← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فصل في بيان ذلك، وقد مر الكلام على الفصل والباب هل استفهام لطلب تحصيل الحكم ولا يمتنع أن يؤتَى لها بمعادل كما في حديث جابر (هل تزوجت بكرا أم ثيبا) (١) إزالة أي إذهاب النجاسة بالماء المطلق، والنجاسة كما مر صفة حكمية توجب لموصوفها منع الصلاة به أو فيه، والمراد بالنجاسة النجاسة التي لا يعفى عنها وسيأتي الكلام على العفو عنها إن شاء الله عن ثوب المراد به كل ما لابس المصلي ففي كلام ابن العربي أن الثوب يطلق على ما يلبس في الوسط وعلى الرأس وعلى جميع البدن ولكل بعد ذلك اسم خاص انتهى قاله الشيخ عبد الباقي مصل أي مريد الصلاة فسماه مصليا تجوزا ولو كان الثوب الذي فيه النجاسة طرف عمامته الملقى على الأرض تحرك بحركته أم لا على المذهب وبدنه عطف على ثوب، والضمير فيه للمصلي وبدنه ذاته. والمراد بالبدن هنا ظاهره وما في حكمه كداخل فم وأذن وأنف وعين كاكتحال بمرارة خنزير إن لم يخش ضررا بالغسل، وإلا عفي عنها. وهذه الأربعة من الباطن في طهارة الحدث الأصغر والأكبر لعدم وجوب غسلها فيها، وما بطن لا يحكم له بشيء إلا بعد انفصاله، وإن ابتلعها تقايأها إن أمكن لتقل النجاسة فإن تقليلها واجب كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأظهر منه أن يقال: ما بعد التقايؤ معجوز عنه فإن لم يتقايأها بطلت على الراجح ما دامت على حالها، وقيل لا تبطل وبطلانها حاصل ولو تاب فإن لم يمكنه التقايؤ صحت ولو لم يتب. وهل يعيد في الوقت إن زال بغير تقايؤ؟ الجاري على جعلها كنجاسة الظاهر أنه يعيد في الوقت لأنه عاجز، وظاهر ما تقدم أنها تبطل، وإن استعملها لضرورة كما إذا شرب الخمر لإساغة أو إكراه أو ظنه غيرا، وقال أحمد عن الناصر اللقاني: لا تبطل في هذه الثلاثة، وكذا لو أكل الميتة اضطرارا لعجز، وأما إزالة النجاسة عن بدن غير المصلي فإن منعت الطهارة وجبت إزالتها وإلا ندبت، وقيل تجب مطلقا والخلاف في غير الخمر، وأما هي فيحرم التضمخ بها اتفاقا، وعبارة الشيخ الأمير الراجح كره التلطخ بالنجس في ظاهر الجسد، وحرم بالخمر ومكانه أي ما تماسه أعضاؤه فالمعتبر محل قيامه وقعوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله ولا ما تحت

стр. 282

بطنه حيث لم يمسه فتصح صلاة المومئ بمحل به نجاسة لا طرف حصيره يعني أنه لا يشترط في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن طرف الحصير الذي يصلى عليه حيث كانت بطرفه نجاسة، والمراد بطرفه ما زاد على مكان المصلي فلا تبطل الصلاة بنجاسته ولو تحرك بحركة المصلي على المعتمد هذا هو الذي حمل المدونة عليه أكثر شيوخها وشراحها، والحاصل أنه إن لم يتحرك موضع النجاسة بحركته لم يضر اتفاقا، وإن تحرك فقولان، والمراد بالحصير كل شيء فرشه المصلي وصلى عليه، والمعتد الصحة في تحرك موضع النجاسة بحركته كما مر لأنه كالمركب يكون في بعض خشبه نجاسة وهو يتحرك بحركة المصلي وكالسقف يضطرب بالمصلي، وفي بعض أرضه نجاسة لا يلتفت إلى ذلك إجماعا، ومنهم من فسر الطرف بالوجه الموالي للأرض فلا تضر نجاسته حيث كان المحل الذي يصلي عليه المصلي طاهرا فيكون كنجاسة فرش عليها ثوب طاهرت ومنه مسألة الهيدورة؛ وهي جلد باطنه نجس أو متنجس وظاهره طاهر ولو شعر خنزير، وقد اختلف فيها أي في مسألة الهيدورة أصحاب الفقيه أبي ميمونة درَّاس فقه فاس فمنهم من أجاز ومنهم من منع. وقوله: "لا" طرف بالجر عطف على ثوب سنة خبر المبتدأ وهو إزالة، وشهره في البيان وهو قول ابن القاسم عن مالك، وفي المواق ترجيحه أو واجبة عطف على قوله: "سنة" والمراد بالوجوب هنا وجوب الشرط بدليل ما يأتي من قوله: شرط لصلاة طهارة حدث وخبث إن ذكر وقدر يعني أن القول بالوجوب محله مع الذكر للنجاسة، والقدرة على إزالتها وإلا يعني أنه إذا انتفى القيدان أو أحدهما بأن صلى بالنجاسة في بدنه أو ثوبه أو مكانه عاجزا عن إزالتها ذاكرا لها أو قادرا على إزالتها لكنه غير ذاكر لها أو عاجزا غير ذاكر أعاد ندبا الظهرين وتنتهي إعادتهما للاصفرار متعلق بأعاد فلا يعيدهما في الاصفرار، ويعيد الصبح للطلوع والعشاءين للفجر، والفرق بين الظهرين والعشاءين أن الليل يتنفل فيه كله ولا يعترض بالصبح تعاد بعد الإسفار لأنه يؤتى بالفجر وبالشفع والوتر بعده، والراجح أن الإعادة في الوقت مستحبة فإن تركها عمدا حتى خرج الوقت لم يعد عند ابن القاسم، وقال محمد وعبد الملك يعيد وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يعيد الظهرين للغروب ومعناه أنه يدرك الصلاة كلها قبل الغروب، وأما إذا لم يدرك إلا بعضها فقد فاته في هذه المسألة وقتها، وعلى قياسه يقال في

стр. 283

العشاءين والصبح، وبما قررت علم أن قوله: "إن ذكر" الخ قيد في الوجوب، وأما السنة فلا تنحط إزالة النجاسة عنها ذكر أم لا قدر أم لا كما قرره به غير واحد، ومنهم من رجع القيد المذكور للقول بالسنة أيضا لكن الخلاف في ذلك لفظي لأن من نظر إلى رفع الطلب حال العذر قال قيد فيهما، ومن نظر إلى طلب الإعادة في الوقت من العاجز والناسي قال قيد في الوجوب فقط، ومعنى كلام المصنف من قوله. "هل إزالة النجاسة" إلى هنا أنه اختلف في حكم إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه على قولين مشهورين: فقيل إزالتها عما ذكر سنة من سنن الصلاة ذكرها أم لا؟، قدر على إزالتها أم لا وقيل واجبة مع ذكر النجاسة والقدرة على إزالتها بوجود ماء مطلق يزيلها به أو وجود ثوب طاهر أو القدرة على الانتقال من المكان النجس إلى مكان طاهر، وأما مع النسيان لها أو العجز عن إزالتها فليست بواجبة بل تكون الإزالة حينئذ سنة كالقول الأول، وذكر المصنف في التوضيح أن ابن رشد شهر القول بالسنة وأن طريقة اللخمي تدل على أن القول الثاني هو المشهور. قال وصرح بذلك غير واحد فلذلك اقتصر هنا على ذكر هذين القولين، وذكر قوله: "مصل" ليشمل غير البالغ فإن الصبي هو المخاطب بالطهارة لا الولي، كما أن الصبي هو المخاطب بالصلاة على الصحيح، ومثل المصلي الطائف إلا أنه يبني كما يأتي إن شاء الله بخلاف الصلاة فيبتدئها، وقوله: "وبدنه" قد تقدم أن داخل الفم والأنف والعينين والأذنين يجب تطهيره من النجاسة كظاهر الجسد: وأن باطن الجسد غير هذه الأربعة لا يحكم له بشيء إلا بعد انفصاله إلا أن ما مقره المعدة مما لم يكن فيها بل أدخل فيها كخمر أو نجاسة غيرها يجب تقايؤه على المعتمد كما مر، وإذا كان الفم في حكم ظاهر الجسد فمن دمي فمه فمج الريق حتى انقطع الدم لم يطهر بذلك على الأصح، والصواب عدم قطع محرك نعله المتنجس لأنه غير حامل، وقطع من رفعها لأنه حامل، والغالب نجاسة النعل. ومسائلهم تدل على أن الغالب كالمتحقق قاله ابن ناجي، وقواه الحطاب بعد أن نقل عن البرزلي أن النعل إذا لم تتحقق نجاستها يغلب الأصل فيها على الغالب فلا تبطل صلاة من رفعها حينئذ ولو تعدد محل النجاسة، ووجد من الماء ما يغسل به النجاسة من محل دون محل وجب عليه ذلك لأن تقليل النجاسة مطلوب قاله الحطاب. وقد مر عن الشيخ محمد بن الحسن أن تقليل النجاسة واجب، وفي كتاب الشيخ الأمير

стр. 284

أن تقليل النجاسة يجري فيه الخلاف الجاري في إزالتها، وقال غير واحد: إن ما كان من النجاسة بمحل واحد لا يغسل بعضه لأن ذلك يزيد النجاسة انتشارا انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا ظاهر في النجاسة العينية، وأما الحكمية بحيث لا لون ولا طعم ولا ريح كما إذا زال عين النجاسة بغير المطلق فلا يطهر ذلك والله سبحانه أعلم. وقوله: "ومكانه" قد تقدم أن المعتبر فيه ما تماسه أعضاء المصلي هذا هو المعتمد فمن صلى وبين يديه مرحاض فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا ولو كان ظاهر الجدار نجسا إذ لا يعتبر ما كان أمامه أو يمينه أو شماله، وقال ابن حبيب: من تعمد الصلاة إلى النجاسة وهي أمامه أعاد الصلاة إلا أن تكون بعيدة جدا أو يواريها عنه شيء، وإن كان دونها ما لا يواريها فذلك كلا شيء قال وإن كان ظاهر الجدار طاهرا فلا خلاف أن الصلاة صحيحة إلا أنه يكره ابتداء كما يكره أن يكون ذلك في حائط قبلة المسجد، ولا ينبغي أن يواجه المصلي شيء يُسْتَخْبَث، وفي رسم الجواب من سماع عيسى النهي عن الصلاة إلى جدار المرحاض والصغير والمرأة والكافر والمابون في دبره، فإن فات ذلك وصلى حذاءهم أوهم أمامه لم يعد الصلاة عامدا أو جاهلا أو ناسيا لا في وقت ولا في غيره. ابن رشد لأن الشرع قد قرر تعظيم شأن القبلة فمن الاختيار للمصلي أن ينزه قبلة الصلاة عن كل شيء مكروه، وسقوط طرف ثوب المصلي على جاف نجاسة بغير محله لغو، وإذا كان في أطراف بيت الشعر أو الخباء نجاسةٌ، وكان رأس المصلي يماس الخباء، أو بيت الشعر بطلت صلاته كمسألة العمامة وإلا فهو كالبيت المبني فلا يضر، وإذا عُمِل المرهمُ من عظام الميتة أو من شيء نجس وطُلِيَ به فالمشهور لا يعفى عن غسله فلا يصلي به حتى يغسله، وقال ابن الماجشون يعفى عنه لمشقة غسله من الجرح قاله في التوضيح. خلاف مبتدأ حذف خبره؛ أي في كونها واجبة أو سنة خلاف، قال الشيخ الحطاب: الذي يظهر من نصوص أهل المذهب أن الخلاف لفظي أي أنه اختلف في التعبير عن حكم إزالة النجاسة فبعضهم عبر عنه بالوجوب وبعضهم عبر عنه بالسنة ولا اختلاف بينهما؛ إذ القولان متفقان على أن من صلى بها ذاكرا قادرا يعيد أبدا، ومن صلى بها ناسيا أو عاجزا يعيد في الوقت، وعلى تأثيم من صلى بها عامدا أو قادرا كما صرح به في المعونة، وصرح به في المنتقى،

стр. 285

ونُقِل عن صاحب المعونة الإجماع على ذلك، قال الشيخ عبد الباقي وغيره: ورد بوجوب الإعادة على الوجوب وندبها على السنة كما يفيده الفاكهاني، وبأن الإثم على السنية لاستخفافه بها لا لتركها، وعلى الوجوب لتركها، وبأن القائل بها يرد تمسك القائل بالوجوب فهو معنوي. وذكر القرطبي في سورة براءة القول بالسنة والإعادة في الوقت عن مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ورواية ابن وهب عنه، ولم يذكر عن أحد القول بالإعادة أبدا على القول بالسنة على أن المعبر بأبدا يحمل على الندب نظير ما يأتي في قوله: "وبمعطن إبل" من أن من صلى به أعاد أبدا أي استحبابا انتهى. واعترضه الرماصي قائلا: هذا الكلام غير صواب إذ الإعادة على السنة واجبة أيضا كما هو ظاهر كلامهم بل صريحه لقولهم: إن الإعادة مبنية على الخلاف في ترك السنة [هل] (١) يبطل الصلاة فتكون الإعادة واجبة وهذا ظاهر بلا شك، وما عزاه للفاكهاني لم أره له وحاشاه أن يفوه بذلك بل كلامه يدل على خلاف ما قاله، ثم قال ما حاصله إن ما ذكره الشيخ عبد الباقي لا ينافي كون مآل القولين شيئا واحدا فالصواب أن الخلاف لفظي انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وقول الزرقاني على أن العبر بأبدا يحمل على الندب الخ يرد بما تقدم من تصريحهم بوجوب الإعادة أبدا على السنة انتهى. وحاصل ما للأمير أن الخلاف معنوي فإنه قال أشهر القولين السنة مع غلبة التفريع على الوجوب، وقول غيرنا به فهو أقوى وهو المآل عند من جعل الخلاف لفظيا نعم لا يشدد على من يترك الصلاة لذلك، وفيه أن جمهور خارج المذهب على الوجوب، وفيه أنه لا غرابة في الندبية والأبدية فقد قالوه في الصلاة بمعطن الإبل فما ورد من التعذيب في البول على القول بالسنة محمول بالنسبة لهذه الأمة على إبقائه في القصبة بحيث يبطل الوضوء فإن الاستبراء واجب اتفاقا انتهى. وفيه: وقال الحطاب والرماصي إنه لفظي قالوا وعهدت الإعادة أبدا لترك السنة على أحد القولين، ولا يخفى أن هذا اعتراف بأنه حقيقي له ثمرة فإن الواجب يبطل تركه اتفاقا، ومما يبعد كونه لفظيا ما ارتضاه الرماصي نفسه من عدم تقييد السنية بالذكر والقدرة والوجوب مقيد انتهى. وفي الحطاب بعد جلب كثير من النقول

