← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

الفاسد بأن يبقى على إحرامه لقابل؛ لأن فيه تماديا على الفاسد، أو كان الفساد لاحقا كما أشار إليه بقوله: أو بالعكس. بأن أحرم بحج وفاته ثم أفسده بوطء قبل أن يتحلل منه بفعل عمرة أي قبل الشروع فيها، فإنه يجب عليه أن يتحلل بفعل عمرة، ولا يجوز له البقاء على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفاسد اتفاقا في المسألتين، ويخرج إلى الحل إن أحرم بحرم أو أردف فيه على ما تقدم، ويقضي الحج من قابل دون العمرة الفاسدة في الصورة الثانية؛ لأنها ليست عمرة في الحقيقة، وإنما تحلل بطواف وسعي. قاله الخرشي. وقوله: "أو بالعكس"، الظاهر أنه متعلق بمحذوف تقديره: أو كان الأمر بالعكس، بأن يحرم بحج ويفوته ثم يفسده بوطء قبل أن يتحلل منه بفعل عمرة. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه. وإن بعمرة التحلل، المبالغة راجعة للصورة الثانية؛ أي وإن حصل الفساد في عمرة التحلل أي وقع في أثنائها، ومعنى كلامه أنه يتحلل بفعل عمرة، سواء وقع الفساد قبل الشروع في عمرة التحلل أو وقع في أثنائها أي عمرة التحلل، فيكتفي بها. وعلم مما قررت أن قوله: تحلل. جواب الشرط، فهو راجع لمسألتي أفسد ثم فات أو بالعكس، ومعنى تحلل بقي على تحلله بالعمرة الصحيحة فيما إذا حصل موجب الفساد قبل فعلها، وبالعمرة الفاسدة حيث حصل موجب الفساد في أثنائها، فليس عليه إذا فسدت أن يفعل عمرة غيرها بل يتمها فقط، وقد أشار الشارح وغيره إلى ما يفيد ذلك، وعبارة عبد الباقي عند قوله: "تحلل": وجوبات ولا يجوز له البقاء على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، والمراد: بقي على تحلله في الصحيحة والفاسدة التي وقع الوطء فيها، فلا يطلب بإعادتها صحيحة، بل يتم سعيها وتكفي في التحلل. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقضاه دونها؛ يعني أنه يلزمه أن يقضي الحج دون العمرة التي حصل الوطء فيها في الصورة الثانية فلا يقضيها لأنها في الحقيقة تحلل لا عمرة، قال في التوضيح: إذا اجتمع في الحج فوات وإفساد سواء كان الإفساد أولا أو ثانيا فلا يجوز له البقاء هنا على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، ويتحلل بفعل عمرة من الحل إن كان أحرم بحج من مكة أو أردف فيه: وإن كان إحرامه من الحل لم يخرج إليه. انتهى. قال ابن عبد السلام: لم يجز له البقاء على إحرامه إلى

стр. 2977

قابل اتفاقا. انتهى. نقله الحطاب. وقال عقبه: فعلم منه أن قول المصنف: "تحلل"، على جهة الوجوب. انتهى. وظاهر قوله: "تحلل"، أنه لو أخر إحرامه حتى دخلت أشهر الحج، أو وطئ في أشهر الحج أنه يؤمر بالتحلل هنا وجوبا، وهو الظاهر، فيتحلل ليخلص من الفساد ويقضيه في تلك السنة. والله أعلم. قاله الحطاب. واعلم أن هذا الذي اجتمع عليه الفساد والفوات عليه هديان، هدي للفوات، وهدي للفساد إن قضى مفردا، سواء كان أحرم مفردا أو متمتعا وأما لو كان أحرم قبل ذلك متمتعا، وقضى متمتعا أو كان أحرم قارنا وقضى قارنا، أو كان أحرم مفردا وقضى متمتعا فعلية ثلاث هدايا، في كل واحدة من هذه الصور الثلاث هدي للفساد، وآخر للفوات، وآخر للقران أو للتمتع، ولا شيء في القران أو التمتع الفائت، كما أشار إلى ذلك بقوله: لا دم قران ومتعة للفائت، الواو في قوله: "ومتعة"، بمعنى: أو: يعني أنه لا شيء عليه في القران أو التمتع الفائت؛ لأنه آل أمره إلى عمرة ولم يتم القران. قاله اللخمي. ويقال مثله في التمتع، وقوله: "للفائت"، سواء حصل مع الفوات فساد كما في هذا الذي نحن فيه، أو انفرد الفوات عنه. قاله عبد الباقي. وقوله: "لا قران أو متعة للفائت"، وإذا لم يكن هدي للفائت من قران أو متعة فيكون عليه ثلاث هدايا: هدي للفساد، وهدي للفوات، وهدي للقران أو التمتع الثاني، وهذا هو مذهب ابن القاسم، وله أيضا وجوب أربعة بزيادة دم للفائت، وهو الذي رد المصنف، وفي هذا نوع تكرار مع قوله فيما مر: "وثلاثة إن أفسد قارنا"، وإيضاح ما قدمته من قولي: وإذا لم يكن هدي للفائت من قران الخ، أن تقول: فإذا أحرم قارنا أو متمتعا ثم فاته الحج ثم حصل منه مفسد أو تقدم الفساد على الفوات ثم قضى متمتعا أو قارنا، فإنه يجب عليه هدي للفساد وهدي للفوات وهدي للثاني من قران أو تمتع، وليس للفائت من قران أو تمتع هدي، وقيل: يكون له وعليه فتكون الهدايا أربعة. وعلم مما قررت أن قوله: "وعليه هديان"، محله إن قضى مفردا سواء أحرم مفردا أو متمتعا، وأما لو أحرم متمتعا وقضى متمتعا، أو أحرم قارنا وقضى قارنا، أو أحرم مفردا وقضى متمتعا فعليه ثلاث هدايا كما عرفت، ولهذا قال الخرشي: ولو قال عقب قوله "هديان" ما نصه: إن

стр. 2978

قضى مفردا وإلا فثلاثة ولا دم، لوفى بالمراد بلا كلفة، وكذا لو قال عقب "تحلل": وقضاه دونها وعليه ثلاثة إن قضى قارنا أو متمتعا وإلا فهديان ولا دم لقران أو تمتع فات. انتهى. (ولا يفيد لمرض أو غيره: نية التحلل بحصوله) يعني أنه إذا نوى عند إحرامه أنه متى حصل له مرض أو حبس أو حصر من عدو أو غير ذلك مما يمنع من تمام نسكه يكون متحللا من إحرامه من غير فعل عمرة، فإن تلك النية السابقة على وجود العذر لا تفيده عند حصول المانع، ولا بد في التحلل من نية يحدثها له؛ لأن هذا شرط مخالف لسنة الإحرام، ومثل اشتراطه بالنية اشتراط ذلك باللفظ قبل وجود العذر، فإنه لا يفيد في التحلل؛ وقوله: "بحصوله"، متعلق "بالتحلل"، والباء سببية. قاله الخرشي. وقوله: "لمرض"، أصالة بأن يكون صحيحا وينوي أنه إذا مرض تحلل، أو زيادة بأن يكون مريضا وينوي أنه إذا زاد عليه مرضه أو أقعده تحلل قاله الخرشي. وقوله: "لمرض"، اللام للتعليل، وهو متعلق "بتفيد"؛ أي ولا تفيد نية التحلل بسبب حصول المرض لأجل مرض يحصل على تقدير حصوله. والله سبحانه أعلم. (ولا يجوز دفع مال لحاصر إن كفر) يعني أن الحاصر عن الحج إذا كان كافرا فإنه لا يجوز دفع مال إليه قليلا أو كثيرا، لأجل أن يمكن الحاج من الوصول إلى مكة أو غيرها، لما فيه من الذل للمسلمين وتقوية ما هو فيه وهذا هو المشهور، وقال ابن عرفة: قلت: الأظهر جوازه وَوَهَنُ الرجوع بصده أشد من إعطائه. انتهى. قال الإمام الحطاب: وقد لا يسلم له ذلك. انتهى. قال الأجهوري: الظاهر ما لابن عرفة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ومفهومُ الشرط -يعني قوله إن كفر- جواز دفع ما قل من المال لمسلم كدفع لظالم لا ينكث كما قدم المصنف، بل يجب. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله ومفهوم الشرط الخ، بل يجوز الدفع للمسلم مطلقا قل أو كثر كما في الحطاب عن سند، لكن القليل يجب دفعه بشرطه بخلاف الكثير، وقوله: "ولا يجوز دفع" الخ، قد مر أنه المشهور، وهو طريقة ابن شأس وابن الحاجب، وتبعهم المصنف، وصرح سند بأنه يجوز مع الكراهة، فإنه قال: إن بذل المشركون الطريق للمسلمين على مال يدفعونه لهم كره لهم دفع ذلك لما فيه من الذلة وكان التحلل أولى، ويجوز دفعه لهم. قاله الحطاب.

стр. 2979

فتحصل أن في ذلك ثلاثة أقوال: المنع لابن شأس وتابعيه، والكراهة لسند، والجواز لابن عرفة. قاله الحطاب. ابن عبد السلام: وأما إعطاء المال فقد مال جماعة من أهل المذهب وغيرهم إلى جواز ذلك في غير مكة إذا دعت الضرورة إليه، ولا يوجد عنها محيص، وينبغي أن يجوز ذلك هنا بطريق الأولى؛ لأن الضرورة في تخليص مكة أو تحصيل المناسك آكد. وفي جواز القتال مطلقا تردد؛ يعني أنه اختلف المتأخرون في النقل عن المذهب في جواز قتال الحاصر عن الحج بالحرم أو بمكة مطلقا، كان الحاصر كافرا أو مسلما، فذكر ابن شأس وابن الحاجب أن ذلك لا يجوز، وذكر سند وابن عبد البر أن قتال الحاصر جائز، قال في التوضيح: قال ابن هارون: والصواب جواز قتال الحاصر، ومحل الخلاف إذا لم يبدأ الحاصر بالقتال، فإن بدأ به جاز بلا خلاف، قال ابن عرفة: قتال الحاصر البادئ به جهاد وإن كان مسلما، وفي قتال غير بادئ به نقلا سند وابن الحاجب مع ابن شأس عن المذهب، والأول الصواب إن كان الحاصر بغير الحرم؛ يعني بالحرم غير مكة، وأما في غير الحرم فلا يختلف في جوازه، قال ابن عرفة: وإن كان بها أي بمكة فالأظهر نقل ابن شأس، لحديث: (إنما أحلت لي ساعة من نهار). انتهى المراد منه. واعترض على ابن هارون، واعتراضه عليه غير ظاهر؛ لأنه قد نقل عن سند جوازه، ونقل المصنف في التوضيح جوازه عن صاحب الكافي، وكلام ابن العربي كاف في ذلك أيضا، وأما حديث: (إنما أحلت لي ساعة من نهار (١))، وما في معناه من الأحاديث الدالة على المنع، فإن ذلك محمول كما قاله النووي عن الشافعي على القتال بما يعم كالمنجنيق إذا أمكن صلاح الحال بدونه وإلا جاز، وجاز حمل السلاح حينئذ بمكة وخبر: (لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة) (٢) محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة، ولا حاجة وإلا جاز، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما: ويجوز دخولها بعده ﷺ لحرب في قتال جائز، وقول القاضي: لا يحل دخولها بعده لحرب أو بغي، يحمل على غير القتال الجائز، وأما هو فيجوز دخولها له ولو بغير إحرام، وقول الخبر: (وإنما أحلت لي ساعة من نهار (٣))؛ أي أحل

