← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

والأصل في هذا اختلافهم في قول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. الآية. هل المراد بذلك ذبائحهم أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد بذلك ذبائحهم أجاز أكل الشحوم؛ لأنها من ذبائحهم ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة دون بعض، ومن ذهب إلى أن المراد بذلك ما يأكلون منع، فالأقوال الثلاثة ترجع إلى قولين؛ لأن الكراهة من قبيل الجواز. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وشحم اليهودي هو الشحم الخالص كالثروب وشحم الكلى والقطنة على مثال معدة بالقاف والطاء والنون: التي تكون مع الكروش، وهي ذات الأطباق التي تسميها العامة: الرمانة، لا ما اختلط بعظم أو لحم ولا الحوايا وهي الأمعاء، والباعر: بنات اللبن بسكون الباء بمعنى الأكل؛ أي التي يستفر بها الأكل، والمباعر جمع مبعر موضع البر وهو رجيع ذي الخف والظلف. وذبح لصليب أو عيسى؛ يعني أن ما ذبح الكتابي للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب، بل ذبحوه لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى يكره لنا أن نأكله لأنهم يقصدون إباحته، فهو من طعامهم، ويقصدون به انتفاع من ذكر، (ونهى ﷺ عن الذبح للجان (١))، فإن قصد به اختصاصها بانتفاعها بالمذبوح كره، وإن قصد به التقرب إليها حرم، ومثل ما ذبح للصليب ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم ومن مضى من أحبارهم، ولجبريل ﵇: وما ذكره المص من الكراهة هو المذهب، وقال ابن لبابة وسحنون: هو حرام نظرا إلى أنه مما أهل به لغير الله تعالى، وذهب ابن وهب إلى جوازه من غير كراهة. قاله الشارح. وقد علمت مما مر ومما هنا أن ما ذبحوه بقصد التقرب لآلهتهم لا يأكلونه فيحرم علينا أكله؛ لأنه ليس من طعامهم إذ لم يقصدوا إباحته، وهو قوله: وذبح لصنم، وأن ما ذبحوه للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب بل ذبحود لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه يكره لنا أكله؛ لأنهم يقصدون إباحته فهو من طعامهم، ويقصدون بذلك انتفاع من ذكر. هذا محصل ما نقله العلامة بناني.

стр. 3012

وفي كتاب الشيخ الأمير وما ذبحوه لكعيسى وصليب وصنم إن ذكروا عليه اسم الله أكل ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وإلا فإن قصدوا إهداء الثواب من الله فكذلك يؤكل بمنزلة الذبح لولي، وإن قصدوا التقرب والتبرك بالألوهية أو تحليلها بذلك حرم أكله. انتهى. الجوهري: عيسى اسم عبراني أو سرياني، والجمع العِيسَوْن بفتح السين، وهذا مذهب البصريين، قالوا: لأن الألف لما سقطت لاجتماع الساكنين وجب أن تبقى السين على ما كانت عليه، وتقول: رأيت العيسين ومررت بالعيسين. وقبول متصدق به لذلك؛ يعني أنه يكره لنا أن نقبل ما تصدقوا به لأجل الصليب أو عيسى، وكذا ما تصدقوا به عن موتاهم؛ لأن قبوله في هذه الحالة تعظيم لشركهم دمرهم الله تعالى، وكذا يكره قبول ما يهدونه للمسلمين في أعيادهم، والقبول لذلك يدل على عدم وقر الإيمان بالقلب وكذا يكره جبن المجوسي لما فيه من أنافح الميتة، فإن تحقق وضعها فيه حرم قطعا، وإن تحقق عدم وضعها فيه أبيح قطعا، فمحل الكراهة مع الشك؛ لأن الطعام لا يطرح بالشك؛ ولأن صنائع الكفار محمولة على الطهارة كنسجهم. وذكر أبو إسحق: أن جبن المجوس حرام وجبن أهل الكتاب حلال، والأنافح جمع إنفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء المهملة: شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وذكاة خنثى؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخنثى، واعلم أن الخنثى إذا كان بهيمة لا يجزئ في الزكاة كما نص عليه غير واحد. وخصي؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخصي ومثله المجبوب فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وفاسق؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الفاسق، والفرق بينه وبين الكتابي أنه لا يقر على فسقه، بخلاف الكتابي فإنه يقر على دينه بالجزية، ولا تكره ذكاة الأغلف كما جزم به الحطاب، وحكى في البيان كراهة ذكاته، ولا تكره ذكاة المرأة والصبي على المشهور، وقيل بالكراهة فيهما ومحل الخلاف مع عدم الضرورة، وأما مع الضرورة فتصح من غير كراهة، وحكى اللخمي قولا بالكراهة ولو مع الضرورة، وتجوز ذكاة العبد ولا خلاف في ذلك إلا ما حكي عن عبد الله بن عمر من عدم جواز ذبح العبد الآبق. قاله الحطاب. ولا تكره ذكاة

стр. 3013

الجنب والحائض والأخرس، والظاهر إلحاق النفساء بالحائض، وروى عن عكرمة وقتادة أنهما قالا: لا يذبح الجنب وإن توضأ. وقال ابن رشد: وتجوز ذبيحة الجنب والحائض والأغلف والمسخوط في دينه وإن كان الأولى في ذلك الكمال والدين والطهارة، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة وقال ابن رشد في البيان: ستة لا تجوز ذبائحهم: الصغير الذي لا يعقل والمجنون في حال جنونه والسكران الذي لا يعقل والمجوسي والمرتد والزنديق: وستة تكره ذبائحهم: الصغير المميز والمرأة والخنثى والخصي والأغلف والفاسق، وستة مختلف في ذبائحهم: تارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والبدعي المختلف في تكفيره، والعربي النصراني، والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والأعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ. انتهى. ومثل النصراني يذبح للمسلم بأمره اليهودي، ومنع أكل ذبيحة تارك الصلاة إنما يأتي على القول بكفره، وقد نظم بعضهم الأقسام الثلاثة فقال: ذكاة مجوسي ومغمى وطافح … وطفل ومرتد ومن قد تزندقا حرام وزد خنثى وأنثى وأغلفا … خصيا وطفلا عاقلا وفويسقا ولكنها مكروهة وتنازعوا … بنشوان أو من كفره ما تحققا وفي كافر ذكَّى بإذن لمسلم … وفي عربي بالنصارى تعلقا ومنشأ الخلاف في البدعي النظر إلى كفره أو فسقه كتارك الصلاة، وفي نصارى العرب النظر إلى أنهم ارتدوا عن الإسلام أم لا، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ولا تكره من نصراني عربي أو عجمي يجيب للإسلام قبل بلوغه. انتهى.

стр. 3014

وفي ذبح كتابي لمسلم قولان؛ يعني أن ما ذبحه الكتابي أو نحره وهو ملك لمسلم فيوكله على ذبحه أو مشترك بينهما في إباحة أكله ومنعه قولان، وفيه قول ثالث بالكراهة، وما ذكره المص يجري في الضحية لكن لا تجزئ ضحية، وتعليل الباجي حرمة ما لا يستحله بأنه لا ينوي الذكاة يفيد أنه لا فرق في التحريم السابق بين أن يذبح ما لا يستحله لنفسه أو لغيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحينئذ فتجري فيه الأقوال المتقدمة عن ابن عرفة. والله أعلم. ومفهوم قوله: "لمسلم"، أن ذبحه لكافر لا يكون حكمه كذلك وهو كذلك، وحكمه أنه إن ذبح ما لا يحل لكل منهما اتفق على عدم صحة ذبحه، وإن ذبح ما يحل لكل منهما اتفق على صحة ذبحه. قاله الشيخ عبد الباقي. ولما أنهى الكلام على النوعين الأولين من أنواع الذكاة وقدمهما لتعلقهما بالإنسي غالبا المأنوس إليه دون الوحشي، أتبعهما بالكلام على النوع الثالث وهو الصيد المتعلق بالوحشي، فقال: وجرح مسلم، جرح بفتح الجيم مصدر، وهو عطف على "قطع"، الذي هو خبر "الذكاة"؛ يعني أن جرح المسلم ذكرا أو أنثى للوحشي بما سيذكره سبب في إباحة أكله بالشروط الآتية، والمراد بالجرح الإدماء ولو في الأذن مع شق الجلد أم لا، لا شق بدون إدماء في الصحيحة، بخلاف المريضة فتوكل بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لا شق الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: انظر هذا التفصيل، ويأتي له عند قول المص "أو عض بلا جرح" ما يفيد أنه لا يكون الشق دون إدماء إلا في المريض وهو الظاهر. واعلم أن شروط الصيد تسعة، ثلاثة في الصائد، وثلاثة في المصيد به، وثلاثة في الصيد، ونظمها ابن غازي فقال: كل صيد مسلم صحيح الذبح … غير مفرط بنحو الرمح أو جارح معلم ومرسل … من يده بصيده مشتغل يصيد مرءيا أخا امتناع … يموت من جرح بلا نزاع

стр. 3015

انتهى. وكل ما ذكر من الشروط إنما يشترط في صيد البر إذا فات أو أنفذ مقتله، فأما البحري فيؤكل ولو فات أو قتله كافر، وأما ما لم ينفذ منه مقتل من البري وقدر عليه فيذكى، ويشترط في ذكاته ما يشترط في الإنسي: أشار له الحطاب. والله أعلم. واحترز بقوله: "مسلم": من الكافر، فإنه لا يؤكل صيده كتابيا أو غيره؛ لأن الصيد رخصة لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ على أن المراد بهذه الآية إباحة الصيد، وأما على أن المراد بها المنع فلا دليل فيها على الإباحة، فمعنى الابتلاء حينئذ الاختبار هل يصبر عنه أم لا؟ لقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وذهب أشهب وابن وكعب وجماعة إلى عدم اشتراط الإسلام لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، لكن سياق الآية يدل على مذهب الجمهور؛ لأنه قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والظاهر كراهة صيد من تكره ذكاته كالخصي والخنثى والفاسق. قاله الحطاب. ابن عرفة: ابن حبيب: أكره صيد الجاهل لحدود الصيد غير متحر صوابه. انتهى. وإضافة جرح إلى مسلم من إضافة المصدر إلى فاعله، وحد ابن عرفة الصيد فقال: الصيد مصدرا أخذ مباح غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد ملكه، فلا يتوهم إضافة أخذ لفاعله واسما ما أخذ من مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد. انتهى. ومعنى بقصد: بنية الاصطياد، وهو راجع لما قبل بحري، واحترز بقوله: "جرح"، عما إذا مات بخنق أو حبالة أو من خوف أو جري أو عض أو صدم بلا جرح كما يأتي. وتحصل مما مر أن الكافر لا يؤكل صيده اتفاقا في المجوسي، وعلى المشهور في الكتابي. مميز؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد أن يكون الصائد مسلما كما مر، مميزا لا صبيا غير مميز وإلا مجنونا ولا سكرانا ولو كان يخطئ ويصيب وادعى الصيد حال الإفاقة، ويجري هنا نحو ما تقدم في ذبحه، والمشهور أن المرأة والمميز كالبالغ، وكرهه أبو مصعب. ولما تكلم على الصائد تكلم على الصيد، فقال: وحشيا؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد بالجرح أن يكون المجروح وحشيا لا إن كان إنسيا كما يأتي، وقوله: "وحشيا"، معمول "جرح"،

стр. 3016

وهو صفة لموصوف محذوف أي حيوانا وحشيا أي متوحشا لا إنسيا ند من إبل أو غنم أو دجاج اتفاقا أو بقر أو حمام أو إوز على المشهور، خلافا لابن حبيب. قاله الخرشي. وسيأتي ما يخالفه عن الشيخ محمد بن الحسن بناني. وإن تأنس؛ يعني أن الوحشي يؤكل بالجرح وإن كان قد تأنس ثم توحش بعد تأنسه، ففيها لمالك. ما دجن من الوحش ثم ند واستوحش فإنه يذكى بما يذكى به الصيد من الرمي وغيره؛ لأنه يرجع إلى أصله. قاله الخرشي وغيره. وفيه عن بعضهم: كان ينبغي للمؤلف أن يقول: وإن بعد تأنس، ليوفي بالمعنى المراد. انتهى. وهذا التقييد غير محتاج إليه لقوله: عجز عنه؛ يعني أن الوحشي لابد في إباحته بالجرح من أن يكون معجوزا عنه تأنس ثم توحش، أو لم يتأنس فهو صفة لقوله: "وحشيا" شامل لما قبل المبالغة وما بعدها. وقوله: "عجز عنه" بالبناء للمفعول ليشمل عجز كل أحد هوأو غيره، إلا بعسر، مستثنى من معنى قوله: "عجز عنه"؛ أي لم يقدر عليه إلا مع عسر، فهو مستثنى من المنطوق. قاله الشيخ عبد الباقي؛ يعني أن الصيد لا يشترط في إباحته العجز عن أخذه بالكلية، بل لو أمكن أخذه مع الشقة لجاز صيده، فإذا طردت الكلاب الصيد حتى وقع في حفرة لا يخرج منها، أو انكسرت رجله فتمادت الكلاب عليه فقتلته فلا يؤكل؛ لأنه أسير، وهذا إذا كان لو تركته الكلاب قدر ربها على أخذه بيده. قاله الحطاب. وقال عن أصبغ: من أرسل على وكر في شاهق جبل أو في شجرة وكان لا يصل إلا بأمر يخاف منه العطب جاز أكله بالصيد. انتهى. ولو رمى صيدا فأثخنه حتى صار لا يقدر أن يفر ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل؛ لأنه صار كالشاة، ويضمن الذي رماه فقتله للأول قيمته مجروحا، نقله الشيخ عبد الباقي. ولو لجأ الصيد إلى جزيرة أحاط بها البحر فأطلق عليه كلابه فقتلته، فإن كانت صغيرة بحيث لو اجتهد طالبه لأخذه بيده ولا يكون له في الماء نجاة فلا يؤكل، وإن كان له في الماء نجاة أو كانت جزيرة كبيرة يجد الصيد الروغان فيها بحيث يعجز عنه إلا بعسر على رجله أو على فرس -مثلا- فإنه يؤكل بالصيد. نقله الحطاب وغيره.