стр. 286

والأقاويل: وهذا الذي ذكرناه من أن الخلاف إنما هو في التعبير بالسنة والوجوب إنما ذلك حيث أردنا بيان الراجح في المذهب، وأما إن لم نرد ذلك فلا شك في وجود القول بعدم إعادة العامد أبدا على القول بأنها سنة كما ذكره القاضي عبد الوهاب في المعونة والباجي في المنتقى وعبد الحق في التهذيب وابن رشد في رسم المكاتب من سماع يحيى، ثم قال ولم أو من ذكر في هذه المسألة بخصوصها ترجيح القول بعدم إعادة العامد أبدا، وإنما يذكرونه على أنه قول في المذهب والعمل في كل مسألة على المنصوص فيها. تنبيهات: الأول في إزالة النجاسة أربعة أقوال: القولان اللذان ذكر المصنف، وذكر ابن رشد قولا بالاستحباب، وفيها قول بالوجوب مطلقا، وقوله: "ولو طرف عمامته" في الأمير ولو طرفا على الأرض لا يتحرك بتحركه فإذا كان الوسط على الأرض نجسا وأخذ كل طرفا بطلت عليهما على الظاهر، وفيه عن شيخه في قوله ولمريض ستر نجس أنه يشترط انفصال الساتر فلا يكفي ستر نجاسة ببعض ثوبه لأنه في حكم الكائن على العضو وظاهره ولو طال جدا. واعلم أن المصنف في التوضيح نقل عن ابن رشد كلاما وأسقط منه لفظة فسد لها المعنى، فإنه نقل عنه أن من صلى بثوب نجس ناسيا أو جاهلا أو مضطرا أعاد في الوقت فيوهم أن حكم الجاهل بالحكم كالناسي ولفظ ابن رشد أو جاهلا بنجاسة قاله الحطاب؛ يعني أنه لو صلى بالنجاسة جاهلا بحكم إزالتها فإنه تبطل صلاته كالعامد العالم خلاف ما يوهمه كلام التوضيح، وقوله: "مصل" يشمل المفترض والمتنفل فلا يجوز لأحد أن يتعمد صلاة النافلة بالنجاسة فإن فعل لم تنعقد، ولا قضاء عليه لأنه لم تثبت عليه صلاة فطرأت عليها النجاسة عن قصد منه فأشبه من افتتح الصلاة محدثا متعمدا قاله سند، وقال الحطاب: وقد عد الشيخ سعد الدين في شرح العقائد في الأفعال التي تكون ردة الصلاة بغير طهارة. واعلم أن تجنب النجاسة في الثوب والبدن والمكان إنما يجب عند التلبس بالصلاة أو بفعل تشترط له الطهارة كالطواف، وأما تجنبها في غير ذلك فمستحب كما مر، وقيل إنه فرض إسلامي لا تعلق له بالصلاة لقوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ على أحد التأويلات. ابن شعبان يجب على كل مسلم بالغ المحافظة على الطهارة والإقبال على ما يجب عليه فيها فهي من السرائر التي تُبلَى

стр. 287

يوم القيامة قال الله تعالى ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾، وقوله: "الظهرين" أي الظهر والعصر وهو من باب التغليب وهو واقع في كلام العرب فيغلبون الأخف كالعمرين في أبي بكر وعمر ﵄ قال الشاعر: ما كان يرضى رسول الله فعلهم … والعمران أبو بكر ولا عمر والمذكر كالقمرين في الشمس والقمر، والأسبق كالظهرين في الظهر والعصر. الثاني تقدم أنه يعيد العشاءين للفجر، وينبغي أن يعيد العشاء التي صلاها بالنجاسة ناسيا مثلا ولو أوتر بعدها فقد قالوا إنه يعيد المغرب، وهل يعيد الوتر؟ قال بعض شيوخنا: تعاد لأن الخلل الكائن في العشاء سرى إليها قاله الشبراخيتي، وقال: ثم رأيت في مختصر البرزلي إن ذكر الظهر بعد أن صلى العشاء والوتر صلى الظهر وأعاد المغرب والعشاء، وفي إعادة الوتر قولان، ولا فرق بين المحلين لأن الإعادة في كليهما مستحبة والله أعلم. وإذا صلى الفائتة ملابسا للنجاسة ساهيا فلا إعادة عليه. قال يحيى بن عمر: وهذا قول مالك وجميع أصحابنا، وقال ابن وهب من ذكر صلاة نسيها منذ شهر فصلاها ثم ذكر أنه صلاها بثوب نجس يعيدها. ابن رشد قول صحيح على أصله أن إزالة النجاسة في الأبدان والثياب من فروض الصلاة يعني مطلقا، ولا تعاد النافلة التي صلاها بالنجاسة ساهيا إلا ما سيأتي في ركعتي الطواف فإنه يعيدهما بالقرب، وقوله: "الظهرين" اعلم أن الأرجح في الجمعة أنها كالظهر، وقيل: يعيدها ما لم تغرب الشمس كما لابن حبيب، وقيل: وقتها يخرج بالفراغ منها. انتهى. وعلى القول بأنها بدل من الظهر تعاد جمعة إن أمكن، وإلا فهل تعاد ظهرا أو لا تعاد أصلا؟ قولان، وأما على أنها فرض يومها فلا تعاد ظهرا قطعا، وهل تعاد جمعة أو لا؟، والثاني هو ظاهر كلام المص في شرح المدونة، وهو ظاهر في نفسه. ابن عرفة: إدراك ركعة من وقت الإعادة كإدراكه. انتهى. وإذا ضاق وقت الإعادة عن إحداهما اختص الوقت بالثانية وهو يخالف ما مر عن ابن بشير أنه على القول بإعادة الظهرين للغروب؛ معنى ذلك أن يدرك الصلاة كلها قبل الغروب، وأما إذا لم يدرك قبل الغروب إلا بعضها فقد فاته في هذه المسألة وقتها، الثالث من صلى إلى جنب من يتحقق نجاسة ثيابه فإن كان يعتمد عليها

стр. 288

بحيث يجلس عليها أو يسجد ببعض أعضائه فلا يجوز وتبطل صلاته، وأما إن لاصقه فلا يضره نقله الحطاب وغيره؛ وقد تقدم أن المعتبر في المكان ما يماس الأعضاء فلا يضر ما تحت البطن حيث لم يمسه، وإذا تعلق صبي بأبيه وهو في الصلاة فإن غلب على ظنه طهارة ثوبه فلا شيء عليه، وإن تيقن نجاسته وسجد على بعضها أو جلس بطلت صلاته وإلا لم تبطل، وأولى من تعلقه حمله أو ركوب الصبي عليه وغلب على ظنه نجاسة ثوبه فتبطل، وإن لم يماس النجاسة كحمله نعله المتنجس. وعبارة الأمير: أو ثوب شخص حمله لا تعلق به وسقوطها في الصلاة مبطل يعني أن سقوط النجاسة على المصلي مبطل لصلاته يريد ولو سقطت عنه النجاسة مكانها كما في الرواية، وهذا على رواية ابن القاسم وهو المشهور. وسواء أمكنه نزعها أو لم يمكنه، وسواء نزعها أو لم ينزعها. وقال مطرف إن أمكنه نزعها نزعها وبنى وإلا ابتدأ، وقال ابن الماجشون كذلك إلا أنه قال إن لم يمكنه نزعها يتمادى لاختلاف أهل العلم ويعيد، وقوله: "وسقوطها في الصلاة" لخ سواء كانت نفلا أو فرضا إلا أنه لا يلزمه إعادة النافلة إن لم يتعمد حمل النجاسة. قال سند: كما لو عبث بقرحة في جسده عامدا فسالت عليه أو على ثوبه فيقطع على قول ابن القاسم وتلزمه الإعادة قاله الحطاب وقال عبد الباقي: وسقوطها في الصلاة على البدن أو الثوب أو المكان إن لم ينتقل مبطل لها بخمسة قيود أن تستقر عليه، أو يتعلق به شيء منها، وأن لا تكون مما يعفى عنه، وأن يجد لو قطع ما يزيلها به أو ثوبا آخر يلبسه، وأن يتسع الوقت اختياريا أو ضروريا بأن يبقى بعد إزالتها ركعة فأكثر كما في الذخيرة، وإلا تمادى ثم إذا تمادى في الاختياري فهل يعيدها بعده بمنزلة ذاكرها بعد الصلاة أم لا؟ وعلى الاعادة فالظهران للاصفرار، والعشاءان للفجر، والصبح للطلوع. ولأجل هذا القيد قال في التوضيح: لو رآها في جمعة أو عيدين أو جنازة تمادى لعدم قضاء هذه الصلوات، وفي الجمعة نظر إن قلنا إنها بدل انتهى. أي ولذا رجح سند في الجمعة القطع، القيد الخامس أن لا يكون ما فيه النجاسة محمولا للغير ملبوسا أو محمولا لغيره وإلا لم تبطل بسقوط بعضه كوضع حبل دابة حاملة نجاسة بوسطه أو تحت قدمه، وكذا حبل سفينة بها نجس إن وضعه تحت قدمه لا في وسطه فتبطل لأن الحمل ينسب للدابة لحياتها بخلاف السفينة فلو كانت النجاسة بأثناء الحبل الربوط به الدابة وطرفه الآخر بعضد المصلي،

стр. 289

فالظاهر أنه لا يضر بمنزلة طرف ثوب متنجس ملبوس شخص سقط على مصل لأن حمله إنما ينسب للابسه انتهى. واعترض الشيخ محمد بن الحسن القيد الخامس وقال: في البرزلي ما يفيد البطلان وعدم البطلان في وضع حبل الدابة بوسطه وعليه نجاسة لا يدل على صحة القيد الخامس لأن طرف الحبل الذي في وسطه طاهر هذا هو الموضوع كما يفهم من كلام سند فلا يدل على صحة الصلاة إذا وقع عليه ما فيه النجاسة وهو محمول لغيره انتهى. وإن رأى المأموم النجاسة في ثوب إمامه فإن كان قريبا منه أراه إياها، وإن كان بعيدا منه كلمه لإصلاحها، وفي الأمير أنه إذا كان الوسط على الأرض نجسا وأخذ كل طرفا بطلت عليهما على الظاهر. (كذكرها فيها) فيها يعني أن المصلي إذا ذكر في الصلاة أنه متلبس بنجاسة فإن صلاته تبطل فرضا أو نفلا، ويقطع ولو مأموما وجوبا على ظاهرها أمكنه نزعها ونزعها أم لا، وظاهر المصنف البطلان نسيها بعد الذكر أم لا وهو الأصح خلافا لقول ابن العربي: من ذكرها فيها وهم بالقطع فنسي وتمادى بها فإنها صحيحة، ومثل ذكرها فيها علمه بها فيها، وإن لم يعلمها قبل فلو قال: كعلمه بها فيها لشمل المسألتين وظاهر المص أيضا البطلان، ولو فارق النجاسة بعد الماسة كمن رأى بعد رفعه من السجود نجاسة بمحل سجوده وبه قال ابن عرفة بناء على أنه لا يشترط مع علمه بها في الصلاة التلبس بها، وقال غيره لا تبطل بناء على اشتراط ذلك: وظاهره أيضا أن من رأى في صلاته بعمامته بعد سقوطها نجاسة البطلان (١)، وهو الجاري على المشهور، ومختار ابن عرفة أيضا خلافا لما ذهب إليه بعض متأخري فقهاء القرويين من التمادي والإعادة في الوقت، وكلام المصنف مقيد بما إذا اتسع الوقت الذي هو فيه لإدراك ركعة بعد إزالة النجاسة وإلا تمادى، والظاهر جريان جميع القيود المتقدمة هنا أيضا قاله الشيخ عبد الباقي، وقوله: "كذكرها فيها" ويبتدئ بإقامة في الفرض قاله في المدونة، وظاهره سواء طال أو لم يطل، وعليه حمله بعضهم قائلا لأن الإقامة الأولى كانت لصلاة فاسدة فبطلت لبطلانها، وقال آخرون إنما ذلك في الطول، وأما لو كان بالقرب فلا يفتقر لإقامة، وأما النافلة التي ذكر فيها النجاسة فلا، يقضيها لأن النافلة لا تقضى

стр. 290

بل إن أراد أن يتطوع بنافلة أخرى فله أن يتطوع بها، وظاهر المدونة أن القطع واجب، وقال اللخمي: استحسان، ورد الرماصي على المصنف في هذين الفرعين، أعني قوله: "وسقوطها في الصلاة مبطل"، وقوله: "كذكرها فيها" بأنه لا سلف له في التعبير بالبطلان قائلا إنه مأمور بالقطع، والأمر بالقطع يدل على الصحة والانعقاد بخلاف البطلان انتهى. وأجاب الشيخ محمد بن الحسن عن المصنف بما في المقدمات في الرعاف من شروط البناء أن لا يسقط على ثوبه أو جسده من الدم ما لا يغتفر لكثرته لأنه إن سقط على ثوبه وجسده من الدم كثير بطلت صلاته باتفاق انتهى. قال الحطاب بعد نقله في باب الرعاف ونحوه لابن بشير وابن شأس وصاحب الذخيرة، ونبه على هذا ابن هارون وابن رشد كما نقله صاحب الجمع، وعلى هذا فمعنى قول المصنف: فإن زاد عن درهم قطع بطلت صلاته فلا يجوز له التمادي، ولو بنى عليها لم تصح لا أنه يحتاج إلى أن يقطعها فانظر قول المقدمات فإنه صريح في أنه بمجرد سقوط الدم الكثير تبطل صلاته، ويشهد للمصنف أيضا ما ذكره ابن رشد من أن من سقطت عليه نجاسة وهو في الصلاة الصحيح أنه تنتقض صلاته كما لو أحدث انتهى. وهذا صريح في البطلان أيضا، وفي نقل الباجي عن سحنون ما يفيده فانظره، ومثله في كلام المازري في شرح التلقين، ونصه: وأما النجاسة اليابسة إذا زالت على الفور فإن الثوب لا يوصف بالتنجيس، ولم يحصل ما يُحَزِمُ تمام الصلاة بخلاف من يحمل النجاسة اليابسة فإن حملها إسقاط لحرمة الصلاة لكونه حاملا لها، ولو كانت رطبة لبطلت الصلاة لاتصاف الثوب بالمتنجس. انتهى. والله أعلم وهو الموفق. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن، وإستشكل قول المص: "وسقوطها في الصلاة مبطل" بأن ظاهره يشمل ما إذا سقطت على كتفه مثلا ولم تستقر لأنه مغلوب فهو كالعاجز، وأجيب بأن هذا الفرع مبني على اشتراط الطهارة مطلقا، ويبحث فيه بأن الشافعية يقولون بوجوب الطهارة من النجاسة من غير شرط الذكر والقدرة، وقالوا بعدم بطلان الصلاة بسقوطها على الوجه المذكور قاله الشبراخيتي لا قبلها يعني أن من علم أنه متلبس بالنجاسة قبل الصلاة ثم إنه نسيها قبل أن يتلبس بالصلاة تصح صلاته حيث استمر على نسيانه حتى فرغ من الصلاة تكرر الذكر والنسيان أم لا، فمن ذكرها في الصلاة وقطع ليغسلها فنسي بعد ذلك ودخل في الصلاة واستمر ناسيا لها حتى فرغ من

