليه وسلم الصدقة، ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب، ورابعها: عكسه، الأول للأبهري، قال: لأنهم منعوا في زماننا من حظهم من بيت المال، فلو لم يجز أخذهم من الصدقة لضاع فقيرهم، والثاني: وهو المنع مطلقا لأصبغ ومطرف وابن الماجشون وابن نافع، وهو المشهور، والثالث لابن القاسم، والرابع رأى أن الواجب لا منة فيه، بخلاف التطوع. انظر التوضيح. والمطلب؛ يعني أنه يعطى من الزكاة لمن عدم بنوة لهاشم والمطلب، فلا يعطى من الزكاة لبني المطلب أخي هاشم كما لا يعطى لبني هاشم، وهذا الذي ذكره المصنف من مساواة بني المطلب لبني هاشم، في تحريم الزكاة هو قول عزاه في الإكمال لبعض شيوخ المالكية، وذكره الرجراجي ولم يعزه، واقتصر عليه عياض في قواعده، وقال الشيخ زروق في شرح الوغليسية: هو المذهب، وكأنه اعتمد كلام المصنف هنا، ولكن الذي عليه مالك وأكثر أصحابه أن آله الذين لا تحل لهم الصدقة بنو هاشم فقط. واعلم أن نسبَه ﷺ الصحيح المجمع عليه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، واختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وفيما بين إبراهيم وآدم عليهم الصلاة والسلام اختلافا كثيرا. والحاصل: أن بني هاشم آل، فلا تحل لهم الصدقة، وأن بني المطلب مختلف فيهم، والمشهور من مذهب مالك أن الزكاة تعطى لهم خلاف ما مشى عليه المصنف، وأن بني عبد شمس وبني نوفل ليسوا بآل فالصدقة حلال لهم، وقال ابن الحاجب: وبنو هاشم آل وبنو غالب غير آل، وفيما بينهما قولان: القول بالاقتصار على بني هاشم لابن القاسم، والآخر لأصبغ، وعليه فلا يعطى منها آل أبي بكر ولا آل عمر ولا آل عثمان. انظر التوضيح كحسب على عديم، تشبيه في مفهوم الشرط؛ أي فإن لم يعدم بنوة لهاشم لم تجزِ الزكاة إن أعطيت له، كما لا تجزئ إذا حسبت على عديم؛ يعني أن من له دين على شخص عديم ليس عنده ما يجعله في دينه، فحسب رب الدين عليه دينه في الزكاة بأن يقول رب الدين للمدين: أسقطت ديني الذي عليك

стр. 2091

من زكاة مالي لا يجزئه ذلك؛ لأن دينه تاو أي لا قيمة له، أو قيمته دون خلافا لأشهب، القائل: يجزئ ذلك وإن علم من حال من تجب عليه الزكاة أنه إن لم يحسب ما على العديم من زكاته لم يزك، فإنه ينبغي العمل بما قال أشهب؛ لأن إخراج الزكاة على قول أحسن من لزومها على كل قول. قاله الشبراخيتي. وعلى المشهور فالظاهر أنه لا يسقط عن المدين ما حسب عليه؛ لأنه معلق على شيء لم يحصل، وأما من عنده ما يجعله في دينه أو بيد رب الدين رهن فيجوز حسبه عليه؛ لأن دينه ليس بتاوٍ، بمثناة فوقية أي هالك. ابن عرفة: وكذا عندي لو أعار رجل شيئا ثم يرهنه في دين عليه، أنه يجوز له أن يعطيه من الزكاة ما يفك به ما أعاره، ولا يتهم أنه قصد نفع نفسه لأنه فعل معروفين، ومثل حسبه على ملي من له على امرأة مائة دينار -أي مؤجلة- فله أن يتزوجها ويحسبها عليها من مهرها، فلو كان له عليها ربع دينار مؤجلا لم يحسبه عليها في مهرها؛ لأنه يؤدي إلى أن يتزوجها بأقل من ربع دينار؛ إذ المعتبر في المؤجل قيمته لا عدده. قاله عبد الباقي. وما مر من أن من له ما يجعله في دينه يجزئ رب الدين أن يحسب الزكاة عليه، اعترضه أبو الحسن بأنه وإن لم يكن تاويا لكن قيمته دون فلا يجوز حسبه، وأجاب عبد الباقي بما تقدم من أن الذي يحسب قيمته لا عدده. وقال الأمير عاطفا على ما لا يجزئ: وحسبها على مدين، وهل وإن مليا قولان؟ وقوله: "كحسب على عديم"، قال في المدونة: ومن كان له دين على رجل فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه في زكاته، قال غيره: لأنه تاوٍ لا قيمة له أو له قيمة دون، قال في التوضيح: وقد صرح ابن القاسم بعدم الإجزاء، وقال أشهب: يجزئه، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: ولا تحسب في دين على فقير، ومن فعل لم يجزه خلافا لأشهب، بناء على الكراهة والمنع، وبه أفتى ابن رشد. والله أعلم. نقله الحطاب. وجاز لمولاهم؛ يعني أنه يجوز إعطاء الزكاة لموالي بني هاشم؛ ويعني بمولاهم المولى الأسفل؛ وهو العتيق وولده؛ هذا قول ابن القاسم وهو المشهور، والشاذ لمطرف وابن الماجشون وأصبغ وابن نافع