стр. 2980

لي إراقة الدم فيها دون الصيد، وهي ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر كما في ابن حجر. قاله عبد الباقي. وقوله: "وفي جواز القتال" الخ؛ يعني ولو أهل مكة، قال ابن فرحون: أما حكم قتال أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء إلى منع قتالهم مع بغيهم، وأن يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي، ورأوا أن أهل مكة لا يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾، والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة حق لله تعالى، فحفظ حقه في حرمه أولى من أن يكون مضاعا فيه. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن الأرجح قتال البغاة إذا كانوا بمكة، وأنه لا يحل حمل السلاح بها لغير ضرورة، وأن حمله لضرورة جائز، وأنه يجوز دخولها من غير إحرام لقتال جائز. انتهى. ولولي منع سفيه؛ يعني أن السفيه محجور عليه، فلوليه أن يمنعه من السفر إلى الحج، فإن أذن له في السفر إلى الحج وكان نظرا ومصلحة في حق السفيه فإن ذلك جائز، وإن أحرم حينئذ فليس له تحليله، وقوله: "سفيه"؛ أي شخص سفيه، فيشمل السفيه ولو زوجة؛ وقوله: "وللولي منع سفيه"، لم يذكر هذا الفرع ابن الحاجب، وذكره في التوضيح ناقلا له عن سند، ونصه: قال مالك: ولا يحج السفيه إلا بإذن وليه فينظر له؛ فإن رأى ذلك نظرا أذن له وإلا فلا. ابن عاشر: وهو مشكل إذ لم يذكروا من شروط وجوبه الرشد، وكيف يصح منع الولي إذا توفرت الشروط والأسباب وانتفت الموانع، قال الحطاب ناقلا عن ابن جماعة الشافعي: اتفق الأئمة الأربعة على أن المحجور عليه لسفه كغيره في وجوب الحج عليه، لكنه لا يدفع المال إليه انظره. انتهى. نقله بناني. كزوج في تطوع؛ يعني أن المرأة لزوجها أن يمنعها من الإحرام بالحج التطوع، فإن أذن لها فيه فليس له أن يحللها، وأما حجة الإسلام فليس لزوجها أن يمنعها من الخروج إليها إن قلنا إن الحج على الفور، وكذا على القول بالتراخي، فإن تركت له المهر على أن يأذن لها في حج الفرض، فقال مالك وابن القاسم: لها أن ترجع عليه به لأنه يلزمه أن يدعها، ولابن القاسم في رواية أبي جعفر أن العطية لازمة إن كانت عالمة أن لها أن تحج وإن كره زوجها، وإن كانت

стр. 2981

جاهلة رجعت؛ واختاره يحيى بن عمر. ابن يونس: هذا يحتمل الوفاق، وبه جزم ابن رشد، قال: ولو أعطته مهرها على أن يحج بها لم يجز؛ لأنه فسخ دين في دين. قاله ابن القاسم في سماع أصبغ. وقوله: "كزوج في تطوع"، هذا إذا لم يكن الزوج محرما، وأما إن كان محرما بحج أو عمرة فإنه لا يحللها؛ لأنها لم تفوت عليه الاستمتاع، ولهذا ألغز بعضهم بهذه المسألة بقوله: فإن قلت: امرأة أحرمت بالحج تطوعا وليس لزوجها أن يحللها؟ قلت: إذا أحرم زوجها بالحج فليس له منعها من الحج تطوعا لأنها لم تعطل عليه استمتاعا. قاله الخرشي. تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله "كزوج في تطوع": وهذا إذا كانت رشيدة، فإن كانت سفيهة فله المنع حتى في الفرض، كما هو ظاهر عبارتهم، وذكر أحمد عن بعض شيوخه أنه ليس له المنع في الفرض وفيه نظر. انتهى المراد منه. قوله: فإن كانت سفيهة فله المنع الخ، غير صحيح؛ لأنها إن كانت سفيهة فالذي له منعها من الفرض هو وليها لا زوجها كما زعمه، نعم إن كان زوجها وليها فله ذلك، لكن من حيث إنه ولي لا من حيث إنه زوج. قاله بناني. تنبيه آخر: في الخرشي: ليس للأمة المتزوجة أن تحج إلا بإذن زوجها وسيدها، وقاله الأئمة، وقال محمد بن الحسن: إن إذن السيد كاف؛ لأن السفر حق له فيسافر بها ولو كره الزوج، وهذا واضح فيمن لم تبوأ، وأما من بوئت فليس للسيد السفر بها. انتهى كلام الخرشي. وإنما قال المصنف: "في تطوع"، ولم يقل: في حج تطوع، ليشمل الإحرام بحج التطوع والعمرة. والله أعلم قاله الحطاب. وإن لم يأذن فله التحلل؛ يعني أن السفيه أو الزوجة إذا أحرم هو مطلقا أو أحرمت هي في التطوع بغير إذن وليه أو بغير إذن الزوج، فإن لكل من الولي أو الزوج أن يحلل محجوره من سفيهة أو زوجة كتحلل المحصر، فإن أذن الولي للسفيه لم يكن له أن يحلله ولا يدفع إليه المال، بل يصحبه لينفق عليه بالمعروف أو يصحب من ينفق عليه من ماله أي مال السفيه، وإذا حلل الزوج الزوجة حيث أحرمت في التطوع بغير إذنه، فعليها القضاء لما حللها منه إذا أذن لها أو تأيمت، قال عبد الباقي: بخلاف السفيه والصغير إذا حللهما وليهما فلا قضاء عليهما لما

стр. 2982

حللهما منه كما مر، ومثل التطوع النذر المعين، فتقضيه المرأة بعد أن تأتي بحجة الإسلام، والمضمون أولى. انتهى. قوله: بخلاف السفيه، قال بناني: هذا هو الذي نقله المصنف عن سند وهو خلاف ما صرح به ابن رشد في البيان من لزوم القضاء في السفيه والزوجة والعبد، وعزاه لمذهب ابن القاسم وروايته، وعزى القول بسقوطه في الجميع لأشهب، وفي المواق: لا يخلو إحلال الزوج لزوجته من أربعة أوجه: إما أن يحللها من حجة الإسلام، أو من تطوع، أو نذر معين، أو نذر مضمون. أما حجة الإسلام فليس عليها أن تقضي ما حللها منها وعليها حجة الإسلام؛ وأما التطوع فتقضيه على قول ابن القاسم، وكذا تقضي أيضا النذر المعين عند ابن القاسم، خلافا لأشهب، وأما النذر المضمون فيقضى قولا واحدا. انتهى. من اللخمي. نقله الخرشي. قال: وعلى أن السفيه كالمرأة تجري فيه هذه الأقسام الأربعة، فإن قلت كلام البيان والمواق من أن للزوج أن يحلل الزوجة من حجة الفريضة خلاف قول المصنف كزوج في تطوع، فإنه يفيد أن ليس له منعها في الفريضة وليس له تحليلها، قلت: يحمل كلامهما على الزوجة السفيهة. انتهى. وقد مر عن الشيخ بناني أنه إنما يمنعها الولي لا الزوج، إلا أن يكون الزوج وليا فيمنعها من حيث إنه ولي لا من حيث إنه زوج. انتهى. وفهم من قول المصنف في تطوع أنه ليس له منعها من الفرض ولا تحليلها وهو كذلك، فلو حللها في الفرض فالتحليل باطل. كالعبد؛ يعني أن السيد له أن يمنع عبده من الإحرام، فإذا أحرم والحال أن سيده لم يأذن له في الإحرام، فإن له أن يحلله ويجب عليه القضاء: وظاهره مطلقا سواء كان تطوعا أو نذرا معينا أو مضمونا، أو نوى بذلك حجة الفرض يظن أنها عليه، وكذلك ظاهر كلامه في المناسك وهو ظاهر كلام ابن الحاجب أيضا، فيكون ما ذكره في التوضيح عن اللخمي من التفصيل بين أن يكون أحرم بتطوع أو نذر معين، فلا يلزمه قضاء، أو أحرم بنذر مضمون أو بحجة الفرض يظن أن ذلك عليه فيلزمه القضاء مقابل المشهور، وهو ظاهر كلام ابن فرحون. قاله الحطاب. واختلف هل للسيد أن يرد عقده للنذر، فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب وهو أحسن؛ لأن العقد لا يضر السيد ما رام في ملكه، ولا ينقص من ثمنه إذا باعه، وإذا أذن له سيده في الإحرام وأحرم وكان لا يستطيع المسير، فالظاهر أنه يلزم السيد أن يكري له؛ لأنه هو الذي ورطه بإذنه

стр. 2983

كما قالوا: إذا وطئ الأمة أو الزوجة مكرهة أنه يجب عليه إحجاجها؛ لأنه ورطها في وجوب القضا،، وقوله: "كالعبد"؛ يعني ولو ذا شائبة، كالمدبر وأم الولد والعتق بعضه والمعتق لأجل، وأما المكاتب فله أن يستأجر فيما لا يضر سيده، فله أن يحرم بغير إذن سيده إذا كان إحرامه لا يضر بنجوم الكتابة، وإن أضر إحرامه بنجوم الكتابة فلسيده تحليله، وعليه القضاء إذا أذن له أو عتق كالقن، ولا يكون التحليل بإلباسه الرقيق المحيط لكن بالإشهاد على أنه حلله من هذا الإحرام، فيتحلل بنيته ويحلق رأسه، وظاهره أن التحليل إنما يكون بهذين، والظاهر أن الإشهاد كاف سواء امتنع العبد من التحلل أم لا، كما أن تحليله والحلاق كاف من غير إشهاد، والظاهر جريان ما ذكر في تحليل المرأة والسفيه، ويقوم التقصير في حقها مقام الحلاق في حق المذكر. وأثم من لم يقبل؛ يعني أن السفيه والعبد والزوجة إذا أمروا بعدم الإحرام فخالفوا وأحرموا، فإن الإثم عليهم لعدم قبولهم ما أمروا به، كذا قرره الخرشي، وقرره عبد الباقي على أنهم إذا أمروا بالتحلل فلم يقبلوا ما أمروا به من التحلل فإنهم يأثمون، والظاهر شمول المصنف للمسألتين. والله أعلم. وله مباشرتها؛ يعني أن للزوج أن يباشر زوجته أي يجامعها إذا امتنعت من التحلل، وله أن يكرهها على ذلك ويفسد حجها والإثم عليها دونه لتعديها على حقه، قال عبد الباقي: والظاهر أنه إن نوى بذلك تحليلها كان كافيا وإلا فسد. انتهى. وفي الخرشي: وينوي بمباشرتها التحلل وتكفي نية الزوج، وإن لم ينو تحللها بمباشرة فسد عليها وعليها إتمامه وهدي، ويجب على الزوج تمكينها من إتمام المفسد. انتهى. قول عبد الباقي: والظاهر أنه إن نوى الخ، قال بناني: مثله في الخرشي، وفيه نظر، وظاهر كلامهم أنها لا تكفي، وأنه لا بد من نية المحرم؛ ويدل على ذلك قول المصنف وغيره: "وأثم من لم يقبل"، قال في التوضيح إن لم تقبل ما أمرها به من التحلل أثمت بمنعها حقه الخ، فهو صريح في أن التحلل إنما يقع من المحرم لا من غيره. انتهى. وقوله: كفريضة قبل الميقات، تشبيه في أن للزوج أن يحللها وأن له أن يباشرها؛ يعني أن المرأة إذا أحرمت بحجة الفريضة قبل الميقات الزماني أو المكاني، فإن للزوج أن يباشرها وله أن

стр. 2984

يكرهها، فإذا أحرمت بالفريضة من الميقات المكاني قبل أشهر الحج فله تحليلها وإفساد حجها، وكذا لو أحرمت في أشهر الحج قبل الميقات المكاني، وإنما يكون له تحليلها حيث أحرمت بالفريضة قبل الميقات الزماني أو المكاني بشرطين: أن يكون قد احتاج إليها ولم يحرم وإلا فليس له تحليلها، قال عبد الباقي: ثم إن حللها بالشرطين لم يلزمها غير حجة الفرض، وأما إن أفسده فإنها تتمادى عليه وتقضيه وتحج حجة الإسلام. انتهى. قوله: وتقضيه وتحج حجة الإسلام، قال محمد بن الحسن بناني: ليس عليها أن تقضي غير حجة الإسلام كما صرح به اللخمي ونقله المواق، ونحوه في كلام ابن رشد. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "كفريضة قبل الميقات": وقيد اللخمي ذلك بما إذا خرج معها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها فليس له تحليلها ولا مباشرتها: وقوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية، وهو راجع لقوله: "وإن لم يأذن" لخ، أي وإن أذن الولي للسفيه والسيد للعبد والزوج للزوجة في التطوع، ثم أراد كل الرجوع عن ذلك الإذن، فلا منع له؛ أي فليس لمن ذكر منعهم من ذلك، بشرط أشار إليه بقوله: إن دخل؛ أي فليس لمن ذكر أن يمنع من دخل منهم في الإحرام من إتمام ما أحرم به، وكذا النذر المأذون فيه، وإذا أحرمت الزوجة بحجة الإسلام أو بغيرها بإذنه سقط من نفقتها ما زاد على نفقة الحضر على المذهب، وقيل: تسقط بالكلية، واحترز بقوله: إن دخل مما إذا أراد الرجوع في الإذن قبل الإحرام، فإن له ذلك، وقد نص مالك على أن له ذلك في العبد، وقال سند: ظاهر الكتاب له المنع بعد الإذن إن لم يحرم، وإذا قلنا إن للسيد ذلك ورجع قبل الدخول فأحرم العبد ولم يعلم برجوع السيد، فهل يملك إحلاله؛ قال سند: يخرج على القولين بناء على أن الوكيل ينعزل بعزل الموكِّل إذا لم يعلم بعزله، أو لا ينعزل. انظر الحطاب. وللمشتري إن لم يعلم رده؛ يعني أن السيد إذا باع رقيقا محرما ولم يعلم المشتري بإحرامه حين شرائه له، فإن له أن يرده؛ لأنه عيب كتمه البائع، وهذا حيث لم يقرب زمن الإحلال وإلا فليس له رده، والظاهر أن القرب ما لا ضرر فيه على المشتري، واحترز بقوله: "إن لم يعلم"، عما إذا اشتراه وهو عالم بإحرامه. فليس له رده حينئذ: وفي المدونة: وإن باع عبده وأمته وهما