стр. 291

صلاته فإن صلاته صحيحة، وقيل لا تصح أو كانت أسفل نعل فخلعها؛ يعني أن من صلى وفي رجله نعل بأسفلها نجاسة وهو ما يلي الأرض تصح صلاته إذا خلع عنه النعل من غير رفع لها تحركت النعل أم لا، وأما إن رفع رجله بها فإن صلاته تبطل لحمله النجاسة كما لو كانت النجاسة بأعلى النعل فتبطل صلاته رفع النعل برجله أم لا؟، وقوله: "نعل" بخلاف الخف فتبطل مطلقا، ومفهوم قوله: "خلعها أنه لو لم يخلعها تبطل صلاته حيث لزم على عدم خلعها حمل النعل المتنجسة: وإلا فلا تبطل كمن صلى على جنازة أو إيماء قائما بغير مسجد، والفرق بين النعل حيث خلعها من غير رفع لها فتصح صلاته، وبين الثوب الذي تبطل ولو خلعه على المعتمد كما مر أن هذا بمنزلة ما لو بسط ثوبا طاهرا على نجس وصلى عليه فإنها تصح كما يأتي، ولو رأى النجاسة تحت قدمه وكان قائما عليها تخرج ذلك على الخلاف في الثوب إذا أمكن طرحه هل يقطع أو يتحول، وقد علم أن المشهور في مسألة الثوب القطع فكذلك هذه، وأما إن كانت النجاسة تحت البساط والبساط تحت قدمه فلا شيء عليه قاله الحطاب، وهي كقوله: "أو كانت أسفل نعل فخلعها"، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (ثلاثة عملهن يسير وأجرهن كثير إمساك ركاب الراكب وإمساك الإناء للأكل وتهيئة ما يجعله الإنسان في قدميه من نعل وغيره)، وظاهر قوله وتهيئة ولو قبل إرادة لبسه بكثير قاله الشيخ عبد الباقي، وظاهر قوله أيضا: إمساك ركابه يشمل إمساكه حال الركوب وبعده. واعلم أن الصلاة في النعل رخصة مباحة فعلها رسول الله ﷺ وأصحابه، وذلك ما لم تعلم نجاسة النعل قال الأبي: ثم إنه وإن كان جائزا فلا ينبغي أن يفعل اليوم ولا سيما في المساجد الجامعة فإنه قد يؤدي إلى مفسدة أعظم، يعني من إنكار العوام وذكر حكاية وقعت من ذلك أدت إلى قتل اللابس. قال وأيضا: فإنه يؤدي إلى أن يفعله من العوام من لا يتحفظ في المشي بنعله قال الأبي: بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا وهي في كن، وذكر كراهته عن الشيخ أبي محمد وأنه أنكر علي الشيخ الصالح أبي على القروي إدخاله الأنعلة غير مستورة، وقال: أيها الرهط إنكم أئمة فيقتدى بكم فلا تفعل، وفي المدخل في فصل الخروج إلى المسجد: وينوي امتثال السنة في أخذ القدم؛ يعني النعل بالشمال حين دخوله المسجد وحين خروجه منه، ثم قال لعله

стр. 292

يسلم من هذه البدعة التي يفعلها كثير ممن ينسب إلى العلم فترى أحدهم إذا دخل المسجد يأخذ قدمه بيمينه وقل أن يخلو أحدهم من كتاب فيكون الكتاب في شماله فيقع في محظورات منها جهل السنة في مناولته كتابه وقدمه، ومنها مخالفة السنة عند أول دخول بيت ربه، ومنها ارتكابه للبدعة فيفتتح عبادته بها، ومنها اقتداء الناس به، ومنها التفاؤل وهو أعظم الجميع في أخذ الكتاب بالشمال، وينوي امتثال السنة بأن لا يجعل نعله في قبلته، ولا عن يمينه، ولا من خلفه؛ لأنه إذا كان خلفه يتشوش في صلاته، وقل أن يحصل له جمع خاطره فإن السنة أن تكون اليمين للطاهرات وقد ورد النهي عن ذلك في أبي داود صريحا (١)، وفي البخاري ومسلم: النهي عما هو أقل من ذلك (٢) وهو النخامة مع كونها طاهرة فما بالك بالقدم التي قل أن تسلم في الطريق مما هو معلوم فيها فيجعلها على يساره إلا أن يكون أحد على يساره فلا يفعل لأنه يكون عن يمين غيره فيجعله إذ ذاك بين يديه فإذا سجد كان بين ذقنه وركبتيه، ويتحفظ أن يحركه في صلاته ليلا يكون مباشرا له فيها فيستحب لأجل هذا أن يكون له محفظة، أو خرقة يجعل فيها قدمه انتهى. فرع قال الأبي أفتى بعضهم فيمن أزال نعلا عن موضع ووضعه بآخر أنه يضمنه لأنه لما نقله وجب عليه حفظه، وصوبت هذه الفتيا والله أعلم قاله الحطاب. فرع فلو وجد في موضع نعله نعلا غيرها، فقيل: له أخذها، وقيل: له أخذها والتصدق بثمنها، وقيل: إن كانت أجد من خفه تصدق بثمنها، وإن كانت دونها فله أخذها لنفسه. نقل الأقوال الخرشي في كبيره. ولما كانت المشاق ثلاثة أقسام: مشقة في المرتبة العليا فيعفى عنها إجماعا كما لو كانت طهارة الحدث أو الخبث تذهب نفسا أو عضوا، ومشقة في المرتبة السفلى لا يعفى عنها إجماعا كطهارة الحدث والخبث بالماء البارد في الشتاء، ومشقة مترددة بينهما مختلف في إلحاقها بالمرتبة العليا فتؤثر في الإسقاط. ذكر المص من المختلف فيه مسائل، والقاعدة أن كل مأمور به شق فعله سقط الأمر به، وكل منهي عنه شق اجتنابه سقط النهي عنه. وبدأ المصنف بمنفصل جسد

стр. 293

الشخص، ثم بما يصيبه من حيوان غيره من نوعه؛ كبول الرضيع، ثم من غير نوعه كدم البراغيت، وفرس الغازي، ثم من غير الحيوان كطين المطر فقال: وعفي عما يعسر يعني أنه يعفى للشخص عما يعسر الانفكاك عنه بعد وجود سبب العفو؛ وهو المشقة، والعفو عدم المؤاخذة وهذا في قوة الاستثناء من قوله: "عن ثوب مصل وبدنه ومكانه"، فكأنه قال: إلا ما عفي عنه كحدث، مستنكح بكسر الكاف صفة لحدث بالتنوين؛ يعني أن الحدث بولا أو غائطا أو غيرهما من مذي، وودي، ومني، واستحاضة ونحو ذلك يعفى عن غسله لشخص استنكحه ذلك؛ أي لازمه. ونكره ليعم كل حدث، ويكفي في العفو حصول حدث واحد، ولا يشترط حصول أكثر من حدث واحد، ويستحب درء الحدث المستنكح بخرقة وإعدادها، وهل يستحب تبديلها كما لبعضهم أولا؟ وهو الجاري على قول سحنون إذ غسل فرجه أهون، والعفو بالنسبة للثوب والبدن، وأما المكان: فإن كان في غير الصلاة فظاهر لإمكان التحول، وإلا فهو مما يعسر الاحتراز منه. قاله الشيخ محمد بن الحسن، والظاهر أن المراد بالاستنكاح هنا أن يأتيه كل يوم مرة فأكثر. قاله الحطاب، وغيره. وخرج بقوله: حدث الدم من قبل ذكر أو دبره أو دبر أنثى فيعفى عنه ولو لم يستنكح إذا شق غسله كما في الدمل. والظاهر ولو خرج معه حدث قاله الشيخ عبد الباقي. وهل يستحب للمستنكح في الوجه الذي يستحب له فيه الوضوء غسل فرجه كما لابن حبيب؟، أو لا يستحب؟ كما قاله سحنون اعتبارا بسائر النجاسات السائلة كالقروح وشبهها لا تغسل إلا أن تتفاحش، وتخالف طهارة الحدث لأنها أوكد إلا أنه يستحب له نضحه إذا كان مستنكحا. قاله في الطراز، قاله الحطاب. وإذا عفي عن الأحداث في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره لسقوط اعتبارها شرعا، وقيل لا يعفى عنها في حق غيره لأن سبب العفو الضرورة، ولم توجد في حق الغير، وفائدة الخلاف صلاة صاحبها بغيره إماما، وسينص المص على كراهة إمامته للصحيح؛ فعلى أن الرخصة خاصة به تكره إمامته لا على مقابله كما يفيده سند، ولا يجوز لأحد أن يصلي بثوبه إلا إذا أيقن طهارته، وإنما صحت صلاة من ائتم به لارتباطها بصلاة إمامه المستنكح؛ وهي صحيحة، وفي الجواهر: دم البثرات، وقيحها، وصديدها معفو عنه في حق من وجد منه، فإن أصابه من بدن غيره ففي العفو عنه قولان، والحدث المستنكح: والجرح يمصل،

стр. 294

والدمل يسيل، والمرأة ترضع، وبول فرس الغازي بأرض الحرب يعفى عن قليله، وكثيرة كما في الجواهر. ولا تجب إزالته إلا أن يتفاحش فيؤمر بها ندبا. وقال ابن المعلى: إذا كثر وجب غسله، ويستحب غسله مع عدم الكثرة. واعلم أنه إذا برئ صاحب السلس فلا يعفى عما كان في ثوبه (وبلل باسور في يد) يعني أن بلل الباسور الذي يكون في اليد يرد بها الباسور يعفى لصاحبه عن غسله، وإنما يعفى عن البلل الحاصل من الباسور في اليد إن كثر الرد؛ يعني أن محل العفو عن غسل البلل المذكور إنما هو حيث كثر رد الباسور؛ بأن يحصل كل يوم مرة فأكثر اضطر لرده أم لا وهو ظاهر المدونة، والعفو في صاحبه ولو إماما مع الكراهة كما مر في التي قبلها، وأما لو أصاب ثوب غيره فلا يعفى عنه على المعتمد، والباسور بالباء الموحدة هو ورم المعدة من داخل، وخروج الثئاليل منها. جمع ثؤلول بمثلثة مضمومة فهمزة ساكنة كعصفور، ويجوز التخفيف: حب يظهر في الجسد كالحمصة فما دون، ولأحمد أنه خروج رأس العرق، وأما الناسور فيعفى عنه مطلقا؛ وهو انفتاح العروق، وجريان مادتها، وفي الحديث: (كان يستنجي بالماء ويقول هو شفاء من الباسور) (١)، يروى بالباء والنون، والظاهر أن المذهب لم يختلف في نجاسة بلة الباسور، ومثل اليد الثوب الذي يرد به الباسور فيعفى عن غسله إن كثر الرد، أو ثوب يعني أن ثوب صاحب الباسور؛ أي الثوب الذي هو لابسه لا الثوب الذي يرد به الباسور معفو عما يصيبه من بلل الباسور مطلقا كثر الرد أم لا كما يفهم من تأخيره عن الشرط، ومثل ثوبه بدنه ومكانه فيعفى عنهما كثر الرد أم لا، والظاهر أن النجاسة الحاصلة بخروج الصرم كالباسور بموحدة فيعفى عنه في اليد إن كثر الرد، ويدل له تفسير أحمد المتقدم، والضرورة في هذه المسائل التي ذكرها المص هي كثرة الإصابة قل المصيب في نفسه أو كثر. وثوب مرضعة يعني أن المرضعة يعفى لها عن غسل ما أصاب ثوبها أو جسدها من بول الرضيع الذي ترضعه لزمها الرضاع، أم لا. حيث كانت أما، كغيرها إن اضطرت له، أو لم يقبل غيرها

