← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وفي الحطاب لا شك في طهارة الصيبان على القول بأن القملة لا نفس لها سائلة، وأما على المشهور فالظاهر أنه طاهر أو معفو عنه انتهى وآدميا عطف على قملة فهو داخل في حيز المبالغة؛ يعني أن ميتة الآدمي نجسة وهذا ضعيف والأظهر طهارته يعني أن من العلماء من قال بطهارة ميتة الآدمي وأن ابن رشد استظهر القول بطهارة ميتة الآدمي وكذا اللخمي والمازري وعياض، والخلاف في المسلم وغيره. وقيل خاص بالمسلم، وأما الكافر فميتته نجسة اتفاقا والأدلة الآتية إنما تنهض دليلا في ميتة المسلم. وفي الحطاب. وذهب بعض أشياخنا إلى التفرقة بين المسلم والكافر ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين فرق بينهما. واعلم أن المعتمد القول بالطهارة (لأنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد) (١)، (وقبل عثمان بن مظعون بعد الموت) (٢)، ولصلاة الصحابة على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في المسجد ولقوله ﷺ (لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) (٣) رواه الحاكم، ولرد عائشة ﵂ على من أنكر إدخال سعد بن أبي وقاص في المسجد، ولقوله في الجنائز من المدونة: أكره أن توضع الجنازة في المسجد؛ إذ لو كان نجسا لم يقل أكرهه، ومثله في الاعتكاف، وقال في التنبيهات وهو الصحيح الذي تعضده الآثار لحرمة الآدمي وكرامته، وفي كتاب الأمير: الراجح طهارة ميتة الآدمي ولو كافرا، والخلاف في غير أجسام الأنبياء فطاهرة إجماعا وكذا فضلاتهم كما في متن العزية، وميتة الجن نجسة لأنه لا يلحق الآدمي في الشرف انتهى كلام الأمير. وقد مر حديث صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، والمجرور أعني قوله: في المسجد اختلف فيه هل هو ظرف للميت أو للصلاة، وعلى الأول فهو متعلق باسم فاعل مضمر، وعلى الثاني فهو متعلق بصلى، وهذا سبب اختلافهم في ميتة الآدمي قال ابن العربي، وكونه متعلقا بصلى أولى، وإنما أذنت عائشة في المرور بالميت في

стр. 247

المسجد لأنها أمنت أن يخرج منه شيء لقرب مدة المرور إلا أن مالكا لاحتراسه وحسمه للذرائع منع من إدخالهم في المسجد، وحسم الذرائع فيما لا يكون من اللوازم أصل في الدين انتهى نقله الإمام الحطاب، وما أبين من حي يعني أن ما أبين أي انفصل عن الحي الذي ميتته نجسة من هذه الأشياء التي يذكرها بقوله: "من قرن وعظم" الخ نجس، وأما ما ميتته طاهرة فما انفصل منه في حال حياته طاهر وقوله: "وما أبين من حي" هذا يشمل الآدمي على تنجيسه بالموت، وأما على طهارته فهل كذلك وهو قول ابن القصار ورجحه ابن عرفة، أو طاهر وهو قول الباجي وابن رشد وهو الصواب، وهما جاريان فيما أبين منه في حال حياته خلافا لمن قال إنه متفق على نجاسته، وعلى القول بطهارة ميتة الآدمي ترد سن سقطت لا على القول الآخر، وقوله: "وما أبين من حي" حقيقة أو حكما بحيث لا يعود لهيئته، وأما ما أبين من الآدمي بعد مماته فحكمه حكم ميتته بلا خلاف، وقد مر أن دم الآدمي نجس، وظاهر ما مر أو صريحه أنه نجس اتفاقا وميت يعني أن ما أبين من الميتة النجسة من قرن وعظم لخ نجس، وبما تقدم يظهر لك أن ما أبين من ميتة الآدمي من ظفر وعضو طاهر لأن المعتمد طهارة ميتته، ولما كان في لفظ ما عموم وليس بمراد بل المراد ما عدا ما سبق من الصوف وما معه بينه بقوله: من قرن يعني أن القرن إذا أبين من حي أو ميت حسبما تقدم نجس، وسواء أصله وطرفه خلافا لمن قال: النجس أصله الجاري فيه الدم وعظم يعني أن العظم إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس والعظم يشمل السن وعلى عدم طهارة ميتة الآدمي لا ترد سن سقطت، وعلى طهارته ترد كما مر قريبا، وظاهره وإن لم يضطر لردها على هذا بخلافه على الأول فإنما يجوز ردها للضرورة، قال الشيخ عبد الباقي: وروى عن السلف عبد الملك وغيره أنهم كانوا يردونها ويربطونها بالذهب انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن يعني عبد الملك بن مروان: وليس من السلف لأن السلف إنما يطلق على صالحي المتقدمين وليس هو منهم انتهى. وسكت المصنف عن اللحم لدخوله من باب أحرى إذ لا اختلاف في نجاسته قاله الحطاب. وظلف يعني أن الظلف إذا أبين مما ذكر فإنه نجس، والظلف للبقر والغنم والظبي كالحافر للفرس قاله عبد الباقي، وقال في القاموس: الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم لنا. وعاج يعني أن عاج الفيل؛ أي سنه إذا أبين منه في حال حياته أو بعد موته ولم

стр. 248

يذك فإنه نجس، وظفر يعني أن الظفر إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس، وهو للآدمي والبعير والإوز والنعام، وأطلقوا الظفر هنا على ما يعم المخلب مجازا فيشمل الدجاج والله أعلم قاله الشيخ محمد بن الحسن وهذا هو المشهور. وقال ابن المواز ما قطع من طرف القرن والظلف مما لا يؤلم الحي ولا يناله دم ولا لحم فهو حلال أخذ منها حية أو ميتة. اللخمي: وعلى ذلك يجري ما قص من الظفر. البرزلي قال أبو محمد من صر أظفاره في طرفه وصلى بها فلا شيء عليه إن لم يكن في أظفاره نجاسة، وقال الشارح عند قوله: "من قرن وعظم وظلف وعاج وظفر" هذا هو المشهور إذ هو مما تحله الحياة ويموت بموت الحيوان، وقال ابن وهب: ذلك طاهر بناء على أنه لا تحله الحياة، وقيل الأصول تنجس بالموت بخلاف الأطراف، وقيل إن صلق طهر وإلا فهو نجس، وقوله: بخلاف الأطراف ابن عبد السلام: وهذا إنما يتأتَّى في غير العظم قاله الحطاب وقصبة ريش من إضافة الجزء للكل، وقد تقدم نظيره في قوله: "وزغب ريش" وذلك لأن الريش اسم للزغب والقصبة معا يعني أن قصبة الريش نجسة أعلاها وأسفلها، قال ابن شاس وابن الحاجب: الريش شبيه الشعر كالشعر وشبيه العظم كالعظم، وما بعد فعلى القولين، والمراد بالبعد علوه عما قارب الجسم من شبه العظم، وبالقولين القولان في أطراف القرون والمشهور منهما النجاسة فيكون المشهور في القصبة كلها النجاسة، وطريقة ابن بشير ما اتصل بالجسم كالعظم وطرفه كالشعر، وروى الباجي ما له سنخ في اللحم مثله وما لا كالزغب طاهر، والسنخ بكسر السين المهملة وبعدها نون ساكنة ثم خاء معجمة الأصل، فعلى ما قال ابن بشير ما لم يتصل بالجسم طاهر يكون طرف القصبة طاهرا، وأما كلام الباجي فالذي يظهر أنه يقتضي نجاسة جعيع القصبة قاله الحطاب، وما في المواق مما يقتضي ضعف ما في المص فيه نظر قاله الشيخ محمد بن الحسن، والدليل على قول المص: "وما أبين من حي" قوله ﷺ (ما أبين من حي فهو ميت) (١)، وفي الشبراخيتي وإنما كان المنفصل من العظم وما معه نجسا لأنه مما تحله الحياة ويموت بموت الحيوان وقد قال تعالى ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا﴾

стр. 249

الآية. ولا يعترض بأن الإحياء في الآخرة وأما في الدنيا فإنشاء لا إحياء لأن الإجماع على أن النشأة الثانية كالأولى ابن عبد السلام، وانظر تحقيق هذا الإجماع فقد جاء أن أهل الجنة طول أحدهم ستون ذراعا، وأن الكافر يعظم في جهنم حتى يكون سنة كأحد، ولا مانع أن يحيي الله ما كان ميتا في الدنيا تكميلا لنعمته أو عذابه، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الزيادة في طول أهل الجنة بعد دخولهم الجنة وذلك لا ينافي أن يكونوا في المحشر على صورتهم في الدنيا وكذلك القول في أهل النار نقله الشبراخيتي عن التوضيح. قال ونبه المصنف على هذه دون غيرها كاللحم والعصب والعروق ونحوها للخلاف فيما ذكر دون ما قلنا، وحينئذ فسكوته عنها لدخولها من باب أحرى لعدم الخلاف في نجاستها، يعني أن الجلد إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس حيث لم يدبغ إجماعا بل ولو دبغ على المشهور المعلوم من قول مالك: فلا يجوز بيعه ولا الصلاة به وهيئة الدباغ نزع الفضلات بالأشياء المعتادة في ذلك، وفي الطراز: والظاهر أنه لا يعتبر فيه آلة انتهى. ولا يتوقف الدبغ على فعل فاعل فإن وقع الجلد في مدبغة طهر، وما روى الباجي من أن الدباغ ما أزال الشعر والريح والدسم فيه نظر؛ إذ لا يلزم زوال الشعر إلا على قول الشافعي إن صوف الميتة نجس وأن طهارة جلد الميتة بالدبغ لا تتعدى لطهارة الشعر، ومقتضى ما تقدم أنه يكفي التراب والرماد والملح وغير ذلك مما ينزع الفضلات. وفي النووي الشافعي ولا يكفي في الدبغ تيبيسه بالشمس خلافا للحنفية ولا التراب ولا الرماد ولا الملح على الأصح في الجميع، والأصح صحته بالأدوية النجسة والمتنجسة كذرق الحمام والشب المتنجس ثم يجب غسله بعد الدباغ اتفاقا ولا يفتقر الدبغ إلى كون الدابغ مسلما، ورد المص بلو قول يحيى بن سعيد: ما دبغ بد جلد الميتة من دقيق أو ملح أو قرظ فهو له طهور انتهى. وحكمة الدباغ إنما هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للانتفاع به على الدوام فما أفاد ذلك جاز به، وفي الحديث (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (١)، وقيدوه باستعماله في يابس وماء كما سيذكره المص، ورخص فيه يعني أن الإمام ﵁ رخص في استعمال جلد الميتة مطلقا أي من مأكول اللحم وغيره إلا

стр. 250

من خنزير يعني أن جلد الخنزير لم يرخص في استعماله، وهذا هو الذي مشى عليه ابن الحاجب وغيره، وذكر ابن العربي في أحكام القرآن أن المشهور من المذهب أن جلد الخنزير كغيره ينتفع به بعد دبغه، وإنما لم يرخص في جلد الخنزير لأن المذكاة لا تفيد فيه إجماعا فكذا الدباغ لا يفيد فيه على المشهور خلافا لما مر عن ابن العربي، وقوله: بعد دبغه متعلق برخص أي إنما يرخص في استعمال الجلد بعد دبغه لا قبله، وأما جلد الآدمي فلم يرخص فيه لشرفه كما يعلم من وجوب دفنه إجماعا فلا يحل سلخه ولا استعماله، وفي الإعلام وسئل ابن مرزوق عما حكي عن ابن حزم على منع سلخ جلد الآدمي واستعماله لما نهي عنه من المثلة فأجاب بأن ذلك ظاهر. أما الأول ففي غاية الوضوح، وأما الثاني فمعرة مثلته حيا كمعرة مثلته ميتا إما باعتبار قريبه الحي، وإما باعتبار روحه لما ورد أن الأرواح تتألم بما يصيب الأجسام، ولما ورد أن الميت يكره أن يرى منه ميتا ما يكره أن يرى منه حيا والمسلم والكافر في ذلك سواء، وحرمة المسلم أشد انتهى في يابس متعلق بقوله رخص يعني أنه يرخص في استعمال جلد الميتة المدبوغ في اليابسات كعدس وفول وحبوب وماء يعني أنه كما يرخص في استعمال جلد الميتة في اليابسات يرخص في استعماله أيضا في الماء لأن له قوة الدفع عن نفسه فيجوز استعماله في الماء ولو آنية لوضوء أو غسل أو يجعل قربة أو دلوا يستقى به، وقوله: في يابس فيغربل عليه ويجلس عليه، قال أبو محمد صالح ولا يطحن عليها لأنه يؤدي إلى أن تختلط أجزاء الميتة بالدقيق، ولا يؤاجر على طرح الميتة بجلدها لأنه لا يجوز بيعه، وكره مالك الاستقاء في جلد الميتة إذا دبغت في خاصة نفسه ولم يحرمه، ونص في العمدة والإرشاد على أنه يكره الوضوء على عظام الميتة وجلدها وإن دبغ، وفيها كراهة العاج يعني أنه وقع في المدونة كراهة العاج أي ناب الفيل إذا مات من غير تذكية، وقد مر له أن هذا نجس فأورد هذا استشكالا له لمخالفته لما تقدم، وتعقب ابن مرزوق على المص في هذا الاستشكال بأنه ذكر في المدونة ما يبين أن مراده بالكراهة التحريم فلا إشكال لأنه قال في الأمهات: أكره الادهان في عظم الفيل والامتشاط به والتجارة فيه لأنه ميتة انتهى. فقولها: لأنه ميتة دليل على أن المراد بالكراهة التحريم: واعتذر عن المؤلف بأن التعليل مذكور في الأم ولعله لم يذكر عند التهذيب، وحمل الكراهة على التنزيه ابن المواز وابن رشد وابن يونس قالوا: لأن ربيعة، وعروة،