стр. 3017

لا نعم شرد؛ يعني أن النعم وهو: الإبل والبقر والغنم ومثله الوحشي الذي تأنس ولم يتوحش لا يؤكل شيء منه بالعقر الذي يؤكل به الوحشي، أما الإبل والغنم فلا خلاف أنهما إذا ندا لا يؤكلان بالعقر، وأما البقر فكذلك على المشهور خلافا لابن حبيب، وأما ما ورد في مسلم من قوله ﷺ : (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلب عليكم منها شيء فاصنعوا به هكذا (١)) فليس فيه دلالة على جواز الأكل بالعقر، وذلك لأن الرجل الذي رمى البعير بالسهم لم يقتله وإنما حبسه، فأمر ﵊ أن يصنع بما ند من الإبل كذلك. قاله الشارح. وقد علم مما مر أن المراد بالنعم ما قابل الوحشي، فلو أبدله بإنسي لكان أشمل، وإذا ند حمام البيوت والإوز أكل بالعقر كالصيد؛ إذ له أصل في التوحش. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "لا نعم"؛ أي لا جرح نعم، والمصدر المحذوف مضاف إلى مفعوله، وقوله: "نعم": يصح جره عطفا على "مسلم"، فهو من عطف المصدر المضاف لمفعوله على المصدر المضاف لفاعله وهو جائز وإن كان قليلا، ويصح رفعه عطفا على "جرح" بعد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ونصبه عطفا على "وحشيا"، وترك الألف في الرسم على لغة ربيعة فإنهم يقفون على النون المنصوب بحذف الألف. قاله الخرشي. وعلم من المص أن الوحشي الأصلي على ثلاثة أقسام: وحشي دائما، وحشي تأنس ثم توحش يؤكلان بالعقر، وحشي تأنس ولم يتوحش لا يؤكل بالعقر، وعلم منه أيضا أن الإنسي الأصلي على ثلاثة أقسام أيضا: إنسي دائما، إنسي توحش ثم تأنس، إنسي توحش دائما لا يؤكل كل منها بالعقر، ومنه الجاموس المتوحش ببلاد البر فلا يؤكل بالعقر؛ لأن التوحش طارئ عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. والفرق بين المتوحش من النعم دائما والمتأنس من الوحشي دائما حيث لم يؤكل بالعقر أنا راعينا الأصل في كل؛ لأن الأصل في كل حيوان الذبح والنحر، وإنما رخص الاكتفاء بالعقر في الوحش المعجوز عنه للضرورة. أو تردى بكهوة؛ يعني أن النعم المتردي أي الساقط بكهوة بضم الهاء وتشديد الواو أي حفرة لا يؤكل بالعقر، خلافا لابن حبيب في النعم المتردي مطلقا وفي البقر الشارد، قال: لأن البقر لها

стр. 3018

أصل في التوحش ترجع إليه أي لشبهها ببقر الوحش، وألزمه اللخمي الإطلاق في الشارد بحثا مع أنه -أي اللخمي- لم يقل بذلك. قاله العلامة البناني. ولأبي زيد المكودي ﵀: وأنت يا نفس شغلت بالهوى … حتى وقعت منه في قعر هوى ويقال: ردى فلان في البئر: سقط كتردى ورداه غيره، وما تقدم من حمل المص على النعم هو تقرير له بحسب ظاهره، والصواب أن يحمل المص على الحيوان مطلقا وحشا كان أو نعما، ففي المواق عن ابن المواز وأصبغ: ما اضطره الجارح لحفرة لا خروج له منها أو انكسر رجله فكنعم. انتهى. وقال ابن عرفة: وما عجز عنه في مهواة جاز فيه ما أمكن من ذبح ونحر، فإن تعذرا فالمشهور أنه لا يحل بطعنه في غير محلها. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن البناني. وفي كتاب الشيخ الأمير: لا إنسيا توحش كالمتردي بحفرة ولو وحشيا لأنه ليس صيدا حينئذ، نعم ينحرما لا يمكن ذبحه. انتهى. ولما أنهى الكلام على الصائد والصيد أتبعه بالكلام على الصيد به، فقال: بسلاح على -السلاح آلة الحرب، وتسلح لبس السلاح، والمراد بالسلاح هنا شيء مَّا يعني أنه لابد في إباحة الصيد من أن يكون جَرْحه بشيء محدد أي له حد حديدا أو غيره، ويندب الحديد كما يأتي، والمحدد بدال مهملة مفتوحة مشددة، فإن كان لشيء حد وعرض أكل إن علمت إصابته للصيد بحده، وفي مسلم أن عدي بن حاتم ﵁ سأل النبي ﷺ عن العراض، فقال: (إن أصاب بحده فكل وإن أصابه برضه فلا تأكل فإنه وقيذ (١)). انتهى. والعراض عصاة في طرفها حديدة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، فإن لم يكن السلاح له حد فلا كالعصا والبندق إلا أن يدرك ذكاته وهو غير منفوذ القاتل، وعند الحنفية: يؤكل إن أدرك حيا وذكِّيَ ولو منفوذ جميع المقاتل، ولا خلاف بيننا وبينهم في أن ما مات به لا يؤكل. فالأقسام ثلاثة. القرافي: ظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي تحريم الرمي بالبندق وبكل ما شأنه أن لا يجرح، لنهيه ﵇ عن الخذف، وقال: (إنه لا يصاد به الصيد ولا ينكأ به العدو وإنما يفقأ المعين

стр. 3019

ويكسر السن (١)) إلا أن يرمى به ما يباح به (٢) قتله كالعدو والثعبان ونحو ذلك. انتهى. قاله الحطاب. وفي الجلاب: من رمى صيدا بحجر له حد فجرحه جاز أكله، ولو لم يجرحه ولكن رضه أو دقه لم يجز أكله إلا أن يذكيه. انتهى. قاله الحطاب. والمراد بالبندق الذي لا يؤكل ما أصابه البندق المستعمل من الطين، وأما الصيد بالبندق من الرصاص فلم يوجد فيه نص للمتقدمين، واختلف فيه المتأخرون من الفاسيين لحدوث الرمي به بحدوث البارود، استخرجه حكيم كان يستعمل الكيمياء في وسط المائة الثامنة، وأفتى فيه بجواز الأكل الشيخ أبو عبد الله القوري والشيخ ابن غازي وسيدي علي بن هارون والشيخ المنجور والعارف بالله تعالى سيدي عبد الرحمن الفاسي، وهو الذي اختاره شيخ الشيوخ سيدي عبد القادر الفاسي لما فيه من الإنهار والإجهاز بسرعةٍ الذي شرعت الذكاة من أجله، بل الإنهار به أبلغ وأسهل من كل آلة يقع بها الجرح، والمراد بالجرح مطلق الجرح كان شقا أو خرقا، وقياسه على البندقة الطينية فاسد لوجود الفارق وهو وجود الخرق والنفوذ في الرصاص تحقيقا وعدم ذلك في البندقة الطينية؛ لأن شأنها المرض والكسر، وما كان هذا شأنه لا يستعمل لأنه من الوقذ المحرم بنص الكتاب، قاله العلامة بناني. وفي كتاب الشيخ الأمير: كرصاص على الأصح. وقال صاحب العمليات: وما ببندق الرصاص صيدا … جواز أكله قد استفيدا قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر جواز تذكية الإنسي به ولاسيما عند الضرورة، كفقد آلة الذبح والنحر، لقوله ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل (٣)). والله أعلم. وقد تقدم تحريم الرمي بالبندق وكل ما شأنه أن لا يجرح. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو ظاهر لأنه كاصطياد المأكول لا بنية الذكاة. انتهى. وقوله: "محدد" احترز به من غيره كالعصا والبندق

стр. 3020

والشرك والشبكة، وقوله: "بسلاح"، يمكن رجوعه لأنواع الذكاة الثلاثة على سبيل تنازع المصادر الثلاثة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: ولا يبعده اختصاص الأخير بقوله: وحيوان علم، "الواو" بمعنى: أو كما في الخرشي؛ يعني أنه لابد في العقر من أن يكون بسلاح محدد كما مر، أو بحيوان معلم بالفعل ولو من نوع ما لا يقبل التعليم كأسد ونمس ونمر، ولو كان طبع المعلم الغدر كدب فإنه لا يمسك إلا لنفسه، والدب بضم الدال المهملة وتشديد الباء الوحدة: سبع معروف، جمعه أدباب ودببة كعنبة، والمعلم طيرا أو غيره هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر، إلا البازي فلا يشترط فيه الانزجار؛ لأنه لا ينزجر وعصيان العلم مرة لا يخرجه عن كونه معلما، كما لا يكون معلما بطوعه مرة، بل العرف في ذلك كاف والكلب الأسود وغيره في التعليم سواء، وقال من لا يعلم: إذا أصاب بكلب أسود لا يؤكل، ولعله لقوله ﷺ : (الكلب الأسود شيطان (١)) وهذه سخافة، وإنما اشترط في الحيوان التعليم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. ابن حبيب: والتكليب التعليم، وقيل التسليط، ولقوله ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك) (٢) وما مر من أن العلم هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر إلا البازي. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: علم بأن يطيع إذا أرسل، وفي شرط انزجاره قولان الأصح عدمه في الطير وغيره. انتهى. وفي الخرشي: واستقرأ اللخمي عدم اشتراط الانزجار من قولها: إذا غلبته الجوارح ولم يقدر على خلاصه حتى فات بنفسه أكل، ورد بأنه لم يقصد فيها بيان حكم التعليم إنما قصد بيان العذر المانع من التذكية. انتهى. ونفي التحديد في الطوع والانزجار هو الجاري على المذهب، وحده أبو حنيفة بمرتين. ابن بشير: إنما يقال كل ما يمكن من التعليم فهو شرط: والقصد انتقال الجارح عن طبعه حتى يصير للصائد كالآلة المستعملة؛ لأن الله تعالى إنما اشترط التعليم ولم يقم دليل على وجه خاص، وما كان كذلك إنما يميزه العرف. قاله الخرشي. وفيه عن ابن بشير: لا يعتبر شرط الانزجار في الطير اتفاقا

стр. 3021

والكلب المعروف مثله، وفي المدونة: والعلم من كلب أو باز هو الذي إذا زجر انزجر وإذا أرسل أطاع. انتهى. واعترض بعض الأشياخ ما فيها بأن الطير لا ينزجر بإرسال صفة لحيوان؛ أي حيوان مرسل. قاله الخرشي. وهو يقتضي صريحا أن المجرور متعلق بكون عام محذوف، وقال عبد الباقي: إن الباء بمعنى: مع أو سببية، وهو يفيد أنه متعلق بجرح من قوله: "وجرح مسلم"، ومعنى كلام المص أنه يشترط في أكل ما صاده الحيوان العلم أن يرسله الصائد، فلو انبعث من غير أن يرسله صاحبه أو غيره لم يؤكل ما قتله، لقوله ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك (١)) ويتعلق "بإرسال"، قوله: من يده. ويصح أن يكون صفة له، وعلى كل "فمن" لابتداء المكان. والله أعلم؛ يعني أنه يشترط في الإرسال المذكور أن يكون حاصلا من يد الصائد، فلو أرسله وليس بيده لم يؤكل ولو كان لا يذهب إلا بأمره، فالمراد باليد اليد حقيقة، ومثلها إرساله من حزامه أو من تحت قدمه، وليس المراد باليد القدرة عليه أو الملك فقط؛ ويد خادمه كيده، فإن كان المسمي الناوي هو الخادمَ فالمرسلُ هو، وإن كان السيد هو الناوي المسمي فلعل وجه إجزائه كونه مأمورا له وقريبا منه، والظاهر حينئذ عدم اشتراط إسلام الخادم؛ لأن الناوي المسمي هو السيد فالإرسال منه حكما، واعلم أن اشتراط الإرسال من اليد تعبد. وتحصل مما مر أنه لو وجد مع جارحه صيدا لم يعلم به أو انبعث قبل رؤية ربه للصيد ولو أشلاه عليه أثناءه، وكان الصائد بقرب جارحه أو رآه ولم يرسله أو أرسله وليس بيده، لم يؤكل ولو كان لا يذهب إلا بأمره كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المص هو قول مالك الذي رجع إليه، وكان يقول: يؤكل ولو أرسله من غير يده: وبه أخذ ابن القاسم، فإنه قال فيها: وبالأول أقول، واختار غير واحد كاللخمي ما اختاره ابن القاسم. قاله ابن ناجي. وكان حق المص أن يذكره لقوته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي المدونة: ولو أثار صيدا فأشلى عليه كلبه وهو مطلق فانشلى وصاد من غير أن يرسله من يده، فإنه يؤكل ما صاده. قاله مالك؛ ثم