стр. 295

كحامل الولد غير ظئر مع احتياجها، أو عدم قبول الولد غيرها، وقوله: "وثوب مرضعة" العفو على ما في التوضيح مخصوص بما يصيبها مدة الرضاع لا ما بعد استغناء الرضيع ولو قبل حولين فلا عفو عنها، وإنما يعفى عن ثوب المرضعة إذا كانت تجتهد أي تبالغ في التحفظ من إصابة البول، وتبذل وسعها في ذلك بأن تجعل خرقا للصغير تمنع من وصول بوله إليها، أو تنحيه عنها حال البول، أو جعل مكان له يخصه فلو أصابها بعد التحفظ فإنها لا تؤمر بغسله إلا ندبا إن تفاحش، ولولا العفو لوجب عليها النضح عند الشك، والغسل عند التحقق، والعفو أسقط هذين الأخيرين. وقوله: "تجتهد" هو شرط في العفو فإذا لم تجتهد وجب عليها النضح عند الشك، والغسل عند تحقق الإصابة، والعفو إنما هو بالنسبة للبول لا الغائط، ولابن فرحون أنها تغسل ما رأت بعد الاجتهاد، وإنما يعفى عما يصيبها ولا تعلم به، لأن ثوب المرضع لا يخلو من إصابة بول أو غيره. انتهى. وظاهره أنه يعفى عما يصيبها من غائطه. انتهى. قال ابن الإمام: وما ذكره ابن فرحون من أن ما رأته لابد من غسله خلاف ما يفهم من عباره التوضيح، وابن عبد السلام وابن هارون وابن ناجي وغيرهم أنها إذا اجتهدت في درء البول فإنه يعفى عما أصابها بعد ذلك ولو رأته، وأنها إنما تؤمر بغسله إن تفاحش، ويلحق بالمرضعة الكناف؛ أي نازح الكنيف، والجزار فيعفى عما أصابهما إن اجتهدا في التحفظ في درء النجاسة، والظئر التي ليست بأم والحاملة المتبرعتان؛ أي لم تدع ضرورة إليهما لا يعفى عما أصابهما. هذا على ما في التوضيح لا على ما يفيده كلام الوانوغي والمشدالي فيعفى عما أصاب المتبرعة منهما، فلا يعتبر في العفو فيهما الحاجة، ولا كون الولد لم يقبل غيرهما، وندب لها ثوب للصلاة يعني أنه يندب للمرضع أن تعد ثوبا للصلاة، وكذا من ألحق بها، ولا يندب لذي سلس ودمل ونحوهما لاتصال سبب عذرهم فلا يمكن تحفظ من خروج نجاسة حتى في حال الصلاة فلا فائدة في تجديدهم الثوب بخلافها، ولم يوجبوا عليها إعدادها للثوب لأنه أمر يتكرر فأشبه حالُها حالَ المستنكح، ولخفة أمر النجاسة. ودون درهم من دم يعني أن ما دون الدرهم من الدم يعفى عن غسله فلا تقطع له الصلاة، وسواء في ذلك عين الدم وأثره على الراجح، وللباجي أن أثر الدم ولو فوق الدرهم يسير، وفي حاشية الأمير: لا فرق بين المختلط وغيره حيث كان المختلط طاهرا، نعم إن خالطه نجس غير معفو عنه

стр. 296

انتفى العفو، وخالفت الشافعية فعندهم نصف درهم مثلا من دم إذا طرأ عليه قدر نصفه ماء طهور لا يعفى عنه لأن النجس الماء، وإذا طرأ عليه ذلك من عين الدم ما زال معفوا عنه، نعم في مذهبنا إذا وقع دون الدرهم في الطعام المائع ينجسه، فإذا أصاب من هذا الطعام نجس دون الدرهم لم يعف عنه. انتهى. ومعنى قوله: مطلقا سواء كان دم حيض، أو نفاس، أو ميتة، أو خنزير من جسد أو غيره، رآه في صلاة أو خارجها في ثوبه أو ثوب غيره إن احتاج له كما قال ابن العربي: وإلا لم يعف عنه في حقه، وجعل الحطاب وبعض الشراح ثوب غيره كثوبه ولم يقيداه بالاحتياج، والظاهر أن القيد مراد قطعا وإن لم يصرحا به؛ إذ الكلام في جزئيات العفو عما يعسر فما لا يحتاج إليه لا مشقة فيه، ثم العفو بالنسبة للصلاة ولدخول مسجد مع مكث به، وإذا كان الدم بأكثر من موضع بحيث إذا جمع يحصل منه ما لا يعفى عنه، لم يعف عنه، والمعتبر مساحة الدرهم لا وزنه، فإن شك في أن المصيب درهم أو دونه عفي عنه، وإن شك في أنه دونه أو أكثر لم يعف عنه، وأولى لو شك أنه درهم أو أكثر، والعفو عن دون درهم لا ينافي أنه يندب غسله قبل دخول الصلاة، وكراهة دخولها قبله. وفي المدونة: لا بأس بنزع ما فيه يسير الدرهم المعفو عنه وهو في الصلاة بل يندب ذلك. ابن يونس: معناه إذا كان عليه ما يستره غيره وهو ظاهر، فإن لم يكن عليه ما يستره غيره لزمه تمام الصلاة به. سند: إذا كان في نزعه عمل كبير فلا ينزعه؛ لأن نزعه ليس بواجب، وفعل العمل الكثير يفسد الصلاة. ورأى القابسي ذلك من إصلاح الصلاة فلا تفسد بكثيرة فاليسير كنزع القلنسوة والرداء والعمامة ونحو ذلك، ومفهوم قوله: "دون درهم" أن الدرهم من الدم لا يعفى عنه، وهو كذلك على أحد قولين متساويين، أو الراجح القول بالعفو، وقد مر المص على العفو فيما يأتي من قوله في الرعاف: فإن زاد عن درهم قطع أي بطلت، والمراد بالدرهم هنا الدرهم البغلي نسبة إلى الدائرة التي بباطن ذراع البغل، وقال النووي: نسبة إلى سكة قديمة لملك يسمى رأس البغل، والظاهر أن ذلك متقارب قاله الحطاب، وقوله: "ودون درهم" هو بيان للقدر اليسير الذي يعفى عنه من الدم، وقيل: إن اليسير قدر الخنصر أي مساحة رأسه، وفي سماع أشهب: لا أجيبكم لتحديده هو ضلال، الدراهم تختلف،

стр. 297

فأشار إلى أنه يرجع فيه للعرف؛ وعليه اقتصر في العارضة. قال الجزولي: وهو المشهور، ولم يعتمد المتأخرون تشهيره. واعلم أن العراقيين قالوا: يعفى عن يسير الدم في الصلاة وخارجها، وفي المدونة يؤمر بغسله إذا رآه خارج الصلاة، وإنما يعفى عنه فيها، فحملها ابن هارون والمص على الاستحباب، وحملها عياض وأبو الحسن وابن عبد السلام وغيرهم على الوجوب، لكن ابن عبد السلام استظهر مذهب العراقيين. انتهى ملخصا من الحطاب، وعبد الباقي، والشبراخيتي. وحاشية محمد بن الحسن. وقال الحطاب: يؤخذ من كلام ابن عبد السلام أن الدم اليسير وجميع النجاسات المعفو عنها إذا أصابت طعاما أنها لا تنجسه والله أعلم. وقد تقدم عن البرزلي وغيره ما يخالف ذلك، وقوله: "مطلقا" رد به على ابن حبيب القائل لا يعفى عن يسير الحيض لمروره على محل البول ورواه ابن شأس عن مالك: وقال ابن وهب: لا يعفى عن ذلك، ولا عن يسير دم الميتة، وخرج سند عدم العفو عن دم الخنزير، ورأى بعض الشيوخ أن العفو خاص بما كان من جسم الإنسان، وما وصل إليه من خارج فكالبول، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه يعفى عن يسير الدم في البدن لا الثوب، وهو خلاف المعروف في المذهب قاله الحطاب، وفي ابن عرفة: وفي طهر الفم بانقطاع دمه نقلا اللخمي مرجحا الأول، وابن العربي مرجحا الثاني، وفيها: كره لمن بثوبه قطرة دم نزعه بفيه ومجه بل يغسله، ومن بصق في صلاته دما فلا شيء عليه إن لم يتفاحش، وروى ابن حبيب: من دمى فوه بالمسجد انصرف حتى ينقطع وإن كان بغيره بصق حتى ينقطع، ولا يقطع صلاته إلا أن يكثر جدا يعني أنه يعفى عن دون الدرهم من القيح فلا تقطع له الصلاة، والقيح مدة لا يخالطها دم، رقيقة كانت أو غليظة قاله الشبراخيتي صديد يعني أن دون الدرهم من الصديد معفو عنه؛ وهو مدة رقيقة أو غليظة مخلوطة بدم قاله الشيخ عبد الباقي، وخصت هذه الثلاثة بهذا الحكم دون سائر النجاسات؛ لأن الاحتراز عن يسيرها عسير بخلاف ما يخرج من الجسد من نحو حرق، ونص المص على القيح والصديد وإن كان أصلهما دما لأنهما أقذر فربما يتوهم عدم العفو عنهما، وألحق بعضهم بالمعفوات ما يغلب على الظن من بول الطرقات إذا لم يتبين فلا يجب غسله من ثوب أو خف أو جسد، مثل أن تزول الرجل من النعل

стр. 298

وهي مبلولة فيصيبها من تراب الطريق ما يغلب على الظن مخالطة البول له إذ لا يمكن التحرز منه ولأن أصله الطهارة، وقوله: "ودون درهم" الخ هذا في غير أثر الدمل الذي لم ينكأ، وأما الدمل الذي لم ينكأ فإنه يعفى عنه ولو زاد عن درهم، وقوله: "وقيح وصديد" ما ذكره المص فيهما هو مذهب المدونة، وعن مالك في المبسوطة عدم العفو عن يسيرهما، وصرح ابن هارون بأن المشهور أنهما كالدم، وفي الإكمال في حديث شق العسيب على القبرين (١) أن القليل من النجاسة والكثير غير معفو عنه وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء إلا ما خففوه في الدم، وقال الثوري كانوا يرخصون في الخفيف من البول، ورخص أهل الكوفة في مثل رؤوس الإبر، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يغسل، وذكر إسماعيل القاضي أن غسل ذلك على طريق الاستحسان والتنزه وهذا مذهب الكوفيين خلاف المعروف من مذهبه. وحكى في الإكمال عن مالك: اغتفار ما تطاير من البول مثل رؤوس الإبر، ثم اغتفاره يحتمل أن يكون عند بوله لأنه محل الضرورة لتكرره، ويحتمل أن يكون عاما في كل يسير من البول كما هو ظاهر نقل عياض. والاحتمال الأول هو ظاهر نقل ابن بطال عنه. قال ابن الإمام: وهو أقرب لعسر الاحتراز منه حينئذ انتهى. وفي الإرشاد: ويعفى عن يسير كل نجاسة ما عدا الأخبثين؛ وهو قدر الدرهم فدونه، قال الشيخ زروق يعني أن كل نجس خارج من الجسد يعفى عن قليله إلا البول والغائط، وليس ذلك إلا الدم وتوابعه من القيح والصديد انتهى. وعموم كلام الإرشاد مشكل ففي المدونة: والبول، والرجيع، والمني، والمذي، والودي، وخرء الطير التي تصل إلى النتن، وزبل الدواب وأبوالها قليله وكثيرة سواء يغسل، وتقطع منه الصلاة إلا أنه يدخل في قول الشارح: الدم وتوابعه ما يسيل من الجراح من مائة، أو من نفط النار، وما ينفط أيام الحر في بدن الإنسان فإن نجاسة ذلك واضحة كما مر في الكلام على القيح والصديد، ويكون ما خرج من تلك النفطات من نفسه بمنزلة ما يخرج من الدمل من غير إنكاء يعفى عن كثيرة وقليله قاله الحطاب. وإذا اتصل اليسير المعفو عنه مما تقدم بماء فالظاهر أن العفو باق خلافا للشافعية كما يدل

стр. 299

على ذلك فروع المذهب، قال ابن عبد السلام: والعفو لا تلزم إزالته فإن أزيل وبقي طعمه أو غيره عفي عنه؛ إذ العفو عن الكل يستلزم العفو عن الجزء، وفي العارضة أن من دمي فمه ثم مج ريقه حتى ذهب الصحيح طهارته بالماء إن كان كثيرا، وإن كان يسيرا عفيَ عنه ولا يطهر الريق شيئا. وذكر البرزلي في مصل أخذ نخامة بكمه ثم وجد فيها دما: لا إعادة عليه ليسارته ولو عرق من المستجمر موضع الاستجمار فانتشر حتى أصاب الثوب والجسد كان معفوا عن ذلك على الأصح، وقد قالوا في يسير الدم إن الأظهر أنه كالمائع الطاهر والله تعالى أعلم. وبول فرس لغاز بأرض حرب يعني أن الغازي إذا كان بأرض الحرب فإنه يعفى له عما يصيب ثوبه وبدنه من بول الفرس، وحاصل ما للحطاب على المص هنا أنه أتى بثلاثة قيود: كون البول من فرس. وكونه لغاز، وكونه بأرض الحرب. وبقي عليه قيد رابع وهوأن لا يجد من يمسد له، ثم قال بعد هذا. والمفهوم من الرواية وكلام ابن رشد والباجي وسند أن الضرورة متحققة مع القيود الأربعة، فلذا جزم المص بالعفو حينئذ فإن فقد شيء من القيود أمر بالتوقي جهده فما أصابه بعد ذلك فمعفو عنه كثوب المرضع انتهى. وجعل الشيخ عبد الباقي الروث كالبول وناقشه الشيخ محمد بن الحسن في ذلك فقال: لم أر من نص عليه، والذي في كلامهم هو التعبير بالبول كعبارة المص فانظر ما مستنده في الروث انتهى. وتابعه الشيخ الأمير على ذلك فإنه قال عاطفا على ما عفى عنه: وكنجاسة دواب لمعاينها إن اجتهد. أو كانت بولا لغاز بأرض حرب انتهى. فتحصل أنه متى وجدت القيود الأربعة عفي عن غسل بول الفرس مطلقا، ومتى اختل قيد منها بأن كانت الدابة بغلا أو حمارا أو فرسا لغير غاز من مسافر، أو حاضر محتاج لملابسة الدواب، أو لغاز بأرض الإسلام فلابد في العفو من الاجتهاد كالمرضع، وحاصل هذا الحاصل أن كل من لابس الدواب لحاجته ولم يكن غازيا بأرض حرب يعفى عما أصابه من رجيع الدواب مع التحفظ، والغازي المذكور معفو عما أصابه مطلقا، وقوله: "وبول فرس" لخ سواء كان البول قليلا أو كثيرا وأثر ذباب من عذرة يعني أن ما يصيب بدن الشخص أو ثوبه من أثر فم الذباب أو رجله من العذرة وأولى من البول معفو عن غسله، قال الحطاب: لا مفهوم للتقييد بالعذرة، وكأنه قصد التنبيه على أنه إذا عفي عن العذرة مع إمكان ظهور ما أصاب منها فغيرها مما لا يظهر أثره

стр. 300

كالبول أو مما نجاسته مخففة كالدم والقيح إما مثلها أو أولى، ووقع في عبارة بعضهم التعبير بالنجاسة وهو ظاهر انتهى. فإن وقع بجملته في قذر لم يعف عما أصابه حيث زاد على أثر أرجله وفمه، وكلام المص في ذباب صغير، وأما الكبير فوقوعه على الآدمي نادر كالنمل فلا يعفى عن أثرها كأثر نحو بنات وردان وزنبور ونحل، وإذا تحقق وصول أثر نجاسة لثوب أو بدن وشك هل ذلك من ذباب صغير أو من غيره، أو شك هل هو من فيه أو من رجله أو من وقوعه بجملته في القذر فالظاهر عدم العفو، والعفو في كلام المص خاص بالصلاة، وأما الطعام فلا لقوله: "وينجس كثير طعام مانع بنجس قل"، وقوله: "وأثر ذباب" سواء كان في موضع يكثر فيه الذباب أم لا، وورد في الحديث (أن في أحد جناحية -أي الذباب- داء وفي الآخر شفاء فإذا وقع في إناء أحدكم سم فليغمسه كله) (١)، وفي رواية (أنه يتقي بالذي فيه الداء) (٢)، ولم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء. وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: (عمر الذباب أربعون يوما (٣)، والذباب كله في النار إلا النحل) (٤) وسنده لا بأس به قال الحافظ (٥): كونه في النار ليس لتعذيبه بل ليعذب به، ويتولد من العفونات، ومن عجيب أمره أن رجيعه على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يكون في أماكن العفونات، ويبتدأ خلقه منها ثم يتوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي لأي علة خلق الذباب فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة رحمة الله ورضوانه عليه، قاله الشيخ الحطاب والشيخ إبراهيم.