стр. 2092

أنها لا تحل لمولى بني هاشم لخبر: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا (١))، قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بخبر: (مولى القوم منهم (٢))، فقال: قد جاء (ابن أخت القوم منهم (٣))، وإنما تفسير ذلك في الحرمة والبر، واختار اللخمي المنع، وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه وهو من إجماعاته المحذر منها: وسيأتي حرمة الصدقتين على آله؛ وهو المشهور كما في التوضيح عن ابن عبد السلام، وإن كان التفصيل؛ أي بين صدقة التطوع فتكره لهم، والواجبة فتحرم عليهم لابن القاسم، وصححه القرطبي وابن عبد البر، ونسبه لجمهور أهل الذهب، فقول عبد الباقي: وكذا تجوز لآله صدقة التطوع مع الكراهة، وما يأتي في الخصائص من حرمتها عليهم ضعيف -انتهى- فيه نظر، بل ما يأتي في الخصائص هو المشهور. انظر حاشية بناني. قال عبد الباقي وغيره: وأما مواليه ﷺ ففي جواز دفع الزكاة لهم ومنعه، لخبر: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا (٤)) خلاف. انتهى. يشير إلى حديث أبي رافع، قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ : اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله، فسأله، فقال: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا (٥))، وهو صحيح ذكره الترمذي في مسنده، انتهى كلامه في التوضيح. قاله الحطاب. وفي الحديث المذكور أن الصدقة حلال لمُرَّة فمن بعده إلى غالب؛ لأن مخزوما يجتمعون معه ﷺ في مرة. انتهى. قاله في التوضيح. وقادر على الكسب؛ يعني أنه يجوز إعطاء الزكاة للقادر على الكسب بصنعته، ونقل المواق عن اللخمي أن للصحيح ثلاثة أحوال: أحدها أن تكون له صنعة يقوم بها عيشه، فهذا إن كانت تكفيه وعياله لم يُعْطَ، وإن لم تكفه أعطي تمام كفايته، وإلى هذه الحال أشار بقوله: "أو صنعة"، الثانية أن لا تكون له صنعة أو تكون وكسدت ولم يجد ما يحترف به فهذا يعطى، الثالثة أن يجد ما يحترف به لو تكلف ذلك وهذه هي محل