стр. 2985

محرمان جاز بيعه، وليس للمبتاع أن يحللهما وله إن لم يعلم بإحرامهما الرد كعيب إلا أن يقربا من الإحلال. انتهى. واعلم أن مذهب المدونة جواز بيع العبد محرما، سواء قرب الإحلال أو لا، قال المصنف في منسكة: وهو المشهور، وقال سحنون: لا يجوز بيعه ويفسخ، ألا ترى أن ابن القاسم يقول: إذا واجر عبده شهرا لم يجز له بيعه؟ اللخمي: وقد يفوق بين السؤالين بأن العبد المحرم منافعه لمشتريه، وفي الإجارة منافعه قد بيعت فيستحق من كان في الإحرام لهذا. انتهى. وقيد ابن بشير خلاف سحنون بأن يبقى من مدة الإحرام زمان كثير، قال في التوضيح: وظاهر ما حكاه اللخمي عنه العموم. لا تحليله؛ يعني أنه ليس للمشتري تحليل العبد الذي اشتراه محرما، وإنما له رده إن لم يعلم بإحرامه حين الشراء كما هو موضوع المصنف، وليس للعبد أيضا تحليل نفسه، وظاهر قول المصنف: وللمشتري الخ، سواء كان أحرم الرقيق ذكرا أو أنثى بإذن سيده البائع أو بغير إذنه، ثم إذا رده فللبائع تحليله إن لم يعلم به قبل بيعه ولو قرب زمن إحلاله، وقد مر أن المشتري لا يرد العبد إن قرب زمن الإحلال؛ لأنه إنما ثبت له رده لعيب الإحرام وهو مع قرب زواله كلا عيب، وأما البائع فله رد الإحرام لوقوعه بغير إذنه، ولو علم بالإحرام وباع العبد ولم يعلم المشتري فليس للبائع تحليله إذا رد له، ونظير هذه المسألة في أن للمشتري الرد إن لم يعلم من اشترى أمة فظهرت معتدة أو مريضة أو محبوسة فله ردها إذا لم يعلم. وإن أذن فأفسد لم يلزمه إذن للقضاء؛ يعني أن السيد إذا أذن لرقيقه في الإحرام فأحرم ثم أفسد إحرامه بجماع أو غيره، فإنه لا يلزم السيد أن يأذن له ثانيا في قضاء المفسد قاله أشهب. لأنه عبادة ثانية، وقال أصبغ: يلزمه الإذن؛ لأن لزوم حجة القضاء من آثار إذنه. ابن المواز: والأول أصوب، وإلى تصويب ابن المواز أشار الشيخ خليل بقوله: على الأصح؛ أي لا يلزم السيد ذلك على قول أشهب الذي هو الأصح، لكون ابن المواز قال: إنه أصوب، وفي الموازية: وإذا أذن له ففاته الحج فعليه القضاء والهدي إذا عتق. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: وظاهر الموازية أن الفوات كالإفساد، ومثل العبد السفيه إذا أذن له وليه فأفسد، والزوجة إذا أذن لها زوجها

стр. 2986

فأفسدت؛ وإذا أذن السيد للعبد في الإحرام بالحج فأحرم وفاته فأراد العبد لَمَّا فاته أن يعتمر ليحل وأراد السيد منعه وإحلاله مكانه، فقال أشهب في الموازية: إن كان قريبا فلا يمنعه وإن كان بعيدا فله منعه، فإما أن يبقى إلى قابل، وإما أن يأذن له في فسخه في عمرة. نقله غير واحد. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر أو المتعين أن قوله: فإما أن يبقيه الخ، مرتب على قوله: إن كان قريبا فلا يمنعه. والله سبحانه أعلم. وما لزمه عن خطإ أو ضرورة؛ يعني أن ما لزم العبد الذي أذن له سيده، الإحرام عن خطإ صدر منه؛ كان فاته الحج لخطإ عدد أو هلال أو خطإ طريق أو في قتل صيد، أو لزمه عن ضرورة كلبس أو تطيب للتداوي، فإن السيد إما أن يأذن له في إخراج ما لزمه من مال السيد أو من مال العبد، فإنه يحتاج في إخراجه من ماله لإذن من السيد: كما يحتاج في إخراجه من مال السيد للإذن، فإن أمن له السيد في الإخراج مما ذكر فعل؛ وظاهر قول المدونة أن العبد لا يحتاج في ماله لإذن سيده في الإخراج، وهو قول الشيخ عبد الرحمن، خلاف ما قدمته تبعا لغير واحد كما يفيده أبو الحسن على المدونة، وإلا أي: وإن لم يأذن له السيد في إخراج ما لزمه من مال السيد ولا من مال العبد صام العبد بلا منع؛ أي ليس للسيد حينئذ أن يمنعه من الصيام، وإن أضر به في عمله: وإنما له أن يمنعه من الإحرام، هذا هو المشهور، خلافا لابن وهب وعبد الملك وابن حبيب فيما إذا أضر الصوم به في عمله قائلين: له منعه من الصوم حينئذ. وإن تعمد، هذا هو مفهوم قوله: "وما لزمه عن خطإ أو ضرورة"؛ أي أنه إذا تعمد الرقيق موجب الهدي أو الجزاء أو الفدية، فله أي فللسيد منعه. أي العبد من الصوم وأولى من الإخراج، وإنما يكون له منعه من الصوم إن أضر الصوم به أي بالعبد في عمله للسيد؛ لأنه هو الذي أدخل ذلك على نفسه، وأما الإخراج فقد مر أنه لا بد فيه من إذن السيد في الخطإ والضرورة فأحرى في العمد. وبقي على المصنف من الموانع: الدين الحال أو الذي يحل في غيبته وهو موسر، فيمنع من الخروج إلا أن يوكل من يقضيه عند حلوله، فإن اتهمه على عدم العود حلفه، وليس له تحليله إن أحرم ولا له هو التحلل، لا يقال: استغنى المصنف عن ذكره بذكر الاستطاعة؛ لأنا نقول:

стр. 2987

يجب على القادر المشي وله صنعة تقوم به، وقد يقال: استغنى عن ذكره هنا بما ذكره في باب الفلس من قوله: "وسفره إن حل بغيبته". وبقي عليه أيضا الأبوة فللأبوين المنع من التطوع ومن الفرض على إحدى الروايتين. قاله في الجواهر. لكن سيأتي في الجهاد: "كوالدين في فوض كفاية"، وهو يفيد المنع في التطوع لا في حجة الإسلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى جميع عباد الله الصالحين. فائدة: ها أنا أذكر لك صفة الحج والعمرة، أما صفة الحج فهي أن تحرم من الميقات؛ أي تدخل بالنية في حرمة أحد النسكين أو كليهما مع القول أو الفعل المتعلقين به، والحرمة الذمة، والأمر الذي لا يحل انتهاكه، وقد مر التعريف بالميقات ووقت الإحرام، وقد مر أن الجحفة ميقات أهل المغرب، وقد مر الإحرام من رابغ، هل هو جائز لأنه من أعمال الجحفة ومتصل بها واعتمده غير واحد، أو يكره لأنه من باب الإحرام قبل الميقات؟ فإذا وصلت الميقات وأردت الإحرام فتنظف بحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ثم تغتسل، ولو كانت حائضا أو نفساء صغيرا أو كبيرا، وإن كنت جُنُبًا فاضتسل للجنابة والإحرام، ويجزئك ذلك، وكذلك الحائض إن طهرت حينئذ فتغتسل للحيض والإحرام. واعلم أنه يتدلك في غسل الإحرام، ويزيل الوسخ بخلاف ما بعده من الاغتسالات الآتية في الحج فليس فيها إلا إمرار اليد مع صب الماء، ويراعى في هذا الغسل الاتصال بالإحرام كغسل الجمعة، قال في الموازية: وإن اغتسل بالمدينة ثم مضى من فوره أجزأ، وإن اغتسل غُدوة ثم أقام إلى العشاء ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم منها لم يجزه الغسل، وإن اغتسل غدوة ثم أقام إلى الظهر كرهته. انتهى. ثم بعد الفراغ من الغسل يلبد رأسه إن كانت له وفرة، والتلبيد أن يأخذ صمغا وغاسولا فيخلطهما ثم يجعل ذلك في الشعر فيلتصق بعضه ببعض ولا تكثر دوابه، ثم يلبس رداء وإزارا ونعلين، ولو ارتدى بثوب واحد جاز، والأفضل البياض، ولا يجوز المعصفر ولا المورس.

стр. 2988

ثم تستصحب هديا، ويستحب أن يقلده إن كان من الإبل أو البقر، والتقليد جعل شيء في العنق، والأفضل أن يفتل شيئا مما تنبته الأرض، ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي، ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان لها أسنمة أم لا، ومن البقر إن كان له سنام، ولا تقلد الغنم ولا تشعر. والإشعار أن يشق في سنامها من الجانب الأيسر من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك، قائلا: بسم الله والله أكبر مستقبلا هو وهديه وزمامه بيده اليسرى، ثم يُجلله إن كان من الإبل، والتجليل أن يجعل عليه ثوبا بقدر وسعه، ويشق الجلال عن الأسنمة مخافة سقوطها إلا أن يكون ثمنها -أي الجلال- كثيرا فلا تشق، ثم يصلي سنة الإحرام ركعتين فأكثر يقرأ فيهما بالكفرون والإخلاص، فإن كان وقت نهي انتظر وقت الجواز إلا أن يخاف فوات الرفقة أو يكون مراهقا فيحرم بغير صلاة، ويدعو الله عقب تنفله ويسأله العون على تمام نسكه، ثم يركب راحلته فإذا استوى عليها أحرم، وإن كان ماشيا فحين يَشرع في المشي يحرم. والإحرام هو الدخول بالنية في حرمة أحد النسكين مع قول لتعلق به أي الإحرام كالتلبية والتكبير والتهليل والتسبيح، أو فعل متعلق به كالتوجه إلى الطريق والتقليد والإشعار، لا ما لم يتعلق بالإحرام من قول وفعل كالبيع مثلا. والتلبية هي أن يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك للث لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. يروى بكسر همزة إن الحمد وهو المختار، ويروى بفتحها، ويحضر قلبه عند التلبية أنه يجيب مولاه فلا يضحك ولا يلعب، ويجدد التلبية عند تغير الأحوال كالقيام والقعود والنزول والركوب والصعود والهبوط وملاقاة الرفاق ودبر الصلوات، ويتوسط في رفع الصوت بها وفي ذكرها، فلا يلح بها بحيث لا يفتر ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرا ولا ترفع المرأة صوتها، ولا بأس أن يعلم الأعجمي التلبية بلسانه، ولا يرد الملبي السلام بالإشارة على المشهور، بخلاف الصلاة، قال مالك: ويرد الملبي السلام بعد فراضه من التلبية. وتحصل مما مر ذكر سنن الإحرام الأربعة: الغسل ولبسه الإزار والرداء والنعلين متجردا عن المُحيط: والثالث والرابع التلبية وصلاة ركعتين، ثم إذا دنت مكة من المحرم، فإن وصل إلى

стр. 2989

ذي طوى أو ما كان على قدر مسافتها فإنه يغتسل لدخول مكة بصب الماء مع إمرار اليد بلا تدلك، وهذا الغسل في الحقيقة للطواف بدليل سقوطه عمن لا يطوف من حائض ونفساء، بخلاف غسل الإحرام كما مر، فإذا دخل مكة من غير غسل اغتسل ثم طاف هذا إن جاء نهارا وهو أفضل، فإن جاء ليلا أو في آخر النهار استحب له أن يبيت خارج مكة، فإذا أصبح اغتسل ودخل، وإن اغتسل ثم بات لم يجزه ذلك الغسل، ثم يدخل مكة من كداء: الثنية التي بأعلى مكة يهبط منها للأبطح والمقبرة تحتها، وإن لم تكن في طريقه ما لم يؤد إلى الزحمة وإذاية الناس، فيتعين ترك ذلك، وإذا وصل إلى الحرم، قال: اللهم إن هذا حرمك وحرم رسولك فحرم لحمي ودمي على النار، اللهم أمني من عذابك يوم تبعث عبادك، ومن كان محرما بعمرة قطع التلبية حينئذ، وكذا من كان محرما بحج مفردا أو قارنا وفاته الحج، وأما المحرم بحج ولم يفته الحج فإنه يستمر يلبي إلى أن يصل لبيوت مكة، وقيل إلى الطواف. وكان بعض السلف يقول عند دخول مكة: اللهم البلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وألزم طاعتك متبعا لأمرك راضيا بقَدَرِكَ، أسألك مسألة المضطر إليك المشفق من عذابك أن تستقبلني بعفوك وأن تتجاوز عني برحمتك وأن تدخلني جنتك. وصحح الشافعية أن دخولها ماشيا أفضل، فإذا دخل مكة ترك كل شغل وقصد المسجد ليطوف بالبيت طواف القدوم إلا أن يخاف على رحله الضياع فليؤوه، واستحب مالك للمرأة الجميلة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل، ويدخل المسجد من باب بني شيبة وهو المعروف الآن: بباب السلام، ويدور إليه إن لم يكن في طريقه، فيقدم رجله اليمنى ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وهذا مستحب لكل من دخل مسجدا أيِّ مسجد كان. ابن حبيب: ويستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما. وأنكر مالك ذلك خوف اعتقاد الجاهل وجوبه. والله أعلم.