стр. 301

وموضع حجامة يعنى أنه يعفى عن غسل أثر دم حجامة، أو فصد، أو قطع عرق، وإنما يعفى عن غسل الموضع المذكور حيث مسح عنه الدم. وهذا إذا كان أثر الدم أكثر من درهم، وإلا فلا يعتبر في العفو المسح، والمراد بموضع الحجامة ما بين الشرطات وما قاربها لا الشرطات نفسها. وقوله: "مسح" صفة لموضع أو حال منه، والمسح المذكور واجب فإن لم يمسح أعاد في الوقت مطلقا، أو يقال إنه كمن ترك الغسل، وإنما عفي عن غسله حيث مسح لما يتضرر به من وصول الماء إلى ذلك فيرخص له في تأخير الغسل حتى يبرأ، فإذا برأ غسل يعني أن هذا الذي عفي له عن غسل موضع الحجامة يجب عليه أن يغسل ذلك المحل إذا برأ، وبرأ من المرض مثلثة، وأما من الدين فبالكسر فقط، وفاعل برأ ضمير يعود على الماسح، وإلا أعاد في الوقت يعني أن هذا المحتجم ومن في حكمه إذا برئ ولم يغسل ذلك الموضع الذي يجب عليه غسله بل صلى؛ والحال أنه لم يغسله فإنه يعيد في الوقت قاله في المدونة وأول بالنسيان يعني أن ما في المدونة من الإعادة في الوقت تأوله ابن أبي زيد وابن يونس على ما إذا كان هذا المحتجم ترك الغسل نسيانا له، وأما إن كان عامدا فيعيد أبدا: وهذا التأويل هو الظاهر الجاري على القواعد قاله الإمام الحطاب. وبالإطلاق يعني أن أبا عمران تأول ما في المدونة على الإطلاق فحمل المدونة على ظاهرها فيعيد كل من الناسي والعامد في الوقت، وهذا التأويل هو المذهب، ووجهه أن هذا أثر وليس بعين فروعي فيه لمن لا يأمر بغسله؛ وهو الباجي كما مر وكطين مطر يعني أن ما يصيب البدن أو الثوب أو الخف أو النعل من طين المطر ومن مائة المستنقع بكسر القاف في السكك والطرقات التي فيها العذرة وسائر النجاسات يعفى عن غسله، قال فيها: ولا بأس بطين المطر المستنقع في السكك والطرق يصيب الثوب أو الخف أو النعل أو الجسد، وإن كانت فيه العذرة وسائر النجاسات، وما زالت الطرق وهذا فيها والصحابة يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلون. سند: ظاهره أنه لا فرق بين أول مطرة وغيرها، ولا بين ما أصاب حين نزول المطر أو بعد انقطاعه، وأتى بالكاف ليدخل ماء الرش الذي في الطرقات، والمستنقع من فضلات النيل في الطرقات وإن اختلطت العذرة بالمصيب هو مبالغة في العفو؛ يعني أنه يعفى عما أصاب مما ذكر حيث كان

стр. 302

المختلط بالطرق روث الدواب وأبوالها بل ولو كان المختلط بها العذرة فالكل معفو عنه إلا ما سيبينه (لا إن غلبت) يعني أن العذرة إذا غلبت أي كثرت بأن كانت أكثر من الطين تحقيقا أو ظنا قويا كطين المرحاض فإنه لا يعفى حينئذ عما أصاب، هذا هو المعتمد دون قوله (وظاهرها العفو) يعني أن ظاهر المدونة يقتضي العفو حيث غلبت العذرة، ونص المدونة: ولا بأس بطين المطر وماء المطر المستنقع في السكك والطرق يصيب الثوب أو الخف أو النعل أو الجسد وإن كانت فيه العذرة وسائر النجاسات وما زالت الطرق وهذا فيها والصحابة يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلون انتهى، ومنهم من أبقى المدونة على ظاهرها، قال الشيخ عبد الباقي: ظاهرها ضعيف ومقيد على تسليمه بما إذا استوى وجودها في طريقين أو أكثر، وفي الأمن والخوف والقرب والبعد والسهولة والصعوبة على ما هو الظاهر، فإذا سلك في الطريق التي غلبت فيها النجاسة لقربها أو سهولتها أو أمنها وترك الأخرى لوجود ضد واحد من هذه الأمور فإنه يعفى عما أصابه، ويدخل في ذلك ما إذا ترك سلوك الطريق التي لم تغلب فيها النجاسة خوفا من حبسه وهو معسر، ثم يجب غسل الثوب ونحوه إذا ارتفع زمن المطر كما أفتى به بعض الأشياخ، وخرجه الباجي على وجوب غسل موضع الحجامة إذا برئ، وزاد الحطاب جفاف الطين فقال: ارتفع المطر أو زمن المطر وجف الطين. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. ولا إن أصاب عينها يعني أنه إذا أصاب عين النجاسة فلا عفو، وإنما محل العفو حيث أصاب الطينُ ونحوُه ولم يصب عينها، وتحصل من كلام المص أربع صور كلها مع تحقق وجود النجاسة في المطر: إحداها كون الطين أكثر من النجاسة ثانيها كون الطين مساويا للنجاسة ولا إشكال في العفو فيهما كما أشار إلى ذلك بقوله: "وكطين مطر وإن اختلطت العذرة بالمصيب"، الثالثة غلبة النجاسة على الطين وهي لا عفو فيها عند ابن أبي زيد بل يجب غسل المصيب كما أشار إلى ذلك بقوله: "لا إن غلبت"، ويعفى عن غسل ما يصيب على ظاهر المدونة كما أشار له بقوله: "وظاهرها العفو" الرابعة أن تكون عينها قائمة وتصيب فلا عفو بل يجب الغسل كما أشار إلى ذلك بقوله: "ولا إن أصاب عينها" قال ابن ناجي: خصص المغربي قوله: يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلونه بالمسجد المحصب كمسجدهم، وأما غير المحصب المفروش بالحصير فيغسل

стр. 303

لأنه يلوث الحصير وبه الفتوى عندنا بإفريقية، وفي الحطاب: وأما طين الماء المستنقع في الطرقات وماء الرش الذي لا تنفك عنه الطرق غالبا فهذا يعفى عما يصيبه منه دائما لأنه لا تنفك عنه الطرق. انتهى. فهو بخلاف مات المطر المتقدم ذكره، وذكر ابن ناجي في شرح المدونة والرسالة أن ثمانية أشياء تحمل على الطهارة وهي: طين المطر، وأبواب الدور، وحبل البئر، والذباب يقع على النجاسة. وقطر سقف الحمام، وميزاب السطوح، وذيل المرأة، وما نسجه المشركون، انتهى والله أعلم قاله الحطاب، ونظمها بعضهم فقال: طين الشوارع والأمطار يتبعها … حبل لبير وباب الدار ذيل نسا ونسج شرك وميزاب السطوح وما … عساه يقطر بالديماس إن لمسا كذا الذباب إذا ما حل في قذر … وطار عنه وفوق الثوب قد جلسا فكل هذا على طهر له حملوا … أعاذنا الله مما يوجب الدنسا نقله الشيخ إبراهيم قال في القاموس: الديماس ويكسر الكن والسرب والحمام وهو المراد في النظم، وما تقدم أن الصور الأربع كلها مع تحقق النجاسة هو للشيخ محمد بن الحسن، وفي الحطاب عن ابن هارون هذه المسألة على أربعة أوجه: أحدها أن يتساوى الاحتمالان في وجود النجاسة وعدمها فهذا يصلى به على ما قاله في المدونة لترجح الطهارة بالأصل، الثاني أن يترجح احتمال وجودها فهذا يصلي به على ما قاله في المدونة ترجيحا للأصل، ويغسله على رأي أبي محمد ترجيحا للغالب: والثالث أن يتحقق وجودها ولكن لا تظهر لاختلاطها بالطين فظاهر المدونة أيضا أنه يصلي، ويغسله على رأي أبي محمد وهو أحسن لتحقق النجاسة، ونحود للباجي، الرابع أن تكون لها عين قائمة فها هنا يجب غسلها. وقد مر أن طين المطر لا يعفى عنه بعد زوال المطر وجفاف الطين، بل يجب غسله إذ ذاك، ومحل ذلك إذا لم يتكرر المطر حتى يغلب على الظن زوال النجاسة وإلا فلا، ومحل وجوب غسله أيضا حيث يغلب على الظن وجود النجاسة بالمصيب، وإلا فلا انظر الحطاب.

стр. 304

وذيل امرأة مطال لستر يعني أن المرأة إذا أطالت ذيلها؛ أي طرف ثوبها لأجل الستر وكان يابسا ومرت به على نجاسة يابسة فإنه يعفى لها عن غسل طرف ثوبها الذي مرت به على نجاسة يابسة لأنها يجب عليها ستر رجليها، ولها أن تبلغ بالإطالة شبرا أو ذراعا ولأنه يطهر بما بعده كما سينص عليه قريبا، ومفهوم امرأة أن الرَّجُلَ ليس كذلك، وهو كذلك فيجب عليه النضح مع الشك، والغسل مع التحقق على ما يأتي إن شاء الله في قوله: "وإن شك في إصابتها لثوب" الخ، ولو كان طرف ثوبها مبلولا لم يعف عنه كما لو لم يكن مطالا لستر بل للزينة مثلا فلا يعفى عنه أيضا، وقوله: "وذيل امرأة" اعلم أن ابن عبد السلام يراعي تعليل الستر بكون الساق عورة فخص العفو بالحرة: وغيره يراعي أنها يجوز لها أن تستتر فعمم العفو في الحرة والأمة وهو الذي تفيده إطلاقاتهم، والأصل فيما ذكر المص حديث أم سلمة لا سئلت عن ذلك فقالت قال رسول الله ﷺ (يطهره ما بعده) (١)، وفي الموطإ قال ﷺ : (ترخيه شبرا، فقالت أم سلمة إذن تنكشف، قال: قدر ذراع لا تزيد عليه) (٢)، انتهى. والذراع شبران وإنما ترخيه ذراعا إذا احتاجت إلى ذلك في الستر، وإلا لم تزد على ما تحتاج له ومحل العفو إذا لم تلبس الخف أو الجورب، وإلا لم يعف عما أصاب ذيلها كان من زيها لبس الخف أم لا كما يفيده المص والباجي، قاله الشيخ محمد بن الحسن. ورجل بلت يعني أن من وطئ برجله وهي مبلولة على نجاسة يابسة فإنه يعفى له عن غسلها لأنها تطهر بما بعدها، والذي يظهر أن مفهوم قوله: "بلت" أحروي، ويؤيده الخبر (فإن التراب له طهور) (٣)، فإن ظاهره كانت مبلولة أو يابسة، وهذا أورده بعضهم هنا دليلا والله سبحانه أعلم. وقوله: يمران راجع لذيل المرأة وللرجل فالضمير يعود عليهما، والجملة صفة لهما أو حال منهما، وفوله: بنجس متعلق بيمران، وقوله: يبس بكسر الباء صفة لنجس، ومفهوم قوله: "يبس" أنهما لو

стр. 305

مرا بنجاسة رطبة فلا عفو، وظاهر الحديث عدم الفرق بين يابس النجس ورطبه؛ فإن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن قالت لأم سلمة إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت قال رسول الله ﷺ : (يطهره ما بعده) (١) لكن حمله مالك على القشب اليابس، والقشب بسكون المعجمة هو الرجيع اليابس وأصله الخلط بما يفسد قاله عياض، وقال ابن فرحون: والقشب بفتح القاف والشين، وجاء بكسر القاف وسكون الشين. هو كالعلة لما قبله؛ أي عفي عن ذيل امرأة ورجل مرا بنجس يابس لأنهما يطهران بما بعده من أرض أو غيرها طاهر يابس، ووجه العفو هنا أنه قد يتعلق بالذيل والرجل غبار النجس اليابس فيعفى عن غسلهما مع التحقق، ونضحهما مع الشك والعفو هنا لا يختص برجيع الدواب خلافا للتونسي القائل إنه يختص بروث الدواب وأبوالها كمسألة الخف الآتية، وقال الباجي: يجب غسل ما تحققت إصابة عين النجاسة له: والمراد بالطهارة هنا الطهارة اللغوية أي ينظفان لأن الطهارة الشرعية لا تكون بغير المطلق، وحينئذ يكون للعفو محل. وقوله: "بنجس يبس"رد به القول بأن ذيل المرأة إذا مر بنجس رطب يعفى عنه وهو خلاف المشهور، والمشهور أنه لا يعفى عن ذيلها إذا أصابته نجاسة رطبة، وقد مر أن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين يابس النجس ورطبه والله سبحانه أعلم، وفهم من قوله: "وذيل امرأة مطال لستر" الخ أن الغبار غير معفو عنه إلا في هذين، ولذا قال ابن القاسم من لصق ثوبه بجدار مرحاض إن كان يشبه البلل غسله، وإن كان يشبه الغبار رشه. انتهى، وهذا هو الفقه الحقيقي لأنه إذا كان به بلل لا يشك في علوقه بالثوب فيجب غسله حينئذ. وإذا كان به غبار فقد يشك أنه علق به منه شيء فيجب النضح: وقوله: "مطال لستر ورجل بلت" سواء في ذلك الواحدة والاثنتان، وإسناد المرور للرجل حقيقي، وللذيل مجاز قاله الشبراخيتي. وسواء رفعت الرجل بالحضرة أو بعد مهلة. واعلم أن الباجي قال في حديث الذيل أعني حديث أم سلمة: يطهره ما بعده ما حاصله أنه يحمل الحديث على ما إذا شكت في إصابة النجاسة لها، أو في نجاسة ما أصابها ولا يلزمها