стр. 3022

رجع فقال: لا يؤكل حتى يطلقه من يده مرسلا له مشليا. ابن القاسم: وبالأول أقول، وأما لو ابتدأ الكلب طلبه أو أفلت من يده عليه ثم أشلاه ربه بعد ذلك لم يؤكل؛ لأن الكلب خرج من غير إرسال صاحبه. قاله الحطاب. بلا ظهور ترك؛ يعني أنه يشترط أيضا في جواز أكل الصيد إذا قتله الجارح أن يكون منبعثا من حين الإرسال إلى حين أخذ الصيد، فلو انبعث على الصيد ثم ظهر منه ترك لما أرسل عليه، فإن تشاغل بميتة أو بكلب آخر وقف معه ثم انبعث ثانيا حتى أخذه فإنه لا يؤكل، ولا فرق في ذلك بين أن يطول التشاغل أو يخف. وفي الأمير: ولم يشتغل بغير ما أرسل له قبله كثيرا، وقال في المدونة: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة ثم رجع عن الطلب ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يمينا وشمالا أو عطف وهو على طلبه فهو على إرساله الأول. المشدالى: أخذ مثه ابن عرفة: لو أرسل كلبا عقورا لقتل إنسان وانبعث الكلب ثم رجع أنه إن رجع رجوعا بينا ثم ذهب فقتله لم يقتل به المرسل وإلا قتل، وقوله: "بلا ظهور ترك"، صفة لحيوان أي حيوان لم يظهر منه ترك. ولو تعدد مصيده؛ يعني أن من أرسل جارحا على عدد من الصيد يراه كما قاله عبد الباقي عند قوله: "أو أخذ غير مرسل عليه": فقتل الجارح جماعة من الصيد، فإن الجميع يؤكل حيث نوى الصائد الجميع، فإن لم تكن له نية لم يؤكل شيء. وقال جد علي الأجهوري: يؤكل الجميع وأدخلها في تصوير المص، فلو نوى واحدا بعينه لم يأكل إلا إياه إن عرف وقتله أولا وعلم أنه الأول وإلا لم يؤكل، ولو نوى واحدا لا بعينه لم يأكل إلا الأول إن عرف أيضا، فالصور أربع: فلو شك في الأول لم يأكل شيئا، ولو صاد الجارح شيئا لم ينوه الصائد لم يؤكل، ولو في مسألة الغار والغيضة. ورد المص بلو على ابن المواز القائل: إن أخذ واحدا بعد واحد أكل الأول، وإن قتلهما في مرة واحدة أكلا وهذا الخلاف، إنما هو في الحيوان، وأما السلاح إذا أصاب متعددا فإن الجميع يؤكل بلا خلاف، قال الشيخ عبد الباقي: بشرط نية الجميع. أو أكل؛ يعني أن الحيوان العلم يؤكل ما قتل ولو أكل منه ولو لم يبق إلا القليل، أما الطير فلا خلاف فيه عندنا أنه لا

стр. 3023

يشترط فيه عدم الأكل؛ لأنه لا بد له من الأكل، وأما الكلب فالمشهور أنه كذلك خلافا لما حكاه أبو تمام مستدلا بما في حديث عدي بن حاتم: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه (١)) وحمله المشهور على الكراهة لما في أبي داوود عنه عليه الصلاة السلام: (فكل وإن أكل منه (٢)) جمعا بين الدليلين، وقوى ابن المواز المشهور بأن حديث الأكل صحبه العمل، وقال به الصحابة علي وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم ﵃ وما صحبه العمل أولى. الباجي: وحمل شيوخنا حديث عدي على معنى ما أدركه الكلب ميتا من الجري أو الصدم فأكل منه، فإنه صار إلى صفة لا تعلق للإمساك بها. قاله الشارح. أو لم ير بغار وغيضة؛ يعني أن الصائد إذا لم ير الصيد أي لم يعلم به لكونه مختفيا في غار أو غيضة، فأرسل عليه الجارح فقتله فإنه يؤكل، والغار الثقب في الجبل، والغيضة الشجر الملتف بعضه على بعض، فقول المص: "أو لم ير"، أي لم يعلم كما قررت، وقوله: "بغار أو غيضة"، حال فهو ظرف مستقر وهو في حيز المبالغة، وما قبل المبالغة علمه وأبصره أو أحدهما فقط، والمبالغ عليه انتفاؤهما، ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما، لأنه من أفراد قوله: "أو قصد ما وجد": ورد بلو المقدرة قول سحنون في الذي يرسل كلبا في الجحر وهو لا يدري أفيه شيء أم لا؟ وينوي إن كان فيه شيء أرسله عليه فأصاب فيه صيدا فقتله أنه لا يحل أكله، وقوله في رجل أرسل كلبه في غيضة وهو لا يرى فيها شيئا ونيته إن كان فيها شيء صاد؛ فأصاب صيدا أنه لا يؤكل، ولابن القاسم قول بالفرق يؤكل ما في الغار ولا يؤكل ما في الغيضة، لاحتمال أن يدخل فيها بعد الإرسال وذلك مأمون في الغار. قاله الشارح. وفي المدونة: من أرسل كلبه على صيد فأخذ غيره لم يؤكل، وإن أرسل على جماعة من وحش أو طير ونوى ما أخذ منها ولم يخص شيئا منها، أو على جماعتين ونوى ما أخذ منهما جميعا فليأكل ما أمسك عليه من ذلك كله مما قل عدده أو كثر وكذلك الرمي، وإن نوى واحدا من الجماعة فأخذ الكلب غيره منها لم يؤكل وكذلك الرمي، وإن أرسل على جماعة ينويها لم يؤكل

стр. 3024

ما أخذ من غيرها كان قد رآها أم لم يرها، وإن أرسله على جماعة لا يرى غيرها ونوى إن كان وراءها غيرها فهو مرسل عليه فليأكل ما أخذ من سواها، وكذلك إن أرسله على صيد لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه، فليأكل ما صاده، وإن رميت صيدا عمدته فأصبت غيره أو أصبته فأنفذته وأصبت آخر لم تأكل إلا الذي اعتمدت، إلا أن تنوي ما أصاب سواه. أبو الحسن: ولو نوى واحدا غير معين فأخذ الكلب واحدا أكله، فإن أخذ اثنين أكل الأول ولا يأكل الثاني، فإن شك في الأول منهما لم يأكل منهما شيئا. انتهى. قاله الحطاب. وقد مر شيء من هذا، وقوله: "بغار أو غيضة"، مثلهما غيرهما كما إذا كان وراء أكمة، والأكمة تل وقيل شرفة كالرابية، وهي ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ، والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال، وجمع الإكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق. انتهى. قاله الخرشي. وفيه عن عيسى: وقد سئل عن الرجل يأتي الغار فيدخل كلبه فيه وهو لا يدري هل فيه شيء أم لا وهو ينوي ما فيه، هل يحل أكل ما قتله؟ أنه قال: سألت مالكا عن ذلك، فقال: ما قتله فهو حلال. انتهى. أو لم يظن نوعه من المباح: يعني أن الصائد إذا أرسل السهم أو الجارح على صيد ولم يظن جنسه ولا تحققه من أي أنواع المباح يريد بعد قطعه أنه ليس بمحرم، فإنه يؤكل ما صاده، فقوله: "من المباح"، حال من الضمير في "نوعه"؛ أي حال كون المرئي نوعه من المباح، أو حال متعلق بمقدر أي حال كونه عالما أنه من المباح وهذا هو المشهور، وقيل بعدم الصحة، فصورة المسألة أنه تردد فيه، هل هو بقر وحش أو حمره -مثلا- وليس قوله: "من المباح"، مفعولا "ليظن" لإيهامه أن معناه لم يظنه مباحا، بل ظنه حراما أو شك فيه أو توهمه لفساد ذلك. أو ظهر خلافه؛ يعني أن الحكم كذلك إذا ظن المرئي نوعا من المباح كظبي مثلا فإذا هو نوع غيره من أنواع المباح كأرنب مثلا فيؤكل ما صاده وهو قول أشهب، واختاره التونسي واللخمي وابن يونس وغيرهم من الأشياخ، وقال أصبغ: لا يصح، وسبب الخلاف أن الخطأ في الصفات اختلف فيه هل يسري إلى الخطإ في الموصوف أم لا؟ ولهذا ثلاثة أحوال: إن قصد عموم الذكاة في المظنون

стр. 3025

وغيره أكل ما صاده بالاتفاق، وإن قصده بعينه دون غيره لم يؤكل الغير بالعقر اتفاقا، وإن قصد شيئا ولم يتعرض لغيره بنفي ولا إثبات فهو محل الخلاف. قاله الشارح. لا إن ظنه حراما؛ يعني أن الصائد يحرم أكل مصيده إذا ظن المرسل عليه حراما، ومثله لو شكه أو توهمه حراما كخنزير مثلا فإذا هو حلال كظبي مثلا فإنه يحرم أكله، ولو رمى حجرا فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل، ولو ظنه سبعا فإذا هو حمار وحش مثلا فهو على ثلاثة أوجه فإن لم ينو ذكاته وإنما قصد قتله لم يؤكل وإن قصد ذكاته لجهل الحكم أو لأنه يعتقد أنه مكروه أكله، وإن نوى ذكاة جلده خاصة كان جلده ذكيا. ويختلف في لحمه فعلى القول بأن الذكاة تتبعض لم يؤكل اللحم، قاله فقهاء القرويين؛ إذ ليس فيه قصد ذكاة تامة. ابن يونس: وهو أبين، وعلى أنها لا تتبعض يكون جميعه ذكيا فيجوز أكله؛ لأنه قصد ذكاته، ومحال أن تعمل الذكاة في بعض دون بعض، قال ابن يونس: قاله بعض فقهائنا. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وإن نوى بذكاته لحمه فقط طهر جلده، ولو على القول بأنها تتبعض كما استظهره بعض الشيوخ؛ لأنه تبع للحم. أو أخذ غير مرسل عليه؛ يعني أن الصائد لا يؤكل ما صاده إذا أرسل جارحه على شيء فأخذ غيره تحقيقا أو شكا لاختلال النية، وتحرير هذا أن المسائل ثلاث: أخذ غير مرسل عليه ولم يقصده الصائد قصد ما وجد والمكان غير محصور كما يأتي لم يؤكل فيهما أرسله على معين لا يرى غيره ونوى ما صاده سواه مما لم يره يؤكل ما صاده، وظاهره ولو أتى به دون ما عينه وبه جزم بعضهم، وهذا غير قوله: "ولو تعدد مصيده"؛ لأن تلك قصد الجميع مع رؤيته أشار له الشيخ عبد الباقي، وفي قوله: "مرسل" تغليب؛ إذ السهم لا يقال له مرسل بل مرمي. قاله الشيخ عبد الباقي. فالمص شامل للجارح وللسهم. أو لم يتحقق المبيح في شركة غيره؛ يعني أن المذكي صائدا أو غيره لا يؤكل مذكاه إذا لم يتحقق المبيح لأكله، بسبب كون المبيح اشترك معه ما أعان على قتل المذكى من أحد الأمور التي يذكرها أو غيرها؛ لأن الأمر دار بين التحليل والتحريم، والقاعدة أنه يغلب في ذلك جانب الحرمة، قال الشارح: وذلك معلوم لأصحابنا في غير مسألة، ففي في قوله: "في شركة"، سببية أي بسبب

стр. 3026

شركة غيره كما في الحديث: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض (١)) والضمير المجرور "بغير" عائد على "المبيح" جارحا كان أو غيره، كماء مثال لما إذا لم يتحقق المبيح بسبب شركة غيره؛ يعني أن الصيد إذا جرحه الجارح ثم وقع في الماء، ولم يعلم هل موته بسب الجرح أو الماء؛ لا يؤكل إلا إذا انفذت المقاتل، ثم شارك المبيح غيره فإنه لا يضر. وفي سماع أشهب: وسئل عمن ذبح ذبيحة فخرت في الماء فماتت؟ فقال: لا يأكلها إلا إذا كان قد تم ذبحها، فقيل: إنه يخاف أن يكون قتلها الغمر في الماء؟ قال: إن كان قد تم ذبحه فلا بأس بها قال ابن رشد: هذا نص ما في المدونة: إذا أكمل ذبحها قبل أن تسقط في الماء فأكلها جائز وهذا مما لا اختلاف فيه، بخلاف إذا ذبحها في جوف الماء. قاله الحطاب. وقال الخرشي وغيره: ولو وقعت بهيمة في ماء فذبحت بموضع ذبحها ورأسها في الماء فإنها تؤكل، ولو مع إمكان رفع رأسها، لكن يكره فعل ذلك لغير ضرورة سواء كانت تعيش في الماء أم لا. انتهى. وفي الخرشي: فقول السنهوري في شرحه: "أو لم يتحقق المذكي صائدا أو غيره": المبيح إلى آخره غير ظاهر؛ لأنه خلاف النص في هذا. انتهى. وفي الأمير: ومع الإنفاذ لا يضر المشارك فيؤكل ما ذبح في الماء ولو لم يرفع رأسه، إلا أن يظن موته بالماء. انتهى. أو ضرب بمسموم، من أمثلة ما إذا لم يتحقق المبيح بشركة غيره أيضا؛ يعني أن الصيد إذا أصيب بسلاح مسموم فإنه لا يؤكل؛ لأنه لا يعلم هل مات من السم أو الجرح، وهذا حيث لم ينفذ السلاح مقاتله، فإن تحقق إنفاذ مقتله قبل أن يسري السم فيه أكل مع الكراهة أو الحرمة لخوف أذى السم، فإن أدركت ذكاته ولم ينفذ السهم مقتله أكل بالذكاة لأنه ذكي وحياته مجتمعة. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو ذبحت الديكة عند تبليعها العجين، وتحقق أن العجين لم ينفذ شيئا من مقاتلها فإنها تؤكل والتوقف في ذلك غير ظاهر. أو كلب مجوسي؛ هذا من أمثلة ذلك أيضا؛ يعني أن الصيد لا يوكل إذا اشترك في قتله كلب أرسله مسلم وكلب أرسله مجوسي ولو لمسلم ومثله غيره من الكفار، ولو أرسل المسلم كلب