стр. 2990

ويستحضر ما أمكنه من الخشوع والخضوع، ولا يركع تحية المسجد بل يقصد الحجر الأسود، لأنه هو الذي يبتدأ الطواف من عنده، وينوي طواف القدوم أو طواف العمرة إن كان فيها، ويعين النسك إن كان إحرامه مطلقا غير معين؛ فيقبله بفيه ويكبر، وإن زوحم عن تقبيله لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يكبر، فإن لم تصل يده فبعود إن كان لا يؤذي به أحدا وإلا تركه وكبر ومضى، ولا يشير بيده ولا يدع التكبير استلم أولا، ثم يشرع في الطواف فيطوف والبيت عن يساره سبعة أشواط، فإذا وصل إلى الركن اليماني وهو الركن الذي قبل الحجر الأسود لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل وكبر، فإن لم يقدر كبر ومضى، وأما الركنان الشاميان وهما اللذان يليان الحجر بكسر فسكون فلا يقبلهما ولا يستلمهما: وهل يكبر لهما؟ قال ابن الحاجب علي ما في بعض نسخه: بخلاف الركنين اللذين يليان الحجر فإنه يكبر فقط. ابن عرفة: وقول ابن الحاجب يكبر لهما لا أعرفه. قاله الشيخ ميارة. واعلم أن في البيت أربعة أركان، أحدها له فضيلتان وهو ركن الحجر الأسود. والفضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، والركن اليماني له الفضيلة الثانية فقط، وليس للآخرين أي الشاميين شيء من الفضيلتين، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان. هذا على رأي الجمهور. واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضا. فقد علمت أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود، فإذا وصل إليه فذلك شوط، وكلما مر به أو بالركن اليماني فعل لكل واحد منهما ما ذكرته لك إلى آخر الشوط السابع، إلا أن تقبيل الحجر الأسود ولمس اليماني أول مرة سنة، وفيما بعدها مستحب فقط، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأول من هذا الطواف، ويمشي في الأربع بعدها، والرمل فوق المشي ودون الجري، فإن لم يرمل في الثلاثة الأول أو في شيء منها لم يرمل فيما بعدها من الأشواط، ولا يرمل النساء ولا يرمل الرجل إذا حج عن المرأة؛ ومن زوحم عن الرمل فعلى وسعه، ولا يرمل في غير طواف القدوم من طواف الإفاضة إذا كان سعى بعد طواف القدوم ولا في طواف الوداع والتطوع، ومن طاف بصبي أو مريض رمل بهما. واعلم أن الإسراع أحد مثلثات الحج هذا، والثاني الإسراع بين الميلين الأخضرين في السعي بين الصفا والمروة، والثالث الإسراع في بطن محسر واد بين مزدلفة ومنى، وذلك في الرجوع من مزدلفة

стр. 2991

إلى منى صبيحة يوم العيد لرمي جمرة العقبة، وبعد الفراغ من الطواف يصلي ركعتي الطواف بركعهما خلف القام، يقرأ في الأولى بالفاتحة والكافرون، وفي الثانية بالفاتحة والإخلاص، وإن اقتصر على الفاتحة أجزأ. الحطاب: والظاهر أنه لا بد لهما من نية تخصهما؛ لأنه قد قيل بوجوبهما مطلقا وبسنيتهما كذلك وبتبعيتهما للطواف، ويستحب له الدعاء بما شاء من أمور الدين والدنيا بعد الطواف بالملتزم وهو ما بين الباب والحجر الأسود، فيلتزمه ويعتنقه واضعا صدره ووجهه وذراعه عليه، باسطا كفيه كفعل ابن عمر، لقوله: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك (١)). والملتزم أحد المواطن الخمسة عشر التي قال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه: يستجاب فيها الدعاء وهي: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعند الصفا وعند المروة، وفي السعي: وخلف المقام، وفي عرفات، وفي مزدلفة، وفي منى، وفي الجمرات الثلاث. واعلم أنه يشترط في الطواف الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة، ويتيمم إذا كان ممن حكمه التيمم، ويكون الطائف خارجا بكل بدنه عن الشاذروان، ويكون الطواف أيضا من وراء جميع الحجر. والشاذروان بناء لطيف بحائط الكعبة، فلا يمشي عليه الطائف. والحجر بناء محوط مدور على نصف دائرة خارج عن الكعبة. واعلم أن المقبل للحجر الأسود والمستلم لليماني ينصب كل منهما قامته بعد التقبيل والاستلام ويثبت مكانه حتى يعتدل قائما على قدميه، ثم يطوف لأنه لو طاف مطأطأ رأسه ويداه في هواء الشاذروان أو وطئه برجله لم يصح طوافه، ويكون الطواف داخل المسجد كما عرفت، ويكون أشواطه ولاء، فإذا فرغ من الطواف وركعتيه قبل الحجر الأسود، ثم يخرج إلى الصفا من أي باب أحب عند مالك؛ واستحب ابن حبيب خروجه من باب الصفا ويقدم رجله اليسرى في الخروج، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك. وهذا مستحب لكل من خرج من مسجد أي مسجد كان، فإذا وصل إلى الصفا رقي عليها، ويستحب ذلك للمرأة إن خلا الموضع فيسقبل

стр. 2992

القبلة، ولا يستحب رفع اليدين على المشهور، ثم يقول: الله أكبر ثلاثا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير: لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو يقول ذلك ثلاث مرات، ولا يدع الصلاة على النبي ﷺ . ثم ينزل ويمشي ويشتغل بالذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ، فإذا بقي بينه وبين الميل المعلق في ركن المسجد نحو ستة أذرع خب، والخبب فوق الرمل حتى يصل إلى الميلين اللذين أحدهما في جدار المسجد والآخر في جدار بلاط العباس رضي الله تعالى عنه، فيترك الخبب ويمشي حتى يبلغ المروة؛ فذلك شوط؛ فإذا وصل المروة رقى عليها، ويفعل كما تقدم في الصفا ثم ينزل ويفعل كما وصفنا من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ؛ الخبب، فإذا وصل إلى الصفا فذلك شوط ثان. وهكذا حتى يستكمل سبعة أشواط، يعد الذهاب للمروة شوطا والرجوع منها للصفا شوطا، فيقف أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة. وقد مر أنه يمسك عن التلبية إذا دخل مكة، فيمسك عنها حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها، ثم إذا زالت الشمس من اليوم الثامن من أيام العشر وهو يوم التروية طاف الناس سبعا، ثم خرجوا من مكة إلى منى ملبين بقدر ما يدركون بها صلاة الظهر أي آخر وقته المختار، ويكره التراخي عن ذلك إلا لعذرة وكذلك يكره التقدم قبله، فإذا وصلوا إلى منى نزلوا بها حيث شاؤوا، وصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح كل صلاة في وقتها، ويقصرون الرباعية بمنى للسنة إلا أهل منى فإنهم يتمون، وإذا كان يوم التروية يوم جمعة، فقال مالك: يصلي الإمام بمنى ركعتين سرا بغير خطبة ومن خاف خروج وقت الظهر في الطريق قبل أن يصل إلى منى صلاها، وتردد مالك في قصره وإتمامه. قاله سند. والأحسن أن يقصر ويبيت بمنى، وهذه الليلة من الليالي التي يطلب إحياؤها، فليكثر فيها من الصلاة والدعاء والذكر، ويوم التروية مشتق من الري؛ لأن الناس يعدون الماء فيه ليوم عرفة. واعلم أن السنة أن لا يخرج الناس من منى يوم عرفة حتى تطلع الشمس، والمبيت بمنى سنة قد أميتت عند كثير من الناس، فينبغي المحافظة على إحيائها، فإذا وصل إلى عرفة فلينزل بنمرة

стр. 2993

وهي السنة، وقد ترك اليوم غالبا، وإنما ينزل الناس في موضع الوقوف، فينبغي المحافظة على إحياء هذه السنة أيضا، فإذا قرب الزوال فليغتسل كغسل دخول مكة، فإذا زالت الشمس فليأت مسجد نمرة ويقطع التلبية حينئذ، فلا يلبي بعد ذلك على المشهور إلا أن يكون أحرم في عرفة فليلب حينئذ ويقطع لأن كل إحرام لا بد له من التلبية، ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين يجلس بينهما يعلم الناس فيهما ما يفعلون إلى اليوم الثاني من يوم النحر، ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعا وقصرا، لكل صلاة أذان وإقامة ومن لم يحضر صلاة الإمام جمع وقصر في رحله ولو ترك الحضور من غير عذر، ويتم أهل عرفة بها، فإذا كان يوم عرفة يوم الجمعة، فقال ابن الحاجب: الصلاة سرية، ولو وافق جمعة، ثم يدفع الإمام والناس إلى موقف عرفة، وعرفة كلها موقف وحيث يقف الإمام أفضل والوقوف راكبا أفضل، لفعله ﵊، إلا أن يضر بدابته، وثبت أنه ﵊ وقف مفطرا. والقيام أفضل من الجلوس: ولا يجلس إلا لتعب، وتجلس المرأة ووقوفه طاهرا متوضئا مستقبل القبلة أفضل، ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ابن حبيب: وإذا سألت فابسط يدك، وإذا رهبت واستغفرت فحولهما ولا تزال كذلك مستقبل القبلة بالخشوع والتواضع والتذلل وكثرة المذكر بالتهليل والتسبيح والتعظيم والصلاة على النبي ﷺ والدعاء لنفسك ولوالديك والاستغفار إلى أن تحقق غروب الشمس، إذ الوقوف الركني هو الكون في عرفة في جزء من ليلة النحر، فإذا بقي بها حتى تحقق الغروب فقد حصل القدر الواجب من الوقوف، ومن خرج من عرفة قبل الغروب ثم لم يعد إليها حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل منه بأفعال عمرة، ويجب عليه القضاء قابلا والهدي، فإذا تحقق غروب الشمس دفع الإمام ودفع الناس معه إلى المزدلفة بسكينة ووقار، فإذا وجد فرجة حرك دابته، وليحذر مما يعتقده كثير من الجهلة وهو أن من لم يخرج من بين العلمين لا حج له فتحصل بسبب ذلك المزاحمة العظيمة والضرر الكبير، والعلمان ساريتان عظيمتان بنيتا في حد الحل. قاله ابن عبد الصادق.