стр. 306

غسلها في الصورتين على المشهور بل النضح في الأولى فقط، وقوله: "ورجل بلت" الرخصة هنا فيه أن يجتزئ بمسح الأرض عن غسل الماء كما في الحديث (إذا وطئ أحدكم برجله الأذى فإن التراب له طهور)، وقوله: "ورجل بلت" أصله ما في سماع أشهب: سئل مالك عن الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجاف. قال: لا بأس بذلك، وقد وسع الله على هذه الأمة ثم تلا ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. انتهى. وفيه ثلاث تأويلات: أحدها لابن رشد معناه أنه موضع قذر لا يوقن بنجاسته، فحملها على الطهارة؛ لأن الاحتراز من مثل هذا يعسر، فهو من الحرج الذي رفعه الله، ولو أيقن بنجاسته لوجب أن يغسل رجليه؛ لأن النجاسة تتعلق بهما وإن كانت يابسة لأجل بللهما، وحمل غير ابن رشد الرواية على أن الموضع نجس، ثم اختلفوا فقال ابن اللباد: وذلك إذا مشى بعد ذلك على أرض طاهرة كمسألة الذيل وهذا ثاني التأويلات، وقال اللخمي: إنما أراد مالك إذا رفع الرجل بالحضرة بحيث لا ينماع من النجاسة إلا شيء يسير فهو محل العفو وهذا هو ثالث التأويلات. وفي كلام سند ميل لكلام ابن اللباد، وذكر المازري عن بعضهم أنه علل ذلك بأن الماء يدفع عن نفسه فلا ينجسة إلا ما غيره، ولا يتحلل من النجاسة ما يغير أجزاء الماء الباقي في رجليه، فلما اجتمع هؤلاء الشيوخ كلهم على حمل الرواية على أن المراد بالقذر النجس، وإنما اختلفوا في توجيه ذلك تبعهم المص، واقتصر على تأويل ابن اللباد، لاقتصار ابن يونس وجماعة عليه. قاله الحطاب وخف ونعل من روث دواب أو بولها يعني أن الخف والنعل إذا تنجسا من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عن غسلهما إن دلكا، يعني أنه إنما يعفى عن غسلهما بشرط الدلك، والدلك هو المسح بتراب أو خرق أو غيرهما والأفضل التراب لخبر (إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور) (١) رواه أبو داود قاله الحطاب والشبراخيتي، وشرط الدلك أن لا يبقى بعده شيء يخرجه المسح لعدم بقاء شيء من العين كحجر الاستجمار، ولا يشترط زوال الريح، ومثل الدلك جفافهما بحيث لم يبق شيء يخرجه المسح بحيث لم تبق له عين، وظاهر المص أن العفو بالنسبة للصلاة وغيرها كدخول مسجد به، ومكثه

стр. 307

به. وكملاقاته أثر ذلك ثوبا مبلولا أو غيره فلا يضر، وظاهر المدونة أن العفو بالنسبة للصلاة ومثله لابن الحاجب. قال ابن مرزوق وعلى الأول فله المشي بهما في المسجد حيث لم يكن محصرا، ولا مبلطا، وإلا منع، ولو شك في مصابهما هل هو مما ذكر أو عذرة؟ فالظاهر عدم العفو ومحل العفو في موضع تكثر فيه الدواب، وإن لم تكثر فلا عفو، وكلام المص معلل بالمظنة فلا يقال فإن تيسر له الغسل فلا عفو قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي في قوله: والعفو في كلام المص حيث شق عليه غسل ما أصابه كما هو من أفراد "وعفيَ عما يعسر" فإن تيسر له فلا عفو. انتهى والله تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي ما يقوي ما قاله عبد الباقي فإنه قال: وكلام المص فيمن عجز عن الغسل لقول الطراز إن تيسر له الغسل كأن يجد الماء عند باب المسجد فإنه يغسل انتهى. ذكره في مسألة الرجل كانت لفقير أو لغني على أحد القولين انتهى. وقوله: "من روث دواب" المراد بالدواب الخيل والبغال والحمير، والروث عبارة عن رجيع غير بني آدم. واعلم أن كل ما يمشى به كالأقراق والسمسكين بمنزلة النعل والخف كما ذكرد ابن الإمام قاله الحطاب، وقوله: "من روث دواب وبولها" كانت رطبة أو يابسة، وكان مالك يقول أولا بعدم العفو، ثم رجع إلى العفو لعمل أهل المدينة ولابن حبيب ثالث بالعفو عن الخف دون النعل لا غيره. يعني أن الخف والنعل إذا تنجسا من غير رجيع الدواب فإنه لا يكفي فيهما الدلك بل لابد من غسلهما، وذلك كالدم والعذرة وخرء الكلب والهرة وبولهما وغير ذلك، والعلة ندور ذلك في الطرقات، ولذلك قال ابن العربي في العارضة: إذا وطئ على دم أو عذرة لم يكن بد من الغسل؛ لأن ذلك في الطرقات نادر، فإن كثر صار ذلك كروث الدواب، ولا يصح عود الضمير في غيره على الخف والنعل؛ أي فلا يعفى عن غير الخف والنعل من الثياب والأبدان، لأنه وإن كان الحكم كذلك لا يلائم قوله فيخلعه الماسح الخ. ابن ناجي: ثمانية أشياء يجزئ فيها زوال النجاسة بغير الماء: النعل: والخف: والقدم، والمخرجان، وموضع الحجامة، والسيف الصقيل، والثوب الجديد، والجسد. انتهى. قاله الحطاب، وسيأتي أن الثوب والبدن لا يجزئ مسحه في مسألة السيف الصقيل، وقوله: "لا غيره" أفرد الضمير فيه؛ لأن العطف بأو كما ذكره عبد الباقي فيخلعه

стр. 308

الماسح؛ يعني أنه يجب على الماسح على الخف إذا تنجس من غير روث الدواب وبولها، والحال أنه لا ماء معه أن يخلع ما تنجس من خفيه أو أحدهما؛ لأنه لا يعفى عن غسلهما إلا في رجيع الدواب أي بولها وروثها، وإذا خلعهما فإنه يبطل وضوءه، ويتيمم لبطلان حكم المسح في حقه، ولا يكفي دلكه؛ لأن طهارة الحدث لها بدل وغسل النجاسة لا بدل له، ولأن المسح رخصة فيقتصر فيها على ما ورد من كونه بشرط جلد طاهر، فلا يقال لِمَ لَم يجر في نجاسته ما جرى في إزالة النجاسة، ولكون طهارة الحدث لها بدل من لم يجد إلا قدر وضوئه أو ما يزيل به النجاسة الكائنة بغير محل الوضوء غسل النجاسة وتيمم، وقيل: يصلي بالنجاسة ويتوضأ وجعله الشيخ عبد الباقي هو المذهبَ، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن، وهذا إذا لم يمكنه جمع الماء من أعضائه طهورا وإلا توضأ به وجمعه وغسل به النجاسة، وللشيخ زروق لا ينبغي أن يختلف في إزالة النجاسة بالماء المستعمل، والمراد بالماسح هنا من هو باق على وضوئه، وأما من انتقض وضوءه وعنده من الماء ما لا يكفيه فإنه لا يتعين خلعه للخف بل له أن يغسلة، ويتيمم ويصلي به. واختار إلحاق رجل الفقير يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن رجل الفقير إذا تنجست من روث الدواب وبولها أن تلحق بالخف والنعلين المتنجسين من أرواث الدواب وأبوالها فيكفي فيها الدلك بحيث لا يبقى شيء من العين، والفقير من لا يملك خفا ولا نعلا ولا ما يشتري به أحدهما، ومثله غني لا يقدر على لبسهما لمرض أو لفقده، وظاهر إطلاقهم أن الفقير إذا وجد من يسلفه لا يخرجه ذلك عن كونه فقيرا. وفي غيره للمتأخرين قولان، يعني أن المتأخرين من أهل المذهب اختلفوا في رجل الغني إذا تنجست من روث الدواب وبولها هل تلحق بالخف والنعل المتنجسين بذلك فيعفى عن غسل ما يصيبها من ذلك إذا دلكت حنى لا يبقى من العين شيء، وهو قول التونسي، أو لا تلحق بهما ولا يكفي فيها الدلك بل لابد من غسلها؛ وهو للباجي، والغني هو من يقدر على لبس الخف ووجده وتركه فإذا أصيبت رجله بما ذكر جرى فيها القولان، قال الشيخ الحطاب واعلم أن الرجل لا نص فيها للمتقدمين، واختلف المتأخرون فيها على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين الغني والفقير، وهو اختيار اللخمي وابن العربي في العارضة، واختار التونسي وابن رشد إلحاقها

стр. 309

بالخف والنعل مطلقا، وحكى ابن شأس والقرافي قولا بعدم الإلحاق مطلقا، ولما ترجح عند المص اختيار اللخمي في رجل الفقير بموافقته لاختيار التونسي وابنِ رشد اقتصر عليه ولم يترجح عنده اختياره في رجل الغني لمعارضته لاختيار التونسي، وابن رشد ذكر الخلاف في ذلك، وقال صاحب الطراز: إن تيسر له الغسل؛ أي وجد الماء عند باب المسجد، وإلا فليصل بها إذا مسح رجليه كما يفعل بالنعل، وحذا هو الظاهر والله أعلم. انتهى. وفي الأمير أن الاكتفاء بالدلك في الخف والنعل حيث لم يسهل الغسل جدا بأن كان بجَنبِ الماء فإنه قال عاطفا على المعفو عنه: وملبوس رجل مسح من روث مركوب بمحل يكثر به، ولم يسهل الغسل جدا بأن كان بجنب الماء، وبوله ويبسة كمسحه. انتهى. وهذا تقدم نحوه للشيخ عبد الباقي والشبراخيتي، وكلام سند هذا يقويه وإن نازع في ذلك الشيخ محمد بن الحسن وواقع علي مار. يعني أن المار أو الجالس أو القائم إذا وقع عليه بلل من بيوت المسلمين، أو مشكوك فيهم فإنه يعفى له عن غسله، وإن كان الغالب في البلل الواقع من السقوف النجاسةَ، والغالب فيه النجاسة كالمتيقن نجاسته، لكن عفي عن غسله لكثرة سقوط البلل من السقائف وحاجة الناس للمرور تحتها فلا يؤاخذ إلا باليقين، والظن هنا معفو عنه، ففي سماع ابن القاسم أن من سقط عليه ماء السقائف هو في سعة ما لم توقن النجاسة قاله بعضهم. نقله الشيخ محمد بن الحسن، وفي كتاب الشيخ الأمير: وكل هذا عند الشك في الواقع، فإن غلب على الظن فيه شيء اعتبر مطلقا. انتهى. أي سواء وقع من بيت مسلم أو غيره، وقوله: "مار" ذكرا كان أو أنثى، ومفهوم المسلمين أو مشكوكَ فيهم أن الواقع من بيت كافر يحمل على النجاسة، قال الشيخ عبد الباقي: إلا لقرينة. وكذا يعمل بالقرينة في الواقع من بيت المسلم أو المشكوك فيه فيحمل على الطهارة إلا لقرينه كرائحة مثلا،؟ قوله: "وواقع" لخ عطف على المعفوات، وعين العفو هو حمل الواقع من بيت مسلم أو مشكوك فيه على الطهارة، وأما كون المعفو عنه وجوب السؤال ففيه نظر، والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن المراد بالمار من أصابه البلل من السقف سواء كان قائما أو جالسا أو مضطجعا أو ذاهبا. والله سبحانه أعلم.

стр. 310

قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر من كلامهم هنا أن الظن غير القوي والشك هما محل التفصيل بين الكفار وغيرهم، وإن غلب على الظن شيء عمل عليه في المسلمين والمشكوك فيهم والكفار والله سبحانه أعلم. وإن سأل صدق المسلم؛ يعني أن الإنسان إذا وقع عليه بلل من السقوف فإنه لا يجب عليه أن يسأل عنه هل هو نجس أو طاهر؛ لأن النازل منها يحمل على الطهارة في الواقع من بيوت المسلمين أو المشكوك فيهم، وعلى النجاسة في النازل من بيوت الكفار، لكن يندب له السؤال، فإذا سأل فإنه يصدق المسلم العدل الرواية إذا أخبره بخلاف ما يحمله عليه، ويزاد فيما إذا أخبر بالنجاسة أن يبين وجها أو يتفقا مذهبا، وأما إذا أخبر بما يحمل عليه فلا يشترط إسلام ولا عدالة، ومفهوم المسلم العدل الرواية أن غيره لا يصدق. ابن رشد يصدق وإن لم تعرف عدالته. انتهى. وأما الكافر فلا يعتبر قوله. وكسيف صقيل؛ يعني أن السيف الصقيل وشبهه من كل ما فيه صقالة وصلابة كالمرآة والمدية يعفى عن غسله لإفساده؛ يعني أن العلة في العفو عن غسله هي إفساد الغسل له، فخرج ما لم تكن فيه صلابة، ولو كان صقيلا كالثوب الجديد خلاف ما مر عن ابن ناجي عند قول المص: لا غيره، وخرج أيضا ما لا يفسده الغسل ولو كانت فيه صقالة وصلابة كالزجاج؛ لأنه لا يفسده الغسل، وإنما يعفى عن غسل السيف الصقيل وما شابهه حيث تنجس. من دم، وأما لو تنجس من غير الدم فلا يعفى عن غسله، فالعفو خاص بالدم كما هو المفهوم من أكثر عباراتهم، ومقتضى كلام ابن العربي عدم التخصيص. ابنُ عرفة: ابنُ العربي؛ مسحها أي النجاسة من صقيل كاف لإفساد غسله، وقيل: لانتقالها منه بالمسح، وقال في التوضيح، وأكثر مثلهم إنما هو في الدم فيحتمل أن لا يقصر الحكم عليه، ويحتمل القصر، لأنه الغالب من النجاسات الواصلة إليه. مباح نعت لدم؛ يعني أنه يشترط في العفو عن غسل السيف أن يكون الدم الذي تنجس منه مباحا كتلطيخه منه في جهاد، أو قصاص، أو صيد، أو ذكاة شرعية بخلاف دم العدوان، ودم المذكى ذكاة غير شرعية، ويدخل في المباح ما حرم لعارض كقتل مرتد وزان أحصن بغير إذن الإمام، ويدخل في المباح المكروه كقتل الرجل أباه في الباغية، وكذا دم