стр. 2093

الخلاف فتعطى له على المشهور، وهو قول المصنف: "وقادر على الكسب"، ومقابله: لا تعطى له. وفي الحطاب أن مقابل المشهور ليحيى بن عمر، وعلم من هذا أن محل الخلاف في القادر على الكسب الذي له صنعة غير كاسدة، وأما العاجز ومن لا صنعة له أو كسدت فيعطاها باتفاق، وقال الأمير: ومصرفها فقير ومسكين وإن قدرا على الكفاية بصنعة لم يشتغلا بها؛ وهو قول الأصل: "وقادر على الكسب"، وقال الشيخ إبراهيم عند قول المصنف "وقادر على الكسب": بصنعة أو غيرها مع تركها اختيارا، كما يدل عليه كلام الحطاب، وهذ! حيث كان التارك لها اختيارا عليه في فعلها كلفة كما يفيده كلام المواق. انتهى. ابن الحاجب: وفي اشتراط عجز التكسب قولان، قال في التوضيح: المشهور أنه لا يشترط، واشترطه يحيى بن عمر وهو أظهر، لقوله ﵊: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ (١)). انتهى. والحاصل: أن الصحيح على خمسة أقسام: أحدها أن يكون له قدرة على الكسب بصنعة مثلا واستعملها وفيها كفاية له ولعياله، فهذا هو ومن عنده ما يكفيه من المال سواء في الحكم فلا تعطى لهما الزكاة، ثانيها أن يستعمل صنعته ولم يكن فيها ما يكفيه فيعطى لتمام كفايته، ثالثها أن تكسد صنعته فهو كالزمن، رابعها أن لا تكون له صنعة فإنه يعطى كالذي قبله، خامسها أن تكون له قدرة على التكسب بصنعة مثلا وترك ذلك اختيارا مع أنه يجد ما يَحْتَرِفُ لو تكلف، وهذه هي محل الخلاف، والمشهور أنه يعطى كما علمت. وقال يحيى بن عمر: لا يعطى، قال اللخمي: يجوز الأخذ بالقرآن ويمنع بالسنة. ومالك نصاب؛ يعني أنه يجوز دفع الزكاة لمالك نصاب أو أكثر حيث كان ما ذكر لا يكفيه، وهذا هو المشهور. قاله في التوضيح، فإن من الناس من لا يكفيه ذلك لكثرة عياله، ومنهم من يكفيه لعدم ذلك فيه، وقيل: لا يعطى لمالك نصاب؛ لأنه قال: تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فجعل مالك النصاب غنيا، رواه المغيرة عن مالك. وروي عن مالك أنه يجوز إعطاء من له أربعون درهما، وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى من له الدار والخادم والفرس، والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، وقاله أبو الحسن

стр. 2094

الصغير، وقال اللخمي: واختلف في قوله ﵊: (لا تحل الصدقة لغني (١))، فقيل: من كانت له كفاية وإن كانت دون النصاب، وقيل: من كان له نصاب لحديث: (أمرت أن آخذها من أغنيائهم وأردها على فقرائهم (٢))، وقيل: من كان له أكثر من نصاب ولا كفاية له حلت له؛ وهو ضعيف لأنه غني تجب عليه الزكاة، فلم يدخل في اسم الفقير؛ ولأنه لا يدري، هل يعيش حتى يفرغ ما بيده أم لا؟ ولا خلاف بين الأئمة فيمن له نصاب وهو ذو عيال ولا يكفيه ما بيده أن الزكاة واجبة عليه؛ وهو في عدد الأغنياء. قاله في التوضيح. وقال الشبراخيتي عند قوله: "ومالك نصاب"، ما نصه: لا يكفيه لبقية سنته فيعطى ما يكفيه لمنتهاها. انتهى. قال: وظاهر المصنف أنه لا يجوز دفعها لمالك أكثر من نصاب، ولو كان لا يكفيه لعامه وهو خلاف ما عليه ابن عبد البر، وعليه فقوله: "ومالك نصاب"، لا مفهوم له، وكذلك مالك أكثر منه إذا كان لا يكفيه. انتهى. وقال: وجاز دفعها لمالك نصاب أو أكثر منه حيث كان لا يكفيه لعامه. انتهى. وسيأتي عند قوله: "وكفاية سنة"، ما يفيد أن المراد بقولهم: جاز دفع الزكاة لمالك النصاب -حيث كان النصاب لا يكفيه لعامه- ما يكفيه إلى الوقت الذي ينال فيه عطية مثلا، وليس المراد حقيقة السنة، وبهذا يعلم أن قوله: وعدم كفاية بقليل لخ، معناه ليس عنده ما يكفيه لوقت ينال فيه عطاء؛ بأن يكون لا شيء له أوله ما لا يكفيه لذلك الوقت والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنهما عما سواهما أعطي من الزكاة، وإن كان فيهما فضل لم يعط، ويعطى منها من له أربعون درهما إن كان أهلا لذلك لكثرة عيال ونحوه. أبو الحسن: قوله فيهما فضل، يريد فضل يغنيه لو باعهما واشترى غيرهما، وقال المغيرة: إن كان يفضل عن ثمنهما عشرون دينارا لم يعط. انتهى. وهذا على أصله من أن مالك النصاب لا يعطى. أبو الحسن: انظر جعله هنا إذا كان له دار وخادم يعطى من الزكاة، وفي الأيمان: من له دار وخادم عليه أن يكفر ولا يجزئه الصوم، والفرق أن الكفارة حق عليه، وأخذ الزكاة حق له، والغِنَى الراعى: العين وعروض التجارة أو فضلة بينةٌ عن القنية، فإن كانت له