стр. 3027

المجوسي ولم يشاركه غيره لأكل كمن ذبح بسكين المجوسي أو رمى بسهمه، ومثل الكلاب السهام، وشمل كلامه ما لو اشترك كلب المجوسي مع كلب المسلم في قتله أو أمسكه أحدهما وقتله الآخر، ولو تحقق أن كلب المسلم هو الذي قتل، ومثل كلب المجوسي كلب المسلم الذي لا يدرى هل أرسله صاحبه أم لا؟ وكذا لو علم أنه أرسله ولم يدر هل نوى وسمى أم لا؟ وفي الحديث: (وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره (١))، ولو أرسل مسلم ومجوسي كلبا واحدا أمسكاه معا وأرسلاه معا، وسعى المسلم ونوى لم يؤكل ما قتله، ولو أرسا، سهمين وتحقق أن سهم المسلم هو الذي قتله دون سهم المجوسي، مثل أن يوجد سهم المسلم في مقتله وسهم المجوسي في بعض أطرافه لحل أكله ويقسم بينهما، ولو أخذاه حيا حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه، فإن قال المجوسي: أنا لا آكل ذبيحة المسلم باعاه واقتسما ثمنه؛ وإن كان بموضع لا ثمن له مكن المسلم من ذبحه إن شاء، لخبر: (الإسلام يعلو ولا يعلى) (٢) عليه، ولو أرسل مسلمان كلبيهما فاشترك الكلبان كانا شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله، ولو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع أي قطع لم يؤكل؛ لأنه يشبه ما ذبح بسكين كالَّة فيموت في الذبح قبل أن يفرى الودجان. أو بنهشه ما قدر على خلاصه؛ من أمثلة ما إذا لم يتحقق المبيح أيضا؛ يعني أن الصائد لا يؤكل ما ذكاه إذا لم يتحقق المبيح بسبب نهش الجارح للصيد وهو قادر على تخليص الصيد من الجارح ولم يتحقق أنه ذكاه وهو متحقق الحياة، لخوف أن يكون مات من نهش الكلاب، وأما لو لم يقدر على خلاصه منها وقدر أن يذكيه تحتها فليفعل، فإن لم يذكه فلا يأكله، ومن رمى صيدا في الجو فسقط أو رماه في الجبل فتردى منه فأدركه ميتا لم يؤكل؛ إذ لعله من السقطة مات، إلا أن يكون أنفذ مقتله بالرمية فيؤكل حينئذ، فإن قيل يحتمل هذا الإنفاذ أن يكون بالسقوط على السهم أجيب بسبقية الرمية والآخر مشكوك فيه، فوجب الاستناد إلى المحقق. قاله الحطاب. أو أغرى في الوسط؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا انبعث عليه الجارح من غير أن يرسله الصائد ثم

стр. 3028

أغراه بعد ذلك، لقوله ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل (١))، فمعنى الوسط هنا أثناء الانبعاث، وليس هذا من أمثلة الشركة بل هو فعل ماض عطف على ظنه حراما، وقوله: "في الوسط"؛ أي الأثناء وهو ما قابل الإرسال من يده ولو بالقرب منه لا حقيقة الوسط فقط، وقوله: "أغرى"؛ أي قواه وحرضه على أخذ الصيد، وفي الخرشي "أن أو أغرى في الوسط" مستغنى عنه بقوله: "بإرسال من يده". أو تراخى في اتباعه؛ يعني أن الصائد لا يؤكل مصيده إذا تراخى في اتباع الحيوان الجارح أو السهم بعد إرسال كل ثم وجده مقتولا، لاحتمال أنه لَوْ جَدَّ لأدرك ذكاته فيجب اتباعه والإسراع في طلبه؛ لأنه مع القدرة على ذكاته أشبه الإنسي الذي لا يؤكل بالعقر، إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه؛ يعني أن محل عدم الأكل عند التراخي في الاتباع ما لم يتحقق الصائد حين الإرسال أنه لا يدرك الصيد -ولو جد- حتى يفوت فإنه يؤكل حينئذ، وكذا لو تحقق أنه يلحقه وتراخى ثم تبين أنه لو جد في اتباعه لا يلحقه فيؤكل، فالمعتبر تبين أنه لا يلحقه، وحكى ابن القصار جواز الأكل مع عدم الاتباع وإن وجده ميتا، وهذا يوذن بأن الاتباع من باب الأولى، والفاعل المستتر في "تراخى"، يعود على الصائد، والضمير في "أنه" عائد عليه، والضمير في "اتباعه" وفي "يلحقه" -أعني الهاء- عائد على الصيد. قاله الشارح. أو حمل الآلة مع غير؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا فرط الصائد في ذكاته حتى فات بأن وضع آلة الذبح في مكان يحتاج في تناولها منه إلى طول، كما إذا كانت مع غيره وهو يعلم أنه يسبق ذلك الغير ويقدر على حملها على غير هذا الوجه، وإنما لم يؤكل لتفريطه؛ لأنه يلزمه أن يجعل آلة الذبح في يده أو جرابه وما أشبه ذلك مما لا يستدعي طولا في تناولها. أو بخرج؛ يعني أن الصائد إذا وضع الآلة بخرج معه أو مع غيره بحيث لا يتناولها بسرعة فمات الصيد قبل تناولها لكونه يستدعي طولا، فإنه لا يؤكل، وقوله: "أو حمل الآلة مع غير أو بخرج"، قد علمت أن محل هذا حيث لو كانت في غير ما ذكر مما يتيسر وضعها فيه ولا يتعسر تناولها منه لأدرك ذكاته، وأما لو تحقق أنه لو كانت معه بحيث يتيسر تناولها لم يدرك ذكاته

стр. 3029

فإنه يؤكل في المسألتين، والخرج بالضم: وعاء معروف، وينبغي أن يقيد عدم الأكل فيما إذا حمل الآلة مع غير بما إذا لم يكن الصائد يجهل حكم التذكية والغير يعلمها فيصير الصائد حينئذ كالعدم؛ والعبرة بمن معه الآلة، فيشترط فيه كل ما قيل في الصائد من التراخي وعدمه. قاله الخرشي. أو بات؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا بات عن صائده ثم وجده من الغد وفيه أثر كلبه أو بازه أو سهمه، ولو وجد السهم في مقاتله وقد أنفذها. قال مالك: وتلك السنة وهذا هو المشهور، ورواه ابن القاسم عن مالك، وقال أصبغ وابن عبد الحكم: يؤكل كان الصيد به سهما أو جارحا: وقال محمد: إن كان سهما ووجد في مقاتله أكل وإلا فلا، وقال ابن الماجشون: إن وجده من الغد منفوذ القاتل أكله في السهم والجارح، وإن لم يجده منفوذ القاتل لم يأكله، وحجة المشهور قول ابن عباس ﵄: (كل ما أصميت ودع ما أنميت (١))، والإصماء ما حضر موته والإنماء ما غاب عنه موته، وما ذكره أبو داوود في مراسيله قال: (جاء رجل بصيد إلى رسول الله صلى اللّى عليه وسلم، فقال: إني رميته من الليل فأعياني ووجدت سهمي فيه من الغد وعرفت سهمي، فقال: الليل خلق من خلق الله عظيم لعله أعانك عليه شيء أنفذها عنك) (٢) وقد ورد قريب من ذلك في بعض طرق حديث عدي. وفي المدونة: ولو لم يبت إلا أنه توارى عنه الجارح والصيد ورجع الرجل إلى بيته ثم عاد فأصابه لم يأكله؛ إذ لعله لو كان في الطلب ولم يفرط أدرك ذكاته قبل فوات نفسه أو قبل إنفاذ مقاتله ففرط حين رجع. قاله الشارح. أحمد بن عبد الله تاج الدين بهرام الدميري. ووال أصبغ محتجا للأكل وقد أمن عليه مما يخاف الفقهاء أن يكون موته بغير سبب السهم، قال: ولم نجد لرواية ابن القاسم هذه عن مالك ذكرا في كتاب السماع، ولا رواها عنه أحد من أصحابه، ولم نشك أن ابن القاسم وهم فيها، وكان على المص أن يشير لهذا القول لقوته بقول ابن يونس: هو الصواب ولقول ابن رشد: هو أظهر الأقوال. انظر حاشية الشيخ بناني.

стр. 3030

وقال عبد الباقي ما معناه أن قوله: "أو بات" ليس بقيد، بل المراد أنه خفي عنه ليلة أو بعضها. انتهى. وفي الخرشي: ولا مفهوم لقوله: "بات"، بل المراد أن يحجز بينه وبينه حصة من الليل، وفيه أيضا: والمراد بالبيات المدة الطويلة التي بحيث يعلم أنه لو عدا عليه شيء لأثر فيه، وفيه وفي غيره أيضا ما يفيد أنه لو رماه وغاب عنه يوما كاملا ووجده ميتا أنه يؤكل حيث لم يتراخ في اتباعه، فشرط أن لا يتراخى في اتباعه كما يدل عليه ما تقدم. انتهى. ووجه ذلك أن الهوام تظهر في الليل، فيجوز أن يكون قد أعان على قتله شيء منها بخلاف النهار. نقله الخرشي عن الفاكهاني. ونحوه للشبراخيتي. وقوله: "أو بات"، قال الخرشي: لو رأى الصائد إنفاذ السهم أو البازي مقتله قبل بياته فإنه يؤكل اتفاقا. أو صدم؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا صدمه الكلب أي لطمه فمات من صدمته، أو مات من صدمة غير الكلب من الجوارح ولم يحصل في الصيد جرح أي إدماء، وأما إن حصل من صدمته إدماء فإنه يؤكل. وبما قررت علم أن معنى الصدم تلاطم الأجسام بقوة. والله سبحانه أعلم. ومن الصدم النطح، وفي الشبراخيتي: ونطحه كصدمه. انتهى. أو عض؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا مات من عض الجارح ولم يحصل فيه جرح أي إدماء وإلا أكل. فقوله: بلا جرح راجع للمسألتين، فلو قال: كإن صدم أو عض بلا جرح لجرى على قاعدته الأكثرية من رجوع القيد لا بعد الكاف، وما مشى عليه المص في هاتين المسألتين هو المشهور، ومقابله لأشهب وابن وهب لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولا خلاف في أنه يؤكل في المسألتين إذا حصل جرح، والمعتبر جرح الصيد به، ولا يكفي شق الجلد من غير إدماء إلا في المريض. قاله عبد الباقي. وقد مر أنه إذا شق الجلد سال الدم إلا في المريض، وبذلك صرح عبد الباقي هنا. والله سبحانه أعلم. وعلم من كلام المص هذا أنه لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع أي شق لم يؤكل، وذلك يشبه ما ذبح بسكين كالَّة فيموت في الذبح قبل فري الودجين وقد مر هذا، وقد علمت أن المعتبر جرح الصيد به، فلو جرح من جريه مثلا أو من خشبة أو نحو ذلك لكان كالوقيذ.