стр. 251

وابن شهاب أجازوا الادهان والامتشاط فيها، وبهذا تعلم أن ما أجاب به عبد الباقي والخرشي من أن ما هنا في عاج الفيل المذكَّى وما مر في عاج الميتة غير صحيح لأن الفيل إذا ذكي لا كراهة في عظمه ولو كره أكل لحمه مع أن كلام المدونة إنما وقع في الميتة لا في المذكى، وأئمة المذهب كلهم على أن المراد بكراهة العاج في المدونة الميتة قاله الشيخ محمد بن الحسن؛ وهذا أول موضع أشار فيه للمدونة. وإذا ذكي الفيل جاز الانتفاع بعظامه وجلده من غير دبغ كجلود السباع إذا ذكيت: وإنما يكره أكل لحومها. وعلم مما تقدم أن محل الكراهة عند القائل بها إذا مات من غير تذكية: والصحيح التحريم، ووجه الكراهة أنه تعارض فيه ما يقتضي تنجيسه وهو كونه جزء ميتة، وما يقتضي الطهارة وهو عدم الاستقذار لأنه مما يتنافس في اتخاذه. وقيل إن صلق فهو طاهر وإلا فلا وليس هذا خاصا بالعاج بل عام فإن أنياب الفيل قرون منعكسة كما قاله اللخمي وغيره، وقد اختلف في القرن والعظم والظلف والسن فالمشهور أنها نجسة، وقال ابن وهب طاهرة بناء على أنها لا تحلها الحياة، وقيل بالفرق بين طرفها وأصلها. ابن عبد السلام وهذا إنما يتأتى في غير العظم وقد مر هذا، وفي الرسالة: وكره الانتفاع بأنياب الفيل. الجزولي لأنه لا دسم فيها ولا ودك، وقال الشيخ عبد الباقي وفي البرزلي عن أبي زيد فيمن توضأ على شاطئ نهر وفيه عظم ميتة غطاه الماء والطين؛ أي ثم ظهر فغسل رجله وجعلها على العظم ثم نقلها إلى ثيابه أن ثوبه لا يتنجس، قال البرزلي: إن كان العظم باليا فواضح، وإن كان فيه دسم ولحم فالصواب أن النجاسة تتعلق برجله إلا أن يوقن أن رطوبتها قد ذهبت جملة ولم يبق إلا رطوبة الماء فيكون كالعظم البالي انتهى. وقال الأمير: إن كراهة العاج من الفيل الميت هي الراجح لأنه لحق بالجواهر في النفاسة، وفيه أيضا أنه لا يضر نحو العجن به لعدم التحلل، والتوقف في الكيمخت يعني أنه وقع للإمام مالك في المدونة أنه توقف في الجواب عن حكم الكيمخت بفتح الكاف والميم وسكون التحتية والخاء المعجمة وبعدها مثناة فوقية، وهي جلد الحمار المدبوغ أو جلد البغل المدبوغ. عياض جلد الفرس وشبهه غير مذكى، ووجه التوقف أن القياس يقتضي نجاسته ولا سيما من جلد حمار ميت، وعمل السلف الصالح من صلاتهم بسيوفهم وهي فيه يقتضي طهارته، وأورد على كلام المص ما أورده هو في توضيحه على كلام ابن الحاجب مع أن ظاهره أنه استمر على

стр. 252

التوقف مع أنه قال في المدونة: وتركه أحب إلي، وقيل إن الراءي ابن القاسم والرواية ورأيت تركه أحب إليه، وفي الحطاب أن غير الكيمخت لا يسد مسده ولا يقوم مقامه فاختصت به الرخصة لنوع حاجة وضرورة، وعلى هذا فلا يعمل في الكيمخت بمقتضى الأصل المذكور؛ أعني النجاسة فإني لم أر من نقل فيه قولا ببطلان الصلاة به انتهى. قال عبد الباقي: أي في جعله في السيوف فلا ينافي نقل أحمد عن ابن حبيب الإعادة أبدا في غير السيوف، وإن كان غير معتمد قوله: ورأيت تركه أحب إليه أي السائل، ويحتمل رجوعه للإمام انتهى. وفي الكيمخت ثلاثة أقوال: الأول قوله في المدونة: تركه أحب إلي فيحتمل أن من صلى به يعيد في الوقت أو لا إعادة عليه، الثاني الجواز لمالك في العتبية، الثالث الجواز في السيوف خاصة لابن حبيب وابن المواز ابن حبيب فمن صلى به في غير السيوف كثيرا أو يسيرا أعاد أبدا، وكان السلف ﵃ يصلون بسيوفهم وهو فيها. واعلم أن المذهب في الكيمخت النجاسة وهو داخل في قوله: وجلد قاله الفيشى ومني يعني أن المني نجس، وهو بفتح الميم وكسر النون وآخره تحتية مشددة الماء الذي يتكون منه الولد، وهو نجس سواء كان رطبا أو يابسا من مباح الأكل أو غيره، واختلف في علة نجاسته فقيل لاستحالته لفساد ولاستقذاره قاله ابن بشير، وقيل لأصله لأن أصله دم وغيرته الشهوة وفيه نظر؛ إذ الأصل الذي هو الدم على هذا معفو عن دون الدرهم منه، وكان ينبغي أن يكون الفرع كذلك ولم يقولوه، وقيل علة نجاسته جريانه مجرى البول لكن يلزم على ذلك كون مني مباح الأكل طاهرا، وقد قالوا به إلا أنه خلاف المشهور قاله الشيخ إبراهيم ومذي يعني أن المذي نجس، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة أو التذكار وهو بفتح الميم وسكون الذال وتخفيف الياء وهي اللغة الجارية على ألسنة الفقهاء وبفتح الميم مع كسر الذال والياء مخففة أو مشددة، والمني والذي يشترك فيهما الرجل والمرأة، والمذي في المرأة أكثر، ومذيها بلة تعلو فرجها فإذا هاجت خرج منها قاله الحطاب، وفي الصحاح: كل ذكر يمذي وكل أنثى تقذي قذت الشاة أي ألقت بياضا من رحمها، وودي بفتح الواو وسكون الدال المهملة وتخفيف الياء وبكسر الدال مع تشديد الياء يعني أن الودي نجس، وهو ماء أبيض خاثر يخرج غالبا بأثر البول، وقد يخرج معه أو قبله أو وحده، وقد يكون عقب تعب أو برد، والمذي والودي نجسان ولو كانا من مباح

стр. 253

الأكل. ابن الفرات وقد اتفق الأصحاب على نجاسة مني الآدمي ما عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وغسل عائشة ﵂ الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ تشريع، وقال المص: وغيره المني نجس ولا نعلم فيه خلافا، وحكى صاحب الإرشاد قولا في المذهب بطهارة مني الآدمي، وقالت الشافعية بطهارة مني الآدمي واختلفوا في مني غيره ولهم في جواز أكله قولان والراجح عندهم التحريم، وأما المذي والودي فقد نقل ابن شأس الإجماع على نجاستهما وتعقبه ابن دقيق العيد بنقل رواية عن أحمد بطهارة المذي والودي. واعلم أن الكلام في غير فضلات الأنبياء وأما هي فطاهرة إجماعا، وفي كتاب الشيخ الأمير: فضلات الأنبياء طاهرة حتى بالنسبة لهم، واستنجاؤهم تشريع ولو قبل النبوءة وإن كان لا حكم إذ ذاك كالعصمة لاصطفائهم من أصل الخلقة، وفي شرح دلائل الخيرات للفاسي أن المني الذي خلق منه ﷺ طاهر، واستظهر طهارة جميع ما كون منه أصوله ﷺ وقيح يعني أن القيح نجس، وهو مدة بالكسر والتشديد لا يخالطها دم. وصديد يعني أن الصديد نجس، وهو ماء جرح رقيق مختلط بدم قبل أن تغلظ المدة، وغير المختلط قيح كما مر، والمدة الغليظة التي يخالطها دم نجسة بالأولى، وأولى مراتب الجرح الدم ثم الصديد، ثم القيح من قاح يقيح، وقال القاضي عياض: ومن النجس الدماء كلها وما في معناها، وما تولد عنها من قيح وصديد من حي أو ميت، ويعفى عن يسيرها انتهى. ويدخل في ذلك ما يسيل من نفط النار من الماء، وما يسيل من نفطات في الجسد في أيام الحر ونحو ذلك ورطوبة فرت يعني أن رطوبة الفرج من النجس، ويدخل فيها كل مائع خرج من القبل أو الدبر وهذا في غير مباح الأكل، وأما رطوبة الفرج من مباح الأكل فطاهرة إلا ما تحيض عقب حيض كالناقة والأرنب، وإلا أن يتغذى بنجس فرطوبة فرجه نجسة كبوله، والمراد بالرطوبة هنا البلة، وتظهر ثمرة النجاسة في تنجس ذكر الواطئ، أو إدخال إصبع أو خرقة مثلا تتعلق بهما الرطوبة قاله الشبراخيتي، وقيل بطهارة رطوبة الفرج، وهذا في غير جنين المؤمنين الحي الذي يخرج وعليه رطوبة الفرج، وأما الرطوبة التي عليه فطاهرة إجماعا ما لم تكن دما، ومن نتف إبطيه يغسل يده، ابن رشد يستحب البساطي وغيره يجب لما تعلق بالشعر من النجاسة انتهى. قال الحطاب:

стр. 254

وهو ظاهر إن كانت أصول الشعر تصل ليده، ومثل ذلك من يتمخط في يده أو في ثوبه فيجد بالمخاط شعرا بأصوله فإنه ينجسه والله أعلم، وهذا إنما يكون في النجاسة التي يمكن تحللها ودم مسفوح يعني أن الدم المسفوح نجس، وقد قال جل من قائل ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ والدم المسفوح هو في غير ما يفتقر لذكاة كسمك ما انفصل عنه، وفيما يفتقر لها ما انفصل عندها أو قبلها بجرح ونحوه، وأما المنفصل بعدها من العروق فطاهر ويسمى غير مسفوح وأولى إن بقي في العروق قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "ودم مسفوح" أي جار عند وجود سببه من ذبح أو نحر، وقال عز الدين: يجب غسل محل المذكاة بالماء، وقال بعض الشيوخ: يجب أن يرفع أنف البهيمة ليخرج الدم المسفوح قاله الشيخ ميارة ولو من سمك يعني أن ما سال من السمك من الدم نجس، وأما قبل سيلانه من السمك فلا نجاسة ولا يؤمر بإخراجه ولا بأس بإلقائه في النار حيا كما قاله مالك في سماع ابن القاسم، وأما السمك الذي يملح ويجعل بعضه على بعض بحيث لا يخرج له دم يشربه بعضه فطاهر وإلا فنجس، وما ذكره المص في السمك هو المشهور ومقابله أنه طاهر مطلقا وهو قول القابسي واختاره ابن العربي فإنه قال لمالك فيها قولان، والصحيح أنه طاهر ومحل الخلاف إنما هو إذا سال وذباب يعني أن الدم الذي يسيل من الذباب نجس وهذا لا يعارض الحكم عليه بأنه لا نفس له سائلة لأن الدم فيه لا له، والذباب كغراب واحد الذبان بالكسر كغربان، وهو وإن كان دمه مسفوحا ليسارة دمه لا يقطع الصلاة منه إلا ما كثر، ولو قال المص وكذباب ليُدخِل البعوض والقراد والحلم ونحو ذلك لكان أشمل وسوداء يعني أن السوداء من النجس، وهي مائع أسود كالدم العبيط وكدر أو أحمر غير قانئ، والعبيط بالعين المهملة ولا يصح إعجامها لأن ذلك اسم للهودج، قال في المصباح دم عبيط طري خالص لا خلط فيه ورماد نجس يعني أن رماد النجس نجس واعتمد فيما جزم به من نجاسة الرماد على قول المازري أنه لا يطهر عند الجمهور من الأئمة، قال ابن مرزوق: وما كان حقه أن يفتي إلا بما اختاره التونسي واللخمي وابن رشد من طهارته، وأما كلام المازري فيحتمل أن يريد الأئمة من غير مذهبنا انتهى. قوله: ورماد نجس قاله الشيخ عبد الباقي، والمذهب طهارته ودخانه يعني أن دخان النجس من روث وعظم وغيرهما نجس فيتنجس الثوب إن علق به منه شيء، والظاهر أن

стр. 255

المراد بعلوقه ظهور أثره لا مجرد الرائحة فعلم من هذا أن الثوب لا يتنجس بمجرد ملاقاته لدخان النجس، وأما الطعام فإنه يتنجس منه ما انعكس فيه دخان النجس، ورخص في الزبل بمصر للضرورة ورعيا للقول بأن النار تطهر وأن رماد النجس طاهر، وللقول بطهارة زبل الخيل وللقول بكراهته منها ومن البغال والحمير، وعلى أن دخان النجس طاهر تصح الصلاة قبل غسل الفم من الخبز المخبوز بالروث النجس ولو تعلق به شيء من الرماد، قال الشيخ عبد الباقي: والمذهب أن دخان النجس طاهر كرماده انتهى. ونحوه في الأمير أن الراجح طهارته وهذا هو الذي اختاره ابن رشد، وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي في الحطاب أن ظاهر المذهب نجاسة دخان النجاسة وهو الذي اختاره الطخيخي والتونسي والمازري وأبو الحسن وابن عرفة، قال بعضهم: وهو المشهور انتهى. ويكفي هذا شاهدا للمص، وفي الحطاب بعد جلب نقول فتحصل من هذا أنه لا يوقد بالنجاسة لا على خبز، ولا على طعام، ولا على شراب، ولا لتسخين ماء فإن فعل ذلك ولم يصل من الرماد والدخان شيء إلى المطبوخ والمخبوز فهو طاهر، وإن وصل إليه شيء من الرماد فهو نجس أو من الدخان فنجس أيضا على ما مشى عليه المص خلافا لابن رشد، قال ابن عرفة اللخمي انعكاس دخان ميتة في ماء أو طعام ينجسه، وفي الحطاب: وأما إن كان ينعكس أي الدخان فإن الطعام لا يؤكل، والماء يتنجس انتهى. وبول يعني أن البول من الآدمي نجس صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى أكل الطعام أم لا زالت رائحته أم لا لأن نجاسته لبوليته لا لتغيره، ولا وجه لا حكي عن ابن دقيق العيد شيخ ابن رشد من الخلاف في نجاسته إن زال تغيره ففيه قول بالطهارة قاله الشيخ الأمير والشيخ إبراهيم. قوله: "وبول" سواء كان كثيرا أو يسيرا يتطاير كرؤوس الإبر، وروي اغتفار ما تطاير كرؤوسها، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إلا بول من لم يأكل الطعام فإن الثوب لا يغسل منه (لقضية المرأة التي أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى النبي ﷺ فبال في حجره فدعا ﷺ بماء فنضحه ولم يغسله) (١)، وقال ابن وهب يغسل بول الصبية وينضح بول الصبي،