стр. 2095

دار وخادم ولا فضلة فيهما أو كان فيهما فضلة يسيرة أعطي من الزكاة، وإن كانت فضلة بينة لم يعط. انتهى. وقال في النوادر في آخر كتاب الهبات: ولا بأس أن يعطى من الزكاة من له المسكن والخادم، إلا أن تكون كثيرة الثمن فيه فضل. انتهى. وفي ابن يونس عن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى منها من له الدار والخادم والفرس، أبو الحسن عن بعض أشياخه: هذا في بلد يحتاج فيه للفرس. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: قال أبو الحسن الصغير: هل يعطى منها الفقيه إذا كانت له كتب يحتاج إليها، كما يحتاج المجاهد للفرس؟ وهذا الذي يقتضيه النظر. انتهى. نقله الحطاب. وفي التوضيح: خليل: والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، قاله أبو الحسن؛ يعني به أبا الحسن الصغير. وفي البرزلي في جملة سؤال سأله ابن أبي زيد ما نصه: فلو كانت له كتب فقه قيمتها كثيرة، فقال هذا لا غنى له عنها. البرزلي: كان شيخنا يقول: إن كانت فيه قابلية فيأخذها ولو كثرت كتبه جدا، وإن لم تكن له قابلية فلا يعطى منها شيئا إلا أن تكون له كتب على قدر فهمه خاصة فتلغى، وهذا كله على القول بجواز بيعها، وعلى المنع فهي كالعدم، وعلى مذهب المدونة من الكراهة، فقال بعض المغاربة: فلا تمنعه من أخذ الزكاة ولا تباع عليه في الدين لأنه مكروه، والشرع لا يجبر على مكروه. البرزلي: ولعلها تجري على تزويج أم ولده في غيبته، وعدم وجود من ينفق عليها. انتهى. وفي شرح الرسالة للجزولي: الشيخ: وإذا كانت عنده كتب، هل يعطى أو تباع عليه؟ فإن كانت كتب التاريخ تباع عليه، وإن كانت للطب نظر، فإن كان في البلد طبيب غيره بيعت عليه ولا يعطى من الزكاة، وإن لم يكن في البلد طبيب لا تباع عليه ويعطى من الزكاة، وإن كانت للفقه نظر، فإن كان ممن ترجى إمامته أعطي من الزكاة ولا تباع عليه، وإن كان ممن لا ترجى إمامته تباع على القول بجواز بيعها، وعلى القول بالمنع لا تباع، ويعطى من الزكاة. انتهى. وقال الثعالبي بعد ذكره كلام أبي الحسن: وَقَدُ اختلف فيه، ذكر الخِلافَ فِيهِ ابن رُشْدٍ، والقياس على من له خادم ودار وفرس أنه يأخذ، وهذا فيمن كانت في عقله فطنة (١)، وكان مدرسا مفتيا لا