стр. 3031

أو قصد ما وجد؛ يعني أن الصيد لا يؤكل فيما إذا أرسل الصائد سهمه أو جارحه عليه وهو غير مرئي والمكان غير محصور، وقصد الصائد ما وجد أي ما صادفه السهم أو الجارح، ولو كان المكان محصورا أكل بدليل قوله فيما مر: "أو لم ير بغار أو غيضة"، وأشار المص بقوله: "أو قصد ما وجد"، لقول ابن عبد السلام: وأما الإرسال على غير معين ولا محصور كإرساله على صيد يقوم بين يديه فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز. انتهى. وممن صرح بنفي الخلاف فيه الباجي والمازري وابن شاس. والحاصل أنه إذا أرسل على صيد لم يره لا يؤكل إلا إذا كان المكان محصورا أو كان تبعا لمعين نواه، فالأقسام ثلاثة، وقال الخرشي عن ابن غازي: قاعدة الصيد إن كان معينا أي مرئيا أي معلوما؛ أي ولو بغير الرؤية كان يسمع صوته ونحو ذلك أكِلَ كان المكان محصورا أم لا، فإن لم يكن معينا أي معلوما وكان المكان محصورا كالغار والغيضة: فثالثها (١) الفرق بينهما وإن لم يعين أي لم يعلم ولا انحصر (٢) المكان لم يؤكل باتفاق، يريد وتبع المعين كالمعين أي إذا نواه. انتهى. ثم قال: وظاهر كلامهم أن تبع المحصور أي الذي لم يعلم ليس كالمحصور. انتهى. أو أرسل ثانيا بعد مسك أول وقتل؛ يعني أن الصيد لا يؤكل فيما إذا أرسل عليه الصائد جارحا فأمسكه ثم بعد إمساك الجارح له أرسل عليه جارحا ثانيا فقتله الثاني أو قتلاه جميعا، وهاتان صورتان، وقوله: "وقتل"، عطف على "أرسل"، وضميره عائد على الثاني، ويصح أن تكون الواو للحال وصاحبها قوله: "ثانيا"، ويلزم عليه تنكير صاحب الحال. قاله الشبراخيتي. وقوله: ويصح أن تكون الواو للحال، لعله يريد الحال المقدرة والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله: "وقتل"؛ أي الثاني أنه لو كان القاتل هو الأول فلا إشكال في الإباحة. والله أعلم. ومفهوم قوله: "بعد مسك أول"، أنه لو أرسل ثانيا قبل مسك أول فأمسك الأول قبل وصول الثاني وقتل الثاني فإنه يؤكل.

стр. 3032

والحاصل أنه إذا أمسك الأول وقتل ولو بعد مجيء الثاني فإنه لا إشكال في جواز الأكل، وكذا إذا أرسل الثاني قبل مسك الأول وقتله الثاني قبل مسك الأول أو قتلاه معا؛ إذ العبرة بحال الإمساك، وأما إن أرسل الثاني بعد مسك الأول وقتله الثاني أو قتلاه معا فإنه لا يؤكل. قاله الشيخ الخرشي وغيره. اللخمي: قتل جارحي مرسل واحد أرسلهما معا كقتل جارح واحد، ولو قتله أحدهما بعد إمساك الآخر، ولو قتله الثاني بإرساله بعد إمساك الأول طرح وقبله تقدم، والرسِلان على التعاون والشركة كواحد، وعلى استقلال كل عن الآخر إن استقل جارح بقتله فلربه ولو تأخر إرساله، وإن استويا في إدراكه وقُتِلَ فبينهما، وإن حبسه أحدهما وقتله الآخر طرح وضمنه رب القاتل إن كان هو المرسل الثاني. المازري: إن جهل الثاني إرسال الأول وكان قبل إمساكه لم يضمنه لأنه جبار، وظاهر قول اللخمي يضمنه، فجعل الأول كمستحق له بسبق إرساله. انتهى. قاله الخرشي. أو اضطرب فأرسل ولم ير؛ يعني أنه إذا اضطرب الجارح أي تحرك فأرسله ربه، والحال أنه لم ير شيئا فإنه لا يؤكل ما أخذه من الصيد إذا فات أو أنفذ مقتله؛ لأنه قد يضطرب على صيد ويأخذ غيره. قاله مالك. ولمالك قول بجواز الأكل وهما على أن الغالب كالمحقق أو لا، قال في العتبية بعد قوله: لا أحب له أكله: لعله يضطرب على صيد ويأخذ غيره إلا أن يتيقن أنه إنما اضطرب على الذي أخذ، مثل أن يراه غيره ولا يراه هو قال في البيان: هذا -أي عدم الأكل- إذا نوى ما اضطرب عليه خاصة، وأما لو نواه وغيره فإنه يؤكل على معنى ما في المدونة في الذي يرسل كلبه على جماعة من الصيد وينوي إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم ير أنه يأكله فيكون ما في العتبية موافقا للمدونة، قال: ومن الناس من حمل هذه الرواية على الخلاف لما في المدونة، مثل قول أشهب: لا يصح أن ينوي في إرساله ما لم يره، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: إلا أن ينوي المضطرب وغيره فتأويلان؛ يعني أنه قد تقدم أنه إذا اضطرب الجارح فأرسله ربه والحال أنه لم ير شيئا فإنه لا يؤكل ما أخذه الجارح حينئذ، وهو ما في العتبية، وظاهره نوى المضطرب عليه وغيره أو لم ينو إلا المضطرب عليه، أما إذا لم ينو إلا

стр. 3033

المضطرب عليه فعدم الأكل ظاهر، وإن نوى المضطرب عليه وغيره فابن رشد يقول بجواز الأكل عند العتبية حملا لها على التقييد بما إذا لم ينو إلا المضطرب عليه، فيوافق ما في العتبية ما في المدونة، ومن الناس من حمل العتبية على ظاهرها فتخالف ما في المدونة فلا يؤكل عندها مطلقا، نوى الصائد المضطرب عليه وغيره أو نوى المضطرب عليه فقط، فالتأويلان ليسا على اصطلاح المصنف لأنهما ليسا على المدونة، وإنما هما على قول العتبية: لا أحب أكله، هل هو على إطلاقه فيكون خلافا لها، أو مقيد فيكون وفاقا لها؛ فالقولان والتأويلان ليسا متواردين على محل واحد، بل التأويلان في كلام العتبية: هل هو على إطلاقه فيكون موافقا للقول بعدم الجواز الذي هو أحد القولين في أصل المسألة، أو يقيد بما تقدم فيكون موافقا لما في المدونة؟ قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي الخرشي عن بعضهم: وظاهر كلام المؤلف أن التأويلين في جواز الأكل وعدمه وليس كذلك، فإن المدونة مصرحة بجواز الأكل، وإنما هما في رواية العتبية عن مالك بعدم جواز أكله، هل هي وفاق لما في المدونة أو خلاف؟ فكان ينبغي له أن يقول: إلا أن ينوي المضطرب وغيره فيؤكل، ورُوِيَّ عدم أكله، وهل خلاف أو وفاق؟ تأويلان. انتهى. وأحسن منه ما للشيخ محمد بن الحسن. والله أعلم. قوله: "المضطرب"، أصله المضطرب عليه فحُذِفَ الجارُّ توسعا فانفصل الضمير واستتر على ما فيه، نظير زيد ممرور أي به، وقيل إنه من باب الحذف للنائب؛ لأن الأول مقصور على السماع إجماعا ومع ذلك لا يدخل العُمَدَ وإنما يكون في الفضلات، على أن حذف النائب لا يجوز. ووجب نيتها؛ يعني أن الذكاة تجب فيها النية إجماعا أي قصدها، وإن لم يلاحظ حلية الأكل لعدم اشتراط ذلك، وعبارة الأمير: ووجب نيتها؛ أي قصد التذكية، وتكفي الحكمية ولا يشترط أن ينوي أنه يحللها بذلك، خلافا لما في الخرشي، والمحترز عنه أن ينوي مطلق ضرب أو قتل فيصادف الذكاة، ولا بد من النية ولو من كافر، والذي يشترط فيه الإسلام نية التقرب كالهدايا والضحايا، فمن ثم إن ذبحها كافر كانت ذبيحة أكل فقط، ولا يعول على ما لعلي الأجهوري ومن تبعه. انتهى؛ يعني ماله من عدم اشتراط النية في الكتابي كما في حاشية الأمير، وقوله:

стр. 3034

وتكفي الحكمية، معناه أنه إذا قصد قطع الحلقوم والودجين ذاهلا عن التحليل كان ذلك كافيا؛ لأنه قصد الذكاة الشرعية فهو ناو للتحليل حكما، وقوله: "نيتها"؛ أي الذكاة بأنواعها الأربعة: ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحو الجراد، وقوله: "ووجب نيتها"؛ أي وجوبا مطلقا أي غير مقيد بذكر ولا قدرة، فلو تركت عمدا تهاونا أم لا أو جهلا بالحكم أو نسيانا أو تأويلا أو رمى سهما غير قاصد صيدا فأصاب صيدا أو ضرب بقرة بسيف أو سكين لا يريد الذكاة فوافق المذبح لم يؤكل، وكذا لو رمى حجرا فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل لفقد النية كما مر. وفي حاشية الشيخ الأمير أن المسلم إذا شك في التحليل ارتد، وإن نفاه عمدا عن قصده فمتلاعب، وكلاهما لا تؤكل ذبيحته. انتهى. وتسمية؛ يعني أن التسمية تجب في أنواع الذكاة الأربعة: الذبح والنحر والعقر وما يموت به نحو الجراد، فتجب عند التذكية في الذبح والنحر، وعند الإرسال في العقر. الباجي: لو سمى حين الرمي ثم قدر عليه سمى لذكاته أيضا، ولم أر فيه نصا. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. إن ذكر، قيد في التسمية لما في النية كما عرفت؛ يعني أن التسمية إنما تجب مع المذكر فلا تجب على ناس، فلو تركت نسيانا لم يؤثر ذلك في حلية الأكل، وكذا يشترط في وجوبها أيضا القدرة على النطق بها، فعلم من هذا أنها يسقط وجوبها مع العجز والنسيان، فلا تجب على ناس ولا على مكره ولا أخرس ولا قادر عليها بغير العرببة فيما يظهر قاله الشيخ عبد الباقي. ومحل اشتراط التسمية إن كان المذكي مسلما، وإلا لم تشترط بإجماع، وأما النية فلابد منها في الكتابي كالمسلم؛ لأن الواجب نية التمييز لا نية التقرب، ومعنى نية التمييز أن ينوي بهذا الفعل تذكيتها لا قتلها وهذا متأت من الكتابي، وأما نية القربة فلا تكون من الكتابي لفقد شرطها الذي هو الإيمان، والمراد بالتسمية ذكر الله خلاف ما كان عليه الجاهلية يسمون غير الله، وليس المراد بها خصوص بسم الله، فلو قال: بسم الله فقط أو الله أكبر فقط أو لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أو لا إله إلا الله أو سبحان الله من غير تسمية أجزأه، ولكن ما مضى عليه الناس أحسن، وهو بسم الله والله أكبر، ولو قال: بسم الله فقط أجزأه، أما ذكر الرحمن فلا يليق بحال القتل،

стр. 3035

فلذلك لم ينقل ولم يفعل ولو فعل أجزأ، وعبارة الأمير: ووجب نيتها، وذكر الله إن ذكر وقدر. انتهى. وذهب الإمام الشافعي إلى أن ما ذبحه مسلم ولم يسم عليه عمدا أو نسيانا حلال، وعن مالك أنها تؤكل إن تركت عمدا، وفي شرح الإمام الحطاب: أن من ترك التسمية متهاونا لا تؤكل ذبيحته باتفاق: وإن تركها متعمدا أو جاهلا لم تؤكل على المشهور، وقوله: "وتسمية إن ذكر"، هذه المسألة لها نظائر سبعة: إزالة النجاسة، والنضح، والوالاة في الوضوء والغسل، وترتيب قضاء الصلاة، وكفارة قضاء الصوم في رمضان، وطواف القدوم، وقضاء التطوع من صلاة وصوم واعتكاف، بمعنى أنه إن قطع التطوع من ذلك عمدا لزمه القضاء وإلا فلا. واعلم أن التكبير مع التسمية سنة الذبيحة، ومن أمر عبده بالذبح وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثا، فقال العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد جاز أن يصدقه ويأكل ما ذبحه، إلا أن يتركه تنزها، وإن ذبح الهدي وذكر اسم الله وكبر ودعا بأن يتقبل الله منه فحسن، وإن اقتصر على التسمية حصلت الذكاة. وفي العارضة: التكبير مخصوص بالهدايا، لقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وصفة التسمية أن تقول: بسم الله أو باسمك اللهم والأول أفضل. انتهى. ومن استأجر رجلا يذبح له ويسمعه التسمية فذبح ولم يسمعه، وقال: قد سميت، فقيل: لا شيء له من الأجرة ولا يغرم الذبيحة، وقيل: يغرمه الذبيحة، وقيل: له الأجرة ولا ضمان عليه؛ لأنه لا يظن بمسلم تركها عمدا فهو صادق أو ناس، والقول الأول لبعض شيوخ عبد الحق، والثاني لبعض شيوخه أيضا، والثالث لأبي عمران، وقال القرافي متمما كلام عبد الحق: إلا أن تكون الشاة للبيع فينقصها ذلك من جهة تورع الناش فله ما نقص، وقال ابن عبد السلام بعد حكاية الأقوال: والأقرب عندي أنه لا يستحق الأجر كاملا. انتهى. قاله الحطاب. وفي الخرشي: من ترك التسمية عامدا ابتداء ثم قبل أن يقطع تمام الحلقوم والودجين وبعد قطع البعض سمى فينبغي الإجزاء، ولو كان الترك ابتداء نسيانا ثم ذكرها بعد ما قطع بعض الحلقوم والودجين فإنه يأتي بها وجوبا، فإن تركها بعد المذكر عامدا كان كالتارك لها ابتداء عمدا، ولو