стр. 256

يريد لأن الصبي تميل النفوس إلى حمله بخلاف الصبية فروعي ذلك للمشقة قاله الشيخ إبراهيم، وفي الحديث (يغسل بول الأنثى وينضح بول الذكر) (١) أخرجه أبو داود، وهذا الحديث يقدح في قول الشارح إن وجه المشهور أن النضح في الحديث المتقدم محمول على إتباعه بالماء وهو طري فذهبت أجزاؤه بأجزاء النجاسة، وهو المقصود من التطهر إذ لو كان كذلك لا فرق بين بول الذكر وبول الأنثى في حديث أبي داود لكن قال محمد بن عبد الباقي: وأما أحاديث التفرقة بين بول الأنثى فيغسل وبول الصبي فينضح فليست بقوية وعلى صحتها فالمراد بالنضح الغسل، قال الطحاوي: وإنما فرق بينهما لأن بول الذكر يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه فأمر في بول الغلام بالنضح يريد صب الماء في موضع واحد، وأراد بغسل بول الجارية أن يتبع بالماء لأنه يقع في مواضع متفرقة، وقوله قي الحديث: فنضحه أي غسله، وذلك معروف في لسان العرب كما في حديث الذي (فلينضح فرجه) (٢) أي ليغسله كما في مسلم (٣)، وفي حديث أسماء في غسل الدم وانضحيه (٤)، وقد جاء الرش، وأريد به الغسل كما في الصحيح عن ابن عباس لما حكى الوضوء النبوي قال: (أخذ غرفة من ماء ورش على رجله اليمنى حتى غسلها) (٥)، وأراد بالرش هنا الصب قليلا قليلا، وقوله: "ولم يغسله" أي غسلا مبالغا فيه ويؤيده ما في مسلم (ولم يغسله غسلا) (٦)، وأن معنى لم يغسله لم يعركه، وفي شرح الشيخ ميارة أن بول الآدمي نجس على المشهور، وقيل إلا بول من لا يأكل الطعام، وقيل من الذكور انتهى. والخلاف إنما هو في بوله، وأما عذرته فنجسة اتفاقا. واعلم أن العلماء اتفقوا على استواء الحكم في الصبي والصبية بعد أكل غير اللبن فلا بد من غسل بولهما بالإجماع انظر شرح الموطأ لمحمد بن عبد الباقي وعذرة يعني أن عذرة الآدمي وهي غائطه من النجس ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا أكل الطعام أم لا

стр. 257

مسلما أو كافرا، وقوله: من آدمي راجع للبول والعذرة، أي أن بول الآدمي وعذرته من النجس إلا من الأنبياء فجميع فضلاتهم طاهرة إجماعا كما تقدم. واعلم أن الأرض تنشق وتبتلع ما يخرج منهم صلوات الله وسلامه عليهم، وشربت امرأة بوله ﷺ فقال لها (لن تشتكي وجع بطنك أبدا) (١)، ومحرم يعني أن بول المحرم وعذرته من النجس كالخنزير والخيل والحمير، ويدخل في المحرم حمار الوحش إذا دجن فإنه لا يؤكل عند مالك: وأجازه ابن القاسم فعلى المشهور وهو قول مالك يختلف حكم رجيعه بتأنسه وتوحشه لا على قول ابن القاسم. ومكروه يعني أن من أنواع النجس بول المكروه وعذرته، وتبع المص في المكروه قول ابن عطاء الله وابن هارون إن المشهور فيه النجاسة، ومقابله أن العذرة والبول من المكروه مكروهان فقط، وظاهر المواق ترجيحه ويدخل في المكروه الوطواط وكذا الفار الذي يصل للنجاسة وإلا كان مباحا كما للشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن جعله من المكروه خلاف المشهور فقد ذكر في التوضيح وفي الحطاب في إباحة أكل الفار وكراهته ومنعه ثلاثة أقوال، وأن المشهور هو المنع وينجس كثير طعام مائع بنجس قل لما بين الأعيان الطاهرة والنجسة ذكر ما إذا حل أحدهما في الآخر، وقوله: "وينجس" يقال نجس كسمع وكرم. وأنجسه ونجسه فتنجس كما في القاموس يعني أن الطعام الكثير المائع يتنجس بالنجاسة القليلة حيث حلته وهو مائع ولو جمد بعد ذلك، ومثل النجس في ذلك المتنجس وهذا إذا كان كل منهما يتحلل منه شيء ولو ظنا لا شكا لأن الطعام لا يطرح بالشك، وقوله: "بنجس قل" ولو كان معفوا عنه بالنسبة للصلاة كدون درهم من دم ونحوه، ومفهوم كثير طعام أحروي، وكذا مفهوم قوله: "قل" وما ذكره المص هو المعروف من المذهب، وحكى المازري عن بعضهم أنه إذا لم يتغير الطعام لم يتنجس وهو في غاية الشذوذ، وفي العتبية قال مالك في الماء الكثير تقع فيه القطرة من البول أو الخمر إن ذلك لا ينجسه، والطعام والودك كذلك إلا أن يكون يسيرا ففهمها الباجي وغيره على خلاف المشهور، وأول ابن رشد الرواية

стр. 258

المذكورة على أن المعنى أن القطرة من الطعام والودك لا تؤثر في الماء الكثير. قال وقوله: "إلا أن يكون يسيرا" أي يكون الماء قليلا يتغير بعض أوصافه فينجس بالنجاسة، وينضاف بالطعام قائلا لم يقل أحد إن يسير النجاسة لا ينجس الطعام إلا داوود ومن شذ عن الجمهور وخالف الأصول، قوله: "وينجس كثير طعام مائع" لا خصوصية للطعام بما ذكر بل هو حكم سائر المائعات حتى الماء المضاف كذلك فقوله كثير طعام مائع إنما خرج مخرج الغالب فإذا حلت النجاسة في الماء ولم تغيره ثم أصابه نحو لبن فطاهر، وإن تقدمت الإضافة فنجس قال الشيخ الأمير وقلت في ذلك: قل للفقيه إمام العصر قد مزجت … ثلاثة بإناء واحد نسبوا لها الطهارة حيث البعض قدم أو … إن قدم البعض فالتنجيس ما السبب وقد نقل الحطاب عن ابن رشد في الدقيق تقع فيه القملة ولا تخرج من الغربال أنه إذا كان كثيرا يؤكل ولا يطرح بالشك، وقال الأمير: وهل القملة تنجس العجين الكثير؟ وهو الأقوى حيث لم تحصر في محل أو يقاس على محرم جهل عينها ببلدة فلا تحرم نساء تلك البلدة كما في الحطاب عن ابن رشد بخلاف اختلاطها بالعدد اليسير، قال المص عن شيخه: لو قيل بالعفو عما يعسر لحسن كما أفتى به ابن عرفة بأكل طعام طبخ فيه روث الفارة، وفي السؤال وهي كثيرة وروثها غالب. البرزلي للضرورة أو للخلاف في طهارتها. ابن القاسم من فرغ عشر قلال سمن في زقاق ثم وجد في قلة فارة ميتة لا يدري في أي الزقاق أفرضها تنجس الجميع، وليس من باب الطعام لا يطرح بالشك لأن ذلك في طرو النجاسة وهي هنا محققة، ولو أدخل يده في أواني زيت ثم وجد في الأولى فارة فالثلاث الأول نجسة. ابن عبد الحكم وكذا البواقي ولو مائة وهو وجيه، وقال أصبغ: ما بعد الثلاثة طاهر، قال الحطاب: والظاهر الطهارة إن ظن زوال النجاسة لقول المص: وإن زال عين النجاسة بغير المطلق لخ، قلت هذا مبني على عدم النجاسة بمجرد الملاقاة فتدبَّرْ انتهى كلام الأمير. وقوله: "وينجس كثير طعام مائع" الخ لا فرق بين أن يلاقي النجاسة مائعا كاللبن، أو جامدا ثم يصير مائعا كالدقيق يعجن كما في الشبراخيتي وغيره، وفي الحطاب علم مما تقدم عن ابن رشد؛ أي في مسألة القملة أنه إذا اختلط نجس بأشياء طاهرة غير مائعة ولم يعلم النجس أنه

стр. 259

لا يطرح الجميع لأجل الشك كما لو اختلطت تفاحة نجسة مثلا بتفاح انتهى. وقد مر عن الأمير أن تنجيس القملة للدقيق الذي عجن ولم تخرج منه هو الأقوى، وقال ابن ناجي في شرح قول المدونة: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه لا يدري موضعها غسله كله وإن علم تلك الناحية غسلها قالوا: يقوم منها إذا وقعت قطعة من لحم خنزير في كدس لحم أنه إن علم تلك الناحية تركها وأكل ما بقي وإلا طرح كله انتهى. قال الحطاب: يمكن الجمع بينه وبين كلام ابن رشد بأن كلام ابن رشد فيما كان كثيرا جدا كما يظهر من كلامه، وفي الحطاب بعد جلب نقول فتحصل من هذا أن المشهور من المذهب أن ما ماتت فيه دابة، أو وقعت فيه ميتة، أو صب عليها وهي ميتة فإنه ينجس بمجرد ملاقاته ولا يقبل التطهير انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن واعترضه الرماصي قائلا: ظاهر كلامهم أن المدار على إمكان التحلل والله أعلم، وما تقدم من أن الماء المضاف كالطعام المائع ينجس كثيرة بنجس قل خلاف ما نقله أحمد عن الناصر اللقاني أن الماء المضاف ليس كالطعام فإذا لاقته نجاسة ولم تغيره لم يتنجس انتهى. كجامد يعني أن الطعام الجامد وهو الذي إذا أخذ منه شيء لا يتراد بسرعة إذا أصابته نجاسة فإنه يتنجس جميعه، وإنما يكون ذلك إن أمكن السريان أي إنما يتنجس جميعه إذا سرت النجاسة بجميعه تحقيقا أو ظنا، وأما الشك فلا يعتبر لأن الطعام لا يطرح بالشك، وبما قررت علم أن المراد بالإمكان الظن والتحقق لا ما يعطيه ظاهره من الشك والوهم والله سبحانه أعلم. وإلا فبحسبه يعني أنه إذا لم يمكن سريان النجاسة بجميع الطعام الجامد بل سرت في بعضه لقلة مكثها فيه فإنه يطرح من ذلك الطعام بحسب أي بمقدار ما سرت النجاسة فيه تحقيقا أو ظنا، ويؤكل ما عداه، ولا عبرة بالشك فيباع ويؤكل ويبين عند البيع لاستقذار النفوس له، وسئل أبو جعفر عن صابون لا سائل ولا جامد وقعت فيه فارة هل يغسل به فقال: إن كان يميل إلى الجمود طرحت وما حولها، وإن كان يميل إلى الانحلال غسل به ثم يطهر الثوبُ قاله الحطاب، وإذا طرح من الجامد ما سرت النجاسة فيه فإن الباقي طاهر يؤكل كما مر ويباع ويبين عند البيع لأن النفوس تقذره.

стр. 260

واعلم أن معنى قولهم طرحت النجاسة وما حولها أي ما قاربها، وليس المراد ما التف عليها فقط لأنها إذا طرحت وحدها لا تطرح إلا بما يكنف عليها. واعلم أيضا أنه لا فرق بين كون النجاسة الواقعة في الجامد مائعة أو غير مائعة في أنه ينظر إلى إمكان السريان فلو وقعت نجاسة مائعة في عسل جامد ونحوه فإن أدركت في حال وقوعها فنزعت وما حولها لم يكن بباقيه بأس، وكذا لو وقعت قطرة من الدم في اللبن الجامد ورفعت بما حولها وتيقن أنه لم يبق لها أثر لم يكن بباقيه بأس بخلاف ما لو طال مقامها فيه بحيث يمكن سريانها في جميعه، ولو وقعت ريشة غير المذكى في طعام مائع طرح، وقد مر أن المدار على إمكان التحلل، وأفتى سحنون فيمن أتاهم من الفار في وقت الدراس ما لا يمكن الامتناع منه لكثرته أن هذا ضرورة، وإذا درسوا فليتقوا ما رأوا فيه جسد الفارة، وما رأوا فيه دما عزلوه وحرثوه وأكلوا ما سوى ذلك، ولهم بيع ما لم يروا فيه دما على البراءة أنه درس فيه فأرة، ويخرجون زكاته منه ولا يخرجون منه لغيره ويتصدق منه تطوعا، وما كان فيه الدم ظاهرا لا يباع ولكن يحرث، وأفتى ابن عرفة في هري زيتون وجدت فيه. فأرة ميتة بأنه نجس كله لا يقبل التطهير نقله البوزلي، قال: وكان يتقدم لنا أن الصواب في كل ما وجد فوق الفأر من الهري أنه طاهر وما تحته أنه يلقى وما حوله مما يقرب منه، ونقل عن اين أبي زيد أنه إذا مات في رأس مطمر خنزير ونحوه ألقي وما حوله وأكل ما بقي، ولو أقام مدة طويلة مما يظن أنه يسقى من صديده لم يؤكل. ولا يطهر زيت خولط يعني أن المائعات من دهن ولبن وغيرهما إذا خالطتها نجاسة فإنها لا تقبل التطهير، وإنما نبه المص على الأدهان ردا لقول من قال إن الأدهان تطهر لأن الماء يخالطها ثم ينفصل عنها بخلاف غيرها فالخلاف إنما هو في الأدهان قاله الحطاب وغيره، وقال الشبراخيتي ورد المص على ابن اللباد القائل بتطهير الزيت، وكيفية ذلك عند القائل به أن يؤخذ إناء فيوضع فيه شيء من الزيت ويوضع عليه ماء أكثر منه ويثقب الإناء من أسفله ويسد بيد أو غيرها ويخض ثم يفتح فيزول الماء ويبقى الزيت يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى يغلب على الظن زوال النجاسة. واعلم أن ما صبغ بصبغ نجس يقبل التطهير بأن يغسل حتى يزول طعمه ولو بقي لونه وريحه بدليل قوله الآتي: لا لون وريح عسرا قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وقوله: "ولا يطهر زيت