стр. 2096

يستغني عنها، والأحسن في هذا أن يأخذ، وأما كتب النحو والأدب فليست مثلها. انتهى. قاله الحطاب. الثالث: تقدم عن البرزلي أن اليتيمة تعطى من الزكاة ما تصرفه في ضروريات النكاح، والأمر الذي يرى القاضي حسنا في حق المحجور، فعلى هذا فمن معها من الأمتعة والحلي ما هو من ضروريات النكاح، تعطى من الزكاة من باب أولى. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. الرابع: ما حكم السؤال؟ قال عبد الباقي: هو مكروه. انتهى. وفي الحديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا (١))؛ أي إلحاحا، قال ابن عبد البر: السؤال لمن ملك هذا القدر مكروه، وليس بحرام، والمراد أوقية الفضة؛ وهي أربعون درهما. انتهى. وقال الأجهوري بعد نقله كلاما لابن عبد البر: فقد استفيد منه أن في سؤال صدقة التطوع قولين بالكراهة والنع، وفي تبصرة ابن محرز ما ظاهره الحرمة، فإنه قال: أبو الحسن القصار: من كان معه ما يقوم به لأدنى عيش لم يجز له أن يسأل، وإن لم يكن له شيء فالمسألة له حلال، فقوله: لأدنى عيش، ظاهره: ولو قل زمنه. انتهى. وهذا الذي ذكرته إنما هو في سؤال ما يحل، وأما ما لا يحل كسؤال الغني للزكاة فإن سؤاله حرام، وقال الفاكهاني: -يتعجب ممن قال بكراهة السؤال مطلقا مع وجود السؤال في زمنه ﷺ ثم السلف الصالح من غير نكيح- فالشارع لا يقر على مكروه. انتهى. وفي قوله: من غير نكير، نظر ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. قاله ابن زكري. وفي البخاري عنه ﷺ أنه قال: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم (٢))، قال القسطلاني: بل كله عظم، ومزعة بضم الميم أي القطعة من اللحم أو النتفة منه؛ وهي بضم الميم كما علمت وسكون الزاي وفتح العين المهملة، وزاد في القاموس كسر الميم، وحكى ابن التين فتح الميم والزاي، وفي العارضة: وقد يكون السؤال واجبا أو مندوبا، فأما الواجب فللمحتاج، وأما المندوب فلمن تُعِينُهُ وَتُبَيِّنُ حاجته إن

стр. 2097

استحيا هو من ذلك أو رجا أن يكون بيانه أنفع وأنجع من بيان السائل كما كان النبي ﷺ يسأل لغيره في أحاديث كثيرة. وفي الحطاب: ورأيت بخط بعض المغاربة ما صورته، قال بعضهم: الإنسان بالنسبة إلى أخذ الصدقة على قسمين: طالب، وغير طالب، فالطالب لها على قسمين: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا، وغير المحتاج يحرم عليه الأخذ مطلقا؛ وأعني بالمطلق سواء كان ما يأخذه من المتصدق واجبا عليه كالزكاة أو تطوعا، وأعني بغير المحتاج من عنده قوت يومه بالنسبة إلى طلب المتطوع، أو قوت سنة بالنسبة إلى طلب الواجب، والمحتاج عكسه، والقسم الثاني وهو غير الطالب لها على قسمين أيضا: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا: وغير المحتاج يجوز له الأخذ من التطوع دون الواجب، وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية. انتهى ما رأيته وهو حسن إلا أنه غير معزو. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. قوله: وهو حسن أفاد به أنه مرضي عنده، ومن تأمل ما مر علم أن هذا يعتمد عليه وأنه صحيح، إلا أن قوله: وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية، خاص بصدقة التطوع كما هو ظاهر، ويأتي ما يدل له عند قوله: "وكفاية سنة"، لكن نقل الحطاب ما يفيد أنه يعطى الفقير من الزكاة ما يزيد على غناه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وإلا أن قوله أن غير المحتاج حيث لم يكن طالبا يجوز له الأخذ من التطوع، قال فيه علي الأجهوري: ما لم يعلم أو يظن أن الدافع دفع له على ظن صفة ولم يكن متلبسا بها، وانظر إذا شك في ذلك هل يكون الحكم كذلك فيحرم الأخذ أم لا، وأما الطالب غير المحتاج فإنما حرم عليه الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن طلبه مظنة أن الدافع يعتقد أو يظن أنه محتاج. انتهى. قوله: وانظر إذا شك في ذلك لخ، الظاهر جواز الأخذ حينئذ، والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقال النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أحدهما التحريم لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُلِحَّ، ولا يذل نفسه زيادة على ذل السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد شرط من ذلك حرم. انتهى. واعلم أن ما أتى من غير مسألة ولا