стр. 2994

ويندب المرور بين المأزمين بفتح اليمين وكسر الزاء وبالهمزة وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة يستحب المرور ببنهما للحاج كما في ابن الحاجب، ثم إذا وصل للمزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعا ويقصر العشاء بأذانين وإقامتين: ويصلي مع الإمام إن تيسر له ذلك وإلا ففي رحله، ويتم أهل مزدلفة فيها، والضابط في التقصير أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه، فأهل مكة يتمون فيها ويقصرون فيما سواها من منى وعرفة ومزدلفة، ويتم أهل عرفة بعرفة ويقصرون بمنى ومزدلفة ومكة. ويتم أهل مزدلفة بها ويقصرون في غيرها، وكذا أهل منى ولا بأس بحط الرحل الخفيف قبل الصلاة، وأما المحامل فلا، ولا يتعشى إلا بعد الصلاتين إلا أن يكون عشاء خفيفا فلا بأس به بعد صلاة المغرب وقبل العشاء وبعدهما أولى، والنزول بالمزدلفة واجب والمبيت بها إلى الفجر سنة، ولا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لا بد من حط الرحل والجلوس ساعة، ويستحب إحياء هذه الليلة بالعبادة وأن يصلي بمزدلفة الصبح في أول وقتها، ثم إذا صلى الصبح يقف بالشعر الحرام مستقبل القبلة، والمشعر عن يساره، فيثني على الله تعالى ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين، والمشعر اسم لبناء مزدلفة ويطلق على جميعها وكلها موقف، ولا وقوف عند المشعر قبل صلاة الصبح ولا بعد الإسفار، ويلقط سبع حصيات لجمرة العقبة من المزدلفة، وأما بقية الجمار فليلقطها من أي موضع شاء من منى أو غيرها، ثم يدفع قرب الإسفار إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر وهو قدر رمية بحجر، ويسرع الماشي في مشيه، فإذا وصل إلى منى أتى جمرة العقبة على هيئته من ركوب أو مشي إلا أن يكون في إتيانه كذلك إذاية للناس فيحط رحله ويأتي، فإذا وصل إليها وهي على طريق منى استقبلها ومنى عن يمينه ومكة عن يساره ثم يرميها بسبع حصيات متواليات يكبر مع كل حصاة؛ فإن رماها من فوقها أجزأ وليستغفر الله تعالى، فإذا رمى جمرة العقبة في يوم النحر فقد حصل به التحلل الأول، ثم يرجع إلى منى فينزل حيث أحب، وينحر هديه إن أوقفه بعرفة وإلا نحره بمكة بعد أن يدخل به من الحل، ثم يحلق جميع شعر رأسه وهو الأفضل أو يقصره، ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة في ثوبي إحرامه استحبابا، ثم يصلي ركعتين ثم يسعى سبعة أشواط كما تقدم إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن كان قد سعى بعده لم يعد السعي وهذا هو

стр. 2995

التحلل الثاني، ويسمى: التحلل الأكبر، ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر يوم النحر، فإذا فرغ من طواف الإفاضة وسعيه إن كان لم يسع رجع إلى منى بلا تأخير فإن إقامته بها حينئد، أفضل من إقامته بمكة، والأفضل له أن يصلي الظهر بمنى إن أمكنه ويقيم بها إلى أن يكمل حجه، والبيت بمنى واجب ثلاث ليال لمن لم يتعجل وليلتين للمتعجل، ويشترط في البيت أن يكون فوق جمرة العقبة، فمن بات دونها فكأنه لم يبت ويسقط البيت عن الرعاة، فإذا رموا يوم النحر يرخص لهم أن يذهبوا ويأتوا في اليوم الثالث فيرموا لليوم الثاني ثم لليوم الثالث ولا دم عليهم، ويسقط البيت أيضا عن من ولي السقاية بمكة، ثم إذا زالت الشمس من اليوم الثاني وتحقق الزوال فليذهب ماشيا متوضئا قبل صلاة الظهر ومعه إحدى وعشرون حصاة، فيبتدئ بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد منى فيرميها من جهة مسجد الخيف استحبابا وهو مستقبل مكة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم أمامها وهو مستقبل القبلة، ثم يدعو يمكث في دعائه قدر إسراع سورة البقرة، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات من جهة مسجد الخيف أيضا، ثم يتقدم أمامها ذات الشمال ويجعلها على يمينه ويدعو قدر إسراع سورة البقرة أيضا، ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات، ولا يقف عندها؛ لأن موضعها ضيق، ولذلك لا ينصرف الذي يرميها على طريقه؛ لأنه يمنع الذي يأتي للرمي، وإنما ينصرف من ورائها، ثم يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر وبقية الصلوات كل صلاة في وقتها ويقصر الصلاة جميعُ الحاج بمنى إلا أهلها، ويكبرون دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع، والتكبير أن يقول: الله أكبر ثلاثا، ويقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله، أكبر الله أكبر ولله الحمد، ويكثر الحاج بمنى من هذا الذكر، ويسن للإمام في هذا اليوم -أعني ثاني النحر- أن يأتي إلى مسجد منى فيصلي بالناس الظهر، ثم يخطب خطبة واحدة يعلمهم فيها بقية أفعال الحج وحكم التعجيل والنزول بالمحصب، وهذه الخطبة قد تركت منذ مدة، فإذا زالت الشمس من اليوم الثالث رمى الجمار الثلاث بعد الزوال قبل صلاة الظهر على الصفة المتقدمة، ثم إن شاء أن يتعجل إلى مكة فله ذلك، ويسقط عنه البيت ليلة الرابع ورمي يومها، ويشترط في صحة التعجيل أن يخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثالث، وإن غربت قبل أن يجاوز جمرة العقبة لزمه المبيت بمنى ورمي اليوم

стр. 2996

الرابع، فإذا زالت الشمس في اليوم الرابع رمى الجمار الثلاث كما مر، وقد تم حجه فإذا رمى في اليوم الرابع فينفر من منى ويؤخر الظهر، فإذا وصل الأبطح نزل فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويقصر الرباعية، وما خاف خروج وقته من الصلوات قبل الوصول إلى الأبطح فليصله حيثما كان، والنزول بالأبطح إنما يشرع لغير المتعجل، ووسع مالك لمن لا يقتدى به في تركه، فإذا صليت العشاء فاقدم إلى مكة وقد تم حجك فأكثر من الطواف مدة إقامتك، ومن شرب ماء زمزم والوضوء به، ولازم الصلاة في الجماعة الأولى. وأما صفة العمرة فهي أن ينوي أنه داخل في حرمة هذا النسك مع قول أو فعل تعلقا به كما مر في الحج، وميقاتها ميقات الحج. ويسن لمن كان أحرم بحج مفردا أن يخرج إلى الجرانة أو التنعيم فيحرم بعمرة ثم يدخل إلى مكة فيطوف ويسعى ويحلق وقد تمت عمرته، فإذا عزمت على الخروج من مكة فليكن آخر عهدك الطواف بالبيت ويسمى طواف الوداع، وإذا خرج الحاج من مكة فإنه يستحب له الخروج من كدى بالضم والقصر وهو الثنية الوسطى التي بأسفل مكة، ولتكن نيته وعزيمته وكليته زيارته ﷺ وزيارة مسجده، وما يتعلق بذلك لا يشرك معه غيره؛ لأنه ﷺ متبوع لا تابع، فهو رأس الأمر المطلوب والمقصود الأعظم المرغوب، فإن زيارته ﷺ سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، وليكثر الزائر من الصلاة عليه ﷺ في طريقه، ويكبر على كل شرف، ويستحب أن ينزل خارج المدينة فيتطهر ويركع ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويجدد التوبة، ثم ليمش فإذا وصل المسجد فليبدأ بالركوع إن كان وقت يجوز فيه الركوع، وإلا فليبدأ بالقبر الشريف، ويكون ركوعه في محراب النبي ﷺ إن قدر أو في الروضة أو في غيره من المواضع، ثم يتقدم إلى القبر الشريف ولا يلتصق به، ويستقبل وهو في ذلك متصف بكثرة الذل والسكنة والانكسار والفقر والفاقة والاضطرار يشعر نفسه أنه واقف بين يديه ﷺ ، قال مالك فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، ثم يقول: صلى الله عليك وعلى أزواجك وذريتك وعلى أهلك أجمعين كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك عليك وعلى أزواجك وذريتك كما بارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، فقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة وعبدت ربك وجاهدت في

стр. 2997

سبيله ونصحت لعباده صابرا محتسبا حتى أتاك اليقيق، صلى الله عليك أفضل الصلاة وأتمها وأطيبها وأزكاها، ثم يتنحى إلى اليمين نحو ذراع، ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته صفي رسول الله وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة رسول الله ﷺ خيرا، ثم يتنحى إلى اليمين نحو ذراع أيضا ويقول: السلام عليك يا أبا حفص الفاروق ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خيرا. وكره مالك لأهل المدينة الوقوف بالقبر كلما دخل أحدهم المسجد أو خرج، وقال: إنما ذلك للغرباء؛ لأنهم قصدوا ذلك، وليحذر الزائر مما يفعله بعض الجهلة من الطواف بالقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والتمسح بالبناء وإلقاء المناديل والثياب عليه ومن تقرب العامة بأكل التمر في الروضة وإلقاء شعورهم في القناديل، وهذا كله من المنكرات. ويستحب أن يزور البقيع والقبور المشهورة فيه ومسجد قباء ويتوضأ من بير أريس ويشرب منها، وهذا في حق من كثرت إقامته وإلا فالمقام عنده ﷺ أحسن ليغتنم مشاهدته ﷺ ، وقد قال ابن أبي جمرة: لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة وما زلت واقفا هناك حتى ارتحل الركب، ولم أخرج إلى البقيع ولا غيره، ولم أر غيره ﷺ ، وقد كان خطر لي أن أخرج إلى البقيع، فقلت: إلى أين أذهب؟ هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين والمضطرين والفقراء والمساكين؛ وليس ثم من يقصد مثله ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم، ويستحب للحاج تعجيل الأوبة، وأن يستصحب الهدية يدخل بها السرور على أقاربه وحشمه ونحوهم، ولله در ابن عاشر حيث يقول: وإن ترد ترتيب حجك اسمعا … بيانه والذهن منك استجمعا إن جئت رابغا تنظف واغتسل … كواجب وبالشروع يتصل قوله: كواجب؛ أتي كالغسل الذي ذكره في باب الغسل، فصفته كصفته، وقوله: وبالشروع أي: في الإحرام.

стр. 2998

والبس ردا وأزرة نعلين … واستصحب الهدي وركعتين بالكافرون ثم الإخلاص هما … فإن ركبت أو مشيث أحرما بنية تصحب قولا أو عمل … كمشيٍ أو تلبية مما اتصل أي مما تعلق بالإحرام وجددنها كلما تجددت … حال وإن صليت ثم إن دنت مكة فاغتسل بذي طوى بلا … دلك ومن كدا الثنية ادخلا إذا وصلت للبيوت فاتركا … تلبية وكل شغل واسلكا للبيت من باب السلام واستلم … الحجر الأسود كبر وأتم سبعة أشواط به وقد يسر … وكبرن مقبلا ذاك الحجر متى تحاذيه كذا اليماني … لكن ذا باليد خذ بياني إن لم تصل للحجر المس باليد … وضع على الفم وكبر تقتد وارمل ثلاثا وامش بعدُ أربعا … خلف المقام ركعتين أوقعا وادع بما شئت لدى الملتزم … والحجر الأسود بعد استلم واخرج إلى الصفا فقف مستقبلا … عليه ثم كبرن وهللا واسع لمروة فقف مثل الصفا … وخب في بطن المسيل ذا اقتفا وادع بما شئت بسعي وطواف … وبصفا ومروة مع اعتراف ويجب الطهران والستر على … من طاف ندبها بسعي اجتلى وعد فلب لمصلى عرفه … وخطبة السابع تأتي للصفه وثامن الشهر اخرجن لمنى … لعرفات تاسعا نزولنا واغتسلن قرب الزوال واحضرا … الخطبتين واجمعن واقصرا ظهريك ثم الجبل اصعد راكبا … على وضوء ثم كن مواظبا على الدعا مهللا مبتهلا … مصليا على النبي مستقبلا هنيئة بعد غروبها تقف … وانفر لمزدلفة وتنصرف

стр. 2999

في المأزمين العلمين نكب … واقصر بها واجمع عشا لمغرب قوله: وتنصرف في المازمين الخ، قال ميارة: إن العلمين بدل من المأزمين؛ أي وسر ندبا بين المأزمين أي العلمين، وقوله: نكب، مفعوله محذوف أي: ونكب الانصراف في غير ما بين المأزمين إلا لزحام يحصل معه ضرر. قاله غير ميارة أيضا. وقال ابن عبد الصادق: وتنصرف في المأزمين أي تمر بينهما، وقوله: العلمين، مفعول نكب، ساريتان بنيتا على حد الحل تزعم العامة أن من لم يمر بينهما لا حج له، فأمر باجتنابهما لذلك: واحطط بها وبت وأحي ليلتك … وصل صبحك وغلس رحلتك قف وادع بالمشعر للإسفار … وأسرعن ببطن وادي النار وسر كما تكون للعقبة … فارم لديها بحجار سبعة من أسفل تساق من مزدلفه … كالفول وانحر هديا إن بعرفه أوقفته واحلق وسر للبيت … فطف وصل مثل ذاك النعت وارجع وصل الظهر في منى وبت … إثر زوال غده ارم لا تفت ثلاث جمرات بسبع حصيات … لكل جمرة وقف للدعوات طويلا إثر الأوليين أخر … عقبة وكل رمي كبرا وافعل كذاك ثالث النحر وزد … إن شئت رابعا وتم ما قصد ومنع الإحرام صيد البر … في قتله الجزاء لا كالفأر وعقرب مع الحدا كلب عقور … وحية مع الغراب إذ تجور ومنع المحيط بالعضو ولو … بنسج أو عقد كخاتم حكوا قوله: أو عقد أي: محيطا بسبب عقد بعضه ببعض مثلا. والستر للوجه أو الرأس بما … يعد ساترا ولكن إنما