стр. 261

خولط" عللوه بأن الماء ينضاف بأول الملاقاة، والمضاف لا يزيل حكم النجاسة على المشهور، وقوله: "خولط" بالواو ولم يقل خلط بدونها ليشمل ما إذا كان الخلط بفعل فاعل أم لا قاله الشيخ إبراهيم، وهو ظاهر لأنك تقول خالط الشيءُ الشيءَ، وتقول خلطت الشيء بغيره والله سبحانه أعلم. ونقل الحطاب في زيت خولط بنجس أربعة أقوال ونصه ففي تطهيره بطبخه بماء مرتين أو ثلاثا ثالثها إن كثر ورابعها إن تنجس بما ماتت فيه دابة لا بموتها في الزيت الأول لسماع أصبغ من ابن القاسم عن مالك وفتيا ابن اللباد، والثاني للباجي عن ابن القاسم، والثالث لأصبغ، والرابع لابن الماجشون. والذي ينبغي أن محل هذه الأقوال إذا لم تكن النجاسة دهنية وإلا فلا يقبل التطهير لممازجتها له والله أعلم انتهى كلام الحطاب ولحم طبخ يعني أن اللحم إذا طبخ بنجس فإنه لا يقبل التطهير، ومثل طبخ اللحم بالنجس طول مقامه به حتى يتشربه فإن لم يتشربه غسل وأكل، وليس من المطبوخ بالنجاسة الدجاج المذبوح يوضع في الماء الحار لإخراج ريشه، وصور رأسه أي منقاره من غير غسل المذبح لأن هذا ليس بطبخ حتى تدخل النجاسة في أعماقه بل يغسل ويؤكل، وربما أشعر قول المص طبخ بأنه إذا شوي اللحم وفيه دم أنه لا ينجس وهو كذلك قاله الشيخ عبد الباقي، وفي النوادر ولو شوط الرأس والحال أنه لم يغسل المذبح، ثم غسل بعد فلا بأس به ولو لم يغسل وتناهت النار فيه حتى أذهبت الدم فلا بأس بأكله، وإن شك في ذهابه بالتشويط اجتنب لحم المذبح وأكل باقيه انتهى. وفي البرزلي عن بعضهم في الرأس يشوط بدمه ثلاثة أقوال: فعن ابن أبي زيد أنه لا يقبل النجاسة لأن الدم إذا خرج استحال رجوعه عادة، وعن غيره أنه يقبلها ولا يقبل التطهير، والثالث أنه يقبلها ويقبل التطهير انتهى. وأشار بالأول لما قدمته عن النوادر وهو المعتمد دون ما اقتصر عليه في المدخل أنه لا يقبل التطهير وأنه من قبيل ما طبخ بالنجاسة انتهى. وأفتى الأجهوري بأكل لحم غسل دمه بماء مضاف وشوي قال لأن زواله بالماء المضاف كزواله بالنار بل أقوى، وفيه نظر لأن الراجح أن الماء المضاف لا يرفع حكم الخبث وقياسه على النار غير صحيح لأن النار تُذهِبُ الدمَ ومحلَّه معا بخلاف الماء المضاف، وسيأتي أن المباح طعام طاهر قاله الشيخ محمد بن الحسن، وسئل ابن عرفة عمن جعل دباء أو بقلا في ماء ثم وجد فيه فأرة فأجاب بأنه يغسله

стр. 262

ويأكله نقله المشدالي قاله الشيخ عبد الباقي، وقوله ولحم طبخ بنجس شامل لماء نجس، ولا وقعت فيه نجاسة حال طبخه، وكذلك غير اللحم من المطبوخات قاله الحطاب، وفي تطهير اللحم يطبخ بماء نجس، أو بما وقعت فيه نجاسة ثالثها إن وقعت فيه بعد طيبه، الأول لسماع موسى عن ابن القاسم. والثاني لسماع أشهب، والثالث نقله عبد الحق والصقلي عن السليمانية، ونقله ابن رشد عن أبي حنيفة واختاره، قال الشيخ الحطاب كلام ابن رشد هو الذي يفهم من كلام المص فيتعين حمله عليه، وفيه بعد جلب أنقال فعلم من هذا أن اللحم ونحوه مما فيه رطوبة إذا أصابته نجاسة قبل طبخة أو بعده ولم يطبخ أنه يغسل ويؤكل وهو ظاهر إذا لم يتشربها، وتسر فيه وإلا لم يؤكل قاله الشبراخيتي، ولو بل حب ونحوه بماء نجس وتشربه فلا إشكال أنه كالميتة لا يحل منه إلا ما يحل منها، وأما إذا بل الحب ونحوه ولم يتشرب النجاسة فالظاهر أنه يطهر بغسله، وقال أبو محمد في القمح يصيب ظاهره الدم يغسل ويؤكل وليس كالقمح إذا تشرب بالماء النجس انتهى. وزيتون ملح يعني أن الزيتون إذا ملح بنجس فإنه لا يقبل التطهير، وقوله: "ملح" بتخفيف اللام وشدها أي وضع فيه ملح إما وحده أو مع ماء نجس وهذا إذا وضع فيه قبل نضجه، وأما لو أنضج بالنار ثم ملح بعد ذلك وغسل فإنه يقبل التطهير كما أن اللحم إذا وقعت فيه النجاسة بعد طبخه فإنه يؤكل بعد أن يغسل ما تعلق به من المرق كما مر مستوفى قريبا. النووي: ولو أكلت الدابة حبا فألقته صحيحا فإن كانت صلابته باقية ينبت إن زرع فطاهر العين فيجب غسله، وإن كان لا ينبت فنجس العين انتهى. قال المشدالي لا إشكال على المذهب في نجاسته إن كانت محرمة الأكل ولو صحيحا انتهى. وإن وقعت النجاسة في الجبن بعدما تحولم أي غلظ واشتد وأخرجت سريعا فإنه يقبل التطهير وإلا فلا لأن مقامها بشيء حتى يتشربها كطبخه بها، وقوله: "وزيتون ملح" قال الشيخ محمد بن الحسن تقييده بملح هو الموافق للنقل، لكن تخالفه فتوى ابن عرفة في هري زيتون وجدت فيه فأرة بطرحه كله وعدم تطهيره إلا أن يجاب بحمل ما لابن عرفة على ما وقع فيه طول مقام الفأرة في الزيتون وأن ذلك يقوم مقام التمليح، وأفتى الغبريني فيمن ابتلع شمعة فيها دهن ثم ألقاها من المخرج بطهارتها بالغسل كالنواة والحصاة،

стр. 263

وأفتى ابن عرفة بنجاسة الشمعة لانمياعها بالحرارة فينجس باطنها كظاهرها، قال البرزلي: والصواب نجاستها كفضلة الإنسان، وظاهر كلام البرزلي أن ابن عرفة يوافق على أن النواة والحصاة والذهب تغسل وتكون طاهرة ولو ابتلع ذلك ما فضلته طاهرة لم يحتج إلى غسله، ولا مفهوم لقوله: "زيتون" بل مثله الليمون، والنارنج، والبصل، والجزر، واللفت، وبيض صلق يعني أن البيض إذا صلق أي طبخ بنجس فإنه لا يقبل التطهير: وقوله صلق بالصاد ويقال بالسين أيضا وظاهر المص شمول بيض النعام وهو ظاهر لأن غلظ قشره لا ينافي أن يكون له مسام يسري منها الماء النجس. وفهم من قوله: "صلق". أن البيض لو ألقي في ماء نجس بارد أو دم أو بول فإنه يغسل ويؤكل وهو كذلك كما قاله ابن رشد، وإنما أفرد المص هذه المسألة وإن كانت من باب اللحم المطبوخ بالنجس لأن الخلاف فيها لأجل قشرها هل يمنع من وصول الماء النجس أم لا، وموضوع المص أن البيض صلق بنجس أو متنجس أو كان في البيض مذرة ورشحت في الماء حيث لم يبق مطلقا كما لو غيره البيض وشرب منه، وأما الماء الذي خالطته نجاسة ولم تغيره فإنه طهور ولو قل كما مر وقوله بنجس يتنازعه الأفعال الأربعة؛ أعني خولط، وطبخ، وملح، وصلق، ولفظ الأمير: "ولا يطهر ممازج النجاسةَ"، وقوله: "ولا يطهر زيت خولط" لخ لما ذكر قوله: "وينجس كثير طعام مائع "أتى بهذا ليبين أنه إذا تنجس لا يقبل التطهير، وأتى به ردا على المقابل فرد بالأول على ابن اللباد كما مر، ورد بالثاني القول بأن المطبوخ بنجس يقبل التطهير وقد مر، ورد بالثالث القول بأن الزيتون المملح بنجس يقبل التطهير، وأما الرابع فإنه اختلف فيه هل ينجس ولا يقبل التطهير، أو لا ينجس لأن قشره يحصنه وفخار بغواص يعني أن آنية الفخار بتشديد الخاء أي الطين إذا غاصت فيها النجاسة لا تقبل التطهير، والغواص من أبنية المبالغة؛ أي إن النجاسة إذا دخلت في أجزاء الإناء كبول أو خمر أقام في الإناء مدة يغلب على الظن أن النجاسة سرت في جميع أجزائه فإنه لا يقبل التطهير فلو أحميت آنية الفخار ثم أطفئت بنجس فإنها لا تطهر بخلاف النحاس: والذهب والفضة، والرصاص، والزجاج فإنها إذا أحميت ثم أطفئت بنجس فإنها تطهر بغسلها خلافا لقول ابن فرحون: هي كالفخار، ومثل النحاس وما في حكمه الفخار البالي، وإذا كان الإناء مملوا ماء وأصابت النجاسة ظاهره لم يتنجس الماء، ويكفي غسل

стр. 264

ظاهره ولو أقعدت قلة مملوءة ماء على عذرة رطبة لم يتنجس الماء لأن شأنه الرشح إلى أسفل، وتطهر قدور المجوس المطبوخ فيها الميتة بغلي الماء فيها كما في الحديث (١) فخرجت عن الأصل بالسنة، ومثل الفخار الطوب المحروق بنجس بناء على ما قدمه المص في رماد النجس، ولو طلي الفخار بما يمنع الغوص قَبلَ التطهيرَ، ولو أزيلت النجاسة عن الفخار في الحال وغسلت فالظاهر أنه يطهر. وعلم مما تقدم أن اللحم ونحوه مما فيه رطوبة إذا أصابته نجاسة بعد الطبخ أو قبله ولم يطبخ بها أنه يغسل ويؤكل وهو ظاهر إذا لم يتشربها، وإلا لم يؤكل كما مر والله أعلم. ثم إن عدم قبول الإناء التطهير إنما هو باعتبار الصلاة، وأما الطعام يوضع فيه فإنه لا ينجس لأنه لم تكن فيه أجزاء النجاسة، والمنصوص أن أواني الخمر وزقاقها يجوز استعمالها بعد غسلها وتنظيفها ولا بأس بحمل الطعام في الإناء العد للنجاسة قبل استعماله فيها إن كان لضرورة وإلا فلا ينبغي، وما يعاف في العادات يكره في العبادات كالأواني المعدة بصورها للنجاسات والصلاة في المراحيض الطاهرة والوضوء بالمستعمل، وللشافعية لا يجوز وضع مصحف على نعل نظيف لم يلبس، وقال العز يمنع من عمل حرفة خسيسة في المسجد كخياطة نعل. وينتفع بمتنجس يعني أن الشئ الطاهر إذا تنجس فانه يجوز أن ينتفع له سواء كان لا يقبل التطهير كزيت تنجس أو يقبله على ما سنبينه إن شاء الله، وظاهر المص يشمل البيع وهو قول ابن وهب إنه يجوز، وترك المص التنبيه على ما في ذلك اعتمادا على ما في البيع لا نجس يعني أن الشيء الذي نجاسته ذاتية كالبول والخمر والميتة ونحوها لا يجوز الانتفاع به إلا جلد ميتة مدبوغ غير خنزير فيجوز لبسه كما صرح به الشارح عند قول المص: وعلى طرح ميتة، ويدخل في قوله هنا في يابس، وإلا إطعام ميتة لكلابه بإشلائها عليها اتفاقا، وكذا بحملها على المعروف من قول مالك وأصحابه خلافا لاقتصار الشارح على منع حملها لها، وإلا فتح بالوعة أو طفي نار بنجس غير خمر، وكذا به إن قصد إراقته فقط أو مع فتح البالوعة أو طفي النار لا إن قصد