стр. 3036

دخل رجل سارق فذبح الشاة ووجدها ربها مذبوحة، فإن كان في البلد المجوس مع المسلمين وأهل الكتاب لم تؤكل مخافة أن يكون الذابح المجوس. ابن رشد: وليس تركها بلازم، وإنما ذلك ورع، ولو قال المؤلف: كتسمية إن ذكر لجرى على عادته من رجوع الشرط لما بعد الكاف، وكره ابن القاسم الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح والعطاس، قال في الواضحة: فلا يقول: بسم الله والله أكبر محمد رسول الله، ولما في العطاس: الحمد لله محمد رسول الله، ويزاد على الوضعين عند الجماع والعثرة والتعجب، وعند إشهار السلع للبيع وقضاء الحاجة والحمام والأكل ومواضع الأقذار، وزاد بعضهم: آخر المكتوب، ولعل مراده كتبها في آخره فقط، وأما فيه وفي أوله فلا كراهة، وليس منها فعلها في التشهد الأول، وقد توهمه بعضهم لكنه ضعيف، والمعتمد أنه ليس منها. انتهى. كلام الخرشي بزيادة من كلام الشبراخيتي قليلة. وفي البيان: وليست التسمية بشرط في صحة الذكاة؛ لأن معنى قول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي كلوا مما قصد إلى ذكاته، فكنى عن التذكية بذكره، كما كنى عن رمي الجمار بذكره حيث يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ونحر إبل؛ يعني أن الإبل يجب نحرها عند الاختيار، فلو ذبحت من غير ضرورة ولو نسيانا لم تؤكل، وقد اختلف في ذلك، ولا خلاف أن المطلوب في الإبل النحر، ويجب نحر الفيل لأن ذبحه لا يمكن للتصاق رأسه ببدنه ولغلظ موضع الذبح منه وله منحر، فوجب أن تكون ذكاته النحر وهذا هو الأصح، خلافا لما نقله الشيخ زروق عن الباجي من جواز الأمرين فيه، ويجب نحر الزرافة كما لأبي الحسن، عبد الوهاب وهو مذهب الشافعي، خلافا لقول بعض شيوخ أحمد الزرقاني: تذبح. وذبح غيره؛ يعني أن ما سوى الإبل يجب ذبحه من غنم وطير ولو نعامة، فإن نحر شيء من ذلك اختيارا ولو ساهيا لم يؤكل وفي الرسالة: والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف في

стр. 3037

ذلك. إن قدر؛ يعني أن النحر فيما ينحر والذبح فيما يذبح محل وجوبهما إنما هو مع القدرة، وأما مع الضرورة فيجوز الأمران؛ أي يجوز الذبح فيما ينحر والنحر فيما يذبح، وإلى هذا أشار بقوله: وجاز بالإفراد؛ أي ما ذكر من نحر وذبح، وفي نسخة بألف التثنية أي الذبح والنحر، وكلاهما صحيحة: أما الثانية فظاهرة وكذا الأولى باعتبار ما ذكر. لأجل الضرورة؛ أي يجوز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر لأجل الضرورة، وإذا نحر ما يذبح فليكن النحر في اللبة لما في غيرها، والضرورة كوقوع في مهواة وعدم آلة ذبح أو نحر أو جهل صفة لا نسيانها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: أو جهل صفة الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الظاهر أنه لا فرق بين جهل الصفة ونسيانها، وذكر عن التوضيح ما نصه: نص مالك على أنه لو نحر ما يذبح أو بالعكس ناسيا لا يعذر، ونقل عن البيان ما نصه: وقد قيل إن الجهل في ذلك ضرورة. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عن الشامل ما نصه: ولا يعذر بنسيان وفي الجاهل قولان. انتهى. أي من غير ترجيح، ولعل المراد بالجهل عدم معرفة الذبح فيما يذبح والنحر فيما ينحر لا جهل الحكم، فإنه لا يعذر بد اتفاقا، وإنما عذر بالجهل على الوجه المذكور؛ لأنه بمنزلة فقد آلة الذبح فيما يذبح والنحر فيما ينحر، بخلاف النسيان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: مثله يقال في نسيان الصفة، فلا يصح الفرق بينهما. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: وجاز للضرورة كمهواة وعدم آلة لا نسيان وجهل حكم، وفي جهل الكيفية قولان. انتهى. إلا البقر؛ مستثنى من قوله: "وذبح غيره"؛ يعني أن محل وجوب الذبح في غير إبل إنما هو فيما سوى البقر، وأما البقر فإنه يندب فيه الذبح وليس بواجب. وإنما ندب الذبح في البقر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: مع دليل آخر دل على عدم وجوب الذبح فيه، ففي صحيح البخاري في كتاب الذبائح ما يفيد أن البقر تذبح وتنحر. ابن عبد السلام: روي أنه ﷺ نحر عن أزواجه البقر، وروي: ذبح عن أزواجه البقر، ومن البقر الجاموس وبقر الوحش حيث قدر عليه، والخيل على القول بحلها يجوز فيها الأمران ويندب الذبح كالبقر، وكذا البغال والحمير الإنسية على القول بكراهتها.

стр. 3038

قال الشيخ عبد الباقي: وانظر ما يشبه البقر من حمار الوحش ونحوه. انتهى. قوله: وانظر ما يشبه البقر لخ؛ يعني هل يجوز فيه الأمران أو لا يجوز فيه إلا الذبح؛ وأما كونه يذبح فلا إشكال فيه، فليس للتنظير فيه محل. والله أعلم. وجزم الشيخ الأمير بأن حمر الوحش ونحوها مثل البقر، ونصه: ومثلها؛ يعني البقر الحمر الوحشية ونحوها. انتهى. وشبه المص في المندوب مسائل، فقال: كالحديد؛ يعني أن الذكاة بجميع أنواعها يندب أن تكون بالحديد، وقد يتعين إذا لم يوجد إلا هو مع الظفر والسن كما يأتي، وإحداده: يعني أنه يستحب أن تكون الآلة التي يذكى بها محددة أي مسنونة أي سريعة القطع، لخبر: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (١)). أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي، نقله الشارح. وفي الدارقطني عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ (أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم (٢))، وإنما ندب الإحداد لأن ذلك أخف على الذبيحة وأسرع في إزهاق النفس، ولهذا اشترط ابن القصار في صحة ما يذكى به أن يَفْرِيَ الأوداج والحلقوم في مرة واحدة، فإن فرف ذلك في دفعات فلا يجوز كان حديدا أو غيره. وسمع القرينان: قال مالك: مر عمر بن الخطاب ﵁ على رجل قد أضجع شاة وهو يحد شفرته فعلاه بالدرة، وقال له: علام تعذب الروح ألا حددت شفرتك قبل؟ وقوله: "كالحديد"، علم منه أنه لو ذكى بغير الحديد لأبيح الأكل بذلك، ففيها: ومن احتاج إلى أن يذبح بمروة أو عود أو حجر أو عظم أو غيره أجزأه، ولو ذبح بذلك ومعه سكين فإنها تؤكل إذا فرى الأوداج. وقيام إبل؛ يعني أنه يستحب في نحر الإبل أن تنحر وهي قائمة؛ لأنه أمكن للمذكي مما إذا كانت باركة ويريد معقولة ليلا تنفر فلا يستطيع ردها. قاله الش. وعبارة الشبراخيتي: وندب قيام إبل عند نحرها مقيدة أو معقولة على ما تقدم في الهدي؛ لأنه أمكن للمذكي من كونها باركة. انتهى. وعبارة الخرشي: يعني أنه يستحب أن ينحر الإبل قائمة مقيدة أو معقولة اليد

стр. 3039

اليسرى كما قال ابن الحاجب ومن وافقه، وناقشه ابن عرفة في ذلك بأن نحرها معقولة إنما هو عند تعذر نحرها قائمة مقيدة. انتهى. ثم قال: وانظر هل يطلب قيام غيرها مما يتعين نحره أو مما يجوز حيث قصد نحره أم لا؟ انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: وقيام المنحور ولو غير إبل على الظاهر مقيدا، فإن عجز فمعقول اليد اليسرى. وضجع ذبح على الأيسر؛ يعني أنه يستحب أن يضجع الذبح بالكسر أي المذبوح على شقه الأيسر؛ لأنه أعون للذابح، وكره مالك ذبحها على الأيمن ويضجعها الأعسر على الأيمن، فإن كان أضبط جاز الوجهان لكن ينبغي التيامن. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الأمير: وضجع المذبوح على الأيسر إلا الأعسر فالأيمن. انتهى. ففيه ما يفيد أنه يندب للأضبط أن يضجع الذبح على الأيسر. والله أعلم. وكره ابن حبيب للأعسر أن يذبح، فإن فعل واستمكن أكلت، وذكر في الشامل كراهة ذبح طير ودجاج قائما، سمع القرينان، فاعله غير مستقيم وهو استخفاف لا يفعله مفلح ويؤكل. قاله الشبراخيتي. ونحوه للحطاب عن البيان عن مالك، وقوله: "وضجع"، بفتح الضاد، وما في التتائي غير صواب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. تنبيه: قال ابن عرفة في كراهة أكل البقر تعرقب عند الذبح ثم تذبح: نقل ابن زرقون عن فضل رواية ابن القاسم، وقوله: لا يعجبني قول مالك لا بأس بأكلها. قاله الحطاب. وقوله: "وضجع ذبح على الأيسر"، يشمل ما ينحر إن ذبح للضرورة. قاله الشبراخيتي وغيره. وتوجهه؛ يعني أنه يندب في المذكى منحورا أو مذبوحا -كما نص عليه الشيخ الأمير وغيره- أن يكون عند التذكية متوجه القبلة، وعبارة الشيخ عبد الباقي: وتوجهه أي ما يذكى للقبلة مشرف الرأس بالفاء. انتهى. ابن المواز: ومن السنة أخذ الشاة برفق، وتضجع على شقها الأيسر إلى القبلة، ورأسها مشرف، وتأخذ بيدك اليسرى جلد حلقها من اللحي الأسفل بالصوف وغيره، فتمده حتى تبين البشرة، وتضع السكين في المذبح لتكون الخرزة في الرأس، ثم تسمي الله تعالى وتمر السكين مرا مجهزا من غير ترديد: ثم ترفع ولا تنخع ولا تضرب بها الأرض، ولا تجعل رجلك على عنقها، واعترضه

стр. 3040

الشيخ في نسبة الأخير إلى السنة، لما في مسلم (أنه ﵊ لما ضحى بكبشين وضع رجله على صفاحهما (١)). قاله الشارح. وإنما كان التوجه على جهة الندب لعدم دلالة المنصوص على الأمر به، بخلاف التسمية. ولما كانت الذبيحة لابد لها من جهة اختيرت جهة القبلة لأنها أفضل الجهات، والفرق بينه وبين الاستقبال للبول وإن كان نجسا، أن الدم أخف تنجسا لأكل قليله؛ يعني دم العروق، وللعفو عن يسيره، وأن الذبائح في جنسها (٢) قربات، بخلاف البول، وأيضا البول ينضاف إليه كشف العورة. قاله في الذخيرة. قاله الحطاب. وفي الشبراخيتي: وندب توجهه أي الذبح للقبلة ورأسه مشرف (٣)، وهو جار في الذبح والنحر، وفيه وفي غيره ما نصه: وظاهر كلامه أن المطلوب توجه الجميع لا محل الذبح خاصة، ويفهم من توجه الذبيحة توجه الذابح لها. انتهى. وإيضاح المحل؛ يعني أنه يندب في الذبح أن يوضح أي يظهر المحل الذي يذبح فيه بنتف أو غيره حتى يتبين من البشرة موضع الشفرة، وانظر هل يجري مثل ذلك في النحر أم لا؟ قاله غير واحد. وفري ودجَيْ صيد أنفذ مقتله، نحوه في المدونة؛ يعني أنه يندب لمن أدرك الصيد منفوذ المقاتل بالسلاح أو الجوارح وهو حي أن يذكيه لأجل إراحته، فإن تركه حتى مات أكله وخالف المندوب، ومعنى فري قطع، يقال: فراه يفريه فريا قطعه وعبر بفري ودجي لأن من لازم فريهما قطع الحلقوم لبروزه عنهما فلا حاجة لقول بعض الشيوخ لو قال وذكاة صيد أنفذ مقتله لكان أشمل. وعبارة الشيخ الأمير: وذكاة صيد أدرك منفوذ القاتل تسهيلا عليه انتهى وفي الشارح وإنما استحسن ذلك إراحة للصيد ليحصل بذلك إزهاق روحه بسرعة ولهذا قال ابن القاسم إن الحيوان

стр. 3041

الذي لا يوكل إذا بلغ حد الإياس يجوز ذبحه إراحة له وقيل بل يعقر ليلا يكون ذبحه موهما للعوام إباحة أكله وقال ابن وهب يترك حتى يموت انتهى. ولما قدم أن الآلة من الحديد مندوبة مع إجزاء غيرها مع الإساءة مع وجود غيره، وكان في بعض أفراد ذلك الغير خلاف، بينه بقوله: في جواز الذبح بالعظم والسن؛ المراد بالعظم هنا نفيا أو إثباتا الظفر، بدليل قوله: "أو انفصلا"، ولو عبر به لكان أحسن، ويوجد كذلك في بعض النسخ وهو الصواب؛ لأن الخلاف إنما هو في السن والظفر كما في التوضيح، قاله الشبراخيتي. ومعنى كلام المص أنه اختلف في جواز الذبح بالظفر والسن على أربعة أقوال: الأول يجوز الذبح بهما مطلقا اتصلا أو انفصلا. رواه ابن وهب عن مالك في المبسوط واختاره ابن القصار. الثاني: إنما يجوز الذبح بهما إن انفصلا لا إن اتصلا لأنه نهش وخنق، حكاه ابن حبيب عن مالك، واختاره صاحب البيان، قال: وهو الصحيح، وإلى هذا الثاني أشار بقوله: أو الجواز بهما محله إن انفصلا لا إن اتصلا؛ لأنه بالسن نهش وبالظفر خنق وهو ما ورد النهي عنه من فعل الحبشة. الثالث: إنما يجوز الذبح بالعظم أي الظفر اتصل أو انفصل لا بالسن اتصلت أو انفصلت فلا يجوز، وعدم الجواز ظاهر في التحريم لكن المنقول الكراهة، وهذا القول الثالث مروي عن مالك، قال في الإكمال: وهو المشهور، وإلى هذا الثالث أشار بقوله: أو الجواز بالعظم أي الظفر كما عرفت. الرابع: أنه يمنع الذبح بهما مطلقا متصلين أو منفصلين. رواه ابن المواز عن مالك. ابن القصار: وهو حقيقة مذهب مالك، وقال الباجي: هو الصحيح. وإلى هذا الرابع أشار بقوله: ومنعهما أي منع الذبح بهما فلا يؤكل ما ذبح بهما، وفي المواق ما يقتضي الكراهة قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر في تقرير قوله: "أو بالعظم" أن عدم الجواز ظاهر في التحريم، لكن المنقول الكراهة، وقد علمت أن هذه الأقوال الأربعة لمالك. وقوله: خلاف، مبتدأ، وخبره: "في جواز الذبح"، ومحل الخلاف المذكور إن لم يوجد الحديد وإلا تعين الذبح به، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن محل الخلاف إن وجدت معهما آلة غير الحديد، فإن وجد الحديد تعين الذبح به، وإن لم توجد آلة غيرهما تعين الذبح بهما. انتهى.