стр. 3000

تمنع الأنثى لبس قفاز كذا … ستر لوجه لا لستر أخذا أي يمنع لها أن تستر وجهها إلا أن تكون سترته عن أعين الناس مخافة الفتنة. ومنع الطيب ودهنا وضرر … قمل وإلقا وسخ ظفر شعر ويفتدي لفعل بعض ما ذكر … من المحيط لهنا وإن عذر ومنع النسا وأفسد الجماع … إلى الإفاضة يُبَقَّى الامتناع قوله إلى الافاضة متعلق بيبقى كالصيد ثم باقي ما قد منعا … بالجمرة الأولى يحل فاسمعا وجاز الاستظلال بالمرتفع … لا في المحامل وشقدف فع قوله: بالمرتفع أي: عن رأسه كالخباء والبيت. وسنت العمرة فافعلها كما … حج وفي التنعيم ندبا أحرما قوله: كما حج أي: سنت عينا مرة في العمر كما في الحج، وتندب بعد ذلك. وإثر سعيك احلقن أو قصرا … تحل منها والطواف كثرا ما دمت في مكة وارع الحرمه … لجانب البيت وزد في الخدمة ولازم الصف فإن عزمتا … على الخروج طف كما علمتا وسر لقبر المصطفى بأدب … ونية تجب لكل مطلب سلم عليه ثم زد للصديق … ثم إلى عمر نلت التوفيق واعلم بأن ذا المقام يستجاب … فيه الدعا فلا تمل من طلاب وسل شفاعة وختما حسنا … وعجل الأوبة إذ نلت المنى وادخل ضحى واصحب هدية السرور … إلى الأقارب ومن بك يدور

стр. 3001

ولما أنهى الكلام على الحج أتبعه بالكلام على الذكاة والضحايا لأنهما كالتتمة لكتاب الحج؛ لأن المحرم يطلب بذبح الهدي ونحره إما وجوبا أو سنة، ولأن المصنف أحال عيوب الهدي وسنه على الضحايا، ولذلك قال: باب في الذكاة.

стр. 3002

بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. ولما أنهى الكلام على الحج أتبعه بالكلام على الذكاة والضحايا لأنهما كالتتمة لكتاب الحج لأن؛ المحرم يطلب بذبح الهدي أو نحره إما وجوبا أو سنة، ولأن المص أحال عيوب الهدي وسنه على الضحايا فلذلك قال: باب: في الذكاة ويسمى هذا الباب كتاب الذكاة وكتاب الذبائح، والذكاة في اللغة أصلها التمام، فمعنى ذكيتَ الذبيحة: أتممتَ ذبحها، وذكيتَ النار: أتممتَ إيقادها، ورجل ذكي أي تام الفهم، وفي الشرع هي السبب الذي يتوصل به إلى إباحة ما يؤكل لحمه من الحيوان. والذبائح لغة جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة، وفي الشرع قال ابن عرفة: الذبائح لقب لما يحرم بعض أفراده من الحيوان لعدم ذكاته، وسلبها عنه، ولا يباح بها مقدورا عليه فيخرج الصيد. انتهى. أي بقوله: مقدورا عليه، وخرج بقوله: لما يحرم بعض أفراده لخ، ما يحرم جميع أفراده كالخنزير، وما لا يحرم منه فرد كالبحري، وقوله: لعدم ذكاته، كما إذا مات حتف أنفه، وقوله: أو سلبها عنه، كالموقوذة وما معها المنفوذة القاتل. والله سبحانه أعلم. والذبح بالكسر: ما يذبح، وبالفتح: مطلق الشق، وفي الشرع شق خاص وحكمه الأصلي الجواز، وقد يعرض له الوجوب كما في الهدي والفدية، والندب كالأضحية، والحرمة كالذبح لغير الله، والكراهة كالذبح من الفاسق. وأنواع الذكاة أربعة: ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحو الجراد. وحكمة مشروعية الذكاة إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات، ولما قضى الله على خلقه بالفناء وشرف بني آدم بالعقل، أباح لهم أكل الحيوان قوة لأجسامهم وتصفية لمرآة عقولهم، وليستلذوا بطيب لحمها، ويستدلوا به على كمال قدرته، وليتنبهوا على أن للمولى الكريم بهم عناية إذ آثرهم بالحياة على غيرهم. وبدأ المص بالنوع الأول من أنواع الذكاة لكثرة أفراده، فقال: الذكاة قطع مميز؛ يعني أن الذكاة في الذبح هي أن يقطع مميز جميع الحلقوم وجميع الودجين، وقوله: "مميز"، تحقيقا ولو سكران محققا تمييزه لا صغير لم يميز، أو سكران تحقق عدم تمييزه، أو شك فيه حيث لم يدعه فإن

стр. 3003

ادعاه عند ذبحه كره أكلها، فأقسامه أربعة. ولابن رشد: إن ادعى التمييز نوي في حق نفسه. قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما اشترط التمييز لافتقار الذكاة بالإجماع إلى النية، وتصح ذكاة المجنون حال إفاقته. يناكح صفة "لميز"؛ يعني أنه يشترط في هذا المميز أن يكون ممن تنكح الأنثى منه، فيدخل الكتابي ذكرا أو أنثى ولو صبيا أو أمة، فالمراد بالنكاح الوطء، وسواء في ذلك الذمي والحربي فتؤكل ذبائح الجميع، والفاعلة ليست على بابها؛ لأنه لا يباح لنا أن ننكحهم نساءنا، واحترز بذلك من المجوسي والمرتد والصابي ونحوهم. وقوله: "قطع"، احترز به من الخنق والنهش. وبما قررته علم أن قوله: تمام، مفعول لقوله: "قطع"؛ أي جميع -كما نقله الخرشي عن الشيخ سالم- الحلقوم، مضاف إليه ما قبله، والحلقوم بضم الحاء المهملة والقاف بينهما لام ساكنة هو القصبة البيضاء التي هي مجرى النفس والحس، ولابد أن تبقى دائرة منها إلى الرأس، وإلا فهي المغلصمة فلا تؤكل على المذهب، وهو قول مالك وابن القاسم؛ وقال ابن وهب: تؤكل، وهو مذهب الشافعي. ابن ناجي: وبقول ابن وهب وقعت الفتوى عندنا بتونس منذ مائة عام مع البيان عند البيع، وفي الخرشي إضافة تمام إلى الحلقوم والودجين من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي الحلقوم التام، ولو قال: قطع جميع، كان أبين. ويضمن الجزار إن غلصم شاة رجل إن فرط على مذهب مالك وابن القاسم، لا إن لم يفرط كما لو اضطربت الذبيحة، وهو محمول على عدم التفريط إن ادعاه لأنه أمين، والودجين عطف على قوله: "الحلقوم"؛ أي وكما يشترط قطع جميع الحلقوم، يشترط قطع جميع الودجين وهما: عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن ويتصلان بالدماغ، ولا يشترط قطع المريء الأحمر بالهمز كأمير على المشهور وهو مجرى الطعام والشراب، ومقابل المشهور عزاه اللخمي لرواية أبي تمام، وعزاه ابن فرحون له لا لروايته، وعياض لرواية البغداديين. وللشافعي: لابد من قطعه، والظاهر وجوب بيان عدم قطعه عند البيع للشافعي.

стр. 3004

من المقدم؛ يعني أن الذبح إنما يكون من المقدم لا من القفا، ولا من إحدى صفحتي العنق، وصفة الذبح الذي هو قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين أن يكون من فوق العروق، وإن كان من تحتها، بأن أدخل السكين من تحتها وقطعها فهي ميتة كان ذلك ابتداء أو في الأثناء، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: فلا يؤكل ما ذبح من القفا ولا من إحدى صفحتي العنق، فعل ذلك عمدا أو غلبة في ضوء أو ظلمة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله أو غلبة إلى آخره، في التوضيح ما نصه: لو ذبح من القفا في ظلام وظن أنه أصاب وجه الذبح ثم تبين خلاف ذلك لم تؤكل. نص عليه في النوادر. محمد: وأما من أراد أن يذبح في الحلقوم فأخطأ فانحرف فإنها تؤكل. انتهى. وذهب جماعة من أهل العلم خارج المذهب إلى إباحة أكل ما ذبح من القفا. قاله الحطاب. وفيه: ويشترط في الذبح أن يكون من الحلقوم، وفي حاشية الشيخ الأمير عند قوله: "من المقدم"، فلا يضر الانحراف فيه حيث لم يلزم النخع قبل تمام الذكاة. انتهى. بلا رفع قبل التمام؛ يعني أن الذابح يشترط في ذبحه أن لا يرفع يده قبل تمام الذبح، وظاهر كلامه أنه إن رفع قبل التمام لا تؤكل ذبيحته مطلقا، سواء كان قريبا أو بعيدا تعيش الذبيحة لو تركت أو لا تعيش عمدا أو تفريطا أو غلبة، هذا ما يقتضيه كلامه بحسب ظاهره، والتحقيق في ذلك أنه إن رفع قبل التمام أو أبقى السكين على الذبح بلا ذبح ثم كمل أكلت مطلقا إن كانت لو تركت عاشت، وتكون الثانية ذكاة مستقلة وإن لم تعش بأن أنفذ منها مقتل وأعاد عن قرب أكلت أيضا رفع اختيارا أو اضطرارا؛ لأن هذا في حكم فعل واحد، فإن أعاد عن بعد لم تؤكل رفع اختيارا أو اضطرارا، فالصور ثمانية: أربعة فيما إذا لو تركت عاشت، وأربعة فيما إذا لو تركت لم تعش؛ بأن أنفذ منها مقتل تؤكل في ست منها دون اثنتين كما علمت، ولا فرق بين كون المتمم في هذه كلها هو الأول أو غيره، ولابد من النية والتسمية إن أعاد عن بعد مطلقا أو أعاد عن قرب وكان الثاني غير الأول وإلا لم يحتج لذلك، والقرب معتبر بالعرف كما يفهم من نقل المواق عن ابن سراج. وفي كتاب الشيخ الأمير: والبعد بالعرف، وفتوى ابن قداح بالأكل في ثلاثمائة باع اتفاقية، فإن المشي يتفاوت. انتهى. ويقيد الأكل فيما إذا رفع اختيارا بما إذا لم يتكرر وإلا لم تؤكل، ويجوز

стр. 3005

وضع شخصين يديهما على محل الذبح بآلة مع كل منهما، وذبحهما معا مع النية والتسمية من كل منهما. نقله الشيخ عبد الباقي، قال: وكذا فيما يظهر إذا وضع شخص الآلة على ودج والآخر الآلة على الآخر وقطعا جميع الودجين والحلقوم، وقوله: "بلا رفع"، يجري نحوه في النحر والعقر بالأقسام كلها، ومن الصور الجارية على ما لو تركت لعاشت ما يفعله أهل البدو من شقهم جلد الشاة قبل ذبحها من تحت حنكها، ويدخل السكين تحت الحنك ويذبحونها ليشقوا جلدها كله مع جلد رأسها طولا: وذكروا أنها لو تركت بعد الشق لعاشت. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وأشار للنوع الثاني بقوله: وفي النحر طعن بلبة؛ يعني أن الذكاة في الذبح ما تقدم، وأنها في النحر أن يطعن المذكي بالآلة في اللبة بفتح اللام: موضع القلادة، ولو لم يقطع شيئا من الحلقوم والأوداج على المشهور؛ لأن في اللبة عرقا متصلا بالقلب، فلا يمكن أن تعيش، وعلل أيضا بأنه محل تصل منه الآلة للقلب فيموت سريعا، وقوله: "طعن"، أي طعن من تقدم وهو المميز الذي يناكح. وبما قررته علم أن قوله: "وفي النحر" معطوف على مقدر بعد قوله: "الذكاة"؛ أي في الذبح. وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين. راجع لقوله: "تمام الحلقوم والودجين"، فهو من جملة الكلام على الذبح؛ يعني أنه كما شهر القول الأول المشار إليه بقوله: "قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين"، فلا يكتفى بما دون ذلك، شهر أيضا قول مقابل له وهو أنه يكتفى بنصف الحلقوم وجميع الودجين، وإلى هذا أشار بقوله: "وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم"، فهو مسألة مستقلة، وقوله: "والودجين"، معناه أنه شهر أيضا الاكتفاء بنصف الودجين، ويعني مع تمام الحلقوم فهو أيضا مسألة مستقلة، ومعنى ذلك أن يقطع نصف كل ودج على هذا حمله الشارحان. قاله الحطاب. واعلم أن هذا التشهير لا يساوي التشهير الأول أي قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين، وقوله: "والودجين"، لا يتناول قطع واحد من الودجين مع الحلقوم دون الآخر وإن كان فيه روايتان؛ لأن الأكل فيها لم يشهر، وتبع المص في هذا التشهير ابن بزيزة في شرح التلقين، ومثل ما لابن