стр. 311

مكروه الأكل الخارج منه إذا ذكي، ولا يعتبر في العفو مسح الدم عند مالك وابن القاسم، وقيل يشترط في العفو المسح. نقله الباجي عن مالك، وقال ابن راشد: هو قول الأبهري، والفرق على الأول بينه وبين قوله: وموضع حجامة مسح أن بقاء الدم في موضع الحجامة حائل أما في الغسل بأي موضع كانت: وأما في الوضوء إن كانت الحجامة في أعضاء الوضوء، وتقييد المص الدم بمباح ظاهر بالنسبة لسيف ومدية ونحوهما، وأما المرآة فيعفى عن غسلها ولو بدم حرام لتكرر النظر فيها المطلوب وأثر دمل يعني أن أثر الدمل أي ما سال منه يعفى عن غسل ما أصاب منه الثوب والجسد، ومحل العفو عن غسله حيث لم ينكأ بالهمزة كما في الحطاب أي لم يقشر ولم يعصر، فإذا لم يقشر ولم يعصر وسال منه شيء فإنه يعفى عن غسل ما سال منه قليلا كان أو كثيرا، إن اتصل سيلانه أو انقطع ولم ينضبط أو انضبط، ولكن يشق بأن يأتي كل يوم مرة أو أكثر، فإن انضبط وأتى يوما دون آخر مثلا لم يعف عنه، وقوله "لم ينكأ" قال في القاموس: نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فندبت، ومفهوم لم ينكأ أن ما خرج بقشر وكذا بعصر مع تكونه وتوقف خروجه على قشره لا يعفى عنه إلا أن يكون دون درهم من دم أو قيح أو صديد، وأما ما تكون بعد قشره وخرج بغير عصر فيعفى عنه سواء كان قشره لإخراج مدة أو كان قبل تكونها، وسواء قل أو كثر كالخارج بغير قشر. وينبغي في المتكون المحبوس بالجلد أنه يعفى عنه مطلقا حيث رق الجلد بحيث لو لم يقشره لخرج قاله الشيخ عبد الباقي. ومحل قوله: "لم ينكأ" في الدمل الواحد، وأما أكثر من دمل واحد فيعفى عن مدته، ولو عصره أو قشره لاضطراره لذلك كالجرب والحكة، وفي أبي الحسن أن الدمل الواحد إن اضطر إلى نكئها وشق عليه تركه فإنه يعفى عما سال منها، قال الشيخ الأمير: والظاهر أن منه وضع دواء عليها، وقوله: "وأثر دمل لم ينكأَ" مثله الجرح يمصل أي ينزي فيخرج منه شيء، والدمل كسُكَّر وصُرَد معروف سمي بذلك تفاؤلا كتسمية الأرض المهلكة مفازة، واللديغ سليما، ومعنى دمله أصلحه قال علقمة بن عبدة التميمي: ومولى كمولى الزبرقان دملته … كما دملت ساق تهاض بها وقر

стр. 312

وفي الشبراخيتي عند قوله: "لم ينكأ" أي يفتح ويعصر حال سيلانه، ولا يضره نكؤه قبل السيلان فلو نكي أو شق قبل تجمع المادة فيه ثم تجمعت وسالت من ذلك الشق فالعفو، وقوله: "لم ينكأ" أي حقيقة أو حكما كما إذا انتهى الدمل، وكان بحيث لو تركه لانفجر بنفسه، وفجره فإنه يعفى عن أثره انتهى. وتحصل مما مر أن ما خرج بنفسه حقيقة أو حكما معفو عنه ولو تكون برد قشره، وليدرأه بخرقة ندبا، وإلا فلا إلا فيما دون الدرهم من دم أو قيح أو صديد، وإلا أن يشق بأن يأتي كل يوم مرة فأكثر هذا في الواحد، وعفى عن أكثر مطلقا كالجرب والحكة وندب إن تفاحش يعني أن الدمل والجرح إذا كانا يمصلان بأنفسهما يعفى عما يخرج منهما، ولا يجب غسله ولا يندب إلا إذا تفاحش فيستحب غسله حينئذ قاله الحطاب. والندب عند المتفاحش ليس، خاصا بما ذكر بل يجري في جميع ما سبق من المعفوات إلا في كسيف صقيل، ومعنى المتفاحش، أن يستقبح الناظر النظر إليه، أولا يقع مثله غالبا، أو يستحيي أن يجلس به بين أقرانه، ومحل الندب ما دام العفو عنه قائما وإلا وجب، ودون الدرهم يندب غسله وإن لم يتفاحش كدم براغيث، يعني أن دم البراغيث أي خرءها يستحب غسله إذا تفاحش فهو تشبيه في العفو، ونَدْبِ غسلِ ما تفاحش منه وأما دمها الحقيقي فهو داخل في قوله: "ودون درهم من دم"، وقيل، يجب غسل خرء البراغيث إن تفاحش وفي الشبراخيتي: وخص البراغيث لعسر التحرز منها وإلا فخرء البق والقمل كذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: خرء البق والقمل ليس كخرء البرغوث على ظاهر المذهب خلافا لصاحب الحلل. انتهى. يعني فيندب غسله مطلقا، وإنما لم يكن مثله لتعذر الكثرة التي يستحب الغسل عندها في القمل والبق والله أعلم. وقوله: "كدم براغيث" سواء في ذلك زمن هيجانه وغيره كما هو ظاهر المدونة، وظاهر كلام الأكثر، وخالف ابن، شاس وابن الحاجب فجعلاه في زمن هيجانه معفوا عنه وإن تفاحش. تنبيه: اعلم أنه يكره قتل القمل والبراغيث وغيرهما كالبق والبعوض بالنار ما لم يضطر إلى ذلك لكثرتها فيجوز؛ لأن في تتبعها بغير النار حرجا ومشقة قاله الشاذلي إلا في صلاة، يعني أن الشخص إذا اطلع في صلاته على المتفاحش من الدمل أو دم البراغيث فإنه لا يندب له غسله حينئذ لوجوب تماديه على صلاته، إماما كان أو مأموما، أو فذا فرضا أو نفلا، فالاستثناء راجع

стр. 313

لما بعد الكاف ولما قبله ولا حاجة إلى هذا؛ إذ لا يتوهم قطع صلاة لمندوب قاله أحمد نقله عبد الباقي. ابن ناجي ثمانية أثواب لا يؤمر بغسلها إلا مع المتفاحش: ثوب دم البراغيث، وثوب المرضع، وثوب صاحب السلس، وثوب صاحب البواسير، وثوب صاحب الجرح السائل، وثوب صاحب القرحة، وثوب الغازي الذي يمسك فرسه في الجهاد، وثوب المتمعش في سفره بالدواب. انتهى قاله الحطاب. (ويطهر محل النجس) لما قدم حكم إزالة النجاسة، وما يعفى عنه مما لا يعفى عنه، ومعلوم أن ما لا يعفى عنه لابد من تطهيره بالماء، والعفو عنه محله نجس محكوم بنجاسته حتى يطهر بالماء أيضا. كخف ونعل من روث دواب وبولها، والمخرجين في الاستجمار وغير ذلك، أخذ الآن يتكلم في كيفية التطهير وبماذا يكون: ومعنى كلام المص أن محك النجس أي النجاسة سواء كان بدنا أو ثوبا أو أرضا أو غير ذلك فإنه يطهر بلا نية أي لا يفتقر في غسله إلى نية، فإذا غسل محل النجس بالماء المطلق فإنه يطهر من غير توقف على نية؛ أي يطهر وإن لم ينو أنه مزيل للنجاسة عند غسلها بالماء المطلق قاله الشيخ عبد الباقي، والباء في قوله: "بلا نية" للملابسة وهو حال قدمت على صاحبها، وهو قوله (بغسله) يعني أن محل النجس إنما يطهر بغسله أي بسبب غسله من غير اشتراط نية فيه ولا ذلك إن لم تتوقف إزالة العين عليه، والباء في قوله: "بغسله" للسببية كما قررت: وهو متعلق بقوله: "ويطهر"، وأفاد المص بقوله: "بغسلة" أن جميع المعفوات السابقة محكوم عليها بالنجاسة، والغسل في كل نجاسة بحسبها، قال ابن العربي في العارضة وهي شرحه للترمذي: النجاسة إما حكمية أو عينية، فالحكمية يكفي في زوالها ورود الماء على المحل، والعينية لابد من إزالة عينها. انتهى. والحكمية هي التي لا لون لها ولا طعم ولا ريح كالبول إذا جف وطال أمره، والعينية نقيض الحكمية، وقال في موضع آخر: النجاسةُ على قسمين: نجاسة كلون الماء وهي المذي والبول ونحوهما، فيجب أن تكاثر بالماء خاصة إذ ليس لها عين تزال، وكف من ماء على ما ورد في الحديث أكثر من نقطة من مذي ونجاسة تخالف لون الماء فيلزم صب الماء عليها حتى تذهب عينها، وقال في حديث بول الغلام (فنضحه ولم

стр. 314

يغسله) (١)؛ أي صب عليه الماء بدليل قوله: فأتبعه بالماء، وإنما سقط العرك لأنه لا يحتاج إليه، فإن الرجل الكبير لو بال على ثوب وأتبعه ماء لكان ذلك تطهيرا للمحل، وقال في حديث بول الأعرابي في المسجد (٢)؛ إذا استقرت النجاسة في الأرض صب عليها من الماء ما يغمرها، ويستهلك البول فيها بذهاب رائحته ولونه، وتطهر الأرض النجسة بذلك، وقال الروي: لا تطهر إلا بأن تحفر ويجعل على ظاهرها تراب طاهر، وليس الذنوب تقديرا وإنما هو بحسب غلبة الماء، وغمره للنجاسة واستهلاكها فيه، فإذا بال رجلان في موضع كفى ذنوب واحد. وقال الاصطخري: لكل رجل ذنوب وهو باطل، ولو أهريق على الموضع ماء أو جاء عليه مطر طهر، لأن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية. انتهى. وقال محمد بن عبد الباقي: في الحديث يعني حديث الأعرابي الذي بال في المسجد المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمره لهم عند فراغه بصب الماء، وتعين أنه، لإزالة النجاسة، وأنه لا يشترط حفرها مطلقا خلافا للحنفية في أنه لابد من حفرها إذا كانت، صلبة، وإلقاء التراب، وفيه أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولذا بادروا بالإنكار بحضوره ﷺ قبل استيذانه لما تقرر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفيه جواز التمسد بالعموم حتى يظهر الخصوص. وقال ابن فرحون: نص القاضي أبو بكر على أن الأرض يكفي في تطهيرها صب الماء عليها فقط، وأن البول أو غيره إذا صب عليه الماء متتابعا حتى تحقق زوال النجاسة أنه يطهر ولا يحتاج إلى عصر ولا عرك ابن شعبان: طهور الأرض من البول صب دلو من ماء عليها، ومن أصابه نجس وهطل عليه مطر فاغتسل به طهره ذلك ولو كان جنبا، وقال الأبي في شرح حديث الأعرابي (فدعا بذنوب من ماء فصبه عليه) (٣): فيه أن النجاسة المائعة دون اللزجة يكفي في تطهيرها صب الماء وتتابعه دون دلك، وكما لا يشترط ذلك لا يشترط من الماء قدر معين، بل ما يغمر النجاسة ويغلب عليها. انتهى نقله الحطاب. وقال

стр. 315

بعد جلب نقول والحاصل مما تقدم أن المقصود إزالة النجاسة، فالتي يمكن زوالها بالماء كالبول والماء المتنجس أو بمكاثرة صب الماء كالمذي والودي لا تحتاج إلى عرك ودلك، وما لا تزول إلا بالعرك والدلك فلا بد له من ذلك. انتهى. وقوله: "بلا نية" هذا هو المعروف، وحكى القرافي قولا بأنها تفتقر للنية وهو ضعيف، فقد حكى ابن بشير وابن عبد السلام الاتفاق على عدم افتقارها للنية، وحكى ابن القصار وابن الصلاح من الشافعية الإجماع على ذلك، والأعرابي الذي بال في المسجد اسمه ذو الخويصرة التميمي، والذنوب بفتح الذال المعجمة الدلو العظيم، وقيل لا يسمى ذنوبا إلا إذا كان فيه ماء، ويطلق الذنوب على النصيب من العذاب، قال تعالى ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ أي نصيبا من العذاب، وقيل مستعار من الذنوب الذي هو الدلو كانوا يستقون ويجعلون لكل جماعة ذنوبا، والله أعلم. وقال سند. السجل دلو أصغر من الذنوب، والذنوب الدلو الكبير، وهو دون الغرب وفوق السجل قاله الحطاب. إن عرف يعني أنه إذا تحقق إصابة النجس لموضع معين معلوم من ثوب أو بدن أو أرض أو غيرها، فإنه يطهر بغسله فقط وإلا أي وإن لم يعلم موضع النجاسة مع تحقق الإصابة فإنما يطهر ذلك الشيء المتنجس بغسل جميع ذلك الشيء المشكوك في نجاسته من كل الشيء أو بعضه المعين، قال في المدونة: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه لا يدري موضعها غسله كله، وإن علم تلك الناحية غسلها، وفي المظنون طريقان: هل هو كالمجزوم به وهو ما لبعضهم، أو كالمشكوك فيه وهو مقتضى الجلاب، وعليه يدخل الظن تحت وإلا ولعله ما لم يقو، ولا يدخل تحت وإلا الوهم؛ لأن الوهم لا أثر له في طهارة الحدث فطهارة الخبث كذلك بل أولى، ويدل له ما في مسألة النضح من أن الموهوم لا ينضح، وإنما وجب غسل المشكوك فيه هنا، ونضحه فيما يأتي لتحقق إصابة النجاسة هنا بخلاف ما يأتي، وقوله: "فبجميع المشكوك فيه" إلا أن لا يجد من الماء ما يعم به الثوب ويضيق الوقت فإنه يتحرى موضعها ويغسله ويصلي ككميه يعني أن الثوب المتصل إذا تحققت إصابة النجاسة له وشك في محلها فلابد من غسل جميع المشكوك فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الشك حصل في جهة غير متميزة منه، أو في جهتين متميزتين ككميه المتصلين بثوبه يعلم أن بأحدهما نجاسة ولم يعلم عينه منهما، فيجب غسلهما، وهذا هو المذهب. وقال