стр. 3042

قال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر من ذكر هذا التفصيل، وانظر من أين أتى به، والذي يوجد من المدونة وغيرها أن محله حيث لم يوجد الحديد. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: والراجح كراهة الذبح بالعظم والسن وإن منفصلين وإن وجد غيرهما، ومحمل الحديث الشريف على التأديب وبيان الأكمل. انتهى. والحديث الذي أشار إليه -والله أعلم- هو ما في الصحيحين: عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله: إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مُدًى أفنذبح بالعظم؟ فقال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلكَ، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة (١)). انتهى. وإنما سألوه ومعهم السيوف صيانة لها، لا لأنها لا يذبح بها. قاله في الإكمال. وحرم اصطياد مأكول؛ يعني أن الحيوان الذي يباح أكل لحمه يحرم اصطياده بلا نية ذكاة، بل بلا نية أو بنية قتله، وشمل كلاهه بحسب ظاهره الجراد، ويدل له نهيه ﷺ عن قتل الجراد (٢))، ونص الأمير: وحرم اصطياد مأكول بغير ذكاة وتعليم. انتهى. قال في تقييده: كالحمام الذي يرسل بالكاتيب والدرة تخبرك بما وقع، وفي الحطاب اغتفار اللعب اليسير، لحديث أبي عمير (٣)). انتهى. لا بنية الذكاة؛ أي أن محل المنع إذا لم يكن الاصطياد بنية الذكاة كما قررت، وأما اصطياده بنية الذكاة فلا يحرم، وأما اصطياده بنية حبسه بقفص فحاصل ما في الحطاب أنه لا نص فيه، وأن أبا مهدي قال: إن في كتاب اللقطة من المدونة ما يوهم جوازه، لقولها: إذا حل رجل قفص طائر ضمن، ونقل عن بعضهم أنه أخذ جوازه من حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير (٤))، قال ابن ناجي: فقلت ليس كذلك ليسر اللعب؛ لأنه لابد من تخصيصه بذلك، وهنا يبقى السنين المتطاولة فهو تعذيب له فهو أشد فاستحسنه، وذكر أن الشيوخ قيدوا الحديث بعدم التعذيب. انتهى.

стр. 3043

وقال البرزلي: ولم يمنع الأطفال من اللعب بالحيوان إذا وقع لبسط نفوسهم وفرحتهم، لقوله ﵊: (ما فعل النغير يا أبا عمير (١))، وإنما يمنع ما كان عبثا لغير منفعة ولا وجه مصلحة. انتهى. فظاهر هذا أن اللعب اليسير مباح فيكون الصيد له مباحا. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب. وأبو عمير هذا ابن أبي طلحة وأمه أم سليم، والنغير قال في القاموس: والنغر كصرد: البلبل وفراخ العصافير، وضرب من الحُمَّر أو ذكورها، جمعه نغران وبتصغيرها جاء الحديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير (٢)). انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي حرمة الاصطياد لحبسه بقفص ولو لذكر الله، ونظر في الشراء لذلك، وذكر أنه يحرم عتق ما اشتري أو اصطيد لذلك، قال: لأنه من السائبة المحرمة بالقرآن والإجماع. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: ولا فرق بينهما فتنظيره في الشراء غير ظاهر، وكذا قال في العتق: إن تحريمه فيه نظر، وقال: إن ظاهر كلامهم الجواز، وصرح به ابن عرفة، وما في القرآن العزيز وقع في الأنعام، وأما الصيد فيحتاج إلى نص. وتحصل مما مر أن حبس البازي أو غيره لتعليمه الاصطياد به جائز، وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: ومثل نية ذكاته نية قنيته لمنفعة شرعية، كتعليمه لذهاب إلى بلد بكتاب يعلق بجناحه أو لينبه على ما يقع في البيت من مفسدة، فلو قال: إلا لغرض شرعي لأفاد ذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: أما حبسه لتعليمه الاصطياد به فجائز، وأما لتعليمه تبليغ الكتاب من بلد إلى بلد كما ذكره الزرقاني فيحتاج في جوازه إلى نص، على تسليم أن ذلك ممكن. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وانظر في الغراب الذي يقول: الله حق ويتمعش منه صاحبه عندنا بمصر، هل هذه منفعة شرعية أم لا؟ وهو الظاهر لإمكان التمعش بغير فيمتنع حبسه لذلك. انتهى. واعلم أن الصيد تعتريه الأحكام الخمسة: يحرم إن ضيع صلاة وقتية، ووجب لإحياء نفس الصائد أو غيره كأن لا يمكنه قوته وقوت عياله إلا بثمنه، وكره للهو عند الإمام مالك، ويباح عند

стр. 3044

ابن عبد الحكم، وكره أيضا صيد خنثى وفاسق، وندب لتوسعة معتادة على نفسه أو على عيال وسد خلة غير واجبة وكف وجه، وصدقة، وأبيح لتوسعة غير معتادة على نفسه أو عياله أو لشهوة مباحة، كأكل تفاح ونكاح منعمة بتزوج أو شراء وقصد اكتساب مال وتمعش به اختيارا أو انتفاع بثمنه، وهو من حيث ذاته جائز إجماعا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: بتزوج أو شراء، يرجع لشهوة مباحة، وقوله: كأكل تفاح، مثال للشراء، وقوله: ونكاح منعمة مثال لتزوج. والله سبحانه أعلم. ابن المواز: وكره النخعي أن يعطى الصيد للصبي يلعب به. قاله الحطاب. إلا بكخنزير؛ يعني أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، وقال الشيخ الأمير: وحرم صيد المحَرَّم كخنزير لغير قتل، ونص الشارح عند قوله "إلا بكخنزير": يعني أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، نص على ذلك اللخمي. انتهى. وأدخلت الكاف أيضا الفواسق التي أذن الشرع في قتلها، والاستثناء منقطع كما يفهم مما قررت، أو متصل ويحمل على ما إذا صيد الخنزير بنية ذكاته لمضطر، فإنه تستحب ذكاته، صرح بذلك اللخمي والمازري، وليس اصطياد الخنزير بنية قتله من الفساد، لقول النبي ﷺ : (لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير (١)) والباء في قوله: "بكخنزير"، للملابسة، أو ظرفية داخلة على محذوف؛ أي إلا أن يكون الاصطياد واقعا في حيوان لا يؤكل كخنزير فيجوز اصطياده بنية قتله فقط، قوله: "إلا بكخنزير"، على هذا مذهب مالك أنه يجوز قتله ابتداء، إلا أن يصيب إنسانا حاجة إليه تبيح أكله فيستحب له أن ينوي الذكاة. قاله أبو بكر الوقار. نقله الش. والقرد على القول بعدم جواز أكله كالخنزير يجوز اصطياده بنية قتله فقط كما في الشبراخيتي، قال: وكل ما قيل بعدم جواز أكله داخل في مفهوم مأكول. انتهى. وقد تقدم أن الكاف في قوله: "بكخنزير"، أدخلت الفواسق التي أذن الشرع في قتلها، وقد تقدمت في قوله في الحج: "إلا الفأرة والحية" لخ، فهي تقتل لإذايتها وإن كانت لا يمنع أكلها،

стр. 3045

وإنما احتيج لإدخالها ليلا يتوهم من قوله: "وحرم اصطياد" لخ، أنها لا تقتل إلا بنية الذكاة، وقد تقدم عن الش عن اللخمي أنه تستحب ذكاة الخنزير للمضطر، وكذا نقل عنه ابن عرفة، واعترض بأن الذي يفيده الوقار وجوب ذكاته لا استحبابها، ونص مختصر الوقار: وإذا أصاب المضطر ميتة أو خنزيرا أكل ما أحب، فإن أحب أكل الخنزير لم يأكله إلا ذكيا. انتهى. فظاهره تحتم الذكاة لكن الاستحباب صرح به اللخمي والمازري. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. كذكاة ما لا يؤكل؛ يعني أن الحيوان الذي لا يؤكل وليس آدميا إذا أيس منه تجوز تذكيته، بمعنى أنه يذبح إراحة له لا بمعناها الشرعي لأنه غير مأكول، وقوله: إن أيس منه؛ أي قنط منه حقيقة كمرض أو عمى أو حكما كمضيعة لا علف فيها ولا يرجى أخذ أحد له، وكذا بعير عجز في السفر ولا ينتفع بلحمه فينحره إلا أن يخاف على من يأكله ممن يمر عليه بعد نحره، وقوله: "كذكاة ما لا يؤكل"، وقيل: لا يذكى بل يعقر ليلا يتوهم إباحة أكله، وقال ابن وهب: يترك حتى يموت ولو تركها فعلفها غيره ثم وجدها، قال مالك: هو أحق بها ويدفع ما أنفق عليها، وقيل: هي للقائم بها لإعراض المالك عنها، وقال البرزلي: ما وقف في بلاد العدو من الخيل والحيوان فإنها تعرقب وإن خيف أكلها أحرقت. انتهى. وأما الآدمي فلا يجوز ذلك فيه لحرمته وشرفه. وكره ذبح بدور حفرة؛ يعني أنه يكره أن يجتمع الذابحون على الحفرة يدورون بها فيذبحون حولها تسيل فيها الدماء لما فيه من عدم التوجه إلى القبلة، وللنهي عن شاة تذبح وأخرى تنظر، والمكروه الاجتماع في الذبح من جميع جهاتها لا مطلق الذبح؛ لأن مستقبل القبلة منها لا يكره له الذبح أي يكره ذبح بدور خارج عن ناحية القبلة، وأما مستقبل القبلة منها فلا يكره، فعلم من هذا أن عدم الاستقبال علة مستقلة، وأما ذبح شاة وأخرى تنظر فقيل خفيف، نقله ابن رشد عن مالك. واحتج له بنحر البدن مصطفة، وقيل: مكروه وهو لابن حبيب، وقال: ذلك سنة في البدن. انتهى. وتؤكل الذبائح المفعول بها ذلك سواء كانوا عامدين أو جاهلين على المشهور، كما حمل عليه أكثر الشيوخ كلام الإمام، وقال ابن حبيب: إنما حمل الإمام أمر الجزارين الذين يدورون