стр. 3006

بزيزة لصاحب المعين في شرح التلقين. نقله بعضهم. وما نقله يفيد أن التشهير في ثلاث صور في نصف الحلقوم فقط، وفي نصف كل ودج، وفي نصف كل من الثلاثة. وقرر الشيخ عبد الباقي قوله: "وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين" تبعا لابن غازي على أنه مسألة واحدة، والمعنى على ذلك أنه يكتفى بنصف الحلقوم وجميع الودجين، فقوله: "الودجين"؛ على هذا عطف على نصف، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: قوله "بنصف الحلقوم": أي فأكثر بحيث لا يبلغ التمام، فما زاد على النصف ولم يبلغ التمام لا يكتفى به على القول الأول الذي هو المشهور ولانحطاط التشهير هنا عما قبله، بل قال بعض: لم نر من شهر هذا أي غير قول ابن عبد السلام: الأقرب اغتفار ذلك، لقوله ﵊: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل (١)) ولم يقل المص: خلاف، على أن بعضهم قال: لا يلزم ابن القاسم الذي يغتفر بقاء نصف الحلقوم من الطير أن يقول مثله في غير الطير، لما علم عادة من صعوبة استئصال قطع الحلقوم من الطير وسهولة ذلك من غيره. انتهى. وإن سامريا، مبالغة في صحة الذكاة من المميز الذتي يناكح؛ يعني أنه يصح ذبح المميز الذي يناكح ونحره وإن كان سامريا، والسامرية صنف من اليهود ينكرون البعث وينكرون نبوءة ما عدا موسى وهارون ويوشع بن نون من أنبياء بني إسراءيل، واحترز بذلك من الصابي فلا تؤكل ذبيحته كما مر، والصابية طائفة بين النصرانية والمجوسية يعتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة، وقال مجاهد: هم بين اليهودية والنصرانية، وعن قتادة: أنهم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات، وتؤكل ذبيحة السامري ولو لم يتنصر، بخلاف الصابي فلا تؤكل إلا إذا تنصر. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: فإن قلت: السامري أخذ ببعض اليهودية والصابي ببعض النصرانية فما وجه الفرق؟ قلت: هو أن أخذ الصابي بالنصرانية دون أخذ السامري باليهودية كما ذكره التونسي، فلذا اشترط في الصابي أن يتنصر بخلاف السامري. أو مجوسيا تنصر؛ يعني أن المجوسي وهو عابد النار لا كتاب له تؤكل ذبيحته بشرط أن يتنصرت فقوله: "تنصر"، راجع للأخير فقط كما علمت، ومثل تنصره تهوده، وتؤكل ذبيحة

стр. 3007

الغلام أبوه نصراني وأمه مجوسية؛ لأنه تبع لدين أبيه إلا أن يكون قد تمجس وتركه أبوه، ولا يناقض هذا ما ذكروه في الحرة يسبيها العدو فتلد منهم أن أولادها الصغار تبع لها في الدين؛ إذ ليس هنا أب حقيقة. قاله الحطاب عن ابن ناجي. وذبح لنفسه؛ هذه الجملة عطف على قوله: "يناكح"؛ يعني أنه يشترط في ذبيحة الكتابي أصالة أو انتقالا ثلاثة شروط: أحدها أن يذبح لنفسه أي ما يملكه لا ما يملكه مسلم أو مشتركا بينه وبين كتابي، ثانيها أن يذبح مستحله بفتح الحاء أي الشيء الذي يحل له بشرعنا من ذي الظلف، الثالث أن لا يذبحه لصنم كما يأتي. وإن أكل الميتة؛ يعني أنه إذا توفرت الشروط المذكورة في الكتابي فإنه تؤكل ذبيحته، وإن أكل الميتة أي كان يستحل ذلك في دينه علما منا بذلك أو شكا. إن لم يغب؛ يعني أنه يشترط في أكل ذبيحة الكتابي الذي يستحل أكل الميتة أن لا يغيب عليها عند ذبحها، فلابد أن يذبحها بحضرة مسلم عارف بالذكاة الشرعية غير متهم على موافقته فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وينبغي أن يكون من لا يعرفها إذا وصف ما حصل من الكتابي بحضرته وكان ذكاة شرعية كذلك فنأكله بالشروط المتقدمة، بخلاف فاقدها لأنه ميتة، وعبارة الأمير: ولا يشترط حضور مسلم يعرفها أو يصفها إلا أن يأكل الميتة. انتهى. واقتضى كلام المص أنه لا يؤكل ما صنعوا به غير الذكاة الشرعية كمن يسل عنق الدجاجة وهذا هو المشهور، وقال ابن العربي: يؤكل ولو رأيناه يسل عنقها لأنه من طعامهم وقال ابن راشد: القياس أن لا يؤكل ما ذبحه آكل الميتة وإن لم يغب؛ لأن الذكاة لابد فيها من النية، وإن ادعى أنه نواها فكيف يصدق لأنه يستحل الميتة؟ اهـ وعليه رد المص بالمبالغة، وكأن وجه المشهور -والله أعلم- الوقوف مع النص، فإن الله تعالى أباح لنا ذبائحهم وهو عالم لما يفعلون من قصد الذكاة وعدمه. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي حاشية الشيخ الأمير التصريح بأنه يكفي من النية قصد الفعل المعهود وإن لم ينو المذكي التحليل، وعليه فلا إشكال. والله تعالى أعلم.

стр. 3008

لا صبي ارتد، عطف على "مميز"؛ يعني أن الصبي الميز إذا ارتد لا تؤكل ذبيحته لاعتبار ردته وعدم مناكحته، وقيل تؤكل لعدم قتله، وقوله: "لا صبي ارتد"، وأحرى كبير ارتد في عدم الأكل، ونص على الصغير ردا للقول بأنها تؤكل. والله أعلم. ولا فرق في المرتد بين أن يكون ارتد إلى دين أهل الكتاب أو إلى غيره. قاله في المدونة. خلافا للخمي في قوله: ينبغي أن تصح ذكاته إذا ارتد إلى دين أهل الكتاب لا إلى غيره؛ لأنه صار من أهل الكتاب. قاله الحطاب. وذبح لصنم؛ يعني أن ما ذبح للصنم -والمراد به ما عبد من دون الله تعالى بحيث يشمل الصنم والصليب وغيرهما- لا يؤكل إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم؛ لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس من طعامهم، ولم يقصدوا بالذكاة إباحته، وأما ما يأتي من الكراهة في ذبح لصليب فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم، فهذا يؤكل بكره لأنه من طعامهم. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفرق عبد الباقي بين ما هنا وبين ما يأتي بأنه هنا ذكر اسم الصنم، فقال عند ذبحه: باسم العزى مثلا، وما يأتي من قوله: "وذبح لصليب"، بأنه ذبح لأجل التقرب به إلى الصليب فلا ينافي ذكر اسم الله، فلذا كره أكله فقط، قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو غير صواب؛ لأن مجرد ذكر الاسم عليه لا يحرمه ذكر معه اسم الله أم لا. انتهى. وهو ما يأتي، قال هذا الشارح، وتفسير عبد الباقي صواب كما يرشد إليه كلام غير واحد من الفحول. والله سبحانه أعلم. والصنم هو المعبود من حديد ونحوه، والأوثان مثل الأحجار. قاله الخرشي. أو غير حل له؛ يعني أن الكتابي أي اليهودي إذا ذبح ما لم يستحله لا تؤكل ذبيحته أي يحرم، أكلها لكن بشرط أشار له بقوله: إن ثبت بشرعنا؛ يعني أن محل حرمة ذبيحة الكتابي حيث ذبح ما لم يستحله في دينه إنما هو إن ثبت تحريم ذلك عليه بشرعنا، والذي ثبت تحريمه بشرعنا كل ذي ظفر، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وهو الإبل وحمر الوحش والنعام والإوز ونحوها من الحيوان، وهو ما كان غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقوله: "أو

стр. 3009

غير حل له إن ثبت بشرعنا"، حكى ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال، ونصه: وفي حرمة مذكاهم من ذي الظفر وإباحته ثالثها: يكره. نقله الخرشي. وإلا كره؛ يعني أن ما لا يستحله أهل الكتاب إذا لم يخبر شرعنا بأنه حرم عليهم، بل أخبروا هم أن شرعهم حرم ذلك عليهم، فإنه يكره لنا أكله ولا يحرم، وذلك كالطريفة وهي: فاسدة الرية أي ملتصقة بظهر الحيوان، وليس الدجاج من ذي الظفر. كجزارته؛ بكسر الجيم، وأما بالضم: فأطراف البعير يداه ورجلاه ورأسه؛ يعني أن الكتابي المميز الذي يناكح يكره للإمام أن يبقيه جزارا في أسواق المسلمين يذبح ما يستحله ليبيعه لعدم نصحه لهم والجزار الذابح، واللحام بائع اللحم؛ والقصاب كاسر العظم، وينبغي أن يراد هناها يعم الجميع. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وكذا يكره أن يكون جزارا في البيوت، وهذا مبني على القول بصحة استنابته، ولا يشترط في حلية ذبيحة الكتابي التسمية بخلاف النية، وقد مر استشكال ابن راشد لذبيحة آكل الميتة حيث لم يغب. وبيع؛ يعني أنه يكره أن يكون الكتابي بياعا في أسواق المسلمين، وكذا يكره أن يكون صيرفيا، لأنه لا يؤمن أن يوقع المسلمين في الربا، وإنما حذف الضمير لدلالة الكلام عليه قاله الشارح. وقد ورد عن عمر ﵁ أنه نهى أن يكون أهل الذمة جزارين للمسلمين أو صيارفة لهم، وأمر أن يقاموا من الأسواق كلها، ويحتمل أن معناد لا يباع له شيء من الحيوان ليذبحه لعيده كما في الشارح وغيره، وهذا أنسب لأجل قوله: وإجارة لعيده: يعني أنه يكره للمسلم أن يؤاجر دابته أو سفينته لكتابي لأجل عيده، وكذا كل ما يستعين به على تعظيم شأنه في عيد وغيره، وروي عن مالك إجازة البيع لهم لأعيادهم، والخلاف على خطابهم وعدمه، وقال عبد الباقي عند قوله "لعيده": أي الكافر. وشراء ذبحه؛ يعني أنه يكره لنا أن نشترى ذبيحة الذمي التي ذبحها لنفسه، فمن اشترى منهم لم يفسخ شراؤه وهو رجل سوء، إلا أن يكون ما اشتراه منهم مثل الطريفة مما لا يأكلونه، فيمنع الشراء ويفسخ إن وقع، ووجه حرمة الشراء وفسخ البيع مع كراهة الأكل فقط إعانتهم بإطعامهم ما لا يحل لهم. قاله الخرشي.