стр. 316

ابن العربي: يجتهد في الكمين كالثوبين فما أداه اجتهاده إلى أنه النجس غسله. وقوله: "ككميه" هذا إن اتسع الوقت الذي هو فيه، ووجد من الماء ما يعمهما، وإلا تحرى أحدهما ليغسله، ويصلي إن اتسع الوقت للتحري، وإلا صلى بالنجاسة، لأنه يتيمم على الراجح إذا خاف فوات الوقت باستعماله الماء في طهارة الحدث فأولى هذا، ومثل الكمين الثوبان اللذان لا تمكن الصلاة إلا بهما، وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: ككميه فإن لم يكفهما تحرى ثم إن وجد غسل الثاني. انتهى. بخلاف ثوبيه يعني أن من له ثوبان منفصلان، وتحقق إصابة النجاسة لأحدهما، واشتبه الطاهر بالمتنجس، فإنه يتحرى أي يجتهد بعلامة تميز له الطاهر من النجس فما أداه اجتهاده إلى أنه طاهر صلى به الآن وفي وقت آخر حيث لم ينسه، وما أداه اجتهاده إلى أنه نجس تركه حتى يغسله، وهذا هو المشهور. وقال ابن الماجشون: يصلي بعده النجس، وزيادة ثوب كالأواني. وقال ابن مسلمة: كذلك ما لم تكثر، وقوله: "فيتحرى" محل التحري إن اتسع الوقت، وإلا صلى بأي واحد منهما؛ لأنه كعاجز، ولا إعادة عليه فيما صلى به بالتحري بوقت ولا غيره، وتبع المص ابن الحاجب وابن شأس في التفرقة بين الكمين والثوبين، والذي لسند أن الثوبين كالكمين في أنه يغسل ما يريد به الصلاة من أحدهما، ورجحت طريقته، ويمكن حمل المص عليها وإن بعَّده قوله: "بخلاف" لخ بأن يقال قوله: "بخلاف ثوبيه فيتحرى" المتنجس ليغسله حيث وجد ماء لا يكفي الذي يريد الصلاة به، أو وجد ولكن ضاق الوقت عن غسله، واتسع الوقت للتحري، فإن وجد ما يكفي الذي يريد الصلاة به واتسع الوقت لغسله وجب ولا يكفي التحري، فإذا ضاق الوقت عن التحري صلى به بدونه فعلم أن الأقسام ثلاثة: الأول: أن يجد ما يغسل به الكمين وأحد الثوبين الذي يريد الصلاة به ويتسع الوقت فيجب في الكمين، وكذا في أحد الثوبين على الراجح. الثاني: أن يجد مالا يكفي الكمين ولا أحد الثوبين، أو يجد ولكن ضاق الوقت عن غسل ما ذكر، فيتحرى محل النجس فقط ويغسله في الكمين وكذا في أحد الثوبين على ما عليه معظم من تكلم على هذا المحل إن اتسع الوقت للتحري، وإلا صلى بذي الكمين وأحد الثوبين بغير تحر ولا غسل. الثالث: أن لا يجد ماء أصلا فيصلي بذي الكمين،

стр. 317

ويتحرى أحد الثوبين ليصلي به إن اتسع الوقت للتحري، وإلا صلى به بغير تحر، وقيدنا الكمين بالمتصلين بثوبه لأن المنفصلين كالثوبين، ومثل الكمين في الأقسام الثلاثة الثوب الذي النجاسة ببعضه، والثوبان اللذان لا يمكن صلاة إلا بهما معا مع نجاسة بأحدهما، ولا يدري محلها ولا ما هي فيه كما مر. قال جميعه الشيخ عبد الباقي. وقد علم مما مر أن المراد بغسل الكمين غسل جميعهما إن شك في جميعهما وغسل أعلاهما معا أو أسفلهما إن شك في ذلك فقط ولو لبس الثوبين بعد غسل ما تحرى نجاسته وصلى بهما صحت صلاته؛ لأن المغسول طاهر بيقين، والآخر بالاجتهاد، وإنما اكتفي بالتحري في الثياب، ولم يكتف به في اشتباه الأواني، لأن اشتراط الطهارة في الحدث متفق عليها بخلافها في الخبث وبهذا الفرق رد على ابن الماجشون قوله: إنه يصلي بعده النجس وزيادة ثوب. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وتبع المص ابن الحاجب وابن شاس الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: رد ابن هارون طريق ابن شاس بأنه إذا تحرى ولم يكن مضطرا فقد دخل احتمال الخلل في صلاته لغير ضرورة قال الحطاب وهو ظاهر، وقوله: "فيتحرى" المتنجس ليغسله لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا معنى لهذا التحري؛ لأنه حيث لم يجد ماء يكفي الذي يريد الصلاة به تعين الآخر من غير تحر؛ إذ الفرض أنهما اثنان، وصوابه لو قال: يتحرى الطاهر ليصلي به كما في الحطاب، وغيره عن سند. وقوله: وكذا في أحد الثوبين الخ فيه نظر؛ لأنه حيث لم يجد ما يغسل به أحد الثوبين، أو ضاق عنه الوقت تحرى الطاهر وصلى به كما في الحطاب، وغيره عن سند. انتهى. والذي يظهر أن معنى قوله: "فيتحرى" المتنجس أي محل النجس كما يفيده كلام عبد الباقي بعد ذلك. والله أعلم. وإذا اجتهد ولم يقع له ظن في الثوبين ففي الحطاب ما يفيد أنه لابد من غسلهما معا، وقال أبو علي: ينضح أحدهما ويصلي به عملا بما يأتي. قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو ظاهر خلاف ما في الحطاب. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر ما للحطاب لا ما لأبي علي والشيخ محمد بن الحسن؛ لأن ما هنا النجاسة محققة بأحد الثوبين، ولكن جهل الثوب الذي هي به، فإذا نضح أحدهما وصلى به لزم على ذلك أن يكفي في الآخر النضح، فتكون إحدى الصلاتين بنجاسة محققة، وما

стр. 318

يأتي لم تتحقق أصالة النجاسة لثوب. انتهى. ولا اعتبار في إزالة النجاسة بالعدد عندنا، واستحب الشافعي التثليث لحديث القائم من النوم (١)، وأوجب ابن حنبل التسبيع في كل نجاسة قياسا على الكلب إلا الأرض فواحدة لحديث الأعرابي. ذكره الحطاب. وقد مر أن الكمين إذا فصلا كالثوبين يطهور متعلق بغسله؛ يعني أن محل النجس يطهر بغسله بماء طهور، والطهور بفتح الطاء الماء المطلق، وهذا هو المشهور، وذكر ابن بشير وتابعوه قولا بأنها تزال بكل قلاع كالخل، وفي النوادر: واختلف في إزالة النجاسة بالماء المضاف، فقيل: يجوز ذلك، وقيل: لا يطهره إلا الماء المطلق وهو الصواب، وذكر المازري أن اللخمي ذكر خلافا في إزالة النجاسة بالمائع، ولو جففت الشمس موضع بول لم يطهر على المشهور، ولا يكفي فرك المنى خلافا لمن قال: إنه يكفي، وكذلك النار لا تطهر على المشهور منفصل كذلك يعني أن الماء إذا انفصل من محل النجس بعد إزالة النجاسة العينية طهورا، فإن المحل يطهر بخلاف ما لو انفصل متغيرا بأحد أوصاف النجاسة فلا يطهر المحل حينئذ، واقتضى كلام المصنف أن تغير الماء بالأوساخ الطاهرة الموجبة لسلب الطهورية لا الطاهرية يضر فلا يطهر محل النجس ما دام الماء كذلك، وليس كذلك، فلو قال: منفصل طاهرا لَحَسُنَ، وقال الأبي في شرح مسلم: إن المصبوغ بالنيل المتنجس يطهر بعد غسله، ولا يشترط في غسله أن ينقطع النيل. ابن عرفة: الشيخ روى محمد: إن طُهِّر ما صبغ ببول فلا بأس به، ابن القاسم: ترك الصبغ به أعجب إليَّ انتهى، ومراده بما صبغ بالبول: ما جعل البول في صباغه وليس البول نفسه صبغا. والله أعلم وذكر صاحب الإكمال في أواني الخمر عن ملك خلافا؛ فرُوِيَ عنه: تُغسَل وتُستَعمَل، ورُيَ عنه أيضا: إذا طبخ فيها الماء وغسلت طهرت وروي عنه أنها تكسر وتشق الظروف، فقيل عقوبة على القول بالعقوبة بالمال، وقيل لأنها لا تطهر للغوص؛ لأنها تغوص، فيها واختار ابن عرفة أنها لا تطهر للغوص، والتزم على قياس ذلك أنه لو صبغ به ثوب لم يطهر، فعورض بما صبغ بالورجلة فأجاب بأن

стр. 319

الورجلة متنجسة لا نجسة العين، واستشكل ما ذكر من طهارة المصبوغ بالنيل المتنجسة بغسله مع بقاء أعراض النجاسة. المسناوي قد يدفع الإشكال بأن يقال المصبوغ به ليس هو عين النجاسة بل هو في الأصل طاهر كانت فيه نجاسة، فيغسل هذا المصبوغ حتى يغلب على الظن أن أعراض النجاسة قد زالت. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا يقتضي أن من تنجدر ثوبه بزيت متنجس مثلا وغسله حتى غلب على الظن زوال أعراض النجاسة التي تنجس بها يطهر ثوبه ولو لم يزل تغيره بالزيت وانظر ذلك والله سبحانه أعلم. ولا يلزم عصره. يعني أن محل النجس لا يلزم عصره ولا عركه إن لم تتوقف إزالة النجاسة على ذلك، وإلا فلا بد منه كما تقدم: وتقدم في الأرض أنه يكفي صب الماء عليها، والضابط في جميع ذلك ما يزيل النجاسة كما مر. مع زوال طعمه متعلق بقوله: "بغسله"؛ يعني أن محل النجاسة يطهر إذا غسل بالماء المطلق، وزال مع ذلك طعم النجاسة لا إن بقي طعمها، فلا يطهر وإن عسر: ويتصور ذوق النجاسة بناء على كره التضمخ بها فيذوقها فيمجها: ولا يلزم من الذوق الابتلاع، أو لكونه غلب على ظنه زوالها فذاقها، ويجوز له حينئذ ذوقها فإذا طعمها باق، ويمكن أن تكون النجاسة دما من فيه، ويشترط مع زوال الطعم أيضا زوال لون النجاسة وريحها المتيسرين، ولهذا قال (لا لون وريح عسرا) يعني أن محل النجس إذا غسل وزال منه طعم النجس وبقي فيه لون النجاسة وريحها لكن عسر زوالهما فإن ذلك المحل يطهر، وليس هو نجسا معفوا عنه كما يقوله الشافعية، ولا يكلف بتسخين الماء، ولا بنحو صابون أمكن أن يزالا بهما، ويطهر المحل ولو بقي الريح واللون معا حيث عسر زوالهما، وفي الجواهر: فإن تعسر قلعه أي اللون والريح عفي عنه، وكان المحل طاهرا. ونقله في الذخيرة وزاد كما يعفى عن الرائحة في الاستنجاء إذا عسر زوالها من اليد أو المحل والغسالة المتغيرة نجسة يعني أن الغسالة؛ وهي الماء الذي غسل به النجس أو المتنجس نجسة إذا كانت متغيرة بأحد أوصاف النجاسة سواء كان تغيرها بالطعم أو اللون أو الريح ولو تعسرا، وأتى بهذه المسألة وإن فهمت من قوله: "وحكمه كمغيره"؛ لأنه قال: "لا لون

стр. 320

وريح عسرا"، فخشي أن تتوهم طهارة الغسالة المتغيرة بما عسر زواله من ذلك. والله سبحانه أعلم وعلم مما مر أن الثوب مثلا لا يتنجس بالغسالة المتغيرة من لون وريح عسرا. قال الشيخ الأمير: قل للفقيه رأيت شيئا طاهرا … وأتى له الماء الطهور المطلق فتنجس الماء الذي لابسه … وله الطهارة لم تزل تتحقق ولو انفصلت غسالة النجس أو المتنجس غير متغيرة بشيء من أوصاف النجاسة كانت طاهرة، ولو غسلت قطرة في بعض ثوب أو جسد فشاعت غير متغيرة ولم تنفصل كان طاهرا، وغسالة الطاهر طاهرة، وقوله: "لا لون وريح" في حديث خولة بنت يسار في الدم العسير الزوال قال ﷺ (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) (١) رواه أحمد وأبو داوود، وقيس الريح على اللون بجامع الشقة ولو زال عين النجاسة بغير المطلق لم يتنجس ملاقي محلها يعني أنه إذا أزيلت عين النجاسة بغير الماء المطلق، إما بماء مضاف، أو بشيء قلاع غير الماء كالخل ونحوه، وقلنا إن ذلك لا يطهر محل النجاسة، وأنه محكوم عليه بها، ولا تجوز الصلاة به، ثم لاقى ذلك المحل وهو مبلول شيئا أو لاقاه شيء مبلول بعد أن جف، أو في حال بلله فإنه لا يتنجس ذلك الملاقي لمحل النجاسة على ما عليه الأكثرون، وقال القابسي: يتنجس، وعلى هذا الخلاف اختلف الشيخان ابن أبي زيد، والقابسي: إذا دهن الدلو الجديد بزيت واستنجى منه فلا يجزئه عندهما، ويغسل ما أصاب ثوبه عند القابسي لا عند ابن أبي زيد، وكذا لو استجمر بأحجار ثم عرق المحل فإنه لا يضر الثياب؛ لأنه أثر معفو عنه وهو الأصح، وقيل لا يعفى عنه. ولو جف البول حتى لم يبق له لون ولا طعم ولا ريح ثم وضع في محله طعام مائع لم يتنجس كما يقتضيه المص قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الأمير: وليس من الزوال جفاف البول بكثوب نعم لا يضر الطعام اليابس. انتهى. وإنما لم يتنجس الملاقي للمحل بعد زوال العين؛ لأن الحكم عدمي لا وجودي، وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر.
следующие страницы →