стр. 265

فتحها فقط أو طفيها فقط لأنه انتفاع به وهو حرام، وتجب إراقته، وإلا استعمالها لإساغة أو إكراه فيجوز كما يأتي للمص، وإلا وقود عظم ميتة على طوب أو حجارة جير فيجوز، وإلا جعل عذرة بماء لسقي زرع، وإلا تخليص فضة بعظام ميتة وتبخرا بلحوم سباع غير مذكاة إذا لم يعلق دخانها بثيابه فيجوز. ابن القاسم وإن كان يعلق فلا يعجبني، وإلا شحم ميتة لدهن رحاة أو ساقية فيجوز: وإلا صيدا بنجس غير خمر فيجوز وبه يحرم فتستثنى تلك الأمور التسعة من قوله: "لا نجس" قال جميعه الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن قوله: "وإلا فتح بالوعة" قال في القاموس البالوعة والبلاعة والبلوعة مشددين بئر يحفر ضيق الرأس يجري فيها ماء المطر ونحوه، وقوله: "وإلا جعل عذرة بماء لسقي زرع" الخ هذا من المتنجس لا من النجس فلا يحتاج لاستثنائه انتهى. وفيما قاله نظر فإن العذرة من النجس ويعمد جعلها في الماء الذي يسقى به فلابد من التنبيه على ذلك والله أعلم. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله وإلا شحم ميتة لدهن رحى أو ساقية الخ هذا يرد بما في المواق عن ابن عرفة ونصه تخريجُ اللخمي على جواز الانتفاع بمتنجس طلي السفن بشحم الميتة فاسدُ الوضع (للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك) (١) انتهى وقال عياض في الإكمال ما نصه وأما شحم الميتة فالجمهور على أنه لا يتنفع من الميتة بشيء البتة لأنها نجسة العين بخلاف لما تطرأ عليه النجاسة، ولعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خصصته السنة من الجلد، وأجاز عطاء الاستصباح بشحم الميتة انتهى. وأن تطلى به السفن ونحوه في النوادر عن ابن الجهم والأبهري نقله الأبي، وقال ولا بأس بوقيده إذا تحفظ منه وقولهما هذا هو مقابل الأشهر في قول ابن الحاجب، ولا يستعمل شحم الميتة والعذرة على الأشهر، وفي المدونة: وصلاة الرجل وأمامه جدار مرحاض وموضعه طاهر جائزة. سند: من انكسر عظمه فجبره بعظم ميتة لا يجب عليه كسره خلافا للشافعي: ووجه المذهب أن في إخراجه حرجا وإفساد لحم فسقطت إزالته كما إذا كان على الجرح قيح ودم ولا يمكن غسله إلا بإفساد اللحم، وسلم الشافعي أنه إذا مات لا ينزع منه في غير مسجد متعلق

стр. 266

بقوله: "وينتفع" فهو بيان لوجه الانتفاع بالمتنجس، يعني أن الشيء المتنجس إنما يباح الانتفاع به في غير المسجد فلا يبنى بالطين المتنجس اتفاقا لكن لو بنيت حيطانه بماء متنجس فإنه يصلَّى فيه ولا يهدم على الصحيح، ولا يستصبح بالمتنجس في المسجد إلا إن كان خارجه والضوء فيه، وفي الإعلام: وسئل ابن رشد عن مسجد بني بماء نجس هل يهدم أو يطين بطين طاهر فأجاب هذا الثاني هو الذي لا يصح غيره، والصواب غسل أوراق مصحف كتب بدواة وتبين بعد الفراغ أنه كان بها فأرة ميتة منذ بدئ حيث أمكن ذلك، وإن لم يمكن فقال بعضهم الواجب أن لا يقرأ فيه بل يدفن، وقال البرزلي لا يتحتم دفنه بل إن أراد محاه، ويدفنه في موضع طاهر أو يحرقه كما فعل عثمان ﵁، وقال بعضهم ينتفع به كذلك. كما أجيز لبس الثوب المتنجس في غير الصلاة وذكر الله طاهر لا يدركه شيء من الواقعات فإن لم يتيقن أن الفأرة فيه من الابتداء حمل على الطهارة، وفي الإعلام: وسئل بعضهم عمن كتب مصحفا ثم وجد فأرة ميتة في الدواة فأجاب إنما تحقق وجود ذلك قبل الكتب حفر له في الأرض ودفنه، ولا يقرأ فيه وإلا حمل على الطهارة، وفيه أيضا: وسئل الشاطبي عن كتاب أو مصحف تحل فيه نجاسة فأجاب: إن كان مما يعتمد عليه أو ليس ثم نسخة سواه أزيل ما قدر عليه من النجاسة ولا عبرة بالباقي كما فعل بمصحف عثمان الذي أصابه الدم وإلا غسل ما وصلته ويتلافى ما يتلف بغسله من غيره انتهى. وآدمي عطف على قوله مسجد، يعني أن المتنجس إنما يباح الانتفاع به في غير المسجد كما تقدم وفي غير أكل الآدمي وشربه، وأما أكل الآدمي أو شربه للمتنجس فلا يحل كما لا يحل الانتفاع به في المسجد فتدهن به الدلاء ويعلف للدواب، وسواء في ذلك ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، ويجوز الاستصباح بالزيت، وعمله صابونا، والعسل المتنجس للنحل، ولبس الثوب المتنجس، والنوم إلا في حالة يعرق فيه فيكره إلى غير ذلك، وما ذكره المص هو المشهور ومقابله عدم جواز ذلك كله وهو قول ابن الماجشون، ولا يدخل في قوله: "وينتفع بمتنجس" البيع لما سيذكره، وأجاز ابن وهب بيعه إذا بين ذلك قوله: "لا نجس " يقتضي المنع من الانتفاع بالنجس مطلقا أما أكله والتداوي به في باطن الجسد أي الجوف فمتفق على تحريمه، وصرح بذلك ابن ناجي والجزولي وغيرهما، وحكى الزناتي فيما إذا استهلكت الخمر في دواء بالطبخ أو بالتركيب حتى تذهب

стр. 267

عينها وتموت ريحها، وقضت التجربة بإنجاح ذلك الدواء قولين بالجواز والمنع، قال: وإن لم تقض التجربة بإنجاحه لم يجز باتفاق انتهى. والظاهر المنع مطلقا قاله الحطاب. وأما التداوي بالخمر والنجس في ظاهر الجسد ففيه قولان والمشهور المنع، ومن هذا المعنى غسل القرحة بالبول إذا أنقاها بعد ذلك بالماء. ابن الحاجب والصحيح لا يجوز التداوي بما فيه خمر ولا بنجس. ابن عبد السلام وأجاز مالك لمن عثر أن يبول على عثرته، الباجي وغيره إنما هذا الخلاف في ظاهر الجسد يعني ويمتنع في الباطن اتفاقا وفي المقدمات ولا يجوز التداوي بشرب الخمر ولا بشرب شيء من النجاسات، وأما التداوي بذلك بغير شرب فمكروه بالخمر ومباح بالنجاسة ولم يحك في ذلك خلافا. وحكى الجزولي في ذلك ثلاثة أقوال: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل بين الخمر وغيرها، والمشهور أنه لا يجوز استعمال شحم الميتة في الوقود ولا طلي السفن ولا غير ذلك، وقال الأبهري وابن الجهم لا بأس أن يوقد بشحم الميتة إذا تحفظ منه. ويجوز التداوي بشرب بول الأنعام بلا خلاف، وكذلك بول كل ما يباح لحمه: وتقدم أن الألبان تابعة للحوم لكن قال ابن رشد عن مالك إنه لا بأس بالتداوي بلبن الأتن مراعاة للخلاف في جواز أكلها حكي ذلك عن ابن حبيب عن مالك وسعيد بن المسيب والقاسم وعطاء، وروي إباحة التداوي بها عن النبي ﷺ ، وإلى إجازة ذلك ذهب ابن الماجشون، وأبوالها نجسة لا يحل التداوي بشربها قال الجزولي: وكذلك الخيل والبغال، قال ومن أجاز أكلها يجيز ذلك وكذلك لبنها. سند من سقطت سنة فالظاهر أنه لا يجوز له ردها على القول بأن الإنسان ينجس بالموت لأنه عظم نجس كسن الكلب والخنزير وغيره وهو قول الشافعي، وأجازه أبو حنيفة وهو مقتضى مذهب ابن وهب من أصحاب مالك ومذهب ابن المواز وفي البرزلي إذا قلع الضرس وربط لا تجوز الصلاة به فإن رده والتحم جازت الصلاة به للضرورة. واعلم أن من أجاز استعمال النجاسة في ظاهر الجسد فذلك إذا كان يمكن إزالتها قبل خروج وقت الصلاة، وأما إذا أدى إلى الصلاة بالنجاسة فلا فإن استعملها وجب عليه غسلها قاله الحطاب، ولا يصلَّى بلباس كافر يعني أنه تحرم الصلاة بلباس الكافر ذكرا أو أنثى كتابيا أو غيره ذميا أو حربيا كان اللباس ثوبا أو خفا باشر جسده أم لا ولو لكرأسه، فقوله: "ولا يصلى" أي تحريما كما

стр. 268

قررنا ورجح بعضهم الكراهة ولو أسلم هو لم يصل في ثيابه حتى يغسلها على أحد قولين، والآخر أنه لا يغسل إلا ما علم فيه نجاسة، ومثل الكافر شارب الخمر ولا يقيد بظن نجاسته لأنه إذا حصل ظن النجاسة فلا خصوصية لشارب الخمر قاله الشيخ محمد بن الحسن، وأفتى البرزلي بأن ما تحقق أن الكافر أدخله في فيه لا يصلَّى به حتى يغسله لنجاسة ريقه، وإذا أيقن الكافر الذي أسلم بطهارة ثيابه فالاختلاف في وجوب غسلها يجوي على الاختلاف في طهارة عرق النصراني والمجوسي بخلاف نسجه يعني أن منسوج الكافر ولو مجوسيا يصلَّى به، أما من تؤكل ذبيحته فبإجماع، والمجوسي مثله عندنا، وكذا سائر صنائعه يحمل فيها على الطهارة وسواء في ذلك ما صنعه لنفسه أو غيره، وقوله: "بخلاف نسجه" مصدر بمعنى اسم الفعول أي منسوجه قاله الشبراخيتي وهذا صريح أو كالصريح في أنه بفتح النون، وصرح بذلك السجلماسي عند قول البوصيري: وكفته بنسجها الخ فإنه قال: النسج بفتح النون وبالجيم مصدر نسج كضرب بمعنى المفعول أي المنسوج، والحاصل أن ما عمله الصناع كالخياط والخراز ونحو ذلك محمول على الطهارة كالمنسوج كافرا أو مسلما مصليا كان أو غير مصل لأن الغالب على الصناع التحفظ على أعمالهم، وكذلك المرأة النساجة وهي تربي ولدها، والحالبة للبن، والماخضة له، والجامعة للزبد من القربة، والساقية للماء، والخادمة للطعام، والمغربلة له كل ذلك محمول على الطهارة حتى يظهر خلاف ذلك ويتحقق، وصرح القرافي بأن جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الذين يصلون ولا يستنجون ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطهارة وإن كان الغالب عليه النجاسة، وإذا علا الكلب ثوبا أو فراشا لم يتنجس، ولا بأس بالصلاة بجلود الثعالب والنمور إذا كان ذكيا، وفي الإعلام أن الكاغد الرومي مقتضى نصوص المالكية أنه لم يتفق على طهارته فلا أقل من أن يكون النسخ فيه مختلفا في كراهته وجوازه ولا بما ينام فيه مصل آخر يعني أنك لا تصلي بثوب ينام فيه مصل غيرك؛ أي لا يجوز لك ذلك وهذا إذا كان معدا للنوم غير محتاط في طهارته، وإلا صلي به فلا يرد أن الشخص الذي ينام على فراش وله ثوب للنوم أن فراشه طاهر مع أنه مما ينام فيه مصل آخر لأنه لم يعده للنوم غير محتاط في طهارته ومحل المص أيضا حيث جهلت طهارته، وأما إن أخبر صاحبه بطهارته وهو مصل ثقة فلا ينبغي

стр. 269

أن يختلف في جواز الصلاة به، وفي كلام ابن مرزوق إشارة إلى ذلك، وقد سمعت الوالد حفظه الله يذكر عن بعض شيوخه أنه يحمل كلام المصنف على ما ذكرنا والله أعلم قاله الحطاب. والظاهر أنه لا يقيد هذا بما إذا بين وجها أو اتفقا مذهبا لأن الأصل الطهارة قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي، وأشعر قول المص: "آخر" أن صلاته هو فيه لا تمنع، وفيه نظر إذا كان معدا للنوم قاله الش، ولا نظر إن كان متحفظا نقله الشبراخيتي، ولا بثياب غير مصل يعني أنه لا تجوز الصلاة بثياب من لا تصلي أصلا أو غالبا يريد وهو مسلم وذلك يختلف باختلاف البلاد فنساء بعض البلدان لا تصلي غالبا: وأما نساء الحجاز فيصلين إلا أن الغالب عليهن الجهل بالاستبراء إلا أن يعلم أن الثوب لعالمة به إلا كرأسه راجع للفرعين قبله أعني قوله ولا بما ينام فيه مصل آخر، وقوله: "ولا بثياب غير مصل" يعني أن ما لا تلحقه النجاسة عادة من لباس المسلم غير المصلي، واللباس الذي ينام فيه مصل آخر لا تمنع الصلاة به بل تجوز وذلك كالعمامة والقلنسوة، قوله: "إلا كرأسه" يقرأ بالكاد وباللام قاله الشبراخيتي، أي يقرأ بإلا كرأسه وهي نسخة الشيخ عبد الباقي، ويقرأ بإلا لرأسه وهي نسخة الشيخ الحطاب والله أعلم، وقوله: "إلا كرأسه" بحث فيه ابن مرزوق فقال فيه نظر لا يخفى لأنهم إنما منعوا الصلاة بما ينام فيه مصل آخر من أجل الشك في نجاسته، والشك في نجاسة ثوب غير المصلي أقوى بكثير؛ لأن من لا يتحفظ من النجاسة لا يبالي من أين تصل إليه ولا بمحاذي فرج غير عالم يعني أن الثوب المحاذي أي المقابل لفرج من لا يعلم باب الاستبراء وأحكام الطهارة لا تجوز الصلاة به سواء كان الثوب مباشرا للفرج كالسراويل، أو بينه وبينه واسطة إلا أن يغلب على الظن عدم وصول النجاسة لغير المباشر، وأما العالم بالاستبراء وأحكام الطهارة فيصلى بمحاذي فرجه، وهل يقيد باتفاق المذهب أولا يقيد؟ الظاهر الأول لطهارة المني عند الشافعي ﵁ قاله الشيخ عبد الباقي. سند من اشترى من مسلم مجهول الحال أي لا يعلم هل يصلي أولا يحمل على السلامة فإن شك تصح، فإن علم أنه ممن يصلي أو لا يصلي فالحكم ظاهر، وقوله: "فرج غير عالم" قال في التوضيح المراد بالفرج القبل والدبر أصله لابن هارون قاله الحطاب وقد علم أن معنى قوله غير عالم أي بحكم الاستبراء وكذا كل من ولي أمرا في الشريعة فإنما يطلب منه العلم بذلك فقط، قال