стр. 2098

استشراف نفس أي تطلعها يسوغ أكله وقبوله، أما المسألة وما أتى عنها فقد مر حكمهما، وأما ما لم يأت عن مسألة لكنه استشرفت نفسه إليه، فالذي يفيده كلام الشيخ العارف بالله تعالى ابن عباد ﵁ أنه مكروه، أو خلاف الأولى، فإنه قال ﵁ في شرح الحكم: الاستشراف إلى الناس مذموم وقادح في التوحيد، فلا ينبغي أن يأخذ المريد عطاء على هذا الوجه، وفي حديث مسلم والبيهقي: (أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر ﵁ العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : خذه فتموله أو تصدق به، وما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك (١)). قال سالم بن عبد الله: فمن أجل ذلك كان عمر لا يسأل الناس شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه. وفي الحديث أيضا: (ما جاءك من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليك (٢)). الإشراف: التعرض للشيء والحرص عليه، قال أبو داود: وسألت عنه أحمد، فقال: هو بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه، فقال: هو أن يقول في نفسه يبعث إلي فلان بكذا، نقله ابن زكري. وعلم مما مر مصرف صدقة التطوع؛ فهي مباحة لكل أحد من غير طلب إن لم تكن على صفة مفقودة في المتصدق عليه حيث لم يكن محتاجا: ومع الطلب تجوز للمحتاج ولا تجوز لغير المحتاج، وقد مر حديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا (٣))، قال ابن عبد البر: المراد أوقية من الفضة لأن الأوقية إذا أطلقت فإنما يراد بها الفضة دون غيرها، والأوقية أربعون درهما، فمن سأل وله هذا القدر من الفضة أو ما يقوم مقامه فهو مُلْحِفٌ، والإلحاف في كلام الرب الإلحاح باتفاق جميع أهل اللغة، والإلحاح على غير الله مذموم؛ لأنه قد مدح الله بضده، فقال: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، والسؤال لمن ملك هذا القدر مكروه وليس بحرام، وأما ما يحرم فيحرم الإلحاح فيه وغير الإلحاح والتعرض له، وما جاء من غير مسألة فله أكله إن كان من غير الزكاة بلا خلاف؛ لأنه يجوز أكل الصدقة غير الزكاة للغني والفقير، وقد جاء في

стр. 2099

الحديث: (أعطوا السائل وإن جاء على فرس (١))، وقال في محل آخر: إن صدقة التطوع غير محرمة على أحد غير من ذكرنا، إلا أن التنزه عنها أحسن وقبولها من غير مسألة لا بأس به، ومسألتها غير جائزة إلا لمن لا يجد. انتهى. ويجوز أن يعطى في صدقة التطوع لأحد ما يقوم بعيشه إلى آخر عمره، وفي الموطإ: أن رسول الله ﷺ (أرسل إلى عمر ﵁ بعطاء فرده، فقال له رسول الله ﷺ : لم رددته؟ فقال: يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا، فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عن المسألة، وأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله، فقال عمر ﵁: والذي بعثك بالحق نبيئا لا أسأل أحدا شيئًا ولا يأتيني من غير مسألة إلا أخذته (٢)). وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية أن رسول الله ﷺ ، قال: (ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل إذا كان محتاجا (٣)). الخامس: في الحديث: الصدقة لا تحل لغني يريد المفروضة، والمعروف من مذهب مالك أنه لا يحد في الغني حدا لا يتجاوز إلا على قدر الاجتهاد المعروف من أحوال الناس. نقله ابن زكري. قال: وإلى عدم التحديد في الغنى ذهب الشافعي وغيره من أهل العلم. انتهى. السادس: اعلم أن للسائل حقا فلا ينبغي رده، ولا سيما وقد ورد في فضل الصدقة ما ورد، فقد روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ أنه جاءه سائل، فقال له ابن عباس: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتصوم وتصلي؟ قال: نعم، قال: سألت وللسائل حق، إنه لحق علينا أن نصلك فأعطاه ثوبا، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله تعالى ما دام عليه منه خرقة (٤))، وروى إمامنا مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا

стр. 2100

أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فَلُوه أو فصيله (١))، قوله: فتربوا؛ أي تكبر، وكف الرحمن هنا كناية عن محل قبول الصدقة [الذي (٢)] توضع فيه، وإلا فلا كف لله تعالى ولا جارحة، تعالى الله عما يقول الظالمون والمجسمون علوا كبيرا، والفلو المهر أول ما يولد، والفصيل ولد الناقة أول ما يفصل من أمه. قاله في التيسير. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا رجل في فلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء فتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد الله: ما اسمك؟ قال: فلان، الاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه (٣)). الحرة بفتح الحاء: الأرض ذات الحجارة السود، والشرجة واحدة الشراج وهي مسائل الماء إلى السهل من الأرض، والمسحاة: المجرفة من الحديد. وروى النسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: كان لرجل درهمان فتصدق بأحدهما، وانطلق الآخر إلى عُرْض ماله وأخرج منه مائة ألف درهم فتصدق بها (٤)). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد ﵁ أن أعرابيا، قال: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة، قال: (ويحك إن شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم، قال: فتحلُبها يوم ورودها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا (٥))، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله

стр. 2101

عليه وسلم: (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء (١))، وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان من السماء، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا (٢))، وفي أخرى يقول الله تعالى: (يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك (٣))، وروى النسائي عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته صحبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن كان إبلا فبعيرين وإن كان بقرا فبقرتين (٤))، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (دينارا أنفقته في سبيل الله، ودينارا تنفقه في رقبة، ودينارا تصدقت به على مسكين، ودينارا تصدقت به على أهلك (٥))، وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة (٦))، وأخرج رزين عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (تصدقوا فيوشك الرجل أن يمشي بصدقته، فيقول الذي يعطاها: لو جئت بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي فيها فلا يجد من يقبلها منه (٧))، وروى الشيخان عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء (٨)).

стр. 2102

وفي صحيح البخاري أنه ﷺ ، قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (١)). قوله: سبعة يشمل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعا، فلا يدخلن في الإمامة العظمى ولا في ملازمة المسجد؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، وقوله: في ظله إضافة الظل إليه سبحانه إضافة تشريف، كناقة الله: والله تعالى منزه عن الظل؛ إذ هو من خواص الأجسام، والمراد ظل عرشه كما في حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن، وقوله: يوم لا ظل إلا ظله؛ أي يوم القيامة، وقوله: عدل، بسكون الدال هو الذي يضع الشيء في محله، يقال: رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، أو العدل الجامع للكمالات الثلاثة: الحكمة والشجاعة والفقه؛ أو العدل المطيع لأحكام الله، والمراد به من له نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام، ولابن عساكر: إمام عادل اسم فاعل، وفي حديث سلمان: (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى (٢))، وقوله: تحابا في الله أي لا لغرض دنيوي، وقوله: اجتمعا عليه؛ أي على الحب في الله أي لم يقطعهما عارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، وقوله: وتفرقا عليه؛ أي لم يزالا على ذلك حتى فرقهما الموت. والله سبحانه أعلم. وقوله: منصب بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف، وقوله: دعته أي إلى نفسها للزنى كما يدل عليه السياق، وقوله: فقال، أي بقلبه أو لسانه ليزجر نفسه، وقوله بصدقة أي تطوعا وقوله: فأخفاها حتى لا تعلم لخ؛ أي لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، وصور بعضهم إخفاء الصدقة، بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له مثلا درهما فيما يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة، وقوله: ففاضت عيناه. أسند: الفيض إلى العين