стр. 3010

وفي الشبراخيتي عن صاحب المدخل أنه ذكر ما يفيد أنه يكره الشراء منه سواء كان المبيع ذبحه أم لا، وعليه فلا مفهوم لقوله: "وشراء ذبحه"، وقال عند قوله: "وبيع": هو وما بعده بالجر، عطف على: "جزارته"، ويصح رفعه عطفا على نائب الفاعل. انتهى. وفي الخرشي عن المدخل: الشراء من أهل الذمة مكروه سواء كان ما يبيعونه مائعا أو غيره، والمسلمون أحق بالبيع منهم، لأن المسلم مأمور بإعانة أخيه المسلم. وتسلف ثمن خمر؛ يعني أنه يكره لنا أن نتسلف من الكافر ولو غير ذمي ثمن الخمر، سواء باعها لمسلم أو لكافر، إلا أن ثمنها من مسلم أشد كراهة، ويتصدق الكافر بثمن الخمر إذا أسلم قبل قبضه، فإن قبضه قبل إسلامه كان له، هذا قول ابن القاسم، وقال سحنون: يتصدق به مطلقا، وأما المسلم إذا باع الخمر فيحرم تسلف ثمنها منه؛ لأنه لا يملكه فيجب رد الثمن وإراقة الخمر، والظاهر حرمة تسلف ثمن ما ثبت تحريمه على اليهودي بشرعنا، كذي الظفر إذا ذبحه وباعه؛ لأنه ميتة وهم لا يستحلون ثمن الميتة، وإن استحلوا ثمن الخنزير فالتسلف منهم تارة يحرم وتارة يكره وتارة يجوز، كتسلف ثمن ما يجوز بيعه عندنا، والظاهر كراهة تسلف ثمن شحم اليهودي أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. وبيع به؛ يعني أنه يكره لنا أن نبيع شيئا بثمن الخمر؛ بأن نأخذ ثمن الخمر لكونه ثمن مبيع لنا أو نأخذه هبة أو نعطي فيه دراهم أو نأكل من طعام ابتاعه الذمي بذلك. لا أخذه قضاء؛ يعني أنه لا يكره لنا أن نأخذ ثمن الخمر من الكافر عن دين عليه لمسلم أو عن جزية، بل يباح لنا ذلك لتقدم سببه بخلاف البيع، واختلف أهل المدينة في مكتسب المال الحرام من نحو ربا ومعاملات فاسدة إذا مات، هل يحله الإرث وهو المعتمد أم لا؟ وأما الحرام العلوم أربابه فلا يحله الإرث على المعتمد، ويدل عليه قول المص: "ووارثه وموهوبه إن علما كهو"، وقولهم: الحرام لا ينتقل لذمتين، ليس مذهبنا. قاله الشيخ عبد الباقي. وشحم يهودي؛ يعني أنه يكره لنا أن نأكل شحم اليهودي الذي حرم عليه من مذبوحه من بقر وغنم بهبة أو شراء ونحوه، وهذا هو المشهور من ثلاثة أقوال ثانيها: الإباحة؛ وهو قول ابن القاسم وأشهب في المبسوط، وقول ابن نافع أيضا: ثالثها التحريم وهو قول مالك في الموازية،

стр. 3011

والأصل في هذا اختلافهم في قول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. الآية. هل المراد بذلك ذبائحهم أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد بذلك ذبائحهم أجاز أكل الشحوم؛ لأنها من ذبائحهم ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة دون بعض، ومن ذهب إلى أن المراد بذلك ما يأكلون منع، فالأقوال الثلاثة ترجع إلى قولين؛ لأن الكراهة من قبيل الجواز. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وشحم اليهودي هو الشحم الخالص كالثروب وشحم الكلى والقطنة على مثال معدة بالقاف والطاء والنون: التي تكون مع الكروش، وهي ذات الأطباق التي تسميها العامة: الرمانة، لا ما اختلط بعظم أو لحم ولا الحوايا وهي الأمعاء، والباعر: بنات اللبن بسكون الباء بمعنى الأكل؛ أي التي يستفر بها الأكل، والمباعر جمع مبعر موضع البر وهو رجيع ذي الخف والظلف. وذبح لصليب أو عيسى؛ يعني أن ما ذبح الكتابي للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب، بل ذبحوه لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى يكره لنا أن نأكله لأنهم يقصدون إباحته، فهو من طعامهم، ويقصدون به انتفاع من ذكر، (ونهى ﷺ عن الذبح للجان (١))، فإن قصد به اختصاصها بانتفاعها بالمذبوح كره، وإن قصد به التقرب إليها حرم، ومثل ما ذبح للصليب ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم ومن مضى من أحبارهم، ولجبريل ﵇: وما ذكره المص من الكراهة هو المذهب، وقال ابن لبابة وسحنون: هو حرام نظرا إلى أنه مما أهل به لغير الله تعالى، وذهب ابن وهب إلى جوازه من غير كراهة. قاله الشارح. وقد علمت مما مر ومما هنا أن ما ذبحوه بقصد التقرب لآلهتهم لا يأكلونه فيحرم علينا أكله؛ لأنه ليس من طعامهم إذ لم يقصدوا إباحته، وهو قوله: وذبح لصنم، وأن ما ذبحوه للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب بل ذبحود لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه يكره لنا أكله؛ لأنهم يقصدون إباحته فهو من طعامهم، ويقصدون بذلك انتفاع من ذكر. هذا محصل ما نقله العلامة بناني.

стр. 3012

وفي كتاب الشيخ الأمير وما ذبحوه لكعيسى وصليب وصنم إن ذكروا عليه اسم الله أكل ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وإلا فإن قصدوا إهداء الثواب من الله فكذلك يؤكل بمنزلة الذبح لولي، وإن قصدوا التقرب والتبرك بالألوهية أو تحليلها بذلك حرم أكله. انتهى. الجوهري: عيسى اسم عبراني أو سرياني، والجمع العِيسَوْن بفتح السين، وهذا مذهب البصريين، قالوا: لأن الألف لما سقطت لاجتماع الساكنين وجب أن تبقى السين على ما كانت عليه، وتقول: رأيت العيسين ومررت بالعيسين. وقبول متصدق به لذلك؛ يعني أنه يكره لنا أن نقبل ما تصدقوا به لأجل الصليب أو عيسى، وكذا ما تصدقوا به عن موتاهم؛ لأن قبوله في هذه الحالة تعظيم لشركهم دمرهم الله تعالى، وكذا يكره قبول ما يهدونه للمسلمين في أعيادهم، والقبول لذلك يدل على عدم وقر الإيمان بالقلب وكذا يكره جبن المجوسي لما فيه من أنافح الميتة، فإن تحقق وضعها فيه حرم قطعا، وإن تحقق عدم وضعها فيه أبيح قطعا، فمحل الكراهة مع الشك؛ لأن الطعام لا يطرح بالشك؛ ولأن صنائع الكفار محمولة على الطهارة كنسجهم. وذكر أبو إسحق: أن جبن المجوس حرام وجبن أهل الكتاب حلال، والأنافح جمع إنفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء المهملة: شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وذكاة خنثى؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخنثى، واعلم أن الخنثى إذا كان بهيمة لا يجزئ في الزكاة كما نص عليه غير واحد. وخصي؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخصي ومثله المجبوب فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وفاسق؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الفاسق، والفرق بينه وبين الكتابي أنه لا يقر على فسقه، بخلاف الكتابي فإنه يقر على دينه بالجزية، ولا تكره ذكاة الأغلف كما جزم به الحطاب، وحكى في البيان كراهة ذكاته، ولا تكره ذكاة المرأة والصبي على المشهور، وقيل بالكراهة فيهما ومحل الخلاف مع عدم الضرورة، وأما مع الضرورة فتصح من غير كراهة، وحكى اللخمي قولا بالكراهة ولو مع الضرورة، وتجوز ذكاة العبد ولا خلاف في ذلك إلا ما حكي عن عبد الله بن عمر من عدم جواز ذبح العبد الآبق. قاله الحطاب. ولا تكره ذكاة

стр. 3013

الجنب والحائض والأخرس، والظاهر إلحاق النفساء بالحائض، وروى عن عكرمة وقتادة أنهما قالا: لا يذبح الجنب وإن توضأ. وقال ابن رشد: وتجوز ذبيحة الجنب والحائض والأغلف والمسخوط في دينه وإن كان الأولى في ذلك الكمال والدين والطهارة، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة وقال ابن رشد في البيان: ستة لا تجوز ذبائحهم: الصغير الذي لا يعقل والمجنون في حال جنونه والسكران الذي لا يعقل والمجوسي والمرتد والزنديق: وستة تكره ذبائحهم: الصغير المميز والمرأة والخنثى والخصي والأغلف والفاسق، وستة مختلف في ذبائحهم: تارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والبدعي المختلف في تكفيره، والعربي النصراني، والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والأعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ. انتهى. ومثل النصراني يذبح للمسلم بأمره اليهودي، ومنع أكل ذبيحة تارك الصلاة إنما يأتي على القول بكفره، وقد نظم بعضهم الأقسام الثلاثة فقال: ذكاة مجوسي ومغمى وطافح … وطفل ومرتد ومن قد تزندقا حرام وزد خنثى وأنثى وأغلفا … خصيا وطفلا عاقلا وفويسقا ولكنها مكروهة وتنازعوا … بنشوان أو من كفره ما تحققا وفي كافر ذكَّى بإذن لمسلم … وفي عربي بالنصارى تعلقا ومنشأ الخلاف في البدعي النظر إلى كفره أو فسقه كتارك الصلاة، وفي نصارى العرب النظر إلى أنهم ارتدوا عن الإسلام أم لا، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ولا تكره من نصراني عربي أو عجمي يجيب للإسلام قبل بلوغه. انتهى.

стр. 3014

وفي ذبح كتابي لمسلم قولان؛ يعني أن ما ذبحه الكتابي أو نحره وهو ملك لمسلم فيوكله على ذبحه أو مشترك بينهما في إباحة أكله ومنعه قولان، وفيه قول ثالث بالكراهة، وما ذكره المص يجري في الضحية لكن لا تجزئ ضحية، وتعليل الباجي حرمة ما لا يستحله بأنه لا ينوي الذكاة يفيد أنه لا فرق في التحريم السابق بين أن يذبح ما لا يستحله لنفسه أو لغيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحينئذ فتجري فيه الأقوال المتقدمة عن ابن عرفة. والله أعلم. ومفهوم قوله: "لمسلم"، أن ذبحه لكافر لا يكون حكمه كذلك وهو كذلك، وحكمه أنه إن ذبح ما لا يحل لكل منهما اتفق على عدم صحة ذبحه، وإن ذبح ما يحل لكل منهما اتفق على صحة ذبحه. قاله الشيخ عبد الباقي. ولما أنهى الكلام على النوعين الأولين من أنواع الذكاة وقدمهما لتعلقهما بالإنسي غالبا المأنوس إليه دون الوحشي، أتبعهما بالكلام على النوع الثالث وهو الصيد المتعلق بالوحشي، فقال: وجرح مسلم، جرح بفتح الجيم مصدر، وهو عطف على "قطع"، الذي هو خبر "الذكاة"؛ يعني أن جرح المسلم ذكرا أو أنثى للوحشي بما سيذكره سبب في إباحة أكله بالشروط الآتية، والمراد بالجرح الإدماء ولو في الأذن مع شق الجلد أم لا، لا شق بدون إدماء في الصحيحة، بخلاف المريضة فتوكل بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لا شق الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: انظر هذا التفصيل، ويأتي له عند قول المص "أو عض بلا جرح" ما يفيد أنه لا يكون الشق دون إدماء إلا في المريض وهو الظاهر. واعلم أن شروط الصيد تسعة، ثلاثة في الصائد، وثلاثة في المصيد به، وثلاثة في الصيد، ونظمها ابن غازي فقال: كل صيد مسلم صحيح الذبح … غير مفرط بنحو الرمح أو جارح معلم ومرسل … من يده بصيده مشتغل يصيد مرءيا أخا امتناع … يموت من جرح بلا نزاع

стр. 3015

انتهى. وكل ما ذكر من الشروط إنما يشترط في صيد البر إذا فات أو أنفذ مقتله، فأما البحري فيؤكل ولو فات أو قتله كافر، وأما ما لم ينفذ منه مقتل من البري وقدر عليه فيذكى، ويشترط في ذكاته ما يشترط في الإنسي: أشار له الحطاب. والله أعلم. واحترز بقوله: "مسلم": من الكافر، فإنه لا يؤكل صيده كتابيا أو غيره؛ لأن الصيد رخصة لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ على أن المراد بهذه الآية إباحة الصيد، وأما على أن المراد بها المنع فلا دليل فيها على الإباحة، فمعنى الابتلاء حينئذ الاختبار هل يصبر عنه أم لا؟ لقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وذهب أشهب وابن وكعب وجماعة إلى عدم اشتراط الإسلام لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، لكن سياق الآية يدل على مذهب الجمهور؛ لأنه قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والظاهر كراهة صيد من تكره ذكاته كالخصي والخنثى والفاسق. قاله الحطاب. ابن عرفة: ابن حبيب: أكره صيد الجاهل لحدود الصيد غير متحر صوابه. انتهى. وإضافة جرح إلى مسلم من إضافة المصدر إلى فاعله، وحد ابن عرفة الصيد فقال: الصيد مصدرا أخذ مباح غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد ملكه، فلا يتوهم إضافة أخذ لفاعله واسما ما أخذ من مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد. انتهى. ومعنى بقصد: بنية الاصطياد، وهو راجع لما قبل بحري، واحترز بقوله: "جرح"، عما إذا مات بخنق أو حبالة أو من خوف أو جري أو عض أو صدم بلا جرح كما يأتي. وتحصل مما مر أن الكافر لا يؤكل صيده اتفاقا في المجوسي، وعلى المشهور في الكتابي. مميز؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد أن يكون الصائد مسلما كما مر، مميزا لا صبيا غير مميز وإلا مجنونا ولا سكرانا ولو كان يخطئ ويصيب وادعى الصيد حال الإفاقة، ويجري هنا نحو ما تقدم في ذبحه، والمشهور أن المرأة والمميز كالبالغ، وكرهه أبو مصعب. ولما تكلم على الصائد تكلم على الصيد، فقال: وحشيا؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد بالجرح أن يكون المجروح وحشيا لا إن كان إنسيا كما يأتي، وقوله: "وحشيا"، معمول "جرح"،
следующие страницы →