стр. 270

ابن عرفة قال ابن العربي: ثوب الصبي عندهم نجس والصواب عندي إن استقل بغسل حدثه فهو نجس، وقبله طاهر لأن حاضنته تطهره ودليله حمله ﵊ لأمامة في الصلاة، وفي كلام سند أن ثيابهم تحمل على النجاسة، وقال ابن ناجي ثياب الصبي محمولة على النجاسة حتى تتيقن الطهارة على الصحيح، وقال البوني بالعكس على ظاهر حديث أمامة، ونقل في شرحه الكبير القولين من غير ترجيح، قال وقيل إن أمها كانت تنظفها لأجله ﷺ . وقال عياض في شرح حديث أمامة: فيه من الفقه أن ثياب الصبيان وأبدانهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق النجاسة. الأبي حمل ثياب الصبيان على الطهارة إنما هو في صبيان علمت أهاليهم بالتحفظ من النجاسة. القرافي ثياب الصبيان الغالب عليها النجاسة والنادر سلامتها وقد جاءت السنة بصلاته ﷺ بأمامة يحملها (١) إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد انتهى. والظاهر ما قاله ابن العربي وابن ناجي وهو الذي يؤخذ من كلام الشيخ أبي الحسن الصغير قاله الحطاب، واستشكل هذا الحديث بأنه فيه فعل كثير لأنه ﷺ (كان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها) (٢)، وأجاب الإمام النووي بأن الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت انظر الزرقاني على الموطإ، ومَنِ الغالب على صنعته النجاسة كالمرضعة والجزار والكناف الظاهر من كلامهم أن ثيابهم محمولة على النجاسة حتى تتحقق الطهارة ولذا استحبوا أن يكون لهم ثوب للصلاة كما يأتي، والثياب التي يحكم لها بالنجاسة حكمها حكم الثوب المحقق النجاسة فمن اشتراه غير عالم بذلك له رده إن كان جديدا مطلقا: وإن كان لبيسا فإنما يكون له الرد إن كان يفسده الغسل، وسئل ابن أبي زيد عمن اشترى ثوبا لبيسا من نصراني فقيل له: لا تحل لك الصلاة فيه حتى تغسله فقال لا أعلم بذلك فأنا أرده فقال إن كان لم يعلم أنه لبيس نصراني رده، وإن علم وجهل أنه لا يصلَّى به إلا بعد الغسل فلا

стр. 271

رد له، وقال سند ذلك يختلف بما ينقصه الغسل فهو عيب ولو من المسلم وما لا فلا انتهى قاله الحطاب. ولما ذكر أنواع الطاهر والمتنجس والنجس وذكر ما يحرم استعماله من الأخيرين وما يباح ذكر ما يحرم استعماله من الطاهر فقال: وحرم استعمال ذكر محلى يعني أن الذكر البالغ يحرم عليه أن يستعمل شيئا محلى بأحد النقدين أي مجعولا فيه شيء من المذهب أو الفضة أو هما سواء كان متصلا بالثوب كنسج وطرز، أو منفصلا عنه كزر، وإذا حرم المحلى فأحرى الحلي نفسه كسوار وخلخال وقرط وغير ذلك؛ والمراد بالاستعمال الانتفاع الخاص فلا يشمل الانتفاع بالبيع: ومثل الاستعمال الاقتناء قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: أي بقصد استعماله وأما اقتناؤه لتجمل أهله مثلا فلا بأس به انتهى. واحترزت بالبالغ من الصغير فيكره لوليه إلباسه الذهب والحرير. ويجوز له إلباسه الفضة هذا هو المعتمد خلافا لابن شعبان الذي يوجب الزكاة في حلي الأصاغر، وشمل كلام المص الكافر لخطابه بفروع الشريعة، والأصل فيما ذكره المص ما رواه الترمذي وصححه عنه ﵊ (حُرمَ لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم) (١) وظاهر قول المص ذَكَرِ موافقة ما قدمته عن ابن شعبان خلاف ما قررته به إذ مقتضى قول ابن شعبان أن تحلية الصغير لا تجوز لأنه أوجب فيها الزكاة، ولو كان لبسها مباحا لسقطت الزكاة، ويعضده الحديث المتقدم، وما رواه أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال (من تحلى ذهبا أو حلى ولده مثل خربصيصة لم يدخل الجنة) (٢)، والخربصيصة هي الهنة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة، وفي كلام التوضيح ترجيح لقول ابن شعبان ولذلك اعتمده المص هنا فأطلق وهو أظهر من جهة الدليل، وقد قدمت أن المعتمد خلافه أي بالنظر لكثرة القائل به من أهل المذهب أشار له الحطاب، وما قدمته من مناسبة قوله: "وحرم استعمال" الخ هو لمحمد بن الحسن: وقال الحطاب وجه ذكره هنا أن الحلي لما كان من جملة

стр. 272

اللباس، والذي يحرم لبسه منه لا يصلى به فأشبه الثوب النجس، وأيضا فإن الماء يحتاج إلى إناء يجعل فيه غالبا فبين حكم ذلك من المذهب والفضة. ولو منطقة يعني أنه يحرم على الذكر أن يستعمل منطقة محلاة بأحد النقدين هذا هو المشهور، وقيل يجوز للذكر استعمال المنطقة المحلاة، والمنطقة بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء نوع مما يشد به الوسط، وقد علمت أن سياق المص إنما هو في الذكر فقط فلا حاجة إلى استثناء المرأة من كلام المص، وسيقول وجاز للمرأة الخ، وآلة حرب يعني أنه يحرم على الذكر استعمال المحلى ولو كان هذا المحلى آلة حرب هذا هو المشهور، وقيل بالجواز مطلقا، وقيل بالجواز إلا في السرج، واللجام، والسكاكين: والمهماز، وقيل بالجواز إلا في هذه، وفيما يتقى به كالترس، ولا فرق في تحريم آلة الحرب المحلاة بين الرجل والمرأة. إلا المصحف يعني أن المصحف إذا كان لذكر لا تحرم تحليته بل تجوز تحليته بالذهب والفضة في أعلاه بأن يجعل ذلك على الجلد من خارج، وأما كتابته بهما، أو كتابة أعشاره، أو أجزائه، أو أخماسه بذلك فمكروهة قاله الشبراخيتي عن الجزولي. قال ويشمل ذلك المص لأن قوله: "إلا المصحف" أي فلا تحرم تحلية خارجه ولا داخله وما لا يحرم يعم المباح والمكروه انتهى. وكما تكره كتابته وكتابة أعشاره أو أخماسه أو أجزائه بالذهب أو الفضة تكره أيضا بالحمرة، والمصحف بتثليث الميم مأخوذ من أصحف بالضم أي جمعت فيه المصحف، وفي الحطاب بعد جلب نقول وقد علم من هذا منع كتابة ما عدا المصحف بالذهب والفضة وكراهة كتابة المصحف به: وما عدا ذلك فاستحسان قابل للبحث انتهى. وقوله: "إلا المصحف" مستثنى من حرمة استعمال الذكر للمحلى، وأفهم تخصيص المصحف بالجواز منع تحلية غيره من سائر الكتب وهو كذلك، ولا تجوز تحلية الدواة والقلم ويجوز كتابة القرآن في الحرير وتحليته به، وأما كتابة العلم أو السنة فيه فيجري على جواز افتراشه والمشهور منعه للرجال ويتفق على جوازه للنساء قاله الشيخ إبراهيم، ومقتضى كلام المص كغيره منع تحلية الإجازة بالذهب والفضة وهو كذلك خلافا للبرزلي وشيوخه من استحسانهم الجواز قاله الشبراخيتي. وفي الحطاب عن البرزلي أما تحلية الدواة فإن كانت يكتب بها القرآن فتجري على تحلية المصحف فتجوز بالفضة، وفي المذهب

стр. 273

خلاف والمشهور الجواز، وفي الزاهي تجوز تحلية الأحراز أي الحروز التي تكتب للرقى من القرآن وما معه من أسماء الله انتهى. وقال عبد الباقي: ومنع تحلية كتب حديث وعلم وكذا كتب ذلك بحرير، والسيف عطف على المستثنى، يعني أن السيف تجوز تحليته بالذهب والفضة ولا فرق بين ما اتصل به كمقبضه أولا كجفيره وهذا في غير سيف المرأة، وأما سيف المرأة فتحرم تحليته لأنه بمنزلة المكحلة ونحوها وظاهر هذا ولو كانت تقاتل به، وقوله: "والسيف" أي لأن السنة وردت بذلك لا لكونه أعظم آلة الحرب قاله الشيخ إبراهيم. والأنف عطف على المستثنى أيضا يعني أنه يجوز لمن جدع أنفه أي قطع أن يتخذ أنفا من ذهب لما رواه الترمذي عن عرفجة بن سعد قال: (أصيب أنفي يوم الكلاب بضم الكاف وتخفيف اللام اسم لماء كانت الوقعة عنده في الجاهلية فاتخذت أنفا من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب) (١)، وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم [شدوا] (٢) أسنانهم بالذهب قاله الترمذي: وقال ابن مرزوق: ما ذكره يعني المصنف من جواز اتخاذ الأنف وربط الأسنان بالذهب والفضة صحيح بحسب القياس لكن نصوص الأئمة إنما هي في إباحة الذهب لذلك، ولم يذكروا الفضة إلا ما وقع في بعض نسخ ابن الحاجب، وقد يقال: إنما جاز ذلك في الذهب للضرورة إليه لما فيه من الخاصية المتقدم ذكرها وليست هي في الفضة فلا يصح من المص ولا غيره إلحاق الفضة بالذهب لأنه قياس مع وجود الفارق. وربط سن عطف على المستثنى أيضا يعني أنه يجوز لمن كسرت سنة واحدة أو أكثر أن يربطها بالذهب أو بالفضة، ولا مفهوم لقوله: "ربط" فإذا اتخذ سنا من ذهب أو فضة محل سن له سقطت جاز ذلك كما نقله المواق عن ابن عرفة، وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب كما مر عن الترمذي وقوله: مطلقا راجع للمسائل الأربع المستثناة ومعناه كانت الحلية ذهبا أو فضة وهذا هو المعروف من المذهب الذي عليه الأكثرون، وذكر الرجراجي أن مشهور المذهب أنه لا يجوز تحلية السيف بالذهب قال: وهو مذهب المدونة، والاستثناء في الأربع

стр. 274

متصل ومفهوم ربط أن ردها بعد سقوطها لا يجوز على تنجيسه بالموت كما مر فلا تجوز الصلاة بها إلا إن التحمت أو خاف بنزعها ضررا: وأما على طهارة ميتته فيجوز، وروي عن السلف أنهم كانوا يردونها ويربطونها بالذهب فيصلَّى بها التحمت أم لا ولا يطلب بنزعها مع عدم الالتحام وخاتم فضة عطف على المستثنى أيضا يعني أنه يجوز للرجل أن يتخذ خاتما من فضة بل يندب إن لبسه للسنة، ولا يجوز إن لبسه للمباهاة والتزين للأجنبيات كما هو الواقع في هذا الزمان، واتحد فإن تعدد منع ولو كان وزن المتعدد درهمين، وإذا اتحد وكان وزنه أكثر من درهمين لم يجز وإنما يجوز إذا كان درهمين فأقل فيشترط لجوازه ثلاثة شروط: أن يلبسه للسنة، وأن يتحد، وأن يكون وزنه درهمين فأقل، وندب جعله باليسرى (لأنه ﷺ كان يتختم فيها كما في مسلم وأبي داوود) (١) وهو آخر الأمرين من فعله، ولا ينافي خبر (كان يحب التيمن في تنعله وترجله) (٢) أي تمشيط شعره وتختمه وتطهره وشأنه كله لأنه يمسكه بيمينه فيجعله في يسراه، وإذا نزعه ليطبع به على كتاب مثلا نزعه بيمينه، وما تقدم من أنه مندوب لا ينافيه المصنف لأنه مستثنى من المحرم وذلك يصدق بالمندوب لا ما بعضه ذهب يعني أن الخاتم الذي بعضه ذهب وبعضه فضة يمنع حيث كان أكثر من الفضة أو مساويا لها بل ولو قل المذهب وكانت الفضة أكثر منه فإنه يمنع أيضا هذا ظاهره ولكن المعتمد الكراهة حيث كان المذهب أقل من الفضة فإن كان أكثر أو مساويا لها منع، ويكره تختم بنحاس أو رصاص وحديد على الأصح، وقيل يحرم إلا لتحفظ فيجوز لمنع النحاس الصفراء، وكل من الرصاص والحديد الجن ولا يقيد بدرهمين فيما يظهر قاله عبد الباقي. ويمنع من الجن حمل أترج أو حبة وجاز تختم بجلد أو خشب كعقيق، ويمنع من العين كتجمل بخشب محيط ومثل التختم بالنحاس والحديد في الكراهة القزدير، وأخذ من قوله (التمس ولو خاتما من حديد) (٣) الجواز، وقوله: وخاتم فضة الذي استقر عليه العمل أن الخاتم يجعل في الخنصر ويجعل الفص معا يلي الكف، وأصل ما اتخذ