стр. 2103

مع أن الفائض هو الدمع لا العين، مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعا، ونظم العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل السبعة المذكورة، فقال: وقال النبي المصطفى إن سبعة … يظلهم الله الكريم بظله محب عفيف ناشئ متصدق … وباك مصل والإمام بعدله وزيد ثامن؛ وهو رجل كان في سرية مع قوم بلغوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم، وفي لفظ أدبارهم حتى نجوا ونجا أو استشهد، وتاسع، وهو رجل تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره، وعاشر وحادي عشر، وهما رجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت عن حلم، وثاني عشر: رجل تاجر اشترى وباع فلم يقل إلا حقا، وثالث عشر ورابع عشر: من أنظر معسرا أو وضع له، وخامس عشر: أو ترك لغارم، وسادس عشر: من أنظر معسرا أو تصدق عليه، وسابع عشر: أو أعان خُرِقا؛ أي الذي لا صنعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة، وثامن عشر وتاسع عشر والعشرون: من أَعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، الحادي والعشرون: من أظل رأس غاز، والثاني والثالث والرابع والعشرون: الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظلم، وإطعام الجائع؛ ومعنى الوضوء على المكاره أن يكره نفسه على الوضوء كما في شدهّ البرد، والخامس والعشرون: من أطعم الجائع حتى يشبع، والسادس والعشرون أن سيد التجار رجل لزم التجارة التي دل الله عليها من الإيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، فمن لزم البيع والشراء فلا يذم إذا اشترى ولا يمدح إذا باع، وليصدق الحديث ويود الأمانة، ولا يتمنى للمؤمنين الغلاء، فإذا كان كذلك كان أحد الذين في ظل العرش، وسنده ضعيف. والسابع والعشرون: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵊: يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، وإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأسقيه من حظيرة قدسي، وأدنيه من جواري. والثامن والتاسع والعشرون: من كفل يتيما أو أرملة، الثلاثون والحادي والثاني والثلاثون: أتدرون من السابق إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (الذين إذا أعطوا الحق قبلوه،

стр. 2104

وإذا سُئِلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم (١)). وفي سنده، ابن لهيعة: والثالث والثلاثون: وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله، والرابع والثلاثون: الوالي العادل ظِلُّ الله، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والخامس والثلاثون: من أراد أن يظله الله بظله فلا يكن على المؤمنين غليظا وليكن بالمؤمنين رحيما، والسادس والثلاثون: من يصبر عند الثكل، والسابع والثامن والثلاثون: عن فضيل ابن عياض، قال: بلغني أن موسى قال: أي رب، من يظل تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: يا موسى الذين يعودون المرضى، ويشيعون الهلكى، والتاسع والثلاثون: شيعة علي ومحبوه: وهو حديث ضعيف، والأربعون: والحادي والثاني والأربعون: عن أبي الدرداء أن موسى قال: يا رب من يساكنك في حظيرة القدس. ومن يستظل بظلك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزنى، ولا يبتغون في أموالهم الربا: ولا يأخذون على أحكامهم الرشا، والثالث والرابع والخامس والأربعون: رجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ورجل لم يمد يده إلى ما لا يحل له، ورجل لم ينظر إلى ما حرم عليه وفيه عنبسة وهو متروك، والسادس والأربعون: من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من سورة الأنعام إلى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ وهو ضعيف، والسابع والثامن والتاسع والأربعون: واصل الرحم وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا، فقالت: لا أتزوج على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبد صنع طعاما فأطاب صنعته وأحسن بضعته ودعا عليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله، والخمسون والحادي والخمسون: رجل حيث توجه علم أن الله معه، ورجل يحب الناس لجلال الله وفيه متروك، والثاني والخمسون: المؤذن في ظل رحمة الله حتى يفرغ من أذانه وفيه متهم بوضعه، والثالث والرابع والخامس والخمسون: من فرج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة علي، والسادس والسابع والثامن والخمسون: حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه، والتاسع والخمسون: المريض، والستون: أهل الجوع في الدنيا، والحادي والستون، الصائمون، والثاني والستون: من صام من رجب ثلاثة عشر يوما وهو شديد الوهاء، والثالث والستون: من صلى ركعتين بعد ركعتي المغرب

стр. 2105

قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة؛ وهو منكر، والرابع والستون: أطفال المؤمنين. والخامس والستون: ابن الرجل الذي مات ابنه، فقال له النبي ﷺ : (أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش)؟، والسادس والستون: من ذكر بلسانه وقلبه، والسابع والثامن والتاسع والستون: رجل لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. انظر القسطلاني (١)). السابع: روى رزين عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها (٢))، وروى الترمذي عنه ﷺ أنه، قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت، فتعجبت الملائكة ﵈ من شدة الجبال، فقالت: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء، قال: نعم الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم إذا تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله (٣)). ولله در الجزائري حيث يقول: فاعجب لقدرة مولانا التي بهرت … إذ زاد ما في الهوى ثقلا على ثقل وروي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ (وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي النفقة والسفلى هي السائلة (٤))، رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي، ومراده بالستة: الشيخان مسلم والبخاري، وإمامنا مالك ﵀ وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي.
следующие страницы →