стр. 3046

بالحفرة على الجهل منهم لخطإ ما فعلوه، وقد قال فيمن ترك توجيه الذبيحة إلى القبلة عامدا من غير جهل ولا نسيان: لا تؤكل. وسلخ أو قطع قبل الموت يعني أنه يكره أن يحدث في المذكى سلخ أو قطع شيء منه قبل موته، فإن فعل أساء وتؤكل مع ما قطع منها، وإنما كره ذلك؛ لأن النهي قد جاء في ذلك عن النبي ﷺ (١))، فتترك حتى تبرد أي تموت؛ لأنه ﷺ فعله ومضى عليه العمل، ومثل القطع الحرق، إلا السمك فيجوز إلقاؤه في النار حيا عند ابن القاسم، وكذا يجوز قطعه وإلقاؤه في القدر حيا، ووجه الإباحة أن الحوت لما كان لا يحتاج إلى تذكية، وكان للرجل أن يقتله بأي نوع شاء من أنواع القتل في الماء وأن يقطعه فيه إن شاء، كان له أن يفعل ذلك بعد خروجه من الماء، وقيل بكراهة ذلك، ووجه الكراهة أن الحوت مذكى بالصيد، فالحياة التي تبقى فيه بعد صيده تشبه الحياة التي تبقى في الذبيحة بعد ذبحها، فيكره في كل واحد منهما ما يكره في الآخر، وفي الشيخ سالم: وتكره عرقبة البقر ثم تذبح، وفي الحطاب: وفي كراهة أكل البقر تعرقب عند الذبح ثم تذبح وجوازه خلاف، وخفف للمنهوش أن يشق جوف الشاة بعد ذبحها قبل أن تزهق نفسها ليدخلها رجله لضرورة التداوي. كقول مضح: اللهم منك وإليك؛ يعني أن المضحي يكره له أن يقول عند ذكاة أضحيته: اللهم منك وإليك، وقاله في المدونة، وقال هذه بدعة. ابن حبيب: إن شاء قال ذلك وإن شاء ترك، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول في الأضحية: اللهم هذه منك وبك وإليك أي: منك الرزق أي من فضلك ونعمتك لا من حولي ولا من قوتي، وبك الهدى وإليك التقرب بها لا إلى من سواك ولا رياء ولا سمعة. ابن رشد: إنما الكراهة في حق من يرى أن ذلك من لوازم التسمية، وأما على غير هذا الوجه فلا يكره. ابن حبيب: ولابد من قوله مع التسمية: اللهم تقبل مني، وفي المدونة: خيره في ذلك ابن المواز، وأحب إلى أن يقول: اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، قال في المدونة: وليس موضع صلاة على النبي ﷺ ولا يذكر هنا إلا الله . قاله الشارح. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قوله: "اللهم منك وإليك":

стр. 3047

وهذا إذا قاله على أنه سنة، فإن قصد به مجرد الدعاء لم يكره وقائله مأجور إن شاء الله. قاله ابن رشد. وهو الظاهر، واقتصر عليه الش ولا وجه لجعله مقابل إطلاق المص كما في التتائي. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وقول مضح: اللهم منك وإليك إن رآه متأكدا وإلا فلا بأس به. وتعمد إبانة رأس؛ يعني أنه يكره للذابح أن يتعمد في ذبحه قطع الرأس لما فيه من التعذيب، وظاهره أن مجرد تعمد الإبانة مكروه وإن لم يحصل وهو خلاف ما في المدونة، فلو قال: وإبانة رأس عمدا، لمسلم من هذا. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وأفهم قوله: "وتعمد" أن الناسي والجاهل بخلافه. ابن عرفة: ولو أبان رأسها بذبحها جهلا أكلت اتفاقا. انتهى. ابن القاسم وأصبغ: ولو قصد ذلك ابتداء أكلت لنخعه إياها بعد تمام الذكاة، وقال مطرف وابن الماجشون: لا تؤكل، وفي المدونة: من ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك؛ وتأول بعض الأشياخ كلام الإمام في المدونة على وفاق قول ابن القاسم، فجعل مفهوم قول الإمام: إن لم يتعمد ذلك معطلا، ومنهم من تأولها على الخلاف، وإلى ذلك أشار بقوله وتؤلت أيضًا على عدم الأكل إن قصده أولا؛ يعني أنه كما تؤولت المدونة أي كلام الإمام فيها -على الأكل مع تعمد الإبانة-؛ أي وحصل ما قصد فيوافق ما لابن القاسم تؤولت أيضا أي كلامه فيها على عدم الأكل، فيخالف ما لابن القاسم وأصبغ، ويوافق ما لمطرف وابن الماجشون وهو الظاهر، وحكي عن أبي محمد صالح الوفاق من وجه آخر، فقال: لعل ابن القاسم يريد أنه تعمد قطع رأسها بعد الذكاة ولم يقصد ذلك من أول، قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: فهذه ثلاث تأويلات والأخيران بالوفاق، وحاصلهما هل يرد كلام لمالك لابن القاسم فتؤكل مطلقا، أو يعكس فيفصل بين أن يتعمد أولا أو في الأثناء، والمص يحتمل أن يكون قصد الأخيرين منها أو الأولين؛ انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أن الراجح هو الأكل وإن قصد الإبانة ابتداء كما نص عليه غير واحد. ودون نصف أبين ميتة؛ يعني أن السلاح أو الحيوان المعلم إذا قطع عضوا من الصيد من يد أو رجل أو فخذ أو جناح أو غيرها مما لم يبلغ النصف ولم يبلغ مقتلا فأبانه ولو حكما، بأن تعلق

стр. 3048

بجلد أو يسير لحم بحيث لا يلتحم ولا يعود لهيئته، فإن ذلك المبان ميتة أي لا يحل أكله، وحكمه حكم الميتة، فإن علم أنه يعود لهيئته أكل جميعه كما لو حصل بالدون إنفاذ مقتل، ولهذا قال: إلا الرأس؛ يعني أن الذي أبين أي قطع من الصيد وهو دون نصف؛ إذا كان هو الرأس يؤكل لأنه مقتل، وكذا نصف الرأس فيؤكل المبان وغيره، ولو كان المبان النصف فلا إشكال في أكل النصفين، وما أبين من غير الصيد قبل الذكاة ميتة. والحاصل أن ما أبين قبل الذكاة ميتة، فذكاة الصيد بموته أو إنفاذ مقتله، وذكاة غيره بذبحه أو نحره أو ما يموت به نحو الجراد، فما بأن قبل التذكية فهو ميتة. ولله عبارة الأمير ما أحسنها حيث يقول: وما أبين قبل الذكاة ميتة. انتهى. قال في تقييده: ومعلوم أن ذكاة الصيد بموته أو إنفاذ مقتله، والرأس والنصف لا يخلوان عن مقتل. انتهى. وقوله: "ودون"، يجوز فيه الرفع والنصب، فإن رفع كان مبتدأ وخبره "ميتة"، وإن نصب فالظاهر أنه صلة لموصول مقدر هو المبتدأ، وخبره: "ميتة"؛ أي وما دون نصف أبين ميتة. والله أعلم. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني. ابن يونس: فإن كان يعلم أن ما تعلق منه يلتحم ويعود لهيئته أكل جميعه. انتهى. قاله الش. وتأمك قوله: يعلم، فإنه يقتضي أنه إذا لم يتحقق ذلك لا يؤكل المبان. والله سبحانه أعلم. ولما كان الصيد من جملة المباحات ما لم يسبق عليه ملك كما روي وإن كان غير ثابت اللفظ: (من سبق إلى مباح فهو له (١))، شرع يتكلم على حكمه قبل سبق ملك عليه وبعده، فقال: وملك الصيد المبادر؛ يعني أن الصيد الذي لم يسبق عليه ملك إذا رآه واحد أو جماعة فبادر إليه أحد منهم أو بادر إليه غير الراءي ووضع يده عليه فإنه يملكه؛ لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد لا بالرؤية، ويملكه بوضع اليد ولو حكما، فيشمل ما إذا فعل به ما صار به بمنزلة ما في يده، ككسر رجله أو قفل مطمورة عليه أو سد جحر عليه وذهب ليأتي بما يحفر به فجاء آخر ففتحه وأخذه، فهو لمن سده، فإن تنازع الآخذ والآخر في وضع اليد ولم يأت مدعي وضع اليد ببينة فهو للآخذ وعليه لدعي وضع اليد اليمين. قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي في استظهاره

стр. 3049

أنه يكون بينهما. قال: لأنه كمال تنازعه اثنان ومما هو في حكم وضع اليد ما إذا وقع في الحبالة بغير طرد إليها، فيكون لرب الحبالة، وكذا قفاف أو شباك أرخيت في البحر. والله أعلم. أشار له الشيخ عبد الباقي: ولو قال المص: والصيد لآخذه لكان أخصر وأتم في إفادة المراد؛ لأنه قد يبادر إلى الصيد ويسبقه غيره لأخذه مع تأخر مبادرته فيكون له. قاله الخرشي. وإن تنازع قادرون فبينهم؛ يعني أنه لو تنازع جماعة في الصيد؛ أي تدافعوا عليه بالفعل بعد أن رأوه وقبل أن يضعوا أيديهم عليه بأن دفع بعضهم عنه بعضا ولم يَدَعْه يصل إليه وكل واحد منهم قادر على أخذه لكان الصيد لجميعهم، والنظر يقتضي أن لا شيء لواحد منهم لانعدام سبب الملك في حقهم، وإنما حسن القضاء به لهم لانتفاء المنازع من غيرهم، فقضي لهم به مخافة أن يقتتلوا عليه، وهذا إذا كان بمحل غير مملوك، وأما في الملوك فلربه. قال جامعه عفا الله عنه: ومقتضى كلامهم أنهم إن تدافعوا عليه قبل أن يبادر إليه أحدهم وهم قادرون على أخذه يكون بينهم بمجرد التدافع، فلو بادر إليه أحدهم بعد ذلك فلا يختص به عنهم بل يكون أسوتهم. والله سبحانه أعلم. ولو قال المص: وإن تدافع قادرون كان أحسن، وإلا فقد يكون تنازع من غير تدافع، والمراد بالتنازع هنا التدافع. قاله الخرشي. ولو وثبت في السفينة سمكة فوقعت في حجر إنسان فهي له دون صاحب السفينة؛ لأنه أخص والأخص مقدم على الأعم؛ أي حوز هذا الرجل لا يتعداه، وحوز السفينة يشمل هذا الرجل وغيره. قوله: "وإن تنازع قادرون فبينهم"، الفرق بينه وبين قوله: "وملك الصيد المبادر"، أن الأول حصلت مبادرة من بعضهم حتى سبق إليه مع قدرة غيره عليه ولكنه ترك المبادرة اختيارا، والثاني بادر كل ولم يسبق إليه أحد منهم، بل تدافعوا بالفعل قبل أن يسبق إليه أحدهم وهم قادرون عليه، أو أن الأول ترك المبادرة من لم يسبق إليه عجزا، والثاني بادر كل وتدافعوا قبل أن يسبق إليه أحدهم. مسألة: ولو تكررت شكوى شخص لآخر فإن للمشكو أن يرفع الشاكي للحاكم، ويقول له: إن كان لد عندي شيء فيدعي به، فإن أبى حكم عليه بأنه لاحق له بعد ذلك، وليس له عليه شكوى قطعا للنزاع، وقد حكم بها القرافي والبرموني. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وملك الصيد المبادر"؛ أي دون ما عليه فإنه لقطة.

стр. 3050

وإن ند ولو من مشتر فللثاني، الجوهري: ند البعير نديدا وندادا وندودا: نفر وذهب على وجهه شاردا؛ يعني أن الصيد إذا ند من ربه أي هرب منه وتطبع بطباع الوحش سواء ملكه باصطياد أو شراء، فإنه يكون لمن صاده ثانيا دون ما عليه من حلي مثلا، فهو للأول إن عرف وإلا فلقطة، ورد المص بلو قول ابن الكاتب: إنه إذا ند من مشتر وصاده شخص آخر فإنه يكون للمشتري الذي ند منه، قياسا على من أحيا ما دثر مما أحياه غيره بعد أن اشتري من مالكه بإحياء فإنه يكون للأول: وقوله: "وإن ند" لخ، وقيل: إن طال مقامه عن الأول فهو للثاني، وإن لم يطل فهو للأول، وإذا فرضنا على هذا القول فادعى الصائد آخرا طول المدة وأنكره الأول فقولان لابن القاسم وسحنون لتقابل الأصلين؛ إذ أصل الملك للأول واليد للثاني، وكذلك لو قال الأول: لم يطل، وقال الثاني: لا أدري، فعول ابن القاسم على اليد وعول سحنون على أصل الملك. قاله الش. وقوله: "وإن ند"، أما إن أرسله مالكه اختيارا فلصائده اتفاقا، والفرق بين الصيد وبين الأسير -يهرب لبلد الحرب فيغنمه المسلمون فإنه يكون للأول لا للثاني- أن الأسير هروبه حرام، بمنزلة ما لو سرق أو غصب فإنه لصاحبه الأول. قاله الخرشي. لا إن تأنس ولم يتوحش؛ يعني أن الصيد إذا تأنس عند صاحبه وذهب عنه ولم يتوحش أي لم يلحق بالوحش فأخذه شخص آخر، فإنه يكون لمالكه الذي ذهب عنه لا لمن أخذه ثانيا لكن له أجرة تحصيله، ولو ادعى الثاني أن هروبه هروب انقطاع وتوحش وادعى الأول عكس ذلك ولم تظهر قرينة يعمل عليها، فإنه ينبغي قسمة بينهما لأنه كمال تنازعه اثنان. قاله الشيخ عبد الباقي. ولا بأس بأكل طير يصاد بوضع خمر له بشربها يسكر، ويكره صيده بها لأنه استعمال لها. نقله الخرشي. قوله: "لا إن تأنس ولم يتوحش"، قد مر أن للثاني أجرة، واعترض ذلك بمسألة الآبق حيث لم يجعلوا لمن أخذه أجرة إلا إذا أخذه من شأنه طلب الآبقين، وأجيب بأن الذي أخذ الآبق متبرع لعلمه أنه ملك للغير، بخلاف آخذ الصيد فإنه دخل على تملكه ابتداء، وأيضا ملك الثاني للصيد قوي بدليل كونه له على بعض الأقوال. انظر الخرشي والشبراخيتي. ويجوز ثقب الأذن للنساء لما يحصل من الزينة لهن بسببه من جعل الحلي في آذانهن.
следующие страницы →