стр. 275

الخاتم للطبع ولذلك قيل بكراهته أي الخاتم إلا لضرورة كالخلفاء، وقد جاء (أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا غير مطبوع) (١)، وورد في البخاري (وفصه منه) (٢)، وخرج مسلم وأصحاب السنن (أن فصه كان حبشيا) (٣) ولا تعارض لأنه يحمل على التعدد، ومعنى حبشيا أي حجرا من أرض الحبشة أو على لون الحبشة ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه، ونسب إلى الحبشة لصفة إما صناعة وإما نقشا، والفص بفتح الفاء قاله الجوهري وحكى غيره فيه الكسر وحكى فيه التثليث أيضا، ويجوز نقش الخاتم ونقش أسماء أصحابها عليها ونقش أسماء الله فيها وهو قول مالك وكرهه بعض العلماء، وكان نقش خاتم رسول الله ﷺ محمد رسول الله محمد سطر ورسول سطر والله سطر، ونقش خاتم مالك: حسبي الله ونعم الوكيل. وجاء رجل إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) (٤) فذكر الحديث إلى أن قال من أي شيء أتخذه فقال رسول الله ﷺ (من ورق ولا تتمه مثقالا) (٥)، وخرج أبو داود والترمذي من طريق إياس بن الحارث عن جده قال: (كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملويا عليه فضة) (٦) فيحمل على التعدد ويجمع بينه وبين النهي عن التختم بالحديد بأن يحمل على ما كان حديدا صرفا قاله ابن حجر نقله الحطاب، قوله: "لا ما بعضه ذهب" لخ قال ابن رشد: مسمار الذهب في الخاتم كالعلم من الحرير في الثوب مالك يكرهه وغيره يحرمه فمن تركه على مذهب مالك أجر ومن فعله لم يأثم، وخلط اليسير من المذهب في الفضة كالخز وشبهه مالك يكرهه وغيره

стр. 276

يجيزه، ونقل عبد الباقي عن الأجهوري أن طلي خاتم الفضة بالذهب داخل في قوله: "لا ما بعضه ذهب" وإناء نقد الظاهر جره عطفا على ذكر فيكون من إضافة المصدر لمفعوله والأول لفاعله كقوله الآتي: وجرح مسلم مميز ثم قال لا نعم، ويصح رفعه عطفا على فاعل حرم الأول لعبد الباقي، والثاني للشيخ إبراهيم يعني أنه يحرم استعمال إناء النقد أي المذهب والفضة فلا يجوز الأكل فيها ولا الشرب فيها ولا الطهارة وإن صحت الصلاة بها ولا تتخذ منها المداهن ولا المجامر ونحو ذلك من أنواع الاستعمال لقوله ﷺ في الصحيح (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية المذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (١)، وضمير لهم للكفار الذين يستعملونها ويجوز على بعد عوده على مستعملها من عصاة المؤمنين لأنهم يحرمونها كما في الحديث الدال على ذلك والأول أظهر قاله الفاكهاني نقله الحطاب. واقتناؤه يعني أن إناء النقد يحرم اقتناؤه أي ادخاره لاستعمال أو لغير قصد وكذا التجمل على الأرجح من قولين، ويجوز لعاقبة الدهر، ويحرم استئجار على صياغته ولا ضمان على من كسره إذا لم يتلف منه شيئا على الأصح، ويجوز بيعه. وتحصل من هذا أن أقسام اقتنائه أربعة اثنان في كلامه قطعا وكذا الثالث على الأرجح لا الرابع، ومقابل الأرجح للخمي قال إن كانت تراد للتجمل فذلك غير محرم وما تقدم من جواز بيعه هو للباجي وغيره، وبحث فيه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بأنه إن كان لا يقابل الصنعة بشيء من العوض فظاهر، وإن كان مع المقابلة فلا يسلم هذا الحكم للباجي وإن لامرأة يعني أن استعمال إناء النقد واقتناءه محرمان على الرجال والنساء، واللام في قوله لامرأة بمعنى من، أي وإن كان الاستعمال أو الاقتناء حاصلا من امرأة على حد قوله: لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل

стр. 277

قاله الشيخ إبراهيم أي منكم. وفي الكافي ولا يجوز اتخاذ الأواني من الذهب والفضة للرجال ولا للنساء. وفي المغشى يعني أنه اختلف في منع المغشى وجوازه على قولين والراجح المنع، والمغشى إناء من ذهب أو فضة غطي برصاص أو نحاس أو غيره قوله: "وفي المغشى" أي استعماله أو اقتنائه إذ ذاك هو الذي يختلف فيه بين المنع والجواز كما هو ظاهر والمموه يعني أنه اختلف في المموه أي في استعماله واقتنائه على قولين بين الجواز والمنع نظرا إلى الظاهر والباطن كالذي قبله. قال الشيخ عبد الباقي: وهما على حد سواء انتهى. وقال الحطاب: وأما المموه فالأظهر فيه الإباحة والمنع بعيد وإن كان قد استظهره في الإكمال، والمموه إناء من نحاس أو رصاص طلي بفضة أو ذهب. قال الشيخ أحمد: وظاهر المص كان ما موه به قليلا أو كثيرا بحيث يحصل منه شيء بالعرض على النار انتهى. واتفق في مذهب الشافعي على المنع فيما يجتمع منه شيء. قال الحطاب: وهو الذي يؤخذ من كلام سند وصاحب الإكمال، وأجمعوا على إيجاب الزكاة فيها إذا بلغ ذهبها نصابا، وفي تقديم المغشَّى على المموه إشارة إلى أن ما ظاهره قبيح وباطنه حسن خير من عكسه لأن التقديم في اللفظ يدل على شرف المقدم بوجه، وفي المص إشعار بأن الركاب المغشَّى أو المموه لا يجوز لأنه إن كان من آلة حرب فقد مر أنها لا يحلَّى منها سوى السيف وإن لم يكن منها فالمنع أولى: والسرج واللجام كالركاب قاله الشيخ عبد الباقي. والمضبب يعني أنه اختلف في استعمال المضبب واقتنائه على قولين بين المنع والكراهة، والمضبب هو إناء مشعب كسره بخيوط نقد كبيرة أو صغيرة أو جمع بصفيحة من أحدهما في موضع الاستعمال أم لا ألجأت إلى ذلك حاجة أم لا. قال الحطاب: والأصح من القولين المنع كما صرح به ابن الحاجب وابن الفاكهاني وغيرهما، وهو اختيار القاضي أبي الوليد، وقال عبد الباقي والقولان مستويان انتهى. واختار القاضي أبو بكر الجواز واستدل له بكلام الأئمة، وذي الحلقة يعني أنه اختلف في استعمال ذي الحلقة واقتنائه على قولين بين المنع والكراهة، والأصح من القولين المنع كما صرح به ابن الحاجب وابن الفاكهاني وغيرهما، وهو اختيار القاضي أبي الوليد، واختار القاضي أبو بكر الجواز واستدل له بكلام الأئمة. وذو الحلقة إناء من عود أو غيره

стр. 278

جعل له حلقة بسكون اللام من أحد النقدين، ومثله اللوح والمرآة ونحوهما مما فيه حلقة. المازري: والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب كما كره النظر في مرآة فيها حلقة فضة. انتهى. وهذا يقوي ما تقدم عن الشيخ عبد الباقي من استواء القولين والله أعلم، والقولان في المضبب وذي الحلقة تفسيران لقول مالك في العتيبة: لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب ولا أن ينظر في مرآة فيها حلقة فإنه يحتمل الكراهة والتحريم، وإناء الجوهر يعني أنه اختلف في استعمال إناء الجوهر كالبلور والياقوت والزبرجد، واقتنائه على قولين بين الجواز والمنع وهما متساويان، ومن الجوهر الدر والزمرذ بالضمات وإعجام الذال، والبلَّور بكسر الوحدة وفتح اللام المشددة. وانظر لو اتخذ من الجوهر نحو عكاز هل يجري فيه الخلاف أو يتفق على المنع كالمرود ونحوه وهو الظاهر، وعلة المنع في إناء الجوهر الإسراف قولان في كل من الأمور الخمسة. قال الشيخ عبد الباقي: وعلم مما قررنا أن في المص ثلاثة أشياء إجماله في بيان القولين، وترك الاقتصار على الراجح في الأول وهو المنع، وأن الأخير تردد لا قولان انتهى. وقد بينت الإجمال في كل فبينت القول بالكراهة، والقول بالمنع، والقول بالجواز، وفي الإكمال. وهل يجوز لبس خاتم من هذه الجواهر أو يجعل الفص منه أو جعلها في العنق أو الذراع؟ لم أر فيه نصا، والظاهر أنه جار على اتخاذ الآنية، والقول بالجواز فيها للباجي وابن سابق وهو اختيار ابن رشد، والقول بالمنع لابن العربي في عارضته، وذكر ابن عرفة ثالثا بالكراهة. واعلم أنه يجوز اتخاذ الأواني من الفخار ومن الحديد ومن الرصاص ومن الصفر والنحاس والخشب ومن العظام الطاهرة إجماعا قاله في القوانين قاله الحطاب. والظاهر أن العقيق ليس من أنواع الجوهر، (وأهديت له ﷺ قدح قوارير فكان يشرب فيها الماء) (١)، وجاء رجل إلى الأمير أبي الحسن بلؤلؤة صغيرة ذكر أنه أخرجها من الماء العذب وشهد له بذلك شهود لا بأس بهم، وهذا خلاف المشهور أن التثنية في قوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ إنما هي للتغليب لأنه إنما يخرج من الأجاج انتهى. قاله الحطاب والمعنى على هذا يخرج من مجموعهما

стр. 279

الصادق بالملح وجاز للمرأة الملبوس مطلقا يعني أنه يجوز للمرأة كل ملبوس ذهبا أو فضة أو حريرا أو غير ذلك أو محلَّى بذهبٍ أو فضة، ويدخل في ذلك مساند الحرير خلافا لابن الحاج ولو نعلا يعني أنه يجوز للمرأة أن تتخذ نعلا من ذهب أو فضة وكذا القبقاب، وأشار بلو إلى الخلاف. ففي الزاهي: وليس اتخاذ النعل يجري مجرى الحلي. وقد قيل إنه من الحلي، وحكى القرويون الخلاف في القبقاب هل هو من اللباس أو الأواني، والأقرب أنه كالفراش والمشط المضبب كالإناء المضبب، وذكر الخطابي عن بعض العلماء كراهة التختم بالفضة للنساء قال لأنه من زي الرجال قال: فإن لم يجدن المذهب فليصفرنه بالزعفران أو شبهه والله أعلم. لا كسرير يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تستعمل سريرا من ذهب أو فضة أو سريرا محلى بأحدهما، ودخل بالكاف كل ما ليس بملائم للمرأة فهو مثل السرير في الحكم وذلك كالمرآة وقفل الصندوق والمدية والمكحلة والمرود إلا لتداو فيجوز، ولو لرجل إن تعين طريقا، وإلا منع عليهما كقول طبيب له: مرود الذهب من أحسن المراود يداوي البصر، وكطبخ أو أكل في إناء نقد للتداوي إن تعين طريقا جاز لهما كقول طبيب لعليل: من منافعك طبخ غذائك في آنية الذهب وإلا منع عليهما، وكذا يمنع ما اتخذ في جدرات وسقف وخشب وأغشية لغير قرآن لرجل وامرأة. وقوله: وجاز للمرأة الملبوس يدخل في الملبوس البسط والنعال والقبقاب وزر الثوب والحصير لخبر (قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس) (١): وكالسرير المروحة والمذاب والمقرمة، والمذاب جمع مذبة، وهي: ما يطرد به الذباب، والمقرمات جمع مِقرمة بكسر الميم والراء ستر فيه نقش وتصاوير، وفي العارضة منع النبي ﷺ استعمال الذهب ثم استثنى منه جواز الانتفاع عند الحاجة على طريق التداوي بجعل الأنف منه، وينبني عليه إذا قال الطبيب للعليل: من منافعك طبخ غذائك في آنية الذهب جاز له ذلك، ويجوز للمرأة سرير حرير، وللنظر حكم المنظور حرمة وجوازا خصوصا إذا رضي به لأنه يجب الإعراض عن المحرمات ظاهرا وباطنا قاله الأمير. وفيه وحرم تصوير ذي ظل تام الأعضاء بحيث يعيش مثله، والأولى ترك غيره من نفس لا ظل له ولا يحرمان، والآلات للهو على المشهور

стр. 280

ومجمع عليه إن ترتب فسوق إلا الطار، وفي المغشى من الجهتين خلاف. ابن كنانة ويجوز يسير التزمير في النكاح انتهى. ولما أنهى الكلام على الطاهر والنجس والمتنجس وكان منه ما لا يقبل التطهير ومنه ما يقبله في إزالة النجاسة عنه، شرع في حكم إزالتها وما تزال به وما يعفى عنه منها وما لا يعفى عنه وغير ذلك مما يتعلق بها فقال:

стр. 281

فصل في بيان ذلك، وقد مر الكلام على الفصل والباب هل استفهام لطلب تحصيل الحكم ولا يمتنع أن يؤتَى لها بمعادل كما في حديث جابر (هل تزوجت بكرا أم ثيبا) (١) إزالة أي إذهاب النجاسة بالماء المطلق، والنجاسة كما مر صفة حكمية توجب لموصوفها منع الصلاة به أو فيه، والمراد بالنجاسة النجاسة التي لا يعفى عنها وسيأتي الكلام على العفو عنها إن شاء الله عن ثوب المراد به كل ما لابس المصلي ففي كلام ابن العربي أن الثوب يطلق على ما يلبس في الوسط وعلى الرأس وعلى جميع البدن ولكل بعد ذلك اسم خاص انتهى قاله الشيخ عبد الباقي مصل أي مريد الصلاة فسماه مصليا تجوزا ولو كان الثوب الذي فيه النجاسة طرف عمامته الملقى على الأرض تحرك بحركته أم لا على المذهب وبدنه عطف على ثوب، والضمير فيه للمصلي وبدنه ذاته. والمراد بالبدن هنا ظاهره وما في حكمه كداخل فم وأذن وأنف وعين كاكتحال بمرارة خنزير إن لم يخش ضررا بالغسل، وإلا عفي عنها. وهذه الأربعة من الباطن في طهارة الحدث الأصغر والأكبر لعدم وجوب غسلها فيها، وما بطن لا يحكم له بشيء إلا بعد انفصاله، وإن ابتلعها تقايأها إن أمكن لتقل النجاسة فإن تقليلها واجب كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأظهر منه أن يقال: ما بعد التقايؤ معجوز عنه فإن لم يتقايأها بطلت على الراجح ما دامت على حالها، وقيل لا تبطل وبطلانها حاصل ولو تاب فإن لم يمكنه التقايؤ صحت ولو لم يتب. وهل يعيد في الوقت إن زال بغير تقايؤ؟ الجاري على جعلها كنجاسة الظاهر أنه يعيد في الوقت لأنه عاجز، وظاهر ما تقدم أنها تبطل، وإن استعملها لضرورة كما إذا شرب الخمر لإساغة أو إكراه أو ظنه غيرا، وقال أحمد عن الناصر اللقاني: لا تبطل في هذه الثلاثة، وكذا لو أكل الميتة اضطرارا لعجز، وأما إزالة النجاسة عن بدن غير المصلي فإن منعت الطهارة وجبت إزالتها وإلا ندبت، وقيل تجب مطلقا والخلاف في غير الخمر، وأما هي فيحرم التضمخ بها اتفاقا، وعبارة الشيخ الأمير الراجح كره التلطخ بالنجس في ظاهر الجسد، وحرم بالخمر ومكانه أي ما تماسه أعضاؤه فالمعتبر محل قيامه وقعوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله ولا ما تحت

стр. 282

بطنه حيث لم يمسه فتصح صلاة المومئ بمحل به نجاسة لا طرف حصيره يعني أنه لا يشترط في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن طرف الحصير الذي يصلى عليه حيث كانت بطرفه نجاسة، والمراد بطرفه ما زاد على مكان المصلي فلا تبطل الصلاة بنجاسته ولو تحرك بحركة المصلي على المعتمد هذا هو الذي حمل المدونة عليه أكثر شيوخها وشراحها، والحاصل أنه إن لم يتحرك موضع النجاسة بحركته لم يضر اتفاقا، وإن تحرك فقولان، والمراد بالحصير كل شيء فرشه المصلي وصلى عليه، والمعتد الصحة في تحرك موضع النجاسة بحركته كما مر لأنه كالمركب يكون في بعض خشبه نجاسة وهو يتحرك بحركة المصلي وكالسقف يضطرب بالمصلي، وفي بعض أرضه نجاسة لا يلتفت إلى ذلك إجماعا، ومنهم من فسر الطرف بالوجه الموالي للأرض فلا تضر نجاسته حيث كان المحل الذي يصلي عليه المصلي طاهرا فيكون كنجاسة فرش عليها ثوب طاهرت ومنه مسألة الهيدورة؛ وهي جلد باطنه نجس أو متنجس وظاهره طاهر ولو شعر خنزير، وقد اختلف فيها أي في مسألة الهيدورة أصحاب الفقيه أبي ميمونة درَّاس فقه فاس فمنهم من أجاز ومنهم من منع. وقوله: "لا" طرف بالجر عطف على ثوب سنة خبر المبتدأ وهو إزالة، وشهره في البيان وهو قول ابن القاسم عن مالك، وفي المواق ترجيحه أو واجبة عطف على قوله: "سنة" والمراد بالوجوب هنا وجوب الشرط بدليل ما يأتي من قوله: شرط لصلاة طهارة حدث وخبث إن ذكر وقدر يعني أن القول بالوجوب محله مع الذكر للنجاسة، والقدرة على إزالتها وإلا يعني أنه إذا انتفى القيدان أو أحدهما بأن صلى بالنجاسة في بدنه أو ثوبه أو مكانه عاجزا عن إزالتها ذاكرا لها أو قادرا على إزالتها لكنه غير ذاكر لها أو عاجزا غير ذاكر أعاد ندبا الظهرين وتنتهي إعادتهما للاصفرار متعلق بأعاد فلا يعيدهما في الاصفرار، ويعيد الصبح للطلوع والعشاءين للفجر، والفرق بين الظهرين والعشاءين أن الليل يتنفل فيه كله ولا يعترض بالصبح تعاد بعد الإسفار لأنه يؤتى بالفجر وبالشفع والوتر بعده، والراجح أن الإعادة في الوقت مستحبة فإن تركها عمدا حتى خرج الوقت لم يعد عند ابن القاسم، وقال محمد وعبد الملك يعيد وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يعيد الظهرين للغروب ومعناه أنه يدرك الصلاة كلها قبل الغروب، وأما إذا لم يدرك إلا بعضها فقد فاته في هذه المسألة وقتها، وعلى قياسه يقال في

стр. 283

العشاءين والصبح، وبما قررت علم أن قوله: "إن ذكر" الخ قيد في الوجوب، وأما السنة فلا تنحط إزالة النجاسة عنها ذكر أم لا قدر أم لا كما قرره به غير واحد، ومنهم من رجع القيد المذكور للقول بالسنة أيضا لكن الخلاف في ذلك لفظي لأن من نظر إلى رفع الطلب حال العذر قال قيد فيهما، ومن نظر إلى طلب الإعادة في الوقت من العاجز والناسي قال قيد في الوجوب فقط، ومعنى كلام المصنف من قوله. "هل إزالة النجاسة" إلى هنا أنه اختلف في حكم إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه على قولين مشهورين: فقيل إزالتها عما ذكر سنة من سنن الصلاة ذكرها أم لا؟، قدر على إزالتها أم لا وقيل واجبة مع ذكر النجاسة والقدرة على إزالتها بوجود ماء مطلق يزيلها به أو وجود ثوب طاهر أو القدرة على الانتقال من المكان النجس إلى مكان طاهر، وأما مع النسيان لها أو العجز عن إزالتها فليست بواجبة بل تكون الإزالة حينئذ سنة كالقول الأول، وذكر المصنف في التوضيح أن ابن رشد شهر القول بالسنة وأن طريقة اللخمي تدل على أن القول الثاني هو المشهور. قال وصرح بذلك غير واحد فلذلك اقتصر هنا على ذكر هذين القولين، وذكر قوله: "مصل" ليشمل غير البالغ فإن الصبي هو المخاطب بالطهارة لا الولي، كما أن الصبي هو المخاطب بالصلاة على الصحيح، ومثل المصلي الطائف إلا أنه يبني كما يأتي إن شاء الله بخلاف الصلاة فيبتدئها، وقوله: "وبدنه" قد تقدم أن داخل الفم والأنف والعينين والأذنين يجب تطهيره من النجاسة كظاهر الجسد: وأن باطن الجسد غير هذه الأربعة لا يحكم له بشيء إلا بعد انفصاله إلا أن ما مقره المعدة مما لم يكن فيها بل أدخل فيها كخمر أو نجاسة غيرها يجب تقايؤه على المعتمد كما مر، وإذا كان الفم في حكم ظاهر الجسد فمن دمي فمه فمج الريق حتى انقطع الدم لم يطهر بذلك على الأصح، والصواب عدم قطع محرك نعله المتنجس لأنه غير حامل، وقطع من رفعها لأنه حامل، والغالب نجاسة النعل. ومسائلهم تدل على أن الغالب كالمتحقق قاله ابن ناجي، وقواه الحطاب بعد أن نقل عن البرزلي أن النعل إذا لم تتحقق نجاستها يغلب الأصل فيها على الغالب فلا تبطل صلاة من رفعها حينئذ ولو تعدد محل النجاسة، ووجد من الماء ما يغسل به النجاسة من محل دون محل وجب عليه ذلك لأن تقليل النجاسة مطلوب قاله الحطاب. وقد مر عن الشيخ محمد بن الحسن أن تقليل النجاسة واجب، وفي كتاب الشيخ الأمير

стр. 284

أن تقليل النجاسة يجري فيه الخلاف الجاري في إزالتها، وقال غير واحد: إن ما كان من النجاسة بمحل واحد لا يغسل بعضه لأن ذلك يزيد النجاسة انتشارا انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا ظاهر في النجاسة العينية، وأما الحكمية بحيث لا لون ولا طعم ولا ريح كما إذا زال عين النجاسة بغير المطلق فلا يطهر ذلك والله سبحانه أعلم. وقوله: "ومكانه" قد تقدم أن المعتبر فيه ما تماسه أعضاء المصلي هذا هو المعتمد فمن صلى وبين يديه مرحاض فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا ولو كان ظاهر الجدار نجسا إذ لا يعتبر ما كان أمامه أو يمينه أو شماله، وقال ابن حبيب: من تعمد الصلاة إلى النجاسة وهي أمامه أعاد الصلاة إلا أن تكون بعيدة جدا أو يواريها عنه شيء، وإن كان دونها ما لا يواريها فذلك كلا شيء قال وإن كان ظاهر الجدار طاهرا فلا خلاف أن الصلاة صحيحة إلا أنه يكره ابتداء كما يكره أن يكون ذلك في حائط قبلة المسجد، ولا ينبغي أن يواجه المصلي شيء يُسْتَخْبَث، وفي رسم الجواب من سماع عيسى النهي عن الصلاة إلى جدار المرحاض والصغير والمرأة والكافر والمابون في دبره، فإن فات ذلك وصلى حذاءهم أوهم أمامه لم يعد الصلاة عامدا أو جاهلا أو ناسيا لا في وقت ولا في غيره. ابن رشد لأن الشرع قد قرر تعظيم شأن القبلة فمن الاختيار للمصلي أن ينزه قبلة الصلاة عن كل شيء مكروه، وسقوط طرف ثوب المصلي على جاف نجاسة بغير محله لغو، وإذا كان في أطراف بيت الشعر أو الخباء نجاسةٌ، وكان رأس المصلي يماس الخباء، أو بيت الشعر بطلت صلاته كمسألة العمامة وإلا فهو كالبيت المبني فلا يضر، وإذا عُمِل المرهمُ من عظام الميتة أو من شيء نجس وطُلِيَ به فالمشهور لا يعفى عن غسله فلا يصلي به حتى يغسله، وقال ابن الماجشون يعفى عنه لمشقة غسله من الجرح قاله في التوضيح. خلاف مبتدأ حذف خبره؛ أي في كونها واجبة أو سنة خلاف، قال الشيخ الحطاب: الذي يظهر من نصوص أهل المذهب أن الخلاف لفظي أي أنه اختلف في التعبير عن حكم إزالة النجاسة فبعضهم عبر عنه بالوجوب وبعضهم عبر عنه بالسنة ولا اختلاف بينهما؛ إذ القولان متفقان على أن من صلى بها ذاكرا قادرا يعيد أبدا، ومن صلى بها ناسيا أو عاجزا يعيد في الوقت، وعلى تأثيم من صلى بها عامدا أو قادرا كما صرح به في المعونة، وصرح به في المنتقى،

стр. 285

ونُقِل عن صاحب المعونة الإجماع على ذلك، قال الشيخ عبد الباقي وغيره: ورد بوجوب الإعادة على الوجوب وندبها على السنة كما يفيده الفاكهاني، وبأن الإثم على السنية لاستخفافه بها لا لتركها، وعلى الوجوب لتركها، وبأن القائل بها يرد تمسك القائل بالوجوب فهو معنوي. وذكر القرطبي في سورة براءة القول بالسنة والإعادة في الوقت عن مالك وأصحابه إلا أبا الفرج ورواية ابن وهب عنه، ولم يذكر عن أحد القول بالإعادة أبدا على القول بالسنة على أن المعبر بأبدا يحمل على الندب نظير ما يأتي في قوله: "وبمعطن إبل" من أن من صلى به أعاد أبدا أي استحبابا انتهى. واعترضه الرماصي قائلا: هذا الكلام غير صواب إذ الإعادة على السنة واجبة أيضا كما هو ظاهر كلامهم بل صريحه لقولهم: إن الإعادة مبنية على الخلاف في ترك السنة [هل] (١) يبطل الصلاة فتكون الإعادة واجبة وهذا ظاهر بلا شك، وما عزاه للفاكهاني لم أره له وحاشاه أن يفوه بذلك بل كلامه يدل على خلاف ما قاله، ثم قال ما حاصله إن ما ذكره الشيخ عبد الباقي لا ينافي كون مآل القولين شيئا واحدا فالصواب أن الخلاف لفظي انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وقول الزرقاني على أن العبر بأبدا يحمل على الندب الخ يرد بما تقدم من تصريحهم بوجوب الإعادة أبدا على السنة انتهى. وحاصل ما للأمير أن الخلاف معنوي فإنه قال أشهر القولين السنة مع غلبة التفريع على الوجوب، وقول غيرنا به فهو أقوى وهو المآل عند من جعل الخلاف لفظيا نعم لا يشدد على من يترك الصلاة لذلك، وفيه أن جمهور خارج المذهب على الوجوب، وفيه أنه لا غرابة في الندبية والأبدية فقد قالوه في الصلاة بمعطن الإبل فما ورد من التعذيب في البول على القول بالسنة محمول بالنسبة لهذه الأمة على إبقائه في القصبة بحيث يبطل الوضوء فإن الاستبراء واجب اتفاقا انتهى. وفيه: وقال الحطاب والرماصي إنه لفظي قالوا وعهدت الإعادة أبدا لترك السنة على أحد القولين، ولا يخفى أن هذا اعتراف بأنه حقيقي له ثمرة فإن الواجب يبطل تركه اتفاقا، ومما يبعد كونه لفظيا ما ارتضاه الرماصي نفسه من عدم تقييد السنية بالذكر والقدرة والوجوب مقيد انتهى. وفي الحطاب بعد جلب كثير من النقول
следующие страницы →